هذه الحالة, وصححه في «المحرر» لأن الجناية لم تتأكد, وقد يكون ما اتفق لها لعارضٍ قريب الزوال, وصحح النووي والرافعي في «الشرح الصغير» جوازه؛ لظاهر الآية.
أما هجرها في الكلام.. فيجوز في ثلاثة أيام, ويحرم فيما زاد عليها؛ للخبر الصحيح: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» وهذا في الهجر لغير عذر شرعي, فإن كان لعذر، كبدعة المهجور أو فسقه, أو صلاح دين أحدهما به.. جاز، وعليه يحمل هجره صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية, وكذا ما جاء من هجر السلف بعضهم بعضاً.
فإن أصرت على نشوزها وتكرر منها.. ضربها جوازاً؛ للآية, فمن جوز الضرب في حالة عدم تكرر النشوز.. قال: التقدير: واللاتي تخافون نشوهن.. فعظوهن, فإن نشزن... فاهجروهن في المضاجع واضربوهن, ومن منعه فيها.. قال: التقدير: واللاتي تخافون نشوزهن.. فعظوهن, فإن نشزن.. فاهجروهن في المضاجع, فإن أصررن.. فاضربوهن.
وإنما يجوز له ضربها إن نجع؛ أي: أفاد في ظنه حال كونه في غير وجه ونحوه بحيث لا يخاف منه تلف ولا ضرر ظاهر.
قوله: (مع ضمان ما وقع) منه؛ أي: لتبين أنه إتلاف لا إصلاح, والأولى له ترك الضرب, أمّا إذا لم ينجع الضرب.. فحرام كما في التعزير.
وإن منعها حقاً كقسم أو نفقة.. ألزمه القاضي توفيته, فإن أساء خلقه وآذاها بضرب أو غيره بلا سبب.. نهاه عن ذلك, فإن عاد إليه.. عزره بما يراه, وإن قال كلّ: إن صاحبه متعدّ عليه.. تعرف القاضي الحال بثقة في جوارهما يخبرهما, ومنع الظالم منهما من عوده إلى ظلمه؛ اعتماداً على خبر الثقة.
فإن اشتد الشقاق.. بعث القاضي حكماً من أهله وحكماً من أهلها؛ لينظر في أمرهما بعد اختلاء حكمه به وحكمها بها, ومعرفة ما عندهما في ذلك ويصلحا بينهما, أو يفرقا إن عسر الإصلاح, وصحح في «الروضة» وجوب بعث الحكمين؛ لظاهر الأمر في الآية, وكونهما من أهلهما ليس واجباً, بل هو مستحب, وهما وكيلان لهما فيشترط رضاهما ببعث الحكمين،
فيوكل حكمه بطلاق وقبول عوض خلع, وتوكل حكمها ببذل عوض وقبول طلاق به, ويفرق الحكمان بينهما إن رأياه صواباً.
وإذا رأى حكم الزوج الطلاق.. استقل به ولا يزيد على طلقة, وإن رأى الخلع ووافقه حكمها.. تخالعا, ويعتبر فيهما تكليف, وإسلام, وحرية, وعدالة, واهتداء إلى ما بُعثا له لا اجتهاد وذكورة.
قال الرافعي: وإنما اعتبر فيهما الإسلام والحرية والعدالة على القول بوكالتهما؛ لتعلقها بنظر الحاكم كما في أمينه.
والألف في قول الناظم: (ختما), و (الحَظا) و (وَعَظا) للإطلاق, وقوله: (ورَتْقا) بالقصر؛ للوزن.
باب الخلع
بضم الخاء من الخلع بفتحها وهو النزع سمي به؛ لأن كلاً من الزوجين لباس الآخر، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187].
وهو في الشرع: فرقة بعوضٍ راجع لجهة الزوج أو سيده.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229] الآية, وقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: 4] الآية, وخبر البخاري عن ابن عباس قال: (أتت امرأة ثابت بن قيس النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ ثابت بن قيس ما أعتب – وفي رواية: ما أنقم – عليه في خلق ولا دين, ولكني أكره الكفر في الإسلام) أي: كفران النعمة, فقال: «أتردين عليه حديقته؟ », قالت: نعم, قال: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة», وفي رواية: (فردتها وأمره بفراقها), وزاد النسائي: أنه كان ضربها فكسر يدها", قال ابن داوود وغيره: وهو أول خلع جرى في الإسلام, والمعنى فيه: أنه لما جاز أن يملك الزوج الانتفاع بالبضع بعوضٍ.. جاز أن يُزيل ذلك، الملك بعوض؛ كالشراء والبيع, فالنكاح كالشراء, والخلع كالبيع, وفيه أيضاً دفع الضرر عن المرأة غالباً, ويجوز فى حالتى الشقاق والوفاق, وذكر الخوف فى الآية جري على الغالب.
والأصح: أنه مكروه إلا أن يخافا أو أحدهما ألا يقيما حدود الله التي افترضها في النكاح, أو أن يحلف بالطلاق الثلاث على فعل ما لا بد له من فعله فيخالع, ثم يفعل المحلوف عليه؛ لأنه وسيلة للتخلص من وقوع الثلاث.
وله ثلاثة أركان: عاقد, ومعقود عليه, وصيغة.
(يَصِحّ مِن زوجٍ مُكَلَّفٍ بِلا... كُرْهٍ بِبَذْلِ عِوَضٍ لَم يُجْهَلا)
(أَمَّا الذي بالخَمْرِ أَو مَعْ جَهْلِ... فَإِنَّهُ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ)
(تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِهِ ويَمْتَنِعْ... طَلاقُهَا ومَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعْ)
[شرط عاقد الخلع]
الركن الأول: العاقد, وشرط الزوج أن يكون مكلفاً؛ أي: بالغاً عاقلاً مختاراً, فلا يصخ خُلع الصبي والمجنون والمكره, والولي زوجة الصغير أو المجنون, ويصح خلع السكران, فلو خالع عبدٌ أو محجوز عليه لسفهٍ.. صح؛ لوجود الشرط وإن لم يأذن السيد والولي, ووجب دفع العوض ديناً كان أو عيناً إلى سيده ووليه؛ ليبرأ الدافع منه, ويملكه السيد كسائر أكساب العبد.
نعم؛ لو كان مكاتباً.. سُلِّمَ العوض له, أو مبعضاً: فإن كانت مهايأة.. فلصاحب النوبة في الأظهر, وإلاً.. دفع للعبد ما يخص حريته.
ولو قال السفيه: (إن دفعت لي كذا فأنت طالق).. لم تطلق إلاّ بالدفع إليه, وتبرأ به كما قاله الماوردي, وكذا يقال في العبد, ويصح خلع المحجور عليه بفلسٍ.
وشرط قابله من الزوجة أو الأجنبي بجواب أو سؤال: إطلاق تصرفه في المال؛ بأن يكون بالغاً عاقلاً غير محجور عليه, فإن اختلعت أمة بلا إذن سيدها بدين في ذمتها, أو عين ماله.. بانت؛ لذكر العوض, وللزوج في ذمتها مهر مثل في صورة العين, وفي صورة الدين المسمى لا مهر المثل وإن رجحه في «المحرر» و «الشرح الصغير», ثم ما ثبت في ذمتها إنما تطالب به بعد العتق.
وإن أذن لها السيد وعين عيناً له من ماله, أو قدر ديناً في ذمتها فامتثلت.. تعلق بالعين, وبكسبها في الدين؛ لأن العوض في الخلع كالمهر في النكاح, والمهر في كسب العبد فكذلك ههنا, فإن زادت على ما قدره.. طولبت بالزائد بعد العتق.
وإن أطلق الإذن.. اقتضى مهر مثل من كسبها, فإن زادت عليه.. طولبت بالزائد بعد العتق, وإن قال: (اختلعي بما شئتِ).. اختلعت بمهر المثل وأكثر منه، وتعلق الجميع
بكسبها, ثم ما يتعلق بكسبها يتعلق بما في يدها من مال التجارة إن كانت مأذوناً لها فيها, ولا يصير السيد بإذنه في الخلع بالدين ضامناً له.
وإن قال لمحجور عليها بسفه: (خالعتك على كذا), أو (طلقتك عليه) فقبلت,, طلقت رجعياً ولغا ذكر المال وإن أذن وليها فيه؛ لأنها ليست من أهل التزامه, وظاهر أنه لو كان ذلك قبل الدخول.. طلقت بائناً؛ كما قاله النووي في «نكت التنبيه), فإن لم تقبل.. لم تطلق؛ لأن الصيغة تقتضي القبول فأشبه الطلاق المعلق صفة.
ويصح اختلاع المريضة مرض الموت؛ لأن لها التصرف في مالها.
(ولا يحسب من الثلث إلا زائد على مهر مثل, بخلاف مهر المثل أو أقل منه فمن رأس المال؛ لأن التبرع إنما هو بالزائد وليس وصية لوارث؛ لخروجه بالخلع عن الإرث, ويصبح خلع المريض مرض الموت بدون مهر المثل؛ لأن البضع لا يبقى للوارث لو لم يخالع.
[شرط المعقود عليه]
الركن الثاني.
المعقود عليه: فشرط المعوض - وهو البضع -: أن يكون مملوكاً للزوج فيصح خلع رجعية؛ لأنها كالزوجة في كثير من الأحكام, بخلاف البائن بخلع أو نحوه؛ إذ لا فائدة فيه.
ويشترط في عوضه شروط سائر الأعواض؛ ككونه متمولاً, مملوكاً ملكاً مستقراً, مقدوراً على تسلمه معلوماً, فيصح عوضه قليلاً وكثيراً ديناً وعيناً ومنفعة كالصداق, فلو خالعها على ما ليس بمال؛ كخمر, أو على مجهول؛ كثوب غير معين ولا موصوف.. أوجب هذا الخلع مهر المثل عليها؛ لأنه المَرَدٌ عند فساد العوض.
ولو جرى الخلع مع أبيها, أو أجنبيّ على هذا الخمر مثلاً.. فرجعيّ ولا مال, واستثني من وجوب مهر المثل في مسألة الخلع بخمر أو نحوه الكفارُ إذا حصل الإسلام بعد قبضه.
ولو خالع على ما لا يقصد كالدم.. وقع رجعياً بخلاف الميتة؛ لأنها قد تقصد للجوارح وللضرورة.
ولهما التوكيل, فلو قال لوكيله: (خالعها بألفٍ).. لم ينقص منه, فلو نقص.. لم تطلق؛ لمخالفته للمأذون فيه, وله أن يزيد عليه من جنسه وغيره, وإن أطلق.. لم ينقص عن مهر مثل؛ لأنه المَرَد, وله أن يزيد عليه من جنسه وغيره, فلو نقص.. وقع بمهر المثل؛ لفساد المسمى بنقصه عن المَرَدّ.
ولو قالت لوكيلها: (اختلع بألفٍ), فاختلع به أو بأقل.. نفذ, وإن زاد فقال: (اختلعتها بألفين من مالها بوكالتها).. بانت ولزمها مهر مثل؛ الفساد المسمى بزيادته على المأذون فيه, وإن أضاف الوكيل الخلع إلى نفسه.. فخلع أجنبيّ وهو صحيح, وإن أطلق.. فعليها ما سمت, وعليه الزيادة.
والخلع طلقة بائنة؛ لأن العوض إنما بذل للفرقة, والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ, فوجب أن يكون طلاقاً بائناً, وينبني عليه أنها تملك به نفسها؛ فلا يلحقها بعده طلاق ولو في العدة؛ لبينونتها, ولا يملك رجعتها, ولا تحلُ له إلا بنكاح جديد.
[صيغة الخلع]
الركن الثالث: الصيغة؛ فلفظ الخلع مع ذكر المال صريح في الطلاق؛ لشيوعه في العرف والاستعمال للطلاق, وبدونه كناية, وقيل: صريح أيضاً وسيأتي, ويصح بباقي كنايات الطلاق مع النية, وبغير العربية.
وإذا بدأ الزوج بصيغة معاوضة؛ كـ (طلقتك), أو (خالعتك بكذا) فقبلت.. فهو معاوضة فيها شوب تعليق؛ لتوقف وقوع الطلاق فيه على القبول, وله الرجوع قبل قبولها؛ نظراً لجهة المعاوضة, ويعتبر قبولها بلفظ غير منفصل بكلام أو زمن طويل.
فلو اختلف إيجاب وقبول؛ كـ (طلقتك بألف) فقبلت بألفين, أو (طلقتك ثلاثاً بألفٍ) فقبلت واحدة بثلث ألف.. فلغو, ولو قال: (طلقتك ثلاثاً بألفٍ) فقبلت واحدة به.. طلقت ثلاثاً ولزمها الألف؛ لأن الزوج يستقل بالطلاق, والزوجة إنما يعتبر قبولها بسبب المال وقد وافقته في قدره.
وإن بدأ بصيغة تعليق؛ كـ (متى) أو (متى ما أعطيتني كذا.. فأنت طالق).. فتعليق, فلا رجوع له قبل الإعطاء, ولا يعتبر القبول لفظاً, ولا الإعطاء على الفور, وإن قال: (إن) أو (إذا أعطيتني كذا.. فأنت طالق)., فكذلك, لكنه يعتبر إعطاؤه فوراً؛ لأنه قضية العوض في المعاوضة, وإنما تركت هذه القضية في (متى) لأنها صريحة في جواز التأخير, شاملة لجميع الأوقات؛ كـ (أي وقت), بخلاف (إن) و (إذا).
وإن بدأت بطلب طلاق؛ كأن قالت: (طلقني على كذا) فأجاب.. فمعاوضة مع شوب جعالة؛ لأنها تبذل المال في تحصيل ما يستقل به الزوج من الطلاق المحصل للغرض؛ كما في الجعالة يبذل الجاعل المال في تحصيل ما يستقل به العامل من الفعل المحصل للغرض, فلها
الرجوع قبل جوابه؛ لأن هذا شأن المعاوضة والجعالة كلتيهما, ويعتبر جوابه فوراً؛ لأنه شأن المعاوضة.
ولا فرق فيما ذكر بين أن تطلب بصيغة معاوضة وتعليق, ولا بين أن يكون التعليق بـ (إن) أو (متى) نحو: (إن طلقتني), أو (متى طلقتني فلك كذا), وإن أجابها بأقل مما ذكرته.. لم يضر, فلو طلبت ثلاثاً بألف وهو يملكها, فطلق طلقة بثلثه, أو سكت عن العوض.. فواحدة بثلثه؛ تغليباً لشوب الجعالة, ولا يضر تخلل كلام يسير بين إيجاب وقبول.
والألف في قول الناظم: (يُجهلا) بدل من نون التوكيد إن بني للمفعول, أو للفاعل وأُعِيدَ على الزوج, وإن أعيد على المتخالعين المفهومين من الخلع.. فضمير تثنية.
......
بابُ الطَّلاق
هو لغةً: حل القيد والإطلاق، وشرعاً: حلّ عقد النكاح بلفظ الطلاق أو نحوه, وعرفه النووي رحمه الله تعالى في «تهذيبه» بأنه تصرفت مملوك للزوج يحدثه بلا سبب فيقطع النكاح.
والأصل فيه قبل الإجماع: الكتاب؛ كقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229], وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1], والسُنة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فقال: راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة, وإنها زوجتك في الجنة» رواه أبو داوود بإسناد حسن, وكقوله: «ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق» رواه أبو داوود بإسناد صحيح, والحاكم وصححه, والاحتجاج بأنه صلى الله عليه وسلم راجع سودة.. أنكره ابن حزم وقال: لم يطلقها قط.
وللطلاق أربعة أركان: صيغة, ومطلق, وقصد للطلاق, وزوجة.
(صَرِيحُهُ سَرَّحْتُ أَوْ طَلَّقْتُ... خالَعْتُ أو فادَيْتُ أو فارَقْتُ)
(وكُلُّ لَفْظٍ لِفِرَاقٍ احْتَمَلْ... فَهْوَ كِنَايَةٌ بِنَيَّةٍ حَصَلْ)
(والسُنَّةُ الطَّلاقُ في طُهْرٍ خَلا... عَن وَطْئِهِ أَو باخْتِلاعٍ حَصَلا)
(وَهْوَ لِمَنْ لم تُوطَ أو مَن يَئِسَتْ... أو ذاتِ حَمْلٍ لا وَلا أو صَغُرَتْ)
(للحُرِّ تَطليقُ الثلاثِ تَكْرِمَهْ... والعَبْدُ ثِنْتَانِ وَلوْ مِنَ الأَمَهْ)
(وإِنَّمَا يَصِحُّ مِن مُكَلَّفِ... زَوْجٍ بلا إكْرَاهِ ذِي تَخَوُّفِ)
(وَلَوْ لِمَنْ في عِدَّةِ الرَّجْعِيَهْ... لا إِنْ تَبِنْ بِعِوَضِ العَطِيَّهْ)
(وَصَحَّ تعليقُ الطَّلاقِ بِصِفَهْ... إلا إذا بالمُستَحِيلِ وَصَفَهْ)
(وصَحَّ الاسْتِثْنَا إذا ما وَصَلَهْ... إِن يَنْوِهِ مِن قَبْلِ أَن يُكَمِّلَهْ)
[صيغة الطلاق وما يتعلق بها]
الركن الأول: الصيغة؛ وصريحه: (سرحت), أو (طلقت), أو (خالعت), أو (فاديت), أو (فارقت), أما الطلاق.. فلاشتهاره فيه لغة وشرعاً, وأما الفراق والسراح.. فلورودهما في القرآن بمعناه, قال تعالى: ﴿أوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2], وقال: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 49].
وأما لفظ الخلع.. فلشيوعه في العرف والاستعمال للطلاق, وأما المفاداة.. فلورودها في القرآن بالخلع, قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229], وقضية كلامه كـ «الحاوي الصغير» و «المنهاج» و «أصله»: أن لفظ الخلع والمفاداة صريح في الطلاق وان لم يذكر المال, وصرح به البغوي وصاحب «الأنوار» والنسائي والإسنوي والبلقيني, وحكى في «أصل الروضة» في صراحة ذلك قولين بلا تصحيح, ثم قال: وإذا قلنا بصراحته.. فذاك إذا ذكر المال, فإن لم يذكره.. فكناية على الأصح.
وقال البلقيني: لا يشترط في صراحته ذكر العوض على طريقة الأكثرين, خلافاً لما وقع في «الروضة» وغيرها، ورجح الأذرعيّ: أنه كناية مطلقاً, قال: وعليه أكثر نصوص الشافعي رضي الله تعالى عنه.
وصرائح الطلاق منحصرة في ألفاظ ليس هذا منها, وأقوى مأخذ في صراحته اشتهاره واستعماله في الفراق, وسيأتي أن الاشتهار غير مقتض للصراحة عند العراقيين, وذكر نحوه الزركشي.
ويعتبر في نحو: (طلقت) إذا ابتدأ به ذكر الزوجة.
فلو قال ابتداءً: (طلقت) أو (سرحت) ونواها.. لم تطلق؛ لعدم الإشارة والاسم, نقله الشيخان عن قطع القفال وأقراه.
ومثل ما ذكره الناظم: (أنت طالق), و (مطلقة), و (يا طالق), و (أنت مفارقة), و (يا مفارقة), و (أنت مسرحة), و (يا مسرحة), لا (أنت طلاق), و (الطلاق), و (فراق), و (الفراق), و (سراح), و (السراح) لأن المصادر إنما تستعمل في الأعيان توسعاً فتكون كنايات.
وترجمة الطلاق بغير العربية صريح على المذهب؛ لشهرة استعمالها عند أهلها شهرة استعمال العربية عند أهلها, وفي ترجمة الفراق والسراح الخلاف, لكن الأصح هنا: أنها كناية, قاله الإمام والروياني؛ لأن ترجمتهما بعيدةً عن الاستعمال؛ كذا في «أصل الروضة».
ولو اشتهر لفظ للطلاق؛ كـ (الحلال), أو (حلال الله علي حرام), أو (أنت عليَّ حرامٌ).. قال الرافعي: فصريح في الأصح عند من اشتهر عندهم؛ لغلبة الاستعمال وحصول التفاهم به عندهم", وصحح النووي: أنه كناية", ونصت عليه في «الأم, كما ذكره في «المطلب " لأن الصريح إنما يؤخذ من ورود القرآن به, وتكرره على لسان حملة الشريعة, وليس المذكور كذلك, أما من لم يشتهر عندهم.. فهو كناية في حقهم قطعاً.
ولو قال: (أنت حرام), ولم يقل (عليّ).. فهو كناية قطعاً, وكل لفظ يحتمل الفراق.. فهو كناية بنية تقترن به فيحصل الفراق؛ ك (أطلقتك), و (أنت مطلقة) بسكون الطاء, (خليّة), (بريّة), (بتة), (بتلة), (بائن), (اعتدي), (استبرئي رحمك) وإن لم تكن مدخولاً بها, (الحقي بأهلك), (حبلك على غاربك), (لا أنده سَرْبك), (اغربي), (اعزبي), (دعيني), (ودُعيني), (تزودي), (تجرعي), (ذوقي), (اذهبي), (كلي), (اشربي), (اخرجي), (ابعدي), (سافري), (تجنبي), (تقنعي), (تجردي), (تستري), (الزمي الطريق), (برئت منك), (ملكتك نفسك), (أحللتك), (لا حاجة لي فيك), (أنت وشأنك), (أنت طلقة), أو (نصف طلقة), أو (لك الطلاق), أو (عليك الطلاق), أو (أنت والطلاق), أو (وطلقة).
ولا تصير ألفاظ الكناية صرائح بقرينة من نحو غضب وسؤال طلاق, واعتبر في «الحاوي الصغير»: اقتران نية الطلاق بأول لفظ الكناية وإن عزبت في آخره؛ أي: بخلاف عكسه لا يكفي؛ إذ انعطافها على ما مضى بعيد, بخلاف استصحاب ما وجد, ولأنها إذا وجدت في أوله.. عرف قصده منه, والتحق بالصريح, وهاذا ما نقله النووي في «تنقيحه) عن تصحيح ابن الصلاح وأقره, وصححه الجرجاني, والبغوي في «تعليقه) وغيرهما, وقال ابن الرفعة: إنه الذي يقتضيه نص «الأم», قال في المهمات: وبه الفتوى؛ كما أشعر به كلام
الشيخين, وقال الماوردي بعد تصحيحه له: إنه أشبه بمذهب الشافعي.
وصحح في «أصل الروضة»: الوقوع في الصورتين, وفي «أصل المنهاج»: المنع فيهما, فاعتبر مقارنة النية لكل اللفظ, وجرى عليه البلقينى.
واللفظ الذي يعتبر قرن النية به هو لفظ الكناية؛ كما صرح به الماوردي والروياني والبندنيجى, فمثل الأول؛ لقرنها بالأول بالباء من (بائن), والآخران بقرنها بالخاء من (خلية), لكن مثّل له الرافعى تبعاً لجماعة بقرنها ب (أنت) من (أنت بائن), وصوب في «المهمات» الأول؛ لأن الكلام في الكنايات؛ إذ النية جعلت لصرف اللفظ لأحد محتملاته, والمحتمل إنما هو (بائن) مثلاً, وأما (أنت).. فإنما يدل على المخاطب, لكن أثبت ابن الرفعة في المسألة وجهين, وأيد الاكتفاء بها عند (أنت) بما إذا وقع (أنت) زمن الطهر و (طالق) زمن الحيض, فإن ابن سريج قال: يكون الطلاق سنياً ويحصل لها قرء.
[انقسام الطلاق إلى سنيٍّ وبدعيٍّ ولا ولا]
ثم الطلاق ينقسم إلى: سني, وبدعي, ولا ولا.
فالسني: طلاق مدخول بها في طهر لم يجامعها فيه؛ أي: ولا في حيض قبله ولم تستدخل فيه ماءه, وليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة, وهي تعتد بالأقراء, وذلك لاستعقابه الشروع في العدة وعدم الندم, وقد قال تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أي: في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة, وفي «الصحيحين»: أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض, فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, فإن شاء.. أمسكها, وإن شاء.. طلقها قبل أن يجامع, فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء».
والبدعي: طلاق مدخول بها بلا عوض في حيض أو نفاس ولو في عدّة طلاق رجعي, وهي تعتد بالأقراء, أو في طهر جامعها فيه ولو في الدبر, أو استدخلت ماءه, أو في حيض قبله
وكانت ممن تحبل ولم يتبين حملها, وكذا طلاق من لم تستوف دورها من القسّم.
أما الأول.. فلمخالفته قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1], وزمن الحيض والنفاس
لا يحسب من العدة, والمعنى فيه تضررها بطول التربص.
وأما الثاني.. فلأدائه إلى الندم عند ظهور الحمل؛ فإن الإنسان قد يطلق الحائل دون الحامل, وعند الندم قد لا يمكنه التدارك فيتضرر هو والولد.
وألحقوا الجماع في الحيض بالجماع في الطهر؛ لاحتمال العلوق فيه, وكون بقيته مما دفعته الطبيعة أولاً وتهيأ للخروج, وألحقوا الجماع في الدبر بالجماع في القبل؛ لثبوت النسب ووجوب العدة به.
ولو طولب المُولي بالطلاق فطلق في الحيض.. لم يحرم كما قاله الإمام والغزالي وبحث فيه الشيخان, ولو طلق الحاكم عليه, أو الحكمان في الشقاق.. فلا تحريم أيضاً.
ويستحب لمن طلق بدعياً أن يراجع مطلقته ما لم يدخل الطهر الثاني؛ لخبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما, ثم إن راجع والبدعة لحيض.. فيسن ألا يطلقها في الطهر منه, أو لوطءٍ في طهر أو حيض قبله: فإن وطئها بعد الرجعة فيه.. فلا بأس بطلاقها في الطهر الثاني, وإلا.. استحب ألا يطلقها فيه, وأما من لم تستوف دورها.. فرجعتها واجبة.
وطلاق غير الموطوءة والآيسة والحامل والصغيرة؛ أي: والمختلعة.. ليس بسني ولا بدعي؛ لانتفاء ما ذكر فيها, ولأن افتداء المختلعة يقتضي حاجتها إلى الخلاص بالفراق, ورضاها بطول التربص, وأخذه العوض يؤكد داعية الفراق, ويبعد احتمال الندم, وما ذكرته في المختلعة.. هو المعتمد, خلاف ما ذكره الناظم فيها من أن طلاقها سني.
قال في «الشرح الصغير»: وقد تضبط الأقسام على الإبهام؛ بأن يقال: الطلاق إن حَرُم إيقاعه.. فبدعيّ, وإلا.. فسني في حق من يعتورها التحريم, وليس بسني ولا بدعي في حق غيرها.
وقول الناظم: (لا ولا) أي: لا سنة فيه ولا بدعة, فحذف كما قال الحريري: (بورك فيك من طِلا كما بورك في لا ولا) أراد: ﴿شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35].
وللحر أن يطلق ثلاث تطليقات ولو كانت زوجته أمة؛ تكرمة لحريته؛ لأنه صلى الله عليه
وسلم سُئل عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229], أين الثالثة؟ فقال: «﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]» رواه أبو داوود, وصححه ابن القطان, وعمومها يشمل الأمة, ولأن الطلاق ملك فاعتبر بمالكه, ومشروع لحاجة الرجل فاعتبر بجانبه.
وللعبد طلقتان فقط؛ أي: وإن كانت زوجته حرة, قاله عثمان وزيد بن ثابت,
ولا مخالف لهما من الصحابة, رواه الشافعي عن مالك بإسناده, والمبعض كالقن.
ومحل ما ذكره: إذا كان رقيقاً عند الطلقة الثانية, فلو طلق الذمي طلقتين, ثم نقض العهد وحارب فاسترق.. ملك الثالثة.
[شروط الزوج المطلق]
الركن الثاني: المطلق وهو الزوج؛ فلا يصح الطلاق إلا من زوج مكلف مختارٍ, فلا ينفذ طلاق غير الزوج أو وكيله فيه, إلا فيما سيأتي في المُولي يطلق عليه الحاكم, ولا طلاق غير المكلف من صبي أو مجنون.
أما من أئم بمزيل عقله من شراب أو دواء.. فالمذهب: أنه ينفذ طلاقه وتصرفه له وعليه قولا وفعلاً؛ كالنكاح والعتق, والبيع والشراء, والإسلام والردة, والقتل والقطع وإن كان غير مكلفٍ؛ لأن ما عنده من الفهم والقصد يكفي في نفوذ التصرف؛ إذ هو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب, ويرجع في حد السكران إلى العرف.
أما المكره على الطلاق بغير حق.. فلا يقع طلاقه؛ لخبر: «لا طلاق في إغلاق» رواه أبو داوود, وصححه الحاكم على شرط مسلم, وفسر الشافعي وغيره الإغلاق بالإكراه.
وشرط الإكراه: أن يكون بمخوفي يؤثر العاقل الإقدام عليه حذراً مما هدد به, فيختلف باختلاف المطلوب والأشخاص.
والتعيين, فلو قال: (طلق إحداهما) فطلق معينة.. فالمذهب: وقوعه, وكون المحذور عاجلاً غير مستحق, وقدرة المكره على تحقيق ما هدده به بولاية أو تغلب, وعجز المكرَه عن
دفعه بهرب وغيره, وظنه أنه إن امتنع.. حققه, ولو نوى المكره حال تلفظه بالطلاق إيقاعه, أو ظهرت قرينة اختيار؛ كأن أُكْرِه على ثلاث فوحد، أو صريح فكنى, أو تعليق فنجز، او على (طاقت) فسرح, آو بالعكوس.. واقع.
[اشتراط قصد الطلاق]
الركن الثالث: قصد الطلاق؛ فيشترط قصد اللفظ بمعناه, فحكاية الطلاق وكذا طلاق النائم,, لغوٌ وإن قال: (أجزته) أو (أوقعته), وكذا سبق اللسان؛ لكن يؤاخذ به, ولا يصدق ظاهراً إلا بقرينة, ولو ظنت صدقه بأمارة.. فلها مصادقته, وكذا للشهود ألا.. يشهدوا
فإن كان اسمها طالعاً أو طارقاً أو طالباً فناداها (يا طالق).. طلقت, وإن ادعى سبق اللسان.. قُبل منه, أو كان اسمها طالقاً فناداها.. لم تطلق إلا إن نوى.
ويقع طلاق الهازل وعتقه وسائر تصرفاته ظاهراً وباطناً.
[محل الطلاق]
الركن الرابع: الزوجة, ولو كانت في عدّة طلاق رجعي.. فيلحقها الطلاق؛ لبقاء الولاية على المحل والملك؛ بدليل أن كلاً منهما يرث الآخر, بخلاف من بانت منه بعوض أو غيره؛ فإنها لا يلحقها الطلاق؛ لأنها ليست بزوجة؛ بدليل أنه لا يصح ظهارها ولا الإيلاء منها ولا يتوارثان,
[تعليق الطلاق]
ويصح تعليق الطلاق بصفة كتعليقه بفعله أو فعل غيره؛ كقوله: (إن دخلت الدار.. فأنت طالق).
وأدوات التعليق: (إن) و (إذا) و (متى) و (متى ما) و (كلما) ونحوها, ولا يقتضين فوراً إن علق بمثبت؛ كالدخول في غير خلع, إلا (أنت طالق إن شئت) ولا تكرراً إلا (كلما).
ولو قال: (إذا طلقتك.. فأنت طالق ثم طلق), أو علق بصفة فوجدت.. فطلقتان, أو (كلما وقع طلاقي.. فأنت طالق) فطلق.. فثلاث في موطوءة؛ واحدة بالتنجيز وثنتان بالتعليق بـ (كلما) واحدة بوقوع المنجزة وأخرى بوقوع هذه الواحدة, وفي غيرها طلقة.
ولو علق بنفي فعل.. فالمذهب: أنه إن علق بإن؛ كـ (إن لم تدخلي الدار.. فأنت طالق).. وقع عند اليأس من الدخول, أو بغيرها؛ كإذا.. فعند مضي زمن يمكن فيه ذلك الفعل من وقت التعليق ولم يفعل يقع الطلاق.
ولو قال: (أنت طالق أن دخلت الدار وأن لم تدخلي) بفتح (أن).. وقع في الحال؛ لأن المعنى للدخول أو لعدمه بتقدير لام التعليل؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 14], وسواء أكان فيما علل به صادقاً أم كاذباً، إلا في غير نحويّ.. فتعليق في الأصح؛ لأن الظاهر قصده له, وهو لا يميز بين (إن) و (أن).
ولو علق الزوج الطلاق بفعله؛ كأن علقه بدخوله الدار ففعل المعلق به ناسياً للتعليق, أو ذاكراً له مكرهاً على الفعل, أو طائعاً جاهلاً بأنه المعلق عليه.. لم تطلق في الأظهر؛ لخبر ابن ماجه وغيره: «إن الله عز وجل وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أي: لا يؤاخذهم بذلك.
أو بفعل غيره ممن يبالي بتعليقه لصداقة أو نحوها, وعلم به أو لم يعلم, وقصد الزوج إعلامه به, وفعله ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً.. لا يقع الطلاق في الأظهر.
وإن لم يبال بتعليقه كالسلطان, أو كان يبالي به ولم يعلم به, ولم يقصد الزوج إعلامه به.. وقع الطلاق بفعله وإن اتفق في بعض صوره نسيان أو نحوه؛ لأن الغرض حينئذ مجرد التعليق بالفعل من غير أن ينضم إليه قصد المنع.
قوله: (إلا إذا بالمستحيل وصفه) أي: فإنه يقع في الحال؛ لاستحالة ذلك فيلغو التعليق, ولا فرق فيه بين المستحيل عقلاً؛ كالجمع بين الضدين, والمستحيل شرعاً؛ كإن نسخ صوم شهر رمضان, والمستحيل عرفاً؛ كـ (إن صعدت في السماء وطرت).
وما جرى عليه الناظم.. رأي مرجوحٌ, والأصح: لا وقوع في المستحيل عقلاً وشرعاً كالمستحيل عرفاً؛ لأن الأصحاب اتفقوا على تصحيحه وهو المنصوص؛ لأنه لم ينجُزه, وإنما علقه بصفة ولم يوجد, وقد يكون الغرض من التعليق بالمستحيل امتناع الوقوع؛ لامتناع وقوع المعلق به, كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].
والأقرب: أن معنى كلام المصنف: أن تعليق الطلاق بالمستحيل الشامل لأقسامه الثلاثة
لا يصح؛ فلا يقع به طلاق؛ لأنه لاغ, فقد صحح الرافعي في (الأيمان) فيما لو حلف لا يصعد السماء.. أن يمينه لا ينعقد", ومقتضاه: عدم انعقاد التعليق هنا.
[حكم الاستثناء في الطلاق]
ويصح الاستثناء في الطلاق؛ كـ (أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة).. فيقع ثنتان؛ لوقوعه في القرآن والسنة وكلام العرب, وهو الإخراج ب (إلا) أو إحدى أخواتها من متكلم واحد.
قال النحويون: اللفظ قبل الاستثناء يحتمل المجاز, فإذا جاء الاستثناء.. رفع المجاز وقرره, فاللفظ قبل الاستثناء ظني, وبعده قطعي.
ويعتبر في صحته اتصاله بالمستثنى منه, فإن انفصل.. لم يؤثر, ولا يضر في الاتصال سكتة تنفس أو عي أو تعب؛ لأنها لا تعد فاصلة, بخلاف الكلام اليسير الأجنبي فيضر على الصحيح, وتلفظه به بحيث يسمع نفسه, وإلا.. لم يقبل, ولا يديّن على المشهور, ونيته قبل فراغ اليمين, وعدم استغراقه للمستثنى منه فلو قال: (أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً).. لم يصح الاستثناء, ويقع الثلاث.
ولا يجمع المفرق في المستثنى ولا في المستثنى منه؛ فلو قال: (أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين وواحدة).. فواحدة, ولا يجمع المستثنى ليكون مستغرقاً, ويلغى قوله: (وواحدة) لحصول الاستغراق بها, أو (أنت طالق طلقتين وواحدة إلا واحدة).. فثلاث, ولا يجمع المستثنى منه فتكون الواحدة مستثناة من الواحدة فيلغو الاستثناء, وهو من نفى إثبات وعكسه.
فلو قال: (أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة).. فثنتان؛ لأن المستثنى الثاني مستثنى من الأول فيكون المستثنى فى الحقيقة واحدة, أو ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا ثنتين.. فثنتان؛ لما ذكر, أو خمساً إلا ثلاثاً.. فثنتان, أو ثلاثاً إلا نصف طلقة.. فثلاث.
ولو قال: (أنت طالق إن شاء الله, أو إن لم يشأ الله) أي: طلاقك, وقصد التعليق.. لم يقع الطلاق؛ لأن المعلق عليه من مشيئة الله تعالى أو عدمها غيرُ معلوم, ولأن الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى محال, وكذا (أنت طالق إلا أن يشاء الله)؛ لأن استثناء المشيئة يوجب حصر الوقوع في حالة عدم المشيئة, وذلك تعليق بعدم المشيئة, وقد تقدم أنه لا يقع الطلاق فيه.
ويمنع التعليق بالمشيئة أيضاً انعقاد تعليق, نحو: (أنت طالق إن دخلت الدار إن
شاء الله), وعتق نحو: (أنت حر إن شاء الله), ويمين نحو: (والله؛ لأفعلن كذا إن شاء الله), ونذر نحو: (لله عليّ أن أتصدق بمئة إن شاء الله), وكل تصرف غير ما ذكر كبيع وغيره.
ولو قال: (يا طالق إن شاء الله).. وقع في الأصح؛ نظراً لصورة النداء المشعر بحصول الطلاق حالته, والحاصل لا يعلق بالمشيئة.
والألف في قول الناظم: (حصلا) للإطلاق, وقوله: (توط) بحذف الألف المبدلة من الهمزة, ثم إن كان الإبدال قبل دخول الجازم.. فهو إبدال شاذ, فحذفها جائز؛ نظراً إلى صيرورتها حرف علة وإن كان الأكثر إثباتها؛ نظراً إلى أصلها المبدل عنه, وكما لا تحذف الهمزة.. لا يحذف ما انقلب عنها, وإن كان بعده.. فهو إبدال قياسي, ويمتنع حينئذ حذفها؛ لاستيفاء الجازم مقتضاه، فحذفها حينئذ للوزن.
وقوله: (تكرمه) بكسر الراء تفعلة من الكرامة, (والعبد) بالجر عطفاً على (الحر) أو بالرفع على الابتداء, وقوله: (الاستثنا) بالقصر للوزن.
باب الرجعة
بفتح الراء وكسرها, والفتح أفصح عند الجوهري, والكسر أكثر عند الأزهري, وهي لغة: المرة من الرجوع, وشرعاً: الرد إلى نكاح في عدّة طلاق غير بائن على وجه مخصوص.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلك﴾ [البقرة: 228] أي: في العدة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228] أي: رجعة, كما قاله الشافعي رضي الله عنه, وقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229] والرد والإمساك مفسران بالرجعة, وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «مره فليراجعها» كما مر.
ولها أربعة أركان: مرتجع, وزوجة, وطلاق, وصيغة, وقد أخذ في بيانها فقال:
(تَثْبُتُ فِي عِدَّةِ تطليقٍ بلا... تَعَوُّضٍ إِذ عَدَدٌ لَم يَكْمُلا)
(وبِانْقِضَا عِدَّتِهَا يُجَدَّدُ... ولَم تَحِلَّ إذ يَتِمُّ العَدَدُ)
(إلا إذا العِدَّةُ مِنهُ تَكْمُلُ... ونَكَحَتْ سِوَاهُ ثُم يَدْخُلُ)
(بِهَا وَبَعدَ وَطْءِ ثانٍ فُورِقَتْ... وعِدَّةُ الفُرْقَةِ مِن هذا انْقَضَتْ)
(وليسَ الاِشْهَادُ بِهَا يُعْتَبَرُ... نَصَّ عليهِ الأُمُّ والمُخْتَصَرُ)
(وفي القَدِيمِ لا رُجُوعَ إلا... بِشَاهِدَيْنِ قَالَهُ في الاِمْلا)
(وَهْوَ كَمَا قالَ الرَّبِيعُ آخِرُ... قَوْلَيْهِ فالتَّرجِيحُ فيهِ أَجْدَرُ)
(وَهْوَ على القَوْلَيْنِ يسْتَحَبُّ... وأَعْلِمِ الزوجةَ فَهْوَ نَدْبُ)
[شروط الرجعة وما تثبت فيه]
أي: تثبت الرجعة لمن له أهلية النكاح بنفسه, وصيغتها: (راجعتك), أو (رجعتك), أو (ارتجعتك), أو (أمسكتك), ويستحب الإضافة معها؛ كأن يقول: (راجعتك إلي), أو (إلى نكاحي), ولا بد منها في (رددتك).
في عدّة تطليق؛ بأن وطئها أو استدخلت منيه المحترم, بلا عوضٍ وإن شرط أن لا رجعة أو قال: (أسقطت حق الرجعة).
وخرج بقوله: (في عدّة): مَن طلقت قبل ذلك, و (بعدة التطليق): عدة الفسخ؛ لأن الرجعة إنما وردت في الطلاق, ولأن الفسخ شرع لدفع الضرر؛ فلا يليق به جواز الرجعة, وما لو وطنها في العدة.. فلا رجعة له إلأ في البقية التي دخلت في عدة الوطء.
نعم: لو خالطها بلا وطء مخالطة الأزواج في عدة أقراء أو أشهر.. لم تنقض عدتُها، ولا رجعة له بعد انقضاء الأقراء أو الأشهر؛ للاحتياط, ويلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة.
وبقوله: (بلا عوض) عدّة الطلاق بعوضي؛ لبينونتها, ولا بد أن تكون الرجعة منجزة فلا تقبل تعليقاً؛ كالنكاح ونحوه, بل لو قال: (راجعتك إن شئت), فقالت: شئت.. لم تصخ, بخلاف نظيره في البيع؛ لأن ذلك مقتضاه بخلافه في الرجعة.
وأن تكون المرتجعة معينة, فلو طلق إحدى امرأتيه مبهمة, ثم قال: (راجعت المطلقة), أو طلقهما جميعاً, ثم قال: (راجعت إحداهما).. لم تصح؛ إذ ليست الرجعة في احتمال الإبهام كالطلاق؛ لشبهها بالنكاح وهو لا يصح معه.
إذ عدد الطلاق لم يكمل؛ بألا تكون ثالثة للحرّ ولا ثانية لغيره.
[الحكم إذا انقضت العدة أو تم عدد الطلاق]
وبانقضا عدّتها يجدد؛ أي: نكاحها؛ لبينونتها.
ولم تحل المطلقة لمطلقها إذ يتمُ عدد طلاقها؛ بأن طلقها الحر ثلاثاً وغيره طلقتين, إلاّ إذا العدة منه تكمل ونكحت سواه ثم يدخل بها, وبعد وطاع ثان فارقت, وعدة الفرقة من هذا انقضت؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: 230] أي: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230], مع خبر «الصحيحين»: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة, فطلقني فبت طلاقي, فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير, وإنما معه مثل هدبة الثوب, فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ! لا, حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك», والمراد بها: الوطء.
والمعتبر في الوطء: إيلاج الحشفة, أو قدرها من مقطوعها ولو بحائل كخرقة في قبلها ممن يمكن جماعه ولو عبداً أو خصياً أو مجنوناً أو صبياً ولو في نهار رمضان, أو في عدّة شبهة أو
إحرام، أو في حال نومها، أو نومه بشرط الانتشار للآلة ولو انتشاراً ضعيفاً ليحصل ذوق العسيلة، وأدناه في البكر أن يفتضها بآلته؛ حكاه الشيخان عن البغوي وأقرّاه, والمحاملي عن نص «الأم», وحمل ابن الرفعة النص على أن الغالب إزالتها بتغييب الحشفة وإن لم تزل بكارتها.
ولا يحصل التحليل بالوطء حال ضعف النكاح؛ بأن وطئها في عدّة طلاقها الرجعي وإن راجعها, أو في مدة الردّة وإن أسلم المرتد فيها.
وتتصور العدة بلا دخول؛ بأن وطئها في الدبر, أو باستدخالِ الماء المحترم, ويشترط في تحليل الكافر الكافرة للمسلم: كون وطنه في وقت لو ترافعوا إلينا.. لقررناهم على ذلك النكاح.
وعلم: أنه لا يكفي الوطء بملك اليمين, ولا بالنكاح الفاسد, ولا في الدبر.
ولو طلق زوجته الأمة ثلاثاً ثم اشتراها.. لم يحل له الوطء بملك اليمين حتى يحللها, ولو لم يكن انتشار أصلاً لعنة أو شلل أو مرضي.. لم يكف تغييب الحشفة.
[حكم الإشهاد على الرجعة]
قوله: (وليس الاشهاد بها يعتبر نص عليه «الأم» و «المختصر») ولو لم ترض الزوجة بها, ولم يحضر الولي ولم يعلم بها؛ لأنها في حكم استدامة النكاح السابق, ولقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلك﴾ [البقرة: 228], ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: «مره فليراجعها», ولم يذكر فيهما إشهاداً, وإنما اعتبر الإشهاد على النكاح لإثبات الفراش, وهو ثابت هنا, فتصح بالكناية مع النية.
قوله: (وفي القديم.
«لا ارتجاع إلا بشاهدين» قاله في «الإملا») أي: وهو من الجديد لا لكونها بمنزلة ابتداء النكاح, بل لظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2] أي: على الإمساك الذي هو بمعنى الرجعة وعلى المفارقة, وأجيب بحمل ذلك على الاستحباب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] للأمن من الجحود, وهو؛ أي: وجوب الإشهاد كما قال الربيع: آخر قولي الشافعي؛ فيكون مذهبه, والترجيح فيه أجدر؛ أي أحق.
وقال البلقيني: ينبغي أن يرجح ولم يرجحوه.
والإشهاد عليها على القولين جميعاً مستحب؛ أي: مطلوب قطعاً, وعلى الأول: فإن ترك
الإشهاد.. استحب أن يشهد على إقراره بها؛ فقد يتنازعان فلا يصدق فيها, ويندب إعلام الزوجة بالمراجعة؛ دفعاً للاختلاف فيها.
[الاختلاف في الرجعة] وإن ادعت انقضاء عدة أشهر وأنكر.. صدّق بيمينه؛ لرجوع ذلك إلى الاختلاف في وقت طلاقه, والقول قوله فيه, أو وضع حمل لمدة إمكان وهي ممن تحيض لا آيسة.. صدقت بيمينها؛ لأنها مؤتمنة على رحمها.
فإن ادعت ولادة تام.. فإمكانه ستة أشهر ولحظتان من وقت النكاح؛ لحظة للوطاء ولحظة للولادة, أو ولادة سقط مصور.. فمئة وعشرون ولحظتان من وقت النكاح, أو ولادة مضغة بلا صورة.. فثمانون يوماً ولحظتان من وقت النكاح.
وقولهم: (من وقت النكاح) بنوه على الغالب من إمكان اجتماع الزوجين من وقت النكاح, وفي غير الغالب؛ كالمشرقي مع المغربية تكون المدد المذكورة من حين إمكان الاجتماع.
أو ادعت انقضاء أقراء: فإن كانت حرة وطلقت في طهر: فإن سبق بحيض.. فأقل الإمكان اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان, وإلا.. فثمانية وأربعون يوماً ولحظة, أو في حيض.. فسبعة وأربعون يوماً ولحظة, أو أمة وطلقت في طهر: فإن سبق بحيض.. فستة عشر يوماً ولحظتان, وإلا.. فاثنان وثلاثون يوماً ولحظة, ويحرم الاستمتاع بها, فإن وطاء.. فلا حد, ولا يعزر إلا معتقد تحريمه, ويجب مهر مثل وإن راجع.
وإذا ادّعى بعد انقضائها رجعة فيها وأنكرت: فإن اتفقا على وقت الانقضاء؛ كيوم الجمعة وقال: (راجعت يوم الخميس), فقالت: (بل السبت).. صدقت بيمينها, أو على وقت الرجعة؛ كيوم الجمعة وقالت: (انقضت الخميس), وقال: (السبت).. صدق بيمينه, وإن تنازعا في السبق بلا اتفاق.. فالأصح: ترجيح سبق الدعوى وإن لم تكن عند حاكم, فإن ادعت الانقضاء, ثم ادعى رجعة قبله.. صدقت بيمينها, ولو ادعاها قبل انقضاء فقالت: بعده... صدق بيمينه، وان ادعيامعاً... صدقت بيمينها، ومتي ادعاها فيها... صدق بيمينه، ومتى أنكرتها وصدقت, ثم اعترفت بها.. قبل اعترافها.
والألف في قول الناظم: (يكملا) بدل من نون التوكيد, وقوله: (وبانقضا) بالقصر؛ للوزن, وقوله: (الإشهاد) بحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى الساكن.
باب الإيلاء
هو لغة: الحلف, قال الشاعر:
(وَأَكْذَبُ مَا يَكُونُ أَبُو الْمُثَنَّى... إذَا آلَى يَمِينًا بِالطَّلَاقِ)
وكان طلاقاً في الجاهليّة فغير الشرع حكمه, وخصه بالحلف على الامتناع من وطاء الزوجة مطلقاً, أو أكثر من أربعة أشهر كما يؤخذ مما يأتى.
والأصل فيه: قوله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر﴾ [البقرة: 226] الآية, وهو حرام للإيذاء, وليس منه إيلاؤه صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة من نسائه شهراً.
وله ستة أركان: حالف, ومحلوف به, ومحلوف عليه 6 وزوجة 6 وصيغة, ومدة.
(حَلفُهُ ألا يَطَأْ في العُمُرِ... زوجتَهُ أو زائِدَاً عَن أَشْهُرِ)
(أربَعَةٍ فإِنْ مَضَتْ لَهَا الطَّلَبْ... بالوَطْءِ في قُبْلٍ وتكفيرٌ وَجَبْ)
(أو بِطَلاقِهَا فإِنْ أبَاهُمَا... طَلَّقَ فَرْدَ طَلْقَةٍ مَن حَكَمَا)
[تعريف الإيلاء]
أي: الإيلاء: حلف زوج - يصخ طلاقه بالحلف بالله تعالى, أو صفة من صفاته, أو بتعليق طلاق أو عتق, أو بالتزام ما يلزم بالنذر ولو كافراً, أو خصياً, أو رقيقاً, أو مريضاً أو سكران - ألا يطأ زوجته في قبلها, ووطؤه لها ممكن ولو رقيقة أو رجعية, أو صغيرة أو مريضة, قال الزركشي: أو متحيرة؛ لاحتمال الشفاء, أو مُخرمة؛ لاحتمال التحلل بالحصر وغيره, أو مظاهراً منها قبل التكفير؛ لإمكان الكفارة.
انتهى
فخرج بـ (الحلف): امتناعه بلا حلفي, وبـ (الزوج): السيّدُ والأجنبيّ, فلو قال لأجنبية: (والله؛ لا أطؤك).. فليس إيلاء, بل يميناً محضة, وإن نكحها.. فيلزمه بالوطء قبل النكاح أو بعده ما تقتضيه اليمين الخالية عن الإيلاء, وب (من يصخ طلاقه): الصبي والمجنون والمكره.
وبقوله: (ألا يطأ): امتناعه من بقية التمتعات, أو من الوطء في غير القبل؛ إذ لا إيذاء بذلك, وبقولي: (ووطؤه لها ممكن): غيرُ الممكن؛ كأن كان الزوج أشل الذكر, أو مجبوبه بحيث لم يبق منه قدر الحشفة, أو كانت الزوجة ارتقاء أو قرناء؛ لعدم تحقق قصد الإيذاء, بخلاف ما لو جُبَ ذكره بعد الإيلاء,, لا يبطل؛ لعروض العجز, أو كانت صغيرة لا يمكن وطؤها فيما قدره.
[ألفاظ الإيلاء]
وألفاظه: صريح, وكناية, فمن الصريح: (إيلاج الحشفة) أو (إدخالها), أو (تغييبها في فرجها), و (النيك), ولا يديّن في شيء منها, و (الوطء) و (الجماع), و (الإصابة), و (افتضاض البكر), فلو قال: أردت بالوطء: الوطاء بالقدم, وبالجماع: الاجتماع في مكان, وبالإصابة والافتضاض: الإصابة والافتضاض بغير الذكر.. لم يقبل في الظاهر, ويديّن.
نعم؛ لو ضم إليها (بذكري).. التحقت بما لا يديّن فيه.
ومن كنايته: الملامسة, والمباضعة, والمباشرة, والإتيان, والغشيان, والقربان, والإفضاء, واللمس.
[مدة الإيلاء]
وأما المدة.. فقد ذكرها الناظم بقوله: (في العمر أو زائداً عن أربعة أشهر) كأن يقول: (والله؛ لا أطؤك أبداً), أو (مدة عمري), أو (عمرك), أو (خمسة أشهر), و (لا أطؤك مدة) ونوى تلك المدة, فيمهل أربعة أشهر ثم تطالبه بالوطء أو الطلاق كما سيأتي.
ولو قال: (والله؛ لا وطئتك أربعة أشهر, فإذا مضت: فو الله؛ لا وطئتك أربعة أشهر... ) وهكذا مراراً.. فليس بمولي في الأصح, لانتفاء فائدة الإيلاء من المطالبة بموجبه في ذلك؛ إذ بعد مضي أربعة أشهر لا يمكن المطالبة بموجب اليمين الأولى؛ لانحلالها, ولا بموجب الثانية؛ لعدم مضي مدة المهلة من وقت انعقادها, وبعد مضي الأربعة الثانية يقال فيه مثل ذلك... وهكذا إلى اخر حلفه.
نعم؛ يأثم إثم الإيذاء على الراجح في «الروضة».
فلو لم يكرر اسم الله تعالى بل قال: (والله؛ لا أطؤك أربعة أشهر, فإذا مضت.. لا أطؤلك أربعة أشهر).. فهذه يمين واحدة اشتملت على أكثر من أربعة أشهر.. فيكون مولياً وجهاً واحداً, قاله ابن الرفعة.
وخرج بقوله: (أو زائداً عن أشهر أربعة) الأربعة أشهر فأقل؛ لأن المرأة تصبر عن الزوج أربعة اشهر, وبعد ذلك يفنى صبرها أو يقل.
ولو قيد الامتناع من الوطء بمستبعد الحصول في أربعة أشهر؛ كنزول عيسى عليه الصلاة والسلام, أو خروج الدجال, أو الدابة, أو طلوع الشمس من مغربها.. فمول؛ لظن تأخر حصول المقيد به عن الأربعة الأشهر, بخلاف ما إذا لم يظن ذلك.
ولو قال: (إن وطئتك.. فعبدي حر), فزال ملكه عنه؛ كأن مات أو أعتقه, أو باعه أو وهبه وأقبضه.. زال الإيلاء؛ لأنه لا يلزمه بالوطء بعد ذلك شيء, فلو عاد إلى ملكه,.
لم يعد الإيلاء, وفيه قول عود الحنث.
ولو قال: (إن وطئتك.. فعبدي حر عن ظهاري) وكان ظاهر.. فمول, وإلا... فلا ظهار ولا إيلاء باطناً, ويحكم بهما ظاهراً؛ لإقراره بالظهار, وإذا وطاء.. عتق العبد عن الظهار في الأصح, ولو قال: (عن ظهاري إن ظاهرات).. فليس بمولي حتى يظاهر.
[الحكم إذا مضت المدة ولم يطأ]
قوله: (فإن مضت) أي: الأربعة أشهر من وقت الإيلاء إن كان من غير رجعية ولو مبهمة, ومن الرجعة في الرجعية لا من الإيلاء؛ لاحتمال أن تبينَ, وإنما لم يحتج في الإمهال إلى قاض؛ لثبوته بالآية السابقة, وهذا فيمن يمكن جماعها حالاً، وإلا.. فمن زمان إمكانه؛ كما في صغيرة ومريضة ومتحيرة ومحرمة ومظاهر منها على ما مر, ولم ينحل الإيلاء بزوال المحذور؛ كبينونة زوجته التي علق طلاقها على وطاء هذه, ولم يطأها في قبلها في مدة (, الإيلاء, ولم يكن بها مانع وطاء.. فلها طلب زوجها بوطئها في قبلها؛ لأنه محل الاستمتاع وهو المراد بالفينة في آية الإيلاء, فإن وطئها فيه,.
لزمه كفارة يمين؛ لحنثه, كما لو وطئها في المدة, أو بطلاقها؛ للآية السابقة.
وما ذكره الناظم من أنها تردد الطلب بين الوطاء والطلاق: هو ما حكاه الشيخان عن الإمام،
وعليه اقتصرا في الطرف الثاني", وجزم به في «المنهاج» كا المحرر ", وحكى الرافعي عن المتولي أنها تطالبه بالوطء أولاً؛ لأن حقها فيه, فإن أبى.. طالبته بالطلاق, واعتمده, وتبعه في «الروضة) في الطرف الثالث.
أمّا إذا انحل الإيلاء, أو كان بها مانع وطء ابتداء, أو دواماً حساً أو شرعاً من نحو: غيبة وحبس, وجنون ونشوز, ومرض وصغر يمنعان الوطء, وفرض إحرام أو اعتكاف أو صوم.. فلا طلب لها, وليس الحيض والنفاس أو نفل صوم أو اعتكاف بمانع, أما الحيض.. فلأنها لا تخلو عنه غالباً, فلو قطع المدة.. لتضررت بطولها, وألحق به النفاس؛ لمشاركته له في أكثر الأحكام, وأما نفل الصوم والاعتكاف.. فلأنه متمكن فيهما من وطئها.
فلو طرأ المانع وزال في المدة.. استؤنفت؛ كما في الطلاق الرجعي والردة, ولا يبني على ما مضى؛ لانتفاء التوالي المعتبر في حصول الضرر.
وأما إذا كان المانع به.. فلا يمنع الاحتساب؛ لأنها ممكنة والمانع منه, وهو المقصر بإيلائه وقصده المضارة, وليس لسيد الأمة مطالبته؛ لأن الاستمتاع حقها.
وينتظر بلوغ المراهقة, ولا يطالب لها وليها لما مر, ولو تركت حقّها.. فلها المطالبة بعده؛ لتجدد الضرر.
وإن كان به مانع طبيعي؛ كعنة ومرض يتعذر معه الوطاء, أو يخاف منه زيادة الضعف, أو بطء البرء.. طالبته بأن يفيء بلسانه؛ بأن يقول: (إذا قدرت.. فنت) لأن به يخف الإيذاء" ويطلق إن لم يفاء, أو شرعي؛ كصوم وإحرام وظهار قبل التكفير.. لم يطالب بالوطء, بل بالطلاق؛ لأنه الذي يمكنه لحرمة الوطء عليه, فإن عصى بوطاء.. سقطت المطالبة.
وتحصل الفيئة بتغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها بقبلها؛ لأن سائر الأحكام تتعلق به ثيباً كانت, أو بكراً إن زالت بذلك بكارتها, وإلا.. فلا بد من إزالتها, ولا يكفي الوطء في الدبر؛ لأنه مع حرمته لا يحصل الغرض.
نعم؛ إن لم يصرح في إيلائه بالقبل ولا نواه بأن أطلق.. انحل بالوطء في الدبر.
ولو حصل تغييب الحشفة مع نزولها عليه, أو إجباره على ذلك, أو جنونه.. سقطت
المطالبة؛ لوصولها إلى حقها من غير حنث وانحلال ليمينه؛ لأنها لا تتناول نزولها, وفعل المكره والمجنون كلا فعل, فلو وطئها ثانياً مختاراً عاقلاً.. حنث وانحلت اليمين.
ولا تلازم بين حكم الإيلاء وعدم الانحلال؛ إذ قد يرتفع الأول ويبقى الثاني, كما لو طلقها بائناً بعد الإيلاء منها بما لا ينحل ببينونتها.. فإنه يرتفع حكم الإيلاء, ويبقى عدم الانحلال وإن أعادها إلى نكاحه.
ولا يمهل عند المطالبة ثلاثة أيام إذا استمهل ليفيء أو يطلق فيها, بخلاف ما دونها؛ كيوم ونحوه بقدر ما يستعد به للوطء؛ كزوال صوم أو جوع أو شبع؛ لأن مدة الإيلاء مقدرة بأربعة أشهر فلا يزاد عليها أكثر من قدر الحاجة.
ولا يقع طلاق القاضي في مدة إمهاله, فإن أبى الوطء والطلاق بعد أمر الحاكم بذلك.. طلقها الحاكم نيابة عنه – لأنه حق توجه عليه وتدخله النيابة, فإذا امتنع منه.. ناب عنه الحاكم؛ كقضاء الدين والعضل - طلقة واحدة؛ لحصول الغرض بها فلو زاد عليها.. لم يقع الزائد ويوقع طلاقه معيناً إن عين الزوج في إيلائه المُولى منها, ومبهماً إن أبهمها؛ كقوله: (والله؛ لا أطأ إحداكن), ثم يبين الزوج المُولى منها إن عينها, ويعينها إن أبهمها, ويمنع من الجميع إلى البيان أو التعيين.
والألف في قول الناظم: (حكما) للإطلاق, وقوله (يطأ) بالسكون للوزن.
باب الظِهار
هو مأخوذ من الظهر؛ لأن صورته الأصلية أن يقول لزوجته: (أنت عليّ كظهر أمي), وخضوا الظهر؛ لأنه موضع الركوب, والمرأة مركوب الزوج, وكان طلاقاً في الجاهلية؛ كالإيلاء فغيّر الشرع حكمه إلى تحريمها بعد العود, ولزوم الكفارة كما سيأتي.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] الآية, نزلت في أوس بن الصامت لما ظاهر من زوجته خولة بنت ثعلبة على اختلاف في اسمها ونسبها.
وله أربعة أركان: مظاهر, ومظاهر منها, وصيغة, ومشبه به.
وقد أخذ في بيانها مع تعريفه شرعاً فقال:
(قَولُ مُكَلَّفٍ وَلَو مِن ذِمِّي... لِعِرْسِهِ أنتَ كَظَهْرِ أُمِّي)
(أو نَحوِهِ فإِن يَكُن لا يُعْقِبُ... طلاقَهَا فعائِدٌ يَجْتَنِبُ)
(الوَطْءَ كالحائِضِ حتى كَفَّرَا... بالعِتْقِ يَنوِي الفَرضَ عَمَّا ظَاهَرَا)
(رَقَبَةً مؤمِنَةً باللهِ جَلْ... سليمَةً عَمَّا يُخِلُّ بالعَمَلْ)
(إِن لَم يَجِدْ يَصُومُ شَهْرَيْنِ على... تَتَابُعٍ اِلا لِعُذْرٍ حَصَلا)
(وعاجِزٌ سِتِّينَ مُدَّاً مَلَّكَا... سِتِّينَ مِسكيناً كَفِطْرَةٍ حَكَى)
[تعريف الظهار وبيان صيغته] أي: الظهار: قول زوج مكلفي؛ أي: بالغ عاقل ولو كان ذلك القول من ذمي أو رقيق, أو مجبوب أو خصي لعرسه بكسر العين؛ أي: زوجته ولو رجعية وكافرة, ومعتدة عن شبهة, وصغيرة ومجنونة, وحائضاً ونفساء: (أنت كظهر أمي) ونحوه, من تشبيهها بجملة أنثى أو بجزء منها لم يذكر للكرامة محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة, لم تكن جلاً له؛ كقوله: (أنت عليّ - أو مني أو عندي - كظهر أمي), أو (جسمك), أو (بدُنِك), أو (نفسك كبدن أمي), أو (جسمها), أو (جملتها), أو (أنست كيد أمي), أو (بطنها), أو (صدرها), أو (شعرك), أو (رأسك), أو (يدك), أو (رجلك), أو (نصفك), أو
ربعك كظهر أمي), أو (يدها) أو (شعرها) لأنه تصرف يقبل التعليق فتصح إضافته إلى بعض محله؛ كالطلاق والعتق, بخلاف ما لا يقبله؛ كالبيع.
فخرج بذلك تشبيه غير المكلف إلا السكران.. فكالمكلف, والتشبيه بجزء ذكر كالأب؛ لأنه ليس محل التمتع, أو بجزء أنثى غير مخرّم كالملاعنة, وأزواجه صلى الله عليه وسلم, أو مَخرّم لكن كانت حلاً له؛ كمرضعته وزوجة أبيه بعد ولادته وأم زوجته؛ لأنهن لا يشبهن المحارم في التحريم المؤبد.
والتشبيه بما يذكر للكرامة؛ كقوله: (أنت كأمي) أو (كرأسها), أو (كعينها) أو (كروحها) فإنه كناية في الظهار؛ لأنه يذكر في معرض الإكرام, فلا ينصرف إلى الظهار إلا بنيةٍ.
وصرح الناظم بالذمي مع دخوله في المكلف؛ الخلاف أبي حنيفة فيه؛ فإنه لا يصحح ظهاره؛ لأن الكفارة لا تصخ منه وهي الرافعةً للتحريم, ويبطل هذا بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم, ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه؛ إذ يصح منه الإعتاق والإطعام, ولا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة؛ كما في حق العبد.
ويصح تعليقه؛ كقوله: (إن ظاهرت من زوجتي الأخرى... فأنت عليَّ كظهر أمي), فظاهر من الأخرى صار مظاهراً منهما, أو (إن دخلت الدار.. فأنت على كظهر أمي) فدخلها صار مظاهراً منها.
ولو قال: (إن ظاهرت من فلانة الأجنبية.. فأنت علي كظهر أمي) فخاطبها بظهار.. لم يصر مظاهراً من زوجته؛ لانتفاء المعلق عليه شرعاً, إلا أن يريد اللفظ.. فيصير مظاهراً من زوجته؛ لوجود المعلق عليه, فلو نكحها وظاهر منها... صار مظاهراً من زوجته تلك، ولو قال: (إن ظاهرت منها وهي أجنبية.. فأنت علي كظهر أمي) فخاطبها بظهار قبل النكاح أو بعده.. فلغو.
ولو قال: (أنت طالق كظهر أمي) ولم ينو به شيئاً, أو نوى به الطلاق أو الظهار, أو هما أو نوى الظهار ب (أنت طالق), والطلاق بـ (كظهر أمي).. طلقت ولا ظهار, أما وقوع الطلاق.. فلإتيانه بصريح لفظه, وأما انتفاء الظهار في الأوليين.. فلعدم استقلال لفظه مع عدم نيته, وأما في الباقي.. فلأنه لم ينوه بلفظه, ولفظ الطلاق لا ينصرف إلى الظهار وعكسه؛ لأن ما كان صريحاً في بابه ووجد نفاذاً في موضوعه... لا يكون كناية في غيره.
أو نوى الطلاق ب (أنت طالق) والظهار بالباقي.. طلقت وحصل الظهار إن كان طلاق رجعة؛ لصحة ظهار الرجعية مع صلاحية قوله: (كظهر أمي) لأن يكون كناية فيه؛ فإنه إذا نواة.. قدرت كلمة الخطاب معه ويصير كأنه قال: (أنت طالق, أنت كظهر أمي), فإن كان -. الطلاق بائناً.. فلا ظهار.
[العود إذا لم يعقب الظهار بالطلاق]
قوله: (فإن يكن لا يعقب طلاقها.. فعائد) أي: فإن لم يعقب الظهار بطلاقها عقبه؛ بأن أمسكها بعد ظهاره زمن إمكان فرقة, وليست رجعية.. فهو عائذ؛ هذا إذا لم يعلقه بفعل غيره, وإلا.. فإنما يصير عائداً بإمساكها عقب معرفته بوجود المعلق به الظهار, فتحرم عليه المرأة حتى يكفر كما سيأتي, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] الآية, والعود للقول مخالفته, يقال: قال فلان قولاً ثم عادَ له وعادَ فيه: إذا خالقه, بخلاف العود إلى القول؛ فإنه قول مثله, ومقصود الظهار وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه.
وهل وجبت الكفارة بالظهار والعود, أو بالظهار والعود شرط, أو بالعود؛ لأنه الجزء الأخير؟ أوجه بلا ترجيح, والأول هو ظاهر الآية, قال الزركشي وغيره: وهو الموافق لترجيحهم أن كفارة اليمين تجب باليمين والحنث جميعاً.
وخرج بما تقرر: ما لو قطع النكاح عقيب الظهار أو معرفة ما ذكر بطلاق ولو رجعياً, أو بموت, أو فسخ أو انفساخ, أو شراء بأن تكون رقيقة, أو تعذر قطعه بجنون ونحوه, وما لو لم يعرف وجود المعلق به.. فلا عود فيهما, وما لو علق بفعل نفسه, حتى لو علق به ففعل عالماً, ثم نسي عقبه الظهار.. كان عائداً؛ إذ نسيانه الظهار عقب فعله عالماً به بعيدٌ نادرًا, أما لو فعل ناسياً للظهار.. فلا ظهار كما في الطلاق, وإذا اشتغل بالقطع.. فلا يضر طول الفصل, فقوله: (يا فلانة بنت فلان أنت طالق) كقوله: (طلقتك) في منع العود.
ولو قال: (أنت زانية أنت طالق).. فهو عائذ؛ لاشتغاله بالقذف قبل الطلاق, لا إن قال: (يا زانية؛ أنت طالق) كما لو قال: (يا زينب.. أنت طالق).
وأما الرجعية.. فإنما يصير عائداً برجعتها سواء أظاهر بعد طلاقها رجعياً أم قبله, أمسكها بعد ذلك أم لا؛ لأنها قبل رجعتها جارية إلى البينونة, بخلاف ما لو ارتدّ عقب الظهار ثم أسلم في العدة.. لا يكون عائداً بالإسلام, بل لا بد من الإمساك بعده؛ لأن الرجعة إمساك في ذلك النكاح، والإسلام بعد الردة تبديل للدين الباطل بالحق، والحلّ تابع له؛ فلا يحصل به إمساك
وأما الظهار المؤقت.. فلا يحصل العود فيه بإمساك, بل بوطء في المدة؛ لحصول المخالفة لما قاله به دون الإمساك؛ لاحتمال أن ينتظر به الحل بعد المدة, ويجب النزع بمغيب الحشفة؛ لحرمة الوطاء قبل التكفير أو انقضاء المدة, واستمرار الوطاء.. وطاء, والوطاء الأول جائز, ولو لم يطأ أصلاً حتى مضت المدة.. فلا شيء.
[وجوب اجتناب الوطء حتى التكفير]
وبعوده بالإمساك أو بالرجعة أو بالوطء في المدة يجتنب وجوباً الوطء للمرأة كالحائض؛ فتحرم مباشرتها فيما بين سرتها وركبتيها دون ما عدا ذلك, حتى كفرا؛ أي: استمر التحريم حتى يكفر بما سيأتي؛ لأنه تعالى أوجب التكفير في الآية قبل الوطء حيث قال في التحريم والصوم: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4], ويقدر مثله في الإطعام حملاً للمطلق على المقيد.
ومراد الناظم: لزوم الكفارة مع توقف الحل عليها.
وتتعدد الكفارة بعدد الزوجات وإن اتحد اللفظ؛ كقوله لأربع: (أنتن عليّ كظهر أمي), فإذا عاد.. لزمه أربع كفارات, أو بعدد اللفظ وإن اتحد المحل؛ كقوله لامرأته: (أنت كظهر أمي), وكرره مراراً وفصل, أو وصل وقصد الاستئناف, فإن وصل وقصد التأكيد أو أطلق.. فلا تعدد.
[خصال الكفارة]
وخصال الكفارة ثلاث:
الأولى: عتق رقبة مؤمنة بالله عزّ وجل سليمة عما يضر بالعمل؛ ليقوم بكفايته فيتفرغ للعبادات ووظائف الأحرار, فيأتي بها تكميلاً لحاله وهو مقصود العتق, والعاجز عن العمل والكسب لا يتأتى له ذلك, فلا يحصل بعتقه مقصود العتق فلا يجزئ, والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] الآية, وقال في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فحمل الشافعي رضي الله تعالى عنه المطلق في الأول على المقيد في الثاني.
وينوي وجوباً بالعتق أو الصوم أو الإطعام الفرض عن ظهاره, أو نية الكفارة؛ كأن يعتق بنية الكفارة, فلا تكفي نية العتق الواجب؛ لأنه قد يكون عن نذر, وكذا يقال في الصوم والإطعام, فتشترط نيتها لا تعيينها؛ بأن يقيد بالظهار أو غيره, حتى لو كان عليه كفارة ظهار
وجماع صوم رمضان, فأعتق عبداً بنية الكفارة.. وقع محسوباً عن واحدة منهما, وكذا الحكم في الصوم والإطعام.
وإنما لم يشترط تعيينها في نيته بخلاف الصلاة؛ لأنها في معظم خصالها نازعة للغرامات فاكتفي فيها بأصل النية, فإن عيّن فيها وأخطأ؛ كأن نوى كفارة قتل وليس عليه إلا كفارة ظهار,.
لم يجزئه ما أتى به بتلك النية عمّا عليه, وتشترط نية الذمي في الإعتاق والإطعام؛ كما جزم به في أصل «الروضة».
وعلم مما مر: أنه يجزئ صغير وأقرع, وأعرج يمكنه تباع مشي؛ بأن يكون عرجه غير شديد, وأعور وأصم, وأخرس يفهم الإشارة, وأخشم وفاقد أنفه وفاقد أذنيه, وفاقد أصابع رجليه, وفاقد خنصر من يد وبنصر من الأخرى, وفاقد أنملة من غير الإبهام, أو أنامله العليا من الأصابع الأربع؛ لأن كلاً من الصفات المذكورة لا يخل بالعمل والكسب.
وأنه لا يجزئ زمن ولا هرم, ولا فاقد رجل أو يد أو أصابعها, ولا فاقد إصبع من الإبهام والسبابة والوسطى, أو خنصر وبنصر من يد, أو أنملتين من غيرهما, أو أنملة إبهام؛ لإخلال كل من الصفات المذكورة بالعمل والكسب.
وأنه لا يجزئ الجنين وإن انفصل لدون ستة أشهر من الإعتاق؛ لأنه لا يُعطى حكم الحي, ولا مريض لا يرجى برؤه كصاحب السل؛ فإنه كالزمن, بخلاف من يرجى برؤه فيجزئ, وإن مات بعد إعتاقه: فإن برئ من لا يرجى برؤه بعد إعتاقه.. بان الإجزاء؛ لأن المنع كان بناء على ظن وقد بان خلافه.
ولا يجزئ شراء من يعتق عليه بنية كفارة, ولا إعتاق أم ولد وذي كتابة صحيحة, ويجزئ مدبر ومعلق بصفة ينجز عتقهما بنية الكفارة عنها؛ لجواز التصرف فيهما, والمدبر من علق عتقه بموت السيد.
وله تعليق عتق الكفارة بصفة؛ كأن يقول: (إن دخلت الدار.. فأنت حر عن كفارتي).. فيعتق عنها بالدخول, وله إعتاق عبديه عن كفارتيه عن كل منهما نصف ذا العبد ونصف ذا العبد, فإن فعل ذلك.. وقع العتق كذلك؛ لحصول المقصود من إعتاق العبدين عن الكفارتين بما فعل.
ولو أعتق معسر نصفين له من عبدين عن كفارة عليه.. فالأصح: الإجزاء إن كان باقيهما
حرّاً, ولو أعتق عبداً عن كفارة بعوض.. لم يجز ذلك الإعتاق عن كفارة؛ لأنه لم يجرد الإعتاق لها, بل ضم إليها قصد العوض.
الثانية: الصيام إن لم يجد؛ أي: الرقبة؛ بأن لم يملكها, ولا ثمنها فاضلاً عن كفاية نفسه وعياله نفقة وكسوة وسكنى وأثاثاً لا بد منه وقت الأداء؛ كأن يقدر عليها ببيع ضيعة ورأس مال لا يفضل دخلهما عن كفايته, أو ببيع مسكن وعبد نفيسين ألفهما.
أو ملكها وهو محتاج إلى خدمتها لمرض أو كبر, أو ضخامة مانعة من خدمته نفسه, أو منصب يأبى أن يخدم نفسه.
قال الرافعي: وسكتوا عن تقدير مدة النفقة وما ذكر معها, ويجوز أن تقدر بالعمر الغالب, وأن تقدر بسنة؛ لأن المؤنات تتكرر فيها, وصوب في «الروضة» الثاني, وقضية ذلك: أن لا نقل فيها مع أن منقول الجمهور الأول, وجزم البغوي في «فتاويه» بالثاني على قياس ما صنع في (الزكاة).
يصوم شهرين على تتابع؛ أي: متتابعين بالنص بنية كفارة لصوم كل يوم في ليلته؛ كما هو معلوم في صوم الفرض, فيجب الاستئناف بفوت يوم ولو اليوم الأخير, أو اليوم الذي مرض أو سافر أو أكره على الفطر فيه, أو نسي النية له.
قوله: (إلا لعذر حصلا) أي: كأن فات بجنون أو إغماء, أو حيض أو نفاس, وحيث وجب الاستئناف.. فهل يحكم على ما مضى بالفساد, أو ينقلب نفلاً؟ فيه القولان فيما إذا نوى, الظهر قبل الزوال ونظائره, ذكره في «الروضة» و «أصلها».
ولا يشترط نية التتابع؛ لأنه هيئة في العبادة, والهيئة لا يجب التعرض لها في النية, فإن بدأ بالصوم في أثناء شهر.. حسب الشهر بعده بالهلال, وتمم الأول من الثالث ثلاثين يوماً؛ لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال.
والعبد لا يكفر إلا بالصوم؛ لأنه لا يملك شيئاً, وليس لسيده منعه من صوم الظهار؛ الضرر استمرار التحريم عليه, بخلاف صوم كفارة اليمين على تفصيل فيه.
الثالثة: الإطعام؛ والعاجز عن الصوم بهرم, أو مرض يدوم شهرين فيما يظن بالعادة أو
بقول الأطباء, أو يلحقه به مشقة شديدة؛ أو بخوفه زيادة مرضه به, أو بشدة الشبق.. ملك ستين مسكيناً ستين مداً كل مسكين مداً؛ للآية السابقة، وذلك بدل عن صوم ستين يوماً, فلا يكفي دفع ذلك إلى أكثر من ستين؛ لانتفاء تمليك كل واحد منهم مداً, ولا دفع إلى أقل من ستين ولو في ستين دفعة؛ لاشتمال الآية على العدد؛ كالوصف بالمسكنة, فكما لا يجوز الإخلال بالوصف.. لا يجوز الإخلال بالعدد.
والتعبير بـ (المسكين) يشمل الفقير كعكسه, وخص بالذكر تبركاً بالآية, ولأن شموله
للفقير أظهر من شمول الفقير له.
ولو وضع ستين مدّاً بين يدي ستين مسكيناً، وقال لهم: (ملكتكم هذا), وأطلق, أو
قال: (بالسوية) فقبلوه.. كفى, ولا نظر إلى ضرر مؤنة القسمة؛ لخفة أمرها.
وظاهر أنه لا يشترط لفظ التمليك, ولهذا لو قال: (خذوه) ونوى به الكفارة, و (أخذوه بالسوية).. أجزأه, أو (بالتفاوت) فكل من علم أنه أخذ مدّاً.. أجزأه, ومن لا يعلم أنه آخذه.. لزمه تكميله له.
نعم؛ إن أخذوه مشتركاً ثم اقتسموه.. فقد ملكوه قبل القسمة, فلا يضر التفاوت في المأخوذ بعدها.
قوله: (كفطرة حكى) أي: بأن يكون ذلك من الحب ونحوه؛ الذي هو غالب قوت بلد المكفر؛ كالبر والشعير والأقط، فلا يجزئ الدقيق والسويق والخبز, ولا التغدية والتعشية, وتقدم في (قسم الصدقات): أن المكفي بنفقة قريب أو زوج ليس فقيراً ولا مسكيناً في الأصح"، فلا يعطى من الكفارة؛ كالكافر والهاشمي, والمطلبي والعبد والمكاتب, ومن تلزمه مؤنته؛ كالزوجة والقريب.
ومن عجز عن جميع خصال الكفارة.. استقرت في ذمته في الأظهر, فإذا قدر على خصلة.. فعلها.
والألف في قول الناظم: (كفرا) و (ظاهرا) و (حصلا) و (ملكا) للإطلاق.
باب اللعان
هو لغة: مصدر لاعن, وقد يستعمل جمعاً للغن؛ وهو الطرد والإبعاد, وشرعاً: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به, أو إلى نفي ولد كما سيأتي, وسميت لعاناً؛ لاشتمالها على كلمة اللعن, ولأن كلاً من المتلاعنين يبعد عن الآخر بها؛ إذ يحرم النكاح بينهما أبداً، واختير لفظ اللعان على لفظي الشهادة والغضب وإن اشتملت عليها الكلمات أيضاً؛ لأن اللعن كلمة غريبة في قيام الحجج من الشهادات والأيمان, والشيء يشتهر بما يقع فيه من الغريب, وعليه جرت أسماء السور, ولأن الغضب يقع في جانب المرأة, وجانب الرجل أقوى, ولأن لعانه متقدم على لعانها في الآية والواقع, وقد ينفك عن لعانها.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآيات, وسبب نزولها خبر البخاري: (أن هلال بن أمية قذف زوجته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حد في ظهرك», فقال: يا نبي الله؛ إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً.. ينطلق يلتمس البينة؟ ! فجعل صلى الله عليه وسلم يكرر ذلك, فقال هلال: والذي بعثك بالحق؛ إني لصادق, ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد, فنزلت الآيات).
وفي «البخاري» أيضاً: (أن عويمراً العجلاني قال: يا نبي الله؛ أرأيت إن وجد أحدنا مع امرأته رجلاً.. ماذا يصنع؟ إن قتله.. قتلتموه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآناً, فاذهب فأت بها», قال سهل بن سعد: فتلاعنا عنده صلى الله عليه وسلم), فجعل بعضهم هذا سبب النزول, ومن قال بالأول.. حمل هذا على أن المراد: أن حكم واقعتك تبين بما أنزل في هلال؛ إذ الحكم على الواحد.. حكم على الجماعة
(يقُولُ أرْبَعَاً إِنِ القاضي أَمَرْ... إذا زِنَا زوجَتِهِ عنها اشْتَهَرْ)
(أو أُلْحِقَ الطِّفلُ بِهِ مِنَ الزِّنَا... أَشْهَدُ باللهِ لَصَادِقٌ أَنَا)
(فيما رَمَيْتُهَا بِهِ وَأَنَّا... ذا ليس مِنِّي خامِسَاً أَنْ لَعْنَا)
(عَلَيْهِ مِن خالِقِهِ إِن كَذَبَا... يُشِيرُ إِن تَحضُرْ لَهَا مُخَاطِبَا)
(أَو سُمِّيَتْ وَهْيِ تقولُ أربَعَا... أَشْهَدُ باللهِ لَكِذْبَاً ادَّعَى)
(فيما رمَى وخامِسَاً بالغَضَبِ... إِن صادِقَاً فيما رَمَى مِن كَذِبِ)
(وسُنَّ بالجامِعِ عندَ المِنْبَرِ... بِمَجْمَعٍ عَن أربَعٍ لَم يَنْزُرِ)
(وَخَوَّفَ الحاكِمُ حينَ يُنْهِيهْ... الكُلَّ مَعْ وَضْعِ يَدٍ مِن فَوْقِ فِيهْ)
(وبِلِعَانِهِ انْتَفَى عنهُ النَّسَبْ... وَحَدُّهُ لَكِنْ عليها قَد وَجَبْ)
(وحُرْمَةٌ بينَهُمَا تَأَبَّدَتْ... وَشُطِّرَ المَهْرُ وأُخْتٌ حُلِّلَتْ)
(وَبِلِعَانِهَا سُقُوطُ الحَدِّ... عَنِ الزِّنَا مِن رَجْمِهَا أو جَلْدِ)
[صريح القذف وكنايته]
اللعان يسبقه قذف, وصريحه: الزنا, والنيك, وإيلاج الحشفة في الدبر أو في الفرج،
(قبلك) أو (دبرك), وقوله: (أنت أزنى من الناس) إن قال: وفيهم زناة, وقوله: (أنت أزنى من زيد) إن قال: وزنى زيد, أو ثبت زناه بإقراره, أو البينة وعلمه القاذف, أو قال: (لست ابن زيد) لمن هاو لاحق بزيد.
وكنايته: نحو قوله لابنه: (الست ابني) آو (لست مني), وقوله: (زنأت) بالهمزة، وقولها لزوجها: (زنيت بك), أو (أنت أزنى مني) في جواب قوله لها: (يا زانية), وقوله: (يا فاجر), آو (يا فاسق)، ولها: (يا خبيثة), و (أنت تحبين الخلوة), ولقرشي: (يا نبطي), ولزوجته: (لم أجدك عذراء), فإن أنكر إرادة القذف.. صدق بيمينه.
وقوله: (يا بن الحلال), و (أما أنا.. فلست بزان), أو (أمي ليست بزانية) ونحوه.. تعريض ليس بقذفٍ وإن نواه؛ لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي ولا احتمال له هنا, وما يفهم ويتخيل منه.. فهو أثر قرائن الأحوال.
[ما يشترط في اللعان]
واللعان: قول الزوج أربع مرات إن أمره القاضي به؛ إذ يشترط فيه أمر القاضي, ويلقن كلماته في الجانبين فيقول: (قل: أشهد بالله... ) إلى آخره؛ لأن اللعان يمين, واليمين لا يعتد بها قبل استحلاف القاضي, وإن غلب فيه معنى الشهادة.. فهي لا تؤدى إلا عنده بإذنه إذا علم زنا زوجته, أو ظنه ظناً مؤكداً؛ كأن رآه أو أقرت به, أو أخبره به عن عيان من يثق به وإن لم يكن من أهل الشهادة, أو اشتهر عن زوجته بين الناس أنها زنت بفلان مع قرينة؛ كأن رآهما في خلوة, أو رآها تخرج من عنده.
ولا يكفي مجرد الشياع؛ لأنه قد يشيعه عدو لها أو له, أو من طمع فيها فلم يظفر بشيء, ولا مجرد القرينة المذكورة؛ لأنه ربما دخل عليها لخوفي أو سرقة أو طمع.
أو ألحق الطفل به حال كونه من الزنا، وهو يعلم الله من الزنا مع احتمال كونه منه؛ بان لم يطأها, أو ولدته لدون ستة أشهر من وطئه, أو الفوق أربع سنين التي هي أكثر مدة الحمل؛ إذ يلزمه حينئذ نفيه؛ لأن ترك النفي يتضمن استلحاقه, واستلحاق من ليس منه حرام, وطريق نفيه اللعان المسبوق بالقذف فيلزمان أيضاً, فإن لم يعلم زناها ولا ظنه.. لم يقذفها؛ لجواز أن يكون الولد من وطء شبهة, قاله البغوي وغيره.
[كيفية اللعان]
واللعان: قول الزوج أربع مرار: (أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا) أي: زوجته إن كانت حاضرة, فإن غابت.. سمّاها ورفع نسبها بما يميزها عن غيرها, والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا, ويشير إليها في الحضور ويميزها في الغيبة؛ كما في الكلمات الأربع, ويأتي بدل ضمير الغيبة بضمير التكلم فيقول: (لعنة الله علي إن كنت... ) إلى اخره.
وإن كان ولد ينفيه.. ذكره في الكلمات الخمس؛ لينتفي عنه فقال: (وإن الولد الذي ولدته - أو هذا الولد إن كان حاضراً - من زنا ليس مني), فلو اقتصر على قوله: (من زنا).. لم يكف في الانتفاء عند الأكثرين؛ لاحتمال أن يعتقد أن الوطء بالشبهة زناً, وصحح البغوي: أنه
يكفي؛ حملاً للفظ الزنا على حقيقته", وجزم بتصحيحه في «الشرح الصغير» و «أصل الروضة».
ولو اقتصر على قوله: (ليس مني).. لم يكف على الصحيح المنصوص في «الأم»؛ لاحتمال أن يريد أنه لا يشبهه خلقاً وخلقاً, ولو أغفل ذكر الولد في بعض الكلمات.. احتاج لنفيه إلى إعادة اللعان, ولا تحتاج المرأة إلى إعادة لعانها.
وقد تقدم فيما إذا أتت بولي علم أنه ليس منه.. أنه لا يقذفها إذا احتمل كون الولد من وطء شبهة, وحينئذ فيقول في اللعان لنفيه؛ كما قال الماوردي: (أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من إصابة غيري لها على فراشي, وأن هذا الولد من تلك الإصابة ما هو مني... ) إلى آخر كلمات اللعان.
ولا تلاعن المرأة؛ إذ لا حد عليها بهذا اللعان حتى يسقط بلعانها, ولم يذكر الشيخان
ما قاله.
وهي تقول أربع مرات: (أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا), والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيه, وتشير إليه في الحضور, وتميزه في الغيبة؛ كما في جانبها في الكلمات الخمس, وتأتي في الخامسة بضمير التكلم, فتقول: (غضب الله عليّ... ) إلى آخره, ولا تحتاج إلى ذكر الولد؛ لأن لعانها لا يؤثر فيه.
ولو بدل لفظ (شهادة) بحلف أو نحوه؛ كأن قيل: (أحلف) أو (أقسم بالله... ) إلى آخره, أو لفظ (غضب) بـ (لعن) وعكسه, أو ذكرا قبل تمام الشهادات.. لم يصح في الأصح؛ اتباعاً لنظم الآيات السابقة.
ويشترط الولاء بين الكلمات الخمس على الأصح, فيؤثر الفصل الطويل, ويشترط أن يتأخر لعانها عن لعانه؛ كما اقتضاه كلام الناظم؛ لأن لعاتها لإسقاط الحد الذي وجب عليها بلعان الزوج.
ويلاعن الأخرس بإشارة مفهمة, أو كتابة كالبيع, فإن لم يكن له ذلك.. لم يصخ قذفه
ولا لعانه ولا غيرهما؛ لتعذر الوقوف على ما يريده.
ويصح بغير العربية وإن عرفها؛ لأن المغلب فيه معنى اليمين أو الشهادة, وهما باللغات سواء, ويُراعى ترجمة الشهادة واللعن والغضب, ثم إن أحسنها القاضي.. استحب أن يحضره أربعة ممن يحسنها, وإن لم يحسنها.. فلا بدّ ممن يترجم, ويكفي من جانب المرأة اثنان؛ لأن لعانها لنفي الزنا, والأصح في جانب الزوج: القطع بالاكتفاء باثنين؛ كما يثبت الإقرار بالزنا باثنين.
[ما يسن في اللعان]
ويسن أن يغلظ اللعان بزمان؛ وهو بعد عصر جمعة, فيؤخر إليها إن لم يكن طلب أكيد, وإلا.. فبعد عصر أيّ يوم كان؛ لأن اليمين الفاجرة بعد العصر أغلظ عقوبة؛ لخبر «الصحيحين, بالوعيد الشديد في ذلك, وبعد عصر الجمعة أشد؛ لأن ساعة الإجابة فيها عند بعضهم, وهما يدعوان في الخامسة باللعن والغضب.
ومكان وهو أشرف بلد اللعان؛ فبمكة بين الركن الأسود والمقام؛ وهو المسمّى بالحطيم, والمدينة عند المنبر, وبيت المقدس عند الصخرة, وغيرها عند منبر الجامع, وهل يصعدان منبر المدينة وغيرها؟ ثلاثة أوجه, أصحها: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته على المنبر رواه البيهقي, لكنه ضعفه.
وتلاعن حائض ونفساء بباب المسجد؛ لحرمة مكثهما فيه, ويخرج القاضي إليهما أو يبعث نائباً.
نعم؛ إن لم يكن الطلب حثيثاً، ورأى الحاكم تأخير اللعان إلى زوال ذلك.. جاز؛ قاله المتولي, ومحل ذلك: في المسلم, أما الذمي إذا أريد لعانه في المسجد.. فيلاعن فيه مع الحيض والنفاس والجنابة على الأصح في «أصل الروضة».
ولو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية.. لاعن كلّ منهما حيث يعظم, وذمي في بيعة للنصارى وكنيسة لليهود؛ لأنهم يعظمونها كتعظيمنا المساجد, وكذا بيت نار مجوسي في الأصح؛ لأنهم يعظمونه, فيحضره القاضي؛ رعاية لاعتقادهم لشبهة الكتاب, لا بيت أصنام وثني؛ لتحريم
دخوله؛ لأنه لا حرمة له, واعتقادهم فيه غير مرعي, فيلاعن في مجلس الحاكم, وصورته: أن يدخل دارنا بأمان أو هدنة.
ويسن أن يغلظ بحضور جمع من أعيان البلد، أقله: أربعة؛ فإن الزنا يثبت بهذا العدد،
فيحضرون إثباته باللعان.
ويسن للحاكم أن يعظهما ويخوفهما بالله تعالى, ويذكرهما بأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة, ويقرأ عليهما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] الآية.
وأن يقول لهما ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين, وهو: (حسابكما على الله تعالى, والله يعلم أن أحدكما لكاذب, هل منكما تائب؟ » كما رواه الشيخان.
ويبالغ في وعظ كل منهما حين ينهيه؛ أي: عند الخامسة, فيقول له: (اتق الله فإن قولك: «عليَّ لعنة الله» يوجب عليك اللعنة إن كنت كاذباً), ويقول لها مثل ذلك بلفظ الغضب لعلهما ينزجران ويتركان, فإن أبيا.. لقنهما الخامسة مع وضع يد ندباً من فوق فيه؛ أي: كل من المتلاعنين عند الخامسة؛ للأمر به في «سنن أبي داوود», ويأتي من ورائه؛ كما ذكره الإمام والغزالي فيضع الرجل يده على فم الرجل, والمرأة يدها على فم المرأة.
ويسن أن يتلاعنا قائمين؛ ليراهما الناس ويشتهر أمرهما, وتجلس هي وقت لعانه, وهو وقت لعانها.
[شرط اللعان]
وشرطه: زوج يصخ طلاقه, ولو ارتد بعد وطء فقذف وأسلم في العدة.. لاعن؛ لبقاء النكاح, فلو لاعن ثم أسلم فيها.. صخ, أو أصر.. فلا, وقد عُلم أن له اللعان مع إمكان بينة بزناها, وأن له اللعان لنفي ولد وإن عفت عن الحدّ وزال النكاح, ولدفع حد القذف وإن زال النكاح ولا ولد, ولدفع تعزير القذف إن كانت الزوجة غير محصنة؛ كالذميّة والرقيقة والصغيرة التي يوطأ مثلها, بخلاف تعزير التأديب الكذب معلوم؛ كقذف صغيرة لا توطأ, أو صدق ظاهر؛ كقذف كبيرة ثبت زناها بالبينة أو بإقرارها, والتعزير في غير ذلك يقال فيه: تعزير تكذيب.
ولو عفت عن الحد, أو سكتت عن طلبه, أو جئت بعد قذفه, أو أقام بينة بزناها, أو صدقته فيه ولا ولد.. لم يلاعن؛ لعدم الحاجة إليه.
[ما يتعلق بلعان الزوج]
ويتعلق بلعان الزوج لنفي نسب أو عقوبة: انتفاء نسب عنه نفاه في لعانه حيث كان ولد؛ لما في «الصحيحين» أنه صلى الله عليه وسلم فرق بينهما, وألحق الولد بالمرأة", وإنما يحتاج إلى نفي ممكن منه, فإن تعذر كونه منه؛ بأن ولدته لستة أشهر من العقد, أو طلق في مجلسه, أو نكح وهو بالمشرق وهي بالمغرب.. لم يلحقه, وانتفاء حد قذفها عنه أو تعزيره إن كانت غير محصنة؛ لآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] إذ ظاهرها أن لعانه كشهادة الشهود في سقوط الحد به.
وشمل كلام الناظم: انتفاء حد قذف الأجنبي المعين أو تعزيره الذي قذفها به حيث ذكره في لعانه؛ كأن قال: (فيما رميتها به من الزنا بفلان), فإن لم يذكره.. لم تسقط عنه عقوبة قذفه؛ كما في الزوجة لو ترك ذكرها, وطريقه: أن يعيد اللعان ويذكره, ووجوب حد زناها؛ لثبوت الحجة عليها, ولقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ [النور: 8] الآية, وحرمة مؤبدة بينه وبين المقذوفة وإن أكذب نفسه؛ فيحرم عليه نكاحها ووطؤها بملك اليمين لو كانت أمة فملكها؛ لخبر البيهقي: «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً), ولو لم تحصل الحرمة المؤبدة.. كان الاجتماع حاصلاً, وهي حرمة فسخ كالرضاع؛ لحصولها بغير لفظ, وتحصل ظاهراً وباطناً وإن كانت الزوجة صادقة؛ لقوله في الخبر: «لا سبيل لك عليها», لكن ظاهر الخبر يقتضي توقف الفرقة على تلاعنهما معاً, وليس بمراد؛ كالفرقة بغير اللعان, فإنها تحصل -. بوجود سبب من أحد الجانبين.
قال ابن المنذر: وعلى الحاكم أن يعلمهما بالفرقة إن كانا جاهلين؛ كما أعلمهما النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا سبيل لك عليها», وسقوط حصانتها في حقه, حتى لو قذفها بعد ذلك بتلك الزنية أو أطلق.. لم يحد, وتشطر صداقها قبل الدخول, وحل نكاح أختها أو نحوها, وأربع سواها في عدتها؛ لبينونتها.