فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلانصفحات 199-238

وخرج بـ (الماء): الحجر؛ لانتفاء العلة فيه، بل قد يكون انتقاله عنه مانعاً من الاستجمار؛ لانتقال الخارج حينئذٍ.
والألف في قوله: (نزلا) للإطلاق.
[إجزاء الاستنجاء بما في معنى الحجر] الثالثة: أن خصوص الحجر ليس بشرط في إجزاء الاستنجاء به، بل في معناه: كل جامد طاهر قالع غير محترم، وقد أشار إلى القالع بقوله: (لا قصب)، والتنصيص على الحجر في الخبر جريٌ على الغالب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستنجاء بالروث والرِّمَّة؛ أي: العظم، وعلل منع الاستنجاء بالروثة بكونها ركساً، لا بكونها غير حجر، وإنما تعين الحجر في رمي الجمار، والتراب في التيمم؛ لأن الرمي لا يعقل معناه، بخلاف الاستنجاء، والتراب فيه الطاهرية والطهورية ولا توجدان في غيره، بخلاف الإنقاء يوجد في غير الحجر.
وخرج بما ذكره: المائع غير الماء، والنجس، والمتنجس، وغير القالع؛ كالقصب الأملس والزجاج، والمحترم كالمطعوم، ومنه: العظم، وجلد المذكي ما لم يدبغ، وما كتب عليه علم محترم وجلده، وحيوان وجزؤه المتصل به؛ فلا يجزئ الاستنجاء بواحد مما ذكرن ويعصي به في المحترم.
[تفصيل بديع في حكم الاستنجاء بالثمر والفواكه] وقد مثل المصنف المحترم بالثمر، وقد قال الماوردي كما نقله النووي في "مجموعة" واستحسنه: وأما الثمار والفواكه... فمنها: ما يؤكل رطباً لا يابساً كاليقطين.. فلا يجوز الاستنجاء به رطباً، ويجوز يابساً إذا كان مزيلاً، ومنها: ما يؤكل رطباً، ويابساً، وهو أقسام: أحدها: مأكول الظاهر والباطن؛ كالتين والتفاح والسفرجل.. فلا يجوز برطبه ولا بيابسه.
والثاني: ما يؤكل ظاهره دون باطنه؛ كالخوخ والمشمش وكل ذي نوى... فلا يجوز بظاهره، ويجوز بنواه المنفصل.
والثالث: ما له قشر ومأكوله في جوفه... فلا يجوز بلبه، وأما قشره: فإن كان لا يؤكل رطباً ولا يابساً كالرمان... جاز الاستنجاء به، سواء كان فيه الحب أم لا، وإن كان رطباً ويابساً

كالبطيخ.. لم يجز في الحالين، وإن أكل رطباً فقط كاللوز والباقلاء.. جاز يابساً لا رطباً.
انتهى.
والمراد بالمطعوم: مطعوم الآدمي، أو ما اشترك فيه الآدمي والبهيمة ولو على السواء، وإنما جاز بالماء مع أنه مطعوم؛ لأنه يدفع النجس عن نفسه، بخلاف غيره.
وقوله: (بجامد) متعلق بقوله: (مسحة) أو (بسائر) من قوله فيما مر: (بكل مسحة لسائر المحل).

باب الغسل

هو: بفتح الغين مصدر غسل الشيء، وبمعنى: الاغتسال؛ كقولك: غسل الجمعة سنة، وبضمها مشترك بينهما وبين الماء الذي يغتسل به، ففيه على الأولين لغتان: الفتح: وهو أفصح وأشهر لغة، والضم: هو ما يستعمله الفقهاء أو أكثرهم، وأما بالكسر.. فاسم لما يغسل به من سدر ونحوه، وهو بالمعنيين الأولين لغة: سيلان الماء على الشيء، وشرعاً: سيلانه على جميع البدن بنية.
[موجبات الغسل] (مُوجبه المني حين يخرج.... والموت، والكمرة حيث تولج) (فرجاً - ولو ميتاً- بلا إعادة.... والحيض، والنفاس، والولادة).
أي: موجبات الغسل بكسر الجيم ستة: أحدها: خروج المني؛ أي: مني الشخص نفسه؛ الخارج أول مرة من رجل أو امرأة ولو بعد أن بال ثم اغتسل من الجنابة؛ لخبر مسلم: "إنما الماء من الماء"، ولخبر "الصحيحين" عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم إذا رأت الماء"، سواء أخرج من المخرج المعتاد، أم من تحت صلب الرجل، أم من بين ترائب المرأة مع انسداد الأصلي فيهما، فإن لم يستحكم؛ بأن خرج لمرض.. لم يجب الغسل، بلا خلاف كما في "المجموع" عن الأصحاب، وقيل: لا فرق بين خروجه من طريقه المعتاد وغيره، وجزم به في "المنهاج" كـ "أصله" وصححه في "الروضة" و "أصلها" و "الشرح الصغير".

والمراد بخروج المني في حق الرجل والبكر: بروزه عن الفرج إلى الظاهر، وفي حق الثيب: وصوله إلى ما يجب غسله في الاستنجاء، أو لو خرج منه مني غيره بعد غسله.. فلا غسل عليه.
ثانيها: الموت؛ أي: موت المسلم غير الشهيد كما سيأتي في (الجنائز)، والسقط إذا بلغ أربعة أشهر ولم تظهر عليه أمارة الحياة... يجب غسله على المذهب.
ثالثها: إيلاج الكَمْرة بفتح الكاف وسكون الميم؛ أي: الحشفة، أو قدرها من فاقدها في فرج ولو دبراً وبلا قصد وإن كان الذكر أشل أو غير منتشر أو مباناً أو ملفوفاً عليه خرقة ولو غليظة، وسواء أكان كل من الذكر والفرج من آدمي أم من غيره، صغير أم كبير؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾، ولخبر "الصحيحين" "إذا التقى الختانان... فقد وجب الغسل"، وفي رواية لمسلم "وإن لم ينزل"، وذكر الختان جري على الغالب؛ بدليل إيجاب الغسل بإيلاج ذكر لا حشفة له؛ لأنه جماع في فرج فكان في معنى المنصوص عليه.
وليس المراد بالتقاء الختانين انضمامهما؛ لعدم إيجابه الغسل بالإجماع، بل تحاذيهما، يقال: التقى الفارسان إذا تحاذيا وإن لم ينضما، وذلك إنما يحصل بتغييب الحشفة في الفرج؛ إذ الختان محل القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول، ومخرج البول فوق مدخل الذكر.
وقوله: (ولو ميْتاً) أي: بسكون الياء: ولو كان صاحب الكمرة أو الفرج ميتاً؛ بأن استدخل الحي حشفته، أو ولج في فرجه.. فإنه يوجب الغسل على الحي بلا إعادة لغسل الميت؛ لانقطاعه تكليفه، وإنما وجب غسله بالموت؛ تنظيفاً وإكراماً له.
وأفهم كلامه: أنه يوجب الغسل على الفاعل والمفعول فيما عدا الميت؛ أي: والبهيمة، وهو كذلك.
رابعها: الحيض؛ لآية: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ أي: الحيض، ولخبر "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة...

فدعي الصلاة، وإذا أدبرت.. فاغسلي عنك الدم وصلي"، وفي رواية للبخاري "فاغتسلي وصلي".
خامسها: النفاس؛ لأنه دم حيض مجتمع.
ويعتبر في إيجاب الغسل بخروج ما ذكر: انقطاعه، والقيام إلى الصلاة أو نحوها كما مر.
سادسها: الولادة ولو كان الولد جافاً؛ لأنه مني منعقد؛ ولأنه لا يخلو عن بلل وإن خفي، وتفطر بها المرأة على الأصح في "التحقيق" وغيره، ويلحق بالولادة إلقاء العلقة أو المضغة.
وأفاد كلامه: أن ما عدا هذه الأمور من جنون، وإغماء، واستدخال مني، وتغييب بعض الحشفة، وخروج بعض الولد كيده وغيرها.. لا يوجب الغسل وهو كذلك.
واعترض على الحصر في المذكورات بتنجس جميع البدن أو بعضه مع الاشتباه، وأجيب عنه بأن ذلك ليس موجباً للغسل، بل لإزالة النجاسة، حتى لو فرض كشط جلده.. حصل الفرض، وبأن الكلام في الغسل عن الأحداث، فإن أريد الغسل عنها وعن النجاسة.. وجب عد ذلك كما صنع الشيخ أبو حامد والمحاملي وغيرهما.
وقول الناظم: (تُولَج) ببنائه للمفعول.
[خواص المني التي يعرف بواحدة منها] (ويعرف المنيُّ باللَّذَّةِ حين... خروجه، وريحِ طلعٍ أو عجينْ) فيه مسألة: وهي: أن خواص المني ثلاث، كل واحدة منها كافية في معرفته: إحداها: وجود اللذة - بالمعجمة- حين خروجه وإن لم يتدفق؛ لقلته، مع فتور الذكر عقب ذلك.

ثانيها: ريح الطلع والعجين ما دام رطباً، فإذا جف.. فريحه كريح بياض البيض.
ثالثها: تدفقه بأن يخرج على دفعات؛ قال تعالى: ﴿من ماء دافق﴾، ولا عبرة في مني الرجل بكونه أبيض ثخيناً، ولا في مني المرأة بكونه أصفر رقيقاً وإن كانت من صفاته؛ لأنها ليست من خواصه؛ لوجود الثخنِ في الودي وهو: ماء أبيض كدر ثخين لا ريح له يخرج عقب البول إذا استمسكت الطبيعة، وعند حمل شيء ثقيل، والرقِة في المذي وهو: ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة بلا شهوة، وقد لا يحس بخروجه.
ولا يضر فقدها، فقد يحمرُّ منيُّ الرجل بكثرة الجماع، وربما خرج دماً عبيطاً، أو يرق ويصفر لمرض، ويبيض مني المرأة؛ لفضل قوتها.
ومقتضى كلامه: اشتراك الخواص بين الرجل والمرأة، قال الشيخان: وهو ما ذكره الأكثرون، وعضده الإسنوي، ونقله الماوردي عن النص، لكن قال الإمام والغزالي: لا يعرف مني المرأة إلا باللذة، وأنكر ابن الصلاح التدفق في منيها، واقتصر على اللذة والريح، وبه جزم النووي في "شرح مسلم"، واقتضاه كلامه في "المجموع"، ورجحه جماعة؛ كالسبكي والأذرعي وابن النقيب.
[شك في كون الخارج منياً أو مذياً] (ومن يشك: هل منيٌّ ظهرا... أو هو مذيٌ؟ بين ذينِ خيِّرا) فيه مسألة: وهي: أن من شك في كون الخارج منه منياً أو مذياً؛ لاشتباههما عليه.. خيِّر بينهما، فيجعله منياً ويغتسل، أو مذْياً ويتوضأ مرتباً، ويغسل ما أصابه؛ لأنه إذا أتى بمقتضى أحدهما.. بريء منه يقيناً، والأصل براءته من الآخر ولا معارض له، بخلاف من نسي صلاة

من صلاتين.. حيث يلزمه فعلهما؛ لاشتغال ذمته بهما جميعاً، والأصل بقاء كلٍّ منهما، وإنما أوجبوا الاحتياط بتزكية الأكثر ذهباً وفضة في الإناء المختلط؛ لأن اليقين هناك ممكن بسبكه، بخلافه هنا.
وألف (ظَهَرا) و (خُيِّرا) ببنائه للمفعول للإطلاق.
[فروض الغسل] (والفرض تعميم لجسمٍ ظهرا.... شعراً وظفراً منبتاً وبثرا) (ونيةٌ بالابتداء اقترنت.... كالحيضِ أو جنابةٍ تبينت) فيهما مسألة: وهي: أن الفرض في الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس أو الولادة أو غيرها شيئان: أحدهما: تعميم ظاهر البدن شعراً وإن كثف، وظفراً، ومنبتاً بين الشعر، وبشراً، ومنه: تعميم صماخ، وشق، وما ظهر من أنف مجدوع، ومن ثيِّبٍ قعدت لقضاء حاجتها، وموضع شعرة لم يغسلها ثم نتفها، وما تحت قُلْفة غير المختون؛ لأنها مستحقة الإزالة، ولهذا لو أزالها إنسان.. لم يضمنها.
والأصل في ذلك: فعله صلى الله عليه وسلم المبيِّنُ للتطهير المأمور به في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾، وإنما وجب غسل مَنْبِت الكثيف هنا دون الوضوء؛ لقلة المشقة هنا وكثرتها في الوضوء؛ لتكرره كل يوم.
ويؤخذ من كلامه: أنه لا يجب غسل باطن العين والفم والأنف، ولا شعرٍ نبت فيها، وهو كذلك، ولا يجب نقض الضفائر إلا ألا يصل الماء إلى باطنها إلا به، قال في "الروضة" كـ "أصلها": ويسامح بباطن العقد التي على الشعرات على الأصح.
ثانيهما: نية اقترنت بأول مغسول من البدن، فلو نوى بعد غسل جزء.. وجبت إعادة غسله؛ كأن تنوي الحائض رفع حكم الحيض، أو الجنب رفع حكم الجنابة، أو النفساء رفع حكم النفاس، أو ينوي كلٌّ رفع الحدث عن جميع البدن، أو رفع الحدث مطلقاً، أو استباحة

الصلاة أو غيرها مما يتوقف على الغسل، أو فرض الغسل، أو الغسل المفروض، أو الواجب، أو أداء الغسل.
ولو نوى جنابة الجماع وجنابتُه باحتلام أو عكسه، أو الجنابة وحدثُه الحيض أو عكسه.. صح مع الغلط دون العمد كنظيره في الوضوء، ذكره في "المجموع"، والمعتمد: ارتفاع النفاس بنية الحيض وعكسه مع العمد؛ لأن النفاس دم حيض مجتمع، ولأن النفاس من أسماء الحيض، وقد صرح به صاحب "البيان" في الأولى في (باب صفة الغسل).
ولو نوى ذو الحدث الأكبر رفع الأصغر: فإن تعمد.. لم يصح؛ لتلاعبه، وإن غلط.. لم يرتفع من غير أعضاء الوضوء؛ لأنه لم ينوه، ويرتفع عنها إلا الرأس؛ لأن غسلها واجب في الحدثين وقد غسلها بنيته، وإنما لم يرتفع عن الرأس؛ لأن غسله وقع بدلاً عن مسحه الذي هو فرضه في الأصل، وهو إنما نوى المسح وهو لا يغني عن الغسل، وإنما ارتفع عن باطن لحية الرجل الكثيفة؛ لإتيانه بالغسل الذي هو الأصل في غسل الوجه.
وألف (ظهرا) للإطلاق، وقوله: (أو جنابة تبينت) أي: فيما قدمه من حصولها بخروج المني، أو تغييب الحشفة.
[شروط الغسل] (والشَّرطُ: رفعُ نَجِسٍ قد عُلِمَا.... وكلُّ شرطٍ في الوضوءِ قُدِّما) فيه مسألة: وهي: أن الشرط في الغسل: رفعُ نجسٍ؛ أي: إزالته إذا كان لا يزول بالغسلة الواحدة، قد علم وجوده عن بدنه إن كان، أما إذا كان النجس يزول بالغسلة الواحدة.. فلا تكفي لهما غسلة واحدة كما صححه الرافعي، وصححه النووي: أنها تكفي لهما، وقد تقدم إيضاحه في (الوضوء).

وقوله: (وكلُّ شرط) عطف على قوله: (رفعُ نجس) أي: الشرط في الغسل أيضاً: كل شرط تقدم ذكره في الوضوء؛ كإسلام المغتسل، إلا في كتابية اغتسلت من حيض أو نفاس لتحل لحليلها المسلم؛ للضرورة، ولهذا تجب إعادته إذا أسلمت، وتمييزه، إلا في اغتسال مجنونة من حيض أو نفاس لتحل لحليلها؛ للضرورة، ولهذا يجب إعادته إذا أفاقت، وعدم المانع الحسيِّ والمانع الشرعي.
والف (علما) و (قدما) للإطلاق.
[سنن الغسل] ولما فرغ من معتبرات الغسل.. شرع في سننه فقال: (وسنَّ "باسم الله"، وارفع قذرا.... ثُمَّ الوُضُو، والرِّجلَ لن تُؤَخِّرا) أي: من سنن الغسل: التسمية؛ بأن يقولها أوله، غير قاصد بها قرآناً؛ لما مر في (الوضوء).
ومنها: إزالة القذر بالمعجمة؛ أي: الطاهر؛ كمني وبصاق قبل الغسل استظهاراً، أما النجس.. فقد تقدم حكمه.
ومنها: الوضوء؛ للاتباع، رواه الشيخان، وإنما لم يجب؛ لأن الله تعالى أمر بالتطهير من غير ذكر الوضوء، وللأخبار الصحيحة الدالة على عدم وجوبه؛ كقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: "يكفيك أن تقيضي عليك الماء"، وقوله لأبي ذر: "فإذا وجدت الماء.. فأمسه جلدك".
وقوله: (والرِّجل لن تؤخِّرا) يعني: أن الأفضل تقديم الوضوء كاملاً؛ فقد قال في "المجموع" نقلاً عن الأصحاب: وسواء قدم الوضوء كله أو بعضه، أم أخره، أم فعله في أثناء

الغسل.. فهو محصل للسنة، لكن الأفضل تقديمه.
وقوله: (الوضو) بسكون آخره، وألف (تؤخرا) للإطلاق، أو بدل من نون التوكيد الخفيفة؛ بناء على جواز دخولها على المضارع حينئذ، ويجرى هذا في نظائره السابقة واللاحقة.
[إذا نوى المغتسل فرضاً أو أحدهما دون الآخر] (وإن نوى فرضاً ونفلاً حصلا.... أو فبكلٍّ مثله تحصلا) أي: أن المغتسل إن نوى بغسله فرضاً كالجنابة والحيض، ونقلاً كالجمعة والعيد.. حصلا عملاً بنيته ولا يضر التشريك، بخلاف نحو الظهر مع سنته؛ لأن مبنى الطهارات على التداخل بخلاف الصلاة، أما إذا نوى الفرض.. لم يحصل النفل، أو نوى النفل.. لم يحصل الفرض؛ كما أفهمه كلامه وهو الراجح، عملاً بما نواه.
وإنما لم يندرج النفل في الفرض؛ لأنه مقصود فأشبه سنة الظهر مع فرضه، وفارق ما لو نوى بصلاته الفرض دون التحية؛ حيث تحصل التحية وإن لم تنو: بأن القصد هناك إشغال البقعة بالصلاة وقد حصل، وليس القصد هنا النظافة فقط؛ بدليل أنه يتيمم عند عجزه عن الماء، وأنه يحصل بكلٍّ من الفرض والنفل مثله؛ أي: في الفرضية أو النفلية، فيما إذا نوى فرضاً أو نفلاً، فيحصل بنية الجنابة مثلاً كل غسل مفروض، وبنية الجمعة مثلاً كل غسل مسنون.
وألف (تحصلا) للإطلاق.
[ما ينويه المغتسل بوضوء الغسل] (وسنة الغسلِ نوى لأكبرا.... جُرِّدَ عنْ ضِدٍّ، وإلا الأصغرا) أي: نوى لحدث أكبر جرد عن ضده وهو الحدث الأصغر؛ كأن أنزل بنظر أو فكر، أو احتلم قاعداً متمكناً بوضوئه سنة الغسل، وإلا؛ أي: بأن اجتمع عليه الحدثان.. نوى رفع الحدث الأصغر؛ خروجاً من الخلاف.

فقوله: (سنة الغسل) مفعول مقدم لـ (نوى)، وقوله: (لأكبرا) متعلق بـ (نوى)، وقوله: (جرد عن ضد) جملة وقعت صفة لـ (أكبر)، ونائب فاعل (جُرِّد) ضمير عائد عليه، ولا يصح جعل قوله: (لأكبر... ) إلى آخره جملة حالية من (الغسل)، وألف (لأكبرا) و (الأصغرا) للإطلاق.
[تتمة سنن الغسل] (وشعراً ومعطفاً تعهد... وأدلك، وثلث، وبيمناك ابتد) أمر المصنف المغتسل في هذا البيت بأشياء من سنن الغسل: أحدها: أن يتعهد شعر رأسه ولحيته؛ بأن يخلله بالماء قبل إفاضته عليه؛ ليكون أبعد عن الإسراف في الماء.
ثانيها: أن يتعهد معاطف بدنه؛ أي: أمكنة الالتواء بالغسل؛ خوفاً من عدم وصول الماء إليها، فيأخذ كفاً من الماء، ويضع الأذن برفق عليه؛ ليصل إلى معاطفها.
ثالثها: أن يدلك من بدنه ما تصل إليه يده؛ خروجاً من خلاف من أوجبه.
رابعها: أن يثلث غسل جميع البدن كالوضوء، فيغسل رأسه ثلاثاً، ثم شقه الأيمن ثلاثاً، ثم شقه الأيسر ثلاثاً، فإن اغتسل في ماء جار.. حصل التثليث بجريان الماء عليه ثلاث جريات، أو في راكد.. حصل بانغماسه فيه ثلاثاً؛ بأن يرفع رأسه وينقل قدميه، أو يتحرك فيه ثلاثاً.
خامسها: أن يبتدئ باليمين؛ للخبر المتفق عليه، فيبتدئ بشق رأسه الأيمن قبل الأيسر، ثم بشق بدنه الأيمن قبل الأيسر.
(وتتبع الحيض بمسكٍ، والولا.... مسنونه: حضور جمعةٍ، كلا) (عبدين، والإفاقة، الإسلام.... والخسف، الاستسقاء، والإجرام) (دخول مكة، وقوف عرفه.... والرمي، والمبيت بالمزدلفة) (وغسل من غسل ميتاً كما.... لداخل الحمام أو من حُجما)

ذكر في هذه الأبيات ثلاث مسائل: [استحباب تتبع المرأة أثر الحيض والنفاس بمسك] الأولى: أنه يسن للمرأة ولو بكراً وخلية: أن تتبع أثر الحيض؛ أي: أو النفاس بعد غسلها بمسك؛ بأن تجعله على قطنة أو نحوها وتدخلها في قبلها إلى المحل الذي يجب غسله؛ تطيباً للمحل، وللأمر بما يؤدي ذلك في "الصحيحين" من حديث عائشة وتفسيرها قوله صلى الله عليه وسلم لسائلته عن الغسل من الحيض: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" بقولها: (يعني: تتبعي بها أثر الدم)، والمسك أولى من غيره، فإن لم تفعل.. فطيباً، فإن لم تفعل.. فطيناً، فإن لم تفعل.. فالماء كاف.
وهذه سنة مؤكدة يكره تركها بلا عذر، وتستثنى المحرمة فلا تستعمل شيئاً من الطيب؛ لقصر زمن الإحرام غالباً، والمُحِدَّة فلا تطيب المحل إلا بقليل قُسِط أو أظفار؛ لقطع الرائحة الكريهة.
[استحباب الموالاة والترتيب في الغسل] الثانية: أنه يسن الولاء بين أفعاله كما في الوضوء؛ خروجاً من خلاف من أوجبه.
ومن سننه: الترتيب؛ بأن يرفع الأذى، ثم يتوضأ، ثم يتعهد، ثم يغسل أعضاء الوضوء، ثم الرأس، ثم البدن مبتدئاً بأعلاه وبالأيمن، ويجوز له الغسل مكشوف العورة خالياً أو بحضرة من يجوز نظره إليها، والستر أفضل، أما غسله مكشوف العورة بحضرة من يحرم نظره إليها... فحرام؛ كما يحرم كشفها في الخلوة بلا حاجة.
[الأغسال المسنونة] الثالثة: ذكر من الأغسال المسنونة خمسة عشر غسلاً: أحدها: غسل الجمعة لمن أراد حضورها وإن لم تلزمه كامرأة ومسافر؛ لما سيأتي في (باب صلاة الجمعة) من الأمر به في "الصحيحين" وغيرهما، وصرفه عن الوجوب

خبر: "من توضأ يوم الجمعة.. فبها ونعمت، ومن اغتسل.. فالغسل أفضل" رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي.
ويدخل وقته بالفجر، وتقريبه من ذهابه أفضل، أما من لم يرد حضورها.. فلا يسن له الغسل، ويؤخذ من بداءته به أنه آكد الأغسال المسنونة، وهو كذلك على الأصح.
ثانيها وثالثها: غسلا عيد الفطر والأضحى لكل أحدٍ وإن لم يحضر صلاتهما؛ لاجتماع الناس لهما كالجمعة، ويدخل وقت غسلهما بنصف الليل على الأصح؛ لأن أهل القرى الذين يسمعون النداء يبكرون لصلاتهما من قراهم، فلو لم يجز الغسل قبل الفجر.. لشق عليهم، والفرق بينهما وبين الجمعة: تأخير صلاتها وتقديم صلاتهما.
رابعها: الغسل من الإفاقة من الجنون أو الإغماء؛ للاتباع في الإغماء، رواه الشيخان، وقيس بن الجنون، وقال الشافعي رحمه الله: (قلَّ ما جن إنسان.. إلا وأنزل).
خامسا: غسل الكافر إذا أسلم؛ لأمره صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم بالغسل لما أسلم، وكذلك ثمامة بن أثال، رواهما ابنا خزيمة وحبان وغيرهما، وليس أمر وجوب؛ لأن جماعة أسلموا ولم يأمرهم بالغسل، وهذا حيث لم يعرض له في الكفر ما يوجب الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس أو ولادة، فإن عرض له ذلك.. وجب عليه الغسل بعد إسلامه، ولا عبرة بغسل مضى في كفره على الأصح، وفارق عدم لزوم إخراج ما أداه من كفارة حال كفره؛ بأن مصرفها متعلق بالآدمي فأشبه الدين.
سادسها: الغسل لصلاة خسوف الشمس أو القمر؛ لاجتماع الناس لهما كالجمعة، ويدخل وقت غسله بأوله.
سابعها: الغسل لصلاة الاستسقاء؛ لما مر، قال في "الروضة": قال أصحابنا: يستحب الغسل لكل اجتماع، وفي كل حال يغير رائحة البدن.

ثامنها: الغسل للإحرام؛ للاتباع، رواه الترمذي وحسنه، وسواء في ذلك الإحرام بحج أو بعمرة أو بهما.
تاسعها: الغسل لدخول مكة؛ للاتباع، رواه الشيخان، وسواء كان محرماً بحج، أو بعمرة أو بهما، ويسن للحلال أيضاً وهو داخل في كلامه.
ويسن الغسل لدخول الحرم أيضاً، ولدخول المدينة، ولو أحرم من مكان قريب من مكة كالتنعيم فاغتسل.. لم يندب له الغسل لدخول مكة كما قاله الماوردي.
عاشرها: الغسل للوقوف بعرفة عشية.
حادي عشرها: الغسل للرمي في أيام التشريق الثلاثة، ولا يسن الغسل لرمي جمرة العقبة؛ لقربها من غسل العيد.
ثاني عشرها: غسيل مبيت مزدلفة غداة النحر؛ لأن هذه مواطن تجتمع لها الناس فسن الغسل لها؛ قطعاً للروائح الكريهة.
وسواء في هذه الأغسال الرجل والمرأة، والطاهر وغيرها.
ثالث عشرها: غسل من غسَّل ميتاً، مسلماً كان أو كافراً؛ لخبر: "من غسل ميتاً.. فليغتسل"، رواه ابن ماجة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، والصارف للأمر عن الوجوب خبر: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه" حصصه الحاكم على شرط البخاري.
رابع عشرها: غسل داخل الحمام عند إرادة خروجه، سواء أتنوَّر أم لا.
خامس عشرها: غسل من حُجِم؛ أي: بضم الحاء ومكسر الجيم؛ لما روى البيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (كنا نغتسل من خمس: من الحجامة، والحمام، ونتف الإبط، ومن الجنابة، ويوم الجمعة)، وحكمته كما أشار إليه الشافعي رضي الله عنه: أن ذلك

يغير الجسد ويضعفه، والغسل يشده وينعشه، ويؤخذ منه: أنه يسن الغسل للفصد ونحوه.
ومن الأغسال المسنونة: الغسل للاعتكاف؛ كما في "لطيف ابن خيران" عن النص، ولكل ليلة من شهر رمضان؛ كما قاله الحليمي، وقيده الأذرعي بمن يحضر الجماعة، ولحلق العانة؛ كما في "رونق الشيخ أبي حامد" و"لباب المحاملي"، ولبلوغ الصبي بالسن؛ كما في "الرونق"، والغسل في الوادي عند سيلانه.
و(كِلا) في قول المصنف: (كلا عيدين) اسم مقصور لإضافته إلى ظاهر، وألف (حُجِما) للإطلاق.
(والغسل في الحمَّام جاز للذَّكر... مع ستر عورةٍ وغضٍّ للبصر) (ويكره الدخول فيه للنِّسا... إلا لعذر مرضٍ أو نُفسا) (وقبل أن يدخل يعطي أجرته... ولم يجاوز في اغتسالٍ حاجته) فيها أربع مسائل: [جواز الغسل في الحمام للذكر] الأولى: يجوز الغسل في الحمام للذكر؛ أي: يباح له مع ستر عورته عمَّن يحرم نظره إليها؛ إذ كشفها حينئذ حرام فيجب تركه، وعدم مسها ممن يحرم مسه لها، وغض بصره عن عورةٍ يحرم نظره إليها، وعدم مسه إياها؛ لأن كلاً من الكشف والنظر واللمس المذكورات.. حرام فيجب تركه، ويجب عليه أن ينهى من ارتكب شيئاً من ذلك وإن ظن أنه لا ينتهي.
[كراهة دخول الحمام للنساء] الثانية: يكره دخوله للنساء؛ أي: والخناثى إلا لعذر؛ كمرض أو حيض أو نفاس، أو خوف ضرر، فيباح لهن حينئذ مع ستر عورتهن عمن يحرم نظره إليها، وعدم مسها ممن يحرم مسه لها، وغض بصرهن عن عورة يحرم نظرهن إليها، وعدم مسهن إياها.
والأصل في ذلك خبر أبي داود وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتاً يقال لها: الحمامات، فلا يدخلها الرجال.. إلا بالأزر، وامنعوها النساء إلى مريضة أو نفساء"، وخبر الترمذي وحسنه: "ما من امرأة تخلع ثيابها في

غير بيتها.. إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى"، وخبر النسائي والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها: "الحمام حرام على نساء أمتي"، ولأ، أمرهن مبني على المبالغة في الستر، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر.
[آداب دخول الحمام] الثالثة: لدخوله آداب، منها: أن يعطى أجرته قبل دخوله؛ لأن ما يستوفيه مجهول، وكذا ما ينتظره الحمامي، فإعطاء الأجرة حينئذ دفع للجهالة من أحد العوضين وتطييب لنفسه، وقصدُ التنظف والتطهر، والتسمية لدخوله ثم التعوذ؛ كأن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث)، وتقديم يساره لدخوله، ويمينه لخروجه، وتذكر الجنة والنار بحرارته، ورجوعه إذا رأى عرياناً فيه، وألا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق، وألا يكثر الكلام، وأن يدخل وقت الخلوة، أو يتكلف إخلاء الحمام؛ فإنه وإن لم يكن فيه إلا أهل الدين.. فالنظر إلى الأبدان المكشوفة فيه شوب من قلة الحياء، وهو مذكر للفكر في العورات، ثم لا يخلو الناس في الحركات عن انكشاف العورات فيقع عليها البصر، واستغفاره عند خروجه، وصلاته ركعتين، وقد اقتصر المصنف على أول الآداب.
ويكره دخوله قبيل المغرب وبين العشائين، ودخوله للصائم، وصب الماء البارد على الرأس، وشربه عند الخروج، ولا بأس بدلك غيره إلا عورة أو مظنة شهوة، ولا بقوله لغيره: (عافاك الله)، ولا بالمصافحة.
[وجوب الاقتصار على قدر الحاجة في صبِّ الماء] الرابعة: أنه يجب عليه: أن يقتصر في صب الماء على قدر حاجته، فلا يجوز له أن يزيد عليه؛ فإنه المأذون فيه لقرينة الحال، والزيادة عليه لو علمها الحمامي.. لكرهها، لا سيما الماء الحار؛ فله مؤنة، وفيه تعب.
وقال ابن عبد السلام: ليس له أن يقيم فيه أكثر مما جرت العادة به؛ لعدم الإذن اللفظي والعرفي.

بابُ التّيَمُّم

وهو لغة: القصد، وشرعاً: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائطه مخصوصة، وخصت به هذه الأمة، وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إن تيمم لفقد الماء.. فعزيمة، أو لعذر.. فرخصة.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ﴾ الآية، وخبر مسلم: "وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وترتبها طهوراً"، وغيره من الأخبار الآتي بعضها في الباب.
(تيمُّم المحدث أو من أجنبا... يُباح في حالٍ وحالٍ وجبا) أفاد كلامه مسألتين: [التيمم للمحدث والجنب] الأول: تيمم المحدث حدثاً أصغر أو أكبر من حيض أو نفاس أو ولادة والجنب.. [مباح]، أما المحدث.. فبالإجماع، وأما الجنب.. فلما في "الصحيحين" عن عمار بن ياسر وغيره، فقوله: (أو من أجنبا) من عطف الخاص على العام، واقتصر على المحدث والجنب؛ لأنهما الأصل ومحل النص، وإلا.. فالمأمور بغسل مسنون يتيمم له أيضاً، والقياس كما قاله جمع من المتأخرين: أن الوضوء المسنون كذلك، وييمم الميت أيضاً.
وخرج بما ذكر: المتنجس، فلا يتيمم للنجاسة؛ لأن التيمم رخصة فلا تتجاوز محل ورودها.
[التيمم قد يكون مباحاً وقد يكون واجباً] الثانية: أن تيمم من ذكر يباح في حالٍ، وهو وجود عذر يسوِّغه من قدرة المتيمم على استعمال الماء؛ كقادر على شراء الماء وجده يباع بأكثر من ثمن مثله، وكمن تيمم أول الوقت وقد علم أو ظن وجود الماء آخره، ويجب في حالٍ، وهو عجز المتيمم عن استعمال الماء.

وقوله: (تيمم) مبتدأ خبره (يباح... ) إلى آخره، وألف (أجنبا) و (وجبا) للإطلاق، والله أعلم.
[شروط التيمم] (وشروطه: خوفٌ من استعمال ما... أو فقد ماءٍ فاضلٍ عن الظَّما) (دخول وقتٍ، وسؤالٌ ظاهر... لفاقد الما وترابٌ طاهر) (ولو غبار الرمل، لا مستعملا... ملتصقاً بالعضو أو منفصلا) ذكر في هذه الأبيات من شروطه التيمم أموراً.
أولها: إما أن يخاف من استعمال الماء لمرض أو شدة برد تلف نفس أو عضو أو منفعة، أو مرضاً مخوفاً، أو زيادة التألم وإن لم تزد المدة، أو بطء البرء وإن لم يزد الألم، أو شدة الضنا، أو بقاء شين فاحش في عضو ظاهر.
والأصل في التيمم للمرض: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ إلى ﴿فتيمموا﴾ إلى آخره؛ أي: حيث خفتم من استعمال الماء ما ذكر.
و(الشَّين): الأثر المنكر من تغير لون أو نحول واستحشاف، وثغرة تبقى ولحمة تزيد، و (الظاهر): ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين.
ويعتبر فيما ذكر: أن يخبره به طبيب مسلم بالغ عدل عارف، أو يعلم ذلك بنفسه، وإلا.. فلا يجوز له التيمم، وخرج بما ذكر: ما لو خاف شيناً يسيراً، أو قبيحاً في عضو باطن، أو تألماً في الحال، أو مرضاً يسيراً كالصداع.. فإنه لا يتيمم؛ لوجود الماء وعدم الضرر الشديد.
وإما أن يفقد ماء فاضلاً عن الظمأ؛ بأن يفقد حساً، أو شرعاً بأن يتوهمه فوق حد الغوث، أو يتيقنه فوق حد القرب، أو يخاف من طلبه فوت نفس، أو عضو أو منفعة، أو مال، أو وقت، أو انقطاعاً عن رفقة، أو وجد ماء مُسبَّلاً للشرب، أو يباع بأكثر من ثمن مثله في ذلك الزمان والمكان، أو بثمن وهو محتاج إليه لشراء سترة، أو لوفاء دين، أو مؤنة سفر، أو حيوان محترم، أو ملكه وهو محتاج إلى ثمنه لذلك، أو إليه لعطش حيوان محترم من نفسه وغيره في الحال في المآل، وخرج بالمحترم: غيره كالمرتد والكلب العقور.

ثانيها: دخول وقت ما يتيمم له، سواء أكان فرضاً أو نفلاً ولو نذراً؛ لأن التيمم طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت.
فلو نقل التراب قبله ومسح به الوجه بعده.. لم يصح، وكذا لو شك هل نقله قبله أم فيه وإن تبين أنه نقل فيه، فيصح التيمم للثانية في جمع التقديم وقت الأولى عقب فعلها، فلو دخل وقت الثانية قبل أن يصليها.. بطل التيمم، بخلاف ما لو تيمم لفائتة قبل وقت الحاضر.. فإنها تباح به؛ لأنه استباح ما نوى فاستباح غيره بدلاً، وهنا لم يستبح ما نوى بالصفة التي نوى فلم يستبح غيره.
ويتيمم للأولى في جمع التأخير في وقتها، أو في وقت الثانية، ويتيمم للفائتة عند تذكرها، ويصح التيمم في وقت الكراهة للمؤقتة وذات السبب لا للنافلة المطلقة، ولا يبطل تيممها بدخول وقت الكراهة.
[سؤال الماء لفاقده قبل التيمم] ثالثها: سؤال ظاهر لفاقد الماء؛ بأن يطلبه في الوقت بنفسه أو مأذونه إذا لم يتيقن عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، ولا يقال: لم يجد إلا بعد الطلب، أما إذا تيقن عدمه.. فلا طلب؛ لأنه عبث، فإن جوَّز وجوده في شيء.. وجب عليه طلبه منه؛ كأن يفتش رحلة وينظر حواليه يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، ويتأمل موضع الخضرة والطيران إن كان بمستو، وإلا.. تردد إلى حد الغوث؛ وهو ما يلحقه فيه غوث الرفاق مع ما هم عليه من التشاغل بأشغالهم، والتفاوض في أقوالهم، وعبَّر عنه في "الشرح الصغير": بغلوة سهم.
ويعتبر في سؤاله كونه ظاهراً؛ بأن ينادي في رفقة منزله المنسوب إليه نداء يعمهم، إلا أن يضيق وقت الصلاة: (من معه ماء)، أو (من يجود بالماء)، أو (يبيع الماء)، ولا يجب أن يطلب من كل واحد بعينه، ويكفي أن تأذن الرفقة لثقةٍ يطلب لهم.
وإن تيقنه.. لزمه طلبه إن كان بحد القرب؛ وهو ما يقصده الرفقة للاحتطاب ونحوه، وإلا.. فلا، ولو تيقنه آخر الوقت.. فانتظاره أفضل، أو جوَّز وجوده.. فتعجيل التيمم أفضل؛ كمريض ينتظر القدرة، وعار ينتظر السترة.
أما المقيم.. فلا يتمم، ويجب عليه أن يسعى إليه وإن فات الوقت، ولا ينتظر مزاحمٌ على بئرٍ أو ثوبٍ أو مقامٍ نوبةً عَلِم أنها لا تصل إليه إلا بعد الوقت، بل يصلي فيه بتيمم أو عارياً أو قاعداً ولا إعادة.

ولو كان معه ثوب متنجس ولو اشتغل بغسله لخروج الوقت.. لزمه غسله والصلاة بعد الوقت، ولا يصلي عارياً.
ولو وجد ماء لا يكفيه.. وجب استعماله، ثم يتيمم للباقي، ويراعي المحدث الترتيب لا ذو الحدث الأكبر، وأعضاء الوضوء أولى.
ولو لم يجد إلا ثلجاً أو برداً لا يقدر على إذابته.. لم يلزمه استعماله، ولو لم يجد إلا تراباً لا يكفيه.. وجب استعماله، ولو لم يجد إلا ثمن بعض الماء.. لزمه شراؤه، ومن وجد ماءً يغسل به بعض نجاسات به.. وجب عليه غسله، ولو وجد من عليه حدث ونجاسة ماء يكفي أحدهما.. تعين للنجاسة ووجب غسلها قبل التيمم.
وأما إذا تيمم لمرض ونحوه.. فلا طلب.
[كون التيمم بتراب طاهر] رابعها: التراب الطاهر؛ قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ أي: تراباً طاهراً؛ كما فسره ابن عباس وغيره، والطاهر هنا بمعنى: الطهور؛ لما سيأتي من أنه لا يصح التيمم بالتراب المستعمل، وسواء في التراب الأعفر والأصفر، والأسود والأحمر، والسَّبْخ وهو الذي لا ينبت، وما يداوى به كالطين الإرمني بكسر الهمزة، ولو كان التراب غبار رمل؛ لأنه من طبقات الأرض والتراب جنس له.
وخرج بـ (التراب): غيره؛ كمعدن وسحاقة خزف ولو قليلاً مختلطاً بالتراب، وبـ (الطاهر): المتنجس؛ بأن أصابه مائع نجس فلا يصح التيمم بشيء منها؛ لما مر.
وقوله: (لا مستعملاً) أي: إن كان التراب مستعملاً متصلاً بالعضو الممسوح أو منفصلاً عنه بعد إصابته.. فلا يصح التيمم به كالماء؛ لأنه قد تأدى به فرض فانتقل إليه المنع، بخلاف ما انفصل ولم يصب العضو.
ويؤخذ من حصر المستعمل فيما ذكره: جواز تيمم الواحد والجماعة من تراب يسير مرات كثيرة ولا مانع منه.

[بعض شروط التيمم] ومن شروطه: إسلام المتيمم، لا في كتابية انقطع حيضها أو نفاسها لتحل لمسلم، وتمييزه لا في مجنونة لتحل لواطئ، وعدم الحيض والنفاس لا في تيمم مسنون لإحرام ونحوه، وعدم ما يمنع من وصول التراب إلى البشرة، وتقديم الاستنجاء، وإزالة النجاسة عن أعضاء التيمم وكذا عن غيرها على الأصح، وتقديم الاجتهاد في القبلة على رأي.
[أركان التيمم] (وفَرْضُهُ: نقل التراب، لو نقل... من وجهه لليد أو بالعكس حل) (وقصده، ونية استباح... فرضٍ أو الصلاة، وانمساح) (الوجه لا المنبت واليدين... مع مرفقٍ، ورَتِّب المسحين) ذكر في هذه الأبيات أن فرض التيمم ستة، فإن قوله: (فرضه) مفرد مضاف فيعم أي: فروضه ستة كما في "المجموع" وغيره، وزاد في "أصل الروضة" كـ"الوجيز": (التراب)، وجعل في "المنهاج" كـ"أصله": القصد شرطاً، قال الرافعي: وحذفهما جماعة وهو أولى؛ إذ لو حسن عد التراب ركناً.. لحسن عد الماء ركناً في الطهر به، وأما القص.. فداخل في النقل الواجب قرن النية به.
انتهى.
فأركانه ستة: أولها: نقل التراب؛ أي: نقل المتيمم أو مأذونه ولو بلا عذر التراب الذي له غبار الموصوف بما تقدم إلى عضو تيممه؛ لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً﴾ أي: فاقصدوه؛ بأن تنقلوه إلى العضو، فل كان بعضو تراب فردده عليه.. لم يكف وإن قَصَد بوقوفه في مهب الريح التيمم؛ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له، ولو أحدث بين نقله والمسح.. بطل وعليه النقل ثانياً، بخلاف نظيره في الوضوء وفيما لو نقل مأذونه؛ لعدم وجوب نقل الماء في

الأولى، وعدم وجود القصد الحقيقي منه في الثانية فصار فيها؛ كما لو اكتراه ليحج عنه، ثم جامع في زمن إحرام الأجير.. لا يفسد حجه، ذكره القاضي.
ولو نقل التراب من وجهه إلى يده؛ بأن حدث عليه بعد مسحه أو بالعكس؛ أي: نقله من يده إلى وجهه.. حل؛ أي: جاز وصح؛ كما لو نقله من غير عضو التيمم، وكذا لو أخذ من العضو ثم رده إليه، أو نقله من إحدى يديه إلى الأخرى.. يكفي في الأصح.
ثانيها: قصده؛ أي: قصد المتيمم التراب؛ لما مر.
ثالثها: نية استباحة فرض؛ من صلاة وطواف، أو استباحة الصلاة المسنونة أو غيرها مما يفتقر إلى التيمم كمس مصحف، بخلاف ما لو نوى رفع الحدث، أو فرض التيمم.
ثم إن نوى به فرضاً ونفلاً، أو فرضاً، أو فروضاً.. استباح الفرض والنقل قبل الفرض وبعده في الوقت، والفائتة، والحاضرة، والمعينة وغيرها، فإن عين وأخطأ؛ كمن نوى فائتة ولا شيء عليه، أو ظهراً وعليه عصر.. لم يصح، وإن نوى نفلاً أو الصلاة.. استباح النفل لا الفرض على المذهب، ولو نوى نافلة معينة أو صلاة جنازة.. جاز له فعل غيرها من النوافل معها.
وله بنية النقل صلاة الجنازة في الأصح، وسجود التلاوة، والشكر، ومس المصحف، وحمله؛ لأن النفل آكد منها.
ولو نوى استباحة مس المصحف أو حمله ولو بدار كفر أو مفازة واضطر إلى حمله، أو سجود التلاوة أو الشكر، أو منقطعة الحيض أو النفاس استباحة الوطء، أو ذوي الحدث الأكبر استباحة الاعتكاف، أو قراءة القرآن.. استباح ما نواه، ولا يستبيح الفرض ولا النقل.
ووقت النية: أول الأركان؛ وهو نقل التراب، والمراد به: الضرب كما في "المجموع" و"الكفاية"، ويشترط استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح؛ لأن أول الأركان في التيمم مقصود لغيره بخلاف في الوضوء، والمتجه كما قاله جمع من المتأخرين: الاكتفاء باستحضارها عند النقل والمسح ولو عزبت بينهما؛ ويؤيده التعليل السابق وقول أبي خلف الطبري في "شرح المفتاح": وقت النية في التيمم: أن ينوي عند القصد إلى التراب، ويكون ذكراً للنية عند مسح الوجه.

رابعها: مسح وجهه، وظاهر لحيته - وإن خرج عن حد الوجه - ولو بغير يده؛ بأن يستوعبه بالمسح حتى ما يقبل من أنفه على شفته؛ لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، لا المنبت للشعر، وإن خف أو ندر.. فلا يجب إيصال التراب إليه، ولا يندب؛ لما فيه من المشقة.
خامسها: مسح اليدين مع المرفقين؛ لآية التيمم، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: (انه مسح وجهه وذراعيه)، قال الشافعي رحمه الله تعالى: هذا الخبر هو الذي منعنا أن نأخذ برواية عمار في الوجه والكفين.
سادسها: ترتيب المسح؛ أي: مسحي الوجه واليدين ولو في المتمعك كما في الوضوء وإن كان حدثه أكبر، وخرج بـ (المسحين): النقلان فلا يجب الترتيب بينهما؛ إذ المسح أصل والنقل وسيلة، فلو ضرب بيديه على الترتيب ومسح بالثانية وجهه وبالأولى يديه.. جاز.
وقوله: (وانمساح الوجه) أي: مسحه؛ كما علم من كون النقل فرضاً.
[سنن التيمم] ولما فرغ من ذكر معتبرات التيمم.. شرع في ذكر مسنوناته فقال: (وسُنَّ تفريجٌ، وأن يُبسملا... وقدِّم اليمنى، وخلِّل، والولا) (ونزع خاتمٍ لأولى يضرب... أما لثاني ضربةٍ فيجب) أي: يسن للمتيمم أمور: منها: تفريج أصابعه، وفي بعض النسخ: (تفريق) أول كل ضربة؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار، فلا يحتاج إلى الزيادة على الضربتين، والغبار الحاصل في الأولى بين الأصابع.. لا يمنع صحة التيمم وإن منع وصول الغبار في الثانية؛ إذ لو اقتصر على التفريج في الأولى.. أجزأه؛ لعدم وجوب ترتيب النقل، فحصول التراب الثاني إن لم يزد الأول قوة.. لم ينقصه، وأيضاً: الغبار على المحل لا يمنع المسح؛ بدليل أن من غشيه غبار السفر.. لا يكلف نفضه

للتيمم كما ذكره الرافعي، وقول البغوي: يكلف نفض التراب.. محمول على تراب يمنع وصول التراب إلى المحل.
ومنها: أن يبسمل أول التيمم ولو جبناً أو حائضاً؛ كما في الوضوء.
ومنها: أن يقدم يمناه على يسراه؛ أي: وأعلى وجهه على أسفله؛ كما في الوضوء، ويسن إذا مسح اليمنى.. أن يضع أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام؛ بحيث لا يخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا يجاوز أنامل اليمنى بمسبحة أطراف أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كف اليمنى، فإذا بلغ الكوع.. ضم أطراف أصابعه على حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه وإبهامه مرفوعة، فإذا بلغ الكوع.. أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ندباً لا وجوباً؛ لتأدي فرضهما بضربهما بعد مسح الوجه، وإنما جاز مسح الذراعين بترابهما؛ لعدم انفصاله وللحاجة؛ إذ لا يمكن مسح الذراع بكفها فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه، ذكر ذلك في "المجموع"، ومراده بنقل الماء: تقاذفه الذي يغلب؛ كما عبر به الرافعي حيث قال: وإنما يثبت للمتناثر حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية وأعرض المتيمم عنه؛ لعسر إيصاله إلى العضو، فيعذر في رفع اليدين ودروهما؛ كما في رد المتقاذف الذي يغلب في الماء.
ومنها: أن يخلل بين أصابع يديه بالتشبيك؛ كما في الوضوء.
ومنها: الولاء بين المسحين كما في الوضوء بتقدير التراب ماء، وبين التيمم والصلاة؛ خروجاً من خلاف من أوجبه، ويجب الولاء في تيمم دائم الحدث ووضوئه.
ومنها: نزع خاتم في الضربة الأولى؛ ليكون مسح جميع الوجه بجميع اليد؛ اتباعاً للسنة، وأما نزعه في الضربة الثانية.. فيجب؛ لتصل التراب إلى محله، ولا يكفي تحريكه، بخلاف في الوضوء؛ لأن التراب لا يدخل تحته، بخلاف الماء، فإيجاب النزع إنما هو عند المسح لا عند الضرب كما نبه عليه السبكي.

وألف (يبسملا) للإطلاق، ويجوز في كل من (قدم) و (خلل) أن يكون ماضياً وفاعله المتيمم، وأن يكون أمراً، ويجوز في (يضرب) أن يكون مبنياً للفاعل؛ أي: يضربها المتيمم؛ فيكون بمثناة تحتية وهو أنسب بآخر البيت، وأن يكون مبنياً للمفعول ونائب الفاعل ضمير يعود على الأولى؛ فيكون بمثناة فوقية.
واللام في قوله: (لثاني ضربه) يصح أن تكون للتعليل، وبمعنى: (في) و (عند) و (بعد) أي: بعد الضربة الثانية عند المسح فيكون موفياً بما نبه عليه السبكي.
ومن سننه: تخفيف التراب، وعدم الزيادة على ضربتين، وإدامة يده على العضو حتى يفرغ من مسحه، وإمرار التراب على العضد؛ تطويلاً للتحجيل، وإتيانه بالشهادتين مع ما بعدهما؛ كما في الوضوء والغسل.
[آداب التيمم ومكروهاته] (آدابه: القبلة أن يستقبلا... مكروهه: التُّرب الكثير استعملا) فيه مسألتان: الأولى: من آداب التيمم: استقبال المتيمم القبلة؛ لشرفها كالوضوء، وقد تقدم الكلام على التعبير بالآداب.
الثانية: يكره لمتيمم استعمال التراب الكثير؛ فإنه يشوه الخلقة، فإن السنة: أن يخفف التراب؛ بأن ينفضه إن كان كثيراً أو ينفخه؛ بحيث لا يبقى إلا قدر الحاجة، وألا يكرر المسح، ويكره له الزيادة على مسحةٍ واحدة للوجه ومسحةٍ واحدة لليدين.
وقوله: (آدابه) من إطلاق الجمع على الواحد مجازاً، وألف (يستقبلا) و (استعملا) للإطلاق، ويصح بناء كل منهما للفاعل وهو المتيمم، وللمفعول وهو القبلة في الأول فيكون بمثناة فوقية، والتراب في الثاني، و (التراب) لغة في التراب.

[ما يحرم التيمم به] (حرامه: تراب مسجدٍ، وما... في الشرع الاستعمال منه حُرِّما) فيه مسألة: وهي: أنه يحرم التيمم بتراب المسجد؛ تعظيماً له لأنه جزؤه، والمراد به: الجزء الداخل في وقفه، لا ما يجتمع فيه من حمل الريح ونحوه، وبكل تراب حرم الشارع استعماله كالمغصوب والمسروق؛ لما فيه من استعمال ملك الغير بغير إذنه.
ويؤخذ من كلام المصنف: صحة التيمم بالتراث الذي يحرم التيمم به؛ لإضافته (حرام) لضمير المتيمم وهو الأصح، وقيل: لا يصح إذا قلنا بأنه رخصة.
وقوله: (وما في الشرع... ) إلى آخره من عطف العام على الخاص؛ فإن تراب المسجد مما حرم الشارع استعماله، وألف (حرما) للإطلاق، ويصح بناؤه للفاعل وللمفعول.
[مبطلات التيمم] ثم شرع فيما يبطل التيمم فقال: (مبطله: ما أبطل الوضوء مع... توهُّم الماء بلا شيءٍ منع) (قبل ابتدا الصلاة، أمَّا فيها... فمن عليه واجبٌ يقضيها) (أبطل، وإلا لا، ولكن أفضل... إبطالها كي بالوضوء تفعل) أي: أن التيمم يبطله ما أبطل الوضوء من الأسباب السابقة، ويزيد التيمم ببطلانه بتوهم الماء؛ أي: بأن يقع في وهم المتيمم لفقده - أي: ذهنه - وجوده بأن جوَّزه وإن زال سريعاً أو لم يكفه الماء أو ضاق الوقت؛ كأن يسمع قائلاً يقول: (عندي ماء أودعنيه فلان) بلا مانع منه، قبل ابتداء الصلاة؛ بأن لم يفرغ من تكبيرة الإحرام؛ لوجوب الطلب حينئذ، ولأنه لم يشرع في المقصود.. فصار كما لو توهمه في أثناء التيمم، وهذا معنى قوله: (مع توهم الماء... ) إلى آخره، وهذا بخلاف توهمه السترة؛ لعدم وجوب طلبها.
وفهم من كلامه: بطلان التيمم بتيقن الماء بالأولى، وخرج بقوله: (بلا شيء منع) ما لو

اقترن بمانع من استعماله؛ كعطش، وسبع يحول بينه وبينه، وسماع من يقول: (أودعني فلان ماء) وهو يعلم غيبته.. فلا يبطل التيمم حينئذ، وبقوله: (قبل ابتدا الصلاة) ما لو شرع فيا.. فلا يبطل تيممه بتوهم ولا شك ولا ظن.
وقد ذكر حكم اليقين في قوله: (أما فيها) يعني: إن تيقن القدرة على استعمال الماء في الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً؛ بأن تيقن وجوده إن تيمم لفقده، أو حصل الشفاء إن تيمم لمرض أو نحوه.. يبطل التيمم إن وجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يندر فيه فقد الماء كالحضر، والثاني لبرد أو كان بجرحه دم كثير، أو وضع الساتر على حَدَث، أو عضو تيمم كما سيأتي، أو نحو ذلك؛ إذا لا فائدة في استمراره فيها حينئذ، وإلا بأن لم يجب عليه قضاء فرضها؛ بأن تيمم الأول بموضع يكثر فيه فقد الماء كالسفر، والثاني لغير ما ذكر.. فلا يبطل تيممه؛ لتلبسه بالمقصود بلا مانع من استمراره فيه؛ كوجود المكفر الرقبة في الصوم، ولأن إحباط الصلاة أشد ضرراً عليه من تكليفه شراء الماء بزيادة يسيرة.
ويبطل تيممه بسلامه من صلاته وإن علم تلفه قبله؛ لأنه ضعف بوجود الماء وكان مقتضاه بطلان الصلاة التي هو فيها، ولكن بقاءها لحرمتها.
وقوله: (ولكن أفضل... ) إلى آخره؛ أي: الأفضل قطعها ليتوضأ، ويصلي بدلها لإتمامها فرضاً كانت أو نفلاً؛ كوجود المُكفِّر الرقبة في أثناء الصوم، وللخروج من خلال من حرم إتمامها، ويحرم قطع فريضة ضاق وقتها؛ لئلا يخرجها أو بعضها عنه مع إمكان أدائها فيه.
واستشكل عدم البطلان فيما ذكر بالبطلان فيما لو قلد الأعمى غيره في القبلة، ثم أبصر في الصلاة، مع أن الضرورة زالت فيهما؟ وأجيب عنه بأنه هنا قد فرغ من البدل وهو التيمم، بخلافه هناك؛ فإنه ما دام في الصلاة فهو مقلد.
ولو يُمِّم ميتٌ وصلي عليه ثم وُجِد الماء.. وجب غسله والصلاة عليه، سواء أكان في أثناء الصلاة أو بعدها، ذكره البغوي في "فتاويه"، ثم قال: ويحتمل ألا يجب، وما قاله في الحضر، أما السفر.. فلا يجب شيء من ذلك كالحي كما جزم به ابن سراقة في "تلقينه"، لكنه فرضه في الوجدان بعد الصلاة، فعلم أن صلاة الجنازة كغيرها، وإن تيمم الميت كتيمم الحي، ومن نوى شيئاً.. أتمه، ومن لم ينوه.. وجب الاقتصار على ركعتين، فإن رآه في ثالثة مثلاً.. أتمها.

ولو رأت حائض الماء وهو يجامعها.. وجب النزع، لا إن رآه هو، ولو رآه مسافر قاصر فنوى الإقامة أو الإتمام.. بطلت صلاته.
وقد علم مما قررته: أنه لا يصح حمل قول المصنف: (أما فيها) على توهم الماء كما سبق إلى بعض الأوهام من ظاهره؛ ويدل لما قررته: تقييده بطلان التيمم بتوهم الماء قبل ابتداء الصلاة.
وقوله: (ابتدا) بالقصر للوزن، وقوله: (ابطل) يصح كونه ماضياً مبنياً للفاعل وهو ضمير يعود إلى التيقن الذي قدرته، ومفعوله ضمير يعود على التيمم؛ أي: أبطل تيقن القدرة على استعمال الماء تيمم المتيقن، أو مبنياً للمفعول وهو التيمم، ويصير التقدير: أما تيمم متيقن القدرة على استعمال فيها... إلى قوله: (أُبطل) أي: التيمم، أو أمراً؛ أي: أما تيمم المتيقن المذكور.. أَبِطله أنت، وقد يتوهم أن المصنف توسع بحذف الفاء من قوله: (وإلا لا) وليس كذلك؛ إذ الإتيان؛ إذ الإتيان فيه بالفاء جائز لا واجب.
(وَرِدَّةٌ تُبطل لا التوضِّي... جدِّد تيمُّماً لكل فرض) [الرِّدة تبطل التيمم] أي: الردة تبطل التيمم لا الوضوء؛ أي: والغسل؛ لأن التيمم للإباحة ولا إباحة مع الردة، والوضوء والغسل يرفعان الحدث.
[وجوب تجديد التيمم لكل فرض] وقوله: (جدد) أي جدد أنت وجوباً تيمماً لكل فرض، سواء أكان مكتوبة، أم طوافاً، أو منذوراً؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فتمموا﴾، فاقتضى وجوب الطهر لكل صلاة، خرج الوضوء بالسنة، فبقي التيمم على مقتضاه؛ ولما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه قال: (تيمم لكل صلاة وإن لم يحدث)، ولأنه طهارة ضرورية فيتقدر بقدرها.
أما تمكين الحائض مراراً، وجمعه مع فرض آخر بتيمم.. فإنهما جائزان.

وخرج بقوله: (لكل لفرض) النفل؛ فإنه يستبيح منه بالتيمم مع الفرض ما شاء، وصلاة الجنازة كالنافلة وإن تعينت، وله جمع الطواف الواجب وركعتيه بتيمم لا الجمعة وخطبتها، ولو صلى بتيمم فرضاً وأعاده به ولو وجوباً.. جاز على الأصح.
[حكم الجبيرة وما يتعلق بها من مسائل] (يمسح ذو جبيرةٍ بالماء مع... تيممٍ، ولم يعده إن وضع) (على طهارةٍ، ولكن من على... عضو تيمُّمٍ لصوقاً جعلا) (وجنباً خيره أن يقدِّما... ألغسل أو يُقدَّم التيمما) وليتيمم محدثٌ إذ غسلا... عليه ثمَّ الوضوء كمَّلا) فيها أربع مسائل: الأولى: أن صاحب الجبيرة يمسحها جميعاً بالماء إذا كانت بأعضاء الطهر، ومثلها: للصوف حين يغسل المحدث حدثاً أصغر العليل، فلا ينتقل عن عضو حتى يكمله غسلاً ومسحاً وتيمماً عنه، ويمسحها ذو الحدث الأكبر متى شاء مع تيمم، أما مسحها.. فلقوله صلى الله عليه وسلم في مشجوج احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب رأسه بخرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده"، رواه أبو داود وغيره، وأما تعميمها به؛ فلأنه مسح للضرورة كالتيمم.
وفهم من تقييده بالماء: أنها لو كانت في عضو التيمم.. لم يجب مسحها بالتراب؛ لأنه ضعيف لا يؤثر من فوق حائل، بخلاف الماء؛ فإن تأثيره فوقه معهود في الخف، لكنه يسن خروجاً من الخلاف، والتيمم بدل عن غسل العليل، ومسح الساتر له بالماء بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح كما في "التحقيق" وغيره، وعليه يحمل قول الرافعي: إنه بدل عما تحت الجبيرة.
وقضية ذلك: أنه لو كان الساتر بقدر العلة فقط، أو بأزيد وغسيل الزائد كله.. لا يجب المسح وهو ظاهر، فإطلاقهم وجوب المسح.. جري على الغالب من أن الساتر يأخذ زيادة على

محل العلة، ومعلوم: أنه يجب غسل الصحيح من أعضاء الطهر ولو ما تحت أطراف الساتر من صحيح ولو بأجرة فاضلة عما مر في نظيره من الوضوء؛ لأن علة بعض العضو لا تزيد على فقده، ولو فقد.. وجب غسل الباقي.
الثانية: أن من غسل الصحيح ومسح الساتر وتيمم وصلى.. لا يعيد ما صلاه بذلك إن وضع الساتر على طهارة؛ أي: ولم يأخذ من الصحيح إلا ما لا بد منه للاستمساك؛ لأنه حينئذ وقد مسح بالماء كما تقدم وجوبه شبيهٌ بالخف، وماسحه لا يعيد.
وخرج بقوله: (إن وضع على طهارة) ما لو وضعه على حدث.. فإنه تجب عليه الإعادة؛ لانتفاء شبهه حينئذ بالخف؛ لأنه كان يجب عليه نزعه إن لم يخف منه ضرراً ليتطهر فيضعه على طهر.
الثالثة: أن من وضع الجبيرة، أو اللَّصوق على عضو تيممٍ ومسحه وغسل الصحيح كما مر وصلى.. تجب عليه إعادة ما صلاه به؛ لنقصان البدل والمبدل.
و(الجبيرة): ألواح تهيأ للكسر أو الخلع، و (اللَّصوق) بفتح اللام: ما كان على جرح من قطنة أو خرقة أو نحوها.
الرابعة: أن العليل إذا لم يكن عليه ساتر.. فالواجب حينئذ أمران: غسل الصحيح، والتيمم، ثم إن كان حدثه أكبر.. تخيَّر بين أن يقدم الغسل وأن يقدم التيمم؛ إذ لا ترتيب يبهما؛ لأن بدنه كعضو واحد، وإن كان حدثه أصغر.. وجب عليه التيمم وقت غسل العليل؛ رعاية لترتيب الوضوء، ثم يكمل الوضوء.
والأولى في القسمين تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثر التراب.
وأفهم كلامه: أنه لو كانت العلة على أكثر من عضو في الوضوء.. وجب لكل عضو عليل تيمم وقت غسله، وهو كذلك.
نعم؛ إن كانت في يديه أو رجليه.. كفاه تيمم واحد؛ لعدم وجوب الترتيب بينهما، لكن لسنِّيَّته يسن تيممان، قال في "المجموع": فإن قيل: إذا كانت العلة في وجهه ويده، وغسل صحيح الوجه أولاً.. جاز توالي تيممهما، فلم لا يكفيه تيمم واحد؛ كمن عمت العلة أعضاءه؟ فالجواب: أن التيمم هنا في طهر تحتم فيه الترتيب، فلو كفاه تيمم.. حصل تطهير الوجه واليد في حالة واحدة، وهو ممتنع، بخلاف التيمم عن الأعضاء كلها؛ لسقوط الترتيب بسقوط الغسل.
انتهى.

وما قيل: من أن هذا الجواب لا يفيد؛ لأن حكم الترتيب باقٍ فيما يمكن غسله ساقطٌ في غيره، فيكفيه تيمم واحد عن والوجه واليدين.. رُدَّ بأن الطهر في العضو الواحد لا يتجزأ ترتيباً وعدمه، ومن ثمة لو عمت الرأس دون الثلاثة.. وجب أربعة تيممات.
وألف (جعلا) و (يقدِّما) و (التيمما) و (غسلا) للإطلاق.
[حكم من أراد صلاة فرض آخر بوضوء غسل فيه الصحيح وتيمم عن العليل] (وإن يرد من بعده فرضاً وما... أحدث فليُصلِّ إن تيمَّما) (عن حدثٍ أو عن جنابةٍ، وقيل:... يعيد محدثٌ لما بعد العليل) أي: إن يرد من غسل الصحيح وتيمم كما مر وصلى به فريضة فرضاً آخر ولم يحدث.. صلى إن أعاد التيمم وحده، وما قيل: إنه لو تعدد؛ كأن تيمم في الأول أربعة تيممات أعادها.. مفرع على رأي الرافعي، ولا يعيد غسل الصحيح، سواء أكان حدثه أصغر أم أكبر؛ لأن الوضوء الكامل لا يعاد فكذا بعضه، ولأن ما غسله.. ارتفع حدثه وناب التيمم عن غيره فتم طهره، وإنما أعيد التيمم؛ لضعفه عن أداء الفرض لا لبطلانه، وإلا.. لم يتنقل به، واللازم باطل، بخلاف إغفال اللمعة.
وقيل: يعيد المحدث غسل ما بعد عليله ورجحه الرافعي؛ فإنه لما وجب إعادة تطهير عضو.. خرج ذلك العضو عن كونه تام الطهر، فإن أتمه.. وجب إعادة ما بعده؛ كما لو أغفل لمعة من وجهه مثلاً، بخلاف الغسل؛ غذ لا ترتيب فيه.
وخرج بـ (الفرض): النفل، فلا يعيد له شيئاً، وبقوله: (وما حدث): ما إذا أحدث؛ فإنه يعيد الطهر كله.
ولو غسل ذو الحدث الأكبر الصحيح، وتيمم عن علة في غير أعضاء الوضوء، ثم أحدث قبل أن يصلي فرضاً.. لزمه الوضوء لا التيمم؛ لأن تيممه عن غير أعضاء الوضوء فلا يؤثر فيه الحدث، ولو صلى فرضاً، ثم أحدث.. توضأ للنفل ولا يتيمم.
وألف (تيمما) للإطلاق.

[فاقد الطهورين] (ومن لماءٍ وترابٍ فقدا... الفرض صلى، ثم مهما وجدا) (من ذين فرداً حيث يسقط القضا... به فتجديدٌ عليه فُرضا) فيهما مسألة: وهي: أن من فقد الماء والتراب؛ كأن حبس بموضع لم يجد فيه واحداً منهما، أو وجد التراب ندياً ولم يقدر على تجفيفه بنار نحوها.. لزمه أن يصلي الفرض؛ لحرمة الوقت، ولاستطاعة فعله؛ كالعاجز عن السترة وإزالة النجاسة والاستقبال، وتكون صلاته صحيحة على الأصح، ولهذا تبطل بالحدث، وكذا برؤية أحد الطهورين في أثنائها في الأصح، قاله في "المجموع".
وخرج بفرض الوقت المشار إليه بآلة التعريف: الفائتة، والنافلة، ومس المصحف، وحمله، ومكث ذي الحدث الأكبر في المسجد، وقراءته القرآن في غير الصلاة، وقراءته فيها غير (الفاتحة)، ووطء منقطعة الحيض أو النفاس؛ فإنها تحرم، ولا يعرف من يباح له فرض دون نفل.. إلا من عدم الماء والتراب، أو السترة، أو عليه نجاسة عجز عن إزالتها، ولا يلزمه قضاء ذلك الفرض إلا إذا وجد الماء، أو التراب بمحل يسقط فيه الفرض بالتيمم.
وألف (فقدا) و (وجدا) و (فرضا) للإطلاق، ويجوز بناؤه للفاعل وهو الله تعالى، وللمفعول له وهو التجديد.

بابُ الحَيض أي: والنفاس والاستحاضة، وترجم ال

باب الحيض

؛ لأن أحكامه أغلب.
وهو لغة: السيلان، وشرعاً: دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة في أوقات مخصوصة، والاستحاضة: دم علة يخرج من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بالذال المعجمة، وحكى ابن سيده إهمالها، والجوهري بدل اللام راء، وسواء أخرج إثر الحيض أم لا، والنفاس: الدم الخارج بعد فراغ رحم المرأة من الحمل.
(إمكانه من بعد تسعٍ، والأقل... يومٌ وليلةٌ، وأكثر الأجل) (خمسٌ إلى عشرةٍ، والغالب... ستٌ، وإلا سبعةٌ تقارب) فيهما مسألتان: [أقل إمكان الحيض] الأولى: أقل سن يمكن أن تحيض فيه المرأة استكمال تسع سنين قمرية تقريباً للاستقراء؛ لأن ما لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة.. يرجع فيه إلى الوجود، وقد قال الشافعي: أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة؛ يحضن لتسع سنين.
فلو رأت الدم قبل استكمال التسع بما لا يسع حيضاً وطهراً.. كان حيضاً، وما دامت المرأة حية.. فحيضها ممكن كما قاله الماوردي، وقال المحاملي: آخره ستون سنة.
[أقل الحيض وأكثره] الثانية: أقل زمنه: يوم وليلة؛ أي: قدر ذلك متصلاً وهو أربع وعشرون ساعة، وأكثره: خمسة عشرة يوماً بلياليها وإن تقطع، وغالبه: ستة أو سبعة؛ للاستقراء فيها.
وحذف المصنف التاء من (خمس) و (ست) لكون المعدود محذوفاً؛ إذ هو سائغ حينئذ

لا للنظر إلى الليالي، وإلا.. لحذفها أيضاً من (عشرة) و (سبعة)، وحذفه الفاء من (سبعة) جائز على ندور؛ كما في خبر البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن جاء صاحبها، وإلا.. استمتع بها".
[أقل النفاس وأكثره وغالبه] (أدنى النفاس لحظةٌ، ستونا... أقصاه، والغالب أربعونا) أي: أقل النفاس: لحظة، وأكثره: ستون يوماً، وغالبه: أربعون يوماً فيما استقرأه الشافعي، وعبر بدل اللحظة في "التحقق" و"التنبيه" وغيرهما بـ (المجة) أي: الدفعة، وفي "الروضة" و"أصلها" بأنه لا حد لأقله؛ أي: لا يتقدر، بل ما وجد منه وإن قل.. يكون نفاساً، ولا يوجد أقل من مجة، ويعبر عن زمانها باللحظة، فالمراد من العبارات واحد.
وألف (ستونا) و (أربعونا) للإطلاق.
[أحكام المستحاضة وأقسامها] (إن عبر الأكثر واستداما... فمستحاضةٌ حوت أحكاما) أي: إن جاوز الدم أكثر الحيض أو النفاس؛ فمن جاوز دمها ذلك.. فمستحاضة حوت أحكاماً كثيرة: منها: أنه حدث دائم تصلي معه وتصوم وتوطأ والدم يجري، وتغسل فرجها وتحشوه بنحو قطنه إن كانت مفطرة ولم تتأذ به، فإن احتاجت إلى الشد.. فعلته إن لم تتأذ به، فتتوضأ في الوقت، وتستبيح فرضاً ونوافل كالمتيمم، وتجدد الاحتياط لكل فرض ولو لم تزل العصابة؛ كما لو انتقض طهرها، وتبادر بالصلاة، ولا يضر تأخيرها لمصلحة الصلاة كستر وانتظار جماعة، ولا خروج الدم بلا تقصير، والسلس يحتاج مثلها، فإن أخرت لغيرها.. بطل وضوؤها، ويبطل بالشفاء، وبانقطاع يسع الطهارة والصلاة.

ومنها: أنها تنقسم إلى: مبتدأة مميزة وهي ذات قوي وضعيف؛ فالحيض: القوي إن لم ينقص عن أقله، ولم يجاوز أكثره، ولم ينقص الضعيف عن خمسة عشرة يوماً متصلة، والقوة: سوادٌ، ثم حمرةٌ، ثم شقرةٌ، ثم صفرة، والثخانة، والنتن، فإن استويا.. فالسابق، وغير مميزة لفقد شرط أو اتحاد صفته: فإن لم تعرف ابتداءه.. فكمتحيرة، وإن عرفته.. فحيضها يوم وليلة من أوله، وطهرها تسع وعشرون.
وإلى معتادة مميزة، فيقدم التمييز على العادة، فإن أمكن الجمع بينهما.. عمل بهما؛ وغير مميزة.. فترد إليها قدراً ووقتاً، وثبت بمرة، وأما العادة المختلفة.. فبمرتين، ثم إن اتسقت وعلمت اتساقها.. عملت بهن وإلا.. اغتسلت آخر كل نوبة واحتاطت إلى أكثر النوب.
وإلى متحيرة؛ بأن لم تعلم قدر عادتها ولا وفتها؛ فيلزمها ما لزم الطاهر، ويحرم عليها ما يحرم على الحائض إلا القراءة في الصلاة، ولها أن تصلي النوافل وتصومها وتطوفها، ويجب أن تغتسل لكل فريضة في وقتها، ولا يبطل الغسل بتأخير، وتصوم رمضان وثلاثين يوماً فيبقى عليها يومان وإن نقص، لا إن علمت أنه كان ينقطع ليلاً، والضابط: أن من عليها سبعة أيام فما دونها.. تصومها بزيادة يوم متفرقة في خمسة عشر، ثم تعيد صوم كل يوم غير الزيادة يوم سابع عشره، ولها تأخيره إلى خامس عشر ثانية، ومن عليها أربعة عشر فما دونها.. تصومه ولاء مرتين الثانية من السابع عشر، وتزيد يومين بينهما.
فإن حفظت الوقت.. فهي حائض حين لا يحتمل الطهر، وطاهر حين لا يحتمل الحيض، وإن احتملهما.. احتاطت، ولا يلزمها الغسل إلا لاحتمال الانقطاع.
وإن حفظت قدر عادتها.. فلا يخرجها عن التحير المطلق إلا أن حفظت معه قدر الدور وابتداءه.
وترد المبتدأة في النفاس إلى التمييز بشرط ألا يزيد القوي على ستين يوماً، ولا ضبط في الضعيف، وغير المميزة.. إلى اللحظة في الأظهر، والمعتادة المميزة.. إلى التمييز لا العادة، وغير المميزة الحافظة.. إلى العادة، وتثبت بمرة، وتحتاط المتحيرة.
وألف (استداما) للإطلاق.

[أكثر وقت الطهر وأقله وغالبه] (لم ينحصر أكثر وقت الطهر... أما أقله فنصف شهر) فيه مسألتان: الأولى: أنه لا أحد لأكثر وقت الطهر بالإجماع؛ لأن المرأة قد لا تحيض أصلاً، أو تحيض في عمرها مرة.
الثانية: أقله؛ أي: الطهر المعهود وهو الذي بين الحيضتين: خمسة عشر يوماً، وهي نصف الشهر الكامل؛ لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر.. لزم أن يكون أقل الطهر: خمسة عشر، والمراد بالشهر في هذا الباب: ثلاثون يوماً.
واحترز بقولهم: (بين الحيضتين) عن الطهر بين الحيض والنفاس؛ فإنه يجوز أن يكون دون خمسة عشر يوماً، سواء أتقدم الحيض على النفاس؛ بناء على أن الحامل تحيض وهو الأظهر، بل لو اتصلت ولادتها بالدم.. كان حيضاً أيضاً، أم تأخر بأن رأت أكثر النفاس، ثم انقطع الدم، ثم عاد قبل خمسة عشر يوماً.
وغالب الطهر: بقية الشهر بعد غالب الحيض.
ثم شرع في بيان أحوال الحمل فقال: (ثم أقل الحمل ستُّ أشهر... وأربع الأعوام أقصى الأكثر) (وثلث عامٍ غاية التصور... وغالب الكامل تسع أشهر) فيهما أربع مسائل: [أقل مدة الحمل] الأولى: أقل مدة الحمل: ستة أشهر؛ لان عثمان أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فشاور القوم في رجمها، فقال ابن عباس: (أنزل الله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾، وأنزل: ﴿وفصاله في عامين﴾، فالفصل في عامين، والحمل في ستة

أشهر)، فرجعوا إلى قوله، فصار إجماعاً.
وسكت المصنف عن لحظة العلوق ولحظة الوضع؛ للعلم بهما.
[أكثر مدة الحمل] الثانية: أكثر مدة الحمل: أربع سنين؛ للاستقراء، فقد قال مالك: (هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها أيضاً رجل صدق، وحملت ثلاثة أبطن في اثني عشرة سنة كل بطن أربع سنين).
[غاية تصور الجنين] الثالثة: غاية تصور الجنين - أي: نهايته -: أربعة أشهر؛ أي: مئة وعشرون يوماً؛ لخبر "الصحيحين": "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح"، وأما ما رواه مسلم من أنه: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة.. بعث الله إليها ملكاً فصورها... " الحديث.. فأجاب عنه الأستاذ وغيره: بأن بعثه الملك في الأربعين الثانية؛ للتصوير، وخلق السمع والبصر، والجلد واللحم والعظام، والتمييز بين الذكر والأنثى، وبعثه بعد الأربعين الثالثة؛ لنفخ الروح، وقد حصلت المغايرة بين البعثتين.
انتهى.
والحديثان كالصريحين في هذا الجمع، ويمكن حمل كلام المصنف عليه بمعنى: أن غاية تصور الجنين نفخ الروح فيه، وسكت عن لحظة العلوق ولحظة الوضع؛ للعلم بهما.
[غالب مدة الحمل] الرابعة: غالب مدة حمل الولد الكامل: تسعة أشهر؛ للاستقراء، وحذف التاء من (ست) و (أربع) و (تسع) للنظر لليالي أو للوزن.

(بالحَدَثِ الصلاة مع تطوُّف... حَرَّم، وللبالغ حمل المصحف) (ومشيه، ومع ذي الأربعة... للجنب اقتراء بعض آية) (قصداً، ولبث مسجدٍ للمسلم... والمبحيض والنفاس حرِّم) ألست مع تمتعٍ برؤية... واللمس بين سرةٍ وركبة) (إلى اغتسالٍ أو بديلٍ، يمتنع... ألصَّوم والطلاق حتى ينقطع) في هذه الأبيات ثلاثة مسائل: [ما يحرم بالحدث الأصغر] الأولى: أنه يحرم بالحدث الأصغر أمور: الأول: الصلاة؛ للإجماع، ولخبر "الصحيحين": "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث.. حتى يتوضأ"، ومنها: صلاة الجنازة، وفي معناها خطبة الجمعة، وسجدة التلاوة والشكر، قال النووي: وأما سجود عوام الفقراء بين يدي المشايخ.. فحرام بالإجماع ولو بطهر، قال ابن الصلاح: ويخشى أن يكون كفراً، وقوله تعالى: ﴿وخروا له سجداً﴾ منسوخ أو مؤول، وظهار: أن التحريم المترتب على الحدث الأصغر والأكبر يرتفع بطهارة دائم الحدث وبالتيمم، وأن فاقد الطهورين يجب عليه أن يصلي الفريضة المؤداة.
الثاني: التطوف؛ أي: الطواف بالبيت بأنواعه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ له وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" رواه مسلم، ولخبر: "الطواف بمنزلة الصلاة، إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق.. فلا ينطق إلا بخير" رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم.
الثالث والرابع: حمل المصحف ومسه على البالغ ولو كافراً، أما مسه ولو للبياض المتخلل والحواشي ومن وراء حائل وبغير أعضاء الوضوء.. فلقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، بمعنى: المتطهرين، وهو خبر بمعنى النهي؛ كقوله تعالى: ﴿لا تضار والدةٌ بولدها﴾

على قراءة الرفع، ولو كان باقياً على أصله.. لزم الخلف في كلامه تعالى؛ لأن غير المتطهر يمسه، وأما حمله.. فلأنه أبلغ من مسه.
وخرج بالحمل والمس: قلبه أوراقه بعود أو نحوه.. فإنه يجوز كما صححه النووي؛ لأنه ليس بحمل ولا في معناه، وصحح الرافعي تحريمه؛ لأنه في معنى الحمل؛ لانتقاله الورقة بفعل القالب من جانب إلى آخر.
ومثل المصحف في التحريم: جرده وإن انفصل عنه، وظرفه المعد له إذا كان فيه، وما كتب لدرس قرآن كاللوح.
وخرج بـ (البالغ): الصبي المميز ولو جنباً، فلا يمنع من ذلك؛ لحاجة تعلمه ومشقة استمراره متطهراً، وبـ (المصحف): الحديث والفقه ونحوهما، والتفسير إذا كان قرآنه أقل منه؛ فلا يحرم مسها وحملها، ويجوز حمل المصحف في متاع إذا لم يكن هو المقصود بالحمل.
ويجب على العاجز عن الطهارة أخذ مصحف خاف عليه تنجساً أو كافراً أو تلفاً بنحو غرق أو حرق؛ للضرورة، ويجوز له أخذه إن خاف عليه ضياعاً.
[ما يحرم على الجنب] الثانية: أنه يحرم على الجنب ولو كافراً مع هذه الأربعة شيئان: أحدهما: اقتراء؛ أي: قراءة شيء من القرآن ولو بعض آية كحرف قصداً؛ أي: في حال كونه قاصد القراءة؛ للإخلال بالتعظيم، ولخبر الترمذي وغيره: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن"، و (يقرأ): روي بكسر الهمزة على النهي، وبضمها على الخبر المراد به النهي، ذكره في "المجموع"، وسواء أقصد مع ذلك غيرها أم لا، فإن لم يقصدها بأن قصد غيرها، أو لم يقصد شيئاً.. فلا تحريم؛ لعدم الإخلال؛ لأنه لا يكون قرآناً إلا بالقصد كما قاله النووي وغيره، وظاهره: أن ذلك جارٍ فيما يوجد نظمه في غير القرآن؛ كالبسملة، والحمدلة، وما لا يوجد نظمه إلا فيه؛ كـ (سورة الإخلاص)، و (آية الكرسي)، وهو كذلك وإن خالف في الشق الثاني بعضهم.

وخرج بما ذكر: إجراء القرآن على قلبه ولو بنظره في المصحف، وتحريك لسانه وهمسه بحيث لا يسمع نفسه، وقراءة ما نسخت تلاوته، فلا تحرم؛ لأنها ليست بقراءة قرآن، بخلاف إشارة الأخرس، وتقدم أن فاقد الطهورين يقرأ (الفاتحة) فقط في الصلاة.
ثانيهما: لبث المسلم في المسجد ولو كان متردداً فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية، قال ابن عباس وغيره: أي: مواضعها؛ لأنه ليس فيها عبور سبيل، بل في موضعها وهو المسجد، ونظيره قوله تعالى: ﴿لهُدِّمت صوامع وبيعٌ وصلوات﴾، ولخبر: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" رواه أبو داود وغيره، وحسنه ابن القطان.
وخرج بـ (اللبث): العبور؛ فإنه جائز؛ للآية، ولأنه لا قربة فيه، وفي اللبث قربة الاعتكاف ومع جوازه لا كراهة فيه، لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة، قاله في "المجموع"، ثم نقل كراهته بلا حاجة عن المتولي والرافعي، وبها جزم في "الروضة" تبعاً لهما، قيل: وهو الموافق لما نقله في "المجموع" عن النص من كراهة عبور الحائض المسجد.
انتهى، والفرق بينهما واضح.
وخرج بـ (المسجد) غيره؛ كمصلى العيد والمدرسة والرباط، فلا يحرم لبثه فيها.
ومحل تحريم اللبث: عند عدم الضرورة، أما عندها.. فلا يحرم؛ كما لو احتلم فيه ولم يمكنه الخروج لخوف أو غلق باب أو نحوه، ويجب التيمم إن وجد غير تراب المسجد؛ كما ذكره جمع منهم القفال والروياني والنووي في "الروضة" أخذاً من قول "أصلها": (وليتيمم) بلام الأمر، ولا ينافيه قوله في "الشرح الصغير": ويحسن أن يتيمم؛ لأن الواجب حسن، على أنه قيل: إن قوله: (يحسن) مصحّف عن (يجب)، أما تراب المسجد وهو الداخل في وقفه لا المجتمع من ريح ونحوه.. فلا يتيمم به؛ كما لو لم يجد إلا تراباً مملوكاً لغيره، ذكره في "المجموع".

جارٍ التحميل