فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلانصفحات 361-400

[تأخر المأموم أو تقدمه على إمامه بركنين فعليين] (وإن تأخر عنه أو تقدما... بركني الفعلين ثم علما) (وأربع تمت من الطوال... للعذر، والأفعال كالأقوال) (كشكه والبطء في (أم القران)... ورحم وضع جبهة ونسيان) أي: والشرط للقدوة علمه بأفعال الأمام... إلى آخره، وإن تأخر المأموم عن أمامه أو تقدم عليه بركنين فعليين؛ بأن فرغ إمامه منهما وهو فيما قبلهما وعكسه ناسياً أو جاهلاً، ثم تذكر أو علم.. فإن صلاته لا تبطل، ولكن لا يحسب للمأموم الركنان اللذان سبق إمامه بهما.
وخرج بقوله: (ثم علما) ما إذا تأخر عن إمامه بركنين فعليين وإن لم يكونا طويلين بغير عذر، أو تقدم عليه بهما عامداً عالماً بالتحريم، فإن صلاته تبطل؛ لفحش المخالفة كما قدمته.
وتقدم المأموم في الأفعال بلا عذر.. حرام وإن لم يبطل؛ كأن تقدم بركن، وتقدمه بالسلام.. مبطل، إلا أن ينوي الفارقة.. ففيه الخلاف فيمن نواها، وما وقع لابن الرفعة ومن تابعه من أنه لا يبطل.. خلاف المنقول.
وقوله: (وأربع... ) إلى آخره؛ أي: وإن تأخر المأموم عن إمامه بأربع من الأركان تامة طويلة للعذر.. فإن صلاته لا تبطل؛ لعذره، والأفعال كالأقوال؛ يعني: أن ألقولي ك (الفاتحة) معدود من الأربعة؛ بأن يسبقه الإمام ب (الفاتحة) والركوع والسجدتين.. فتجب عليه متابعة إمامه بعدها فيما هو فيه، ثم يأتي بركعة بعد سلامه.
والعذر كشكِّ المأموم في قراءته الواجبة قبل ركوعه، والبطء منه دون إمامه في قراءة (أم القرآن) أي: أو بدلها فيتخلف لقراءته بعد ركوع إمامه، وزحمِ وضع جبهة للمأموم؛ بأن منعته الزحمة من سجوده على أرض أو ظهر إنسان أو قدمه أو نحوها، وذكر الزحمة هنا إشارة إلى عدم اختصاصها بالجمعة، وإنما ذكروها فيها؛ لكثرة الزحمة فيها غالباً، ولاختصاصها بأمور أخر: كالتردد في حصولها بالركعة الملفقة، والقدوة الحكمية، وفي بناء الظهر عليها عند تعذر إتمامها، ونسيان من المأموم؛ بأن نسي كونه في الصلاة فتخلف، ولو انتظر سكتة إمامه ليقرأ

فيها (الفاتحة) فركع إمامه عقبها.. فهو كالناسي، خلافاً لبعض المتأخرين في قوله بسقوط (الفاتحة) عنه.
وألف (تقدما) و (عدما) للإطلاق، وقوله: (القران) بنقل حركة الهمزة إلى الراء، والأبيات الثلاثة ساقطة من بعض النسخ.
[نية الاقتداء من شروط صحة القدوة] (ونية المأموم أولاً تجب... وللإمام -غير جمعةِ- ندب) أي: السابع من شروط القدوة: نية المأموم الاقتداء، أو الائتمام، أو الجمة بالإمام ولو في الجمعة؛ لأن التبعية عمل فافتقرت إلى نية؛ إذ ليس للمرء إلا ما نوى، وتجب أولاً؛ أي: إن أراد الاقتداءً؛ بأن يقرنها بتكبيرة الإحرام كسائر ما ينويه من صفات الصلاة.
ولو أحرم منفرداً، ثم نوى القدوة غي خلال صلاته.. جاز، فإن لم ينو ذلك.. انعقدت صلاته منفرداً، إلا في الجمعة.. فلا تنعقد أصلاً؛ لاشراط الجماعة فيها، فإن تابعه بلا نية أو وهو شاك فيها.. بطلت صلاته إذا انتظره طويلاً ليفعل مثله؛ لأنه ارتبط بمن ليس بإمام له، فأشبه الارتباط بتغير المصلي، حتى لو عرض له الشك في تشهده الأخير.. لم يجزله أن يقف سلامه على سلامه، فإن وقعت متابعتة اتفاقاً، أو بانتظار يسير عرفاً.. لم تضر.
ولا يؤثر شكه فيما ذكر بعد السلام كما في "التحقيق" وغيره، بخلاف الشك في أصل النية؛ لأنه شك في الانعقاد، بخلافه هنا.
ولا يشرط تعيين الإمام، فلو نوى الاقتداء بالإمام الحاضر.. صحت صلاته؛ لأن مقصود الجماعة لا يختلف بتعيينه وعدمه، بل قال الإمام وغيره: الأولى ألاّ يعينه؛ لأنه ربما أخطأ، فإن عينه وأخطا.. لم تصح صلاته؛ لأنه ربطها بمن لم ينو الاقتداء به؛ كمن عين الميت في صلاته عليه، أو نوى العتق عن كفارة ظهار فأخطأ فيهما.
ولو علق القدوة بشخصه سواء أعبر عنه (بمن في المحراب)، أم (بزيد هذا)، أم (بهذا الحاضر)، أم 0 بهذا)، أم (بالحاضر) وظنه زيداً فبان عمراً.. صحت صلاته؛ الآن الخطأ لم يقع في الشخص لعدم تأتيه فيه، بل في الظن، ولا عبرة بالظن البين خطؤه، بخلاف ما لو

نوى الاقتداء بالحاضر ولم يعلقها بشخصه؛ لأن الحاضر صفة لزيد الذي عينه وأخطأ فيه، والخطأ في الموصوف يستلزم الخطأ في الصفة فبان أنه اقتدى بغير الحاضر.
وفهم من كلام المصنف: أنه يجوز اقتداء المؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل وبالعكس، وهولك؛ إذ لا يتغير نظم الصلاة باختلاف النية.
ولا تجب في غير الجمعة نية الإمام الإمامة أو الجماعة؛ لأن أفعاله غير مربوطة بغيره، بخلاف أفعال المأموم؛ فإنه إذا لم يربطها بصلاة إمامه.. كان موقفاً صلاته على صلاة من ليس إماماً له، لكن لو تركها.. لم يحز فضيلة الجماعة، وإن اقتدى به جمع ولم يعلم بهم.. نالوها بسببه؛ إذ ليس للمرء من علمه إلا ما نوى فتستحب له؛ ليحوز الفضيلة، وتصح نيته لها مع تحرمه وإن لم يكن إماماً في الحال؛ لأنه سيصير إماماً، وبصحتها حينئذ صرح الجويني، وقال الأذرعي: إنه الوجه.
وإذا نواها في أثناء الصلاة.. حاز الفضيلة من حين النية، ولا تنعطف نيته على ما قبلها، وأما في الجمعة.. فتشترط نيته فيها، فلو تركها.. بطلت جمعته؛ لعدم استقلاله فيها، سواء أكان من الأربعين، أم زائداً عليهم.
نعم؛ إن لم يكن من أهل الوجوب ونوى غير الجمعة.. صحت صلاته، فإن نواها في غيرها وعين المؤتم به فأخطأ.. لم يضر؛ لأن خطأه في النية لا يزيد على تركها، وإن نوى فيها كذلك فأخطأها.. ضر؛ لأن ما يجب التعرض له.. يضر الخطأ فيه.
ولو أدرك الإمام راكعاً.. كبر للإحرام ثم للهوي، فإن اقتصر على تكبيرة: فإن نوى بها الإحرام فقط وأتمها قبل هوية.. انعقدت صلاته، وإلا.. فلا.
وتكره مفارقة الإمام بغير عذر، ويعذر بما يعذر به في الجماعة، وبترك الإمام سنة مقصودة، وكذا لو طول وبالمأموم ضعف أو له شغل.
وتدرك الركعة بإدراك الركوع المحسوب للإمام بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، ولو شك في إدراك حد الأجزاء.. لم يدركها؛ كمن أدركه بعد الركوع، وعليه أن يتابعه في الفعل الذي أدركه فيه، ويكبر لما تابع إمامه فيه.
وتستحب موافقته في التشهد والتسبيحات، وما أدركه المسبوق مع الإمام.. فهو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلامه.. فهو آخرها فيعيد فيه القنوت وسجود السهو.

باب صلاة المسافر

أي: كيفيتها، شرعت تخفيفاً عليه؛ لما يلحقه من تعب السفر، وهي نوعان: القصر والجمع، وذكر فيه الجمع بالمطر للمقيم، وأهمها القصر؛ ولهذا بدأ المصنف به كغيره فقال: (رخص قصر أربع فرض أدا... وفائت في سفر إن قصدا) (ستة عشر فرسخا ذهابا... في السفر المباح حتى آبا) [قصر الفرائض الرباعية] أي: رخص قصر صلاة ذات أربع من الركعات، فرض من الصلوات الخمس، أداء؛ أي: مؤدي ولو بإدراك ركعة منه في وقته، وفائت في سفر سواء أقضاه في ذلك السفر أم في سفر آخر إلى ركعتين بالإجماع، وقال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ [النساء: 101] الآية، قال يعلي بن أمية: قلت لعمر: إنما قال تعالى: ﴿إن خفتم﴾ [التوبة: 28].. وقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى عليه وسلم، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» رواه مسلم.
وعلم من كلامه: أنه لو أتم.. جاز، وهو كذلك؛ فقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة قالت: يا رسول الله؛ قصرت وأتممت وأفطرت وصمت؟ قال: "أحسنت يا عائشة"، وأما خبر: "فرضت الصلاة ركعتين"، أي: في السفر.. فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما؛ جمعاً بين الأخبار، قاله في "المجموع"، ولكن القصر أفضل من الإتمام إذا بلغ السفر ثلاث مراحل؛ للاتباع، رواه الشيخان، وللخروج من خلاف من

يوجب القصر حينئذ كأبي حنيفة، إلا لملاح يسافر في البحر ومعه أهله وأولاده، ومن لا وطن له وعادته السير أبداً.. فالأفضل لهما الإتمام كما في "الروضة" وغيرها، فإن لم يبلغها.. فالإتمام أفضل؛ لأنه الأصل، إلا في صلاة الخوف؛ فالقصر أفضل، وكذا في حق من وجد في نفسه كراهة القصر، بل يكره له الإتمام إلى أن تزول الكراهة، وكذا القول في سائر الرخص.
وخرج بما ذكره: الثنائية والثلاثية والنافلة والمنذورة؛ فلا تقصر إجماعاً، وفائت الحضر؛ فلا يقصر في السفر كالحضر، ولاستقرار الأربع في ذمته، وما شك في أنه فائتة سفر أو حضر؛ فلا يقصر احتياطاً؛ لان الأصل الإتمام، وأما خبر مسلم: «فرضت الصلاة في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة».. فمحمول على أن المراد: ركعة مع الإمام، وينفرد بالأخرى.
[المسافة التي يترخص المسافر فيها بالقصر] والترخيص بالقصر؛ أي: ونحوه؛ إن قصد ستة عشر فرسخاً يقيناً أو ظناً ولو باجتهاد، ولخبر: (كان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد)، علقه البخاري بصيغة جزم، وأسنده البيهقي بسند صحيح، ومثله إنما يفعل عن توقيف، وهي ستة عشر فرسخاً؛ إذ كل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فهي ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية؛ نسبة لبني هاشم وقت خلافتهم لا هاشم نفسه كما وقع للرافعي، والميل: أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام، فهي اثنا عشر ألف قدم، وبالذراع ستة آلاف ذراع، والذراع، أربعة وعشرون إصبعاً معترضات، والإصبع: ست شعيرات معتدلات معترضات، والشعيرة: ست شعرات من شعر البرذون.
فمسافة القصر بالبرد: أربعة، وبالفراسخ: ستة عشر، وبالأميال: ثمانية وأربعون، وبالأقدام: خمس مئة ألف وستة وسبعون ألفاً، وبالأذرع: مئتا ألف وثمانية وثمانون ألفاً، وبالأصابع: ستة آلاف ألف وتسع مئة ألف واثنا عشر ألف، وبالشعيرات أحد وأربعون ألف ألف، وأربع مئة واثنان وسبعون ألفاً، وبالشعرات مئتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمان مئة ألف واثنان وثلاثون ألفاً.

والزمن يوم وليلة مع المعتاد؛ من النزول والاستراحة، والأكل والصلاة ونحوها، وذلك مرحلتان بسير الأثقال، ودبيب الأقدام، وضبطها بذلك تحديد؛ لثبوت تقديرها بالأميال عن الصحابة، ولأن القصر أو الجمع على خلاف الأصل، فيحتاط فيه بتحقق تقدير المسافة، بخلاف تقدير القلتين وتقدير مسافة الإمام والمأموم.
والبحر كالبر في المسافة المذكورة، فلو قطع الأميال فيه في ساعة أو لحظة لشدة جري السفينة بالهواء.. قصر فيها كما يقصر لو قطع الأميال في البر في يوم بالسعي.
[شرط الترخص بالقصر] وشرط الترخص بالقصر ونحوه: قصد موضع معين أول السفر؛ ليعلم أنه طويل فيقصر، فلا ترخص للهائم، وهو: الذي لا يدري أين يتوجه وإن سلك طريقاً، ولا لراكب التعاسيف، وهو: الذي لا يدري أين يتوجه ولا يسلك طريقاً، سواء أطال سفرهما أم لا، ونقل الإمام عن الصيدلاني أن، الهائم عاص؛ أي: لأن إتعاب النفس بالسفر بلا غرض.. حرام، ومثله: راكب التعاسيف، بل أولى.
وخرج بقوله: (إن قصد ستة عشر فرسخاً) ما لو قصد دونها؛ فإنه لا يترخص بالقصر ونحوه، وما لو شك في بلوغ سفره لها كالرقيق والزوجة والجندي إذا اتبعوا متبوعهم ولم يعرفوا مقصده لا يترخصون، فلو نووا مسافة القصر.. قصر الجندي دونهما؛ لأنه ليس تحت قهر الأمير، بخلافهما؛ فنيتهما كالعدم، ذكره الشيخان.
ولا يخالفه في الجندي قولهما: لو نوى العبد أو الزوجة أو الجيش إقامة أربعة أيام ولم ينو السيد ولا الزوج ولا الأمير.. فأقوى الوجهين: أن لهم القصر؛ لأنهم لا يستقلون، فنيتهم كالعدم؛ لأنه يلزم من عدم حجر الأمير على الآحاد عدمه على الجيش؛ لعظم الفساد بمخالفة الجيش دون الجندي، فلو ساروا مرحلتين.. قصروا، ذكره في "المجموع" أخذاً من مسألة النص المذكورة في "الروضة"، وهي: لو أسر الكفار رجلاً فساروا به ولم يعلم أين يذهبون به.. لم يقصر، وإن سار معهم يومين.. قصر بعد ذلك، وما تفقهه، صرح به في "التتمة".

ويؤخذ مما مر: أنهم لو عرفوا أن سفره مرحلتان.. قصروا؛ كما لو عرفوا أن مقصده مرحلتان.
وقوله: (ذهاباً) أي: إنما تعتبر المسافة ذهاباً، فلو قصد مكاناً على مرحلة بعزم العود من غير إقامة.. فلا ترخص له بقصر ونحوه وإن نالته مشقة سفر مرحلتين؛ لخبر الشافعي بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه سئل أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف، فقدره بالذهاب وحده، ولأن ذلك لا يسمى سفراً طويلاً، والغالب في الرخص الإتباع.
ثم إن يسافر من بلد لها سور في جهة مقصده.. فابتداء سفره مجاوزته وإن تعدد كما قاله الإمام وإن كان داخله مزارع وخراب؛ لأن ذلك معدود من البلد؛ فإن كان وراءه عمارة.. لم يشترط مجاوزتها في الأصح؛ لأنها لا تعد من البلد، ولهذا يقال: مدرسة كذا خارج البلد، وصحح الرافعي مجاوزتها؛ لتبعيتها للبلد بالإقامة فيها.
ولو جمع سور قرى متفاصلة.. لم تشترط مجاوزته، وكذا لو قدر ذلك في بلدتين متقاربتين.
وإن لم يكن لها سور أو لم يكن في صوب مقصده.. فمجاوزة العمران وإن تخلله خراب أو نهر أو ميدان؛ ليفارق وضع الإقامة.
ولو خرب طرف البلد وبقاية الحيطان قائمة؛ ولم يتخذوه مزارع ولا هجروه بالتحويط على العامر.. اشترط مجاوزته على الأصح في "المجموع"، وإلا.. فلا تشترط مجاوزته كالبساتين والمزارع المتصلة بالبلد ولو محوطة؛ لأنها لم تتخذ للإقامة، فإن كان فيها دور أو قصور تسكن في بعض فصول السنة.. ففي "الروضة" كـ "أصلها" و"الشرح الصغير": اشتراط مجاوزتها، وأطلق "المنهاج" كـ "أصله" عدم اشتراطها، وقال في "المجموع": لم يذكره الجمهور، والظاهر: عدم اشتراطها؛ لأن ذلك لا يجعلها من البلد، وفي "المهمات": أن الفتوى عليه.

والقريتان المتصلتان.. يشترط مجاوزتهما لا المنفصلتان، خلافاً لابن سريج في المتقاربتين.
أومن الصحراء.. فمجاوزة بقعة رحله، أو من خيام.. فمجاوزة حلته، وضابطها: أن يجتمع أهلها للسمر في ناد واحد، ويستعير بعضهم من بعض وإن تفرقت منازلهم، ومنها: مرافقها كمطرح رماد، وملعب صبيان، وناد، وعطن، وماء، ومحتطب، إلا أن يتسعا بحيث لا يختصان بالنازلين، والحلتان كالقريتين.
أو من وادٍ سافر في عرضه.. فمجاوزة العرض، إلا أن تفرط سعته.. فيشترط مجاوزة ما يعد من منزله أو من حلة هو فيها؛ كما لو سافر من طوله.
أو من ربوة.. فأن يهبط، أو وهدة.. فأن يصعد إن اعتدلتا، وإلا.. فما يعد من منزله، أو من حلة هو فيها.
[ترخص المسافر في السفر المباح] وإنما يترخص المسافر في السفر المباح؛ أي: الجائز وإن عصى فيه، واجباً كان؛ كحجة الإسلام والجهاد، أو مندوباً؛ كزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مباحاً؛ كالتجارة، أو مكروهاً؛ كسفر من تلزمه الجمعة ليلتها، أو خلاف الأولى؛ فلا يترخص العاصي بسفره؛ كأن هرب رقيق من سيده، أو زوجة من زوجها، أو غريم موسر من غريمه، أو سافر ليسرق أو يزني، أو يقتل بريئاً، أو يأخذ المكوس؛ فلا يترخص بقصر ولا جمع ولا إفطار، ولا تنفل على راحلة، ولا مسح الخف ثلاثاً، ولا سقوط جمعة، ولا أكل ميتة ونحوها؛ لما فيه من الإعانة على المعصية.
وقوله: (حتى آبا) أي: يترخص بالقصر ونحوه حتى رجع إلى مكان شرط مجاوزته ابتداء؛ من سور أو عمران أو غير ذلك، فينقطع ترخصه بعودة إلى وطنه وإن نوى أنه إذا رجع إليه.. خرج في الحال على المذهب، وبوصوله لموضع عزم أن يقيم به مدة تمنع الترخص، وبنية إقامة أربعة أيام بموضع وإن لم يصلح لها، ولا يحسب منها يوما دخوله وخروجه على الأصح، ولو أقام بمكان بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت.. ترخص ثمانية عشر يوماً في الأظهر.
وألف (قصدا) و (آبا) للأطلاق.

[شرط القصر نيته وترك منافيها] (وشرطه: النية في الإحرام... وترك ما خالف في الدوام) أي: شرط القصر: نيته في الإحرام؛ لئلا تنعقد صلاته على الأصل وهو الإتمام، وترك ما خالف حكم نية القصر في دوام الصلاة؛ كنية الإتمام، والاقتداء بمتم ولو لحظة، فلو نوى الإتمام أو لم ينو قصراً ولا إتماماً، أو تردد في أنه يقصر أو يتم ولو في بعض الصلاة.. لزمه الإتمام؛ لأنه المنوي في الأولى، والأصل في الأخيرتين.
ويشترط أيضاً: علمه بجوازه، فلو قصر جاهلاً بجوازه.. لم تصح صلاته؛ لتلاعبه؛ إذ هو عابث في اعتقاده غير مصل.
(وجاز أن يجمع بين العصرين... في وقت إحدى ذين كالعشاءين) (كما يجوز الجمع للمقيم... لمطرٍ لكن مع التقديم) (إن مطرت عند ابتداء البادية... وختمها وفي ابتداء الثانيه) (لمن يصلي مع جماعةٍ إذا... جا من بعيدٍ مسجداً نال الأذى) (وشرطه: النية في الأولى، وما... رتب، والولا وإن تيمما) فيها ثلاث مسائل: [جواز الجمع للمسافر] الأولى: يجوز للمسافر سفراً طويلاً مباحاً أن يجمع بين العصرين- تثنية الظهر والعصر تغليباً، وغلبت العصر؛ لخفة لفظها وشرفها- في وقت إحداهما تقديماً أو تأخيراً، وبين العشاءين- تثنية المغرب والعشاء تغليباً، وغلبت العشاء؛ لما مر- تقديماً أو تأخيراً، وروى الشيخان عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس.. أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل.. صلى الظهر والعصر، ثم ركب).

ورويا أيضاً واللفظ لمسلم عن ابن عمر: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير.. جمع بين المغرب والعشاء).
وروى مسلم عن أنس: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به السير.. يؤخر الظهر إلى وقت العصر يجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق).
وروى أبو داوود عن معاذ: (أنه صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل.. جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس.. أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم جمع بينهما) وحسنة الترمذي، وقال البيهقي: هو محفوظ، والسفر فيها محمول على الطويل؛ لأن ذلك إخراج عبادة عن وقتها فاختص بالطويل؛ كالفطر، والقصر بجامع الرخصة.
وخرج بـ (العصرين) و (العشاءين): الصبح مع غيرها، والعصر مع المغرب، فلا يجمعان؛ لأنه لم يرد، ويجوز جمع الجمعة والعصر بالسفر تقديماً كما قاله بعضهم واعتمده الزركشي، ويستثنى من جمع التقديم المتحيرة؛ كما في "الروضة" في بابها.
[جواز الجمع لأجل المطر وشروطه] الثانية: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء للمقيم لأجل المطر ولو ضعيفاً، إن كان بحيث يبل ثيابه، لكن جمع تقديم لا تأخير؛ لخبر "الصحيحين" عن ابن عباس: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً؛ الظهر والعصر والمغرب والعشاء)، وفي رواية لمسلم: (من غير خوف ولا سفر)، قال الشافعي رضي الله عنه كمالك: أرى ذلك بعذر المطر، ويجوز جمع الجمعة والعصر بالمطر كما في "الروضة" و"أصلها".

وإنما امتنع الجمع به تأخيراً؛ لأن استدامته ليست إليه، بخلاف السفر، ومثل المطر الشفان، وكذا الثلج والبرد وإن ذابا؛ لتضمنها القدر المبيح من بل الثوب.
وقوله: (إن مطرت... ) إلى آخره؛ أي: شرط الجمع بالمطر تقديماً: وجوده عند افتتاح الأولى التي يبدأ بها، وعند ختامها؛ أي: سلامها المحلل منها، وعند ابتداء الثانية، أما اشتراط وجوده عند التحرمين.. فليقارن الجمع العذر، وأما عند تحلل الأولى.. فليتحقق اتصال آخرها بأول الثانية مقروناً بالعذر، وعلم: أنه لا يضر انقطاعه في أثناء الأولى أو الثانية أو بعدها.
وإنما يجوز الجمع بالمطر تقديماً لمن يصلي مع جماعة إذا جاء المسجد من مكانٍ بعيدٍ يناله الأذى بالمطر في طريقه ببل ثيابه، بخلاف من يصلي منفرداً أو مع جماعة ببيته أو بمسجد قريب.. فلا يجمع؛ لانتفاء المشقة لغيره عنه.
وأما جمعه صلى الله عليه وسلم مع أن بيوت أزواجه كانت بجنب المسجد.. فأجيب عنه بأن بيوتهن كانت مختلفة، وأكثرها كانت بعيدة، فلعله حين جمع لم يكن بالقريب، وبأن للإمام أن يجمع بالمأمومين وإن لم يتأذ بالمطر كما صرح به ابن أبي هريرة وغيره.
قال المحب الطبري: ولمن خرج إلى المسجد قبل وجود المطر فاتفق وجوده وهو في المسجد أن يجمع؛ لأنه لو لم يجمع.. لاحتاج إلى صلاة العصر أيضاً في جماعة، وفيه مشقة في رجوعه إلى بيته ثم عوده، أو في إقامته في المسجد.
انتهى.
وذكر المسجد جري على الغالب؛ إذ مثله في ذلك الرباط ونحوه من أمكنة الجماعة.
[شروط جمع التقديم] الثالثة: شرطه؛ أي: الجمع بالسفر أو المطر تقديماً ثلاثة: أولها: نية الجمع في الصلاة الأولى؛ تمييزاً للتقديم المشروع عن التقديم سهواً أو عبثاً، سواء أنواه عند التحرم، أم التحلل، أم بينهما؛ لأن الجمع ضم الثانية إلى الأولى فيكفي سبق النية حالة الجمع، ويفارق القصر بأنه لو تأخرت نيته.. لتأدى جزء على التمام فيمتنع القصر.
وشمل كلامه: ما لو نواه ثم نوى تركه ثم نواه، وقد صرح به في "الروضة"، وما لو

شرع في الأولى بالبلد فسارت السفينة فنوى الجمع، وقد نقله في "المجموع" عن المتولي وأقره.
وثانيها: الترتيب بين الصلاتين وهو تقديم الظهر على العصر، والمغرب على العشاء؛ لأنه المأثور عنه صلى الله عليه وسلم، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولأن الوقت لها والثانية تبع، فلو صلى الثانية قبل الأولى.. لم تصح، أو الأولى قبل الثانية وبان فسادها.. فسدت الثانية أيضاً؛ لانتفاء الترتيب.
وثالثها: الولاء بينهما؛ لأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة فوجب الولاء كركعات الصلاة، ولأنه صلى الله عليه وسلم لما جمع بين الصلاتين بنمرة.. والى بينهما، وترك الرواتب، وأقام الصلاة بينهما، رواه الشيخان، ولولا اشتراط الولاء.. لما ترك الرواتب، وإن تيمم للثانية أو أقام لها أو صلاها بعد بأن طلب الماء ولم يطل الفصل عرفاً.. فالولاء حاصل، أما الإقامة.. فللخبر السابق، وأما التيمم والطلب.. فلأن كلا منهما فصلٌ يسير لمصلحة الصلاة كالإقامة، بل أولى؛ لأنه شرط دونها، بخلاف ما إذا طال الفصل ولو بعذر كسهوٍ وإغماءٍ.
ولو جمع تأخيراً.. لم تجب نية الجمع والترتيب والولاء، ولكن تستحب، ويجب كون التأخير بنية الجمع قبل خروج وقت الأولى بزمن لو ابتدئت فيه.. كانت أداءً، وإلا.. فيعصي وتكون قضاءً، نقله في "الروضة" كـ"أصلها" عن الأصحاب، وفي "المجموع" و"شرح مسلم" عنهم: بزمن يسعها أو أكثر وهو مبين؛ إذ المراد بالأداء في "الروضة": الأداء الحقيقي؛ بأن يؤتي بجميع الصلاة قبل خروج وقتها، بخلاف الإتيان بركعة منها في الوقت والباقي بعده، فتسميته أداء بتبعية ما بعد الوقت لما فيه، لكن جرى جماعة من المتأخرين على ما اقتضاه كلام "الروضة" و"أصلها" في الاكتفاء بقدر ركعة.
ولو جمع تقديماً فصار قبل الشروع في الثانية مقيماً.. بطل الجمع، أو في الثانية وبعدها.. فلا في الأصح؛ لانعقادها أو تمامها قبل زوال العذر، أو تأخيراً فأقام بعد فراغها.. لم يضر،

وقبله.. يجعل الأولى قضاء؛ لأنها تابعة للثانية في الأداء للعذر وقد زال قبل تمامها.
قال صاحب "التعليقة": وإنما اكتفي في جمع التقديم بدوام السفر إلى عقد الثانية، ولم يكتف به في جمع التأخير، بل شرط دوامه إلى تمامهما؛ لأن وقت الظهر ليس وقت العصر إلا في السفر وقد وجد عند عقد الثانية، فيحصل الجمع، وأما وقت العصر.. فيجوز فيه الظهر بعذر السفر وغيره، فلا ينصرف فيه الظهر إلى السفر إلا إذا وجد السفر فيهما، وإلا.. جاز أن ينصرف إليه؛ لوقوع بعضها فيه، وأن ينصرف إلى غيره؛ لوقوع بعضها في غيره الذي هو الأصل.
وقوله: (جا) و (الولا) بالقصر للوزن، وألف (تيمما) للإطلاق.
[أفضلية التقديم والتأخير بحسب الأرفق] (والجمع بالتقديم والتأخير... بحسب الأرفق للمعذور) أي: والجمع الفاضل بالتقديم والتأخير كائن بحسب الأرفق للمسافر، فإن كان سائراً وقت الأولى.. فتأخيرها أفضل، وإن لم يكن سائراً وقت الأولى.. فتقديمها أفضل؛ لما مر في الأحاديث السابقة.
قال بعضهم: وسكتوا عما إذا كان سائراً فيهما.. فيحتمل أن التقديم أفضل؛ رعاية لفضيلة أول الوقت، ويحتمل- وهو ظاهر كلام كثير- عكسه؛ لظاهر الأخبار السابقة، ولانتفاء سهولة جمع التقديم مع الخروج من خلاف من منعه.
[حكم الجمع بالمرض] (في مرضٍ قول حكي وقوي... واختاره حمد ويحيى النووي) أي: أنه يجوز الجمع تقديماً وتأخيراً بالمرض في قول حكي وقوي بما في "صحيح مسلم" عن ابن عباس: (أنه صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطرٍ)، وفي

رواية: (من غير خوف ولا سفر)، واختاره حمد الخطابي ويحيى النووي والماوردي في "الإقناع".
وستحب أن يراعي الأرفق بالمريض والأسهل عليه في مرضه كالمسافر، فإن كان يحم في وقت الثانية.. قدمها إلى الأولى بالشروط المتقدمة، وإن كان يحم في وقت الأولى.. أخرها إلى الثانية، فإن استوى في حقه الأمران.. فالتأخير أولى؛ لأنه أخذ بالاحتياط، وخروج من الخلاف، ولكن المشهور: أنه لا جمع بمرضٍ ولا ريحٍ ولا ظلمةٍ ولا خوفٍ ولا وحلٍ ولا نحوها؛ لأنه لم ينقل، ولخبر المواقيت؛ فلا يخالف إلا بصريحٍ.

باب صلاة الخوف

أي: كيفيتها من حيث إنه يحتمل في الفرائض فيه في الجماعة وغيرها ما لا يحتمل في غيره على ما سيأتي بيانه، وقد جاءت في الأخبار على ستة عشر نوعاً اختار الشافعي رضي الله عنه منها أربعة أنواع ترجع إلى الثلاثة الآتية.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ [النساء: 102] الآية، والأخبار الآتية، مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، واستمرت الصحابة على فعلها بعده صلى الله عليه وسلم، وادعى المزني نسخها؛ لتركه صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق، وأجابوا عنه؛ بتأخر نزولها عند؛ لأنها نزلت سنة ستة والخندق سنة أربع، وقيل: خمس، وتجوز في الحضر، خلافاً لمالك رحمه الله تعالى ورضي عنه.
[أنواع صلاة الخوف] (أنواعها ثلاثةٌ: فإن يكن... عدونا في غير قبلةٍ فسن) (تحرس فرقةٌ، وصلى من يؤم... بالفرقة الركعة الاولى وتتم) (وحرست، ثم يصلي ركعه... بالفرقة الأخرى ولو في الجمعه) (ثم أتمت، وبهم يسلم... وإن يكن في قبلةٍ صفهم) (صفين، ثم بالجميع أحرما... ومعه يسجد صفٌّ منهما) (وحرس الآخر، ثم حيث قام... فليسجد الثاني ويلحق الإمام) (وفي التحام الحرب صلوا مهما... أمكنهم ركباناً أو بالإيما) أي أنواع صلاة الخوف ثلاثة: أحدها: أن يكون عدونا في غير جهة القبلة؛ أي: أو فيها ولكن حال دونهم حائل يمنع رؤيتهم، فيسن أن يفرقهم الإمام فرقتين: تقف فرقة في وجه العدو وتحرس، وينحاز بالفرقة الأخرى بحيث لا تبلغهم سهام العدو فيصلي بهم الركعة الأولى، فإذا قام للثانية.. فارقته بنية المفارقة، وأتمت لنفسها وذهبت إلى وجه العدو لتحرس، ولو فارقته عند رفع رأسه من السجدة

الثانية.. جاز، وجاءت الفرقة الأخرى التي كانت في وجه العدو فاقتدوا به في الثانية، ويطيل القيام؛ ليلحقوه، ويصلي بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد.. قاموا فأتموا ثانيتهم، فإذا لحقوه.. سلم بهم، فتحوز الفرقة الأولى فضيلة التحرم مع الإمام، والثانية فضيلة التسليم معه.
ويقرأ الإمام في انتظاره الفرقة الثانية في القيام، ويتشهد في انتظارها في الجلوس؛ لأنه لو لم يقرأ ولم يتشهد: فإما أن يسكت، أو يأتي بغير القراءة والتشهد، وكلٌّ خلاف السنة.
ويستحب لهم تخفيف ثانيتهم؛ لئلا يطول الانتظار، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، رواها الشيخان.
ولو لم تفارقه الأولى، بل ذهبت إلى العدو ساكتة وجاءت الأخرى فصلت معه الثانية، فلما سلم ذهبت إلى العدو وجاءت الأولى إلى محل الصلاة، وأتمت وذهبت إلى العدو وجاءت الأخرى وأتمت.. فالمشهور: الصحة، وهذه رواية ابن عمر، والأولى رواية سهل بن أبي حثمة، واختارها الشافعي رضي الله عنه؛ لأنها أوفق للقرآن لإشعار: ﴿ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا﴾ [النساء: 102] بصلاة الأولى؛ ولأنها أليق بالصلاة لقلة الأفعال، ولأنها أحوط للحرب؛ فإنها أخف على الطائفتين.
وإنما صحت الصلاة على رواية ابن عمر رضي الله عنهما مع كثرة الأفعال فيها بلا غرض؛ لصحة الخبر فيها مع عدم المعارضة؛ لأن إحدى الروايتين كانت في يوم والأخرى في يوم آخر، ودعوى النسخ باطلة؛ لاحتياجه لمعرفة التاريخ وتعذر الجمع، وليس هنا واحد منهما، قاله في "المجموع".
وقوله: (ولو في جمعة) أي: ولو كانت صلاة ذات الرقاع في جمعة حيث وقع الخوف ببلد، فإنها تجوز بشرط أن يخطب بجميعهم، ثم يفرقهم فرقتين لا تنقص كل منهما عن أربعين أو بفرقة، ثم يجعل منها مع كل فرقة أربعين، فلو خطب بفرقة وصلى بأخرى، أو نقص العدد فيهما، أو في الأولى.. لم تنعقد الجمعة، أو في الثانية.. فالأصح: أنه لا يضر، وتصح إقامة الجمعة أيضاً بصلاة عسفان، بخلاف إقامتها بصلاة بطن نخل؛ إذ لا تقام جمعة بعد أخرى.

فإن صلى مغرباً.. فبفرقة ركعتين وبالثانية ركعة؛ وهو أفضل من عكسه الجائز أيضاً في الأظهر؛ لأن السابقة أحق بالتفضيل، ولسلامته من التطويل في عكسه؛ بزيادة التشهد في أولى الثانية، وينتظر في جلوس تشهده أو قيام الثالثة وهو أفضل في الأصح؛ لأنه محل للتطويل بخلاف جلوس التشهد الأول.
أو رباعية.. فبكل ركعتين.
ولو صلى بكل فرقة ركعة.. صحت صلاة الجميع في الأظهر، وتجوز في هذه الحالة صلاة بطن نخل؛ وهي أن يجعل الإمام الناس فرقتين: فرقة في وجه العدو، وفرقة ينحاز بها بحيث لا يبلغها سهام العدو ويصلي بها جميع الصلاة، سواء أكانت ركعتين أم ثلاثاً أم ثلاثاً أو أربعاً، فإذا سلم بها.. ذهبت إلى وجه العدو وجاءت الأخرى فيصليها بهم مرة ثانية، وهذه الصلاة وإن جازت في غير الخوف.. ندب إليها فيه عند كثرة المسلمين وقلة عدوهم وخوف هجومهم عليهم في الصلاة، لكن صلاة ذات الرقاع أفضل منها في الأصح؛ لسلامتها عما في هذه من اقتداء المفترض بالمتنفل المختلف فيه، ولأنها أخف وأعدل بين الفرقتين.
ثانيها: أن يكون عدونا في جهة القبلة، ولا حائل دونهم وفي المسلمين كثرة، فيصفهم الإمام صفين، ثم يحرم بالجميع ويقرأ ويركع ويعتدل بهم، فإذا سجد.. سجد معه صف سجدتيه وحرس الصف الآخر، فإذا قاموا.. سجد من حرس ولحقوه، وقرأ وركع واعتدل بالجميع، فإذا سجد.. سجد معه من حرس أولاً وحرس الآخرون، فإذا جلس.. سجد من حرس وتشهد بالجميع وسلم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، رواها مسلم ذاكراً فيها سجود الصف الأول في الركعة الأولى، والثاني في الثانية.
وعبارة المصنف ككثير صادقة بذلك وبعكسه، وهو جائز أيضاً.
ويجوز فيه أيضاً: أن يتقدم في الركعة الثانية الصف الثاني وبتأخر الأول إذا لم تكثر أفعالهم؛ بأن يكون كل من المتقدم والمتأخر بخطوتين ينفذ كل واحد في التقدم بين اثنين، وهل هذا التقدم والتأخر أفضل، أو ملازمة كل واحد مكانه أفضل؟ وجهان، والأول موافق للوارد في العكس في الحديث المذكور، ويجوز أن يزاد على صفين ويحرس صفان.
ولو حرس في الركعتين فرقتا صف على المناوبة، ودام غيرهما على المتابعة.. جاز، وكذا فرقة في الأصح.

ويسن فيما مر من الصلوات حمل السلاح الطاهر إذا لم يمنع ركناً، ولم يتأذ به أحد، وظهرت السلامة مع احتمال الخطر؛ احتياطاً، وخروجاً من الخلاف في وجوبه، وإنما لم يجب؛ لأن وضعه لا يفسد الصلاة، فلا يجب حمله كسائر ما لا يفسد تركه، وقياساً على صلاة الأمن، وحملوا الآية على الاستحباب.
وخرج بما ذكر: السلاح النجس، والمانع من الركن، كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة الجبهة فيحرم حملهما، والسلاح المؤذي؛ كالرمح وسط القوم فيكره حمله كما في "الروضة" و"أصلها"، قال الأذرعي: عبارة غيرهما: (لا يجوز)، ولا شك أنه كذلك إذا كثر به الأذى، والكراهة فيما يخف.
انتهى.
وخرج (بظهور السلامة): ما إذا ظهر الهلاك.. فيجب حمله، وإلا.. فهو استسلام للكفار، قال الإمام: ووضع السلاح بين يديه كحمله إن سهل تناوله كالمحمول.
انتهى، بل يتعين إن منع حمله الصحة.
ثالثها: أن ينتهي الخوف إلى حيث لا يتمكن أحد من ترك القتال؛ بأن التحم القتال والعدو كثير، أو اشتد الخوف ولم يؤمن هجومه لو انقسمنا، وقد أشار إليه بقوله: (وفي التحام الحرب... ) إلى آخره، فيصلون كيف أمكنهم ركباناً ومشاة، ولا تؤخر الصلاة عن الوقت، ولهم ترك القبلة عند العجز بسبب العدو، فإن كان لجماح دابة وطال.. بطلت؛ قال تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ [البقرة: 239]، قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال نافع لا أراه إلا مرفوعاً، رواه البخاري.
ويجوز اقتداء بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة؛ وهو أفضل من الانفراد، فإن عجزوا عن ركوع وسجود.. أومؤوا، والسجود أخفض.
ويعذر في الأعمال الكثيرة؛ لحاجة في الأصح، لا في الصياح، ويلقي سلاحاً دمي، فإن احتاجه.. أمسكه ويقتضي، خلافاً للإمام.
ويصلى عيدٌ وكسوفٌ في شدة الخوف، لا الاستسقاء.
وتجوز صلاة شدة الخوف في كل قتال وهزيمة مباحين، وهرب من سبع أو سيل، أو حريق ليس عنها معدل، وكذا غريم عند إعساره وخوف حبسه، ومن عليه قصاص يرجو العفو عنه لو

تغيب، ودفع من قصد نفساً أو حريماً أو مالاً ولو غير حيوان في الأظهر، ولا يصليها محرم خاف فوات الحج، بل يؤخرها ويحج.
وقوله: (تحرس) بتقدير (أن) في محل رفع نائب فاعل (سن) أي: سن حراسة فرقة، وقوله: (الأولى) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وألف (أحرما) للإطلاق، وقوله: (ركباناً أو) بحذف الهمزة للوزن.
[تحريم الذهب والحرير على الرجال] (وحرموا على الرجال العسجدا... بالنسج والتمويه لا حال الصدا) (وخالص القز أو الحرير... أو غالباً إلا على الصغير) أي: وحرم العلماء على كل من الرجال استعمال حلي الذهب واتخاذه ليستعمله؛ لخبر أبي داوود بإسناد صحيح: أنه صلى الله عليه وسلم أخذ في يمينه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب وقال: "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم"، وعلة تحريم العين بشرط الخيلاء.
واستثنى منه اتخاذ الأنف لمن قطع أنفه وإن أمكن اتخاذه من فضة؛ لأن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب- بضم الكاف؛ اسم لماء كانت الوقعة عنده في الجاهلية- فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفاً من ذهب، رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه.
والسن وإن تعددت، والأنملة ولو لكل إصبع قياساً على الأنف، وقد شد عثمان وغيره أسنانهم به ولم ينكره أحد، وجاز ذلك بالذهب وإن أمكن بالفضة الجائزة لذلك بالأولى؛ لأنه لا يصدأ ولا يفسد المنبت.
ولا يجوز له تعويض كف وإصبع وأنملتين من إصبع من ذهب ولا فضة؛ لأنها لا تعمل فتكون لمجرد الزينة، بخلاف السن والأنملة.
وكذا يحرم على الرجل لبس المنسوج بالذهب؛ أي: أو الفضة، والمموه؛ أي: المطلي

بواحد منهما إن حصل منه شيء بالعرض على النار؛ لما فيه من الخيلاء وكسر قلوب الفقراء فإن لم يحصل منه شيء.. حل.
وخرج بـ (الذهب): الفضة؛ فيحل للرجل منها لبس الخاتم، وتحلية آلة الحرب كالسيف والرمح، وتحرم تحلية السرج واللجام والركاب، وقلادة الدابة والسكين، والكتب والدواة وسرير المصحف ونحوها.
وبـ (الرجل): المرأة، فيحل لها استعمال حلي الذهب والفضة ولو تاجاً لم يعتدنه، ولبس ما نسج بهما إلا أن تسرف؛ كخلخال وزنه مئتا مثقال، وإلا تحلية آلة الحرب، ويجوز تحلية المصحف بفضة، وكذا للمرأة بذهب، والخنثى في كل من حلي الرجل والمرأة كالآخر، فيحرم عليه ما يحرم على كل منهما احتياطاً.
وقوله: (لا حال الصدأ) أي: إن صدئ؛ لا يظهر لون الذهب أو الفضة لغلبة الصدأ عليه.. جاز استعماله، فإن قيل: إن الذهب لا يصدأ.. قلنا: محله إذا كان منفرداً، أما إذا كان مشوباً بغيره.. فيصدأ.
ويحرم على الرجل؛ أي: والخنثى استعمال الخالص من القز أو الحرير، من عطف العام على الخاص، فـ (أو) بمعنى (الواو)، أو ما غالبه من القز أو الحرير؛ لخبر "الصحيحين" عن حذيفة: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج"، وخبر البخاري عنه أيضاً: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه"، ولخبر أبي داوود السابق، بخلاف ما إذا كان غيره أكثر، أو استويا وزناً.. فلا يحرم؛ لأنه لا يسمى ثوب حرير، والأصل: الحل.
ويجوز لبسه لضرورة؛ كفجأة حرب إذا لم يجد غيره، ولحاجة؛ كحكة وقمل، ويحل للولي إلباس الصبي ولو مميزاً الحرير والمزعفر، وتزيينه بحلي الذهب والفضة ولو في غير يوم العيد؛ إذ ليس له شهامة تنافي خنوثة ذلك، ولأنه غير مكلف، وألحق به الغزالي في "الإحياء": المجنون.
وألف (العسجدا) للإطلاق.

باب صلاة الجمعة

بضم الميم وإسكانها وفتحها، وحكي كسرها، وهي كغيرها من الخمس في الأركان والشروط، وتختص باشتراط أمور في لزومها، وأمور في صحتها، والباب معقود لذلك مع آداب تشرع فيها.
(وركعتان فرضها لمؤمن... كلف حرٍّ ذكرٍ مستوطن) (ذي صحةٍ، وشرطها: في أبنيه... جماعةً، بأربعين- وهيه) (بصفة الوجوب- والوقت، فإن... يخرج يصلوا الظهر بالبنا، ومن) (شروطها: تقديم خطبتين... يجب أن يقعد بين تين) [شروط وجوب الجمعة] أي: والجمعة ركعتان، فرضها فرض عين على كل مؤمن مكلف؛ أي: بالغ عاقل حر ذكر مستوطن- أي: مقيم إقامة تمنع حكم السفر بمحل الجمعة وإن لم يتوطن بها، أو حيث يبلغ نداؤها، وعبر بـ (مستوطن) لأنه أحال عليه فيما سيأتي صحتها اختصاراً، وإلا.. فالشرط هنا الإقامة؛ كما حملت عليه كلامه- صحيح.
فلا جمعة على كافر، ولا صبي ومجنون؛ كغيرها من الصلوات، قال في "الروضة": والمغمى عليه كالمجنون، بخلاف السكران، فإنه يلزمه قضاؤها ظهراً كغيرها.
ولا على غير الحر ولو مكاتباً، أو مبعضاً وإن وقعت في نوبته حيث تكون مهايأة، ولا على امرأة وخنثى، ومسافر سفراً مباحاً ولو قصيراً، ومريض؛ أي: ومعذور بمرخص في ترك الجماعة.
والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: 9] أي: فيه ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: "لينتهين أقوام عن ودعهم

الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"، وقال: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم"، وقال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض"، وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر.. فعليه الجمعة، إلا امرأة، أو مسافر، أو عبد، أو مريض"، روى الأول: مسلم، والثاني: النسائي بإسناد على شرط مسلم، والرابع: الدارقطني وغيره، والثالث: أبو داوود عن طارق بن شهاب بإسناد على شرط الشيخين، إلا أنه قال: طارق رأى النبي ولم يسمع منه شيئاً، قال في "المجموع": وما قاله لا يقدح في صحة الخبر؛ لأنه على هذا التقدير مرسل صحابي، وهو حجة عند كل العلماء، إلا أبا إسحاق الإسفراييني.
ويسن لمسافر وصبي وعبد حضورها إذا أمكن، ولهم الانصراف ويصلون الظهر، وكذا النساء، لا المريض أو نحوه؛ فيحرم انصرافه إن حضر في الوقت، ولم يزد ضرره بانتظاره، والفرق: أن المانع في المريض ونحوه من وجوب الجمعة: المشقة في حضور الجامع، وقد حضروا متحملين لها، وتعب العود لا بد منه، والمانع في غيرهم: صفات قائمة بهم لا تزول بالحضور.
نعم؛ إن أقيمت الصلاة.. فليس للمعذورين الانصراف، فإن أحرم بها المريض والمسافر ونحوهما، وكذا المرأة والعبد والخنثى.. أجزأتهم وحرم الخروج منها.
وتلزم شيخاً هرماً وزمناً وجدا مركباً ولم يشق الركوب، وأعمى وجد قائداً، وأهل القرية إن كان فيهم جمع تصح به الجمعة.. لزمتهم فيها، فإن صلوها في مصر.. سقط الفرض وأثموا على الصحيح، وإلا: فإن بلغهم صوت عال في هدوء من طرف يليهم لبلد جمعة، والمستمع مصغ معتدل السمع.. لزمتهم، وإلا.. فلا، ولو سمعوا من بلدين.. تخيروا بينهما، ويشترط استواء الأرض في الأصح، فلو سمعوا لكونهم في علو.. لم تجب، أو لم يسمعوا لكونهم في وهدة.. وجبت، لكن عكسه في "الشرح الصغير".
ولو لازم أهل الخيام موضعاً: فإن سمعوا النداء.. لزمتهم، وإلا.. فلا، والعذر الطارئ

بعد الزوال يبيح تركها، إلا السفر فيحرم إنشاؤه إلا أن يمكنه الجمعة، أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة، وقبل الزوال كبعده ولو كان السفر طاعة، ومتى حرمناه فسافر.. لم يترخص حتى تفوت الجمعة، فمنه ابتداء سفره.
ويسن لمن أمكن زوال عذره تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة؛ وذلك برفع الإمام رأسه من الركوع الثاني، ولغيره كزمن وامرأة تعجيلها في الأصح، وتسن الجماعة في ظهرهم في الأصح، وإخفاؤها إن خفي عذرهم.
ولو زال العذر بعد فراغه من الظهر وأمكنته الجمعة.. لم تلزمه إلا الخنثى، وغير المعذور إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة.. لم تصح، وفواتها بسلام الإمام منها.
[شروط صحة الجمعة] وقوله: (وشرطها) أي: الجمعة: كونها في أبنية من خطة أوطان المجمعين، سواء أكانت الأبنية من حجر أم طين، أم خشب ام قصب، أم سعف أم غيرها، وسواء في ذلك المسجد والفضاء والدار، بخلاف خارج الخطة الذي ينشأ منه سفر القصر؛ لأنها لم تقم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين إلا في دار الإقامة كما هو معلوم، وهي ما ذكر، بخلاف الخيام وإن استوطنها أهلها دائماً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر المقيمين حول المدينة بها، فإنهم على هيئة المستوفزين.
ولو انهدمت أبنية الخطة، فأقام أهلها على عمارتها.. لزمتهم الجمعة فيها؛ لأنها وطنهم، وسواء أكانوا في مظال أم لا، ولا تنعقد في غير بناء إلا في هذه؛ ذكره في "المجموع".
وكونها جماعة؛ لأنها لم تفعل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فمن بعدهم إلا كذلك كما هو معلوم، وشرطها فيها كشرطها في غيرها؛ كنية الاقتداء، والعلم بانتقالات الإمام، وعدم التقدم عليه، وغير ذلك مما مر في (باب صلاة الجماعة)، وزيادة: أن تقام بأربعين رجلاً ولو بالإمام في كل من الخطبة والجمعة؛ لخبر كعب بن مالك قال: (أول من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في نقيع الخضمات وكنا أربعين) رواه أبو داوود وغيره، وروى البيهقي عن ابن مسعود:

(أنه صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً)، قال في "المجموع": قال أصحابنا: وجه الدلالة: أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه، قال: وأما خبر: (انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر).. فليس فيه أن ابتداءها باثني عشر، بل يحتمل عودهم أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة، وفي "مسلم": (انفضوا في الخطبة)، وفي رواية للبخاري: (انفضوا في الصلاة)، وهي محمولة على الخطبة جمعاً بين الأخبار.
واعلم: أنه لا يلزم من اشتراط العدد اشتراط الجماعة، ولا العكس؛ لانفكاك كل منهما عن الآخر، أما العدد.. فلأنه قد يحضر أربعون من غير جماعة، وأما الجماعة.. فلأنها للارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام والمأموم؛ وهو لا يستدعي عدد الأربعين؛ قاله الرافعي.
وقوله: (وهبه) أي: الجماعة الأربعون بصفة الوجوب؛ بأن يكون كل منهم مسلماً مكلفاً حراً ذكراً، مستوطناً بمحل الجمعة؛ أي: لا يظعن عنه شتاء ولا صيفاً إلا لحاجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجمع بحجة الوداع مع عزمه على الإقامة أياماً؛ لعدم الاستيطان، وكان يوم عرفة فيها يوم الجمعة؛ كما ثبت في "الصحيحين"، وصلى به الظهر والعصر تقديماً؛ كما ثبت في حديث مسلم، ولكن الصحيح: انعقادها بالمرضى؛ لكمالهم، وإنما لم تجب عليهم تخفيفاً.
قاعدة [أقسام الناس في الجمعة] الناس في الجمعة ستة أقسام: الأول: من تلزمه وتنعقد به؛ وهو من اجتمعت فيه هذه الصفات المعتبرة ولا عذر له.
والثاني: من تنعقد به ولا تلزمه؛ وهم المعذورون بمرض ونحوه.

والثالث: من لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه؛ وهو من به جنون، أو إغماء، أو كفر أصلي.
والرابع: من لا تلزمه ولا تنعقد به، لكن تصح منه؛ وهو العبد، والمبعض، والمسافر، والمقيم خارج البلد إذا لم يسمع النداء، والصبي المميز، والأنثى، والخنثى.
والخامس: من تلزمه ولا تصح منه؛ وهو المرتد.
والسادس: من تلزمه وتصح منه ولا تنعقد به؛ وهو المقيم غير المتوطن، والمتوطن خارج بلدها إذا سمع نداءها.
[شرط الجمعة فعلها وقت الظهر] وشرطها: الوقت؛ أي: وقت الظهر؛ بأن تفعل مع خطبتيها كلها فيه؛ لخبر البخاري عن أنس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)، وخبر مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: (كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفيء)، فلا يجوز شيء من ذلك قبل وقت الظهر ولا بعده.
ولو جاز تقديم الخطبة.. لقدمها صلى الله عليه وسلم؛ لتقع الصلاة أول الوقت.
ولو ضاق الوقت عن الواجب.. صلوا ظهراً، ولو شرعوا فيه ووقع بعض الصلاة ولو تسليمة المسبوقة خارجه.. صلوا الظهر وجوباً؛ لأنها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعده، فتنقطع بخروجه كالحج، وإلحاقاً للدوام بالابتداء كدار الإقامة؛ بناء على ما فعل منها، فيسر القراءة من حينئذ؛ لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما؛ كالإتمام والقصر.
ولو شك في أثنائها في خروجه.. أتمها جمعة؛ لأن الأصل بقاؤه.
[من شروط الجمعة تقديم الخطبتين] ومن شروطها: تقديم خطبتين يجب أن يقعد بينهما مطمئناً؛ للاتباع.
قال في "المجموع": ثبتت صلاته صلى الله عليه وسلم بعد خطبتين، وقال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولخبر "الصحيحين" عن ابن عمر قال: (كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما)، وهذا بخلاف العيد، فإن الخطبتين فيه مؤخرتان؛ للاتباع، ولأن خطبة الجمعة شرط، والشرط مقدم على مشروطه، ولأن الجمعة إنما تؤدي جماعة فأخرت؛ ليدركها المتأخر، وللتمييز بين الفرض والنفل.
ولو خطب قاعداً لعجزه عن القيام.. لم يضطجع بينهما للفصل، بل يفصل بينهما بسكتة قدر الطمأنينة للجلوس.
وأشار بقوله: (ومن شروطها) إلى أنه لم يستوفها؛ إذ بقي منها: ألا يسبقها، أو يقارنها جمعة في بلدتها، إلا إذا كبرت وعسر اجتماعهم في موضع واحد؛ فيجوز التعدد في الأصح بحسب الحاجة، وحيث منعنا فسبقت جمعة.. فهي الصحيحة، ولا أثر لكون السلطان مع الثانية في الأظهر.
والأصح: أن السبق بالإحرام، وأنه بالفراغ منه، ولو أخبروا فيها بكونهم مسبوقين.. سن استئنافها ظهراً، ولهم إتمام الجمعة ظهراً، وإن وقعتا معاً، أو شك.. بطلتا، واستؤنفت جمعة، وإن سبقت إحداهما ولم تتعين، أو تعينت ونسيت.. صلوا ظهراً.
وقوله: (وهيه) الهاء فيه للسكت.
[أركان الخطبتين] (ركنهما: القيام، والله أحمد... وبعده صل على محمد) (وليوص بالتقوى أو المعنى كما... نحو: (أطيعوا الله) في كلتيهما) (والستر، والولاء بين تين... وبين ما صلى، وبالطهرين) (ويطمئن قاعداً بينهما... ويقرأ الآية في إحداهما) (واسم الدعا ثانية للمؤمنين... وحسن تخصيصه بالسامعين) أفاد كلامه: أن أركان الخطبتين عشرة أشياء، وأراد بها ما لا بد منه فيهما، وإلا فأركانهما خمسة، وهي: حمد الله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوصية بالتقوى، وقراءة آية، والدعاء للمؤمنين، وما عداها من شروطهما:

أولها: القيام فيهما للقادر عليه؛ للاتباع، روى مسلم عن جابر بن سمرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قائماً)، ولأنهما ذكر يختص بالصلاة وليس من شرطه القعود، فيشترط فيه القيام؛ كالقراءة والتكبير.
فإن عجز عنه.. خطب قاعداً، فإن عجز.. فمضطجعاً، والأولى: أن يستنيب كالصلاة، ويجوز الاقتداء به سواء أقال: لا أستطيع القيام أم سكت؛ لأن الظاهر أنه إنما ترك القيام لعجزه، فإن بان أنه كان قادراً.. فهو كما لو بان محدثاً.
والحكمة في جعل القيام والقعود شرطين لهما وركنين للصلاة: أن الخطبة ليست إلا الذكر والوعظ، ولا شك أن القيام والقعود ليسا بجزأين لها، بخلاف الصلاة؛ فإنها جملة أعمال، وهي كما تكون أذكاراً تكون غير أذكار.
ثانيها: حمد الله تعالى فيهما؛ للاتباع، روى مسلم عن جابر قال: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه... ) الحديث.
وأشار المصنف بقوله: (والله أحمد) إلى إجزاء نحو: (أحمد الله)، أو (نحمد الله)، أو (حمداً لله)، أو (لله الحمد)، أو (حمدت الله)، أو (أنا حامد لله)، وقد صرح به الجيلي وغيره؛ وإن صرح القاضي أبو الطيب وغيره بتعين (الحمد لله) وقد خرج بلفظ (الحمد) نحو: لفظ التكبير والثناء، وبلفظ (الله) نحو: لفظ (الرحمن الرحيم).
ثالثهما: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما؛ كـ (أصلي)، أو (نصلي على الرسول)، أو (محمد)، أو (الماحي)، أو (العاقب)، أو (الحاشر)، أو (البشير)، أو (النذير) لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى.. افتقرت إلى ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم؛ كالأذان والصلاة.
وخرج بلفظ (الصلاة) نحو: لفظ الرحمة، وبالصلاة عليه: الإتيان فيها بلفظ الضمير وإن تقدم اسمه عليه، والصلاة على غيره.
رابعها: الوصية بالتقوى فيهما؛ للاتباع، روى مسلم عن جابر: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الوصية بالتقوى)، ولأن معظم مقصود الخطبة الوصية، ولا يتعين لفظها،

بل يكفي ما بمعناهما من الوعظ؛ نحو: أطيعوا الله وامتثلوا أوامره، واجتنبوا مناهيه؛ لأن غرضها الوعظ وهو حاصل بغير لفظها، فلا يكفي التحذير من الاغترار بالدنيا وزخرفتها، فقد يتواصى به منكرو الشرائع، بل لا بد من الحث على طاعة الله تعالى واجتناب معاصيه.
وقوله: (في كلتيهما) أي: يجب القيام، وحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوصية بالتقوى في كل واحدة من الخطبتين.
خامسها: الستر للعورة في الخطبتين كالصلاة؛ كما جرى عليه السلف والخلف في الجمعة.
سادسها: الولاء بين الخطبتين، وكلماتهما، وبينهما وبين الصلاة؛ كما جرى عليه السلف والخلف، ولأن له أثراً ظاهراً في استمالة القلوب، والصلاة والخطبة شبهتا بصلاتي الجمع.
سابعها: الطهران في الخطبتين؛ أي: طهر الحدث الأصغر والأكبر، وطهر الخبث في البدن والثوب والمكان؛ كما جرى عليه السلف والخلف، فلو تطهر وعاد.. وجب استئناف الخطبة وإن لم يطل الفصل كالصلاة.
ثامنها: طمأنينة الخطيب حال كونه قاعداً بين الخطبتين؛ كما في الجلوس بين السجدتين؛ كما جرى عليه السلف والخلف.
تاسعها: قراءة آية؛ للاتباع، رواه الشيخان، وسواء في الآية الوعد والوعيد والحكم والقصة في إحدى الخطبتين، لا بعينها؛ لأن المنقول القراءة في الخطبة دون تعيين، ويعتبر فيها كونها مفهمة؛ فلا يكفي ﴿ثم نظر﴾ وإن عد آية، ولو قرأ شطر آية طويلة.. جاز.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": ولا تجزئ آية موعظة بقصد إيقاعها عن الوعظ والقراءة، ولا آيات شاملة للأركان؛ لأنها لا تسمى خطبة، ولو أتى ببعضها في ضمن آية.. جاز.
عاشرها: ما يقع عليه اسم دعاء للمؤمنين في الثانية؛ كما جرى عليه السلف والخلف، ولأن الدعاء يليق بالخواتم، والمراد بـ (المؤمنين): الجنس الشامل للمؤمنات، وبهما عبر في "الوسيط"، وفي التنزيل: ﴿وكانت من القانتين﴾ [التحريم: 12].

قال الإمام: وأرى أن يكون الدعاء متعلقاً بأمور الآخرة غير مقتصر على أوطار الدنيا، وحسن تخصيصه بالسامعين؛ كأن يقول: (رحمكم)، أما الدعاء للسلطان بخصوصه.. ففي "المهذب": لا يستحب؛ لما روي عن عطاء: أنه محدث، وفي "شرحه": اتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب، والمختار: أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه ونحوها، ويستحب بالاتفاق الدعاء لأئمة المسلمين، وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام، وفي "الروضة" بعض ذلك.
[من شروط الخطبتين] ومن شروطها: كونها عربية على الأصح، فإن لم يكن في المصلين من يحسن العربية خطب أحدهم بلسانه، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة، فإن مضت مدة إمكان التعلم ولم يتعلمها أحد منهم.. عصوا كلهم بذلك ولا جمعة لهم، بل يصلون الظهر، هذا ما في "المجموع"، وهو مبني على أن فرض الكفاية على البعض، وقد اختاره بعضهم.
وما في "الروضة" كـ"أصلها": من أنه يجب أن يتعلهما كل واحد منهم، وأنهم إن لم يتعلموا عصوا.. مبني على قول الجمهور- وهو الأصح-: أن فرض الكفاية على الجميع ويسقط بفعل البعض، وسقطت لفظة (كل) من بعض نسخ "الشرح"، ويدل عليها ضمير الجمع في (لم يتعلموا)، ومعناه: انتفى التعلم عن كل واحد منهم.
وأجاب القاضي حسين عن سؤال: ما فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يعرفها القوم؟ بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة، ويوافقه ما في "الروضة" كـ"أصلها": فيما لو سمعوا الخطبة ولم يفهموا معناها.. أنها تصح.
ومنها: إسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة أركان الخطبتين؛ لأن مقصودها الوعظ وهو لا يحصل إلا بالإبلاغ، فلا يكفي الإسرار كالأذان، فلو كانوا كلهم أو بعضهم صماً.. لم

تصح؛ كبعدهم عنه، وكشهود النكاح، وعلم من ذلك أنه يجب عليهم السماع، فيشترط الإسماع والسماع؛ وبه صرح الشيخان وغيرهما.
وقول الناظم: (الدعا) بالقصر للوزن.
[سنن الجمعة] (سننها: الغسل وتنظيف الجسد... ولبس أبيضٍ، وطيب إن وجد) (وبكر المشي لها من فجر... وازداد من قراءةٍ وذكر) (وسنة الخطبة بالإنصات... والخف في تحية الصلاة) ذكر في هذه الأبيات من سنن الجمعة تسعة أشياء: الأول: الغسل لمن يريد حضورها وإن لم تجب عليه، بل يكره تركه؛ لأخبار "الصحيحين": "إذا جاء أحدكم الجمعة.. فليغتسل" أي: إذا أراد مجيئها، و"غسل" الجمعة واجب على كل محتلم"، و"حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً"، زاد النسائي: "هو يوم الجمعة"، وخبر ابن حبان وأبي عوانة: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء.. فليغتسل".
وصرفها عن الوجوب أخبار، منها: خبر: "من توضأ يوم الجمعة.. فبها ونعمت، ومن اغتسل.. فالغسل أفضل" رواه الترمذي وحسنه، وخبر مسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت.. غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام".

ووقته: من الفجر؛ لخبر "الصحيحين": "من اغتسل يوم الجمعة... " وسيأتي بتمامه، وتقريبه من ذهابه أفضل؛ لأنه أفضى إلى الغرض من انتفاء الرائحة الكريهة حال الاجتماع.
فإن عجز عن الغسل حساً أو شرعاً.. تيمم بنية الغسل، وحاز الفضيلة؛ كسائر الأغسال المسنونة.
الثاني: تنظيف الجسد؛ بإزالة الشعر والظفر والروائح الكريهة كالصنان؛ لأنه يتأذى به، فيزال بالماء ونحوه.
الثالث: لبس الثياب البيض؛ لخبر: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم" رواه الترمذي وغيره، وصححوه.
قال في "الروضة و"أصلها": فإن لبس مصبوغاً.. فما صبغ غزله ثم نسج كالبرد لا عكسه، ويستحب أن يزيد الإمام في حسن الهيئة والتعمم، ويرتدي؛ للاتباع، ولأنه منظور إليه.
الرابع: التطيب إن وجد الطيب؛ لخبر: "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته.. كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها" رواه ابن حبان والحاكم، وصححه على شرط مسلم، وأحب طيب الرجال: ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء: ما ظهر لونه وخفي ريحه.
قال الشافعي: من نظف ثوبه.. قل همه، ومن طاب ريحه.. زاد عقله.
ولا بأس للعجوز بحضورها بإذن زوجها أو سيدها بلا طيب وتزين.
الخامس: التبكير إليها؛ لخبري "الصحيحين": "على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول"، و"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة" أي: كغسلها "ثم

راح" أي: في الساعة الأولى.. "فكأنما قرب بدنة" أي: واحداً من الإبل "ومن راح في الساعة الثانية.. فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة.. فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة.. فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة.. فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام.. حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
وروى النسائي: في الخامسة: "كالذي يهدي عصفوراً"، وفي السادسة: "بيضة".
والساعات: من طلوع الفجر؛ كما جرى عليه المصنف، لا الشمس ولا الزوال على الأصح؛ لأنه أول اليوم شرعاً، وبه يتعلق جواز غسل الجمعة.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": وليس المراد الساعات الفلكية، وإلا.. لاختلف الأمر باليوم الشاتي والصائف، وفي خبر أبي داوود والنسائي بإسناد صحيح: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة" وهو شامل لجميع أيامه، بل المراد: ترتيب الدرجات وفضل السابق على من يليه؛ لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة.
وقال في شرحي "المهذب" و"مسلم": بل المراد الفلكية، لكن بدنة الأول أكمل من بدنة الآخر، وبدنة المتوسط متوسطة، وعلى هذا القياس؛ كما في درجات الجمع الكثير والقليل.
ثم محل ندب التبكير في المأموم، أما الإمام.. فيندب له التأخير إلى وقت الخطبة؛ اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه؛ قال الماوردي، ونقله في "المجموع" عن المتولي وأقره.
السادس: المشي إليها، بل وإلى غيرها من العبادات كعيادة المريض، فلا يركب إلا لعذر؛ للحث على ذلك مع غيره في خبر رواه أصحاب السنن الأربعة، وحسنة الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين.

السابع: إكثار القراءة والذكر؛ أي: أو الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقة، وحضوره قبل الخطبة، وفي التنزيل: ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ [النور: 36]، وفي "الصحيحين": "إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه"، وفي "مسلم": "إذا كان أحدكم يعمد إلى الصلاة.. فهو في صلاة"، ويسن أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يومها وليلتها، وأن يقرأ (سورة الكهف) فيهما.
الثامن: الإنصات للخطبة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرءان فاستعموا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: 204] فسره كثيرون بالخطبة، وسميت قرآناً؛ لاشتمالها عليه، والإنصات: السكوت، والاستماع: شغل السمع بالسماع.
وصرف الأمر عن الوجوب خبر البيهقي بإسناد جيد عن أنس: أن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: متى الساعة؟ فأومأ الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم في الثالثة: "ماذا أعددت لها؟ " قال: حب الله ورسوله، قال: "إنك مع من أحببت"، وجه الاستدلال: أنه لم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجوب السكوت، وأما خبر مسلم: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب.. فقد لغوت".. فمعناه: تركت الأدب، وندب الإنصات لا ينافي ما مر من وجوب السماع، ويستوي في ندب الإنصات سامع الخطبة وغيره؛ كما صححه في "الروضة" كـ"أصلها"، ونقلاه عن النص وعن قطع كثيرين، ثم نقلا عنهم: أن غير السامع بالخيار بين الإنصات والاشتغال بالتلاوة والذكر، وكلام "المجموع" يقتضي أن الثاني أولى.
التاسع: تخفيف ركعتي التحية لداخل المسجد حال الخطبة؛ ليتفرغ لسماعها، ولخبر مسلم: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب.. فليركع ركعتين وليتجوز فيهما"،

قال في "الأم": وأرى للإمام أن يأمره بهما، فإن لم يفعل.. كرهت له، فإن لم يكن صلى الراتبة.. صلاها وحصلت التحية، أما غير التحية من الصلوات.. فيحرم ابتداؤها إذا جلس الخطيب على المنبر وإن لم يسمع الخطبة.
وقوله: (أبيضٍ) بصرفه؛ للوزن.

باب صلاة العيدين

أي: عيد الفطر وعيد الأضحى، والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2]، والمشهور في التفسير: أن المراد به صلاة الأضحى، وأول عيد صلاه النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة.
(تسن ركعتان لو منفردا... بين طلوع وزوالها أدا) (تكبير سبع أول الأولى يسن... والخمس في ثانيةٍ من بعد أن) (كبر في إحرامه وقومته... وخطبتان بعدها كجمعته) (كبر في الأولى منهما تسعاً ولا... والسبع في ثانية، أي: أولا) فيها خمس مسائل: [صلاة العيد سنة مؤكدة] الأولى: صلاة العيد ركعتان، وهي سنة مؤكدة؛ لما مر؛ ولمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها، وليست بواجبة؛ لخبر "الصحيحين": هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع".
وتسن جماعة كما فعلها صلى الله عليه وسلم، وفي المسجد إن اتسع، وتسن للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر؛ كسائر النوافل، ولا يخطب المنفرد، ويخطب إمام المسافرين.
[وقت صلاة العيد] الثانية: وقتها بين طلوع الشمس وزوالها، فتقع فيه أداء؛ لأن مبنى المواقيت على أنه إذا خرج وقت صلاة.. دخل وقت غيرها، وبالعكس، إلا أنه يسن تأخيرها إلى ارتفاع الشمس كرمح كما فعلها صلى الله عليه وسلم، وليخرج وقت الكراهة.

[كيفية صلاة العيد] الثالثة: يسن أن يكبر سبع تكبيرات في أول الركعة الأولى، وخمسة في أول الثانية، من بعد أن كبر لإحرامه في الأولى ولقومته في الثانية؛ لخبر الترمذي وحسنه: (أنه صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الثانية خمساً قبل القراءة).
ويسن أن يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة يهلل ويكبر ويمجد، رواه البيهقي عن ابن مسعود بنحوه بسند جيد، ويحسن في ذلك: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وهي الباقيات الصالحات في قول ابن عباس وجماعة.
ويسن أن يقرأ بعد (الفاتحة) في الأولى (ق) أو (سبح اسم ربك الأعلى)، وفي الثانية (اقتربت الساعة) أو (هل أتاك حديث الغاشية) بكمالها جهراً.
[استحباب خطبتين بعد صلاة العيد] الرابعة: يسن بعدها خطبتان كخطبتي الجمعة في أركانهما؛ لخبر "الصحيحين" عن ابن عمر: (أنه صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد قبل الخطبة)، وتكريرها مقيس على الجمعة، ولم يثبت فيه حديث كما قاله النووي في "الخلاصة".
ولو قدمت على الصلاة.. قال في "الروضة": لم يعتد بها؛ كالسنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدمت، وأما شروط خطبتي الجمعة؛ كالقيام فيهما، والجلوس بينهما، والطهارة، والستر.. فلا تشترط في خطبتي العيد، لكن يعتبر في أداء السنة الإسماع والسماع وكون الخطبة عربية.
ويسن أن يعلمهم في عيد الفطر أحكام زكاة الفطر، وفي عيد الأضحى أحكام الأضحية.
[استحباب التكبير أول الخطبتين] الخامسة: يسن أن يكبر في أول الخطبة الأولى تسع تكبيرات ولاءً، وفي أول الثانية سبع تكبيرات ولاءً؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من التابعين: إن ذلك من السنة، رواه الشافعي والبيهقي.

ولو فصل بينهما بالحمد والتهليل والثناء.. جاز.
قال في "الروضة": ونص الشافعي رضي الله عنه وكثيرون من الأصحاب: على أنها ليست من الخطبة، وغنما هي مقدمة لها، ومن قال منهم: يفتتح الخطبة بها.. يحمل على ذلك؛ لأن افتتاح الشيء قد يكون ببعض مقدماته التي ليست من نفسه.
وقول المصنف: (في الأولى) بنقل الهمزة إلى الساكن قبلها.
(وسن من قبل صلاة الفطر... فطرٌ، كذا الإمساك حتى النحر) (وبكر الخروج لا الخطيب... والمشي والتزيين والتطييب) (وكبروا ليلتي العيد إلى... تحرم بها، كذا لما تلا) (ألصلوات بعد صبح التاسع... إلى انتهاء عصر يوم الرابع) فيها خمس مسائل: [استحباب الفطر في عيد الفطر والإمساك في الأضحى قبل الصلاة] الأولى: يسن أن يفطر في عيد الفطر قبل صلاته، ويمسك في عيد الأضحى عن الأكل حتى يصلي وينحر؛ لخبر البخاري: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً).
ولما روى بريرة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) رواه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم.
وحكمته: امتياز يوم العيد عما قبله بالمبادرة بالأكل أو تأخيره.
[استحباب التبكير لصلاة العيد] الثانية: يسن التبكير في الخروج لصلاة العيد بعد صلاة الصبح؛ ليأخذوا مجالسهم إلا الخطيب، فيتأخر إلى وقت الصلاة؛ لخبر "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري: (أنه

صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة... ) إلى آخره.
[استحباب المشي لصلاة العيد] الثالثة: يسن المشي في الذهاب لصلاة العيد بسكينة، فلا يركب إلا لعذر، سواء فيه الإمام والمأموم، أما الإياب.. فإنه مخير فيه بين المشي والركوب ما لم يتأذ به أحد.
ويسن لكل منهما أن يذهب في طريق ويرجع في أخرى؛ لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك، رواه أبو داوود وغيره، وفي "صحيح البخاري" عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم العيد.. خالف الطريق)، والأرجح في سبب ذلك: أنه كان يذهب في أطول الطريقين؛ تكثيراً للأجر، ويرجع في أقصرهما، وقيل: لشهادة الطريقين، وقيل: ليتبرك به أهلهما، وقيل: ليستفتى فيهما، وقيل: ليتصدق على فقرائهما، وقيل: لنفاذ ما يتصدق به، وقيل: ليزور قبور أقاربه فيهما، وقيل: ليزداد غيظ المنافقين، وقيل: للحذر منهم، وقيل: للتفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة، وقيل: لئلا تكثر الزحمة.
ويسن الذهاب في طريق والرجوع في آخر في الجمعة وغيرها؛ كما ذكره النووي في "رياضه".
[استحباب الغسل للعيد] الرابعة: يسن التزين بالغسل، ويدخل وقته بنصف الليل، ولبس أحسن ثيابه، وإزالة الشعر والظفر والرائحة الكريهة، والتطيب بأجود ما عنده من الطيب؛ كالجمعة، وسواء في الغسل وما بعده القاعد في بيته والخارج للصلاة؛ لأن اليوم يوم سرور وزينة.
قال النووي: ولبس أحسن الثياب هنا أولى من الأبيض الأدون.
انتهى.
فإن لم يجد إلا ثوباً.. سن له أن يغسله للجمعة والعيد، هذا حكم الرجال.
أما النساء.. فيكره لذوات الجمال والهيئة الحضور، ويستحب للعجائز، ويتنظفن بالماء، ولا يتطيبن، ولا يلبسن ما شهر من الثياب، بل يخرجن في ثياب بذلتهن.

[استحباب التكبير في العيدين] الخامسة: يسن التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد في المنازل والطرق والمساجد والأسواق ليلاً ونهاراً إلى تحرمه بصلاة العيد.
ويسن للذكر: أن يرفع صوته به، ويسمى هذا التكبير مرسلاً ومطلقاً؛ لأنه لا يتقيد بحال.
وأما التكبير في عيد الفطر.. فلقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾ [البقرة: 185] أي: عدة صوم رمضان ﴿ولتكبروا الله] أي: عند إكمالها؛ كما نقله الشافعي رضي الله تعالى عنه عمن يرضاه من العلماء بالقرآن.
وأما في عيد الأضحى.. فبالقياس على عيد الفطر، قال البيهقي: وصح عن ابن عمر: (أنه كان يفعله ليلة الفطر حتى يغدو إلى المصلى)، قال: وروى ذلك عنه مرفوعاً في العيدين، ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبي.
وأما التكبير المقيد.. فيسن عقب الصلوات ولو فائتة أو نافلة، أو جنازة أو منذورة، لكل أحد حاج أو غيره، مقيم أو مسافر، ذكر أو غيره، منفرد أو غيره.
ولا يسن ليلة الفطر عقب الصلوات؛ لعدم وروده، وغير الحاج يكبر من صبح التاسع؛ وهو يوم عرفة، ويختم بعصر اليوم الرابع؛ أي: من أيام التضحية، وهو الثالث من أيام التشريق الثلاثة.
وأما الحاج.. فيكبر من ظهر يوم النحر؛ لأنها أول صلاته بعد انتهاء وقت التلبية، ويختم بصبح آخر أيام التشريق؛ لأنها آخر صلاته بمنى، والأصل في ذلك: قوله تعالى: {واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ [البقرة: 203] وهي أيام التشريق.
وما جرى عليه المصنف في غير الحاج.. هو ما اختاره النووي في "مجموعة"، قال: وعليه العمل، وصححه في "أذكاره"، قال في "الروضة": وهو الأظهر عند المحققين؛ للحديث؛ أي: الذي رواه الحاكم: (أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك)،

وقال فيه: صحيح الإسناد، قال: وصح فعله عن عمر وعليٍّ وابن مسعود وابن عباس من غير إنكار، فجملة الصلوات التي يكبر خلفها غير الحاج ثلاث وعشرون، وصحح الرافعي: أن غير الحاج كالحاج قياساً عليه، وقال النووي في "مجموعه" وغيره: إنه المشهور في مذهبنا.
ولو خالف اعتقاد الإمام المأموم فكبر من يوم عرفة، والمأموم لا يرى التكبير فيه، أو عكسه.. فالأصح: اعتبار اعتقاد نفسه، بخلاف تكبير الصلاة لانقطاع القدوة بالسلام.
ولا يكبر عقب فائت هذه الأيام إذا قضاة في غيرها؛ لأن التكبير شعارها وقد فات.
وجميع ما ذكر هو في التكبير الذي يرفع به صوته ويجعله شعاراً، أما لو استغرق عمره بالتكبير في نفسه.. فلا منع منه؛ نقله في "الروضة" و"أصلها" عن الإمام من غير إنكار.

جارٍ التحميل