المتلقي تفصيله من سير النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته، ولهذا ترجم عنه بعضهم ب (السير) وبعضهم ب (قتال المشركين)
والأصل فيه قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾، ﴿وقتلوا المشركين كافة﴾، ﴿واقتلوهم حيث وجدوتموهم﴾ وأخبار؛ كخبر «الصحيحين»: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» وخبر مسلم: «لغدوة أو روحة في سبيل الله.. خير من الدنيا وما فيها».
وكان الجهاد قبل الهجرة محرماً، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدها بقتال من قاتله يم أبيح الابتداء به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقاً.
والجهاد: قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية؛ لأن الكفار إن دخلوا بلادنا، أو أسروا مسلماً يتوقع خلاصه منهم.. ففرض عين، وإن كانوا ببلادهم... ففرض كفاية؛ كما قال:
(فرض مؤكد على كل ذكر... مكلف أسلم حر ذي بصر)
(وصحة يطيقه، وإن أسر.. رق النسا وذو الجنون والصغر)
(وغيرهم رأى الإمام الأجودا... من قتل أو رق ومن أو فدا)
(بمال أو أسرى، وماله أعصما... من قبل خيرة الإمام أسلما)
(وقبل أسر طفل ولد النسب... وماله، وأحكم بإسلام صبي)
(أسلم من بعض أصوله أحد... أو إن سباه مسلم حين انفرد)
(عنهم، كذا اللقيط مسلم بأن... يوجد حيث مسلم بها سكن)
فيها خمس مسائل:
[الجهاد فرض كفاية]
الأولى: الجهاد فرض كفاية مؤكد كل سنة، إذا فعله من فيهم كفاية... سقط الحرج عن الباقين؛ هذا إذا كان الكفار ببلادهم كما مر، وذكر الأصحاب أن الكفاية تحصل بشيئين:
أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار.
الثاني: أن يدخل الإمام دار الكفر غازياً بنفسه، أو يبعث جيشاً يؤمر عليهم من يصلح لذلك.
والجهاد فرض كفاية مؤكد على كل ذكر مكلف، مسلم حر، بصير صحيح، مطيق للجهاد.
فلا جهاد على امرأة؛ لضعفها عن القتال غالباً، ولخبر البيهقي وغيره عن عائشة قالت:
قلت: يا رسول الله؛ هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم؛ جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»، ولا على خنثى مشكل، لاحتمال الأنوثة، ولا على غير مكلف؛ كصبي ومجنون وكافر، ومن فيه رق ولو مبعضاً، وأعمى ومريض يتعذر قتاله، أو يشق عليه مشقة شديدة، ومن لا يطيقه؛ كذي عرج بين وإن قدر على الركوب، وأقطع وأشل، وفاقد معظم أصابع يديه.
قال الأذرعي: والظاهر: أن فاقد الإبهام والمسبحة معاً، أو الوسطى والبنصر.. كفاقد معظم الأصابع.
ولا على عادم أهبة قتال؛ من سلاح ونفقة وراحلة لسفر القصر، فاضل جميع ذلك عن نفقة من تلزمه نفقته، وما ذكر معها في الحج، وكل عذر منع وجوب الحج.. منع وجوب الجهاد، إلا خوف طريق ولو من لصوص مسلمين، والدين الحال على موسر لم يستنب في وفائه يحرم سفر جهاد وغيره إلا بإذن صاحبه.
ويحرم على الرجل جهاد إلا بإذن أصوله المسلمين، أو من وجد منهم، لا سفر تعلم فرض ولو كفاية، ورجوع رب الدين أو الأصل عن إذنه.. يوجب الرجوع إن لم يحضر الصف، إلا أن يخاف على نفسه أو ماله.
ويكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه؛ لأنه أعرف بما فيه المصلحة، ويسن للإمام إذا بعث سرية أن يؤمر عليهم ويأخذ البيعة عليهم بالثبات، ويأمرهم بطاعة الأمير ويوصيه بهم.
[الحكم إذا اسر أحد من أهل الحرب]
الثانية: إن أسر أحد من أهل الحرب.. رق النساء؛ أي: والخناثى والمجنون والصغير؛ أي: ومن فيه رق، فيصيرون بنفس الأسر أرقاء لنا، فيكونون كسائر أموال الغنيمة: الخمس لأهل الخمس، والباقي للغانمين.
وغيرهم؛ أي: الرجل الحر العاقل.. رأى فيهم الإمام الأجود للمسلمين من قتل له بضرب الرقبة، أو إرقاق له، أو من عليه بتخلية سبيله، أو فداء بمال أو أسرى مسلمين، للاتباع في الأربعة، فليزم الإمام أن يجتهد، ويفعل منها ما هو الأحظ للمسلمين، فإن لم تتبين له المصلحة... حبسه حتى تتبين له، ويكون مال الفداء ورقابهم إذا استرقوا؛ كسائر أموال الغنيمة.
ويجوز فداء مشرك بمسلم أو مسلمين، أو مشركين بمسلم، وسواء في الإرقاق الكتابي والوقني والعربي وغيره.
[إسلام الأسير قبل أن يختار الإمام فيه شيئا]
الثالثة: إن أسلم الأسير قبل أن يختار الإمام فيه شيئاً.. عصم دمه وماله؛ لخبر «الصحيحين»: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها... عصموا مني دماءهم وأموالهم» ويبقة الخيار في الباقي؛ كما أن من عجز عن الإعتاق في كفارة اليمين.. يبقى مخيراً بين الإطعام والكسوة، لكن يشترط في فدائه حينئذ: أن يكون له عندهم عز، أو عشيرة يسلم بها دينه ونفسه.
[إذا أسلم قبل أسره]
الرابعة: إذا أسلم قبل أسره.. عصم دمه وماله، وولده من النسب الطفل؛ أي: والمجنون الحرين، وعتيقه من السبي رجلاً أو امرأة، وحملها كالمنفصل، ولا يعصم زوجته وتفارق عتيقه، بأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع؛ فإنه لحمة كلحمة النسب، بخلاف النكاح؛ فإنه يرتفع بأسباب منها حدوث الرق.
وأما زوجة المسلم الحربية: فصحح في «المنهاج» ك «أصله»: عدم جواز إرقاقها مع
تصحيحه جوازه في زوجة من أسلم، والذي في «الروضة» ك «أصلها»: أنه يجري فيها خلاف زوجة من أسلم، قصيته: جواز إرقاقها تسوية بينهما في الجواز؛ كما سوى بين عتيق من أسلم وعتيق المسلم في عدم الجواز.
ولو سبيت حرة منكوحة لمسلم.. انقطع نكاحها في الحال وإن كانت موطوءة؛ لزوال ملكها عن نفسها، فزوال ملك الزوج عنها أولى، ولامتناع نكاح المسلم الأمة الكافرة ابتدائ ودواماً.
ولو سبي الزوجان الحران، أو أحدهما... انقطع نكاحها في الحال وإن كانت موطوءة؛ لزوال ملكها عن نفسها، فزوال ملك الزوج عنها أولى، ولامتناع نكاح المسلم الأمة الكافرة ابتداء ودواماً.
ولو سبي الزوجان الحران، أو أحدهما.. انقطع نكاحهما؛ لعموم خبر: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» إذ لم يفرق بين المنكوحة وغيرها، ومحله: في سبي الزوج الكامل وحده إذا أرق، وكذا لو كان أحدهما حراً والآخر رقيقا.
ومن لزمه دين.. قضي مما غنمناه من ماله بعد رقه، ولا يسقط إلا إن كان لحربي، ويبقى دين من رق إلا على حربي، ولو أسلم أو أمن حربيان معاً، أو مرتباً ولأحدهما على الآخر دين عقد لا إتلاف.. لم يسقط.
[متى يحكم بإسلام الصبي]
الخامسة: يحكم بإسلام الصبي؛ أي: والصبية في ثلاث مسائل:
الأولى: الولادة؛ بأن كان أحد أصوله مسلماً وقت العلوق به، أو أسلم قبل بلوغه، لقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وأتبعناهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه» فجعل موجب كفره كفرهما جميعاً، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وانعقد الإجماع عليه في إسلام الأب، وسواء المميز وغيره.
والمجنون المحكوم بكفره كالصغير في تبعيته لأحد أصوله في الإسلام وإن طرأ جنونه بعد بلوغه على الأصح.
وشمل تعبير الناظم ب (أحد أصوله): أحد الأجداد أو الجدات، الوارث وغيره؛ كأب الأم ولو مع حياة الأب والأم، فإن بلغ ووصف كفراً.. فمرتد؛ لسبق الحكم بإسلامه، فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد.
الثانية: إذا سباه مسلم ولم يكن معه أحد من أصوله؛ لأنه صار تحت ولايته كالأبوين، وادعى الشيخ أبو حامد وغيره الإجماع عليه.
وخرج بقوله: (حين انفرد عنهم) ما إذا كن معه أحد أصوله.. فإنه لا يحكم بإسلامه، فإن تبعيتهم أقوى من تبعية السابي، فلو مات أحد أصوله بعد سبيه معه.. استمر كفره ولم يحكم بإسلامه؛ لأن التبعية إنما تثبت في ابتداء السبي.
ومعنى قولهم: (أن يكون معه أحد أصوله): أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة، ولا يشترط كونهما في ملك رجل واحد، وتعبير الناظم في هذا ب (أحد أصوله) أعم من تعبير غيره ب (أحد أبويه) وكالصغير فيما ذكره المجنون.
وخرج بقوله: (إن سباه مسلم) ما لو سباه ذمي قاطن ببلاد الإسلام.. فإنه لا يحكم بإسلامه إذا دخل به دار الإسلام؛ لأنه كونه من أهل الدار لم يؤثر فيه ولا في أولاده الإسلام، فغيره أولى.
الثالثة: الصغير اللقيط إذا وجد بدار الإسلام ولو كان فيها أخل ذمة؛ كدار فتحها المسلمون، ثم أقروها بيد كفار صلحاً؛ أو بعد ملكها بجزية، أو دار غلبهم عليها الكفار وسكنوها، أو بدار كفر وقد سكنها مسلم يمكن أن يولد له ذلك اللقيط؛ تغليباً لدار الإسلام، وخبر الإمام أحمد والدارقطني: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»
وخرج بقوله: (حيث مسلم بها سكن) ما إذا لم يسكن بها أو كان فيها مجتازاً.. فإنه كافر؛ إذ لا مسلم ساكن فيها يحتمل إلحاقه به، والحكم بإسلام الصبي بوجدانه في أرض إسلام هو أضعف التبعات، ولهذا لو أقام ذمي بينة بأنه ابنه.. لحقه وتبعه في الكفر، وارتفع ما ظنناه من إسلامه؛ لأن حكم الدار حكم باليد، والبينة أقوى من اليد المجردة.
وقول الناظم: (النسا) بالقصر للوزن، والألف في قوله: (الأجوداً) و (أسلما) للإطلاق، وقوله: (أو رق) (أو أسرى) بدرج الهمزة فيهما للوزن، و (ماله) بالنصب ويجوز رفعه، والألف في قوله: (اعصما) بدل من نون التوكيد الخفيفة.
باب الغنيمة
وفي بعض النسخ: (قسم الفيء والغنيمة) أي: بفتح القاف، والمشهور تغايرهما كما يعلم مما سيأتي، وقيل: يقع اسم كل منهما على الآخر إذا انفرد، فإن جمع بينهما.. افترقا؛ كالفقير والمسكين، وقيل: اسم الفيء يقع على الغنيمة دون العكس، ومن هذين قولهم: (يسن وسم نعم الفيء)
والأصل فيهما: قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ وقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآيتين، وخبر وفد عبد القيس وقد فسر لهم الإيمان: «وأن تعطوا من المغنم الخمس».
ولم تحل الغنيمة إلا لهذه الأمة، والغنيمة كما يؤخذ من كلام الناظم الآتي في تعريف الفيء: ما أخذناه من الحربيين قهراً؛ كالمأخوذ بقتال الرجال، وفي السفن، أو التقى الصفان فانهزموا عنه قبل شهر السلاح، وما صالحونا عليه عند القتال، وما أهدوه لنا والحرب قائمة، وما أخذه واجد أو جمع من دار الحرب سرقة، أو وجد كهيئة اللقطة ولم يمكن كونه لمسلم.
(يختص منها قاتل بالسلب... وخمس الباقي، فخمس للنبي)
(يصرف في مصالح ومن نسب... لهاشم ولأخيه المطلب)
(لذكر أضعف ولليتامى... بلا أب إن لم ير احتلاما)
(والفقراء والمساكين كما... لابن السبيل في الزكاة قدما)
(وأربع الأخماس قسم المال... لشاهد الوقعة للقتال)
(لراجل سهم، كما الثلاثه... لفارس إن مات للوراثه)
(والعبد والأنثى وطفل يغني... وكافر حضرها بإذن)
(إمامنا سهم أقل ما بدا... قدره الإمام حيث اجتهدا)
(والفيء: ما يؤخذ من كفار... في أمنهم كالعشر من تجار)
(فخمسه كالخمس من غنيمه... والباق للجند، حووا تقسيمه)
[اختصاص قاتل الحربي بسلبه]
أي: يختص من الغنيمة مسلم قاتل للحربي المقبل على القتال في الحرب بسلبه؛ وإن كان كل منهما رقيقاً، أو أنثى أو صغيراً بقيده الآتي، سواء أشرطه له الإمام أم لا، وسواء أكان قتال الحربي معه أم مع غيره؛ لخبر «الصحيحين»: «من قتل قتيلاً... فله سلبه»، وخبر أبي داوود وغيره: (أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل) ولأن ذلك مسلوب من يد الحربي، وطمع القاتل يمتد إليه غالباً.
وخرج ب (المسلم): الكافر، فلا سلب له وإن قاتل بإذن الإمام، ومثل القاتل: من ارتكب غرراً كفى به شر حربي في حال الحرب.. فيستحق سلبه؛ كأن قطع يديه أو رجليه، أو يداً ورجلاً، أو قلع عينيه، أو أسره، فلو قتله غير من أسره.. فلا سلب له؛ إذا كفي بالأسر شره؛ بخلاف ما لو أمسكه واحد ومنعه الهرب، ولم يضبطه وقتله آخر... فإنهما يشتركان في السلب؛ لأنه كفاية شره إنما حصلت بهما، أما إذا لم يرتكب غرراً في قتله؛ كأن قتله نائماً، أو مشغولاً بأكل أو غيره، أو رماه من حصن أو صفنا.. فلا سلب له؛ لأنه في مقابلة ارتكاب الخطر وهو منتف.
فإن كان المقتول صبياً أو مجنوناً أو امرأة أو عبداً لم يقاتل.... لم يستحق سلبه؛ لأن قتله حرام والحالة هذه.
(والسلب): ما يصحبه الحربي؛ من ثيابه الملبوسة، والخف والران، والطوق والسوار، والمنطقة والهميان، ودراهم النفقة، وآلات الحرب؛ كالدرع والسلام والمركوب وإن كان ماسكاً بعنانه وهو يقاتل راجلاً، وآلاته؛ كالسرج واللجام والجنيبة التي تقاد معه.
فلو كان معه جنائب... قال أبو الفرج الزاز: لا يستحق إلا واحدة، قال الرافعي: وهل يرجع فيها إلى تعيين الإمام، أو يقرع بين الجنائب؟ فيه نظر؛ قال النووي: وفي التخصيص بجنيبة نظر، وإذا قيل به.. فينبغي أن يختار القاتل جنيبة منها، لأن كل واحد منها جنيبة قتيله فهذا هو المختار، بل الصواب بخلاف ما أبداه الرافعي، وما قاله الزاز... نقله ابن الرفعة عن الشيخ أبي حامد والماوردي.
ولا يدخل في السلب المهر التابع لمركوبه، ولا الحقيبة المشدودة على الفرس، ولا ما فيها من الأمتعة والدراهم، ولا لاغلام الذي معه.
[تخميس الباقي من الغنيمة بعد السلب]
ثم بعد السلب يخمس الباقي من الغنيمة بعد إخراج مؤنها- كأجرة الحمال- خمسة أقسام متساوية ويؤخذ خمس رقاع متساوية ويكتب على واحدة منها (لله) أو (للمصالح) وعلى أربع (للغانمين) ثم تدرج في بنادق مستوية، ويخرج لكل قسم رقعة، فما خرج عليه سهم الله أو المصالح.. جعله بين أهل الخمس يقسم على خمسة، فتكون القسمة من خمسة وعشرين، ويقدم عليه قسمة ما للغانمين، لحضورهم وانحصارهم.
وتستحب القسمة بدار الحرب؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بل تأخيرها إلى دار الإسلام بلا عذر مكروه.
بيان مصرف خمس الغنيمة]
أحد أخماس الخمس: للمصالح، وكان قبل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ينفق منه على نفسه وأهله ومصالحه، ما فضل.. جعله في السلاح عدة في سبيل الله وسائر المصالح، وإضافته لله؛ للتبرك بالابتداء باسمه، وكان يملكه، لكن جعل نفسه فيه كغيره تكرماً، ولا يورث عنه، بل يصرف بعده لمصالح المسلمين، كسد الثغور وعمارة الحصون، القناطر والمساجد، وأرزاق القضاة والعلماء والمؤذنين، ويجب تقديم الأهم فالأهم.
والثاني: لمن نسب من جهة الأب لهاشم ولأخيه المطلب، دون من نسب لعبد شمس ونوفل وإن كان الأربعة أولاد عبد مناف، لاقتصاره صلى الله عليه وسلم في القسمة على بني الأولين مع سؤال بني الأخيرين له، رواه البخاري، وأما بنو هاشم... فلأنه منهم، وأما بنو المطلب.. فلأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، حتى إنه لما بعث بالرسالة... نصروه وذبوا عنه، بخلاف بني الأخيرين، بل كانوا يؤذونه.
أما من نسب لهما من جهة الأم.. فلا شيء له؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير وعثمان مع أن أم كل منهما هاشمية، سواء في ذلك غنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم،
وقريبهم وبعيدهم/ والحاضر بموضع الفيء والغائب عنه؛ لعموم الآية، وللذكر ضعف ما للأنثى؛ لأنه عطية من الله تعالى، فيسحتق بقرابة الأب؛ كالإرث.
وقال الإمام: ولو كان الحاصل قدراً لو وزع عليهم لا يسد مسداً... قدم الأحوج فالأحوج ولا يستوعب للضرورة.
والثالث: لليتامى؛ وهو صغير ذكراً كان أو أنثى أو خنثى؛ أي: معسر لا أب له ولو كان له جد أو أم، أما صغره.. فلخبر: «لن يتم بعد احتلام» رواه أبو داودد وحسنه النووي، لكن ضعفه المنذري وغيره، وأما إعسره.. فلإشعار لفظ اليتم به، ولأن غناه بمال أبيه إذا منع استحقاقه، فغناه بماله أولى بمنعه، وأما فقد الأب.. فللوضع والعرف، فلو اختل شيء من الثلاثة.. لم يعط من سهم اليتامى.
والرابع: للفقراء والمساكين.
والخامس: لابن السبيل، وسبق بيان الثلاثة في قسم الصدقات.
قال الماوردي: ويجوز للإمام أن يجمع للمساكين بين سهمهم من الزكاة، وسهمهم من الخمس، وحقهم من الكفارات، فتصير لهم ثلاثة أموال.
قال: وإذا اجتمع في واحد يتم ومسكنة.. أعطي باليتم دون المسكنة؛ لأن اليتم وصف لازم، والمسكنة زائلة، ولا يجوز الاقتصار من كل صنف على ثلاثة، بل يعم كما في الزكاة إذا صرفها الإمام، للآية، ولو فقد بعضهم.. وزع سهمه على الباقين كالزكاة، ويجوز التفاوت بين آحاد كل صنف غير الثني؛ لأن استحقاقهم بالحاجة وهي تتفاوت، بخلاف الثاني لا تفاوت فيه بغير الذكورة والأنوثة كما مر، ولا يجوز الصرف لكافر، قال في «الكفاية»: إلا من سهم المصالح عند المصلحة.
ومن ادعى أنه فقير، أو مسكين، أو ابن سبيل.. قبل قوله بلا بينة، أو أنه قريب، أو يتيم.. لم يقبل قوله إلا ببينة.
[قسمة الأخماس الأربعة للغانمين]
والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين؛ أخذاً من الآية، اقتصر فيها بعد الإضافة إليهم على إخراج الخمس، وهم: من شهد الوقعة لأجل القتال وإن لم يقاتل، حضر في ول القتال أو في أثنائه، ومن شهدها لا لأجل القتال وقاتل؛ كالأجير لحفظ أمتعة، والتاجر والمحترف، ومن شهدها غير كامل ولو الرضخ، ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال ولو قبل حيازة المال، ولو حضر قبل انقضائها.. فلا حق له فيما غنم قبل حضوره، وللراجل سهم، وللفارس ثلاثة سهام؛ سهمان للفرس، وسهم له؛ للأتباع كما في «الصحيحين»، / فلا يزاد عليها وإن حضر بأكثر من فرس، كما لا ينقص عنها، فلو كان في سفينة ومعه فرس.. أعطيها أيضا؛ لأنه قد يحتاج إلى الركوب؛ نص عليه وحمله ابن كج على من بقرب الساحل، واحتمل أن يخرج ويركب، وإلا.. فلا معنى لإعطائه.
وفي «الروضة» عن صاحب «العدة» أنه لو ضاع فرسه، فأخذه غيره وقاتل عليه... كان سهمه لمالكه؛ فإنه شهد الوقعة، ولم يوجد منه اختيار إزالة يده، فصار كما لو كان معه ولم يقاتل عليه.
ولو حضر اثنان بفرس مشترك بينهما.. فهل يعطى كل منهما سهم فرس أو لا يعطيان لها شيئاً، أو يعطيانه مناصفة؟ أوجه، قال النووي: لعل الثالث أصحها، وصححه السبكي فلو ركباه.. فيه وجه رابع، قال النووي: إنه حسن، واختاره ابن كج، وهو إن كان يصلح للكر والفر مع ركوبهما.. فلهما أربعة أسهم، وإلا فسهمان.
وسواء في ذلك الفرس العتيق؛ وهو عربي الأبوين، والبرذون؛ وهو عجميهما، والهجين، وهو العربي أبوه فقط، والمقرف؛ وهوالعربي أمه فقط؛ لصلاحية الجميع للكر ولافر، ويعتبر كونه جذعاً، أو ثنياً، نبه عليه الرافعي في (المسابقة)
ولا يسهم لفرس مهزول، أو لا نفع فيه، لكونه كسيراً أو هرماً، أو صغيراً أو ضعيفاً أو
نحوها ولا لبعير وفيل وبغل وغيرها؛ لأنها لا تصلح للحرب صلاحية الخيل لها بالكر والفر اللذين تحصل بهما النصرة.
نعم؛ يرضخ لهما، ورضخ الفيل فوق رضخ البغل، ورضخ البغل فوق رضخ الحمار، ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازة.. فحقه لوارثه؛ بناء على أن الغنيمة تملك بالانقضاء، ولو مات في القتال.. فلا شيء له، بخلاف موت فرسه حينئذ فإنه يستحق سهمه؛ لأنه متبوع والفرس تابع.
وللعبد والأنثى وطفل يغني، أي: ينفع في القتال، وكذا كافر حضر الوقعة بإذن إمامنا بلا أجرة.. سهم أقل ما بدا؛ أي: أقل من سهم راجل وإن كانوا فرساناً، وهذا هو المسمى بالرضخ.
قدره الإمام باجتهاده.
ويفاوت بين أهله بحسب نفعهم: فيرجح المقاتل ومن قتاله أكثر على غيره، والفارس على الراجل، والمرأة التي تداوي الجرحى وتسقي العطاش على التي تحفظ الرحال، والأصل في ذلك: الاتباع، رواه في العبد الترمذي وصححه، وفي الصبي والمرأة البيهقي مرسلاً، وفي قوم من اليهود أو داوود بلفظ (أسهم) وحمل على الرضخ، ولأنهم ليسوا من أهل فرض الجهاد، ولكنهم كثروا السواد فلا يحرمون.
وأما المجنون.. فقال الماوردي: يرضخ له كالصبي، وقال الإمام: لا يرضخ له وفاقاً، قال الأذرعي: ولعل هذا الوفاق الذي ذكره إذا لم يكن له تمييز، فإن كان.. فقد يكون أجرأ وأشد قتالاً من العقلاء.
فإن لم يأذن الإمام للكافر.. فلا سهم له وإن أذن له غيره من الأجناد؛ لكونه متهماً بموالاة أهل دينه، بل يعزره على ذلك أن أدى إليه اجتهاده، وإن أذن له بأجرة.. اقتصر عليها.
والمشكل والزمن والأعمى ونحوهم.. كالطفل في الرضخ.
وشمل تعبير ب (الكافر): المعاهد والمستأمن والحربي إذا حضروا بإذن الإمام، حيث تجوز الاستعانة بهم كالذمي، وقد قال الزركشي" إنه المتجه، قال: وأما المبعض..
فالظاهر أنه كالعبد، ويحتمل أن يقال: إن كانت مهايأة وحضر في نوبته.. أسهم له وإلا رضخ.
ولو زال نفص أهل الرضخ قبل انقضاء الحرب.. أسهم لهم، بل لو بان بعد انقضائها ذكورة الخنثى.. أسهم له.
ولا سلب ولا سهم ولا رضخ لمخذل، ولا مرجف، ولا خائن
[بيان الفيء]
والفيء: ما يؤخذ من كفار في أمنهم بلا قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب من منقول وعقار، كالعشر المأخوذ من التجار والجزية، وما أهدوه في غير الحرب، ومال ذمي مات بلا وارث، أو فضل عن وارثه، ومال مرتد قتل أو مات، فخمس مال الفيء يقسم كخمس مال الغنيمة كما تقدم، والباقي وهو الأربعة أخماس للأجناد المرصدين للجهاد.
ويستحب أن يضع الإمام دفتراً، وينصب لكل قبيلة أو جماعة عريفاً ويبحث عن حال كل واحد وعياله ما يحتاجون إليه، فيعطي كل واحد مؤنته ومؤنتهم، ويراعي الزمان والمكان، والرخص والغلاء، ومروءة السخص وضدها، ولا يثبت في الدفتر العميان والزمني، والصبيان والمجانين، والنسوة والعبيد، والكفار والجهلة بالقتال، ومن يعجز عنه؛ كالأقطع وشبهه.
وإذا طرأ على بعض المقاتلة مرض أو جنون يرجى زواله.. أعطي ولم يسقط من الدفتر، وإن لم يرج.. أسقط منه ويعطي، وإذا مات.. تعطى زوجته إلى أن تنكح، وأولاده إلى أن يستقلوا.
وقول الناظم: (قدماً) ببنائه للفاعل أو المفعول، وألفه للإطلاق وقوله: (والعبد) وما عطف عليه بالجر عطفاً على (راجل) والألف في قوله: (اجتهدا) للإطلاق، وقوله (والباق) بحذف الياء للوزن
باب الجزية
تطلق على العقد وعلى المال الملتزم، وهي مأخوذة من المجازاة لكفنا عنهم، وقيل: من الجزاء بمعنى القضاء، قال تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ أي: لا تقضي.
والعقود التي تفيد الكافر الأمان ثلاثة: أمان، وهدنة، وجزية؛ لأن التأمين إن تعلق بمحصور.. فهو الأمان، أو بغير محصور كأهل إقليم أو بلد: فإن كان إلى غاية... فهو الهدنة، أو لا إلى غاية.. فهو الجزية، وهما مختصان بالإمام، بخلاف الأمان، كذا قاله الأكثرون.
وقضيته/ أن تأمين الإمام غير محصورين لا يسمى أماناً، وأن الجزية لا تصح في محصورين، وليس مراداً.
والأصل في الجزية قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿قتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدو وهم صغرون﴾، وقد أخذ صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر؛ كما رواه البخاري، ومن أهل نجران، كما رواه أو داوود، ومن أهل أيلة؛ كما رواه البيهقي، وقال: إنه منقطع والمعنى في ذلك: أن في أخذها معونة لنا وإهانة لهم، وربما يحملهم ذلك على الإسلام.
ولم يتعرض الناظم للأولين.. فالأحسن أن نذكر شيئاً من أحكامهما.
[أمان الكافر]
فيصح أمان حربي محصور من كل مسلم مكلف مختار ولو امرأة أو رقيقاً لكافر لفظ يفيد الغرض بصريح؛ ك (أجرتك) و (أنت مجار) أو (أمنتك) أو (أنت آمن) أو كناية؛ ك (أنت على ما تحب)، أو (كن كيف شئت) وتكفي رسالة أو إشارة مفهمة.
ويشترط علم الكافر بالأمان، وكذا قبوله على الراجح، وألا تزيد مدته على أربعة أشهر، فإن زاد.. بطل في الزائد، ويبلغ بعدها المأمن، وألا يتضرر بالمؤمن المسلمون، كجاسوس
أو طليعة، وحقه أن يغتال، ولا يبلغ المأمن، وألا يكون المؤمن أسيراً معهم، ولا يتعدي الأمان إلى أهله وماله إلا باشتراطه، وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة.
والمسلم بدار الحرب إن أمكنه إظهار دينه.. سن له الهجرة، وإلا وجبت إن قدر، وإلا... فهو معذور إلى أن يقدر، ولو قدر الأسير على الهرب.. لزمه، ولو أطلقوه بلا شرط.. فله اغتيالهم، أو على أنهم في أمانه.. حرم، فإن تبعه قوم.. فليدفعهم ولو بقتلهم، ولو شرطوا ألا يخرج من دارهم.. حرم الوفاء به، ولو قالوا: (لا نطلقك حتى تحلف ألا تخرج) فحلف.. لم يحنث بالخروج.
[شروط الهدنة]
وأم الهدنة... فشروطها أربعة:
الأول: أن يهادن الإمام، أو نائبه العام أهل إقليم، أو يهادن وإلى الإقليم أهل بلد.
الثاني: كونها للمصلحة.
الثالث: كونها إلى أربعة أشهر فأقل إن لم يكن بالمسلمين ضعف، وإلا.. جازت الزيادة إلى عشر سنين بحسب الحاجة، ولا تجوز الزيادة عليها، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية.. استؤنف العقد، ويجوز ألا يؤقت الإمام الهدنة، ويشترط انقضاءها متى شاء، ويجوز أن يقول: (هادنتكم ما شاء فلان) وهو مسلم عدل ذو رأى.
الرابع: الخلو عن الشروط الفاسدة، كشرط ألا ينزع أسرى المسلمين منهم، أو يرد إليهم الذي أسروه وأفلت منهم، أو يقيموا بالحجاز، أو يدخلوا الحرم، أو يظهروا الخمر في دارنا، أو ترد إليهم النساء إذا جئن مسلمات.
وإذا انقضت أو نقضت.. فحكمهم كما قبلها.
ولو نقض بعضهم، ولو ينكر الباقون بقول ولا فعل.. انتقض فيهم أيضا، وإن أنكروا باعتزالهم، أو إعلام الإمام ببقائهم على العهد.. فلان ولو خاف خيانتهم.. فله نبذ العهد، وتبلغيهم المأمن.
وللجزية خمسة أركان: صيغة، وعاقد، ومعقود له، ومال معقود عليه، ومكان قابل للتقرير فيه.
(وإنما تؤخذ من حر ذكر... مكلف له كتاب اشتهر)
(أو المجوس دون من تهودا... آباؤه من بعد بعثة الهدى)
(أقلها في الحول دينار ذهب... وضعفه من متوسط الرتب)
(ومن غني أربع إذا قبل... واشرط ضيافة لمن بهم نزل)
(ثلاثة, ويلبسوا الغيارا... أو فوق ثوب جعلوا زنارا)
(ويتركوا ركوب خيل حربنا... ولا يساؤوا المسلمين في البنا)
(وانتفض العهد بجزية منع... وحكم شرع بتمرد دفع)
(لاهرب, بالطعن في الإسلام أو... فعل يضر المسلمين النقض, لو)
(شرط ترك, والإمام خيرا... فيه كما في كامل قد أسرا)
[صيغة الجزية]
الركن الأول: الصيغة؛ كأن يقول الإمام أو نائبه: (قررتكم), أو (أذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا, وتنقادوا لأحكام الإسلام).
ويشترط التعرض لقدرها, لا لكفهم اللسان عن الله تعالى ودينه رسوله صلى الله عليه وسلم, ولابد من القبول لفظاً؛ كـ (قبلت) أو (رضيت بذلك), ولا يصح مؤقتاً, وإذا عقد فاسداً.. لم يجب الوفاء, ولا يغتال, ولو بقي على حكم ذلك العقد سنة, أو أكثر.. وجب لكل سنة مضت دينار, ولو دخل حربي دارنا وبقي مدة, ثم اطلعنا عليه, لم يلزمه شيء لما مضى, ويجوز قتله واسترقاقه, وأخذ ماله والمن عليه, والتقرير بالجزية, ولو قال: (دخلت لرسالة), أو (بأمان مسلم).. صدق بيمينه.
[عاقد الجزية]
الثاني: العاقد؛ ولا تصح إلا من الإمام أو نائبه فيها, فلو عقدها واحد من الرعبة.. لم تصح, ولو أقام سنة فأكثر.. فلا شيء عليه.
[المعقود له الجزية]
الثالث: المعقود له؛ وإنما تعقد لحر ذكر مكلف, فلا تؤخذ ممن فيه رق, ولا من امرأة وخنثى, ولا من صبي ومجنون؛ لأن بذلها لحقن الدم وهو حاصل لهم, وقد كتب عمر
رضي الله تعالى عنه إلى أمراء الأجناد: (ألا تأخذوا الجزية من النساء والصبيان) رواه البيهقي بإسناد صحيح, وروي: لا جزية على العبد.
وألحق بالمرأة الخنثى, فلو بانت ذكورته.. فهل تؤخذ منه للسنين الماضية؟ وجهان, قال في "الروضة": ينبغي أن يكون الأصح: الأخذ, وجزم به "المجموع" في (باب الأحداث), وقال في "المهمات": ينبغي تصحيح عكسه؛ كما لو دخل حربي دارنا وبقي مدة ثم اطلعنا عليه.. لا نأخذ منه شيئاً لما مضى على الصحيح, ورد بأنه لا جامع بينهما؛ لأن الخنثى عقدت له الجزية وقد بانت ذكورته, فعملنا بما في نفس الأمر؛ كما في البيع بخلاف الحربي.
للمكلف المذكور كتاب اشتهر أمره بأنه من الكتب المنزلة؛ كالتوراة والإنجيل, وصحف إبراهيم, وزبور داوود صلى الله عليهما وسلم, أو له شبهة كتاب؛ وهم المجوس؛ لزعمهم ذلك, والأظهر: أنه كان لهم كتاب فرفع, وقد تقدم: صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر.
وخرج بما ذكره: عبدة الأوثان والملائكة والكواكب, فتعقد لليهودي أو النصراني, أو نحوه ممن زعم التمسك بكتاب؛ كمن أحد أبوية كتابي والآخر وثني إن دخل جده الأعلى في ذلك الدين قبل نسخه ولو بعد تبديله, وإن لم يجتنب المبدل منه, أو شككنا في وقته؛ تغليباً لحقن الدم.
وخرج بذلك ما لو علمنا أن جده الأعلى دخل في ذلك بعد نسخه؛ كمن تهود بعد بعثة عيسى عليه السلام, أو تنصر بعد بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام, فلا يقر بالجزية, والصائبة من النصارى, والسامرة من اليهود يقرون بها إن وافقوهم في أصل دينهم, وإلا.. فلا.
ولو عقدت لمن زعم التمسك بكتاب, ثم أسلم اثنان من أهل ذلك الدين, وحسن حالهما بحيث تقبل شهادتهما, وشهدا بخلاف ما زعمه.. اغتيل, ولا يبلغ المأمن؛ لتدليسه, والأمان الفاسد إنما يمنع الاغتيال عند ظن الكافر صحته, وهو منتف هنا.
[المعقود عليه وبيان مقدار الجزية]
الرابع: المعقود عليه, وأقل الجزية: دينار ذهب في كل سنة عن كل واحد ممن ذكر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم- أي: محتلم-ديناراً" رواه أبو داوود والترمذي والنسائي, وصححه ابن حبان والحاكم.
نعم؛ إن مضى حول, ولم يدفع الإمام عنهم ما يجب لهم بالعقد من الذب عنهم.. لم تجب جزية ذلك الحول؛ ذكره البغوي وغيره, وإذا عقدها بدينار.. فله أن يأخذ عنه عوضاً؛ كسائر الديون المستقرة؛ بشرط ألا ينقص عن قدر دينار؛ لأن الحق للمسلمين, وإنما امتنع عقدها بما قيمته دينار؛ لأنها قد تنقص عن دينار آخر المدة.
ويستحب للإمام مماكسة العاقد لنفسه, أو لموكله حتى يزيد على دينار, بل إن أمكنه أن يعقدها بأكثر من دينار.. لم يجز أن يعقد بدونه إلا لمصلحة.
ويسن أن يفاوت: فيأخذ من فقير ديناراً, ومن متوسط دينارين, ومن غني أربعة إذا أجابوا لذلك وقبلوه, فإن امتنعوا من الزيادة.. وجب قبول الدينار, ويعتبر الغنى وضده وقت الأخذ, لا وقت العقد, ويحتمل أن يكون ضابط الغني والمتوسط كما في النفقة, ويحتمل الرجوع فيه إلى العرف, وإن قال بعضهم: أنا فقير, أو متوسط.. قبل قوله, إلا أن تقوم بينة بخلافه.
وإذا عقدت بأكثر, ثم علموا جواز دينار.. لزمهم ما التزموه؛ كمن اشترى شيئاً بأكثر من ثمن مثله, فإن امتنعوا من أداء الزيادة.. فهم ناقضون؛ كما لو امتنعوا من أداء الجزية, وحينئذ يبلغون المأمن, فإن عادوا وطلبوا العقد بدينار.. لزمت إجابتهم, ومن تقطع جنونه قليلاً؛ كساعة من شهر.. لزمته, أو كثيراً كيوم ويوم.. لفقت الإفاقة, فإذا بلغت سنة.. وجبت.
ولو أسلم, أو مات, أو جن في أثناء سنة.. وجب قسط الماضي.
ولو اجتمع دين آدمي وجزية في تركة.. سوي بينهما, وتجب على زمن وشيخ هرم, وأعمى وراهب, وأجير وفقير عجز عن كسب, فإذا تمت سنة وهو معسر.. ففي ذمته حتى يوسر, وكذا حكم السنة الثانية فما بعدها.
ويستحب للإمام أو نائبه إذا أمكنه أن يشترط عليهم إذا صولحوا في بلدهم: ضيافة من يمر بهم من المسلمين زائداً على قدر أقل جزية على غنيهم ومتوسطهم لا فقيرهم؛ لأنها تتكرر فلا يتيسر للفقير القيام بها, والأصل في اشتراطها ما رواه البيهقي: (أنه عليه الصلاة والسلام صالح أهل أيلة على ثلاث مئة, وكانوا ثلاث مئة رجل, وعلى ضيافة من يمر بهم من المسلمين), وروى الشيخان: (الضيافة ثلاثة أيام), والطعام والأدم: كالخبز والسمن, والعلف: كالتبن والحشيش, ولا يحتاج إلى ذكر قدره, وإن ذكر الشعير.. بين قدره, وليكن المنزل بحيث يدفع الحر والبرد, ولا يخرجون أهل المنازل منها.
وتؤخذ الجزية برفق كأخذ الديون, ويكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم بما لا يعتقدونه, وبهذا فسر الأصحاب (الصغار) وتفسيره بغير ذلك مردود.
[مكان تقرير الجزية]
الخامس: المكان؛ وهو كون قراره غير الحجاز؛ وهو مكة والمدينة, واليمامة والطائف ووج الطائف, وما يضاف إلى ذلك, فيمنع كل كافر من الإقامة به ولو بطرقه الممتدة, روى البيهقي عن أبي عبيدة ابن الجراح: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم:: أخرجوا اليهود من الحجاز".
[ما يترتب على صحة عقد الجزية وبعض أحكام أهل الذمة]
ومتى صح العقد.. لزمنا الكف عنهم, وضمان ما نتلفه عليهم نفساً ومالاً, ودفع أهل الحرب عنهم إن لم يستوطنوا دار الحرب, ونمنعهم إحداث كنيسة وبيعة ببلد أحدثناه, أو أسلم أهله عليه, أو فتح عنوة أو صلحاً بشرط الأرض لنا.
ويلزمهم أن يلبسوا الغيار بكسر الغين المعجمة, أو يجعلوا فوق ثيابهم الزنار بضم الزاي؛ أي: سواء الرجال والنساء بدارنا وإن لم يشترط ذلك عليهم؛ للتمييز, ولأن عمر رضي الله تعالى عنه صالحهم على تغيير زيهم بمحضر من الصحابة؛ كما رواه البيهقي, وإنما لم يفعله
النبي صلى الله عليه وسلم بيهود المدينة, ونصارى نجران؛ لأنهم كانوا قليلين معروفين, فلما كثروا في زمن الصحابة.. احتاجوا إلى تمييز.
قال في "الروضة" و"أصلها": و (الغيار): أن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها بموضع لا تعتاد الخياطة عليه كالكتف, وإلقاء منديل ونحوه على الكتف كالخياطة, ثم الأولى باليهود العسلي وهو الأصفر, وبالنصارى الأزرق أو الأكهب؛ ويسمى الرمادي, وبالمجوس الأسود أو الأحمر.
و (الزنار): خيط غليظ تشد به أوساطهم خارج الثياب, وليس لهم إبداله بمنطقة ومنديل ونحوهما, قال الشيخ أبو حامد: ويجعل الزنار فوق إزار المرأة كالرجل, وفي "التهذيب" وغيره: تحته؛ لأنه استر, لكن لابد من ظهور شيء منه, وإذا خرجت بخف.. فليكن أحدهما بلون والآخر بآخر, وإن لبسوا قلانس.. ميزوها عن قلانسنا.
ويؤخذ من تعبير الناظم: بـ (أو) الاكتفاء بالغيار أو الزنار, وهو كذلك, فجمعهما المنقول عن عمر رضي الله تعالى عنه تأكيد, فإن انفردوا بمحلة.. فلهم تركه.
وإذا دخل حماماً فيه مسلمون متجرداً, أو تجرد عن ثيابه في غير حمام بين مسلمين.. جعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص, أو جلجلاً من حديد, أو طوقاً, ويلجأ إلى أضيق الطرق عند زحمة المسلمين فيه؛ بحيث لا يقع في وهدة, ولا يصدمه جدار, ولا يوقر ولا يصدر في مجلس فيه المسلمون, ويلزمهم أن يتركوا ركوب خيل حرب المسلمين حتى البراذين النفسية؛ لأن في ركوبنا إياها إرهاباً للأعداء وعزاً للمسلمين.
نعم؛ إن انفردوا ببلد, أو قرية في غير دارنا.. ففي تمكينهم من ركوبها وجهان, حكاهما الماوردي, قال الأذرعي: والأقرب إلى النص: عدم المنع, قال: لو استعنا بهم في حرب حيث يجوز.. فالظاهر تمكينهم من ركوبها زمن القتال.
وخرج بـ (الخيل): وغيرها؛ كالبغال والحمير, فلهم ركوبها بإكاف وركاب خشب لا حديد أو نحاس أو نحوه عرضاً؛ تمييزاً لهم عنا ليعطى كل حقه, ويمنع من تقليد السيف وحمل السلاح, ولجم الذهب والفضة.
قال ابن الصلاح: وينبغي منعهم من خدمة الملوك والأمراء؛ كما يمنعون من ركوب الخيل.
ويلزمون ألا يساووا جيرانهم المسلمين في ارتفاع بنائهم؛ بأن يكون أنزل منه؛ لخبر: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه", وليتميز البناءان, ولئلا يطلع على عورات المسلمين, ولا يؤثر فيه رضا جاره المسلم بعدم نزوله؛ لأن المنع لحق الدين المحض, لا لمحض حق الجار, سواء أكان بناء المسلم معتدلاً, أم في غاية الانخفاض, قال البلقيني: ومحل المنع إذا كان بناء المسلم مما يعتاد للسكنى, فلو كان قصيراً لا يعتاد فيها, لأنه لم يتم بناؤه, أو لأنه هدمه, أو انهدم إلى أن صار كذلك.. لم يمنع الذمي من بناء جداره على أقل ما يعتاد في السكنى؛ لئلا يتعطل عليه حقها الذي عطله المسلم باختياره, أو تعطل عليه لإعساره.
وخرج بـ (الجار): غيره؛ كأن انفردوا بمحل بطرف البلد منفصل عنها, فيجوز رفع البناء.
[ما ينقض عقد الذمة]
وانتقض العهد؛ أي: عقد الذمة بمنع أداء الجزية, قال في "الروضة" كـ"أصلها": هكذا قال الأصحاب, وخصه الإمام بالقادر, أما العاجز إذا استمهل.. فلا ينقض عهده بذلك, قال: ولا يبعد أخذها من الموسر قهراً, ولا ينتقض عهده, ويخص قولهم بالمتغلب المقاتل.
انتهى, وما ذكره الإمام مفهوم من تعبير الأصحاب بالمنع.
وبتمرد دفع به حكم الشرع؛ وهو الامتناع من الانقياد لحكامنا بالقوة والعدة, لا بالهرب من أداء الجزية, أو من الانقياد لحكم الشرع؛ كما صرح به الناظم؛ تبعاً للإمام والغزالي, وأطلق غيرهما ذلك, وهو ما في "المنهاج" وغيره, وسواء أشرط الانتقاض بذلك أم لا, ولهذا أطلق فيه, وقيد بالشرط فيما يأتي.
ووجه الانتقاض به: مخالفته لمقتضى العقد, ويؤخذ من ذلك انتقاض العقد بقتال المسلمين من باب أولى؛ لأن عقد الذمة؛ للكف عن القتال, فيناقضه القتال.
وينتقض العقد بالطعن في الإسلام؛ أي: أو القرآن, أو النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يعتقده؛ كنسبته إلى الزنا, أو الطعن في نسبه, بخلاف ما لو وصفه على وفق اعتقاده؛ كقوله: إنه ليس بنبي, أو أنه قتل اليهود بغير حق.. فلا ينتقض العقد بذلك وإن شرط الانتقاض به.
وينتقض العقد بفعل يضر المسلمين؛ كأن زنى بمسلمة, أو أصابها بنكاح, أو دل أهل الحرب على عورة المسلمين, أو فتن مسلماً عن دينه, أو دعاه إلى دينه, أو قطع عليه الطريق إن شرط ترك الطعن والفعل المذكور في العقد؛ أي: وشرط انتقاضه بفعل أحدهما, وإلا.. فلا ينتقض به.
وخرج بما ذكره: إسماعه المسلمين شركاً, وقولهم في عزير والمسيح, وإظهار الخمر والخنزير, والناقوس والعيد, فلا ينتقض العقد بها وإن شرط.
ومن انتقض عهده بقتال.. قتل, أو بغيره.. تخير الإمام فيه بين قتل ورق ومن وفداء؛ كما في الأسير الكامل, فإن أسلم قبل الاختيار.. امتنع.
والألف في قول الناظم: (تهودا) و (الغيارا) و (خيرا) و (أسرا) للإطلاق, وقوله: (النقض) مبتدأ مؤخر خبره قوله: (بالطعن) أي: والنقض حاصل أو يحصل بالطعن, وقوله: (شرط ترك) ببنائه للمفعول, وإدغام الطاء في التاء, و (ترك) مرفوع به.
باب الصيد والذبائح
جمع ذبيحة, والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وأحل لكم صيد البحر﴾, وقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾, وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (من سلم وذي كتاب حلا... ولا وثني والمجوس أصلا) (فالشرط فيما حللوا إن يقدر... عليه: قطع كل حلق ومري) (حيث الحياة مستقر الحكم... بجارح لا ظفر أو عظم) (وغير مقدور عليه صيدا... أو البعير ند أو تردى) (الجرح إن يزهق بغير عظم... أو جرحه أو موته بالغم) (إرسال كلب جارح أو غيره... من سبع معلم أو طيره) (يطيع غير مرة إذا ائتمر... ودون أكل ينتهي إن ينزجر) (وإنما يحل صيد أدركه... ميتاً أو المذبوح حال الحركه) (وسن أن يقطع الأوداج, كما... ينحر لبة البعير قائماً) (ووجه المذبوح نحو القبله... وقبل أن تصل قل: (باسم الله)) (وسم في أضحية وكبرا... وبالدعاء بالقبول فاجهرا) [ما يعتبر لحل الحيوان بالصيد والتذكية] يعتبر في حل الحيوان المأكول البري بالصيد والتذكية أمور: الأول: أن يكونا ممن تحل مناكحته؛ وهو المسلم والكتابي بشرطه السابق في (كتاب النكاح), قال تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾, وتحل ذكاة أمة كتابية وصيدها وإن لم تحل مناكحتها؛ إذ لا أثر للرق في الذبيحة, بخلاف المناكحة, ولا فرق في حل ذبيحة الكتابي بين ما اعتقدوا حله؛ كالبقر والغنم, وتحريمه؛ كالإبل, خلافاً لمالك رضي الله تعالى
عنه, ولا اعتبار بالصيد والتذكية من الوثني والمجوسي ونحوهما.
فلو شارك مجوسي مسلماً في ذبح, أو اصطياد قاتل؛ كأن أمرا سكيناً على حلق شاة, أو قتلا صيداً بسهم أو كلب.. حرم المذبوح والمصطاد؛ تغليباً للحرام.
لو أرسلا كلبين أو سهمين: فإن سبق آلة المسلم فقتل, أو أنهاه إلى حركة مذبوح.. حل, ولو انعكس, أو جرحاه معاً, أو جهل, أو مرتباً ولم يذفف أحدهما.. حرم؛ تغليباً للحرام.
ويعتبر في الذابح أيضاً: ألا يكون محرماً والمذبوح صيد, وفي الصائد أيضاً: أن يكون بصيرا, فيحرم صيد الأعمى برمي وكلب؛ لأنه ليس له قصد صحيح.
ويحل ذبح أعمى وصبي ولو غير مميز, ومجنون وسكران؛ لأن لهم قصداً وإرادة في الجملة.
وتحل ميتة السمك والجراد ولو صادها مجوسي, وكذا الدود المتولد من طعام؛ كخل وفاكهة إذا أكل معه ميتاً, ولا يقطع بعض سمكة حية, فإن فعل ذلك, أو بلع سمكة حية.. حل.
الثاني: يعتبر في حل الحيوان البري المقدور عليه: قطع كل الحلق؛ أي: الحلقوم: وهو مجرى التنفس, والمريء بالمد والهمز: وهو مجرى الطعام والشراب, فلو ترك شيئاً من الحلق أو المريء وإن قل, ومات الحيوان.. فهو حرام.
الثالث: كون القطع المذكور حال استقرار الحياة في المقطوع, إما قطعاً, وإما ظناً, ويحصل الظن بانفجار الدم وتدفقه, وبشدة الحركة بعد القطع, وبعلامات أخر؛ كصوت الحلق, وقوام الدم على طبيعته, وشرط الإمام اجتماع هذه الأمور, والأوجه: الاكتفاء بما يحصل به غلبة الظن منها, وهو ما صححه النووي في شدة الحركة, واقتضاه كلام الإمام فيها.
واعتبرت الحياة المستقرة؛ ليخرج ما إذا فقدت وكان فقدها بسبب من جرح, أو أنهدم سقف, أو أكل نبات ضار, أو نحوها؛ لوجود ما يحال عليه الهلاك, أما إذا كان لمرض.. فيحل مع فقدها.
الرابع: كون القطع بجارح؛ كحديد ونحاس, وذهب وفضة, ورصاص وخشب, وقصب وحجر وزجاج, لا ظفر أو عظم؛ لخبر "الصحيحين" عن رافع بن خديج قال: يا رسول الله؛ إنا لاقوا العدو غداً, ليس معنا مدى أفنذبح بالقصب؟ فقال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه.. فكلوه, ليس السن والظفر, وسأحدثكم عن ذلك, أما السن.. فعظم, وأما الظفر.. فمدى الحبشة", وألحق بهما باقي العظام.
ومعلوم مما سيأتي حل ما قتله الكلب أو نحوه بظفره أو نابه, فلا حاجة إلى استثنائه.
والنهي عن الذبح بالعظام قيل: تعبد؛ وبه قال ابن الصلاح, وقال النووي في "شرح مسلم": معناه: لا تذبحوا بها؛ لأنها تنجس بالدم, وقد نهيتم عن تنجيسها في الاستنجاء؛ لكونها زاد إخوانكم من الجن, ومعنى قوله: "وأما الظفر فمدى الحبشة": أنهم كفار, وقد نهيتم عن التشبيه بهم.
[ذكاة غير المقدور عليه]
وغير المقدور عليه من الحيوان حال كونه صيداً, أو البعير ند؛ أي: ذهب على وجهه شارداً, أو تردى في بئر أو نحوها وتعذر قطع حلقومه ومريئه.. تصير أعضاؤه كلها مذبحاً, ففي أي: عضو منه حصل الجرح.. أجزأ إذا أزهق الحياة المستقرة بجارح غير عظم وظفر كما علم مما مر؛ لقوله عليه السلام في بعير ند, فضربه رجل بسهم فحبسه الله: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش, فما غلبكم منها.. فاصنعوا به هكذا" رواه الشيخان.
[ذكاة الصيد]
وذكاة الصيد تحصل بجرحه؛ بإرسال نحو سهم, أو موته بالغم من الكلب, أو الطير, أو إرسال كلب جارح, أو غيره من جوارح السباع والطيور؛ ككلب وفهد, وباز وشاهين.
ويشترط كون الجارح معلماً؛ بأن يأتمر بأمر صاحبه؛ أي: يهيج بإغرائه, وينزجر بزجره ولو بعد شدة عدوه, ويمسك الصيد ليأخذه الصائد, ولا يأكل منه, يشترط تكرر هذه الأمور؛ بحيث يظن تأدب الجارحة, والرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح.
والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: 4], وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ثعلبة الخشني لما قال له: إني أصيد بكلبي المعلم وبغيره: «ما صدت بكلبك المعلم.. فاذكر اسم الله عليه وكل, وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته.. فكل» رواه الشيخان", وقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن أكل.. فلا تأكل, فإنما أمسكه على نفسه " رواه الشيخان".
ولا يحل المتردي بإرسال الكلب أو نحوه في الأصح وإن اقتضى كلام الناظم خلافه, وفارق إرسال السهم بأن الحديد يستباح به الذبح مع القدرة, بخلاف عقر الكلب.
قال الإمام: ولا مطمع في انزجار جارحة الطير بعد الطيران, بخلاف جارحة السباع؛ نقل ذلك عنه في (الروضة» كل أصلها), واقتضاه كلام «المنهاج» كـ «أصله», لكن نص في «الأم» على اشتراط ذلك فيها أيضاً, قال البلقيني: ولم يخالفه أحد من الأصحاب, وقد اعتبره في «البسيط», ثم ذكر مقالة الإمام بلفظ: (قيل).
ولو ظهر كونه معلماً, ثم أرسله على صيد فأكل منه عقب إمساكه, أو صار يقاتل دونه.. لم يحل ذلك الصيد, فيشترط تعليم جديد.
وإنما يحل الصيد إذا أدركه ميتاً بسبب الجرح المزهق, أو بغم الجارحة, أو أدركه في حال حركة المذبوح, أو أدركه وفيه حياة مستقرة وتعذر ذبحه بلا تقصير منه؛ كأن سل السكين فمات قبل إمكان ذبحه, أو اشتغل بطلب المذبح, أو بتوجيهه للقبلة, أو وقع منكساً فاحتاج إلى قلبه ليقدر على الذبح, أو حال بينهما سبع, أو امتنع منه بقوته ومات قبل القدرة عليه.
ولو شك في التمكن من ذكاته.. حل في الأظهر, وإن مات لتقصيره؛ كأن لا يكون معه سكين, آو غصبت, أو نشبت في الغمد... حرم.
[ما يستحب في الذبح]
وسن أن يقطع الذابح الأوداج: جمع ودج بفتح الواو والدال, وليس في كل حيوان غير ودجين, وهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم, وقيل: بالمريء, فلو لم يقطعهما
الذابح.. حل, وينحر لبة الإبل, ويذبح حلق البقر والغنم؛ للاتباع, رواه الشيخان, ولطول عنق الإبل فيكون أسرع لخروج روحها, ولو عكس فقطع حلقوم الإبل ولبة غيرها.. لم يكره؛ إذ لم يرد فيه نهي.
وقضية كلام الناظم: أن جميع ما عدا الإبل يخالفها فيما ذكر, وقضية التعليل السابق: أن
ما طال عنقه كالنعام والكركي.. مثلها.
و(اللبة) بفتح اللام: من أسفل العنق.
ويندب أن يكون البعير قائماً على ثلاث معقول الركبة اليسرى, وإلا.. فباركاً, وأن تكون البقرة والشاة مضجعة لجنبها الأيسر, وتترك رجلها اليمنى لتستريح بتحريكها, وتشد باقي القوائم؛ لئلا تضطرب حال الذبح فيزل الذابح.
ويندب توجيه مذبح المذبوح للقبلة؛ لأنها أشرف الجهات, ويسن أن يقول عند الذبح: (باسم الله), ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم, ولا يجوز أن يقول: (باسم الله واسم محمد) لإيهامه التشريك, ودليل الإضجاع والتوجيه والتسمية؛ الاتباع في أحاديث الشيخين وغيرهما في الأضحية بالضأن", وإلحاق غير ذلك به.
ويفهم من توجيه المذبوح للقبلة: توجه الذابح لها, وسن الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم في حالة الذبح كغيرها؛ نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه.
ويسن في الأضحية خاصة أن يسمي الله تعالى عند ذبحها, ويكبر بعدها؛ لأنها أيام تكبير, ويجهر بالدعاء بالقبول فيقول: (اللهم؛ منك وإليك فتقبل), ولو قال: (كما تقبلت من إبراهيم خليلك ومحمد عبدك ورسولك صلى الله عليهما وسلم).. لم يكره, ولم يسن.
وقول الناظم: (الاوداج) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن الصحيح قبلها, (تصل) بحذف الياء, وفي نسخة بدلها (تصيد), والألف في قوله: (حلاً) للإطلاق, وفي قوله: (كبرا) و (فاجهرا) بدل من نون التوكيد.
باب الأضحية
بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياء وتشديدها, ويقال: ضحية بفتح الضاد وكسرها, ويقال: أضحاة بفتح الهمزة وكسرها, وهي ما يذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق كما سيأتي.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] أي: صل صلاة العيد وانحر النسك, وخبر مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين, ذبحهما بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم, وسمى وكبر, ووضع رجله على صفاحهما).
وليست التضحية واجبة؛ لما روى البيهقي وغيره بإسناد حسن: أن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يرى الناس ذلك واجباً، بل هي سنة كفاية تتأدى بفعل واحد من أهل البيت لها, ويكره تركها, وانما تسن لمسلم قادر حر كله أو بعضه, وأمّا المكاتب.. فهي منه تبرع, فيجري فيها ما يجري في سائر تبرعاته.
(وَوَقْتُهَا قَدْرُ صلاةِ ركعَتَيْنْ... مِنَ الطُّلُوعِ تَنْقَضِي وخُطْبَتَيْنْ)
(وسُنَّ مِنَ بعدِ ارتفاعِهَا إلى... ثلاثةِ التَّشرِيقِ أَنْ تُكَمَّلا)
(عَن واحِدٍ ضَأْنٌ لَهُ حَوْلٌ كَمَلْ... أوْ مَعَزٌ في ثالثِ الحَوْلِ دَخَلْ)
(كَبَقَرٍ لَكِنْ عنِ السبعِ كَفَتْ... وإِبِلٍ خَمْسَ سنينَ اسْتَكْمَلَتْ)
(ولَمْ تَجُزْ بَيِّنَةُ الهُزَالِ... ومَرَضٍ وعَرَجٍ في الحالِ)
(وناقِصُ الجُزْءِ كبعضِ أُذْنِ... أَوْ ذَنَبٍ كَعَوَرٍ في العَيْنِ)
(أو العَمَى أو قَطْعِ بعضِ الأَلْيَةِ... وجازَ نَقْصُ قَرْنِهَا والخُصْيَةِ)
(والفَرْضُ بعضُ الَّلحمِ لَوْ بِنَزْرِ... وكُلْ مِنَ المندُوبِ دونَ النَّذْرِ)
فيها أربع مسائل:
[وقت الأضحية]
الأولى: يدخل وقت التضحية بمضي قدر ركعتين, وخطبتين خفيفات بعد طلوع الشمس يوم النحر, وتأخيرها إلى ارتفاعها كرمح أفضل, ويبقى حتى تغرب شمس آخر أيام التشريق الثلاثة, سواء الليل والنهار, ولكن يكره الذبح ليلاً؛ لأنه قد يخطئ المذبح, ولأن الفقراء.. لا يحضرون فيه حضورهم بالنهار.
فلو ذبح قبل ذلك, أو بعده.. لم تقع أضحية؛ لخبر «الصحيحين»: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا: نصلي, ثم نرجع فننحر, من فعل ذلك.. فقد أصاب سنتنا, ومن ذبح قبل.. فإنما هو لحم قدمه لأهله, ليس من النسك في شيء», ولخبر ابن حبان: «في كل أيام التشريق ذبح».
نعم؛ إن لم يذبح الواجب حتى فات الوقت.. ذبحه بعده قضاء.
[ما يجزئ في الأضحية]
الثانية: تجزئ الشاة عن واحد, فإن كان له أهل بيت.. حصلت السنة لجميعهم, وهي جذع ضأن له سنة وطعن في الثانية, أو أجذع قبلها, أو ثني معز له سنتان وطعن في الثالثة, سواءً فيما ذكر الذكر والأنثى, ولا يجزئ من البقر إلا ما استكمل سنتين وشرع في الثالثة, ولا من الإبل إلا الثني أيضاً وهو ما استكمل خمس سنين وشرع في السادسة.
ويجزئ الثني من الإبل والبقر عن سبعة من الأشخاص؛ وإن كان لكل واحد منهم أهل بيت، أو لم يرد التضحية، وإجزاء كل منهما عن السبعة مقيس على ما في خبر مسلم عن جابر: (نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) أي: في التحلل للإحصار عن العمرة, و (البدنة): الواحد من الإبل ذكراً كان أو أنثى, فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن, والثني من غيرها؛ لخبر أحمد: «ضحوا بالجذع من الضأن فإنه جائز» ولابن ماجه نحوه، وروى الشيخان قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة في التضحية بجذعة
المعز: «ولن تجزئ عن أحد بعدك» أي: وإنما يجزئ الثني والثنية, ويقاس بالمعز البقر والإبل.
وأفضلها: سبع شياه, ثم بعير, ثم بقرة, ثم ضأن, وشاة أفضل من مشاركة بقدرها في بدنة أو بقرة؛ للانفراد بإراقة الدم.
[شرط إجزاء الأضحية]
الثالثة: شرط إجزاء الأضحية: سلامتها من عيب ينقص لحماً, فلا تجزئ بينة الهزال, وهي التي ذهب مخها من شدة هزالها, وبينة مرضي, وبينة عرج بحيث تسبقها الماشية إلى الكلأ الطيب.
وقوله: (في الحال) تصريح بأن العبرة بالعيب الموجود عند الذبح, حتى لو كانت سليمة، فاضطربت عند إضجاعها للذبح فعرجت عرجاً بيناً.. لم تجزئ على الأصح, واختار السبكي إجزاءها، وبينة عور كالعمى، ولا يضر يسيرها، بخلاف يسير الجرب؛ لأنه يفسد اللحم والودك، وفي السنن الأربعة وغيرها خبر: «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها, والمريضة البين مرضها, والعرجاء البين عرجها, والعجفاء» وصححه ابن حبان وغيره».
ولا يجزئ ناقص الجزء ولو فلقة يسيرة من أذن, أو ذنب أو ألية, أو ضرع أو غيرها؛ لذهاب جزء مأكول منه.
نعم؛ لا يضر فلقة لحم يسيرة من عضو كبير كفخذ؛ لأن ذلك لا يظهر, ذكره في
«الروضة» و «أصلها».
وتجزئ المخلوقة بلا ضرع وألية؛ كما يجزئ ذكر المعز, بخلاف المخلوق بلا أذنٍ؛ لأن الأذن عضو لازم غالباً قال في «الروضة» كـ «أصلها»: والذنب كالألبة.
وجاز نقص قرنها والخصية فلا يضر فواتهما؛ لأن الخصى يزيد اللحم طيباً وكثرة, والقرون لا يتعلق بها كبير غرضٍ وإن كانت ذات القرون أفضل من غيرها.
نعم؛ إن انكسر القرن وآثار انكساره في اللحم.. ضر؛ كما نقل الشيخان عن
القفال, قالا: وتجزئ العشواء؛ وهي التي لا تبصر ليلاً, والعمشاء؛ وهي ضعيفة البصر مع سيلان الدمع, وذات كي وصغر أذن, والتي ذهب بعض أسنانها.
[التصدق ببعض الأضحية المتطوع بها]
الرابعة: الغرض في الأضحية المتطوع بها: التصدق ببعض لحمها ولو بنزر قليل منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28], ولأنها شرعت إرفاقاً بالمساكين, ولا يحصل ذلك بمجرد إراقة الدم.
والمراد بالتصدق: تمليك الفقير المسلم الشامل للمسكين؛ ولو واحداً حراً أو مكاتباً, شيئاً من لحمها نيئاً؛ ليتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره كما في الكفارات, فلا يكفي جعله طعاماً ودعاء الفقير إليه؛ لأن حقه في تملكه لا في أكله, ولا تمليكه له مطبوخاً, ولا تمليكه غير اللحم؛ من جلد وكرش وكبد وطحال وعظم ونحوها, وشبه المطبوخ هنا بالخبز في الفطرة, فلو أكل الكل.. ضمن ذلك البعض؛ وهو القدر الذي كان يجوز له الاقتصار على التصدق به ابتداء.
ومؤنة الذبح على المضحي كمؤنة الحصاد, فلا يعطي الجزار منها شيئاً، وله إطعام الأغنياء منها لا تمليكهم, ويأكل ثلثاً ويتصدق بالباقي, والأفضل التصدق بكلها إلأ لقماً يتبرك بأكلها, فإنها مسنونة, روى البيهقي: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل من كبد أضحيته), ويتصدق بجلدها, أو ينتفع به في استعماله, وله إعارته دون بيعه وإجارته.
ويحرم عليه أن يأكل شيئاً من المنذور؛ يعني: الواجب بنذر أو غيره كما في الكفارة, سواء وجب بالتزام كالواجب بالنذر, أم بغيره كدم القران والتمتع, فلو أكل منه شيئاً.. غرم قيمة اللحم؛ كما لو أتلفه غيره, هذا ما ذكره الشيخان", وهو مبني على أن اللحم متقوم, والأصح: أنه مثلي فيجب عليه مثل ما أكله.
والألف في قول الناظم: (يكملا) للإطلاق.
بابُ العقيقة
من عق يعُق بكسر العين وضمها, وهي لغة: الشعر الذي على رأس المولود, وشرعاً: ما يذبح عند حلق شعره, وهي كالأضحية في جنسها وسنيتها, وسنها, وسلامتها, والأفضل منها, والأكل, والتصدق والإهداء, وامتناع بيعها, وتعينها إذا عينت, واعتبار النية وغير ذلك, لكن لا يجب التمليك من لحمها نيئاً كما سيأتى, ويندب أن يعطى رجلها للقابلة.
ووقتها: من حين ولادة الولد إلى بلوغه, فلا تجزئ قبلها, وتأخيرها عن بلوغه يسقط بعد النبوة, رواه أحمد.
ولو مات الولد قبل السابع.. لم يبطل الاستحباب, والعاق عنه: من تلزمه نفقته بتقدير عسره, وعقه صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين مؤول بأنه أمر أباهما به, أو أعطاه ما عق به عنهما, أو أن أبويهما كانا معسرين فيكونان فى نفقة جدهما.
ولا يعق العاق عنه من ماله, قال الرافعي: فإن كان معسراً عند الولادة, وأيسر فى السبعة.. خوطب بها, أو بعد مدة النفاس.. فلا, أو بينهما.. فاحتمالان؛ لبقاء أثر الولادة, ومقتضى كلام «الأنوار» ترجيح مخاطبته بها.
(تُسَنُّ في سابِعِهِ واسْمٌ حَسَنْ... وحَلْقُ شَعْرٍ والأذَانُ في الأُذُنْ)
(والشَّاةُ للأُنْثَى وللغُلامِ... شاتانِ دونَ الكَسْرِ للعِظَامِ)
أي: تسن العقيقة يوم سابع ولادته, فهو أفضل من غيره, ويحسب منها يوم ولادته, ويسن ذبحها في صدر النهار عند طلوع الشمس, وأن يقول عند ذبحها: (باسم الله والله أكبر, اللهم؛ لك وإليك, اللهم؛ عقيقة فلان).
والأفضل: أن يسميه يوم سابع ولادته ولو سقطاً أو ميتاً, وتسميته باسم حسن كعبد الله وعبد الرحمن, وتكره باسم قبيح وما يتطير بنفيه؛ كنافع ويسار وأفلح ونجيح وبركة؛ للنهي عنه في «مسلم»، قال في «المجموع»: وبست الناس أو العلماء ونحوه أشد كراهة.
وحلق شعره فيه ذكراً كان أو أنثى أو خنثى, ويستحب أن يكون الحلق بعد الذبح على الأصح كما في الحاج, والتصدق بزنته من ذهب أو فضة, والأذان في أذنه اليمنى, والإقامة في أذنه اليسرى, ويحنك بتمر, فان لم يكن.. فبحلو.
والأصل فيها: أخبار؛ كخبر: «الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع, ويحلق رأسه ويسمى ", وكخبر: (أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتسمية المولود عند يوم سابعه, ووضع الأذى عنه والعق) رواهما الترمذي, وقال في الأول: حسن صحيح، وفي الثاني: حسن, والمعنى فيه: إظهار البشر والنعمة, ونشر النسب.
ومنع من وجوبها خبر أبي داوود: «من أحب أن ينسك عن ولده.. فليفعل ", وخبر أبي داوود بإسناد جيد: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم, فأحسنوا أسماءكم ", وخبر مسلم: «أحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن», زاد أبو داوود: «وأصدقها: حارث وهمام, وأقبحها: حرب ومرة», وخبر الحاكم وصححه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة فقال: «زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة, وأعطي القابلة رجل العقيقة» رواه الحاكم وصححه, وقيس بالفضة الذهب, وبالذكر الأنثى.
والشاة للأنثى, قال الإسنوي: والمتجه: أن الخنثى مثلها فهى أحب من شرك فى بدنة أو
بقرة، فيجزئ سبع إحداهما؛ كما بحثه الرافعي, وجزم به النووي في «مجموعه».
وللغلام شاتان؛ أي: أحب من شاة, ومن شِرك في بدنة أو بقرة وإن تأدى بذلك أصل السنة؛ لما روى الترمذي وقال: حسن صحيح عن عائشة: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام بشاتين, وعن الجارية بشاة).
ويسن طبخها بحلو: تفاؤلاً بحلاوة أخلاق الولد, وألا يتصدق به نيّاً، ولا يكسر عظم من العقيقة ما أمكن؛ تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود, فلو كسره.. لم يكره.
بابُ الأَطِعمة
أي: حلها وتحريمها, قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] الآية, وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157], وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] أي: ما تستطيبه النفس وتشتهيه, ولا يجوز أن يراد الحلال؛ لأنهم سألوه عما يحل لهم, فكيف يقول: أحل لكم الحلال؟ ! وقد أشار الناظم إلى بيان شيء منها فقال:
(يَحِلُّ مِنها طاهِرٌ لِمْن مَلَكْ... كَمَيْتَةٍ مِن الجَرَادِ والسَّمَكْ)
(وما بِمَخْلَبٍ ونابٍ يَقْوَى... يَحْرُمُ كالتِّمسَاحِ وابْنِ آوَى)
(أو نَصِّ تَحْرِيمٍ بِهِ أو يَقْرُبُ... مِنهُ كَذَا ما استخبثته العَرَبُ)
(لا ما اسْتَطَابَتْهُ وللمُضْطَرِّ حَلْ... مِنْ مَيْتَةٍ ما سَدَّ قُوَّةَ العَمَلْ)
فيها ثلاث مسائل:
[بيان ما يحل من الأطعمة]
الأولى: يحل من الأطعمة طعام طاهر لمن ملكه, سواء أكان جماداً أم حيواناً, سمكاً أو حيوان بر مذكى؛ لأنه من الطيبات, بخلاف غير الطعام؛ كزجاج وحجر وثوب, ومخاط وبصاق, وبخلاف النجس؛ كدقيق عجن بماء نجس وخبز.
نعم؛ دود الفاكهة والجبن والخل ونحوها, يحل أكله معها وإن مات فيها لا منفرداً، والطعام الطاهر كميتة من الجراد والسمك؛ وهو ما يعيش في البحر, وإذا خرج منه.. كان عيشه عيش مذبوح وإن كان نظيره في البر محرماً ككلب؛ وذلك لخبر: «أحلت لنا ميتتان», ولقوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ» [المائدة: 96], ولخبر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».
قال في "الروضة" و"أصلها": ويكره ذبح السمك، إلا كبيراً يطول بقاؤه، فبسن ذبحه إراحة له.
ومذكى البر: ما يستطاب ولو ذبح لغير مأكلة مع الجنين الذي وجد ميتاً في بطنه، أو خرج متحركاً حركة مذبوح، سواء أشعر أم لا إذا ظهرت صورة الحيوان فيه، وفي "الروضة" و"أصلها" عن الجويني: لو بقي الولد بعد الذبح زمناً طويلاً، يتحرك في البطن، ثم سكن.. حرم ولو خرج رأسه، وبه حيتة مستقرة.
قال البغوي تبعاً للقاضي: لا يحل إلا بذبجه، وقال القفال: يحل، وصححه النووي.
ويحل العضو الأشل من المذكى.
والذي يحل من حيوان البر: كضبع وأرنب، وفنك ودلق، وثعلب وقاقم، وأم حبين وحوصل، وزاغ وبربوع، ووبر ودلدل، وبنت عرس وقنفذ، وضب وكركي، وإوز ودجاج، وكل طير ذي طوق؛ كزرزور وعصفور، وصعوة ونغر، وعندليب وبط، وسمور وسنجاب، وظبي ونعام وبقر وحش وحماره، فتحل كلها؛ لأنها من الطيبات.
[ما يحرم من الحيوان]
الثانية: يحرم من الحيوان ما يتقوى بمخلبه – بكسر الميم – من الطير؛ كالباز والصقر والشاهين؛ والنسر والعقاب، ونحوها من جوارح الطير، أو يتقوى بنابه؛ كالتمساح وابن آوى بالمد بعد الهمزة؛ وهو فوق الكلب، طويل المخالب والأظفار، فيه شبه من الذئب، وشبه من الثعلب والأسد.
وخرج بقوله: (يقوى) به: ما نابه ضعيف كضبع وثعلب.
ويحرم أيضاً ما لم سم وإن لم يكن له ناب كحية، أو له إبرة كعقرب وزنبور؛ لضررها، وما أمر الناس بقتله، أو نهوا عن قتله، فالأول كالحدأة والفأرة، والغراب الأبقع والأسود
المسمى بالغداف الكبير، والعقعق والوزغ، والثاني كالخطاف والصرد، والهدهد والبغائة، والببغاء والبوم، واللقلق والنمل السليماني، والنحل والضفدع؛ لسقوط حرمته بذلك، وإلا.. لجاز اقتناء الأول، وذبح الثاني للأكل.
أو نص الكتاب أو السنة على تحريمه؛ كخبر أبي داوود بإسناد على شرط مسلم: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل)، أو يقرب منه كالمتولد من الحمر الأهلية وغيرها.
والمتولد من شيء له حكمة في التحريم، والمتولد من مأكول وغيره.. حرام.
وكذا يحرم ما اتسخبثته العرب – بضم العين، وإسكان الراء، وبفتحهما – مما لا نص فيه، في الحالة الرفاهية إذا كانوا أهل يسار وطباع سليمة، وإنما اعتبر بهم؛ لأنهم المخاطبون أولاً، ولأن الدين عربي، والنبي صلى الله عليه وسلم عربي.
واحترزوا بحال الرفاهية عن حال الضرورة، وبالطبع السليم عن طبع أهل البوادي؛ الذين يتناولون ما دب ودرج، ويعتبر أيضاً ألا تغلب عليهم العيانة الناشئة من التنعم.
قال الرافعي: وذكر جماعة أن العبرة بالعرب الذي كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم"؛ لأن الخطاب لهم، ثم قال: ويشبه أن يرجع في كل زمن إلى عربه، وما قاله أولا.. هو منصوص الشافعي رضي الله تعالى عنه، ومراده بما قاله ثانياً: أن يرجع في كل زمن إلى عربه فيما لم يسبق فيه كلام العرب الذين كانوا العرب الذين كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك قد عرف حاله، واستقر أمره.
والمستخبث لكم كالحشرات، وهي صغار دواب الأرض؛ كالذباب والنمل والنحل، والضفدع يكسر الضاد والدال على الأشهر، والسرطان والسلحفاة بضم السين وفتح اللام.
ولو جهل اسم حيوان.. سئل العرب عنه، وعمل بتسميتهم له، فإن سموه باسم حيوان حلال.. حل، أو حرام.. حرم، فإن اختلفوا.. اتبع الأكثر، فإن استويا.. فقريش؛ لأنهم قطب العرب، فإن اختلفوا ولا ترجيح أو شكوا، أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب، أو لم يكن له عند الجميع اسم.. اعتبر بالأشبه به صورة أو طبعاً أو طعماً، فإن لم يكن له شبه، أو
تعادل الشبهان.. فالأصح في "أصل الروضة" و"المجموع": الحل؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿قل لا أجد ما أوحى إلى محرما على طاعم﴾ الآية [الأنعام: 145]، والظاهر الاكتفاء يخبر عدلين منهم؛ كما في جزاء الصيد.
[حل الميتة للمضطر]
[الثالثة]: ويحل للمضطر المعصوم – أي: يلزمه – الأكل من ميتة؛ كلحم خنزير ما يسد رمقه؛ وهو: القوة على العمل إذا لم يجد حلالاً يأكله، وخاف على نفسه موتاً، أو مرضاً مخوفاً، أو أجهده الجوع، وعيل صبره، أو جوز تلف نفسه وسلامتها على السواء، أو نحو ذلك، قال تعالى: ﴿فن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ [النحل: 115] أي: سد الجوعة ﴿فلا إثم﴾ [البقرة: 173].
واستثنى قتل طفل أهل الخرب، ومجنونهم ورقيقهم وخنثاهم وأنثاهم؛ ليأكلهم إذا لم بجد غيرهم، وامتناع قتلهم في غير حال الضرروة؛ لحق الغانمين لا لعصمتهم، وله قتل الحربي والمرتد، وتارك الصلاة، والزاني المحصن، ولو بغير إذن الإمام، وإنما اعتبر إذنه في غير حال الضرورة؛ تأدباً معه، وحال الضرورة ليس فيها رعاية إذن الإمام، وإنما اعتبر إذنه في غير حال الضرورة؛ تأدباً معه، وحال الضرورة ليس فيها رعاية أدب، فلو لم يجد إلا آدمياً معصوماً ميتاً.. حل أكله؛ لأن حرمة الحي أعظم، إلا إذا كان الميت نبياً.. فلا يباح؛ كما قاله المروذى، وكذا إذا كان مسلماً والمضطر ذمياً على القياس في "الروضة".
وإذا أبحنا ميتة الآدمي المعصوم.. فال الماوردي: يحرم طبخه وشيه؛ لما فيه من هتك حرمته مع اندفاع الضرر بدونه، ويتخير في غيره، وله قطع بعضه لأكله إن فقد الميتة ونحوها، وكان الخوف في قطعه أقل من الخوف في ترك الأكل، ويحرم قطعه لغيره، وقطعه من معصوم لنفسه.
ولو وجد طعام غائب.. أكل منه ما يسد رمقه، وغرم قيمته، أو حاضر مضطر.. لم يلزمه بذله إن لم يفضل عنه، فإن آثر مسلماً.. جاز بخلاف الكافر، وإن كان ذمياً أو غير مضطر..
لزمه إطعام مسلم أو ذمي أو نحوه، فإن منع.. فللمضطر قهره وأخذ الطعام، وإن قتله.. فلا شيء في قتله، إلا إن كان مسلماً والمضطر غير مسلم، ثم المقهور عليه ما يسد الرمق.
وإنما يلزمه بعوض ناجز إلا حضر وإلا.. فبنسيئة، ولا يلزمه بلا عوض؛ فلو أطعمه ولو يذكر عوضاً.. فالأصح: لا عوض؛ حملاً على المسامحة المعتادة في الطعام، سيما في حق المضطر، ولو وجد مضطر ميتة وطعام غائب، أو محرم ميتة وصيداً.. أكلها، وإنما يجب عليه شراء الطعام بثمن مثله، أو بزيادة يتغابن بمثلها.
وقول الناظم: (سد) بالسين المهملة أو المعجمة، وقال الطبري في "شرح التنبيه": إعحامها أنسب من إهمالها.
باب المسابقة على الخيل والسهام ونحوهما
فالمسابقة تعم المناضلة، وهي سنة إذا قصد بها التأهل للجهاد.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: 60] الآية، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة فيها بالرمي؛ كما رواه مسلم ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق) قال سفيان: (من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل)، وخبر أنس: كانت العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن حقاً على الله تعالى ألا يرفع شيئاً من هذه الدنيا إلا وضعه"، وخبر سلمة بن الأكوع: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون فقال: "ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان رامياً" رواه البخاري، وخبر: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" رواه الأربعة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، يروى: (سبق) بسكون الموحدة مصدراً، وبفتحها؛ وهو المال الذي يدفع إلى السابق.
قال المزني: وهذا الباب لم يسبق الشافعي إلى تصنيفه.
(تصح في الدواب والشهام... إن علمت مسافة المرامي)
(وصفة الرمي، سوا يظهر... المال شخص منهما أو آخر)
(إن أخرجا فهو قمار منهما... إلا إذا محلل بينهما)
(ما تحته كفء لما تحتهما... يغنم إن يسبقهما لم يغرما)
[ما تصح المسابقة عليه]
أي: تصح المسابقة على جنس من الدواب؛ كالخيل وهي الأصل؛ لأنها تصلح للكر والفر بصفة الكمال، ويلحق بها الغيل والإبل والحمار؛ كالخيل التي لم يسهم لها، ولا تصح على الطير كمسابقة الحمام، ولا على الصراع، وتصح المسابقة على السهام بأنواعها، سواء فيها السهام العربية وهي النبل، والعجمية وهي النشاب، والمسلات والإبر؛ كما جزم به في "أصل الروضة"، وكذا مزاريق ورماح، ورمي بأحجار باليد، وبالمقلاع ومنجنيق، وكل نافع في الحرب غير ما ذكر، لا علة صولجان وبندق، وسباحة وشطرنج وخاتم، ووقوف على رجل، ومعرفة ما بيده من الفرد والزوج؛ لأن هذه الأمور لا تنفع في الحرب.
[شروط صحة المسابقة]
وتصح على ما ذكر إن علمت مسافة الرمي بالذرعان، أو بالمشاهدة وهي الموضوع الذي يبدئان منه، والغاية التي ينتهيان إليها، ولو كان فيها عادة غالبة.. نزل العقد عليها، وقد الغرض طولاً وعرضاً، إلا أن يعقد بموضع فيه غرض معلوم.. فيحمل المطلق عليه.
ويشترط تساويهما في الموقف والغاية، فلو شرط تقدم موقف أحدهما أو غايته.. لم يصح، ولا بد من إمكان سبق كل منهما؛ ليحصل غرض العقد، وتعيين المركوبين بالمشاهدة أو الوصف، والاستباق عليهما، وأن يمكنهما قطع المسافة، ولا يشترط بيان صفة الرمي من كونه مبادرة؛ بأن يبدر أحدهما بإصابة العدد المشروط، أو محاطة بأن تقابل إصابتهما، ويطرح المشترك، فمن زاد بعدد كذا.. استحق المال المشروط، والإطلاق محمول على المبادرة؛ لأنها الغالب.
ويتشرط بيان عدد نوب الرمي وعدد الإصابة، فإن بينا صفة الرمي في الإصابة من قرع؛ وهو إصابة الشن لا خدش له، أو خزق بالمعجمة والزاي؛ وهو أن يثقبه ولا يثبت فيه، أو خسق وهو أن يثبت فيه، أو مرق وهو أن ينفذ من الجانب الآخر.. اتبع، وإن أطلقا.. اقتضى القرع؛ لأنه المتعارف.
وسواء في صحة المسابقة على ما ذكر أظهر المال المعلوم الجنس والقدر والصفة أحد المتعاقدين؛ كقوله: (إن سبقتني.. فلك علي كذا، وإن سبقتك.. أحرزت مالي، ولا شيء