هي: تمييز الحصص بعضها عن بعض، والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى ﴿وإذا حضر القسمة﴾ الآية، وخبر: "الشفة فيما لم يقسم"، (وكان صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم بين أربابها) رواه الشيخان، والحاجة داعية إليها، فقد يتبرم الشريك من المشاركة، ويقصد الاستبداد بالتصرف.
(يجبر حاكم عليها الممتنع... في متشابه وتعديل شرع) (إن لم يضر طالباً للقسمة... وقسم رد بالرضا والقرعة) (وينصب الحاكم حرا ذكرا... كلف عدلاً في الحساب مهرا) (ويشرط اثنان إذا يقوم... وحيث لا تقويم فرد يقسم)
الأعيان المشتركة قسما:
[قسمة ما يعظم الضرر بقسمته]
أحدهما: ما يعظم الضر في قسمته؛ كجوهرة وثوب نفيسين، وزوجي خف، إن طلب الشركاء كلهم قسمته.. لم يجبهم القاضي، ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته؛ كسيف يكسر، بخلاف ما تبطل منفعته.. فإنه يمنعهم؛ لأنه سفه، وما يبطل نفعه بالمقصود؛ كحمام وطاحونة صغيرين.. لا يُجاب طالب قسمته، ولم يجبر عليها الآخر؛ لوجود الضرر.
[قسمة ما لا يعظم الضرر بقسمته]
وما لا يعظم ضرره.. قسمته أنواع ثلاثة:
[قسمة الإفراز]
أحدها: قسمة المتشابهات بالأجزاء؛ كمثلي من حبوب ودراهم وأدهان ونحوها، ودار متفقة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فتعدل السهام كيلاً في المكيل، أو وزناً في الموزون،
أو ذرعاً في المذروع بعدد الأنصباء إن استوت؛ كأثلاث لزيد وعمرو وبكر، ويكتب في كل رقعة اسم ريك، أو جزء مميز بحد أو جهة، وتدرج في بنادق، ثم تجعل الرقاع في حجر من لم يحضرها حين الكتابة والإدراك، ثم يخرج رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء، فيعطي لمن خرج اسمه، أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء، فيعطي ذلك الجزء، ويفعل ذلك في الرقعة الثانية فيخرجها على الجزء الثاني، أو على اسم عمرو، ويتعين الثالث للباقي إن كانت أثلاثاً.
وتعيين من يبتدئ به من الشركاء والأجزاء منوط بنظر القاسم، فإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس في أرض.. جزئت الأرض على أقل السهام وهو السدس، فتكون ستة أجزاء، وقسمت كما سبق، ويحترز عن تفريق حصة واحد، وهو في غي الأقل في كتابة الأجزاء في ست رقاع إذا بدئ بصاحب السدس، وخرج على اسمه الجزء الثاني أو الخامس، فنتفرق حصة غيره، فيبدأ بمن له النصف مثلاً، فإن خرج على اسمه الجزء الأول أو الثاني.. أعطيهما والثالث، ويثني بصاحب الثلث، فإن خرج على اسمه الجزء الرابع.. أعطيه والخامس، وتعيين السادس لصاحب السدس.
وفي كتابة الأسماء زيد وعمرو وبكر في ثلاث رقاع أو ست، إن خرج اسم بكر صاحب السدس على الجزء الأول.. أخذه، وإن خرج على الثاني اسم عمرو صاحب الثلث.. أخذه مع الثالث، وتعينت الثلاثة الباقية لزيد صاحب النصف، ولا يخفى الحكم لو خج اسم زيد قبل عمرو، أو اسم أحدهما أولاً وتوسط بينهما اسم بكر، ولا تفريق لحصتهما في ذلك.
[قسمة التعديل]
ثانيها: قسمة التعديل؛ بأن تعدل السهام بالقيمة؛ كأرضٍ تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إثبات وقرب ماء، فإذا كانت لاثنين نصفين وقيمة ثلثها المشتمل على ما ذكر كقيمة ثلثيها الخالي عن ذلك.. جعل الثلث سهماً والثلثان سهماً، وأقرع بكتابة الاسمين أو الجزأين نحو ما تقدم، فمن خرج له جزء.. أخذه.
ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين لاثنين بالسوية فطلب جعل كل منهما لواحدٍ.. فلا إجبار في ذلك، تجاور ما ذكر أو تباعد؛ لشدة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية.
ولو اشتركا في دكاكين صغار متلاصقة لا تحتمل آحادها القسمة، فطلب أحدهما قسمتها أعياناً.. فالأصح: الإجبار، أو استوت قيمة عبيدٍ، أو ثياب من نوع.. اجبر الممتنع؛ لقلة اختلاف الأغراض فيها، أو نوعين كعبدين تركي وهندي، أو ثوبين إبريسم وكتان.. فلا إجبار في ذلك.
[قسمة الرد]
ثالثها: قسمة الرد؛ كأن يكون في أحد الجانبين من الأرض بئر، أو شجر لا تمكن قسمته، فيرد من يخرج له بالقرعة قسط قيمته، فإن كانت ألفاً وله النصف.. رد خمس مئة.
وقسمة المتشابهات إفراز بمعنى أنها تعين أن ما خرج لكل من الشريكين مثلاً هو الذي ملكه.
[إجبار الحاكم الممتنع على القسمة]
وكل من قسمة التعديل والرد بيع، ويجب الحاكم على القسمة الممتنع منها في قسمة المتشابهات وقسمة التعديل؛ إذ لا ضر عليه فيها، وإلحاقاً للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، وإنما دخلها الإجبار للحاجة؛ كما يبيع الحاكم مال المديون جبراً.
وإنما يجبر الحاكم الممتنع فيما ذكر إن لم تضر القسمة طالبها، فلو كان له عشر دار لا يصلح للسكنى، والباقي لآخر يصلح للسكنى فطلبها.. لم يجبر الآخر؛ لأن طلبه تعنت بخلاف الآخر، وقسمة الرد لا إجبار فيها؛ لأن الزيادة المأخوذة لا شركة فيها، وإنما يقع الإجبار في المشترك، بل لابد من الرضا بعد خروج القرعة؛ لأنها بيع، والبيع لابد فيه من الرضا؛ كقولهما: (رضينا بهذه القسمة)، أو (بما أخرجته هذه القرعة).
ثم قد يقسم الشركاء، أو منصوبهم أو منصوب الإمام.
[الشرط في القاسم]
ويشترط أن ينصب حراً ذكراً مكلفاً عدلاً في الحساب مهر؛ بأن يعلم المساحة والحساب؛ لأنه يلزم كالحاكم، وليوصل إلى كل ذي حق حقه.
قال الماوردي: وأن يكون نزهاً قليل الطمع حتى لا يدلس ولا يخون.
وأفهم كلام الناظم ككثير: أنه لا يشترط معرفته التقويم، قال ابن الرفعة: وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
ومنصوب الشركاء لا يشترط فيه العدالة والحرية؛ لأنه وكيل لهم، وقضيته: عدم اشتراط الذكورة أيضاً، وهو واضح، ومحكم كمنصوب الإمام.
ويشترط للقسمة إذا كان فيها تقويم اثنان؛ لأنهما شاهدان بالقيمة.
نعم؛ إن جعل الإمام القاسم حاكماً في التقويم.. جاز فيعمل فيه بعدلين، ويقسم بنفسه، وله أن يقضي فيه بعلمه، وحيث لا تقويم في القسمة.. فيكفي فيها قاسم واحد كالحاكم، سواءً أنصبه الإمام أم الشركاء، ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال، فإن لم يكن.. فأجرته على الشركاء، فإن استأجروه وسمى كل قدراً.. لزمه، وإن أطلقوا المسمى.. فالأجرة موزعة على قدر حصصهم المأخوذة، لا بعدد رؤوسهم؛ لأنها من مؤن الملك كالنفقة.
والألف في قول الناظم: (مهرا) للإطلاق، والمهارة في الشيء: الحذق فيه.
باب الشهادة
مصدر شهد، وهي لغة: الخبر القاطع، وشرعاً: إخبار بحق لغير المخبر على غيره على وجه مخصوص.
والأصل فيها: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، وقوله: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾، وأخبار؛ كخبر الصحيحين: ((ليس لك إلا شاهداك أو يمينه))، وخبر: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الشهادة، فقال للسائل: "ترى الشمس؟ "، فقال: عم، فقال: "على مثلها فاشهد أو دع" رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده.
وتتحقق: بشاهد، ومشهود له، ومشهود عليه، ومشهود به، وبدأ بالأول فقال:
(وإنما تقبل ممن أسلما... كلف، حرا، ناطقا، قد علما) (عدلاً، على كبيرة ما أقدما... طوعاً، ولا صغيرة ما لزما) (أو ناب مع قرائن أن قد صلح... والاختيار سنة على الأصح) (مروءة المثل له، وليس جار... لنفسه نفعاً ولا دافع ضار) (أو أصل أو فرع لمن يشهد له.. كما على عدوه لن نقبله) (ويشهد الأعمى ويروي إن سبق... تحمل أو بمقر اعتلق) (وبتسامع نكاح وحمام... وقف ولاء نسب بلا اتهام)
فيها مسألتان:
[ما يعتبر لقبول الشهادة]
الأولى: يعتبر في قبول الشهادة أمور:
أولها: الإسلام؛ فلا نقبل شهادة الكافر ولو على أهل دينه؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾.
ثانيها: التكليف؛ فلا نقبل شهادة غير المكلف كإقراره بل أولى.
ثالثها: الحرية؛ فلا تقبل شهادة غير الحر ولو مكاتباً أو مبعضاً كسائر الولايات؛ إذ في الشهادة نفوذ قول على الغير.
رابعها: النطق؛ فلا تقبل شهادة الأخرس وإن فهمت إرادته؛ لأنها لا تفصح عن المراد، وإنما صحت تصرفاته بها للحاجة.
خامسها: العلم بالعدالة وظهورها؛ فلا تقبل شهادة من لم تثبت عدالته كالفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾، ولقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، ولأن الحاكم لا يحكم إلا بشهادة من يغلب على ظنه صدقها.
و(العدل): من لم يقدم على كبيرة مختاراً؛ وهي ما لحق صاحبها ووعيد شديد ينص كتاب أو سنة؛ كالقتل والزنا واللواط، وشرب المسكر والسرقة، والغصب والقذف، والنميمة وشهادة الزور، واليمين الفاجرة وقطيعة الرحم، والعقوق والفرار، وإتلاف مال اليتيم والربا، والسحر والوطء في الحيض وخيانة الكيل أو الوزن، وتقديم الصلاة على وقتها أو تأخيرها عنه، والكذب على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب المسلم وسب الصحابي، وكتمان الشهادة، والرشوة والدياثة والقيادة والسعاية، ومنع الزكاة واليأس من الرحمة، والأمن من المكر، وأكل لحم الخنزير والميتة، والفطر في رمضان والغلول والمحاربة، ولا لازم صغيرة وأصر عليها؛ وهي كل ذنب ليس بكبيرة، والإصرار عليها: الإكثار من نوع أو أنواع منها، فتنتفي به العدالة إلا أن تغلب طاعات المصر على ما أعليه فلا يضر، والصغيرة: كالنظر إلى ما لا يجوزن والغيبة والسكوت عليها، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والجلوس مع الفساق إيناساً لهم، واللعب بالنرد، واستعمال آلة من شعار شربة الخمر؛ كطنبور وعود، وصنج ومزمار عراقي، واستماعها، واللعن ولو لكافر أو بهيمة، وليس حرير وجلوس عليه، والهجو والسفاهة.
وخرج يقول الناظم: (طوعاً): من أقدم على كبيرة مكرهاً؛ فإنه عدل.
قوله: (أو تاب) أي: ما أقدم على كبيرة مختاراً، ولا أصر على صغيرة، أو فعل ذلك لكنه تاب مع قرائن تغلب على الظن بأنه قد صلح.
فيشترط في توبة معصية قولية القول؛ فيقول القاذف: (قذفي باطل، وأنا نادم عليه،
ولا أعود إليه)، ويقول شاهد الزور: (شهادتي باطلة، وأنا نادم عليها، ولا أعود إليها).
ويشترط في توبة المعصية الفعلية؛ كالزنا والشرب والسرقة: إقلاع عنها، وندم عليها، وعزم ألا يعود إليها، ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به من مال وغيره، فيؤدي الزكاة لمستحقيها، والمغصوب إن بقي، وبدله إن تلف لمستحقه، ويمكن مستحق القصاص والقذف من الاستيفاء.
ويشترط اختباره بعد توبته مدة يظن بها صدقه؛ وهي سنة على الأصح؛ لأن لمضي الفصول الأربعة أثراً في تهييج النفوس لما تشتهيه، فإذا مضت بالسلامة.. أشعر ذلك بحسن السيرة، وقد اعتبر الشرع السنة في العنة والزكاة والجزية.
نعم؛ من قذف بصورة شهادة لم يتم نصابها، أو خفي فسقه وأقربه ليحد.. تقبل شهادته عقب توبته؛ وكذا من أسلم بعد ردته؛ لإتيانه بضد الكفر، فلم يبق معه احتمال، وقيده الماوردي بما إذا أسلم مرسلاً، فإن أسلم عند تقديمه للقتل.. اعتبر مضي المدة، ومقابل الأصح: أنها تقدر بستة أشهر، وقيل: لا تقدر بمدة، ويختلف الظن بالأشخاص وأمارات الصدق.
وما ذكر في بيان التوبة.. محله في التوبة في الظاهر؛ وهي المتعلق بها الشهادة والولاية.
أما التوبة فيما بينه ويبين الله تعالى؛ وهي التي يسقط بها الإثم.. فلا يشترط فيها مضي مدة، وحد الله تعالى كالزنا والشرب إن لم يظهر عليه أحد.. فله أن يظهره ويقربه؛ ليقام عليه الحد، وله أن يستر على نفسه وهو الأفضل، وإن ظهر.. فقد فات الستر، فيأتي الإمام ويقر به ليقيم عليه الحد.
سادسها: أن تكون له مروءة؛ وهي تخلقه بخلق أمثاله في زمانه ومكانه، فمن لا مروءة له.. لا حياء له، ومن لا حياء له.. يقول ما شاء، وترك المروءة يشعر بترك المبالاة، وبدل على خيل في العقل، فالأكل في سوق، والشرب فيها لغير سوقي، إلا إذا غلبه الجوع أو العطش، والمشي فيها مكشوف الرأس أو البدن غير العورة ممن لا يليق به مثله، وقبلة زوجة أو أمة بحضرة الناس، وإكثار حكايات مضحكة، وليس فقيه قباء، أو قلنسوة في بلد لا يعتاد للفقيه، وإكباب على لعب الشطرنج، أو على اللعب بالحمام بالتطيير والمسابقة، أو على غناء أو سماعه، وإدامة رقص.. يسقطها.
ويختلف مسقطها بالأشخاص والأحوال والأماكن، فيستقبح من شخص دون آخر، وفي حال دون حال، في بلد د آخر كما علم مما مر، وحرفة دنية كحجامة وكنس ودبغ ممن لا يليق به.. تسقطها، لإشعارها بالخسة إن لم يعتدها، وإلا.. فلا في الأصح.
سابعها: عدم التهمة، وتهمته أن يجر إليه بشهادته نفعاً، أو يدفع عنه بها ضرراً، فترد شهادته لعبده المأذون له أو المكاتب، وغريم له ميت، أو عليه حجر فلس، وبما هو وكيل فيه، وببراءة من ضمنه، وبجراحة مورثه قبل اندمالها، وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل يحملونه، وغرماء مفلس بفسق شهود دين آخر.
وترد شهادته لفرعه، أو أصله وإن قبلت عليه، ومنه أن تتضمن شهادته دفع ضرر عنه؛ كأن يشهد للأصل الذي ضمنه فرعه، أو أصله بالأداء أو الإبراء.
نعم؛ لو ادعى السلطان على شخص بمال لبيت المال، فشهد له به أصله أو فرعه.. قبل؛ كما قاله الماوردي؛ لعموم المدعي به، ولو شهد لأصله أو فرعه ولأجنبي.. قبلت للأجنبي، وتقبل لكل من الزوجين، ولأخ وصديق، ولا تقبل شهادته على عدوه دنيا- وإن قبلت له –للتهمة، فترد شهادته بزنا زوجته ولو مع ثلاثة.
وتقبل شهادة المسلم على الكافر، وكذا السني على المبتدع وعكسه؛ إذ العداوة دينيه وهو من يبغضه، بحيث يتمنى زوال نعمته، وبحزن بسروره، ويفرح بمصيبته، وذلك قد يكون من الجانبين، وقد يكون من أحدهما فيختص برد شهادته على الآخر، وإن أفضت العداوة إلى الفسق.. ردت شهادته مطلقاً.
ومن خاصم من يريد أن يشهد عليه وبالغ، فلم يجبه ثم شهد عليه.. قبلت شهادته، وإلا.. لاتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات، ولو زالت العداوة ثم أعادها.. لم تقبل.
ولا تقبل شهادة مغفل لا يضبط، ولا مبادر بالشهادة قبل أن يسألها؛ إذ كل منهما متهم، لكن تقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى؛ كالصلاة والزكاة والصوم؛ بأن يشهد بتركها، وفيما له فيه حق مؤكد؛ كطلاق وعتق وعفو عن قصاص، وبقاء عدة وانقضائها؛ بأن يشهد بما ذكر ليمنع من مخالفة ما يترتب عليه، وحد الله تعالى؛ بأن يشهد بموجبه، والأفضل فيه
الستر، وكذا النسب على الصحيح؛ لأن في وله حق الله تعالى.
وصورتها: أن يقول الشهود للقاضي ابتداءً: (نشهد على فلان بكذا، فأحضره لنشهد عليه)، فإن ابتدؤوا وقالوا: (فلان زنى).. فهم قذفة، وإنما تسمع عند الحاجة إليها، فلو شهد اثنان أن فلاناً أعتق عبده، أو أنه أخو فلانة من الرضاع.. لم يكف حتى يقولا: (إنه يسترقه)، أو (إنه يريد نكاحها)، أو (متزوج بها).
وما تقبل فيه: هل تسمع فيه الدعوى؟ فيل: لا؛ اكتفاء بالبينة، ولأنه لا حق للمدعي فيه ومن له الحق لم يأذن في الطلب، وقيل: نعم؛ لأن البينة قد لا تساعد، ويراد استخراج الحق بإقرار المدعى عليه؛ كذا في "الروضة" و"أصلها" هنا، وقضية كلامهما في (السرقة) وآخر (القضاء): ترجيح الثاني، صححه البلقيني، وهو محمول على غير حدود الله تعالى، فقد جزم في "الروضة" و"أصلها" في (الدعاوي) بعدم سماعها فيها؛ أي: إذا لم يتعلق بها حق آدمي.
[شهادة الأعمى وروايته]
الثانية: تقبل شهادة الأعمى وروايته إن سبق تحمله العمى، وكان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب، بخلاف مجهوليهما، أو أحدهما، أو تعلق بمقر في أذنه بطلاق أو عتق، أو مال لرجل معروف الاسم والنسب حتى شهد عليه عند قاض، وتقبل شهادته أيضاً فيما يثبت بالاستفاضة كالبصير؛ وهي التسامع من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب؛ لكثرتهم، فيقع العلم، أو الظن القوي بخبرهم من نكاح وحمام بكسر الحاء؛ أي: موت، ووقف، وولاء ونسب وعتق، وملك بلا اتهام؛ أي: معارض، أما في الموت.. فلأن أسبابه كثيرة ومنها ما يخفى، ولأنه يقع في الأفواه فينتشر كالنسب وغيره، وأما باقيها.. فلأن مدتها تطول فتعسر إقامة البينة على ابتدائها، فمست الحاجة إلى إثباتها بالتسامع.
ومما يثبت بالتسامع: ولاية القضاء ونحوه، والجرح والتعديل، وكذا الرشد كما أفتى به ابن الصلاح، والإرث؛ بأن شهد بالتسامع أن فلاناً وارث فلان لا وارث له غيره؛ كما نص عليه في "البويطي".
أما إذا كان هناك معارض؛ كإنكار المنسوب نسبه إليه، أو طعن بعض الناس فيه، أو منازع له في الملك المشهود له به.. فلا تجوز الشهادة بالتسامع؛ لاختلاف الظن حينئذ.
ولا يكفي في التسامع ول الشاهد: (أشهد أني سمعت الناس يقولون كذا) وإن كانت شهادته مبنية عليه، بل يشهد أن هذه زوجة فلان، أو أن فلاناً مات، أو أن هذا وقف، أو أن هذا ابن فلان؛ لأنه قد يعلم خلف ما سمعه، ولأن ذكره يشعر بعدم جزمه بالشهادة.
والألف في قول الناظم: (أسلما) و (علما) و (أقدما) و (لزما) للإطلاق، وقوله: (قرائن أن قد) بصرفه ودرج همزة (أن) للوزن، ويجوز في قوله: (أصل أو فرع) رفعهما وجرهما عطفاً على جار المجرور على التوهم؛ كقولهم: ليس زيد قائماً ولا قاعدٍ بالخفض على توهم دخول الباء في خبر ليس، وكقول زهير:
(بدا لي أني لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئاً إذا كان جاثياً)
فيكون التقدير هنا: وليس الشاهد بأصل أو فرع للمشهود له.
وقوله: (وقف ولاء نسب) معطوفات على (نكاح) مع حذف العاطف.
(وللزنا: أربعة أن أدخله... في فرجها كمرود في مكحله) (وغيره اثنان كإقرار الزنا... ولهلال الصوم: عدل بينا) (ورجل وامرأتان، أو رجل... ثم اليمين: المال أو مهما يؤل) (إليه، كالموضحة التي جهل... تعيينها أو حق مال كالأجل) (أو سبب للمال كالإقالة... والبيع والضمان والحوالة) (ورجل وامرأتا، أربع... نا لما الرجال لا تطلع) (عليه كالرضاع والولادة... وعيبها والحيض والبكارة)
[ما يشترط للشهادة على الزنا واللواط]
أي: يشترط للزنا؛ أي: وللواط، ووطء الميتة أو البهيمة أربعة من الرجال موصوفين بما مر؛ لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾، وقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه
بأربعة شهداء}، وقوله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾، ولما فيه وفي إثارته من القبائح الشنيعة فغلظت الشهادة فيه؛ ليكون أستر، ويشترط أن يذكروا فيها المزني بها، فقد يظنون وطء المشتركة وأمة ابنه زناً، وأن يفسروا الزنا كما ذكره بقوله: (أن أدخله) بفتح همزة (أن) أي: يشهدون بأنه أدخل ذكره، أو حشفته أو قدرها منه في فرجها على سبيل الزنا، فقد يظنون المفاخذة زنا، وفي الخبر: ((زنا العينين النظر))، بخلاف شهادتهم بوطء الشبهة يكفي إطلاقها؛ لأن المقصود المال، ولهذا يثبت بما يثبت به المال.
وقوله: (كمرود في مكحلة) ليس شرطاً، بل أحوط، قال ابن الرفعة: واعتبر القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما ذكر مكان الزنا وزمانه؛ وهو ما في "التنبيه" في المكان تبعاً للشيخ أبي حامد، ورأى الماوردي: أنه إن صرح بعض الشهود بذلك.. وجب سؤال الباقين عنه، وإلا.. فلا.
[ما يشترط للشهادة على ما ليس مالاً ولا يؤول إليه]
ويشترط لغيه مما ليس مالاً ولا يؤول إليه ويطبع عليه الرجال غالباً: رجلان موصوفان بما مر، وذلك كالإقرار بالزنا أو غيره، والطلاق والرجعة، والإسلام والشهادة على الشهادة، والنكاح والموت، والإعسار والعتق، وانقضاء العدة بالأشهر، والخلع من جانب المرأة، والولاية، والجرح والتعديل، والكتابة من جهة الرقيق والتدبير، والإيلاد والوكالة، والوصاية والإحصان، والظهار واللعان، والنسب واستيفاء العقوبات، والكفالة بالبدن، وعقوبة لله تعالى؛ كحد الشرب وقطع الطريق والقتل بالردة، أو لآدمي؛ كالقصاص في النفس أو الطرف وإن عفي على مال؛ لأنه تعالى نص على الرجلين في الطلاق والرجعة والوصية، وصح في الخبر: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))، وروى مالك عن الزهري: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح والطلاق.
وقيس بالمذكورات غيرها مما يشاركها في الضابط المذكور.
ويشترط لإثبات هلال صوم رمضان لأجل وجوب الصوم فقط: عدل واحد عدالته بانت
وظهرت؛ لما مر في بابه، وذكره هنا تتمة للتقسيم، وقد يشمل كلامه ما لو نذر صوم شهر معين، فشهد به عدل.. فيكفي، وهو قضية ما في ((المجموع)) من أن فيه الخلاف في رمضان، قال بعضهم: لكن المشهور المفهوم من قول غيره: (لهلال رمضان): خلافه.
وخرج بقوله: (عدل بينا) مستور العدالة فلا تكفي شهادته، وهو أحد وجهين صحح في ((المجموع)) مقابلة كما مر.
[ما يشترط للمال أو ما يؤول إليه]
ويشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ثم يمين المدعي للمال، أو ما يؤول إليه كالموضحة التي جهل تعيينها؛ بأن شهدوا بها وعجزوا عن تعيين محلها؛ فإنها لا توجب قصاصاً، وإنما تجب المال فقط.
وما قيل: من أن التمثيل بالموضحة المذكورة.. معدود من مفردات ((الحاوي الصغير))، وإن صريح كلام الغزالي والرافعي وغيرهما في (الجنايات): أن البينة الناقصة لا تثبت الأرش في هذه الصور.. ممنوع، فقد صرح الشيخان بأن كل جناية موجبة للمال؛ كقتل الوالد ولده، والحر العبد.. تثبت بالحجة الناقصة.
انتهى.
أو حق مالي؛ كالخيار والأجل والشفعة، أو سبب للمال؛ كالإقالة والبيع، والضمان والحوالة والإجارة، والوصية بالمال والرد بعيب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا جلين فرجل وامرأتان﴾، مع خير مسلم: (أنه صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين)، والمعنى في تيسير ذلك: كثرة جهات المعاملات وعموم البلوى بها.
وفهم من قوله: (رجل وامرأتان) أنه لا فرق بين أن تتقدم شهادة الرجل على المرأتين وبين أن تتأخر، ولا بين أن يقدر على رجلين ويبين أن لا، وأنه مخير فيما يثبت برجل وامرأتين بين إثباته بهم وبرجل ويمين، وهو كذلك.
وفهم من قوله: (ثم اليمين) أنه يشترط أن يأتي بيمينه بعد شهادة الرجل بما يدعيه،
وتزكيته وتعديله، ويجب أن يذك فيحلفه صدق شاهده فيقول: (والله؛ إن شاهدي لصادق، وإني مستحق لكذا).
قال الإمام: ولو قدم ذكر الحق وآخر تصديق الشاهد.. فلا بأس، وذكر صدق الشاهد؛ ليحصل الارتباط بين اليمين والشهادة المختلفتي الجنس.
[ما يشترط لما يختص بمعرفته النساء]
ويشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة لما يختص بمعرفته النساء، أو لا يطلع عليه الرجال غالباً؛ كالرضاع من الثدي أو أن اللبن الذي شربه من هذه المرأة، والولادة، وعيب المرأة؛ كرتق وقرن وبرص ولو في وجهها وكفيها، والحيض والاستحاضة، والبكارة والثيوبة، واستهلال الولد، روى ابن أبي شيبة عن الزهري: (مضت السنة بأنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن؛ من ولادة النساء وعيوبهن)، وقيس بذلك غيره مما شاركه في الضابط المذكور.
وإذا قبلت شهادتهن في ذلك منفردات.. فقبول الرجلين والرجل والمرأتين أولى.
وعلم مما مر: أن ما لا يثبت برجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين، وأن ما ثبت بهم ثبت برجل ويمين، إلا عيوب النساء ونحوها، وأنه لا يثبت شيء بامرأتين ويمين.
وقول الناظم: (بينا) حال من (عدل)، وقوله: (يؤل) بحذف الواو للوزن، وقوله: (جهل) مبني للمفعول أو للفاعل، وقوله: (المال) و (سبب للمال) مجروران عطفاً على قوله: (بتسامع)، وقوله (نساً) بالتنوين وحذف الهمزة للوزن.
باب الدعوى
هي لغة: الطلب، ومنه قوله تعالى: ﴿ولهم ما يدعون﴾، وألفها للتأنيث، وشرعاً: إخبار عن وجوب حق للمخبر على غيره، والمدعي به قد يحتاج في إثباته إلى البينة؛ وهي الشهود، وسموا بها؛ لأن بهم تبيين الحق.
والأصل في ذلك: أخبار؛ كخبر مسلم: ((لو يعطي الناس بدعواهم.. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه))، وروى البيهقي بإسناد حسن: ((ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) والمعنى فيه: أن جانب المدعى ضعيف؛ لدعواه خلاف الأصل، فكلف الحجة القوية، جانب المنكر قوي؛ فاكتفى منه بالحجة الضعيفة.
(إن تمت الدعوى بشيء علماً... سأل قاض خصمه وحكما) (إن يعترف خصم، فإن يجحد وثم... بينة بحق مدع حكم) (وحيث لا بينة فالمدعى... عليه حلف حيث مدع دعا) (فإن أبى ردت على من أدعى... وباليمين يستحق المدعى) (والمدعي عينا بها ينفرد... إحداهما فهي لمن له اليد) (وحيث كانت معهما وشهدت.. بينتان حلفا وقسمت) (وحلف الحاكم من توجهت... عليه دعوى في سوى حد ثبت) (لله والقاضي –ولو معزولاً- وشاهد والمنكر التوكيلا) (بتا كما أجاب دعوى حلفا... ونفسي علم فعل غيره نفى)
[شروط سماع الدعوى]
أي: إن تمت الدعوى بشيء معلوم.. سأل القاضي خصمه؛ أي: المدعى عليه بالجواب، فيطالب العبد بالجواب فيما يقبل إقراره به؛ كقصاص وحد قذف، والسيد في
غيره؛ كأرش تعلق برقبته، والحرة أ, المجبر في دعوى النكاح، ولا يتوقف سؤاله على طلب المدعي.
وتمامها؛ بأن يكون المدعي والمدعي عليه مكلفين ملتزمين للأحكام.
وأن يذكر التلقي إن أقر بالمدعي به للمدعي عليه أو ملكه له، وألا يسبقها ما يناقضها، فلو ادعى على شخص شيئاً، ثم ادعى به على غيره.. لم تسمع.
وكونها ملزمة، فلو قال: (غصب لي كذا) أو (باعني).. لم تسمع حتى يقول: (ويلزمه التسليم إلى)، وفي الدين: (لي في ذمته كذا وهو ممتنع من الأداء الواجب عليه)، ولا تسمع الدعوى بالدين المؤجل، وهذا إذا قصد بالدعوى تحصيل المدعى به.
فإن كان المقصود بها دفع المنازعة؛ بأن يكون المدعى به في يده وغيره ينازعه فيه، أو له بينة تشهد له بملكه ويخشى غيبتها وقت منازعته.. فلا يشترط التعرض لوجوب التسليم، فلو قال: (هذه الدار لي وهو يمنعنيها).. صحت دعواه وسمعت بينته، وكذا لو قال: (كان له على كذا وقبضه وهو يطالبني به ظلماً).
وألا تكون بحد لله تعالى، إلا أن تعلق بها حق لآدمي؛ كقذف.. فتسمع، ولو ادعى سرقة مال.. سمعت دعواه بالمال، وحلف المدعى عليه، فإن نكل.. حلف المدعي وثبت المال، ولا يقطع؛ لأن حدود الله تعالى لا تثبت باليمين.
وقوله: (بشيء علما) أي: بأن ذكر في النقد جنسه ونوعه، وقدره وصفته إن اختلف بها الغرض، ومطلق الدرهم أو الدينار ينصرف إلى الشرعي، فلا حاجة إلى بيان وزنه، وفي العين التي تنضبط بالصفة؛ كالحبوب والحيوان والثبات صفات السلم.
ولا يشترط ذكر القيمة ولو كانت متقومة، وكذا إن كانت تالفة وهي مثلية، فإن كانت متقومة.. اشترط ذكر القيمة، وفي العقار الناحية والبلدة، والمحلة والسكة والحدود، وهذا إذا ادعى بمعين، فإذا ادعى ليعين له القاضي.. صحت دعواه مع كون المدعى به مجهولاً؛ كالمفوضة تطلب الفرض، والزوجة تطلب النفقة والكسوة، والمطلقة تطلب المتعة، وكالغرة والحكومة والوصية بمجهول والإقرار به، ونحو ذلك من مسائل كثيرة.
وفي النكاح تزويجها بولي وشاهدي عدل، ورضاها إن اعتبر، وفي نكاح الأمة العجز عن
طول الحرة، وخوف العنت، وفي دعوى الرضاع أنه ارتضع منها، أو معها في الحولين خمس رضعات متفرقات، ووصل اللبن إلى جوفه.
[إذا اعترف الخصم بحقه بعد الدعوى]
وبعد الدعوى إن يعترف الخصم بحقه.. حكم القاضي عليه، بطلب المدعي أن يحكم به، ويلزم القاضي المقر بالخروج من الحق الذي عليه، ويثبت الحق بالإقرار من غير قضاء القاضي، وإن جحد المدعي عليه؛ يعني: أنكر؛ كأن قال: (لا يستحق على شيئاً)، أو أصر على السكوت.. جعل كالمنكر الناكل عن اليمين، وللقاضي أن يقول للمدعي: (ألك بينة؟ ) وأن يسكت، فإن كان ثم –بفتح المثلثة؛ أي: هناك- بينة تشهد بحق المدعي.. حكم بها بطلب المدعي أن يحكم له بها؛ كأن يقول: (حكمت له بكذا)، أو (نفذت الحكم به) أو (ألزمت خصمه الحق)، ولا يجوز له الحكم قبل أن يسأل.
ومن قامت عليه بينة بحق.. ليس له تحليف المدعي على استحقاقه؛ لأنه كطعن في الشهود.
فإن ادعى أداءه، أو إبراءه منه، أو شراء عين من مدعيها، أو هبتها وإقباضها منه.. حلف خصمه على نفيه؛ وهو أنه ما تأدى منه الحق، ولا أبرأه منه، ولا باعه العين، ولا وهبه إياها؛ لاحتمال ما يدعيه، وكذا لو ادعى علمه بفسق شاهده أو كذبه؛ لأنه لو أقر بذلك.. بطلت الشهادة.
فإن استمهل من قامت عليه البينة ليأتي بدافع.. أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة، وحيث لا؛ أي: وإن لم يكن للمدعي بينة أصلاً، أو كانت وطلب المدعي يمينه.. حلف المدعى عليه إن دعي؛ أي: طلب المدعي يميه، فإن لم يطلبها.. لم يحلفه القاضي، فإن حلفه بدون طلبه.. لم يعتد بيمينه.
فإن ادعى عليه عشرة، فقال: (لا تلزمني العشرة).. لم يكف حتى يقول: (ولا بعضها)، وكذا يحلف؛ لأن مدعي العشرة مدعٍ لكل جزء منها، فاشترط مطابقة الإنكار واليمين دعواه، فإن حلف على نفي العشرة واقتصر عليه.. فناكل، فيحلف المدعي على استحقاق دون عشرة بجزء ويأخذه.
وإذا ادعى مالاً مضافاً إلى سبب؛ كـ (أقرضتك كذا).. كفاه في الجواب والحلف: (لا يستحق علي شيئاً).
واليمين يفيد قطع الخصومة في الحال؛ لا براءة، فلو أقام بعدها بينة بمدعاه.. عمل بها.
وتعتبر نية القاضي المستحلف للخصم، فلو ورى أو تأول خلافها أو استثنى؛ بحيث لا يسمعه القاضي.. لأم يدفع ذلك إثم اليمين الفاجرة، وفي ذلك خبر مسلم: ((اليمين على نية المستحلف))، وهو محمول على القاضي.
ولو حلف الإنسان ابتداء، أو حلفه غير القاضي من قاهر، أو خصم أو غيره.. فالاعتبار بنية الحالف، وتنفعه التورية.
ولو حلفه القاضي بالطلاق أو العتاق.. نفعته التورية، لأنه ليس له التحليف بهما.
ولو قال المدعى عليه حين طلب المدعي تحليفه: (قد حلفني مرة على ما ادعاه عند قاض، فليحلف أنه لم يحلفني عليه).. مكن؛ لأن ما قاله محتمل غير مستبعد، فإن قال: (قد حلفني مرة عندك أيها القاضي)، فإن حفظ القاضي ما قاله.. لم يحلفه ومنع المدعى مما طلبه، وإن لم يحفظه.. حلفه، فإن أبى؛ أي: امتنع المدعى عليه من اليمين؛ كأن قال: (أنا ناكل)، أو قال له القاضي: احلف، فقال: (لا أحلف).. ردت اليمين على المدعي فيحلف؛ لتحول الحلف إليه؛ فإذا حلف اليمين المردودة.. استحق ما ادعاه، وقضى له به، ولا يقضي له بنكوله؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رد اليمين على طالب الحق رواه الدارقطني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
واليمين المردودة؛ كإقرار المدعي عليه لتنزل نكوله منزلة إقراره؛ لأنه به توصل إلى الحق.
فلو أقام المدعي عليه بينة بعدها بأداء أو إبراء.. لم تسمع؛ لتكذيبه لها بإقراره، فإن لم يحلف المدعي، ولم يتعلل بشيء.. سقط حقه من اليمين، وليس له مطالبة الخصم في هذا المجلس ولا غيره، ويصير امتناعه كحلف المدعى عليه، وإلا.. لرفع خصمه كل يوم إلى القاضي، والخصم ناكل وهو لا يحلف اليمين المردودة، ويطول الخطب.
وله أن يقيم البينة، وإن تعلل بإقامة بينة أو مراجعة حساب.. أمهل ثلاثة أيام، وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه.. لم يمهل إلا برضا المدعي؛ لأنه مقهور بطلب الإقرار أو اليمين، بخلاف المدعي.
وإن ادعى اثنان عيناً ولا بينة لأحدهما، وانفرد أحدهما باليد عليها.
فهي له مع يمينه، وعلى هذا: فالشخص تسمع دعواه بما في يده ويحلف عليه، وكذا لو كانت بيده وأقام غيره بها بينة، ثم أقام بها بينة.. قدمت بينة صاحب اليد وقضي له بها، لكن لا تسمع بينته إلا بعد بينة الخارج؛ لأنه وقت إقامتها.
ولو أزيلت يده ببينة، ثم أقام بينة مسنداً إلى ما قيل إزالة يده، واعتذر بغيبة شهوده.. سمعت وقدمت؛ لأنها إنما أزيلت لعدم الحجة وقد ظهرت، فينقض القضاء، وحيث كانت معهما؛ أي: في يدهما، وأقام كل منهما بينة.. بقيت كما كانت؛ لتساقطهما، وحلف كل واحد منهما أنها ملكه دون غريمه.. قسمت العين بينهما نصفين، وكذا إذا كانت في يد ثالث وأقام كل منهما بينة بها.. تساقطتا وكأن لا بينة، وتقسم بينهما.
ومتى أقاما بينتين متعارضتين.. رجحت إحداهما على الأخرى بأسباب:
منها: اليد كما م.
ومنها: إقرار صاحب اليد لأحدهما.
ومنها: قوة البينة؛ فلو أقام أحدهما شاهدين، والآخر شاهداً وحلف معه.. رجح الشاهدان، إلا إذا كانت اليد مع الآخر.. فيرجح باليد.
ومنها: زيادة العلم؛ فلو قال الخارج: (هو ملكي اشتريته منك) وأقام به بينة، وأقام الداخل بينة بأنه ملكه.. قدمت بينة الخارج.
ومنها: زيادة التاريخ؛ فلو أقام أحدهما بينة بأنها ملكه من سنة وآخر بينة بأنها ملكه من سنتين.. قدمت بينته، وله الأجرة والزيادة الحادثة من يومئذ، إلا إن كان لصاحب متأخرة التاريخ يد.. فإنها تقدم.
ولو أطلقت بينة، وأخت بينة أخرى.. فهما سواء، ولو شهدت بينة بإقرار المدعى عليه أمس بالملك للمدعي.. استديم الإقرار.
وأن تصرح البينة بالملك في الحال، ولو أقامها بملك جارية أو شجرة.. لم يستحق ثمرة موجودة، ولا ولداً منفصلاً، ويستحق حملها.
ولو اشترى شيئاً أخذ منه بحجة مطلقة.. رجع على بائعه بالثمن، ولو ادعى ملكاً مطلقاً، فشهدوا له مع سببه.. لم يضر.
[تحليف من توجهت عليه دعوى صحيحة وما يستثنى من ذلك]
وحلَف الحاكم وجوباً كلَ من توجهت عليه دعوى صحيحة ـ كدعوى الضرب والشتم الموجبين للتعزيز ـ لو أقر بمطلوبها.. ألزم به؛ لخبر: «اليمين على المدعى عليه»، ويستثنى من طرد هذه القاعدة صور؛ ذكر الناظم بعضها:
الأولى: حدود الله تعالى؛ كحد الزنا والشرب لا يجري فيها التحليف, فلا يخلف المدعى عليه, بل لا تسمع الدعوى بها عليه؛ لأنها ليست حقاً للمدعي, ومن له الحق لم يأذن في الطلب, بل أمر بالستر والإعراض ما أمكن.
نعم؛ لو تعلق بالحد حق آدمي؛ كما إذا قذف إنساناً, فطلب المقذوف حد القذف, فقال القاذف: حلفوه أنه ما زنى.. حلف؛ كما مر في القذف.
الثانية: أنه لا يحلف القاضي على تركه الظلم في حكمه وإن كانت الدعوى عليه بعد عزله لأن منصبه يأبى التحليف والابتذال.
الثالثة: أنه لا يحلف الشاهد إذا ادعِيَ عليه أنه تعمد الكذب, أو ما يوجب سقوط شهادته وإن انتفع المدعي بإقراره لذلك؛ لأنه منصبه يأبى التحليف.
الرابعة: أنه لا يحلف منكر وكالة من طالبه بحق على نفي علمه بها؛ لأنه لو أعترف بها.. لم يلزمه التسليم إليه؛ لأنه لا يأمن أن يجحدها المستحق؛ فلا معنى لتحليفه.
ويستثنى أيضاً: كال لو قال المدعى عليه: (أنا صبي) وهو محتمل.. لم يحلف, وقف الأمر حتى يبلغ؛ لأن حلفه يثبت صباه, وصباه يبطل يمينه, ففي تحليفه إبطال تحليفه.
وإذا حلف على فعل نفسه.. حلف بتّاً, أي: قطعاً في حالتي النفي والإثبات؛ لأنه يعرف حال نفسه ويطلع عليها؛ كما أجاب به في الدعوى.
فإن ادعى عليه عشرة مثلاً, أو أنه أقرضه عشرة, أو أنه غضبها منه: فإن اقتصر على الجواب المطلق؛ كأن قال: (لا يستحق عليً شيئاً) أو (لا يلزمني تسليم ما ادعى به إليه).. حلف كذلك, وإن تعرض فى الجواب للجهة؛ كأن قال: (ما أقترضتها منه), أو (ما غضبتها منه).. حلف كذلك.
فإن أراد أن يقتصر على النفي المطلق.. لم يمكن منه, وكذا إن حلف على فعل غيره في الإثبات؛ لأن الوقوف عليه سهل, وإن كان على نفيه.. حلف على نفي علمه به؛ لعسر الوقوف على النفي المطلق, ولهذا لا تجوز الشهادة به, ولو حلف على البت.. اعتد به؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره, ويحمل على نفي العلم, ويجوز البت في الحلف بظن مؤكد؛ كأن اعتمد خطه, أو خط مورثه, ويحلف على البت في نفي جنابة رقيقه؛ لأنه ماله وفعله كفعله, وكذلك جنابة بهيمته؛ لأن ضمانها بتقصيره في حفظها لا بفعلها.
والألف في قول الناظم: (عُلما) و (حكما) و (التوكيلا) و (حلفا) في البيت الأخير للإطلاق, وقوله: (حَلَّفْ) فعل أمر, وقوله (إحداهما) بمعنى أحدهما, وقوله: (والمنكرِ) بالجر عطفاً على (حد? ), (ونفيَ علم) بالنصب.
بابُ العِتق
بمعنى الإعتاق؛ وهو إزالة الرق عن الآدامي.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾, وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: الإسلام, ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: بالعتق, كما قال المفسرون, وأمر الله تعالى بتحرير الرقبة في كواضع من الكفارة, وفي "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم قال «أيما رجل أعتق امرأً مسلماً.. استنفذ الله بكل عضواً منه من النار حتى الفرج بالفرج»، وتظاهرت النصوص والإجماع على أنه قربه.
وأركانه ثلاثة: معتق, وعتيق, وصيغة.
(يِصح عِتْقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ مَلَكْ... صَرِيحُهُ: عِتْقٌ وتَحرِيرٌ وَفَكْ)
(رَقَبَةٍ, وَصَحّ بِالْكِنَايَهْ... مَعْ نِيَّةٍ مِنْهُ كَـ (يَا مَوْلايَهْ))
(وَعِتْقُ جُزْءٍ مِن رَقِيقِهِ سَرَى... أَوْ شِرْكَةٍ مَعْ غَيرِهِ إِذْ أيْسَرَا)
(فَأعْتِقْ عَلَيْهِ مَا بَقِي بِقِيمَتِهْ... فِي الْحَالِ, وَالمُعْسِرِ: قَدْرَ حِصَّتِهْ)
(وَمَالِكُ الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ... يُعْتِقُ كَالمْيرَاثِ والْمَبِيعِ)
(لِمُعْتِقٍ حَقُّ الْوَلاءَ وَجَبَا... ثُمَّ لِمَنْ بِنَفْسِهِ تَعَصَّبَا)
(وَلَو مَعَ اخْتِلافِ دِينٍ أَوجَبَهْ... وَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلاَ الْهِبَهْ)
[صريح العتق وكنايته]
أي: يصح إعتاق كل مكلف مطلق التصرف ولو كافراً, مَلَكَ إعتاق ما أعتقه, فلا يصح إعتاق غير المكلف إلا السكران, ولا غير مطلق التصرف, ولا غير المالك بغير إذن, ولا إعتاق رقيق تعلق به حال الإعتاق حق لازم؛ كجناية ورهن ومالكُه معسر.
ولا يصح الإعتاق إلا بلفظ صريح أو كناية, وصريحه: تحرير, وإعتاق, وفك رقبة, والمراد: الصبغ المشتملة على المشتقات من هذه الألفاظ: كـ (أنت عتيق), أو (معتق),
أو (أعتقتك), أو (حر), أو (محرر), أو (حررتك), (يا حر) إذا لم يقصد مدحه بذلك, ولم يقصد نداءه باسمه القديم, أو (فكيك الرقبة), أو (مفكوكها), أو (فكيتها), أو (فككتها), فلو قال: (أنت إعتاق), أو (تحرير), أو (فك الرقبة).. فهو كناية ولا أثر للخطأ في التذكير والتأنيث.
ويصح بالكناية مع نية منه: كـ (مولايهْ) بهاء السكت, (لا ملك لي عليك), (لا سلطان), (لا خدمة), (أنت سائبة), و (يا حر) للمسمى به في الحال, وألفاظ الطلاق والظهار, ويستثنى قوله (أنا منك طالق), أو (مظاهر), أو (حر), وقوله للعبد: (اعتد), أو (استبرئ رحمك).
ولو قال: (عتقك إليك), أو (خيرتك) ونوى تفويض العتق إليه, فأعتق نفسه في الحال.. عتق, ولو قال: (أعتقتك على ألف) فقبل, أو (بعت نفسك بألف) فقبل, أو (أعتقني على ألف) فأجابه.. عتق في الحال ولزمه الألف, والولاء لسيده.
ولو أعتق حاملاً.. عتق حملها معها إن كان له وإن استثناه, ولو أعتقه وقد نفخ فيه الروح عتق دونها، وإلا.. لغا, ولو قال: (مضغة هذه حر) فهو إقرار بأن الولد أنعقد حراً وتصير به أم ولد إن أقر بوطئها.
[سرية العتق في مسألتين]
قوله: (وعتق جزء) أي: وعتق الجزء يسري في مسألتين:
الأولى إذا أعتق المالك جزءاً من رقيقه [شائعاً كنصف, أو معيناً كيد.. عتق ذلك الجزء] ثم سرى العتق إلى الباقي موسراً لقوته كما في الطلاق.
الثانية: إذا أعتق نصيبه من رقيق.. سرى العتق إلى باقية في الحال إن أيسر بقيمته حينئذ, وإن أيسر بقيمة بعضه.. سرى إليه كذلك, والمعسر يعتق عليه قدر حصته؛ لخبر "الصحيحين": «من أعتق شركاً له في عبد, وكان له مال يبلغ ثم العبد.. قوم العبد عليه قيمة عدل, فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد, وإلا.. فقد عتق منه ما عتق» وفي
رواية: «من أعتق شركاً له في عبد, وكان له مال يبلغ قيمه العبد.. فهو عتيق»,وفى رواية: «إذا كان العبد بين اثنين, فأعتق أحدهما نصيبه وكان له مال.. فقد عتق كله».
وأمَّا رواية: «فإن لم يكن له مال.. قوم العبد عليه قيمه عدل, ثم استسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه».. فمدرجة فى الخبر كما قاله الحفاظ.
ويقاس الموسر ببعض الباقي على الموسر بكله في السراية، والقول فى قدر القيمة قول المعتق, ولا فرق في السراية بين كون المعتق مسلماً وكونه كافراً, واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري كالعتق, وعليه قيمة حصة شريكه وقسطها من مهر المثل, ولا قيمتها من الولد فإن كان معسراً.. لم يسر, ولا يسري تدبير, ولا يمنع السراية دين مستغرق.
ولو قال شريكه الموسر: (أعتقت نصيبك فعليك قيمة نصيبي).. صدق بيمينه, فإن نكل.. حلف المدعي واستحق القيمة, ولا يعتق نصيب المدعى عليه بهذه اليمين؛ لأن الدعوى إنما توجهت عليه لأجل القيمة, واليمين المردودة لا تُثْبِت إلا ما توجهت الدعوى به مؤاخذة له بإقراره, ويعتق نصيب المدعي بإقراره, ولا يسري إلى نصيب المنكر.
ولو قال لشريكه: (إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر بعد نصيبك), فأعتق وهو موسر.. سرى إلى نصيب المعلًّق وعليه قيمته فإن كان معسراً.. لم يسر وعتق على المعلق نصيبه, وقيمة السراية موزعة على عدد الرؤوس, وشرط السراية: إعتاقه باختياره, فلو ورث بعضَ بعضَه.. لم يسر عتقه إلى باقيه, وألَّا تكون مستولدة لمعسر, والمريض معسر إلا في ثلث ماله, والميت معسر.
قوله: (ومالك الأصول والفروع يعتق) أي: ومن ملك أحد أصوله من أب أو جد, أو أم أو جدة وإن علوا, أو أحد فروعه من ولد أو ولد ولد أو سلفوا.. عتق عليه بمجرد الملك؛ لخبر مسلم «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» أي: بالشراء, وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ دلَّ على نفي اجتماع الولدية والعبدية, وسواء الملك الاختياري بالشراء ونحوه, والقهري بالإرث.
وخرج بـ (الأصول والفروع) غيرهم من الأقارب؛ كالإخوة فلا يعتق أحد منهم عليه, ولا يشتري لطفل أو نحوه بعضه, ولو وهب له, أو أوصي له به: فإن كان كاسباً.. فعليه الولي قبوله ويعتق عليه, وينفق من كسبه, وإلا.. فإن لم تلزمه نفقته.. وجب على الولي القبول, ونفقته في بيت المال, وإن لزمته.. حرم القبول, ولو ملك في مرض موته بعضه بلا عوض عتق من رأس المال.
[ثبوت حق الولاء للمعتق]
ويثبت للمعتق حق الولاء على عتيقه وإن أعتقه بعوض, أو عتق عليه؛ لخبر "الصحيحين": «أنما الولاء لمن أعتق» فيرثه إن لم يكن له وارث من النسب, أو لم يستغرق, فيرث الفاضل, ثم الولاء لعصبة المعتق بنفسه الأقرب فالأقرب؛ لخبر: «الولاء لحمة كلحمة النسب» رواه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم, وقال: صحيح الإسناد, فلا ترث امرأة بولاء إلا من عتيقها وأولادها وعتقائه.
ويثبت الولاء للمعتق ولو مع اختلاف الدين وإن لم يتوارثا, ولعصابته في حياته, ولا يصح بيع الولاء ولا هبته؛ لأنه معنى يورث به فلا ينتقل بالبيع والهبة كالقرابة.
والألف في قول الناظم: (أيسرا) و (وجبا) و (تعصبا) للإطلاق, وقوله: (فأعتق) فعل أمر حذف همزته للوزن, وقوله: (بقي) بسكون الياء وصله بنية الوقف.
بابُ التدبير
هو لغةً: النظر في عواقب الأمور, وشرعاً: تعليق عتق بالموت.
والأصل فيه قبل الإجماع: خبر "الصحيحين": «أن رجلاً دبَّر غلاماً ليس له مال غيره, فباعه النبي صلى الله عليه وسلم» فتقريره له وعدم إنكاره له: يدل على جوازه.
وأركانه ثلاثة: محل, وصيغة, وأهل.
الأول: المحل؛ وهو الرقيق غير المستولدة ولو مكاتباً, أو معلقاً بصفة.
الثاني: الصبغة وستأتي.
الثالث: الأهل؛ فلا يصح تدبير غير المكلف إلا السكران, وتدبير المرتد موقوف؛ إن أسلم.. صح, وإلا.. فلا.
(كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: (دَبَّرْتُكَا)... أَوْ (أَنْتَ حُرٌّ بعدَ مَوتِي) ذَلِكَا)
يَعْتِقُ بَعدَهُ مِن الثُّلْثِ لِمَالْ... وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ حَيثُ المِلْكُ زالْ
أي: التدبير؛ كقول الشخص لعبده أو أمته: (دبرتك),أو (أنت مدبر),أو (أنت حر بعد موتي), أو (أعتقتك بعد موتي).
وينعقد بالكناية مع النية؛ كـ (خليت سبيلك بعد موتي), ومضافاً إلى جزء كـ (دبرت ربعك), ولا يسرى كما مر, ومقيداً؛ كـ (إن مت في ذا الشهر أو المرض.. فأنت حر), فإن مات على الصفة المذكورة.. عتق وإلا.. فلا, أو (إن قرأت القرآن.. فأنت حر بعد موتي) فقرأه جميعاً.. صار مدبراً, أو بعضه.. فلا, ومعلقاً؛ كـ (إن دخلت الدار.. فأنت حر بعد موتي) فيعتق بعد موته إن دخلها قبله, فإن قال: (إن مت ثم دخلت.. اشترط دخوله بعد الموت)
وهو على التراخي, وليس للوارث بيعه قبل الدخول.
ولو قال: (إذا مت ومضى شهر.. فأنت حر).. فللوارث استخدامه في الشهر لا بيعه.
ولو قال: (إن شئت.. فأنت مدبر), أو (أنت حر بعد موتي إن شئت).. اشترطت المشيئة على الفور، فإن قال: (متى شئت).. فللتراخي ويشترط المشيئة في الصورتين قبل موت السيد.
ويعتق المدبر بعد موت سيده من ثلث ماله بعد الدين كالوصية, فيعتق كله إن خرج من الثلث, وإلا.. عتق منه بقدره, وسواء في اعتباره من الثلث وقع في الصحة أو في المرض.
ولو علق عتقاً على صفة تختص بالمرض؛ كـ (إن دخلت الدار في مرض موتي.. فأنت حر).. عتق من الثلث، وإن احتملت الصحة والمرض فوجدت في المرض.. عتق من رأس المال إن لم توجد باختيار السيد، وإلا.. فمن الثلث.
وللسيد إزالة ملكه عن المدبر ببيع أو نحوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم باع مدبر رجل من الأنصار رواه الشيخان، ولأنه تعليق عتق بصفة لا وصية للعبد بعتقه, فلو زال ملكه عنه.. بطل التدبير, ولو عاد ملكه إليه.. لم بعد التدبير، ولا يصح رجوعه عنه بالقول.
ولو علق بصفة.. صح وعتق بالأسبق, ففي سبق الموت العتق بالتدبير.
وله وطء مدبرته ولا يكون رجوعاً عن التدبير، فإن أولدها.. بطل تدبيره، ويتبع المدبرةَ حملُها الحاصل عند التدبير, أو موت السيد.
ولو ادعى رقيقه التدبير فأنكر.. فليس برجوع, بل يحلف أنه ما دبره.
ولو وجد مع مدبر مال فقال: كسبته بعد موت السيد, وقال الوارث: قبله.. صدق المدبر بيمينه؛ لأن اليد له, وتقدم بينته.
والألف فى قول الناظم: (دبرتكا) و (ذلكا) للإطلاق.
...
بابُ الكِتابة
بكسر الكاف, وقيل: بفتحها كالعتاقة, وهى لغة: الضم والجمع, وشرعاً: عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمين فأكثر, وهي خارجة عن قواعد المعاملات؛ لدورانها بين السيد ورقيقه؛ ولأنها بيع ماله بماله.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، وخبر: «من أعان غارما أو غازيا, أو مكاتباً في فك رقبته.. أظله الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله», وخبر: «المكاتب عبد ما بقى عليه درهم)» رواهما الحاكم وصحح إسنادهم.
وأركانها أربعة: سيد, ومكاتب, وعوض, وصيغة.
(إِذا كَسُوبٌ ذُو أَمَانَةٍ طَلَبْ... مِنْ غيرِ مَحْجُورٍ عليهِ تُستَحَب)
(وَشَرْطُهَا: مَعْلُومُ مَالٍ وَأَجَلْ... نَجْمَانِ أو أكثَرُ مِنْهَا لا أَقَلْ)
(وَالفَسْخُ لِلعْبدِ مَتَى شاءَ انْفَصَلْ... لاَ سَيِّدٍ إِلاَّ إذا عَجْزٌ حَصَلْ)
(أَجِزْ لَهُ تَصَرُّفَاً كَالحُرِّ لاَ... تَبَرُّعاً وخَطَرَاً إذ فَعَلاَ)
(وَحَطُّ شيءٍ لازِمٌ للمَوْلَى... عَنهُ, وَفِي النَّجْمِ الأَخِيرِ أَوْلَى)
(وَهْوَ رقيقٌ مَا بَقِي عَلَيْهِ... شَيءٌ إِلَى أَدَائِهِ إليهِ)
[استح
باب الكتابة
إذا طلبها الرقيق] أي تستحب الكتابة إذا طلبها رقيق كسوب أمين, وبهما فسر الشافعي رضي الله تعالى عنه (الخير) فى الآية, واعتبرت الأمانة؛ لئلا يضيع ما يحصله فلا يعتق, والقدرة على الكسب؛ ليوثق بتحصيل النجوم, وإنما لم تجب حينئذ؛ قياساً على التدبير وشراء القريب,
ولئلا يبطل أثر الملك, وتحتكم المماليك على المالكين, ولا تكره بحال؛ لأنها عند فقد الوصفين قد تفضي إلى العتق.
نعم؛ إن كان الرقيق فاسقاً بسرقة أو نحوها, وعلم سيده أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب لاكتسب بطريقة الفسق.. قال الأذرعي: فلا يبعد تحريمها؛ لتضمنها التمكين من الفساد.
ولا تصح كتابة مرهون ومُكرىً.
[شرط السيد وعوض الكتابة]
وشرط السيد: أهلية التبرع, فلا تصح من صبي ومجنون ومحجور عليه بسفه وأوليائهم, ومكره.
وشرط العوض: كونه معلوماً مؤجلاً بأجل معلوم ولو كان المكاتب مبعضاً؛ إتباعا للسلف, ولأن الرقيق لا قدرة له في الحال, بنجمين ولو قصيرين في مال كثير أو أكثر؛ إتباعاً للسلف والخلف, ولو كفى نجم.. لفعلوه مبادة إلى القربات, ولأن الكتابة عقد إرفاق, ومن تتمة الإرفاق التنجيم.
ولا بأس بكون المنفعة ولو في الذمة حالة؛ لقدرته على الشروع فيها، ومن التنجيم بنجمين في المنفعة أن يكاتبه على بناء دارين موصوفتين في وقتين معلومين, وشرط المنفعة التي يمكن الشروع فيها في الحال كالخدمة: اتصالها بالعقد، ولا بد فيها من ضميمة, كخدمة شهر الآن, ودينار بعد يوم منه, بخلاف ما لو اقتصر على خدمة شهرين وصرح بأن كل شهر نجم.
وتصح كتابة من باقيه حر, ولو كاتبه كله.. صح في الرق وبطل في غيره, ولو كاتب بعض رقيق.. فسدت مطلقاً؛ لأنه عقد معاوضة فاشترط فيه معرفة العوض كالبيع, ولو ترك لفظ التعليق ونواه.. كفى, ويقول المكاتب: (قبلت)
[فسخ الكتابة]
قوله: (والفسخ) أي: إن الكتابة جائزة من جهة المكاتب؛ لأن الحظ له فيها, فأشبه المرتهن، فله فسخها متى شاء, فينفصل منها وله ترك الأداء وغن كان معه وفاء, فلا يجبر على الأداء, ولازمة من جهة السيد فليس له فسخها كالراهن؛ لأنها حق عليه, إلا إذا حصل من
المكاتب عجز عن أداء النجم أو بعضه عند محله.. فللسيد فسخها إن شاء بنفسه؛ كالبائع عند إفلاس المشترى بالثمن، وإن شاء بالحاكم، وليس على الفور، وكعجزه امتناعه من الأداء مع القدرة عليه، وحلول النجم وهو غائب، أو غيبته بعد حلوله بغير إذن السيد.
ولو استمهل عند الحلول.. سن إمهاله، وأن كان معه عروض.. لزمه إمهاله لبيعها؛ لأنها مدة قريبة، فأن عرض كساد.. فله ألا يزيد على ثلاثة أيام؛ للضرر الناجز في حقه، كما لو استمهله لإقامة البينة على أداء المال، وإن كان ماله غائباً.. أمهله إلى إحضاره إن كان دون مرحلتين، وإلا.. لم يجب.
ولو غاب وله مال حاضر.. فليس للقاضي الأداء منه، ويمكن السد من الفسخ؛ لأنه ربما عجز نفسه لو كان حاضراً.
ولا تنفسخ بجنون المكاتب، ويؤدي القاضي عنه إن وجد له مالاً، ورأى له مصلحة في الحرية، وإن لم يجد له مالاً.. مكن السيد من الفسخ، فإذا فسخ ثم أفاق وظهر له مال.. دفعه إلى السيد وحكم بعتقه، ونقض التعجيز.
ولا تنفسخ بجنون السيد، فإن دفع المال إلى وليه.. عتق، أو إلى سيده.. لم يعتق، فإن تلف في يده.. لم يضمن، ولوليه تعجيزه، ولا بإغماء السيد والحجز عليه بسفه، ولا بإغماء المكاتب.
[تصرف المكاتب]
قوله: (أجز له تصرفاً كالحر) أي: يجوز للمكاتب أن يتصرف كالحر في معظم التصرفات، فيبيع ويشترى، ويؤجر ويستأجر، ويأخذ بالشفعة، ويقبل الهبة والصدقة والوصية، ويصطاد ويحتطب، ولو أجر نفسه أو ماله مدة فعجزه السيد فيها.. انفسخ العقد، ولا يصح منه تصرف فيه تبرع أو خطر إلا بإذن سيده؛ كهبته وقراضه، وإقراضه، وتصدقه وتبسطه في الملابس والمآكل، وإنفاقه على الأقارب، وشرائه بالمحاباة، وتسليمه الثمن قبل قبض المبيع، واتهاب من يعتق عليه إن عجز عن الكسب، وإلا.. استحب قبوله ويكاتب عليه، وليس له الإعتاق والتسري ولو بإذن سيده.
[لزوم حط شيء من نجوم الكتابة]
قوله: (وحط شيء لازم للمولى) أي: وحط شيء من نجوم الكتابة عن المكاتب لازم لسيده، ويقوم مقامه دفعه إليه بعد قبضه، وغيره من جنسه؛ لقوله تعالى: {وآتوهم من مال الله
الذي آتاكم} فسر الإيتاء بما ذكر؛ لأن القصد منه الإعانة على العتق، والحط أولى من الدفع؛ لأنه المنقول عن أكثر الصحابة رضى الله تعالى عنهم، ولأن ما يدفعه إليه قد ينفقه في جهة أخرى، وفي النجم الأخير أولى؛ لأنه أقرب إلى العتق، ويكفى ما يقع عليه الاسم، ولا يختلف بكثرة المال وقلته، فإن اختلفا فيه.. قدره الحاكم باجتهاده.
ووقت ووجوبه: قبل العتق، ويجوز من حين الكتابة، وبعد الأداء والعتق قضاء، ويستحب الربع، وإلا.. فالسبع.
[المكاتب رقيق ما بقي عليه شيء]
وهو- أي: المكاتب- رقيق ما بقي عليه شيء من مال الكتابة وإن قل، حتى يؤديه إلى السيد؛ لخبر: "المكاتب قن ما بقي عليه درهم" رواه أبو داوود والنسائي وابن حبان في "صحيحه"، وقال في "الروضة": إنه حديث حسن.
وخرج بقوله: (ما بقي عليه شيء إلى أدائه إليه): إبراؤه منه، فإنه يعتق به كما يعتق بالأداء.
ولو أتى المكاتب بمال فقال السيد: (هو حرام).. صدق المكاتب، ويقال لسيده: (خذه أو أبرئه عن قدره)، فإن أبى.. قبضه القاضي، فإن كان قدر النجوم.. عتق، فإن نكل.. حلف السيد لغرض امتناعه من الحرام، وتسمع بينته.
ولو خرج المؤدى مستحقاً.. رجع السيد ببدله وهو مستحقه، فإن كان في النجم الأخير.. بان أن لا عتق وإن قال عند أخذه: (أنت حر) لأنه بناه على ظاهر الحال من صحة الأداء وقد بان عدمها، أو معيباً.. رده وأخذ بدله، وله أن يرضى به.
[المكاتبة الباطلة والفاسدة]
وهذه الأحكام المتقدمة في الكتابة الصحيحة، وغيرها تنقسم إلى باطلة، وفاسدة.
فأما الباطلة: وهي ما اختل بعض معتبراتها؛ كأن كان السيد صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً، أو الرقيق كذلك، أو كاتب الولي رقيق موليه، أو كان عوضها غير مقصود؛ كالدم والحشرات، أو لم يجر فيها ذكر عوض.. فهي لاغية.
وأما الفاسدة: وهي ما اختلت صحتها لعوض محرم مقصود، أو شرط فاسد؛ كشرط أن يبيعه كذا، أو أجل فاسد.. فهي كالصحيحة في أمور؛ منها: استقلاله بالكسب، وأخذ أرش الجناية عليه، ومهر شبهة في الأمة، وعتقه بالأداء، وتبعية كسبه له، وكالتعليق في أمور منها:
أنه لا يعتق بإبراء، ولا بأداء الغير عنه تبرعاً، وتبطل بموت سيده قبل الأداء، وتصح الوصية برقبته، ولا يصرف له سهم المكاتبين.
وتخالفهما في أمور؛ منها: أن للسيد فسخها بنفسه أو بالحاكم، وأنه لا يملك ما يأخذه بل يرجع المكاتب به إن كان متقوماً بخلاف غيره؛ كالخمر فلا يرجع فيه بشيء، فإن تلف..
رجع عليه بمثله أو قيمته، ويرجع عليه السيد بقيمته يوم عتقه، فإن كانا من جنس واحد من نقد البلد.. تقاصا، فيسقط أحد الدينين المتساويين بالآخر بلا رضا، ويرجع صاحب الفضل به.
وتبطل الفاسدة بجنون السيد وإغمائه والحجر عليه بسفه، لا بجنون الرقيق وإغمائه.
وقول الناظم: (منها) بإفراد الضمير من إطلاق الجمع على اثنين كما هو أحد الرأيين؛ إذ هو راجع إلى قوله: (نجمان)، والألف في قوله: (فعلا) للإطلاق، وقوله: (بقي) بسكون الياء وصله بنية الوقف.
باب الإيلاد
وفي نسخة: (عتق أم الولد) (لأمة له تكون ملكا... أو بعضها يوجب عتق تلكا) (بمؤته، ونسلها بها التحق... من غيره من بعد الإيلاد عتق) (من رأس مال قبل دين، واكتفي... بوضع ما فيه تصور خفي) (جاز الكرا، وخدمة، جماع... لا هبة، والرهن، وابتياع) (ومولد بالاختيار جارية... لغيره منكوحة أو زانية) (فالنسل قن مالك، والفرع حر... من وطؤه بشبهة أو حيث غر) (أو بشراء فاسد، فإن ملك... ذي بعد لم تعتق عليه إن هلك) (لكن عليه قيمة الحر ثبت... بحمد ربى "زبد الفقه" انتهت) فيها ثلاث مسائل: [ما يترتب على إيلاد الرجل أمته] الأولى: إذا أولد الرجل أمة يملكها، أو يملك بعضها بوطء مباح، أو حرام بسبب نسب، أو رضاع أو مصاهرة، أو حيض أو إحرام، أو نكاح أو نحوها، أو باستدخال ذكره أو منيه المحترم.. انعقد الولد حراً، وعتقت بموته، الأصل في ذلك: أخبار؛ منها: قوله عليه الصلاة والسلام في مارية أم ولده: "أعتقها ولدها" أي: أثبت لها حق الحرية، رواه ابن ماجه وغيره، وصححه الحاكم وغيره، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما أمة ولدت من سيدها.. فهي حرة عن دبر منه" رواه ابن ماجه وغيره، وصحح الحاكم إسناده، وخبر: "أمهات الأولاد لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها سيدها ما دام حياً، فإذا مات..
فهي حرة" رواه الدارقطني والبيهقي، وصححا وقفه على عمر رضى الله تعالى عنه، وصحح ابن القطان رفعه وحسنه وقال: رواته كلهم ثقات.
واستشهد البيهقي بقول عائشة رضى الله تعالى عنها: (لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ولا درهماً، ولا عبداً ولا أمة) وكانت مارية من جملة المخلف عنه، فدل على أنها عتقت بموته.
وسبب عتق أم الولد انعقاده حراً؛ للإجماع، ولخبر "الصحيحين": أن من أشراط الساعة: "أن تلد الأمة ربتها"، وفي رواية: "ربها" أي: سيدها، وولد المشتركة ينعقد حراً، ويسري الاستيلاد إلى حصة شريكه منها إن أيسر بقيمتها، وعتقت بموته، وإلا... عتق نصيبه، وكأمته أمة فرعه التي لم يستولدها، وأمة مكاتبه، ومحل ما ذكره: إذا لم يزاحم حق الغير، وإلا... فلا ينفذ الإيلاد؛ كإيلاد المعسر المرهونة.
ونسلها؛ أي: أولاد أم الولد بعد إيلادها من غير السيد من زوج، أو زنا، حكمهم كحكمها: يلتحقون بها في حكم الحرية، فيعتقون بموت السيد وإن ماتت في حياته؛ لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية، وكذا في سبيها.
وخرج بقوله: (من بعد الإيلاد): أولادها قبل الإيلاد من زوج أو زنا، فإنهم لا يعتقون بموت السيد، وله بيعهم؛ لحدوثهم قبل ثبوت حق الحرية للأم، وشمل (موته): ما لو قتلته أو ولده.
وعتق المستولدة وأولادها من رأس مال السيد مقدماً على دينه؛ لأن إيلادها بمنزلة استهلاكها.
وكما يثبت الإيلاد بانفصال الولد حياً أو ميتاً.. يثبت حكمه، ويكتفى بوضع المضغة التي ظهر فيها تصور خفي من خلقة الآدميين ولو لأهل الخبرة؛ لما روى البيهقي عن عمر رضى الله تعالى عنه: أنه قال في أم الولد: (أعتقها ولدها وإن كان سقطاً).
وخرج بقوله: (تصور خفي): ما لو قالوا: إنه أصل آدمي، ولو بقي.. لتصور، فلا يثبت به الإيلاد، ولا تجب به غرة؛ لأنه لا يسمى ولداً.
[كراء المستولدة ووطؤها]
الثانية: جاز للسيد كراء المستولدة واستخدامها، وكذا وطؤها إذا لم يمنع منه مانع، وله أرش جناية عليها وعلى أولادها التابعين لها، وقيمتهم إن قتلوا؛ لبقاء ملكه لهم، وله تزويجها بغير إذنها، ولا يجوز له هبتها ولا رهنها ولا بيعها؛ أي: أو نحوه مما يؤول إلى نقل ملكها إلى غيره؛ لما مر، ولأن الهبة والبيع نقل الملك إلى الغير، والرهن تسلط عليه، وكما تحرم هذه الأمور.. تبطل.
نعم؛ يصح بيعها من نفسها؛ لأنه عقد عتاقة في الحقيقة.
[حكم من أولد جارية غيره]
الثالثة: من أولد باختياره غير مكره جارية غيره بنكاح لا غرور فيه، أو زناً.. فولده رقيق لمالكها بالإجماع، وولده حر من وطئه أمة غيره بشبهة؛ كأن ظنها أمته، أو زوجته الحرة، أو بنكاح غر بحريتها فيه، أو بشراء فاسد ظن صحته؛ عملاً بظنه.
وقوله: (بالاختيار) بيان لكون الوطء زنا، لا لكون ولد المكره ينعقد حراً، ولو ظن بالشبهة أنها زوجته الأمة.. فالولد رقيق، فإن ملك المولد أمة الغير بعد أن أولدها.. لم تعتق بموته، أما في الحال الأول والثالث.. فلانتفاء علوقها بحر، وأما في الثاني.. فلانتفاء ملكه لها حين علوقها بالحر، وعلى المولد قيمة ولده الحر يوم انفصاله لسيد أمه؛ لتفويته رقه بظنه.
والألف في قول الناظم: (تلكا) للإطلاق، وقوله: (الإيلاد) بنقل حركة الهمزة إلى اللام قبلها.
ثم إن الناظم حمد الله تعالى على انتهاء "زبد الفقه"، وقد مر معنى الحمد لغة وعرفاً، ولما كانت هذه المنظومة مسماة بـ"الصفوة" التي اشتق منها علم التصوف.. ناسب ألا تخلو عن قطعة منه؛ ليوافق الاسم المسمى، وكان الختم به أولى؛ لتكون خاتمة الفقيه تطهير قلبه، وتصفية سريرته؛ ليلقى الله الكريم بقلب سليم، ولهذا ختمها الناظم به فقال:
خاتمة
[في علم التصوف]
وفي بعض النسخ: (في علم التصوف المصفي للقلوب) وهو كما قال الغزالي: تجريد القلب لله سبحانه وتعالى، واحتقار ما سواه، قال: وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح.
(من نفسه شريفة أبيه... يربأ عن أموره الدنيه)
(ولم يزل يجتح للمعالي... يسهر في طلابها الليالي)
(ومن يكون عارفاً بربه... تصور ابتعاده من قربه)
(فخاف وارتجى وكان صاغيا... لما يكون آمراً وناهيا)
(فكل ما أمره يرتكب... وما نهى عن فعله يجتنب)
(فصار محبوباً لخالق البشر... له به سمع وبطش وبصر)
(وكان لله ولياً، إن طلب... أعطاه، ثم زاده مما أحب)
[تعاطى معالي الأمور واجتناب دنيها]
أي: من نفسه شريفة أبية؛ أي: تأبى إلا العلو الأخروي.. يربأ بالهمز؛ أي: يرتفع عن أموره الدنية من الأخلاق المذمومة؛ كالكبر والغضب، والحقد والحسد، وسوء الخلق وقلة الاحتمال، ولم يزل يجنح بفتح النون وضمها؛ أي: يميل للمعالي من أموره من الأخلاق المحمودة؛ كالتواضع والصبر، وسلامة الباطن والزهد، وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، ويسهر الليالي في طلبها؛ كما يقال: ومن طلب العلا سهر الليالي.
وحاصله: أنه يتعاطى معالي الأمور في الظاهر والباطن، ويتجنب رديئها، والدنيا التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة.. ما سقى
منها كافراً شربة ماء"، وقال: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم أو متعلم"، ولو لم يكن في محبة الدنيا من المفسدة إلا الاشتغال بها عن الله تعالى.
وقد قال بعضهم لولده: يا بنى؛ لا تغبطن أهل الدنيا عن دنياهم، فوالله؛ ما نالوها رخيصة، ووالله؛ ما نالوها حتى فقدوا الله تعالى.
وما ذكره الناظم هو عالي الهمة، وسيأتي دنيها، وهذا مأخوذ من حديث: "إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها" أي: دنيها رواه البيهقي في "شعب الإيمان"، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، فالمعالي والسفساف: كلمتان جامعتان لأسباب السعادة والشقاوة.
[آثار معرفة الله سبحانه وتعالى]
ومن يكون عارفاً بربه بما يعرف به من صفاته.. تصور ابتعاده لعبده بإضلاله، وإرادة الشر به من قربه له بهدايته وتوفيقه.. فخاف عقابه، ورجا ثوابه، وكان عبداً صاغياً لما يكون آمراً به وناهياً عنه، فكل ما أمره به.. يرتكبه، وكل ما نهي عن فعله.. يجتنبه، فصار محبوباً لخالق البشر، والمخلوقات بأسرها.
له بربه سمع وبطش وبصر، فترتب على محبة الله تعالى له صيانة جوارحه وحواسه، فلا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا له، ولا يبطش إلا لأجله؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله.. فقد استكمل الإيمان"، وكما كانت حاله صلى الله عليه وسلم: أنه ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله.
وكان لله ولياً، إن طلب منه.. أعطاه، وإن استعاذ به.. أعاذه، ثم زاده مما أحب.
قال بعضهم: العارف عند أهل التصوف: من عرف الحق تعالى بأسمائه وصفاته، ثم صدق الله تعالى في جميع معاملاته، ثم تنقى عن أخلاقه المذمومة وآفاته، ثم طال بالباب
وقوفه، ودام بالقلب عكوفه، فحظي من الله تعالى بجميع آماله، وصدق الله تعالى في جميع أحواله، وانقطعت عنه هواجس نفسه، ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره.
وقال ابن عبد السلام في "قواعده" في إصلاح القلوب؛ التي تصلح الأجساد بصلاحها، وتفسد بفسادها: تطهيرها من كل ما يباعد عن الله، وتحليها بكل ما يقرب إلى الله ويزلف لديه، من الأحوال والأقوال والأعمال، وحسن المآل، ولزوم الإقبال عليه، والإصغاء إليه، والمثول بين يديه كل وقت من الأوقات وحال من الأحوال، على حسب الإمكان من غير أداء إلي السآمة والملال.
قال: ومعرفة ذلك هي الملقبة بعلم الحقيقة، وليست الحقيقة خارجة عن الشريعة، بل الشريعة طافحة بإصلاح القلوب بالمعارف والأحوال والعزوم والنيات، وغير ذلك.
انتهى.
قال بعضهم: علامة محبة الله تعالى: بغض المرء نفسه؛ لأنها مانعة له من المحبوب، فإذا وافقته نفسه في المحبة.. أحبها، لا لأنها نفسه، بل لأنها تحب محبوبه.
وما ذكره الناظم.. مأخوذ من حديث البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: "من آذى لي ولياً.. فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته.. كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني.. أعطيته، وإن استعاذ بي.. لأعيذنه"، زاد ابن أبي الدنيا: "وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به".
والمراد: أن الله تعالى يتولى محبوبه في جميع أحواله، فحركاته وسكناته به تعالى؛ كما أن أبوي الطفل لمحبتهما له التي أسكنها الله في قلوبهما.. يتوليان جميع أحواله، فلا يأكل إلا بيد أحدهما، ولا يمشى إلا برجله... إلى غير ذلك، ففنيت صفاته، وقامت صفات الأبوين مقامها؛ لشدة اعتنائهما بحفظه.
وفي الحديث: "اللهم؛ كلاءة ككلاءة الوليد"، فكذلك حال الولي مع الرب سبحانه وتعالى، واتخاذ الله ولياً يحتمل أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل؛ أي: ولي أمر الله تعالى، أو
قال بعضهم: إذا أراد الله أن يوالي عبده.. فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ الذكر.. فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب، وأدخله دار القرب، وكشف له الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة.. خرج من حبسه ودعاوى نفسه، ويحصل حينئذ في مقام العلم بالله فلا يتعلم بالخلق، بل بتعليم الله تعالى وتجليه لقلبه، فيسمع ما لا يسمع، ويفهم ما لا يفهم.
(وقاصر الهمة لا يبالي... يجهل فوق الجهل كالجهال)
[قاصر الهمة جاهل لا يبالي بمعالي الأمور]
أي: وقاصر الهمة دنيها؛ بأن جنح إلى سفساف الأمور، وعدل عن معاليها، فلا يرفع نفسه بالمجاهدة؛ لأنه أسرته الشهوة وميل النفس إلى الراحة، فصار لا يبالي هل قربه الله أو أبعده؟ ! فلا يتعلم أمره ولا نهيه، ولا يعمل بمقتضى واحد منهما لو علمه، ولا يبالي بما اكتسبه من المال هل هو من حلال أو حرام؟ ! ولا ما عمله من الأعمال هل يوافق الشرع أو لا؟ ! ولا يبالي في أفعاله هل تسخط الرب أو ترضيه؟ ! وقد أعرض عن أخراه وانهمك في دنياه.
وقد قال العلماء: الخسيس: من باع دينه بدنياه، وأخس الأخساء: من باع دينه بدنيا غيره، وهو متكل بجهله وغروره على عفو الله تعالى وكرمه بلا خوف ولا عمل، فيجهل فوق جهل الجاهلين.
فالجهل أول داء النفس، ثم حب الأشياء، ثم قلة المبالاة، ثم الجرأة، ثم قلة الحياء، ثم المنى بفوز الآخرة، وهذا حال من ركبته النفس الأمارة بالسوء، وأول منزل من منازل السالك ذبح نفسه بسكين الرياضة.
[ما يترتب على معرفة عالي الهمة ودنيها]
(فدونك الصلاح أو فسادا... أو سخطاً أو تقريباً أو إبعادا)
أي: فدونك أيها المخاطب بعد أن عرفت حال عالي الهمة ودنيها، وعلمت أن الله تعالى
مطلع على أقوالك وأعمالك وما في قلبك، ومجازيك على جميع أعمالك من ثواب أو عقاب، فخذ لنفسك أيهما ترضاه: صلاحاً منك موجباً للفوز بالنعيم المقيم، أو فساداً تستحق به العذاب الأليم في نار الجحيم، أو رضاً أو سخطاً، أو تقريباً من الله والجنة أو إبعاداً عنهما، أو سعادة من الله تعالى أو شقاوة، أو نعيماً منه وجحيماً.
فأفاد الناظم بـ (دونك): الإغراء بالنسبة إلى الصلاح وما يناسبه، والتحذير بالنسبة إلى الفساد وما يناسبه، ونظيره: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾.
وقوله الناظم: (أو تقريباً أو إبعاداً) بحذف الهمزة فيهما للوزن.
(وزن بحكم الشرع كل خاطر... فإن يكن مأموره فبادر)
(ولا تخف وسوسة الشيطان... فإنه أمر من الرحمن)
(وإن تخف وقوعه منك على... منهي وصف مثل إعجاب فلا)
(وإن يك استغفارنا يفتقر... لمثله فإننا نستغفر)
(فاعمل وداو العجب حيث يخطر... مستغفراً، فإنه يكفر)
(وإن يكن مما نهيت عنه... فهو من الشيطان، فاحذرنه)
(فإن تمل إليه كن مستغفراً... من ذنبه، عساه أن يكفرا)
[أقسام خواطر النفس]
أي: وزن أنت بحكم الشرع كل خاطر خطر لك، ولا يخلو حاله بالنسبة إليك من حيث الطلب من أن يكون مأموراً به، أو منهياً عنه، أو مشكوكاً فيه، فإن كان الخاطر مأموراً به؛ إما على طريق الوجوب أو الاستحباب.. فبادر إلى فعله، فإنك إن توقفت برد الأمر.. وهبت ريح التكاسل.
ولا تخف؛ أي: لا تترك المأمور به من صلاة أو غيرها؛ خوفاً من وسوسة الشيطان، فإنك لا تقدر على صلاة بلا وسوسة، فقد اجتهد الأكابر أن يصلوا ركعتين بلا وسوسة من الشيطان وحديث النفس بأمور الدنيا فعجزوا، ولا مطمع فيه لأمثالنا، فإنه أمر من الرحمن رحمك به حيث أخطره ببالك.
ثم الخاطر الذي من الرحمن ينقسم إلى: ملكي، وإلهامي؛ فالملكي: ما يلقيه الملك
الذي على يمين القلب فيه، والإلهامي: إيقاع شيء في القلب ينشرح له الصدر، والفرق بينهما: أن إلقاء الملك قد تعارضه النفس والشيطان بالوساوس، بخلاف الخواطر الإلهية؛ فإنها لا يردها شيء، بل تنقاد لها النفس والشيطان طوعاً وكرهاً، وإذا كان الخاطر مباحاً؛ كالأكل والنوم وغيرهما.. فجدد له نية صالحة؛ ليصير مأموراً به؛ كأن تنام وقت القيلولة؛ لتنشط للعبادة في الليل؛ كما تقدم في (المقدمة) في قول الناظم:
(لكن إذا نوى بأكله القوى... لطاعة الله له ما قد نوى)
[خوف العجب ليس مانعاً من العمل]
وإن تخف وقوعه؛ أي: المأمور به على وصف منهي عنه؛ مثل: إعجاب أو رياء.. فلا بأس عليك في وقوعه عليه من غير قصد له، فلا يكون ذلك مانعاً لك من المبادرة إليه، أقم الأمر واحترز عن المنهي.
وخرج بقوله: (وقوعه): إيقاعه؛ بأن أوقعته عليه قاصداً له، فإن ذلك محبط للعمل، موجب للإثم، فاستغفر الله تعالى، وتب إليه منه كما سيأتي.
وقد قال الفضيل: العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
وإن يك استغفارنا يفتقر لاستغفار مثله؛ لنقصه بغفلة قلوبنا معه، بخلاف استغفار الخلص ورابعة العدوية منهم، وقد قالت: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار) هضماً لنفسها.. لا يوجب ترك الاستغفار منا المأمور به؛ بأن يكون الصمت خيراً منه، بل نستغفر وإن احتاج إلى استغفار؛ لأن اللسان إذا ألف ذكراً... أوشك أن يألفه القلب فيوافقه فيه.
قال الغزالي في "الإحياء" في (باب التوبة): لا تظن أن رابعة تذم حركة اللسان بالاستغفار من حيث إنه ذكر الله تعالى، بل تذم غفلة القلب، فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه، فإن سكت عن الاستغفار باللسان أيضاً.. احتاج إلى استغفاريين، قال: وهذا معنى قول القائل الصادق: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)