فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلانصفحات 699-712

[الرجوع في الهبة] ولا يصح رجوع أحد في هبته بعد قبضها, وإن وهبه لأعلى منه إلا للأصول, سواء أكان أباً أم أماً, أم جداً أم جدة من جهة الأب أو الأم, اتفقا ديناً أو اختلفا, قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية, أو يهب هبة فيرجع فيها, إلا الوالد فيما يعطي ولده» "رواه الترمذي والحاكم وصححاه, والوالد يشمل كل الأصول إن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه, وإلا... ألحق به بقية الأصول, بجامع أن لكل ولادةً كما في النفقة, وحصول العتق وسقوط القود.
وأما خبر: «من وهب هبة.. فهو أحق بها, ما لم يثب منها».. فيحمل على الأصول.
وللرجوع شروط: منها: عدم زوال ملك الفرع المتهب عن الموهوب, فلو زال وعاد.. لم يكن للأصل الرجوع فيه؛ لأن ملكه الآن غير مستفاد منه.
وألاَّ يتعلق به حق يمنع البيع؛ كالكتابة.
وأن يكون الرجوع منجزاً.
وأن يكون باللفظ لا بالفعل؛ كـ (رجعت فيما وهبت), أو (ارتجعت), أو (نقضت الهبة), أو (أبطلتها).
والألف في قوله: (صحا), و (أعمرتكا), (أرقبتكا) للإطلاق.

بابُ اللُّقَطة

بضم اللام وفتح القاف وإسكانها, ويقال: لقاطة بضم اللام, ولقط بفتحها بلا هاء, وهي لغة: الشيء الملتقط, وشرعاً: ما وجد من حق ضائع لا يعرف الواجد مستحقه.
والأصل فيها قبل الإجماع: "خبر الصحيحين" عن زيد بن خالد الجهني: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن لقطة الذهب أو الورق فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة, فإن لم تعرف.. فاستنفقها, ولتكن وديعة عندك, فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر.. فأدها إليه, وإلا.. فشأنك بها», وسأله عن ضالة الإبل فقال: «مالك ولها؟ ! فإن معها حذاءها وسقاءها, ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها», وسأله عن الشاة فقال: «خذها, فإنما هي لك, أو لأخيك أو للذئب».
وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية؛ من حيث إن الملتقط أمين فيما التقطه, والشرع ولاَّه حفظه كالولي, وفيه معنى الاكتساب؛ من حيث إن له التملك بعد التعريف, والمغلب من المعنيين الثاني؛ لصحة التقاط الفاسق والذمي والصبي.
(وأخذها للحر من موات... أو طرق أو مسجد الصلاة) (أفضل إذ خيانة قد أمنا... ولا عليه أخذها تعينا) [حكم أخذ اللقطة]

أي: وأخذ اللقطة للحر من موات, أو طرق في دار الإسلام, أو دار حرب فيها مسلم, أو دخلها الملتقط بأمان, أو مسجد الصلاة.. أفضل من تركها؛ إذ خيانة لنفسه فيها قد أمنها؛ بأن وثق بأمانة نفسه, بل تركها حينئذ مكروه, وليس أخذها متعيناً عليه؛ أي: إنما يكون الالتقاط أفضل إذا لم يتعين عليه أخذها؛ بأن كان هناك من يأخذها ويحفظها, فإن لم يكن هناك غيره.. وجب عليه أخذها؛ كما في الوديعة, بل هو هنا أولى؛ لأن الوديعة تحت يد صاحبها.

ولا يستحب لغير واثق بأمانة نفسه، ويجوز له، ويكره لفاسق؛ لئلا تدعوه نفسه إلي الخيانة، ويستحب الأشهاد على الالتقاط.
ويصح التقاط الصبي الفاسق والذمي في دار الإسلام، وتنزع منهما وتوضع عند عدل، وينزع الولي لقطة الصبي ويعرف، ويمتلكها للصبي إن رأى ذلك حيث يجوز الاقتراض له، ويصح التقاط المبغض لا الرقيق بغير إذن سيده، إلا المكاتب.
والألف في قول الناظم: (أمنا) و (تعينا) للإطلاق.
[ما تجب معرفته في اللقطة] (يعرف منها الجنس والوعاء... وقدرها والوصف والوكاء) أي: يعرف بفتح الياء الملتقط ندباً جنس اللقطة، أذهب هي أم فضة أم ثياب، ووعاءها من جلد أو خرقة أو غيرها، وقدرها بوزن أو عدد، ووصفها؛ كهروية أو مروية، ووكاءها؛ أي: خيطها المشدود به؛ لما في خبر (الصحيحين) السابق من الأمر بمعرفة عفاصها ووكائها، وقيس على معرفة خارجها فيه معرفة داخلها، وذلك ليعرف صدق واصفها.
(وحفظها في حرز مثل عرفا... وإن يرد تمليك نرز عرفا) (بقدر طالب وغيره سنه... وليتملك إن يرد تضمنه) (إن جاء صاحب، وما لم يدم... كالبقل باعه، وإن شا يطعم) (مع غرمه، وذو علاج للبقا... كرطب يفعل فيه الاليقا) (من بيعه رطباً، أو التجفيف... وحرموا لقطا من المخوف) (لملك حيوان منوع من أذاه... بل الذي لا يحتمي منه كشاه) (خيره بين أخذه مع العلف... تبرعا أو إذن قاض بالسلف) أو باعها وحفظ الأثمانا... أو أكلها ملتزما ضمانا) (ولم يجب إفرازها، والملتقط... في الأوليين في تخيير فقط)

فيها خمس مسائل: [وجوب حفظ اللقطة في حرز المثل] الأولى: حفظ اللقطة في حرز مثلها باعتبار العرف واجب على الملتقط أبداً إن أخذها للحفظ، وهي أمانة في يده، ولو دفعها للقاضي.. لزمه القبول، ولا يجب التعريف في هذه االحالة؛ لأنه إنما يجب لتحقيق شرط التمللك، لكن صحح النووي في (شرح مسلم) وجوبه، وقواه في "زوائد الروضة" واختاره؛ لئلا يكون كتماناً مفوتاً للحق على صاحبه، وعلى هذا يضمن بتركه.
[تعريف اللقطة إذا أراد تملكها] الثانية: إن يرد الملتقط تمليك ملتقط نزر؛ أي: قليل متمول.. عرفه زمناً يطن أن فاقده لا يعرض عنه فيه غالباً، ويختلف ذلك باختلاف المال.
قال الروياني: فدانق الفضة يعرف في الحال، ودانق الذهب يعرف يوماً أو يومين أو ثلاثة، أما القليل غير المتمول؛ كحبة الحنطة والزبيبة.. فلا يعرف، ولواجده الاستبداد به، فعن عمر رضي الله عنه: أنه رأي رجلاً يعرف زبيبة فضربه بالدرة وقال: (إن من الورع ما يمقته الله).
وقدر بعضهم القليل المتمول بما دون نصاب السرقة، والأصح: لا يتقدر به، بل هو ما غلب على الظن أن فاقده لا يكثر أسفه عليه، ولا يطول طلبه له غالباً، ويعرف غير القليل وجوباً سنة ولو مفرقة؛ للحديث، ويقاس على ما فيه غيره، وليست على الاستيعاب، بل على العادة يعرف أولاً كل يوم مرتين طرفي النهار، ثم كل يوم مرة، ثم كل أسبوع مرة أو مرتين كما في (المحرر) وغيره، ثم في كل شهر بحيث لا ينسي أنه تكرار لما مضي، وسكت الشيخان عن بيان المدد في ذلك، وفي (التهذيب) ذكر الأسبوع في المدة الأولى، ويقاس بها الثانية.

ولا يجب اتصال السنة بالالتقاط؛ لإطلاق الخبر، قال الإمام: لكن يعتبر أن يبين في التعريف زمن الوجدان؛ لينجبر التأخير المنسي.
ويستحب أن يذكر الملتقط بعض أوصافها في التعريف ولا يستوعبها؛ لئلا يعتمدها الكاذب، ولو التقطهما اثنان.. عرفها كل واحد منهما نصف سنة.
وتعريفها يكون في الأسواق، وأبواب المساجد عند خروج الناس من الجماعات، ونحوها من مجامع الناس في بلد الالتقاط، أو قريته أو أقرب البلاد إلي موضعه من الصحراء، وإن جازت به قافلة.. تبعهم وعرف، ولا يعرف في المساجد؛ كما لا تطلب اللقطة فيها، قال الشاشي: إلا ـأن الأصح: جواز التعريف في المسجد الحرام، بخلاف بقية المساجد، قال في "المهمات": وهو ظاهر في تحريم بقية المساجد، وليس كذلك؛ فالمنقول الكراهة، وقد جزم به في "شرح المهذب"، وقال ابن العراقي: المعتمد: التحريم، فهو ظاهر كلامهم، وبه صرح القاضي والماوردي.
انتهى.
وله أن يعرفها بنفسه ونائبه، وليس له أن يسافر بها، ولا أن يسلمها لغيره بلا ضرورة إلا بإذن الحاكم، فإن فعل.. ضمنها، ويعتبر كون المعرف مكلفاً غير مشهور بالخلاعة.
[تملكها بالقول إذا لم يجد مالك اللقطة بعد تعريفها] الثالثة: إذا عرفها بعد قصد تملكها، ولم يجد مالكها.. تملكها بالقول؛ كقوله: (تملكتها) وقصد أن يضمنها لصاحبها إن جاء، وتكون قرضاً عليه يثبت بدلها في ذمته.
وإذا تملكها وظهر مالكها وهي باقية بحالها واتفقا على ردها أو رد بدلها.. فذاك ظاهر، فإن أرادها المالك وأراد العدول إلي بدلها.. أجيب المالك؛ لما مر في الحديث.
ولو ردها الملتقط.. لزم المالك قبولها، وإن تلفت.. غرم مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة يوم التملك؛ فإنه يوم دخولها في ضمانه، وإن نقصت.. فله أخذها مع الأرش؛ لأن الكل مضمون فكذا البعض، وله العدول إلي بدلها سليمة.

ولو أراد الملتقط ردها مع الأرش، وأراد المالك الرجوع إلي البدل.. أجيب الملتقط، وإن زادت.. أخذها بزيادتها المتصلة دون المنفصلة، ولو ظهر المالك قبل التملك.. أخذها بزوائدها المتصلة والمنفصلة.
وإذا ادعاها شخص، ولم يصفها ولا بينة له بها.. لم تدفع إليه، إلا أن يعلم الملتقط أنها له.. فليزمه الدفع إليه، وإن وصفها وظن الملتقط صدقة.. جاز الدفع إليه ولا يجب، والقول قوله بيمينه في أنه لا يلزمه التسليم، أو لا يعلم أنها له.
فإن نكل وحلف المدعي.. وجب دفعها له، فإن دفعها إليه وأقام آخر بينة بها.. حولت إليه عملاً بالبينة، فإن تلفت عنده.. فلصاحب البينة تضمين الملتقط والمدفوع إليه والقرار عليه.
والكلام في لقطة غير حرم مكة، أما لقطته.. فلا تحل إلا أبداً لا للتملك.
[حكم اللقطة التي لا تدوم] الرابعة: الملتقط الذي لا يدوم؛ بأن كان يسرع فساده؛ كالبقل والبطيخ الأصفر، والهريسة والرطب الذي لا يتتمر: فإن شاء.. باعه؛ استقلالاً إن لم يجد حاكماً، وبإذنه إن وجده، وعرفه بعد بيعه ليتملك ثمنه بعد التعريف، وإن شاء.. تملكه في الحال، وأكله وغرم قيمته، سواء أو وجده في مفازة أم عمران، ويجب التعريف فيه.
وأما المفازة: فقال الإمام: الظاهر: أنه لا يجب؛ لأنه لا فائدة فيه، والذي يبقى بعلاج كرطب يتجفف.. يفعل فيه وجوباً الأليق؛ أي: الأصلح لصاحبه من بيعه رطباً وحفظ ثمنه وتجفيفه، ثم إن تبرع بمؤنته.. فذاك، وإلا.. فيباع بعضه وينفق على تجفيف باقيه، والفرق بينه وبين الحيوان حيث يباع جميعه كما سيأتي؛ إذ النفقة تتكرر، فيؤدي إلي أن الحيوان يأكل نفسه بنفقته.
[تحريم التقاط الحيوان الممتنع من المكان المخوف] الخامسة: حرم الأئمة لقطاً من المكان المخوف؛ كالمفازة لأجل تملك حيوان ممتنع من أذاه من صغار السباع؛ كالذئب والنمر والفهد بقوته؛ كبعير وفرس، أو بجريه كأرنب وظبي، أو بطيرانه كحمام؛ لأنه مصون بالامتناع عن أكثر مستغن بالرعي إلي أن يجده صاحبه لتطلبه له، فمن أخذه للتملك.. ضمنه، ولا يبرأ من الضمان برده إلي موضعه، فإن دفعه إلي القاضي.. برئ.

وخرج بقوله: (لملك): التقاطه للحفظ، فيجوز وإن لم يكن الملتقط قاضياً؛ لئلا يأخذه خائن فيضيع، وبقوله: (من المخوف): التقاطه من بلد أو قرية، أو موضع قريب منها، فيجوز للتملك؛ لئلا يضيع بامتداد اليد الخائنة إليه، ولا يجد ما يكيفه، بخلاف المفازة، فإن طروق الناس بها لا يعم.
ولو وجد في زمن نهب وفساد.. جاز التقاطه للتملك في المفازة والعمران، بل الذي لا يحتمي؛ أي: لا يمتنع منها؛ أي: من صغار السباع؛ كشاة وعجل، وفصيل، وكسير من إبل أو خيل.. يجوز التقاطه للتملك في العمران والمفازة؛ صيانة له عن الخونة والسباع.
وخيره؛ أ]: ملتقطة من مفازة بين أخذه وإمساكه عنده متبرعاً بالعلف؛ أي: بفتح اللام، فإن لم يتبرع به.. استأذن القاضي ليأذن له بالسلف أي: في الإنفاق عليه بالسلف منه أو من غيره؛ ليرجع به على مالكه، فإن لم يجد حاكماً.. أشهد، أو باعها؛ أي: اللقطة استقلالا إن لم يجد حاكماً، وبإذنه في الأصح إن وجده، وحفظ ثمنها وعرفها، ثم تملكه، وخيره بين أكلها متملكاً لها ملتزماً ضمانها؛ بأن يغرم قيمتها إن ظهر مالكها.
ولا يجب بعد أكلها تعريفها في الظاهر للإمام من الوجهين؛ لما مر، والخصلة الأولى أولى من الثانية، والثانية أولى من الثالثة، ولم يجب عليه إن أكلها إفراز ثمنها؛ لأن ما في الذمة لا يخشى هلاكه، فإن أفرزه... كان أمانة تحت يده.
والملتقط من العمران فيه تخيير في الخصلتين الأوليين بضم الهمزة؛ وهما: أخذها وإمساكها مع العلف، أو بيعها وحفظ ثمنها فقط، دون الخصلة الثالثة وهي أكلها، فلا يجوز، بخلاف المفازة؛ لأنه قد لا يجد فيها من يشتري بخلاف العمران، ويشق النقل إليه.
ولو كان الحيوان غير مأكول كالجحش.. ففيه الخصلتان الأوليان، ولا يجوزز تملكه في الحال في الأصح.
وقول الناظم: (وإن يرد) بالياء المثناة التحتية؛ أي: الملتقط، فقوله: (عرفا) فعل ماض، وألفه للإطلاق، أو بتاء الخطاب للملتقط، فقوله: (عرفا) فعل أمر، وألفه بدل من نون التوكيد، وفي قوله: (وليتملك إن يرد) الوجهان، وكسر ميم (يدم) للوزن، و (يطعم) بفتح الياء والعين، والألف في (الأثمانا) للإطلاق.

باب اللقيط

ويقال له: ملقوط ومنبوذ ودعى، سمي لقيطاً وملقوطاً باعتبار أنه يلتقط، ومنبوذاً باعتبار أ، هـ نبذ؛ أي: ألقى في الطريق ونحوه، وهو صغير ضائع لا يعلم له كافل.
(للعدل أ، يأخذ طفلا نبذا... فرض كفاية، وحضنه كذا) (وقوته من ماله بمن قضى... لفقده أشهد ثم اقترضا) (عليه إذ بفقد بيت المال... والقرض خذ منه لدى الكمال) [حكم الالتقاط وشروط الملتقط] أي: للعدل - بأن يكون: مكلفاً حراً مسلماً رشيداً- أن يأخذ طفلاً ولو مميزاً نبذ؛ أي: ألقى في طريق أو نحوه، وهو فرض كفاية؛ حفظاً للنفس المحترمة عن الهلاك.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، وقوله: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾، إذا بإحيائها أسقط الحرج عن الناس فأحياهم بالنجاة من العذاب، وروى مالك رضي الله تعالى عنه في "الموطأ" عن أبي جميلة: (أنه وجد منبوذاً من زمن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: فجئت به إليه فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال عريفة -واسمه سنان-: يا أمير المؤمنين؛ إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال: اذهب به فهو حر، لك ولاؤه -أي: تربيته وحضانته-وعلينا نفقته) أي: في بيت المال؛ بدليل رواية البيهقيي: (ونفقته في بيت المال).
ويجب الإشهاد عليه وعلى ما معه؛ خيفة من استرقاقه، ولئلا يضيع نسبه كالنكاح، فلو تركه.. فلا حضانة له، ويجوز الانتزاع منه، بخلاف اللقطة فإن المقصود منها المال.
ولو التقط عبد بغير إذن سيده.. انتزع منه، فإن علم به فأقره عنده، أو التقط بإذنه.. فالسيد

الملتقط وهو نائبه، أو مكاتب بلا إذن السيد.. انتزع منه، أو بإذنه.. فكذا على المذهب، فإن قال: (التقط لي).. فالسيد الملتقط.
ولمسلم وكافر التقاط كافر، ولو التقط فاسق أو محجوز عليه بسفه.. انتزع منه، ولو أراد ظاهر العدالة السفر به.. انتزع منه، وعند إقامته يوكل القاضي به رقيباً بحيث لا يشعر به، فإذا وثق به.. فكعدل، ومثل الطفل: المجنون.
وحضنه؛ أي: اللقيط بمعنى حفظه وتربيته، لا الأعمال المفصلة في الإجارة للمشقة.. كذا؛ أي: فرض كفاية؛ لأنه مقصود اللقط.
فإن عجز عن حفظه لعارض.. سلمه للحاكم، وإن تبرم به مع القدرة.. فله ذلك أيضاً على الأصح في "الروضة" و "أصلها"، ولو ازدحم اثنان على أخذه.. جعله الحاكم عند من يراه منهما أو من غيرهما، وإن أخذاه وليس أحدهما أهلاً.. سلم للآخر، وإن سبق أحدهما.. منع الآخر من مزاحمته.
وإن التقطاه معاً وهما أهل.. قدم الغني على الفقير، وظاهر العدالة على المستور، فإن استويا.. أقرع ولا يخير الطفل بينهما وإن كان مميزاً، ولا يقدم المسلم على الكافر في الكافر، ولا المرأة على الرجل، بخلاف الحضانة، قال الأذرعي: والوجه تقديم البصير على الأعمى، والسليم على المجذوم والأبرص إن قيل بأهليتهم للالتقاط.
وإن وجد بلدي لقيطاً ببلد، فليس له نقله لقرية ولا لبادية، ويجوز نقله إلي بلد آخر، ولغريب التقطه ببلد نقله إلي بلده، ولقروي التقطه بقرية نقله إلي قرية أو قريته، وإن وجده بدوي ببلد أو قرية.. فكالحضري، أو ببادية.. أقر بيده.
[مؤنة اللقيط] وقوته؛ يعني: مؤنته من ماله العام؛ كالوقف على اللقطاء، والوصية لهم، أو الخاص وهو ما اختص به؛ كالثياب الملبوسة له، والملفوفة عليه، والمفروشة تحته، والمغطى بها، والمشدودة به أو بثيابه من منطقة أو هميان، أو حلى أو دراهم أو دنانير، وكالدابة التي عنانها بيده والمشدودة به أو بثيابه، وكالمهد الذي هو فيه، والسرير الذي عليه، والدنانير المنثورة والمصبوبة تحته، أو تحت رأسه أو فراشه، وكخيمة أو دار وليس فيها غيره؛ لأن له يداً

واختصاصاً كالبالغ، والأصل الحرية ما لم يعرف غيرها، لا البستان ولا القرية، وليس له مال مدفون تحته، ولا ثياب وأمتعة موضوعة بقربه، ولكن لا ينفق منه عليه إلا بإذن القاضي إذا أمكنت مراجعته، فإن خالف.. ضمن ولم يرجع؛ كمن في يده وديعة ليتيم أنفق عليه منها بغير إذن الحاكم.
قال بعضهم: وينبغي أن يكون هذا في حاكم لا يخاف منه أنه إذا عرف بها.. أكلها، أو أكل غالبها، فإن عجز عن القاضي، أو خاف على ماله من قضاة السوء.. أشهد على ما ينفقه عليه.
فإن فقد مال اللقيط العام والخاص.. أنفق عليه من بيت المال من سهم المصالح؛ لأنه أولى بذلك من البالغ الفقير، وهو نفقه لا قرض عليه على الراجح، فلا رجوع لبيت المال عليه.
فإن لم يكن فيه مال، أو كان هناك أهم منه؛ كسد ثغر يعظم ضرره.. اقترض القاضي من أغنياء البقعة عليه، وما يقترض عليه.. يوفى من مال سيده إن كان رقيقاً، ومن ماله إن ظهر له مال، أو مال من تجب عليه نفقته إن لم يظهر له مال، وإلا.. فيقضيه الحاكم من سهم الفقراء أو المساكين أو الغارمين.
[ما يثبت به إسلام اللقيط] ويثبت إسلام اللقيط وغيره بالشهادتين من بالغ عاقل، وأخرس بإشارة، ومن صبي ومجنون بالتبعية.
ولها ثلاث جهات: إحداها: الولادة، ثانيها: سبي المسلم له إن انفرد عن أبويه، ثالثها: الدار، فإذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة، أو بدار فتحوها وأقروها بيد كفار صلحاً، أو بعد تملكها بجزية وفيها مسلم.. حكم بإسلامه.
وإذا لم يقر اللقيط برق، ولم يدعه أحد.. فهو حر.
ومن ادعى رق صغير ليس في يده، أو فيها بالتقاط.. لم يقبل إلا ببينة، أو بغيره.. قبل، فإن بلغ وأقر بالرق لغير ذي اليد.. لم يقبل، وكذا إن قال: (أنا حر) في الأصح إلا ببينة، لكن له تحليف السيد، ومن أقام بينة برقه.. عمل بها، ويشترط تعرضها لسبب الملك.
والألف في قول الناظم: (نبذا) و (اقترضا) للإطلاق.

باب الوديعة

تقال على الإيداع، وعلى العين المودعة؛ من ودع الشيء يدع إذا سكن؛ لأنها ساكنة عند المودع، وقيل: من قولهم: فلان في دعة؛ أي: راحة؛ لأنها في راحة المودع ومراعاته.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلي أهلها﴾، وقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن امنته﴾، وخبر: "أد الأمانة إلي من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، والحاكم وقال: على شرط مسلم، ولأن بالناس حاجة، بل ضرورة إليها.
وأركانها أربعة: مودع، ومودع، ووديعة، وصيغة.
(سن قبولها إذا ما أمنا... خيانة إن لم يكن تعينا) (عليه حفظها بحرز المثل... وهو أمين مودع في الأصل) (يقبل باليمين قول الرد... لمودع لا الرد بعد الجحد) (وإنما يضمن بالتعدي... والمطل في تخليه من بعد) (طلبها من غير عذر بين... وارتفعت بالموت والتجنن) [حكم قبول الوديعة] أي: سن قبول الوديعة إذا أمن على نفسه من الخيانة فيها وقدر على حفظها؛ لأنه من باب التعاون على البر والتقوى المأمور به، وهذا إن لم يتعين عليه قبولها، فإن تعين؛ بأن لم يكن هناك غيره.. وجب عليه قبولها؛ كأداء الشهادة، ولكن لا يجبر حينئذ على إتلاف منفعته ومنفعة حرزه بغير عوض.
ويحرم عليه أخذها عند عجزه عن حفظها؛ لأنه يعرضها للتلف، ويكره عند القدرة لمن لم يثق بنفسه، قال ابن الرفعة: إلا أن يعلم بحالة المالك، فلا يحرم ولا يكره، والإيداع صحيح، والوديعة أمانة وإن قلنا بالتحريم، وأثر التحريم مقصور على الإثم، لكن لو كان

المودع وكيلاً، أو ولى حيث يجوز له الإيداع.. فهي مضمونة بمجرد الأخذ قطعاً، ولم يتعرضوا له، قاله الزركشي.
[وجوب حفظ الوديعة] ويجب على المودع ولو عند إطلاق المودع حفظ الوديعة في حرز مثلها ودفع متلفاتها، فلو أخر إحرازها مع التمكن، أو وضعها في غير حرز مثلها، أو وقع الحريق في الدار فتركها حتى احترقت، أو ترك علف الدابة أو سقيها حتى ماتت به، أو ترك نشر ثياب الصوف والأكسية، وكل ما يفسده الدود، أو لبسها إذا لم تندفع الآفة إلا به حتى تلفت.. ضمنها.
[الوديع أمين] والمودع أمين؛ إذ أصل الوديعة الأمانة، فلو تلفت بلا تفريط.. لم يضمنها؛ لأن الله تعالى سماها أمانة، والضمان ينافيها، ولأن المودع يحفظها للمالك فيده كيده، ولو ضمن.. لرغب الناس عن قبول الودائع، وسواء أكانت بجعل أم لا كالوكالة.
وقضية إطلاقهم: أنه لا فرق في عدم الضمان بين الصحيحة والفاسدة، وهو مقتضى القاعدة.
وفي "الكافي": لو أودعه بهيمة وأذن له في ركوبها، أو ثوباً وأذن له في لبسه.. فهو إيداع فاسد، فإنه شرط فيه ما ينافي مقتضاه، فإذا تلفت قبل الركوب والاستعمال.. لم يضمن، أو بعده.. ضمن؛ لأنه عارية فاسدة.
ولكون الوديع أمنياً يقبل بيمينه في الرد على المودع؛ لأنه ائتمنه، ولو ادعى التلف.. قبل إجماعاً، فكذا الرد.
وشملت العبارة: الرد على من له الإيداع من مالك وولي وقيم حاكم، حتى لو ادعى الجابي تسليم ما جباه للذي استأجره على الجباية.. فالقول قوله بيمينه؛ كما أفتى به ابن الصلاح.
وخرج بما ذكره الناظم: ما لو ادعى رد الوديعة على غير من ائتمنه؛ كأن ادعى المودع ردها على وارث المودع، أو ادعى وارث المودع الرد على المالك، أو أودع عند سفره أمنياً فادعى الأمين الرد على المالك.. فإن كلا منهم يطالب بالبينة.

وكل أمين من مرتهن ووكيل، وشريك وعامل قراض، وولي محجور، وملتقط لم يتملك، وملتقط لقيط، ومستأجر وأجير وغيرهم.. يصدق باليمين في التلف على حكم الأمانة إن لم يذكر له سبباً، أو ذكر سبباً خفياً أو ظاهراً عرف دون عمومه، وإن لم يعرف.. فلا بد من إثباته بالبينة، ثم يصدق بيمينه في التلف به، وإن عرف وقوعه وعمومه، ولم يحتمل سلامتها.. صدق بلا يمين.
[جحود الوديعة] وجحود الوديعة بعد طلب مالكها -كأن قال: (لم تودعني شيئاً) - مضمن؛ لخيانته.
ولو جحدها ثم قال: (كنت غلطت) أو (نسيت).. لم يبرأ إلا أن يصدقه المالك.
ولو أقام المالك عليه بينة بها، فادعى ردها عليها.. لم يقبل قوله فيه، وهذا معنى قول الناظم: (لا الرد بعد الجحد)، أما لو أقام بينته بردها على مالكها.. فإنها تسمع؛ لأنه ربما نسى ثم تذكر؛ كما لو قال المدعى لشيء: (لا بينة لي به)، ثم جاء ببينة.. فإنها تسمع، وسواء أجحد أصل الإيداع أم لزوم تسليم شيء إليه.
[ضمان الوديعة] وإنما يضمن المودع الوديعة بالتعدي فيها؛ كأن خالف مالكها فيما أمره به في حفظها، وتلفت بسبب المخالفة؛ كأن قال له: (لا ترقد على الصندوق)، فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه، أو خلطها بمال نفسه، أو مال المالك ولم يتميز، أو انتفع بها كأن ركبها، أو لبسها بغير عذر، أو سافر بها مع وجود مالكها أو وكيله، ثم الحاكم، ثم الأمين.
ويضمنها أيضاً بالمطل في تخليه بينها وبين مالكها من بعد طلبها من غير عذر ظاهر؛ لتقصيره بترك التخلية الواجبة عليه حينئذ.
فإن ما طل في تخليتها لعذر ظاهر؛ كصلاة أو طهارة أو أكل، أو لقضاء حاجة أو حمام، أو ملازمة غريم يخاف هربه، أو نحوها مما لا يطول زمنه، أو لغير عذر ولكن لم يطلبها مالكها.. لم يضمنها؛ لعدم تقصيره، وإطلاق المطل عليه حيث لا طلب مجاز سلم منه تعبير غيره بالتأخير، وعبر بالتخلية؛ لأنه لا يجب على المودع مباشرة الرد وتحمل مؤنته، بل التخلية بينها وبين مالكها بشرط أهليته للقبض، فلو حجر عليه بسفه، أو كان نائماً فوضعها في يده..

ولو أودعه جماعة مالاً وقالوا: إنه مشترك، ثم طلبه بعضهم.. لم يكن له تسليمه، ولا قسمته؛ لاتفاقهم على الإيداع فكذا في الاستراداد، بل يرفع الأمر إلي الحاكم ليقسمه، ويدفع إليه نصيبه.
[الوديعة عقد جائز من الطرفين] والوديعة جائزة من الجانبين، فترتفع بموت المودع أو المودع، وبجنونه؛ أي: أو إغمائه؛ لأنها وكالة في الحفظ، وهذا حكم الوكالة، وترتفع أيضاً بطريان حجر السفه؛ كما قال في "الحاوي" و "الشامل" و "البيان"، وبعزل المالك وبالجحود المضمن، وبكل فعل مضمن، وبالإقرار بها لآخر، وبنقل المالك الملك فيها ببيع أو نحوه.
وفائدة الارتفاع: أنها تصير أمانة شرعية؛ كثوب طيرته الريح إلي داره، فعليه الرد عند التمكن وإن لم تطلب، فإن لم يفعل.. ضمن، والمراد به: وجوب إعلام مالك المال بحصوله في يده إن لم يعلمه.
وللمودع استرداد الوديعة، وللمودع ردها كل وقت، أما المودع.. فلأنه مالكها، أو ولي مالكها، وأما المودع.. فلتبرعه بحفظها.
قال ابن النقيب: وينبغي تقييد جواز الرد للمودع بحالة لا يلزمه فيها القبول ابتداء، أما إذا كانت بحيث يجب قبولها.. فيظهر تحريم الرد، وإن كانت بحيث يندب القبول.. فالرد خلاف الأولى إذا لم يرض به المالك.
انتهى، قال الزركشي: إن ابن الرفعة أشار إليه.
والألف في قول الناظم: (أمنا) و (تعينا) للإطلاق.

جارٍ التحميل