هي: لغة: الدعاء بخير؛ قال تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ أي: ادع لهم، وشرعاً: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، والمفروض منها في كل يوم وليلة خمس، وهو معلوم من الدين بالضرورة.
والأصل فيها قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي: حافظوا عليها دائماً بإكمال واجباتها وسننها، وقوله تعالى: ﴿فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ أي: محتمة مؤقتة، وأخبار في "الصحيحين"؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "فرض الله على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة، فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمساً في كل يوم وليلة"، وقوله للأعرابي: "خمس صلوات في الليلة" قال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع".
[شروط وجوب الصلاة]
(فرضٌ على مكلَّفٍ قد أسلما.... وعن محيضٍ ونفاسٍ سلما)
أي: الصلوات الخمس فرضٌ على كل مكلف؛ وهو البالغ العاقل قد أسلم، وسلم عن حيض ونفاس وإن لم تغتسل؛ للإجماع، ومثل المكلف: من زال عقله بسبب محرم كشرب دواء يزيل العقل بلا حاجة أو مسكر وقد علم حالهما، فيخرج بـ (المكلف): الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق"، وبـ (من قد أسلم): الكافر الأصلي، فلا تجب عليه وجوب مطالبة بها في الدنيا؛ لعدم صحتها منه، ولكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة؛ لتمكنه من فعلها بالإسلام بأن يسلم ثم يأتي بها؛ بناء على أن الكافر مخاطب بالفروع وهو
الأصح، وبقوله: (وعن محيض ونفاس سلما): الحيض والنفاس، فلا تجب عليهما ولو في زمن الردة، والسكر؛ لعدم صحتها منهما، وإسقاطها عنهما عزيمة.
وشمل قوله: (قد أسلما): المرتد فتجب عليه؛ لأنه التزمها بالإسلام، فلا تسقط عنه بالردة؛ كحق الآدمي، فيلزمه قضاؤها بعد إسلامه؛ تغليظاً عليه، فتعبيره به أحسن من تعبير غيره بـ (مسلم).
وقوله: (فرض) خبر مبتدأ محذوف عائد على الصلاة، وألف (أسلما) و (سلما) للإطلاق.
(وواجبٌ على وليِّ الشَّرعي... أن يأمر الطِّفل بها لسبع)
(والضَّرب في العشر، وفيها إن بلغ... أجزت، ولم يعد إذا منها فرغ)
فيهما ثلاث مسائل:
[أمر الطفل بالصلاة والضرب على تركها]
الأولى: أنه يجب على الولي الشرعي أباً كان أو جداً أو وصياً أو قيماً - قال في "المهمات": وفي معناه: الملتقط ومالك الرقيق، وكذا المودع والمستعير ونحوهما، فيما يظهر-: أن يأمر الطفل ذكراً كان أو أنثى بالصلاة لسبع سنين؛ أي: لتمامهما بشرط تمييزه؛ بأن يصير بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده، قال الطبري: ولا يقتصر في الأمر على مجرد صيغة، بل لابد معه من التهديد.
انتهى.
وأن يضربه على تركها في العشر من السنين ولو عقب استكمال التسع سنين؛ لخبر أبي داود بإسناد حسن: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" ورواه الحاكم وصححه، وكذا الترمذي بدون: "فرقوا بينهم في المضاجع".
وذكروا لاختصاص الضرب بالعشر معنيين: أنه زمن احتمال البلوغ بالاحتلام، وأنه حينئذ يحتمل الضرب، وعدل المصنف عن قول غيره: (لعشر) لئلا يتوهم استكمالها، ويجب على الولي أيضاً نهيه عن المحرمات، وتعليمه الواجبات؛ كالطهارة، وأجرة تعليم الفرائض من
ماله، ثم على الأب، ثم على الأم، والأصح: أن للولي أن يصرف من مال الطفل أجرة ما سوى الفرائض كالقرآن والحديث والآداب؛ لأنه يستمر معه وينتفع به.
[بلوغ الطفل في الصلاة بالسن]
الثانية: لو بلغ الطفل في الصلاة بالسن.. أجزأته ولو عن الجمعة ولو أمكنه إدراكها؛ لأنه صلاها بشرائطها، فلزمه إتمامها وأجزأته، وقد يجب إتمام العبادة وإن كان أولها تطوعاً؛ كحج تطوع، وصوم مريض شفي في أثنائه، وحذف المصنف همزة (أجزأت) تخفيفاً.
[بلوغ الطفل بعد فراغه من الصلاة]
الثالثة: لو بلغ بعد فراعه من الصلاة بالسن أو الاحتلام أو الحيض.. أجزأته ولو عن الجمعة، ولا تجب إعادتها؛ لأنه أداها صحيحة مع مراعاة معتبراتها؛ كأمة صلت مكشوفة الرأس، ثم عتقت في الوقت، بخلاف نظيره من الحج؛ لأنه لا يتكرر، فاعتبر وقوعه حال الكمال، ويستحب له الإعادة في الصورتين؛ ليؤديهما حال الكمال.
[أعذار تأخير الصلاة]
(لا عذر في تأخيرها إلاَّ لساة... أو نومٍ أو للجمع أو للإكراه)
فيه مسألة:
وهي أنه لا عذر لأحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن وقتها؛ لئلا تفوت فائدة التأقيت إلا لساه؛ أي: ناسٍ؛ لخبر ابن حبان والحاكم في "صحيحهما" عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
أو نوم استغرق الوقت به أو غلبه، أو ظن تيقظه قبل خروج وقتها بزمن يسعها؛ لخبر مسلم عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى"، أما نومه بعد دخول وقتها وقد ظن عدم تيقظه فيه، أو قبل خروجه بزمن لا يسعها، أو شك فيه.. فحرام.
أو للجمع بالسفر؛ بأن أخر الظهر بنية جمعها مع العصر، أو المغرب بنية جمعها مع العشاء؛ لما سيأتي في بابها، وأما تأخيرها بالجمع بالمطر أو بالنسك.. فحرام على الأصح.
أو للإكراه على تأخيرها؛ للخبر السابق، وتصويره مشكل؛ لأن من أكره على ترك الأفعال الظاهرة.. يمكنه إجراؤها على قلبه، وحمله في "المجموع" على الإكراه على التلبس بما ينافي الصلاة ويفسدها، وحمله بعضهم على الإكراه على أن يأتي بها على غير الوجه المجزئ من الطهارة ونحوها، وقد يمنع المحدث عن الوضوء والتيمم.
وقال التاج السبكي: المكره قد يدهش حتى عن الإيماء بالطرف ويكون مؤخراً معذوراً؛ كالمكره على الطلاق لا تلزمه التورية إذا اندهش قطعاً، وكذا إن لم يندهش على الأصح، وأما قولهم: (لا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتاً).. فإن الدهشة مانعة لثبوت عقله في تلك الحالة.
ويعذر في تأخيرها عن وقتها أيضاً للجهل بوجوبها عليه من غير تفريط في التعليم؛ كمن أسلم في دار الحرب وتعذرت هجرته، أو نشأ منفرداً ببادية ونحوها، ولخوف فوات الوقوف بعرفة على الأصح، بل يجب عليه، وللاشتغال بإنقاذ غريق، ودفع صائل عن نفس أو مال، أو بالصلاة على ميت خيف انفجاره كما أفتى به القاضي صدر الدين موهوب الجزري.
وقول الناظم: (أو للجمع) بدرج الهمزة؛ للوزن.
[مواقيت الصلاة]
(ووقت ظهرٍ: من زوالها إلى.... أن زاد عن مثلٍ لشيء ظللَّا)
(ثمَّ به يدخل وقت العصر.... واختير مثلي ظلِّ ذاك القدر)
(جاز إلى غروبها أن تفعلا.... ووقت مغربٍ بهذا دخلا)
(والوقت يبقى في القديم الأظهر.... إلى العشاء بمغيب الأحمر)
(وغاية العشاء فجرٌ يصدق.... معترضٌ يضيء منه الأفق)
(واختير للثُّلث، وجوِّزه إلى.... صادق فجرٍ، وبه قد دخلا)
(ألصُّبح، واختير إلى الإسفار.... جوازه يبقى إلى الإدبار)
ذكر في هذه الأبيات أوقات الصلوات الخمس؛ لأنها تجب بدخولها وتفوت بخروجها؛ والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أرد بـ ﴿حين تمسون﴾: صلاة المغرب والعشاء، وبـ ﴿حين تصبحون﴾: صلاة الصبح، وبـ ﴿عشيا﴾: صلاة العصر، ﴿وحين تظهرون﴾: صلاة الظهر)، وخبر: "أمني جبريل عند البيت مرتين؛ فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكان الفيء قدر الشراك، والعصر حين كان ظل الشيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم - أي: دخل وقت إفطاره - والعشاء حين غاب الشفق، والفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد.. صلى بي الظهر حين كان ظله - أي: الشيء - مثله، والعصر حين كان ظله مثليه، والمغرب حين أفطر الصائم، والعشاء إلى ثلث الليل، والفجر فأسفر، وقال: هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين" رواه أبو داوود وغيره، وصححه الحاكم وغيره.
وقوله: "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله" أي: فرغ منها حينئذ؛ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ، قاله إمامنا الشافعي نافياً به اشتراكهما في وقت؛ ويدل له خبر مسلم: "وقت الظهر: إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر".
والزوال: ميل الشمس عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بحالة الاستواء إلى جهة المغرب لا في الواقع، بل في الظاهر لنا؛ لأن التكليف إنما يتعلق به، وذلك بزيادة ظل الشيء على ظله حالة الاستواء، وحدوثه إن لم يبق عنده ظل كما في بعض البلاد التي على خط الاستواء، وقد يتصور في غيرها كمكة وذلك في ستة وعشرين يوماً قبل انتهاء طول النهار، ومثلها بعده، أو في يوم واحد وهو أطول أيام السنة نقلهما في "المجموع"، وبالثاني جزم في "الروضة" كـ "أصلها"، واليوم الذي ينتهي فيه الطول هو سابع عشر حزيران.
وبدأ المصنف كغيره بالظهر؛ تأسياً بإمامة جبريل، فوقت الظهر: من زوالها؛ أي: الشمس، فأعاد الضمير عليها وإن لم يتقدم لها ذكر؛ للعلم بها كما في قوله تعالى: {حتى توارت
بالحجاب}، إلى أن زاد ظل الشيء على ظله حالة الاستواء مثله؛ لخبر جبريل السابق.
وللظهر خمسة أوقات: وقت فضيلة: أوله وسيأتي بيانه، ووقت اختيار: إلى آخر الوقت، ووقت عذر: وهو وقت العصر لمن يجمع، ووقت ضرورة: وهو إذا زال المانع وقد من بقي الوقت قدر تكبيرة، ووقت حرمة: وهو آخر وقتها بحيث لا يسعها، ويجريان في سائر الصلوات.
وقول المصنف: (إلى أن زاد عن مثل لشيءٍ ظللا) جرى على الغالب من وجود ظل عند الاستواء.
وقوله: (ظللا) أي: صار ذا ظل عند الاستواء، فاعتبر ذلك بقامتك، أو شاخص تقيمه في أرض مستوية من عصا أو نحوها، قال العلماء: وقامة الإنسان ستة أقدام ونصف بقدمه.
ثم يصير ظل الشيء مثله بعد ظل الاستواء، إن كان يدخل وقت العصر وهي الوسطى، ووقت اختيارها: إلى مصير ظل الشيء مثليه بعد ظل الاستواء، وجوازها: إلى غروب الشمس؛ لخبر جبريل مع خبر "الصحيحين": "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس.. فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس.. فقد أدرك العصر"، وخبر ابن أبي شيبة: "وقت العصر: ما لم تغرب الشمس"، وإسناده في "مسلم"، وخبر مسلم: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى"، ظاهره: يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى من الخمس؛ أي: في غير وقت الصبح؛ لما سيأتي في وقتها، وقوله في خبر جبريل بالنسبة إليها وإلى العشاء والصبح: "والوقت ما بين هذين" محمول على وقت الاختيار؛ جمعاً بين الأدلة.
قال في "المجموع": وللعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة: من أول الوقت إلى أن يصير
ظل الشيء مثله ونصف مثله، ووقت اختيار: إلى أن يصير مثليه، ووقت جواز بلا كراهة: إلى اصفرار الشمس، ووقت جواز بكراهة: إلى غروب الشمس، ووقت عذر: وقت الظهر لمن يجمع.
ويدخل وقت المغرب بغروب الشمس؛ أي: متكاملة وإن بقي الشعاع، ويعرف في العمران بزوال الشعاع وإقبال الظلام، والوقت؛ أي: وقت المغرب يبقى في القديم الأظهر: إلى وقت العشاء بمغيب الشفق الأحمر، قال في "المجموع": بل هو الجديد أيضاً؛ لأن الشافعي علق القول به في "الإملاء" وهو من الكتب الجديدة على ثبوت الحديث فيه؛ فقد ثبت فيه أحاديث في "مسلم" منها حديث: "وقت المغرب: ما لم يغب الشفق"، ومنها حديث: "ليس في النوم تفريط" وأما حديث صلاة جبريل إياها في اليومين في وقت واحد.. فمحمولة على وقت الاختيار، وأيضاً أحاديث "مسلم" مقدمة عليه؛ لأنها متأخرة بالمدينة وهو متقدم بمكة، ولأنها أكثر رواة وأصح إسناداً، ولهذا خرجها مسلم في "صحيحه" دونه فقال: وعلى هذا: للمغرب ثلاثة أوقات: وقت فضيلة واختيار: أول الوقت، ووقت جواز: ما لم يغب الشفق، ووقت عذر: وقت العشاء لمن يجمع.
ومقابل الأظهر: أن وقتها يمتد بقدر تطهرٍ وسترٍ وسد جوعٍ، وخمس ركعات وأذان وإقامة، والاعتبار فيها بالوسط المعتدل.
ويدخل وقت العشاء بمغيب الشفق الأحمر، وغايته: الفجر الصادق، والاختيار: إلى ثلث الليل، والجواز: إلى الفجر الصادق وهو معترض؛ أي: منتشر يضيء منه الأفق؛ أي: نواحي السماء؛ لخبر جبريل، مع خبر: "ليس في النوم تفريط".
وخرج بـ (الأحمر): ما بعده من الأصفر والأبيض، وبـ (الصادق): الكاذب؛ وهو ما يطلع مستطيلاً بأعلاه ضوء كذنب السرحان وهو الذئب، ثم يذهب ويعقبه ظلمة، ثم يطلع الفجر الصادق.
وفي بلاد المشرق نواحي تقصر لياليهم فلا يغيب الشفق عندهم، فأول وقت العشاء في حقهم: أن يمضي بعد غروب الشمس قدر ما يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم.
قال في "المجموع": وللعشاء أربعة أوقات: وقت فضيلة: أول الوقت، ووقت اختيار:
إلى ثلث الليل على الأصح، ووقت جواز: إلى طلوع الفجر الصادق، ووقت عذر: وقت المغرب لمن يجمع.
ويدخل وقت الصبح بالفجر الصادق، والاختيار: إلى الإسفار بكسر الهمزة؛ أي: الإضاءة، والجواز: إلى الإدبار بكسرها؛ أي: إدبار الليل بأول طلوع الشمس؛ لما مر من خبر مسلم: "وقت صلاة الصبح: من طلوع الفجر الصادق ما لم تطلع الشمس"، وله أربعة أوقات: وقت فضيلة: أول الوقت، ووقت اختيار: إلى الإسفار، ووقت جواز بلا كراهة: إلى الحمرة التي قبل طلوع الشمس، ووقت جواز بكراهة: إلى الطلوع، وهي نهارية.
وألف (ظللا) و (تفعلا)، و (دخلا) في الموضعين للإطلاق.
[استحباب تعجيل الصلاة أول الوقت]
(وسن تعجيل الصلاة في الأول... إذ أول الوقت بالأسباب اشتغل)
أي: يسن تعجيل الصلاة ولو عشاء في أول وقتها؛ بأن اشتغل فيه بأسبابها كالطهارة والستر والأذان؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾، ومن المحافظة عليها تعجيلها، وقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، ولخبر ابن مسعود: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لأول وقتها" رواه الدارقطني وغيره وصححوه، ولخبر: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثه) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ولو لم يحتج إلى أسبابها وأخر بقدرها.. حصلت الفضيلة، ولا يكلف عجلة زائدة على العادة، ولا يضر التأخير لأكل لقم وكلام قصير، وتحقق الوقت وتحصيل الماء، وإخراج خبث يدافعه ونحو ذلك؛ لأنه حينئذ لا يعد متوانياً ولا مقصراً.
وقد علم: أن الصلاة تجب بأول وقتها وجوباً موسعاً فلا يأثم بتأخيرها إن عزم على فعلها فيه ولو مات قبل فواتها.
وقول المصنف: (الأول) بضم الهمزة وفتح الواو جمع أوَّل باعتبار الأوقات الخمسة، و (أوَّل) منصوب بـ (اشتغل)، و (بالأسباب) بنقل حركة همزها إلى الساكن قبلها متعلق به أيضاً، و (إذ) في كلامه: ظرفية أو تعليلية.
[استحباب الإبراد بفعل الظهر وشروطه]
وما تقدم من أنه يسن تعجيل الصلاة لأول وقتها.. محله ما لم يعارضه ما هو أرجح منه، فإن عارضه.. يسن تأخيرها، وذلك في مسائل كثيرة ذكر المصنف هنا منها: مسألة الإبراد بالظهر فقال:
(وسنَّ الآبراد بفعل الظُّهر... لشدَّة الحرِّ بقطر الحرِّ)
(لطالب الجمع بمسجدٍ أتي... إليه من بعدٍ خلاف الجمعة)
أي: وسن لمريد الصلاة الإبراد بفعل الظهر؛ أي: تأخيره؛ لشدة الحر إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه قاصد الجماعة، ولا يجاوز به نصف الوقت، بقطر الحر، لطالب الجمع؛ أي: الجماعة إماماً كان أو مأموماً، بمسجد؛ أي: ونحوه من أمكنة الجماعة، أتي للصلاة إليه من بعد؛ لكثرة الناس فيه، أو فقه إمامه أو نحوه؛ أي: ولا يجد كنا يمشي فيه؛ والأصل فيه: خبر "الصحيحين": "إذا اشتد الحر.. فأبردوا بالصلاة"، وفي رواية للبخاري: "بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم" أي: هيجانها، ولأن في تعجيل الصلاة في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله.
وما ورد مما يخالف ذلك.. منسوخ، فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار، ولا في قطر بارد أو معتدل وإن اتفق فيه شدة الحر، ولا لمن يصلي منفرداً أو جماعة ببيت، أو بمسجد حضره جماعة لا يأتيهم غيرهم، أو يأتيهم غيرهم من قرب، أو من بعد لكن يجد كناً يمشي فيه؛ إذ ليس ذلك كثير مشقة، وسن الإبراد أيضاً لمنفرد يريد فعل الظهر في
المسجد؛ كما أشعر به كلام الرافعي ونبه عليه الإسنوي.
ويؤخذ مما تقرر: أن المراد بالبعد: ما يذهب معه الخشوع أو كماله.
وقوله: (خلاف الجمعة) أي: بإسكان الميم، فلا يسن الإبراد بها؛ لخبر "الصحيحين" عن سلمة: (كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس)، ولشدة الخطر في فواتها المؤدي إليه تأخيرها بالتكاسل؛ لكون الجماعة شرطاً في صحتها وقد لا يدركها بعضهم، ولأن الناس مأمورون بالتبكير إليها فلا يتأذون بالحر، وما في "الصحيحين": من (أنه صلى الله عليه وسلم كان يبرد بها).. بيان للجواز فيها؛ جمعاً بين الأخبار.
وخرج بقوله: (بفعل الظهر) أذانها فلا يسن الإبراد به، وقوله: (الإبراد) بنقل حركته لساكن قبلها، واللام في قوله: (لشدة الحر) تعليلية، أو بمعنى: (في) أو (عند).
(صلاة ما لا سببٌ لها امنعا... بعد صلاة الصبح حتى تطلعا)
(وبعد فعل العصر حتى غربت... وعندما تطلع حتى ارتفعت)
(والاستوا - لا جمعةٍ - إلى الزَّوال... والاصفرار لغروبٍ ذي كمال)
(أمَّا الَّتي لسببٍ مقدَّم... - كالنذر والفائت- لم تحرم)
(وركعتا الطواف والتحية... والشكر والكسوف والجنازة)
(وحرم الكعبة، لا الإحرام... ونكره الصلاة في الحمام)
(مع مسلخٍ، وعطنٍ، ومقبره... ما نبشت، وطرقٍ، ومجزره)
(مع صحةٍ كحاقنٍ وحازق... وعند مأكولٍ: صلاة التائق)
في هذه الأبيات مسألتان:
[الأوقات التي تكره فيها الصلاة]
الأولى: أن الصلاة التي لا سبب لها متقدم ولا مقارن تمتنع؛ أي: تحرم، ولا تنعقد بعد فعلين، وفي ثلاثة أوقات كما سيأتي: بعد فعل فرض صلاة الصبح أداء حتى تطلع الشمس،
وبعد فعل فرض العصر أداء ولو في وقت الظهر لجمع التقديم حتى تغرب الشمس؛ للنهي عن الصلاة فيهما في خبر "الصحيحين"، وخرج بفرض الصبح والعصر: سنتهما فلا تحرم الصلاة بعد فعلهما، وعندما تطلع الشمس حتى ترتفع قدر رمح تقريبا في رأي العين، وإلا.. فالمسافة طويلة جدا، وعند الاستواء؛ بأن تصير في وسط السماء إلى الزوال عنه، وهو وقت لطيف جدا لا يتسع لصلاة، إلا أن التحريم بها قد يقع فيه فلا ينعقد، وعند الاصفرار حتى يتم غروب الشمس؛ للنهي عنها في خبر مسلم، وليس فيه ذكر الرمح.
ويستثنى من تحريم الصلاة عند الاستواء: يوم الجمعة، فلا تحرم الصلاة فيه على أحد وإن لم يحضر الجمعة؛ لاستثنائه في خبر أبي داوود وغيره، وفيه: "أن جهنم لا تسجر يوم الجمعة" أي: لا توقد، ولا يضر كونه مرسلا؛ لاعتضاده بأنه صلى الله عليه وسلم استحب التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء.
أما الصلاة التي لها سبب متقدم أو مقارن.. فلا تحرم فيها؛ كالنذر والفائت ولو نقلا اتخذه وردا، وركعتي الطواف والوضوء والتحية؛ أي: بأن دخل المسجد بنية غيرها كاعتكاف، أو بنيتهما، أو بلانية، أما الداخل بنيتها فقط.. فتحرم منه؛ كما لو أخر الفائتة ليقضيها في تلك الأوقات، وسجدة التلاوة والشكر، وصلاة كسوف الشمس أو القمر، وصلاة الجنازة؛ أما التحية.. فلخبر "الصحيحين": "إذا دخل أحدكم المسجد.. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، وأما الفائتة.. فلخبر: "فليصلها إذا ذكرها"، وخبر "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد صلاة العصر ركعتين وقال: "هما اللتان بعد الظهر"، وأما الجنازة.. فقد نقل ابن المنذر الإجماع على أنها تفعل بعد الصبح والعصر، وأما غير الفائتة مما ذكر.. فبالقياس عليها؛ ولأن الأدلة الطالبة لهذه الصلوات عامة في الأوقات خاصة بتلك الصلوات، وأحاديث النهي بالعكس، ورجحت الأولى؛ بأنها لم يدخلها تخصيص، وأحاديث النهي دخلها التخصيص بالفائتة للحديث، وصلاة الجنازة؛ للإجماع كما مر.
ويستثنى من تحريم الصلاة في الأوقات المكروهة: حرم الكعبة؛ أي: الحرم المكي، فلا
تحرم الصلاة فيه بحال؛ لخبر: "يا بني عبد مناف؛ لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ولما فيه من زيادة فضل الصلاة.
نعم؛ هي خلاف الأولى كما في "مقنع المحاملي" خروجا من خلاف مالك وأبي حنيفة.
وخرج بـ (حرم مكة): الحرم المدني؛ فلا تستثنى الصلاة فيه.
أما الصلاة التي سببها متأخر كالإحرام؛ أي: كركعتي الإحرام والاستخارة.. فتحرم فيها؛ لأن سببهما وهو الإحرام والاستخارة متأخر عنهما.
والمراد بالمتقدم وقسيميه بالنسبة إلى الصلاة كما في "المجموع"، وإلى الأوقات المكروهة كما في "الروضة" و"أصلها"، والأول منهما أظهر كما قاله الإسنوي وغيره، وعليه جرى ابن الرفعة، فعليه: صلاة الجنازة سببها متقدم، وعلى الثاني: قد يكون متقدما وقد يكون مقارنا بحسب وقوعه في الوقت أو قبله.
[أمكنة وأحوال تكره الصلاة فيها]
الثانية: تكره الصلاة كراهة تنزيه في أمكنة، منها: الحمام مع مسلخه، وعطن الإبل؛ أي: الموضع الذي تنحى إليه الإبل الشاربة ليشرب غيرها كما قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه وغيره، أو لتشرب هي عللا بعد نهل كما قاله الجوهري وغيره، ومقبرة -بتثليث حركة الباء- ما نبشت، وطرق؛ أي: في البنيان دون البرية، ومجزرة بفتح الزاي؛ أي: موضع جزر الحيوان؛ أي: ذبحه؛ للنهي عن الصلاة في المذكورات، رواه الترمذي.
وألحق بالحمام مواضع الخمر والحانة والمكس، والكنائس، والبيع، والحشوش ونحوها، والمعنى في الكراهة فيها: أنها مأوى الشياطين، وفي عطن الإبل: نفارها السالب للخشوع، وألحق به مأواها ليلا؛ للمعنى المذكور فيه، بخلاف عطن الغنم، ومراحها؛ أي: مأوها ليلا، والبقر كالغنم كما قاله ابن المنذر وغيره، وفي المقبرة والمجزرة؛ أي: ونحوهما كالمزبلة: نجاستها فيما يحاذي المصلي، ومن هنا يعلم: أنها لا تكره في مقبرة الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، وفي الطرق: اشتغال القلب بمرور الناس فيها وقطع الخشوع.
ومحل كراهة الصلاة فيما مر: إذا اتسع وقتها، وإلا.. فلا تكره.
وخرج بما ذكر: الصلاة على سطح الحمام والحش ونحوهما؛ فلا تكره، وبقوله: (ما نبشت): ما إذا نبشت، فلا تصح الصلاة فيها ما لم يحل طاهر، والمشكوك في نبشها كالتي ما نبشت.
وتصح الصلاة في الأمكنة المكورهة؛ لخبر "الصحيحين": "وجعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا"، بخلافها في الأوقات المكروهة، والفرق: أن تعلقها بالوقت أشد من تعلقها بالمكان؛ لتوقفها على أوقات مخصوصة دون أمكنة مخصوصة، فكان الخلل في الوقت أعظم، ومع هذا صحت في المكان وإن كان النهي للتحريم كالمغصوب.
وقوله: (كحاقن) أي: بالنون؛ أي: مدافع للبول؛ فإن صلاته تكره كراهة تنزيه مع صحتها، وفي معناه: الحاقب بالموحدة، وهو المدافع للغائط، وحازق بالزاي، وهو المدافع للريح، وقيل: هو الحازق خفه على رجله لضيقه، وكراهة الصلاة مع ما ذكر؛ لإذهابه الخشوع، فيستحب أن يفرغ نفسه من هذه الأشياء ثم يصلي وإن فاتته الجماعة، وأما تحريم هذه الأشياء عند غلبة الظن بحصول الضرر بها.. فلأمر خارج عن الصلاة، وهذا: كما تكره صلاة التائق بالمثناة؛ أي: المشتاق إلى المأكول؛ أي: أو المشروب وقد حضره أو قرب حضوره؛ لخبر مسلم: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان"، ولخبر "الصحيحين": "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة.. فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه".
ومحل الكراهة: عند اتساع الوقت، فإن ضاق.. وجب عليه أن يصلي مدافعا وجائعا وعطشانا؛ لحرمة الوقت ولا كراهة.
وقول المصنف: (صلاة ما لا سبب لها) مفعول مقدم لـ (امنعا)، وألفه بدل من التوكيد، وألف (تطلعا) للإطلاق، وأعاد الضمائر في (تطلعا) و (غربت) و (تطلع) و (ارتفعت) على الشمس وإن لم يتقدم لها ذكر؛ للعلم بها، وقصر (الاستوا) للوزن.
[الصلوات المسنونة]
ثم شرع في بيان الصلاة المسنونة فقال.
(مسنونها: العيدان والكسوف... كذاك الاستسقاء والخسوف)
المسنون والنقل والتطوع والمندوب والمستحب والمرغب فيه ما عدا الفرض، وأفضل العبادات البدنية بعد الإسلام: الصلاة، وتطوعها أفضل التطوع، وهو قسمان: قسم تسن الجماعة فيه وهو أفضل من القسم الآخر؛ لأن مشروعية الجماعة فيه تدل على تأكيد أمره، ومشابهته للفرائض، لكن الأصح: تفضيل الراتبة على التراويح.
وأفضل القسم الأول: العيدان؛ أي: صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى؛ لشبههما بالفرض في الجماعة وتعين الوقت، وللخلاف في أنهما فرضا كفاية، وأما خبر مسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل".. فمحمول على النقل المطلق، وجرى ابن المقري في "شرح إرشاده" على تساوي العيدين في الفضيلة، وعن ابن عبد السلام أن عيد الفطر أفضل، وكأنه أخذه من تفضيلهم تكبيره على تكبير الأضحى؛ لأنه منصوص عليه، ولكن الأرجح في النظر كما قال الزركشي: تفضيل عيد الأضحى؛ لأنه منصوص عليه، ولكن الأرجح في النظر كما قاله الزركشي: تفضيل عيد الأضحى؛ لأنه شهر حرام، وفيه نسكان: الحج، والأضحية، قيل: إن عشره أفضل من العشر الأخير من رمضان.
انتهى، وبه جزام ابن رجب الحنبلي؛ ويدل له خبر أبي داوود عن عبد الله بن قرط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر".
ثم صلاة كسوف الشمس، ثم صلاة خسوف القمر؛ لخوف فوتهما بالانجلاء كالمؤقت بالزمان، ولدلالة القرآن عليهما قال تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله﴾ الآية، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يترك الصلاة لهما، بخلاف الاستسقاء؛ فإنه تركه أحيانا، وأما تقدم الكسوف على الخسوف.. فلتقدم الشمس على القمر في القرآن والأخبار؛ ولأن الانتفاع بها أكثر من الانتفاع به، وقد قيل: إن نوره مستمد من نورها، وقد اشتهر اختصاص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر فأطلقهما المصنف؛ بناء على ما اشتهر من الاختصاص،
وعلى قول الجوهري: إنه الأجود، وإن كان الأصح عند الجمهور: أنهما بمعنى.
ثم صلاة الاستسقاء؛ لطلب الجماعة فيها كالفريضة.
ثم شرع في بيان القسم الذي لا تسن الجماعة فيه فقال:
[صلاة الوتر]
(والوتر ركعة لإحدى عشر... بين صلاة للعشا والفجر)
أي: ثم الأفضل بعد ما مر صلاة الوتر؛ لخبر: "أوتروا؛ فإن الله وتر يحب الوتر" رواه أبو داوود، وصحح الترمذي، ولخبر: "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس.. فليفعل، أو بثلاث.. فليفعل، أو بواحدة.. فليفعل" رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
والصارف عن وجوبه: قوله تعالى: ﴿والصلوة الوسطى﴾ إذ لو وجب.. لم يكن للصلوات وسطى، وخبر: "إن الله افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة"، وخبر: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع".
وقول المصنف: (ركعة) بدل من (الوتر)، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ركعة إلى إحدى عشرة ركعة؛ للأخبار الصحيحة فيه؛ بأن يوتر بواحدة، أو بثلاث، أو بخمس، أو بسبع، أو تسع، أو إحدى عشرة ركعة وهي أكثر الأخبار الصحيحة، كخبر "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة).
ووقته: بين فعل صلاة العشاء- وإن جمعها تقديما، أو لم يصل بعدها نافلة - وطلوع الفجر؛ للإجماع، ولخبر: "إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم؛ وهي
الوتر، فجعلها لكم من العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أبو داوود والترمذي، وصححه الحاكم وابن السكن.
و(الوتر) بكسر الواو وفتحها، وقوله: (للعشا) بالقصر؛ للوزن.
لمن صلى الوتر أكثر من ركعة الفصل؛ بأن يسلم من كل ركعتين وهو أفضل؛ لأنه أكثر أخبارا وعملا، وظاهر: أن العدد الكثير الموصول أفضل من العدد القليل المفصول؛ لزيادة العبادة، والوصل بتشهد أو بتشهدين في الأخيرتين؛ للاتباع، رواه مسلم، فيمتنع تشهده في غير الأخيرتين وزيادته على تشهدين؛ لأنه خلاف المنقول، وأصح الأوجه: أن التشهد أفضل من التشهدين.
وتأخير الوتر أفضل لمن كان له تهجد أو وثق باستيقاظه؛ لخبر "الصحيحين": "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل الوتر"، ولخبري مسلم: "بادروا الصبح بالوتر"، و"من خاف ألا يقوم آخر الليل.. فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره.. فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل"، فإن لم يكن له تهجد ولم يثق باستيقاظه.. فتقديم الوتر أفضل؛ لما مر، وخبر أبي هريرة: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)، فإنه محمول على من لا يثق بالقيام آخر الليل؛ جمعا بين الأخبار، ولو أوتر ثم تهجد.. لم يعده؛ لخبر: "لا وتران في ليلة" رواه أبو داوود والترمذي وحسنه.
[رواتب الفرائض]
(ثنتان قبل الصبح، والظهر كذا... وبعده، ومغرب، ثم العشا)
(وسن ركعتان قبل الظهر... تزاد كالأربع قبل العصر)
أي: أن رواتب الفرائض المؤكدة عشر ركعات: ركعتان قبل فرض الصبح وهما أفضلهما؛ لخبر "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر)، وخبر مسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، وركعتان قبل فرض الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد فرض المغرب، وركعتان بعد فرض العشاء؛ للاتباع رواه الشيخان.
وسن أن تزاد ركعتان قبل الظهر؛ أي: وركعتان بعده؛ لخبر: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها.. حرمه الله على النار" رواه الترمذي وغيره وصححوه.
والجمعة كالظهر، وأربع قبل العصر؛ لخبر: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا" رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، وسن أيضا ركعتان خفيفتان قبل المغرب كما سيأتي في كلامه، وركعتان قبل العشاء.
و(ثم) في قوله: (ثم العشا) للترتيب الذكري لا المعنوي؛ إذ الثمان ركعات في مرتبة واحدة.
(ثم التراويح فندبا تفعل... ثم الضحى، وهي ثمان أفضل)
(ثنتان أدناها، ووقتها هوا... من ارتفاع الشمس حتى الاستوا)
فيهما مسألتان:
[صلاة التراويح]
الأولى: ثم الأفضل بعد الرواتب والتراويح؛ لسنية الجماعة فيها، وقوله: (فندبا تفعل) تأكيد، وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات، وذلك خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين؛ والأصل فيها: خبر "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخر فصلى في بيته باقي الشهر، وقال: "خشيت أن
تفرض عليكم فتعجزوا عنها"، ولأن عمر جمع الناس على قيام شهر رمضان الرجال على أبي بن كعب، والنساء على سليمان ابن أبي حثمة، رواه البيهقي، وأما خبر: (ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على أحد عشرة ركعة).. فمحمول على الوتر.
قال الحليمي: والسر في كونها عشرين ركعة: أن الرواتب المؤكدة في غير رمضان عشر ركعات فضوعفت فيه؛ لأنه وقت جد وتشمير.
ولو صلاها أربعا أربعا بتسليمه.. لم تصح؛ لشبهها بالفرائض في طلب الجماعة؛ فلا تغير عما ورد، بخلاف الرواتب والضحى.
ولأهل المدينة فعلها ستا وثلاثين ركعة؛ لأن العشرين خمس ترويحات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط، فجعل أهل المدينة بدل كل أسبوع ترويحة، ولا يجوز ذلك لغيرهم؛ لأن لأهلها شرفا بهجرته صلى الله عليه وسلم ومدفنه.
ووقتها: بين فعل فرض العشاء وطلوع الفجر.
[صلاة الضحى]
الثانية: ثم الأفضل بعد التروايح الضحى؛ لأنها مؤقتة بزمان، وأفضلها: ثمان ركعات؛ أي: وأكثرها: اثنتا عشرة ركعة، كذا في "الروضة" كـ"أصلها"، والأكثرون - كذا في "المجموع" -أن أكثرها: ثمان، وصححه في "التحقيق" لخبر "الصحيحين" عن أم هانئ: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ثمان ركعات) وعنها أيضا: (أنه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثمان ركعات، يسلم من كل ركعتين) رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وما قيل من أن هذا لا يدل على أن ذلك أكثرها.. رد بأن الأصل في العبادات التوقيف ولم تصح الزيادة على ذلك.
وأقلها: ركعتان؛ لخبر أبي هريرة السابق، ولخبر مسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يصليهما من الضحى".
وأدنى الكمال: أربع، وأكمل منه: ست، ويسن أن يسلم من كل ركعتين.
ووقتها: من ارتفاع الشمس إلى استوائها كما جزم به الرافعي، وفي "المجموع" و"التحقيق": إلى الزوال، ووقتها المختار: ربع النهار.
وألف (هوا) للإطلاق.
(والنفل في الليل من المؤكد... وندبوا تحية للمسجد)
(ثنتان في تسليمة لا أكثرا... تحصل بالفرض ونفل آخرا)
(لا فرد ركعة ولا جنازة... وسجدة للشكر أو تلاوة)
(كرر بتكرير دخول يقرب... وركعتان إثر شمس تغرب)
فيها ثلاث مسائل:
[النفل المطلق]
الأولى: النفل المطلق- وهو غير المؤقت وذي السبب- في الليل من المسنون المؤكد، فهو أفضل من النفل المطلق في النهار؛ لخبر مسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "الصلاة خير موضوع استكثر منها أو أقل" رواه ابن حبان والحاكم في "صحيحيهما".
والأفضل أن يسلم من كل ركعتين؛ لخبر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" صححه البخاري والخطابي والبيهقي وغيرهم، وإذا زاد على ركعة.. فله أن يتشهد في كل ركعتين أو
ثلاث أو أكثر؛ لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة، وليس له أن يتشهد في كلا ركعة وإن جاز له أن يتنقل بركعة مفردة؛ لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد.
[تحية المسجد]
الثانية: ندبوا؛ أي: الأئمة تحية للمسجد لداخله، ثنتان في تسليمة؛ أي: هي ثنتان، فهو خبر مبتدأ محذوف لا أكثر؛ أي: لا يزيد على تسليمة واحدة، فله أن يصليها مئة ركعة فأكثر بتسليمة وتكون كلها تحية؛ لاشتمالها على ركعتين، فإن سلم من ركعتين وزاد عليهما بنيتها في وقت الكراهة.. لم يصح، أو في غيره.. فكذلك إن علم امتناعه، وإلا.. انعقدت نافلة مطلقة؛ والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "إذا دخل أحدكم المسجد.. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، فيكره له أن يجلس من غير تحية بلا عذر.
وظاهر كلامه كغيره: أنه لا فرق في سنها بين مريد الجلوس وغيره، لكن قيده الشيخ نصر بمريده؛ ويؤيده الخبر المذكور، والظاهر كما قاله الزركشي: أن التقييد بذلك خرج مخرج الغالب، وأن الأمر بذلك معلق على مطلق الدخول؛ تعظيما للبقعة وإقامة للشعار، كما يسن لداخل مكة الإحرام، سواء أراد الإقامة بها أم لا.
وتحصل التحية بالفرض ولو قضاء أو نذرا، وبنفل آخر غيرها، سواء أنواها مع ذلك أم أطلق؛ لأن القصد بها ألا تنتهك حرمة المسجد بلا صلاة، وكلامهم كالصريح أو صريح في حصول فضلها وإن لم تنو، لما مر، وإن بحث بعض المتأخرين كالأذرعي عدم حصوله حينئذ.
ولا تحصل بركعة وصلاة جنازة وسجدة شكر أو تلاوة؛ للخبر السابق، وتحصل بصلاة ركعتين أولهما من قيام وثانيهما من جلوس.
ويتكرر سن التحية بتكرر دخول يقرب كما يتكرر عند بعده؛ إذ المسبب يتجدد بتجدد سببه؛ كتكرر سجدة التلاوة بتكرر آيتها ولو قربت، ويفوت بجلوسه قبل فعلها وإن قصر الفصل إلا بجلوس قصير سهوا أو جهلا.
وتكره تحية المسجد في صور، منها: إذا دخل والإمام في المكتوبة، أو في الإقامة أو قربت بحيث تفوته تكبيرة الإحرام لو اشتغل بها، أو دخل المسجد الحرام، بل يطوف، والأصح: عدم ندبها للخطيب عند صعوده المنبر.
[استحباب ركعتين قبل المغرب]
الثالثة: تسن ركعتان قبل المغرب؛ لخبر "الصحيحين": "بين كل أذانين صلاة"، والمراد: الأذان والإقامة، ولخبر البخاري: "صلوا قبل صلاة المغرب" أي: ركعتين كما رواه أبو داوود، ويسن تخفيفهما كما في "المنهاج" كـ"المحرر" و"الشرح الصغير"، قال في "المجموع": واستحبابهما قبل شروع المؤذن في الإقامة، فإن شرع فيها.. كره الشروع في غير المكتوبة.
وألف (أكثرا) و (آخرا): للإطلاق.
[ما يقضى من النوافل]
(وفائت النفل المؤقت اندب... قضاءه لا فائتاً ذا سبب)
أي: وفائت النفل المؤقت وإن لم تشرع له جماعة كنفل اتخذه ورداً.. اندب؛ أي: أنت قضاءه مطلقاً من غير تقييد بوقت؛ كقضاء الفرائض بجامع التأقيت، ولخبر "الصحيحين": "من نام عن صلاة أو نسيها.. فليصلها إذا ذكرها"، ولأنه صلى الله عليه وسلم (قضى بعد الشمس ركعتي الفجر)، و (بعد العصر الركعتين اللتين بعد الظهر) رواه مسلم وغيره، ولخبر أبي داوود بإسناد حسن: "من نام عن وتره أو نسيه.. فليصله إذا ذكره"، لا فائتاً ذا سبب؛ كالكسوف والاستسقاء والاستخارة والتحية، فإنه لا يقضى؛ إذ فعله لعارض وقد زال، وكذلك النفل المطلق لا يقضى كما اقتضاه كلامه.
نعم؛ إن شرع فيه ثم أفسده.. قضاه كما ذكره الرافعي في صوم التطوع، والقضاء فيه بمعناه اللغوي.
(والفور والترتيب فيما فاتا... أولى لمن لم يختش ألفواتا)
فيه مسألتان:
[الفور في قضاء الفوائت]
الأولى: الفور في قضاء ما فاته من الصلوات؛ أي: بعذر كنوم ونسيان أولى؛ تعجيلاً لبراءة ذمته، وتداركاً لما فاته من الخلل، فإن أخره.. جاز له؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فاتته صلاة الصبح في الوادي فلم يقضها حتى خرج منه، أما ما فاته بغير عذر.. فالفور في قضائه واجب؛ لأن توسعة الوقت في القضاء رخصة، والرخصة لا تناط بالمعاصي، ولأنه مفرط في تأخير بغير عذر.
[الترتيب في قضاء الفوائت]
الثانية: الترتيب في قضاء ما فاته من الصلوات أولى؛ لترتيبه صلى الله عليه وسلم فوائت الخندق حين أخر الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل، وللخروج من الخلاف، وإنما لم يجب ترتيبها؛ لأنها عبادات مستقلة، وترتيبها من توابع الوقت وضروراته، فلا يعتبر في القضاء كصيام أيام رمضان، ولأنها ديون عليه فلا يجب ترتيبها إلا بدليل، [و] فعله صلى الله عليه وسلم المجرد إنما يدل عندنا على الاستحباب.
وقوله: (لمن لم يختش الفواتا) أي: أن أولوية الفور في قضاء ما فاته وأولوية ترتيبه كلاهما لمن لم يخف فوات الصلاة الحاضرة بأن اتسع وقتها، فإن خاف فوتها.. قدمها على الفائتة وجوباً؛ لئلا تصير فائتة، فإن شرع في الفائتة ثم بان ضيق وقت الحاضرة.. وجب قطعها، ولو تذكر الفائتة ي أثناء الحاضرة.. لم يقطعها ضاق الوقت أو اتسع.
وتعبيره بـ (الفوات) كالرافعي في كتبه والنووي في "منهاجه".. يقتضي استحباب الفورية والترتيب إذا أمكنه فعل الفائتة وإدراك ركعة من الحاضرة في وقتها، وبه صرح ابن الرفعة؛ بناءً على أن الكل أداء، لكن مقتضى تعبير "الروضة" بالضيق خلافه، ومال إليه الإسنوي
وغيره؛ لامتناع إخراج البعض عن الوقت في الأصح.
ولو خاف فوات جماعة الحاضرة ووقتها متسع.. فالأفضل عند النووي: أن يصلي الفائتة أولاً منفرداً؛ لأن الترتيب مختلف في وجوبه، والقضاء خلف الأداء مختلف في جوازه، لكن قال الإسنوي: إن الأفضل البداءة بالحاضرة جماعة، ونقله عن جمع، وقال: كأن ما قالهالنووي من تفقهه وهو مردود؛ للخلاف في الجماعة أيضاً، وامتازت بالخلاف عندنا، ورد بأن النووي لم ينفرد به، بل سبقه إليه جماعة، وبأن الخلاف في الترتيب خلاف في الصحة، فرعايته أولى من الجماعة التي هي من التكملات.
وشمل إطلاقهم: أولوية ترتيب الفوائت ما زاد على صلوات يوم وليلة وهو كذلك؛ خروجاً من خلاف أحمد وإن قال مالك وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب فيما زاد على صلوات يوم وليلة، وما إذا فاتت كلها بعذر أو بغيره، أو بعضها بعذر وإن تأخر، وهو كذلك، وإن استشكل بعض المتأخرين القسم الأخير منها.
وألف (فاتا) و (الفواتا) للإطلاق.
[دخول وقت رواتب الفرائض وخروجها]
(وجاز تأخير مقدم أدا... ولم يجز لما يؤخر ابتدا)
(ويخرج النوعان جمعاً بانقضا... ما وقت الشرع لما قد فرضا)
أي: جاز تأخير راتب مقدم على الفرض عن فعله حال كونه أداء؛ لامتداد وقته بامتداد وقت فرضه وإن خرج وقته المختار بفعله، وقد يؤمر بتأخيره عنه كمن حضر والإمام فيه؛ لخبر:
"إذا أقيمت الصلاة.. فلا صلاة إلا المكتوبة"، ولا يجوز الابتداء بالرواتب المؤخرة عن الفرض قبل فعله؛ لأن وقته إنما يدخل بفعله، ويخرج النوعان؛ أي: الراتب المقدم والراتب المؤخر بانقضاء وقت الفرض المقدر له شرعاً؛ لأنهما تابعان له.
وألف (فرضا) للإطلاق.
[جواز القعود في صلاة النفل]
(ثم الجلوس جائز في النفل... بغير عذر، وهو نصف الفضل)
أي: ثم القعود جائز في صلاة النفل ولو في العيدين والكسوفين والاستسقاء لغير عذر؛ أي: من قادر على القيام فيها بغير مشقة شديدة، وهو - أي: فضل فعله قاعداً - نصف فضل فعله قائماً، كما أن فضل فعله مضطجعاً نصف فضله قاعداً؛ لخبر البخاري: "من صلى قائماً.. فهو أفضل، ومن صلى قاعداً.. فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً - أي: مضطجعاً - فله نصف أجر القاعد"، وهو وارد فيمن صلى النفل كذلك مع قدرته على القيام أو القعود.
وهذا في حقنا، أما في حقه صلى الله عليه وسلم.. فثواب نفله قاعداً مع قدرته على القيام كثوابه قائماً، وهو من خصائصه.
وخرج بما ذكر: ما فعله مومياً أو مستلقياً، فإنه لا يجوز وإن أتم الركوع والسجود؛ لعدم وروده، وخرج بقوله: (بغير عذر): ما إذا فعله قاعداً أو مضطجعاً بعذر، فإنه لا ينقص أجره كالفرض، بل أولى، ولا يجوز قعود الصبي في المكتوبة، ولا القعود في الفريضة المعادة على الأصح فيهما.
[أركان الصلاة]
ولما كانت الصلاة تشتمل على فروض تسمى أركاناً، وعلى سنن تنقسم إلى أبعاض وهيئات.. بدأ بذكر أركانها فقال:
(أركانها: ثلاث عشر: النية... في الفرض قصد الفعل والفرضية)
(أوجب مع التعيين، أما ذو السبب... والوقت: فالقصد وتعيين وجب)
(كالوتر، أما مطلق من نفلها... ففيه تكفي نية لفعلها)
(دون إضافة لذي الجلال وعدد الركعات واستقبال)
قد اشترك الركن والشرط في أنه لابد منهما، ولكن الفرق بينهما: أن الشرط: ما اعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه كالطهر والستر واستقبال القبلة؛ فإنها تعتبر مقارنتها للركوع وغيره، والركن: ما اعتبر فيها لا بهذا الوجه كالقيام والركوع وغيرهما، فأركانها ثلاثة عشر كما في "المنهاج" و"أصله" بجعل الطمأنينة في محالها الأربعة في الركوع وما بعده كالهيئة التابعة، وجعلها في "الروضة" و"التحقيق" سبعة عشر بجعل الطمأنينة في محالها الأربعة أركاناً؛ ويؤيد الأول كلامهم في التقدم والتأخر بركن أو أكثر، وبه يشعر خبر: "إذا قمت إلى الصلاة... " والمعنى لا يختلف.
[الركن الأول: النية]
الأول: النية؛ لأنها واجبة في بعض الصلاة وهو أولها فكانت ركناً؛ كالتكبير الأول، وقد تقدم الكلام عليها في (المقدمة).
قوله: (في الفرض) أوجب أنت في الفرض ولو كفاية أو نذراً قصد الفعل؛ أي: فعل الصلاة؛ ليمتاز عن بقية الأفعال، وهي هنا ما عدا النية؛ لأنها لا تنوى، فلا يكفي إحضارها في الذهن مع الغفلة عن الفعل؛ لأنه المطلوب، والفرضية؛ أي: إن كان المصلي بالغاً؛ تمييزاً لها عن صلاة الصبي، مع التعيين له من كونها ظهراً أو عصراً أو جمعة مثلاً، فلا تصح الجمعة بنية الظهر كعكسه، ولا يكفي نية فرض الوقت لصدقة بالفائتة التي ذكرها، وصوب في "المجموع" عدم وجوب نية الفرضية في صلاة الصبي؟ ! وصححه في "التحقيق" إذ كيف ينوي فرض ما لا يقع فرضاً؟ ! لكنه سوى في "الروضة" كـ"أصلها" بين البالغ والصبي.
أما النفل ذو السبب كالكسوف والاستسقاء، والمؤقت كالعيدين والرواتب.. فالقصد؛ أي: قصد فعله وتعيين له، ولا تجب نية الفعلية؛ لأنها ملازمة للنفل كالوتر، ولو زاد على ركعة وفصله.. فينوي في الركعتين وإن كانتا شفعاً الوتر؛ كما ينوي في جميع ركعات التراويح
التراويح، وله أن ينوي فيما سوى الأخيرة منه إذا فصله صلاة الليل، أو مقدمة الوتر أو سنته، وهو أولى.
وأفاد بقوله: (كالوتر) أنه لا يضيفه إلى العشاء؛ لأنه سنة مستقلة، ويميز عيد الفطر عن الأضحى، وسنة الظهر التي قبلها عن التي بعدها وإن لم يؤخرها، ولا يجب التعيين في تحية المسجد وركعتي الوضوء، والطواف والإحرام والاستخارة ونحوها.
وأما النفل المطلق؛ وهو ما لا وقت له ولا سبب.. فيكفي فيه نية فعل الصلاة؛ لأنه أدنى درجات الصلاة، فإذا نواها.. وجب أن يحصل له، ولا تجب الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن العبادات لا تكون إلا له، ولا عدد الركعات، لكن لو عين وأخطأ.. لم تنعقد؛ لأنه نوى غير الواقع، ولا استقبال القبلة؛ إذ لا يجب التعرض للشرط، وكونها أداء أو قضاء.
ولو ظن خروج الوقت فصلاها قضاء فبان بقاؤه، أو ظن بقاءه فصلاها أداء فبان خروجه.. أجزأته؛ لأن كلا من الأداء والقضاء يأتي بمعنى الأخر مع كونه معذوراً.
(ثان: قيام قادر القيام... وثالث: تكبيرة الإحرام)
(ولو معرفا عن التنكير... وقارن النية بالتكبير)
(في كله حتماً، ومختار الإمام... والنووي وحجة للإسلام: )
(يكفي بأن يكون قلب الفاعل... مستحضر النية غير غافل)
[الركن الثاني: القيام للقادر]
الركن الثاني: قيام القادر عليه ولو صبياً؛ أي: في الفرض ولو معاداً؛ لخبر البخاري عن عمران بن حصين قال: كان بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟ فقال: "صل قائماً، فإن لم تستطع.. فقاعداً، فإن لم تستطع.. فعلى جنب"، زاد النسائي: "فإن لم تستطع.. فمستلقياً، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".
وخرج بـ (الفرض): النفل وقد تقدم، وبـ (القادر): العاجز وسيأتي.
وشرطه: نصب فقار الظهر، فلو استند إلى شيء.. أجزأه ولو تحامل عليه.
وإن كان بحيث يرفع قدميه، أو انحنى قريباً من حد الركوع، أو مائلاً على أحد جنبيه بحيث لا يسمى قائماً.. لم يصح.
ولو قدر العاجز عن القيام مستقلاً على القيام متكئاً على شيء، أو قدر على القيام على ركبتيه، أو قدر على النهوض بمعين ولو بأجرة مثل وجدها فاضلة عن مؤنثه ومؤنة ممونه يومه وليلته.. لزمه ذلك.
[الركن الثالث: تكبيرة الإحرام]
الركن الثالث: تكبيرة الإحرام في القيام أو بدله؛ لخبر المسيء صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة.. فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن رافعاً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه الشيخان، وفي رواية للبخاري: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك"، وفي "صحيح ابن حبان" بدل قوله: "حتى تعتدل قائماً": "حتى تطمئن قائماً".
وكيفية التكبير: (الله أكبر)، أو (الله الأكبر)، منكراً أو معرفاً كما قال: (معرفاً عن التنكير)، وأشار به إلى أن الزيادة التي لا تمنع الاسم.. لا تضر؛ كـ (الله الجليل أكبر)، أو (الله عز وجل أكبر)، قال بعضهم: أو (الله الذي لا إله إلا هو أكبر)، أو نحوها مما لا يطول فيه الفصل.
فلا يجزئ: (الله كبير)، ولا: (الرحمن الرحيم أكبر)، ولا: (الله أعظم وأجل) لما مر، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يبتدئ الصلاة بقوله: "الله أكبر" رواه ابن ماجه وغيره، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري، ولفوات معنى (أفعل) في الأول.
ولو عكس فقال: (أكبر الله)، أو (الأكبر الله).. لم تنعقد؛ لأنه لا يسمى تكبيراً، بخلاف: (عليكم السلام).
ولو طال الفصل عرفاً بما تخلل من الصفات؛ كـ (الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس أكبر)، أو طال سكوته بين كلمتي التكبير، أو زاد حرفاً فيه يغير المعنى؛ كمد همزة (الله أكبر) وألف بعد الهاء، أو واو ساكنة أو متحركة بينهما.. لم تنعقد.
ويجب أن يكبر قائماً حيث يلزمه القيام، وأن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لغط أو غيره، وأن يكبر بالعربية، فإن عجز عنها وهو ناطق.. ترجم عنها بأي لغة شاء، ولا يعدل إلى غيره من الأذكار، ووجب التعلم إن قدر عليه ولو بالسفر إلى بلد آخر، وبعد التعليم لا يجب عليه قضاء ما صلاة بالترجمة قبله، إلا أن يكون آخره مع التمكين منه.. فإنه لابد من صلاته بالترجمة عند ضيق الوقت؛ لحرمته، ويجب القضاء؛ لتفريطه بالتأخير.
ويجب على الأخرس تحريك لسانه وشفتيه ولهاته بالتكبير قدر إمكانه، قال في "المجموع": وهكذا حكم تشهده وسلامه وسائر أذكاره.
وقارن الناوي النية بالتكبير في كله حتماً؛ أي: وجوباً؛ لأنه أول الأركان، بأن يستحضر جميع ما أوجبناه عند أوله ويستمر ذاكراً له إلى آخره بحيث يقارن كل حرف منه؛ كما يجب حضور شهود النكاح إلى الفراغ منه، واختار النووي في شرحي "المهذب" و"الوسيط" تبعاً لإمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي: الاكتفاء بالمقارنة العرفية عند العوام؛ بحيث يعد مستحضراً للصلاة عرفاً غير غافل عنها اقتداء بالأولين في تسامحهم بذلك، وقال ابن الرفعة: إنه الحق، والسبكي: إنه الصواب.
وقول المصنف: (والنووي) بسكون الياء إجراء للوصل مجرى الوقف.
[حكم العاجز عن القيام في الفرض]
(ثم انحنى لعجزه أن ينتصب... من لم يطق يقعد كيفما يحب)
أي: ثم انحنى مصلي الفرض ولو كانحناء الراكع؛ لعجزه عن أن ينتصب قائماً؛ لأنه أقرب
إلى القيام، ويزيد انحناءً لركوعه إن قدر؛ لتتميز الركعتان، ولو أمكنه القيام والاضطجاع دون القعود.. أتى به قائماً؛ لأنه قعود وزيادة، فيومئ بالركوع والسجود إمكانه، ويتشهد قائماً، ولا يضطجع، ومن لم يطق القيام في الفرض؛ أي: بأن شق عليه مشقة شديدة؛ كخوف هلاك، أو زيادة مرض، أو غرق أو دوران رأس في ذلك.. يقعد كيفما يحب، لكن افتراشه أفضل من تربعه وغيره؛ لأنه قعود للعبادة فكان أولى من قعود العادة، ولأنه قعود لا يعقبه سلام كالقعود للتشهد الأول، وقال الماوردي: إن تربع المرأة أفضل؛ لأنه أستر لها، لكن قال في "المجموع": ولم أره لغيره، وإطلاق الشافعي والأصحاب يخالفه.
ومن صلى قاعداً.. انحنى لركوعه؛ بحيث تحاذي جبهته ما قدام ركبتيه، والأكمل: أن تحاذي موضع سجوده، ولو جلس الغزاة ورقيبهم في مكمن ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير.. صلوا قعوداً وأعادوا؛ لندرة العذر، ولو صلوا قعوداً لخوق قصد العدو.. فالأصح: لا إعادة.
قال في "زيادة الروضة": الذي اختاره الإمام في ضبط العجز: أن تلحقه مشقة تذهب خشوعه، وقال في "المجموع": لأنه لابد من مشقة ظاهرة.
قال المصنف: وكنت أخذت بقول الإمام في النظم فقلت:
(ومن خشوعه إذا قام ذهب... صلى وجوباً قاعداً كيف أحب)
ثم لما رأيت الجماعة خالفوه.. عدلت عنه.
انتهى.
(وعاجز عن القعود صلى... لجنبه، وباليمين أولى)
(ثم يصلي عاجز على قفاه... وبالركوع والسجود أوماه)
(بالرأس، إن يعجز فبالأجفان... للعجز أجرى القلب بالأركان)
(ولا يجوز تركها لمن عقل... وبعد عجز إن يطق شيئاً فعل)
في هذه الأبيات مسألتان:
[حكم العاجز عن القعود في الفرض]
الأولى: أن من عجز عن القعود في الفرض بما مر في العجز عن القيام.. صلى لجنبه؛ أي: عليه متوجهاً بمقدمه القبلة؛ لخير عمران السابق، وباليمين؛ أي: والصلاة على الجنب اليمين أولى؛ لينال فضيلة التيامن، بل تكره على اليسار بلا عذر كما ذكره في "المجموع"، ثم يصلي الفرض عاجز عن الاضطجاع على قفاه؛ للخبر السابق، ويجعل رجليه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلاً، وأومأ المضطجع والمستلقي بالركوع والسجود إن عجز عن إتمامهما بأن يقرب جبهته من الأرض ما أمكن، ويكون سجوده أخفض من ركوعه؛ تمييزاً بينهما.
ولو قدر القاعد على أقل ركوع القاعد أو أكمله من غير زيادة.. أتى بالممكن مرة عن الركوع ومرة عن السجود، ولا يضر استواؤهما، ولو قدر على زيادة على أكمل الركوع.. تعينت للسجود، ولو عجز أن يسجد إلا بمقدم رأسه أو صدغه وكان بذلك أقرب إلى الأرض.. وجب.
ثم إن عجز عن الإيماء بالرأس.. فبالأجفان يومئ، ثم للعجز عن الإيماء بالأجفان.. أجرى أركانها على قلبه وجوباً؛ بأن يمثل نفسه قائماً، ثم راكعاً... وهكذا؛ لأنه الممكن، فإن اعتقل لسانه.. أجرى القرآن والأركان على قلبه، وأما إجراء سننها على قلبه.. فسنة، ولا يجوز ترك الصلاة ما دام عقله باقياً كالإيمان.
وإنما عبر المصنف بأركانها دون أفعالها الشاملة لسننها؛ لأن كلامه فيما يجب على المصلي أن يفعله.
[إذا قدر العاجز في الصلاة على شيء مما عجز عنه أتى به وجوباً]
الثانية: أن المصلي على هيئة من الهيئات السابقة إذا أطاق شيئاً.. فعله وجوباً، وبنى على صلاته ولا يلزمه استئنافها، فإذا قدر في أثناء القراءة على القيام أو القعود.. أتى بالمقدور، وكذلك لو عجز عنه، ويبني على قراءته، ولا تجزئ في نهوضه؛ لقدرته على القراءة فيما هو أعلى منه، ويجب في هوي العاجز؛ لأنه أكمل مما بعده، وإن قدر بعدها.. وجب قيامه
ليركع، ولا تجب الطمأنينة في هذا القيام؛ لأنه غير مقصود لنفسه، أو في الركوع قبل الطمأنينة.. ارتفع لها إلى حد الركوع، فإن انتصب.. بطلت صلاته، أو في الاعتدال قبل الطمأنينة.. قام واطمأن، وكذا بعدها إن أراد قنوتاً، وإلا.. فلا، فإن قنت قاعداً.. بطلت صلاته.
وقول المصنف: (للعجز أجرى القلب بالأركان) الباء فيه بمعنى: (على) أو (في) وهو بمعنى قول غيره: إجراء أركانها على قلبه؛ فإن معنى إجراء القلب على الأركان أو فيها: استحضارها، فلا حاجة إلى ادعاء كونه مقلوباً، وقوله: (يعجز) بكسر الجيم ويجوز فتحها.
[الركن الرابع: قراءة الفاتحة]
(و (الحمد) لا في ركعة لمن سبق... بـ (باسم) والحروف والشد نطق)
أي: وركنها الرابع: (الحمد) أي: قراءة (سورة الفاتحة) في القيام أو بدله، للمنفرد وغيره، في السرية والجهرية، فرضاً كانت أو نفلاً، حفظاً أو تلقيناً أو نظراً في مصحف أو نحوه؛ لخبر "الصحيحين": "لا صلاة لمن يقرأ بـ (فاتحة الكتاب) "، وخبر ابني خزيمة وحبان في "صحيحيهما": "لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بـ (فاتحة الكتاب) " أي: في كل ركعة؛ لما في خبر المسيء صلاته في رواية ابن حبان وغيره: "ثم اقرأ بـ (أم القرآن)... " إلى أن قال: "ثم اصنع ذلك في كل ركعة".
وأما قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾.. فوارد في قيام الليل لا في قدر القراءة، أو محمول مع خبر: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" على (الفاتحة) أو على العاجز عنها؛ جمعاً بين الأدلة.
وهي ركن في كل ركعة؛ لفعله صلى الله عليه وسلم كما في "مسلم"، مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، إلا في ركعة لمن سبق بها؛ بأن لم يدرك بعد تحريمه مع
الإمام زمناً يسعها.. فليست ركناً فيها؛ لأنه يدركها بإدراكه ركوع الإمام، وليس المراد أنها لا تجب عليه أصلاً، بل تجب عليه ويتحملها عنه إمامه في الأصح، ولهذا لا تحسب ركعته إذا كان إمامه محدثاً، أو في ركعة زائدة؛ لأنه حينئذ ليس أهلاً للتحميل.
وفي معنى المسبوق: كل من تخلف بعذر عن الإمام بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، وزال عذره والإمام راكع؛ كما لو كان بطيء القراءة، أو نسي أنه في الصلاة، أو امتنع من السجود بسبب زحمة، أو شك بعد ركوع إمامه في قراءة (الفاتحة) فتخلف.
[البسملة آية من الفاتحة]
والبسملة آية كاملة من (الفاتحة) فيجب النطق بها؛ لعدة صلى الله عليه وسلم إياها آية منها، صححه ابن خزيمة والحاكم، وهي آية من أول كل سورة سوى (سورة براءة) لخبر مسلم عن أنس: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا؛ إذ أغفا إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا نبي الله؟ ! قال: "أنزلت علي سورة" فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطينك الكوثر﴾.. إلى آخرها)، ولإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه في أوائل السور، سوى (سورة براءة) دون الأعشار وتراجم السور والتعوذ، فلم لم يكن قرآناً.. لما أجازوا ذلك؛ لأنه يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً.
والقول بأن إثباتها للفصل يلزم عليه ما ذكر، وأن تكتب أول (براءة)، وألا تكتب أول (الفاتحة)، وبأن الفصل كان ممكناً بتراجم السور كأول (براءة)، وألا تكتب أول (الفاتحة)، وبأن الفصل كان ممكناً بتراجم السور كأول (براءة)، والتواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآناً قطعاً، أما ما ثبت قرآناً حكماً.. فيكفي فيه الظن كما يكفي في كل ظني.
وأما قول أنس: (كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يفتتحون الصلاة بـ"الحمد لله رب العالمين").. فمعناه: كانوا يفتتحون بـ (سورة الحمد)، يبينه ما صح عنه؛ كما قاله الدارقطني: أنه كان يجهر بـ (البسملة)، وقال: (لا آلو أن أقتدى بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم).
وأما قوله: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً
منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" كما رواه مسلم.. فقال أئمتنا: إنه رواية اللفظ الأول بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه، ولو بلغ الخبر بلفظه كما في "البخاري".. لأصاب، واللفظ الأول بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه، ولو بلغ الخبر بلفظه كما في "البخاري".. لأصاب، واللفظ الأول هو الذي اتفق عليه الحفاظ.
ويجب النطق بالحروف؛ وهي مئة وأحد وأربعون حرفاً بقراءة ﴿الملك﴾ [الفاتحة: 3] بلا ألف، والشد؛ أي: التشديدات؛ وهي أربع عشرة شدة؛ لأن (الفاتحة) جملة الكلمات المنظومة، والجملة تنتفي بانتفاء جزئها كما تنتفي بانتفاء كلها، فلو خفف حرفاً مشدداً من (الفاتحة).. بطلت قراءته؛ لإخلاله بحرف؛ إذ المشدد حرفان، ولو شدد المخفف.. جاز وأساء.
وقول المنصف: (بباسم) متعلق بـ (نطق) مبنياً للفاعل أو المفعول وهو أنسب بقوله:
(سبق) لأنه مبني للمفعول.
(لو أبدل الحرف بحرف أبطلا... وواجب ترتيبها مع الولا)
(وبالسكوت انقطعت إن كثرا... أو قل مع قصد لقطع ما قرا)
(لا لسجوده، وتأمين، ولا... سؤاله لما إمامه تلا)
فيها ثلاث مسائل:
[إبدال حرف من الفاتحة بآخر]
الأولى: لو أبدل مع سلامة لسانه حرفاً من (الفاتحة) أو بدلها بحرف؛ كإبدال ضاد (الضالين) بالظاء، وذال (الذين) المعجمة بالمهملة.. أبطل قراءته لتلك الكلمة؛ لتغييره النظم، ولو نطق بالقاف مترددة بينهما وبين الكاف كما ينطق بها العرب.. صح مع الكراهة، قاله نصر المقدسي والروياني وغيرهما، وجزم به في "الكفاية"، قال في "المجموع": وفيه نظر، قال: فإن لحن ولم يغير معنى.. كره، فإن تعمد.. حرم وصحت صلاته، وإن غير؛ كضم تاء (أنعمت) أو كسرها.. لم تصح قراءته، وتبطل صلاته إن تعمد.
وتجوز القراءة بالسبع دون الشواذ، فإن قرأ شاذاً.. صحت صلاته إن لم يغير المعنى ولا زاد حرفاً ولا نقصه.
انتهى.
والشاذ عنده كغيره: ما وراء السبعة، وقال البغوي: هو ما وراء العشرة، وتبعه السبكي وصححه ولده الشيخ تاج الدين، قال في "المجموع": وإذا قرأ بقراءة.. كمل بها ندباً، ويجوز التنويع إن لم يرتبط الثاني بالأول.
[وجوب ترتيب الفاتحة]
الثانية: يجب ترتيب (الفاتحة) بأن يأتي بها على نظمها المعروف؛ لأن النظم والترتيب مناط البلاغة والإعجاز، فلو عكس.. بنى إن سها ولم يطل الفصل، وإلا.. استأنف إذا لم يخل بالمعنى، وإلا.. بطلت صلاته إن تعمد، واستشكل وجوب الاستئناف عند العمد بالوضوء والأذان والطواف والسعي، وأجيب بأن الترتيب هنا لما كان مناط الإعجاز كما مر.. كان الاعتناء به أكثر؛ فجعل قصد التكميل بالمرتب صارفاً عن صحة البناء، بخلاف تلك الصور.
[وجوب الولاء بين كلمات الفاتحة]
الثالثة: يجب الولاء بين كلمات (الفاتحة) للاتباع، وبالسكوت عمداً في أثنائها ولو لعائق غير ما يأتي.. انقطعت قراءتها إن كثر؛ أي: طال سكوته عرفاً وإن لم يقصد قطعاً؛ أي: أو أتى بذكر لا يتعلق بالصلاة؛ كحمده عند العطاس وإن كان مندوباً في الصلاة أيضاً؛ لإشعاره بالإعراض عنها، أو قل سكوته مع قصد منه لقطع ما قرأه به؛ لاقتران الفعل بنية القطع؛ كنقل الوديعة بقصد التعدي، فإن لم يقصد القطع ولم يطل السكوت.. لم يؤثر؛ كنقل الوديعة بلا قصد تعد، ولأن ذلك قد يكون لتنفس أو سعال، وكذا لو ترك الولاء ناسياً كتركه إياه في الصلاة بأن طول ركناً قصيراُ ناسياً، أو طال سكوته؛ لتذكر آية نسيها، أو للإعياء، وعلم أن قصده القطع بلا سكوت.. لا يؤثر؛ لأن القراءة باللسان ولم يقطعها، بخلاف ما لو قصد قطع الصلاة؛ لأن النية ركن فيها تجب إدامتها حكماً ولا يمكن ذلك مع نية القطع، وقراءة (الفاتحة) لا تفتقر إلى نية خاصة فلا تتأثر بنية القطع، لا بسجوده وتأمين منه وسؤاله الرحمة لما إمامه تلا في الصور الثلاث.. فلا يقطع به الولاء؛ لكونه مطلوباً في الصلاة لمصلحتها، أما إذا فعل شيئاً من ذلك لما تلاه غير إمامه.. فينقطع به الولاء، بل تبطل بسجوده إن تعمد، ولو سأل الرحمة لما تلاه هو.. لم ينقطع الولاء.
وألف (بطلا) و (كثرا) للإطلاق، والبيتان الأخيران ساقطان من بعض النسخ.
(ثم من الآيات سبع والولا... أولى من التفريق ثم الذكر لا)
(ينقص عن حروفها، ثم وقف... بقدرها، واركع بأن تنال كف)
(لركبة بالانحنا، والاعتدال... عود إلى ما كان قبله فزال)
[حكم العاجز عن قراءة الفاتحة]
أي: ثم إن عجز عن (الفاتحة) التي هي ركن.. فالركن بدلها سبع من الآيات من غيرها ولو متفرقة؛ كما في قضاء رمضان، خلافاً للرافعي رحمه الله تعالى، والولاء - أي: والآيات المتوالية - أولى من المتفرقة؛ لأنها أشبه بـ (الفاتحة)، وللخروج من الخلاف.
ولو قرأ العاجز عنها سبع آيات متفرقة لا تفيد معنى منظوماً كـ ﴿ثم نظر﴾.. لم يكف عند إمام الحرمين، واقره في "الروضة" و"أصلها"، لكن اختار في "المجموع" و"التنقيح" الاكتفاء بها؛ كما أطلقه الجمهور، ومن يحسن بعض (الفاتحة).. يأتي به ويبدل الباقي إن أحسنه، وإلا.. كرر في الأصح، وكذا من يحسن بعض بدلها من القرآن، ويجب الترتيب بين الأصل والبدل.
ثم إن عجز عن القرآن.. فالركن الذكر؛ لخبر الترمذي وحسنه: "إذا قمت إلى الصلاة.. فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد وأقم، فإن كان معك قرآن.. فاقرأ، وإلا.. فاحمد الله وكبره وهلله"، قال البغوي رحمه الله تعالى: يجب سبعة أنواع من أنواع الذكر؛ ليكون كل نوع مكان آية، وقال الإمام: لا يجب، قال الشيخان: والأول أقرب؛ تشبيهاً لمقاطع الأنواع بغايات الآي.
قال الإمام: والأشبه: إجزاء دعاء يتعلق بالآخرة دون الدنيا ورجحه في "المجموع"، قال الإمام: فإن لم يعرف غير ما يتعلق بالدنيا.. أتى به وأجزأه، قال في "الروضة" كـ"أصلها": ويشترط ألا يقصد بالذكر المأتي به غير البدلية؛ كمن استفتح أو تعوذ لا بقصد تحصيل سنتهما، لكن لا يشترط قصد البدلية فيهما ولا في غيرهما من الأذكار على الأصح.
قوله: (لا ينقص عن حروفها) أي: لا يجوز نقص البدل من قرآن أو غيره عن حروف (الفاتحة) وهي مئة وستة وخمسون حرفاً بقراءة ﴿مالك﴾ بالألف كالمبدل، بخلاف صوم يوم قصير عن طويل؛ لعسر مراعاة الساعات.
وأفهم كلامه: أنه لا يضر زيادة البدل ولا التفاوت بين حروف الآيات والأنواع وهو كذلك.
ثم إن عجز عن الذكر بترجمة وغيرها.. وقف وجوباً قدر (الفاتحة) في ظنه؛ لأنه المقدور وهو مقصود، ولا يترجم عنها، بخلاف الذكر؛ لفوات الإعجازء فيها.
[الركن الخامس: الركوع]
الركن الخامس: الركوع؛ لقوله تعالى: ﴿اركعوا﴾، ولخبر: "إذا قمت إلى الصلاة... "، وأقله للقائم: أن ينال كفه ركبتيه؛ يعني: راحتاه ركبتيه لو أراد ذلك عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين بالانحناء لظهره، لا بالانخناس ولا بهما، أما ركوع القاعد.. فتقدم.
[الركن السادس: الاعتدال]
الركن السادس: الاعتدال ولو في النفل؛ كما صححه في "التحقيق" لخبر: "إذا قمت إلى الصلاة... "، وهو عوده إلى ما كان عليه قبله فزال عنه الركوع؛ من قيام أو غيره، ويشترط فيه وفي سائر الأركان: عدم صرفه إلى غيره، حتى لو رفع من ركوعه فزعا من شيء.. لم يكف، بل يعود للركوع، ثم يعتدل منه.
[الركن السابع: السجود]
(والسابع: السجود مرتين مع... شيء من الجبهة مكشوفاً يضع)
أي: الركن السابع: السجود مرتين في كل ركعة؛ لخبر: "إذا قمت إلى الصلاة... " وأقله: أن يضع شيئاً من جبهته مكشوفاً على مسجده؛ لخبر: "إذا سجدت.. فمكن جبهتك، ولا تنقر نقراً" رواه ابن حبان عن ابن عمر وصححه، ولخبر: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء... " إلى أن قال: "ويسجد فيمكن جبهته من الأرض"، وخبر خباب بن الأرت رضي الله عنه: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)، أي: لم يزل شكوانا، رواهما البيهقي بسندين صحيحين، وجه الدلالة: انه لو لم يجب كشف الجبهة.. لأرشدهم إلى سترها، واعتبر كشفها دون بقية الأعضاء؛ لسهولته فيها دون البقية.
نعم؛ إن سترها لعذر كجراحة وشق عليه إزالة الساتر.. كفى السجود عليه من غير إعادة.
ويجزئ السجود على شعر بجبهته وإن لم يستوعبها.
ويجب أن يتحامل على مسجده بثقل رأسه وعنقه؛ بحيث لو سجد على قطن أو نحوه.. لاندك؛ لما مر.
وألا يسجد على متحرك من ملبوسه بقيامه وقعوده؛ لأنه كالجزء منه، فإن سجد عليه عامداً عالماً بتحريمه.. بطلت صلاته، أو ساهياً أو جاهلاً.. لم تبطل، ويجب إعادة السجود، وأما خبر "الصحيحين" عن أنس: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض.. بسط ثوبه فسجد عليه).. فمحمول على ثوب منفصل، فإن لم يتحرك بحركته كطرف عمامته أو لم يكن من ملبوسه كعود في يده.. كفى السجود عليه.
وأن يضع فيه يديه وركبتيه وقدميه؛ لخبر "الصحيحين": "أمرت أن أسجد على سبعة
أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين"، ورجح الرافعي رحمه الله تعالى عدم الوجوب، وعلله بأنه لو وجب وضعها.. لوجب الإيماء بها عند العجز، والإيماء بها لا يجب فلا يجب وضعها، وحمل الأمر في الخبر على الندب، وأجاب الأول بأنه إنما لم يجب الإيماء بها كالجبهة؛ لأن معظم السجود وغاية الخضوع بالجبهة دونها، ويكفي على الوجوب وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكفين سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطون الأصابع.
وأن يرفع أسافله على أعاليه؛ للاتباع رواه ابن حبان وصححه، مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فلا يكتفى برفع أعاليه على أسافله ولا تساويهما؛ لعدم اسم السجود؛ كما لو أكب ومد رجليه، فلو أمكن العاجز عن وضع جبهته على موضع السجود على وسادة بأن حصل معها التنكيس.. وجب، وإلا.. فلا كما قال في "الروضة" و"أصلها": إنه الأشبه بكلام الأكثرين، وصححه في "المجموع"، وجزم به في "الأنوار"، وفي "المهمات": أن الفتوى عليه؛ لفوات هيئة السجود، بل يكفيه الانحناء الممكن، وصحح في "الشرح الصغير" الوجوب؛ لأنه يلزمه هيئة التنكيس ووضع الجبهة، فإذا تعذر أحدهما.. أتى بالآخر؛ لأنه مقدوره، ورجحه في "الخادم".
(وقعدة بينهما للفصل... ويطمئن لحظة في الكل)
[الركن الثامن: القعود بين السجدتين]
أي: الركن الثامن: قعدة بين السجدتين في كل ركعة؛ للفصل بينهما ولو في النفل؛ لخبر: "إذا قمت إلى الصلاة... "، وأشار بقوله: (للفصل): إلى أنه ركن قصير كالاعتدال فيجب ألا يطوله، ولا الاعتدال.
ويطمئن لحظة وجوباً في الكل؛ أي: في الركوع، والاعتدال، والسجود مرتين، والقعود بينهما؛ للخبر المذكور، والطمأنينة: سكون بعد حركة، ففي الركوع مثلاً يكون بحيث ينفصل رفعه عن هوية بأن تستقر أعضاؤه قبل رفعه.
[التشهد الأخير وقعوده والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه]
ثم ذكر الركن التاسع والعاشر والحادي عشر: وهي التشهد الأخير: والقعود فيه وفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفي التسليمة الأولى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه فقال:
(ثم التشهد الأخير فاقعد... فيه مصليا على محمد)
أي: ثم التشهد الأخير - يعني: الذي في آخر الصلاة كتشهد الصبح والجمعة والمقصورة - فاقعد فيه في حال كونك مصلياً عقبه على محمد.
أما التشهد.. فلخبر الدارقطني والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله... " إلى آخره، والمراد: فرضه آخر الصلاة؛ لخبر "الصحيحين": (أنه صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين من الظهر ولم يجلس، فلما قضى صلاته.. كبر وهو جالس فسج سجدتين قبل السلام، ثم سلم)، دل عدم تداركه على عدم وجوبه، ولأن محله لا يتميز كونه عبادة عن العادة فوجب فيه ذكر؛ ليتميز كما في القراءة، بخلاف الركوع والسجود، وسمي تشهداً؛ لما فيه من الشهادتين من باب تسمية الكل باسم جزئه مجازاً، وأقله: (التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله).
وأما القعود.. فلأن كل من أوجب التشهد أوجب القعود فيه.
وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم.. فلقوله تعالى: ﴿صلوا عليه﴾، قال أئمتنا:
قد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها، والقائل بوجوبها مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله، وفي "الصحيحين" عن كعب ابن عجرة: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم؛ إنك حميد مجيد"، خرج الزائد على الصلاة عليه بالإجماع كما في "المهذب" بقي وجوبها عليه، وفي رواية صححها ابن حبان وغيره: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: "قولوا... " إلى آخره، وأولى المحال بها خاتمة الأمر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وأما عدم ذكرها في خبر: "إذا قمت إلى الصلاة... ".. فمحمول على أنها كانت معلومة له، ولهذا: لم يذكر له النية والتشهد والجلوس له والسلام.
وأقلها: (اللهم؛ صل على محمد)، أو (صلى الله على محمد)، أو (على رسوله)، أو (على النبي) دون أحمد، أو عليه في الأصح، ذكره في "التحقيق" وغيره.
وأكملها: (اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد)، ذكره في "الروضة" و"أصلها".
وفي "الأذكار" وغيره: الأفضل أن يقول: (اللهم؛ صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد).
وأكمل التشهد: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) رواه مسلم من خبر ابن عباس.