فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلانصفحات 816-855

[ما يتعلق بالعان الزوجة] ويتعلق بلعانها: سقوط حد زناها من رجمها إن كانت محصنة, أو جلدها وتغريبها إن كانت غير محصنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ [النور: 8] الآية, وانتفاء فسقها, فتقبل شهادتها وتبقى - ولايتها لما تليه بنظر أو وصية أو حضانة أو نحوها.
ولو أقام بينة بزناها, أو بإقرارها به.. لم يمكنها دفع الحد باللعان؛ لأنه حجة ضعيفة لا تقاوم البينة.
والألف في قول الناظم: (وأنا) و (كذبا) للإطلاق, وقوله: (لم ينزر) أي: ينقص.
......

بابُ العِدَّة

هي مأخوذة من العدد؛ لاشتمالها عليه غالباً, وهى مدة تتربص فيها المرأة؛ لمعرفة براءة رحمها, أو للتعبد, أو لتفجعها على زوج كما سيأتي, وذلك يحصل بالأقراء وبالأشهر وبالولادة كما سيأتي, والأصل فيها قبل الإجماع: الآيات والأخبار الاتية.
والعدة ضربان: الأول: يتعلق بفرقة وفاة, والثاني: يتعلق بفرقة حي بطلاق أو فسخ, وبدأ بالأول فقال: (لِمَوْتِ زَوجِهَا ولَو مِن قَبْلِ... الوَطْءِ باسْتِكمالِ وَضْعِ الحَمْلِ) (يُمْكِنُ مِن ذِي عِدَّةٍ فِإِن فُقِدْ... فَثُلْثَ عامٍ قَبلَ عَشْرٍ تَسْتَعِدْ) (مِنْ حُرَّةٍ وَنِصْفُهَا مِن الأَمَهْ... وللطلاقِ بعدَ وَطْءٍ تَمَّمَهْ) (بالوَضْعِ إِن يُفْقَدْ فَرُبْعُ السَّنَةِ... مِن حُرَّةٍ وَنِصفُهَا مِن أَمَةِ) (إِن لم تَحِيضَا أو إِيَاسٌ حَلا... لكِنْ بِشَهْرَيْنِ الإِمَاءُ أَوْلَى) (ثلاثُ أطهَارٍ لحُرَّةٍ تَحِيضْ... والأَمَةُ اثنَانِ لِفَقْدِ التَّبْعِيضْ) (لحامِلٍ وذاتِ رَجْعَةٍ مُؤَنْ... وذاتُ عِدَّةٍ تُلازِمُ السَّكَنْ) (حيثُ الفِرَاقُ لا لِحَاجَةِ الطَّعَامْ... وخَوْفِهَا نَفْسَاً ومالاً كانْهِدامْ) (ولِلْوَفَاةِ الطِّيبُ والتَّزَيُّنُ... يَحْرُمُ كالشَّعْرِ فلَيسَ يُدْهَنُ) [عدة المتوفى عنها زوجها] أي: وعدتها لموت زوجها - ولو من قبل الوطاء – باستكمال وضع الحمل ممكناً كونه من ذي العدة؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] فهو مخصص لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: 234] الآية, ولأن القصد من العدة براءة الرحم, وهي حاصلة بالوضع.
وخرج بـ (وضع الحمل): خروج بعضه ولو بعد خروج أحد التوءمين؛ بأن يكون بينهما دون ستة أشهر فلا تنقذ به العدة, بل حكمه حكم المجتن في بقاء العدة والرجعة, ولحوق الطلاق, والتوارث بين أبويه, وعدم توريثه, وسراية عتق الأم إليه, ووجوب الغرة بالجناية

عليها, (وعدم إجزائه عن الكفارة, وتبعيته للأم في إزالة الملك, وعدم تعلق التحريم بارتضاعه, وكذا سائر أحكام الجنين, كذا ذكره الرافعي هنا وفي (الفرائض).
نعم؛ لو خرج رأس جنين وصاح, فحرّ رجل رقبته.. فالأصح: وجوب قصاص أو دية.
وقول الناظم: (باستكمال) كقول غيره: (بتمام) تأكيد وإيضاح؛ لأن الغرض منه مفهوم من الوضع.
وخرج ب (إمكان كونه من ذي العدة) ما إذا لم يمكن؛ بأن كان الزوج صبيّاً أو ممسوحاً, أو ولدته لدون ستة أشهر من العقد, أو لأكثر ودون أربع سنين وكانت بينهما مسافة لا تقطع في تلك المدة, أو لفوق أربع سنين من الفرقة, فلا تنقضي العدة بوضعه, لكن لو ادعت في الأخيرة أنه راجعها, أو وطئها بشبهة وأمكن.. فهو وإن انتفى عنه تنقضي به العدة؛ كذا نقله الماوردي عن الجمهور, والشيخان عن الأئمة.
وشمل كلامه: المنفي بلعان؛ لإمكان كونه من الملاعن, ولهذا لو استلحقه.. لحقه وما إذا كان الزوج مجبوباً أو خصيّاً.. فإنه يلحقه, فتعتد به عنهما.
وشمل الحمل الحي والميت, والمضغة التي فيها صورة خفية أخبر بها القوابل؛ أو قلن: هي أصل آدمي, وخرج به العلقة؛ إذ لا تسمى حملاً, وإنما كانت غير الموطوءة كالموطوءة في لزوم عدة الوفاة دون عدة الطلاق؛ لأن عدة الطلاق إنما وجبت لحق الزوج صيانة لمائه, وعدة الوفاة وجبت لحق الله تعالى.
قوله: (فإن فقد) أي: الحمل.. فثلث عام, وهو أربعة أشهر قبل عشر من الليالي بأيامها تستعل من حرة؟ أي: تعتد بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]؛ أي: عشر ليال بأيامها, ويستوي في ذلك الصغيرة والكبيرة, والموطوءة وغيرها, وذات الأقراء وغيرها, وزوجة الصبي وغيره؛ لإطلاق الآية المحمولة على الغالب من الحرائر الحائلات.
وتعتبر الأشهر بالأهلة ما أمكن, فإن مات أول الهلال.. فواضح, أو في خلال شهر بقي منه عشرة أيام أو أقل.. ضمت إلى ذلك أربعة أشهر بالأهلة, وأكملت بقية العشر مما بعدها, أو أكثر من عشرة أيام.. ضمت إلى ذلك ثلاثة أشهر بالأهلة وأكملت عليه مما بعدها بقية أربعين يوماً.

ونصفها وهو شهران وخمسة أيام بلياليها من الأمة الحائل على النصف من الحرة كالحدّ, والمبعضة كالأمة, ويقاس الانكسار بما مر.
[عدة الحامل المطلقة] والعدة لطلاق الزوج بعد وطاع تممه ولو بتغييب الحشفة بوضع حملها بالشرطين السابقين, سواء أكانت حرة أم غيرها, ذات أقراء أو أشهر, رأت الدم في مدة الحمل أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] فهو مخصصٌ أيضاً لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: 228]. وكالوطء: استدخال ماء الزوج المحترم, أمّا قبل ذلك.. فلا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49], وكالطلاق الفسخ, كلعان ورضاع.
ولو ظهر في عدة أقراء أو أشهر حمل للزوج.. اعتدت بوضعه, ولا اعتبار بما مضى من الأقراء أو الأشهر؛ لوجود الحمل.
ولو ارتابت في العدة المذكورة لثقل وحركة تجدّهما.. لم تنكح آخر بعد تمامها حتى تزول الريبة, فإن نكحت.. فالنكاح باطل؛ للتردد في انقضاء العدة.
أو بعدها وبعد نكاح لآخر.. استمر النكاح؛ لانقضاء العدة في الظاهر, وتعلق حق الزوج الثاني, إلا أن تلد لدون ستة أشهر من عقده.. فتبين بطلانه والولد للأول, بخلاف ما إذا ولدت لستة أشهر فأكثر.. فالولد للثاني.
أو بعدها قبل نكاح.. سُنّ أن تصبر عن النكاح لتزول الريبة, فإن نكحت قبل زوالها.. فالمذهب المنصوص: عدم إبطاله في الحال؛ لأنا حكمنا بانقضاء العدة في الظاهر, ولا ينقض الحكم بمجرد الشك, بل نقف, فإن ولدت لدون ستة أشهر منه.. تبينا بطلانه, وإلا.. فلا.
ولو بانت منه, أو طلقها رجعياً, فولدت لأربع سنين فما دونها من وقت إمكان العلوق قبل الفراق.. لحقه الولد, أو لأكثر منها.. فلا يلحقه؛ لأن مدة الحمل قد تبلغ أربع سنين؛ وهي أكثر مدته كما استقرئ, وقد تقدم الكلام عليه في (باب الحيض).

ولو نكحت بعد العدة, فولدت لدون ستة أشهر من النكاح.. فكأنها لم تنكح, ويكون الحكم كما تقدم في الإتيان بالولد لأربع سنين أو لأكثر... إلى آخره, أو لستة أشهر فأكثر.. فالولد للثاني؛ لقيام فراشه, وإن أمكن كونه من الأول.
ولو نكحت في العدة فاسداً فولدت للإمكان من الأول دون الثاني.. لحقه وانقضت عادته سنين من وقت إمكان العلوق قبل الفراق, أو للإمكان منهما.. عرض على قائفي: فإن ألحقه بأحدهما.. فكالإمكان منه فقط, وإن ألحقه بهما, أو نفاه عنهما, أو تحير أو لم يكن.. انتظر بلوغه وانتسابه بنفسه.
[عدة المطلقة الحائل] قوله: (إن يفقد) أي: الحمل.. فعدة حرة لم تحض أو يئست: ربع السنة, وهي ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]؛ أي: فعدتهن كذلك, والمراد بـ (الأشهر): الهلالية, والأمر ظاهر إن انطبق الطلاق على أول الشهر؛ كأن علقه به أو بانسلاخ ما قبله, فإن طلقت في أثناء شهر.. فبعده هلالان وتكمل المنكسر ثلاثين يوماً من الرابع, فإن حاضت فيها.. وجبت الأقراء؛ لأنها الأصل في العدة, وقد قدرت عليها قبل الفراغ من بدلها فتنتقل إليها؛ كالمتيمم إذا وجد الماء في أثناء التيمم.
وعدة أمة؛ أي: ومبعضه لم تحض أو يئست: نصفها؛ وهو شهر ونصف على النصف من الحرة, ولكن الأولى أن تعتد بشهرين؛ خروجاً من خلاف من أوجبهما؛ لأنها بدل عن القرأين في ذات الأقراء كما أن الأشهر الثلاثة للحرة بدل عن الأقراء.
وعدة حرة تحيض: ثلاثة أطهار؛ أي: أقراء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: 228], وعدة أمة؛ أي: ومبعضة طهران؛ لتعذر التبعيض, وإن عتقت في عدة رجعة.. كمَلت عدة حرة في الأظهر؛ لأنها كالزوجة فكأنها عتقت قبل الطلاق, أو بينونة.. فأمة في الأظهر؛ لأنها كالأجنبية, فكأنها عتقت بعد انقضاء العدة.
وإنما كان المراد بالأقراء: الأطهار؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أي: في زمانها

وهو زمان الطهر؛ لأن الطلاق في الحيض حرام كما تقدم, وزمن العدة يعقب زمن الطلاق.
وقد يراد بالقرء الحيض؛ كما في خبر النسائي وغيره: «تترك الصلاة زمن أقرائها ". و (القُرء) بالفتح والضم: مشترك بين الطهر والحيض, فإن طلقت الحرة طاهراً وقد بقي من زمن الطهر شيءً.. انقضت عدتها بالطعن في حيضة ثالثة؛ لحصول الأقراء الثلاثة في ذلك؛ بأن يحسب ما بقي من الطهر الذي طلقت فيه قرءاً, سواء أجامع فيه أم لا, ولا بعد في تسمية قرأين وبعض الثالث: ثلاثة قروء؛ كما فسر قوله تعالى: ﴿الحج أشهرُ مَعَلُومَاتُ﴾ بشوال وذي القعدة وعشر ليال من ذي الحجة.
وإن طلقت طاهراً ولم يبق من زمن الطهر شيء, أو حائضاً.. انقضت عدتها بالطعن في حيضة رابعة؛ لتوقف حصول الأقراء الثلاثة على ذلك, ولا يحسب طهر من لم تحض قرءاً؛ إذ القرء: الطهر المحنوش بدمين.
وعدة مستحاضة غير متحيرة بأقرائها المردودة إليها حيضاً وطهراً؛ وهو أن ترد المعتادة إلى عادتها في الحيض والطهر, والمميزة إلى التمييز الفاصل بينهما مبتدأه كانت أو معتادة, والمبتدأة في الحيض من أول الدم إلى أقله, وفي الطهر إلى تسعة وعشرين, فتنقضي عدتها بثلاثة أشهر, وعدة متحيرة ثلاثة أشهر في الحال.
والاعتبارُ بالأشهر الهلاليّة, فإن انطبق الطلاق على أول الهلال.. فذاك, وإن وقع في أثناء الشهر: فإن بقي منه أكثر من خمسة عشر يوماً.. خبيب ذلك قرءاً؛ لاشتماله على طهر لا محالة, وتعتدّ بعده بشهرين هلاليّين, أو خمسة عشر يوماً فما دونها.. لم يحسب قرعاً؛ لاحتمال أن يكون حيضاً ولا اعتبار بالباقي, وتعتد بعده بثلاثة أشهر هلاليّة؛ لأن الأشهر ليست متأصلة في حقها حتى تبني على المنكسر.
ومن انقطع دمها ولو لغير علة,.
تصبر حتى تحيض فتعتد بالأقراء, أو تيأس.. فبالأشهر, فلو حاضت بعد اليأس في الأشهر.. وجبت الأقراء رجوعاً إلى الأصل, ويحسب ما مضى من الطهر قراً، أو بعدها.. فكذلك إن لم تنكح, وإلا.. فلا شيء عليها؛ نظراً إلى انقضاء عدتها في الظاهر مع تعلق حق الزوج بها.
والمعتبر في اليأس: يأس كل النساء بحسب ما يبلغ من خبره ويعرف, وأقصاه اثنان وستون سنة, وقيل: ستون, وقيل: خمسون.

[تداخل العدد] ولو لزمها عدتا شخصي من جنسي واحد؛ كأن طلق ثم وطء في عدة أقراء, أو أشهر جاهلاً في بائن أو رجعية بأنها المطلقة, أو عالماً في رجعية.. تداخلتا, فتبتدئ عدة بالأقراء أو الأشهر من الوطء, وتدخل فيها بقية عدة الطلاق, وتلك البقية واقعة عن الجهتين, وله الرجعة فيها في الطلاق الرجعي دون ما بعدها.
فإن كانت إحداهما حملاً والأخرى أقراءاً؛ بأن طلقها حائلاً, ثم وطئها في الأقراء وأحبلها, أو طلقها حاملاً, ثم وطئها قبل الوضع وهي ترى الدم مع الحمل, وقلنا بالراجح: إنه حيض, وإن العدة لا تنقضي بالأقراء مع وجود الحمل؛ لأنها لا تدل على البراءة.. تداخلتا في الأصح؛ لاتحاد صاحبهما, فتنقضيان بوضعه وهو واقع عن الجهتين, ويراجع قبله في الطلاق الرجعي.
وإن كان الحمل من الوطء, أو لشخصين: فإن كانت في عدة زوج أو شبهة فوطئت بشبهة أو نكاح فاسد, أو كانت زوجة معتدة عن شبهة فطلقت.. فلا تداخل؛ لتعدد المستحق, فإن كان حمل.. قُدّمت عدته سابقاً كان أو لاحقاً؛ لأن عدة الحمل لا تقبل التأخير, وإلاَّ.. قدمت عدة الطلاق وإن تأخر.
ولو عاشر مطلقته؛ كزوج بلا وطء في عدة أقراء أو أشهر.. فالأصح: إن كانت بائناً.. انقضت, وإلا.. فلا, ولا رجعة بعد الأقراء أو الأشهر وإن لم تنقض بهما العدة احتياطاً, ويلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة.
ولو نكح معتدة بظن الصحة ووطئها.. انقضت عدتها من حين وطئ؛ لحصول الفراش بالوطاء, ولو راجع حائلاً ثم طلق.. استأنفت وإن لم بطأها بعد الرجعة؛ لعودها بها إلى النكاح الذي وطئت فيه, أو حاملاً.. فبالوضع, فلو وضعت ثم طلق.. استأنفت وإن لم بطأها بعد الوضع.
[وجوب النفقة للحامل والرجعية] قوله: (لحامل وذات رجعة مؤن) أي: تجب لحامل ولو بائناً بخلع, أو ثلاث بسبب الحمل, ولرجعية: مؤن النكاح؛ كنفقة وكسوة وغيرهما, إلا مؤنة تنظف فلا تجب لهما؛ لامتناع الزوج منهما.

أمّا الأولى.. فلقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فتجب على زوج رقيق, ولا تجب لحامل عن شبهة, آو نكاح فاسد.
ولا نفقة لمعتدة وفاة وإن كانت حاملاً؛ لأنها بانت, والحمل القريب تسقط نفقته بالموت.
ونفقة العدة مقدرة كزمن النكاح, ولا يجب دفعها قبل ظهور حمل, فإذا ظهر.. وجب دفعها يوماً بيوم, ولو ادَّعت ظهوره وأنكر.. فعليها البينة وتقبل فيه النساء, فلو ظنّت حاملاً فأنفق, فبانت حائلاً.. استرجع ما دفعه بعد عدتها, وتُصَدّق في قدر أقرائها باليمين إن كذبها, وإلا.. فلا يمين, ولا تسقط بمضي الزمان.
وأما الثانية.. فلبقاء حبس الزوج عليها وسلطنته, وخرج بـ (الرجعية): البائن بخلع أو غيره, إذا لم تكن حاملاً.. فلا تجب لها تلك المؤن؛ لخبر مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس: «لا نفقة لك» وكانت بائناً حائلاً, ولمفهوم آية ﴿وإن كنّ أوّلت حمل﴾ [وجوب السكنى للمعتدة] وتجب السكنى لمعتدة طلاق ولو بائناً بخلع أو ثلاث, حاملاً كانت أو حائلاً؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: 6], إلا ناشزة؛ بأن طلقت حال نشوزها فإنها لا سكنى لها؛ كما في صلب النكاح, بل أولى, قال في «التتمة»: ولو نشزت في العدة.. سقطت سكناها, فإن عادت إلى الطاعة.. عاد حق السكنى, وكالناشزة: الصغيرة التي لا تحتمل الجماع, والأمة التي لم تسلم ليلاً ونهاراً.
وتجب السكنى لمعتدة وفاة في الأظهر؛ لخبر فريعة- بضم الفاء - بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري: (أن زوجها قُتل, فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها, وقالت: إن زوجي لم يتركني في منزل يملكه, فأذن لها في الرجوع, قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله», قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً) صححه الترمذي وغيره.
وتجب السكنى لمعتدة فسخ على المذهب؛ كالطلاق بجامع فرقة النكاح في الحياة, سواء أكان الفسخ بردة أم إسلام, أم رضاع آم عيب مقارن آم طارئ.

J وجوب ملازمة المعتدة لمسكن الفراق] قوله: (وذات عدة) أي: عن فرقة حياة أو وفاة تلازم السكن حيث الفراق؛ أي: تلازم وجوباً مسكن الفراق اللائق بها إلى انقضاء العدة, فلا تخرج منه, ولا يخرجها منه صاحب العدة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1], قال -. ابن عباس: أي: بالبذاءة على أهل زوجها"، ولخبر فريعة.
فلو اتفقا على الخروج منه بلا حاجة.. لم يجز, وعلى الحاكم المنع منه؛ لأن في العدة حقاً لله تعالى, فلا يسقط بالتراضي, وكالمعتدة عما ذكر: المعتدة عن وطء شبهة, أو نكاح فاسلِ واِن لم تستحق السكنى على الواطئ والناكح.
وشمل كلامه: الرجعيّة, وبه صرح في «النهاية), وفي (حاوي الماوردي) و «المهذب» وغيرهما: أن للزوج أن يسكنها حيث شاء؛ لأنها في حكم الزوجة، وبه جزم النووي في «نكته», وكلامه في غيرها يقتضي الأول, ونص عليه في «الأم» كما قاله ابن الرفعة وغيره"، قال السبكي: وهو أولى؛ لإطلاق الآية, وقال الزركشي: إنه الصواب.
وشمل كلامه: المسكن المملوك له، ولا يصح بيعه إلا في عدة ذات أشهر, والمستعار والمستأجر, وكذا المملوك للمعتدة فتلزمها ملازمته, وتطلب الأجرة, وبه جزم في «المنهاج» كـ «المحرر», لكن صحح في «الأصل الروضة»: أنها تتخير بين بقائها فيه بإعارة أو إجارة, وبين طلب النقلة إلى غيره؛ إذ لا يلزمها بذل منزلها بإعارة ولا إجارة.
ولو انتقلت إلى مسكن أو بلي بإذن الزوج فوجبت العدة قبل وصولها إليه.. اعتدت فيه وإن لم تنقل شيئاً من أمتعتها لأنها مأمور بالمقام فيه، حتى لو وصلت إليه، ثم رجعت إلى الأول لنقل أمتعتها مثلاً فحصلت فيه الفرقة.. لزمها أن تعتد في الثاني, فإن انتقلت بلا إذن أو وجبت قبل الخروج من الأول.. اعتدت فيه, إلا أن يأذن لها في الإقامة في الثاني.. فتعتد فيه.
ولو أذن لها في سفر نحو حج أو تجارة, ثم وجبت في الطريق.. فلها الرجوع والمضي وهي

معتدة في سيرها, فإن مضت.. أقامت لقضاء حاجتها, ثم يجب الرجوع وإن كانت العدة تنقضي في الطريق.
ولو خرجت من مسكنها فطلق وقال: (ما أذنت في الخروج), أو (أذنت فيه لحاجة لا للنقلة)., صدق بيمينه, ومنزل بدوية وبيتها من شعر كمنزل حضرية.
أما إذا كان المسكن نفيساً.. فله النقل إلى لائق بها, أو خسيساً.. فلها الامتناع من الاستمرار فيه, وطلب النقل إلى لائق بها, وإن رجع معيرُ المسكن, أو انقضت إجارته ولم يرض بأجرة.. نقلت.
[ما يستثنى من حرمة خروج المعتدة من مسكنها] ثم استثنى الناظم مما اقتضاه وجوب ملازمتها المسكن من حرمة خروجها منه ما ذكره بقوله: (لا لحاجة الطعام وخوفها نفساً ومالاً كانهدام) " أي: يجوز خروجها لشراء طعام أو نحوه؛ كشراء قطن وبيع غزل ونحوه؛ أي: نهاراً لا ليلاً, إلا ألاً يمكن ذلك نهاراً.
نعم؛ الرجعية والبائن الحامل تجب لهما المؤنة؛ فلا يخرجان إلا بإذن أو لضرورة, قال السبكي: وهو مفروضنا فيما إذا حصل لهما النفقة, فلا يخرجان بعدُ لأجلها, لكن لهما الخروج لبقية حوائجهما؛ من شراء قطن وبيع غزل ونحوهما, وكذا لو أعطيتا النفقة دراهم واحتاجتا إلى الخروج لشراء الأدم.
انتهى.
وأشار الناظم بقوله: (لا لحاجة الطعام) إلى أنه لو كان لها من يقضيها حاجتها.. لم يجز خروجها لها؛ وبه صرح الإمام وغيره"، ويجوز خروجها أيضاً؛ لخوفها نفساً أو مالاً من نحو هدم أو غرق؛ لأن الخروج لذلك أشدّ من الخروج للطعام ونحوه.
وشمل قول الناظم: (نفساً ومالاً): نفسها ومالها, ونفس غيرها وماله المحترمين؛ كولدها ووديعة عندها.
ويؤخذ من كلام الناظم: جواز المهاجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام إذا خافت على نفسها أو دينها, أو مالها أو بضعها؛ لوجوبها عليها حينئذ, وخروجها لإقامة الحدّ عليها إن

كانت برزة, وانتقالها منه إذا تأذت بالجيران أو هم بها أذى شديداً، ووجوب تغريبها إن زنت في العدة وهي بكر.
ولها إن كانت غير رجعية الخروج ليلاً إلى دار جارة لغزل وحديث ونحوهما؛ للتأنس بها بشرط أن ترجع وتبيت في بيتها, وليس لصاحب العدة مساكنتها ومداخلتها حيث فضلت الدار على سكنى مثلها؛ لما يقع فيهما من الخلوة بها وهي حرام؛ كالخلوة بالأجنبية.
فإن كان في الدار محرم لها مميز ذكر أو محرم له مميز أنثى, أو زوجة أخرى, أو أمة.. جاز ما ذكر؛ لانتفاء المحذور فيه, لكن يكره؛ لأنه لا يؤمن معه النظر, ولا عبرة بالمجنون والصغير الذي لا يميز.
ولو كان في الدار حجرة فسكنها أحدهما, والآخر الأخرى: فإن اتحدت المرافق؛ كمطبخ ومستراح ومصعد إلى السطح.. اشترط محرم؛ حذراً من الخلوة فيما ذكر، وإلا... فلا يشترط, ويجب أن يغلق ما بينهما من باب, وألاً يكون ممر إحداهما يمر فيه على الأخرى؛ حذراً من الخلوة في ذلك, وسفل وعلو؛ كدار وحجرة فيما ذكر من أنه إن اتحدت المرافق.. اشترط محرم, وإلا.. لم يشترط.
[وجوب الإحداد على معتدة الوفاة] قوله: (وللوفاة... ) إلى آخره؛ يعني: يجب الإحداد على معتدة وفاة؛ لخبر «الصحيحين»: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث, إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " أي: فإنها يحل لها الإحداد عليه؛ أي: يجب بالإجماع على إرادته, وخبرهما عن أم عطية: (كنا تنهى أن تُجدّ على ميت فوق ثلاث, إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، وأن نكتحل وأن نتطيب, وأن نلبس ثوباً مصبوغاً) ", وخبر أبي داوود بإسناد حسن: (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب, ولا الممشقة, ولا الحلي, ولا تختضب ولا تكتحل " و (الممشقة): المصبوغة بالمشق بكسر الميم, وهي المَغرَهُ بفتحها, ويقال: طين أحمر يشبهها.

والإحداد: ترك التطيب والتزين, فيحرم عليها الطيب في البدن والثوب؛ لخبر أم عطية, والطعام والكحل الذي ليس بمحرم قياساً على البدن والثوب, والمراد بالطيب: ما يحرم بالإحرام.
نعم؛ إن احتاجت إليه.. جاز؛ ذكره في «النهاية, ويستثنى حال طهرها من الحيض؛ كما قدمته في بابه؛ لخبر: «ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار, قال النووي: ليسا من مقصود الطيب, رخص لها فيهما لإزالة الرائحة الكريهة [لا] للتطيب, أما الطيب الكائن معها حال شروعها في العدة.. فتلزمها إزالته أيضاً, بخلاف المحرم [ما يحرم التزين به على المحدة] ويحرم عليها التزين بأحد أمور: الأول: المصبوغ من اللباس للتزين من قطن وإبريسم وغيرهما ولو غليظاً, وقبل النسج؛ كالأحمر والأصفر والوردي, والأزرق والأخضر الصافيين, والبرود, وخرج بما ذكر: ما لم يصبغ وإن كان نفيساً؛ ذ نفاسته من أصل الخلقة لا من زينة دخلت عليه, وما صبغ لا للتزيين, بل لنحو حمل وسخ أو مصيبة؛ كالأسود والكحلي, والأخضر والأزرق المشبعين الكدرين؛ لأن المشبع من الأخضر يقارب الأسود, ومن الأزرق يقارب الكحلي.
قال في «الروضة» و «أصلها): وأما الطراز: فإن كثر.. فحرام, وإلاً.. فأوجه, ثالثها: إن نسج مع الثوب.. جاز, وإن ركب عليه.. حرم؛ لأنه محض زينة, وبهذا جزم, في «الأنوار».
الثاني: التحلي بالحب الذي يتزين به كاللؤلؤ وبالمصنوع من ذهب أو فضة أو غيرهما من خلخالٍ وسوار وخاتم وغيرها, حتى لو تحلت بنحاسٍ ونحوه وموهته بذهب أو فضة أو

ما يشبههما بحيث لا يظهر إلا بالتأمل, أو كانت ممن يتحلى بالنحاس ونحوه.. حرم؛ لظاهر خبر أبي داوود السابق.
نعم؛ إن لبست ذلك ليلاً ونزعته نهاراً.. جاز لكن يكره, إلا لحاجة؛ كإحرازه فلا يكره.
الثالث: الخضب بحناء أو زعفران أو غيرهما؛ لما مر في خبر أبي داوود, وظاهر إطلاقهم كالخبر: المنع منه في جميع البدن, وبه صرح ابن يونس, لكن حكي الشيخان عن الروياني: أنه إنما يحرم فيما يظهر؛ كالوجه واليدين والرجلين, لا فيما تحت الثياب, واقتصرا عليه.
وقال البلقيني: فيه نظر؛ فإن شعر الرأس مما تحت الثياب, وفي حديث أم سلمة في أبى داوود والنسائي: «لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب», فقلت: بأي شيء أمنشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر، وتغلفين به رأسك " فهذا يدل على منع الحناء وإن كان تحت الثياب.
قال: ولا يرد بأن الشعر يبدو منه شيء؛ لأنه لو اعتبر ذلك.. لاقتصر بالمنع على ما ظهر, ولا يقال: لسد الذريعة؛ لأن إطلاق التعليل بأنه خضاب يقتضي ذلك.
الرابع: الاكتحال بالإثمد بكسر الهمزة والميم: وهو الكحل الأسود, والضبر بفتح الصاد وكسر الباء, وبفتح الصاد وكسرها مع إسكان الباء وهو الأصفر وإن لم يكن فيهما طيب؛ لما مر في الخبرين, ولما في ذلك من الزينة, سواء أكانت بيضاء أم سوداء, إلا لحاجة كرمل فتكتحل به ليلاً وتمسحه نهاراً.
فإن دعت الحاجة إليه في النهار.. جاز فيه, ففي أبي داوود: أنه صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وهي حادة على أبي سلمة, وقد جعلت على عينها صبراً فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟ », فقالت: هو صبر لا طيب فيه, فقال: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار) ", وأما الكحل الأبيض كالتوتياء.. فلا يحرم؛ لأنه لا زينة فيه.
والخامس: دهن شعر رأسها أو لحيتها إن كانت وإن لم يكن فيه طيب؛ لما فيه من الزينة, أما سائر البدن.. فلا يحرم دهنه بما لا طيب فيه كالشيرج والسمن, لا بما فيه طيب كدهن البان والبنفسج.

وعلم مما تقرر: أنه يجب ترك تحمير الوجه وتبييضه بالإسفيذاج, وتصفيره بما له صفرة, وترك تسويد الحاجب وتصغيره, وتطريف الأصابع ونقش الوجه.
وأنه يباح التزين بالفرش والستور وأثاث البيت, وغسل الرأس وامتشاطه ودخول الحمام إن لم يكن فيه خروج محرم, وإزالة الوسخ وقلم الأظفار.
وأنه لا يجب الإحداد على المعتدة لغير الوفاة؛ لأنها إن كانت مطلقة.. فهي مجفوةٌ بالطلاق, أو مفسوخاً نكاحها.. فالفسخ منها, أو لمعنى فيها.. فلا يليق بها فيهما إيجاب التفجع, أو موطوءة بشبهة أو نكاح فاسد أو أم ولد.. فلأن التفجع لإظهار ما فات من عصمة النكاح ولم يوجد.
نعم؛ يستحب ذلك للمطلقة, وفي معناها المفسوخ نكاحها.
ولو تركت الإحداد من وجب عليها كل المدة أو بعضها.. عصت وانقضت العدة؛ كما لو فارقت المسكن الذي يجب عليها ملازمته.
ولو بلغتها الوفاة بعد مدة العدة.. كانت منقضية.
وللمرأة إحداد على غير زوج ثلاثة أيام فما دونها, وتحرم الزيادة عليها.
والألف في قول الناظم: (حلاً) للإطلاق, وقوله: (والأمةً) بالرفع على الابتداء, وبالجر عطفاً على (الحرة).

باب الاستبراء

هو التربص بالمرأة مدة بسبب ملك اليمين حدوثاً أو زوالاً؛ لمعرفة براءة رحمها من الحمل K أو للتعبد, واقتصروا على ذلك؛ لأنه الأصل, وإلا.. فقد يجب الاستبراء بغيره؛ كأن وطئ أمة غيره ظاناً أنها أمته, وسيأتي ما يؤخذ منه أنه يجب أيضاً بسبب حدوث حل التمتع في الملك؛ كما في المكاتبة والمرتدة وغيرهما.
(إِن يَطْرَ مِلْكُ أَمَةٍ فَيَحْرُمُ... عليهِ الاسْتِمْتَاعُ بَل يستَخْدِمُ) (وحَلَّ غيرُالوَطْءِ مِن ذِي سَبْيِ... أو هَلَكَ السَّيِّدُ بعدَ الوَطْيِ) (قَبلَ زواجِهَا بِوَضْعِ الحامِلِ... لَو مِن زِنَاً وَحَيْضَةٍ للحَائِلِ) (واسْتَبْرِ ذاتَ أَشْهُرٍ بِشَهْرِ... وانْدُبْ لِشَارِي العِرْسِ أَن يَسْتَبْرِي) [السبب الأول لوجوب الاستبراء: حدوث الملك] أي: إن يطرأ ملك أمة غير زوجته بشراء أو إرث أو هبة, أو ردَّ بعيب أو تحالفي أو إقالة أو قبول وصية, أو غيرها.. فيحرم عليه؛ أي: على سيدها الاستمتاع بها بوطء وغيره إلى مضي الاستبراء, ويجوز له استخدامها؛ إذ لا مانع منه, وسواء البكر ومن استبرأها البائع قبل البيع, والمنتقلة من صبي أو امرأة, والصغيرة والآيسة وغيرهن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس: «ألا لا توطأ حامل حتى تضع, ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» رواه أبو داوود وغيره, وصححه الحاكم على شرط مسلم.
وقاس الشافعي رضي الله عنه غير المسبية عليها بجامع حدوث الملك, فأخذ من الإطلاق في المسبية أنه لا فرق بين البكر وغيرها, وألحق من لا تحيض من الآيسة والصغيرة بمن تحيض في اعتبار قدر الحيض والطهر غالباً, وهو شهر كما سيأتي.
وطريقه في دفع الاستبراء إن لم تكن موطوءة أو كان البائع استبرأها: أن يعتقها ويتزوجها أو يزوجها غيره.

وخرج بقوله: (ملك أمة): ملك بعضها فلا استبراء؛ إذ لا استباحة، وبـ (غير زوجته): ما لو ملك زوجته.. فله الاستمتاع بعا بعد لزوم العقد بلا استبراء؛ لعدم تجدد الحل ولانتفاء خوف اختلاط المياه.
نعم؛ يستحب له كما سيأتي.
وفي معنى حدوث الملك في وجوب الاستبراء: رفع الكتابة الصحيحة لأمته بفسخها أو بتعجيزه لها؛ لعود ملك الاستمتاع بعد زواله بالكتابة, بخلاف الكتابة الفاسدة, وإسلام المرتد من السيد أو أمته؛ لما مر, ورفع الزوجية لأمته بموت زوجها, أو فراقه ولو قبل الدخول.
نعم؛ إن كانت مستولدة وفارقها وانقضت عدتها.. فله الاستمتاع بها بلا استبراء؛ لعودها حينئذ فراشاً بلا استبراء.
وخرج بالمذكورات: ما لو حرمت عليه أمته بصلاة أو إحرام, أو حيض أو نحوها ثم حلت؛ إذ لا خلل في الملك, والتحريم في ذلك لعارض سريع الزوال, وكذا لو حرمت عليه برهنٍ ثم انفك؛ لبقاء ملك الاستمتاع؛ بدليل حل القبلة والنظر بشهوة, وإنما حرم الوطء؛ مراعاة لحق المرتهن, حتى لو أذن له فيه.. حلّ.
قوله: (وحل غير الوطء من ذي سبي) أي: من المسبية, أما وطؤها.. فإنه حرام؛ لمفهوم الخبر السابق, ولما روى البيهقي: أن ابن عمر قبل التي وقعت في سهمه من سبايا أوطاس قبل الاستبراء, ولم ينكر عليه أحد من الصحابة", وفارقت المسبية غيرها؛ بأن غايتها أن تكون مستولدة حربي, وذلك لا يمنع الملك, وإنما حرم وطؤها؛ صيانة لمائه؛ لئلا يختلط بماء حربي, لا لحرمة ماء الحربي.
[السبب الثاني للاستبراء: زوال الفراش] ولما أنهى الناظم الكلام على السبب الأول للاستبراء وهو حدوث الملك.. شرع في الثاني وهو زوال الفراش فقال: (إن هلك السيد بعد وطي قبل زواجها) أي: إن هلك السيد بعد وطاء أمته سواء أكانت مستولدة أم Y أي: أو أعتقها وليست في نكاح ولا عدة نكاح.. فيجب استبراؤها قبل زواجها, بخلاف البيع؛ لأن المشتري يقصد الوطء وغيره؛ لأنها كانت فراشاً, وزواله بعد الوطاء يوجب التربص؛ كالعدة للحرة.

وشمل كلامه: ما لو مضت مدة الاستبراء على مستولدته قبل موته؛ أي: أو إعتاقه؛ لأنها تشبه المنكوحة, بخلاف غير المستولدة.
ولو أعتق موطوءته.. فله نكاحها في الحال بلا استبراء؛ كما ينكح المعتدّة منه, ويحرم تزويج أمة موطوءة ومستولدة قبل استبراء؛ حذراً من اختلاط المائين, ولو أعتقها أو مات عنها - وهي مزوجة, أو في عدة نكاح.. فلا استبراء عليها؛ لأنها ليست فراشاً للسيد.
[ما يحصل به الاستبراء] ويحصل الاستبراء بوضع الحامل حملها, ولو كان الحمل من زنا؛ لظاهر الخبر السابق", ولأن الغرض معرفة براءة الرحم وهي حاصلة بذلك, بخلاف العدة؛ لاختصاصها بالتأكيد بدليل اشتراط التكرر فيها دون الاستبراء.
قال الزركشي: والظاهر أن الحمل الحادث من الزنا كالمقارن؛ لأنهم اكتفوا بالحيض الحادث لا بالمقارن, واكتفوا بالحمل المقارن فبالحادث أولى, لكن لو كانت ذات أشهر وحملت من الزنا.. حصل الاستبراء بمضي شهر؛ كما جزموا به في العدة؛ لأن حمل الزنا كالعدم.
وبمضي حيضة كاملة للحائل ذات الأقراء؛ لما تقدم في الخبر السابق.
فلو ملكها في الطهر, ثم حاضت حيضة.. ارتفع التحريم, ولو ملكها في أثناء حيضها.. لم يعتد ببقيتها, بل لا بد أن تطهر ثم تحيض حيضة, بخلاف بقية الطهر في العدة؛ فإنها تستعقب الحيض الدال على البراءة, وهنا تستعقب الطهر ولا دلالة له على البراءة, وإنما اعتبر هنا الحيض دون الطهر؛ للخبر السابق, وليس كالعدة؛ فإن الأقراء فيها متكررة فتعرف بتخلل الحيض البراءة, ولا تكرر هنا فيعتمد الحيض الدال عليها.
ولو وطئها في حيضتها وانقطعت بحبلها: فإن مضى منها قبل وطئه أقل الحيض.. حصل الاستبراء, وإلا.. فلا يحصل إلا بالوضع؛ كما لو وطئها في الطهر وحبلت منه.
قوله: (واستبر) أي: أنت أمة ذات أشهر, وهي الصغيرة والآيسة بشهر؛ لأنه بدل عن القرء حيضاً وطهراً في الغالب, ويعتبر في الاستبراء وقوعه بعد لزوم الملك ولو قبل القبض, فلا يكفي وقوعه في زمن الخيار وإن قلنا: الملك للمشتري؛ لعدم تمامه, وبعد انقضاء

عدتها؛ بأن ملكها معتدة عن زوج أو وطاء بشبهة أو مزوجة وطلقت, وبعد إسلام المجوسية والوثنية والمرتدة, وبعد وفاء الدين الذي على العبد المأذون إذا اشترى أمة وتعلق بها حق الغرماء؛ لأن الاستبراء لحل التمتع فلا يعتد" إلا بما يستعقب حله, وضابط ذلك كما نقله المحاملي عن الأصحاب: أن كل استبراء لا تتعلق به استباحة الوطء.. لا يعتد به, ومنه ما لو اشترى محرمة فحاضت ثم تحللت.
قوله: (واندب لشاري العرس) أي: زوجته؛ بأن كانت أمة فانفسخ نكاحها أن يستبرئها؛ ليتميز ولد النكاح عن ملك اليمين, فإنه في النكاح ينعقد مملوكاً لسيد الأمة ثم يعتق بالملك, ولا تصير أمه أم ولد, وفي ملك اليمين ينعقد حرّاً وتصير أمه أم ولد.
ولا تصير أمه فراشاً لسيدها إلا بوطئه, ويعلم الوطء بإقراره به, أو البينة عليه, فإذا ولدت للإمكان من وطئه.. لحقه وإن لم يعترف به, وهذا فائدة كونها فراشاً بالوطء.
ولو أقر بوطاء ونفى الولد وادعى استبراءها بعد الوطء بحيضة, وأتى الولد لستة أشهر من الاستبراء.. لم يلحقه, فإن أنكرت الاستبراء.. حلف أن الولد ليس منه, ولا يجب تعرضه للاستبراء.
ولو ادعت استيلاداً فأنكر أصل الوطء وهناك ولد.. لم يحلف؛ لموافقته للأصل من عدم الوطاء, ولو قال: (وطئت وعزلت)., لحقه؛ لأن الماء قد يسبق إلى الرحم وهو لا يحسن به.
ويأتي في قول الناظم: (إن يطر) بحذف الألف ما مر في (باب الطلاق) على قوله: (وهو لمن لم توط).
...

بابُ الرّضاع

هو بفتح الراء وكسرها: اسم لحصول لبن امرأة, أو ما حصل منه في جوف طفل كما سيأتي.
والأصل في تحريمه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23], وخبر «الصحيحين»: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
وله أربعة أركان: مرضعة, ورضيع, ولبن, وحصوله في جوفي طفل كما سيأتي.
(مِنَ ابْنَةِ التِّسْعِ لِطِفْل دُونَا... حَوْلَيْنِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ هُنَّا) (مُفْتَرِقَاتٌ صَيَّرَتْهَا أُمَّهْ... وَزَوْجَهَا أَبَاً أَخَاهُ عَمَّهْ) (تُثْبِتُ تَحْرِيمَاً كَمَاضٍ في النِّكَاحْ... وَنَظَرٌ وَخَلْوَةٌ بِذَا يُبَاحْ) (لا تَتَعَدَّى حُرْمَةٌ إلى أُصُولْ... طِفْلٍ ولا تَسْرِي لِتَحرِيمِ الفُصُولْ) [شروط الرضاع المحرّم] يعتبر في ثبوت تحريم الرضاع المحرم: كونه من لبن امرأة لها تسع سنين فأكثر, فلا يثبت بلبن رجل؛ لأنه لم يخلق لغذاء الولد، ولا بلبن خنثى ما لم تظهر أنوثته, ولا بلبن من لم تبلغ تسع سنين؛ لأنها لا تحتمل الولادة, واللبن المحرم فرعها, بخلاف من بلغتها؛ لوصولها سن الحيض, وسواء فيها البكر والخلية وغيرهما, ولا بلبن بهيمة؛ حتى لو شرب صغيران ذكر وأنثى.. لم يثبت بينهما إخوة؛ لأنه لا يصلح لغذاء الطفل صلاحية لبن الادميات.
وكونه حلب منها في حياتها وإن أوجر بعد موتها, فلا يثبت بلبن ميتة؛ لأنه من جثة منفكة عن الحل والحرمة كالبهيمة.
وحصوله في معدة طفل ذكر أو أنثى حي وإن تقيأه في الحال؛ لوصوله إلى محل التغذي, أو في دماغه؛ لأنه محل التغذي كالمعدة, إذ الأدهان إذا وصلت إليه.. انتشرت في العروق وتغذت بها كالأطعمة الواصلة إلى المعدة, فلا أثر لحصول اللبن في معدة الميت أو دماغه؛

لخروجه عن التغذي, ولا بحصوله في جوفي ليس بمعدة ولا دماغ؛ كالحاصل بصبه في جراحة في بطنه أو في إحليله أو في أذنه؛ إذ لا منفذ منها إلى الدماغ.
ويعتبر حصوله فيما ذكر من منفذ ولو من معى منخرق بجراحة ببطنه أو أنف أو مأمومة, فلا يُحَرّمْ وصوله فيه بصبه في العين بواسطة المسام.
وشمل قولهم: (من لبن امرأة) ما حصل منه؛ كالزبد والأقط والجبن.
ولو كان الحاصل فيما ذكر مخلوطاً بمائع.. حَرَم إن كان غالباً, وإن كان مغلوباً لما خلط به؛ بأن زالت أوصافه الطعم واللون والريح جُسَاً وتقديراً بالأشد كلبن عجن به دقيق وخبز.. حَرَّم إن حصل الجميع فيما ذكر, والأ.. لم يُحرّم إلأ إذا تحقق حصول اللبن منه؛ كأن بقي أقل من قدر اللبن فيحرم؛ كما يحرم مطلقاً إذا كان غالباً.
ويعتبر كون اللبن قدراً يمكن أن يُسقى منه خمس دفعات لو انفرد على الأصح عند السرخسي؛ حكاه عنه الشيخان وأقراه.
وكونه قبل بلوغ الرضيع حولين, فلو حصل بعدهما.. لم يحرم الخبر: «لا رضاع إلا فيما كان في الحولين) رواه البيهقي والدارقطني", ولو تم الحولان في الرضعة الأخيرة.. فالأصح: التحريم؛ لأن ما يصل إلى الجوف في كل رضعة غير مقدر؛ كما قالوا: لو لم يحصل في جوفه إلا خمس قطرات في كل رضعة قطرة.. حرم.
ويعتبر الحولان بالأهلة, فإن انكسر الشهر الأول.. كمل بالعدد من الشهر الخامس والعشرين, وابتداؤهما من تمام خروج الولد؛ كما مر في نظائره في العدة.
وكونه خمس رضعات؛ لخبر مسلم عن عائشة: (كان فيما أنزل: «عشر رضعات معلومات " فنسخن بـ: «خمس رضعات معلومات»), هن مفترقات, والرجوع فيهن إلى العرف, فلو قطع إعراضاً.. تعدد, أو للهو وعاد في الحال, أو تحول من ثدي إلى ثدي.. فلا تعدد.
ولو حُلب منها دفعة وأوجره خمساً, أو حلب منها في خمس مرات وأوجره في مرة.. فرضعة؛ نظراً إلى انفصاله في المسألة الأولى, وإيجاره في الثانية.

ولو شك هل رضع خمساً أو أقل؟ أو هل رضع في الحولين أو بعد؟ فلا تحريم؛ للشك في سببه.
[ما يترتب على الرضاع المحرّم] وتصير المرضعة أمّ الرضيع, وصاحب اللبن زوجاً أو غيره أباه, وأخوه عمّه, وأخته عمّته, وآباؤه من نسب أو رضاع أجداداً للرضيع, وأمهاته من نسب أو رضاع جداته, وأولاده من نسب أو رضاع إخوته وأخواته, وتسري الحرمة إلى فروع الرضيع؛ فأولاده من نسب أو رضاع أحفاد للمرضعة والفحل.
ولو كان لرجل خمس مستولدات, أو أربع نسوة وأم ولد فرضع طفل من كل رضعة.. صار ابنه في الأصح؛ لأن لبن الجميع منه, فيحرمن على الطفل؛ لأنهن موطوءات أبيه, ولا أمومة لهنّ من جهة الرضاع.
ولو كان بدل المستولدات بنات أو أخوات.. فلا حرمة بين الرجل والطفل؛ لأن الجدودة للأم, والخؤولة إنما تثبت بتوسط الأمومة ولا أمومة هنا, وآباء المرضعة من نسب أو رضاع أجداد للرضيع, فإن كان أنثى.. حرم عليهم نكاحها, وأمهاتها من نسب أو رضاع جداته, فإن كان ذكراً.. حرم عليه نكاحهن, وأولادها من نسب أو رضاع إخوته وأخواته, وإخوتها وأخواتها من نسب أو رضاع أخواله وخالاته, فيحرم التناكح بينه وبينهم, وكذا بينه وبين أولاد الأولاد, بخلاف أولاد الإخوة والأخوات؛ لأنهم أولاد أخواله وخالاته, وهذا معنى قول الناظم: (تُثبت تحريماً كماضٍ في النكاح).
وتثبت المحرمية بالرضاع كما تثبت بالنسب, فيباح نظره إلى محرمه منه, وخلوته بها وسفره معها, ولا ينقض لمسها الوضوء, ولا تسري حرمة الرضاع إلى أصول الطفل؛ أي: آبائه وأمهاته, ولا إلى حواشيه فيجوز لأبيه وأخيه أن ينكحا مرضعته.
ويدفع الرضاع الطارئ النكاح؛ فلو أرضعت من تحرم عليه بنتها زوجته الصغيرة.. انفسخ نكاحها, ولها نصف المسمى إن كان صحيحاً, وإلا.. فنصف مهر مثلها, وله على المرضعة نصف مهر المثل, ولو رضعت من نائمة.. فلا غرم عليها؛ لأنها لم تصنع شيئاً, ولا مهر للمرتضعة؛ لأن الانفساخ حصل بفعلها وذلك يسقط المهر قبل الدخول.
ولو نكحت مطلقته صغيراً وأرضعته بلبنه.. حرمت على المطلق والصغير أبداً؛ لأنها صارت زوجة ابن المطلق, وأم الصغير وزوجة أبيه.?

ولو قال: (هند بنتي - أو أختي - برضاع), أو قالت: (هو ابني - أو أخي - برضاع).. حرم تناكحهما، ولو قال زوجان: (بيننا رضاع محرم).. فرق بينهما عملاً بقولهما، وسقط المسمى, ووجب مهر المثل إن وطئ, وإلا... فلا شيء.
وإن ادّعى رضاعاً فأنكرته.. انفسخ النكاح؛ مؤاخذة له بقوله, ولها المسمى إن وطئ, وإلا.. فنصفه, ولا يقبل قوله عليها, وله تحليفها قبل الوطاء, وكذا بعده إن كان مهر المثل أقل من المسمّى, فإن نكلت..

حلف هو, ولزمه مهر المثل بعد الوطء ولا شيء قبله, وإن ادعته فأنكر.. صدق بيمينه إن زوجت برضاها؛ لتضمن رضاها الإقرار بحله لها, وكذا لو زوجت بغير رضاها ثم مكنته, وإن لم تمكنه.. فالأصح: تصديقها بيمينها, ولها مهر مثل إن وطئ, وإلا.. فلا شيء لها.
ويحلف منكر رضاع على نفي علمه, ومدعيه على بتُ رجلاً كان أو امرأة؛ لأن الإرضاع فعل الغير، وفعل الغير يحلف مدعيه على البت, ومنكره على نفي العلم.
[ما يثبت به الرضاع] ويثبت الرضاع بشهادة رجلين, أو رجل وامرأتين, أو أربع نسوة؛ لاختصاص النساء بالاطلاع عليه غالباً كالولادة, والإقرار به شرطه رجلان؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال غالباً, وتقبل شهادة المرضعة إن لم تطلب أجرة وإن ذكرت فعلها, ولا يكفي في الشهادة: (بينهما رضاع محرم) لاختلاف المذاهب في شروط التحريم, بل يجب ذكر وقت الرضاع؛ للاحتراز عما بعد الحولين, وعدد الرضعات؛ للاحتراز عما دون خمس, ووصول اللبن جوفه ويعرف ذلك بمشاهدة حلب بفتح اللام, وإيجار وازدراد، أو قرائن كالتقام ثدي ومصه، وحركة حلقه بتجرع وازدراد, بعد علمه بأنها لبون, فإن لم يعلم ذلك.. لم يجز له أن يشهد؛ لأن الأصل عدم اللبن.
والألف في قول الناظم: (دونا) (وهنا) للإطلاق.

باب النفقات

جمع نفقة من الإنفاق وهو الإخراج, وأسباب وجوبها ثلاثة: ملك النكاح, وقرابة البعضية, وملك اليمين.
والأصل في وجوبها قبل الإجماع ما سيأتي, وبدأ بنفقة ملك النكاح؛ لأنها أقوى لوجوبها بطريق المعاوضة فقال: (مُدَّانِ للزَّوجَةِ فَرْضُ المُوسِرِ... إِن مَكَّنَتْ والمُدُّ فْرُض المُعْسِرِ) (مُدٌّ ونِصْفٌ مُتَوَسِّطُ اليَدِ... مِن حَبِّ قُوْتٍ غالِبٍ في البَلَدِ) (والأَدْمُ والَّلحْمُ كَعَادَةِ البَلَدْ... وَيُخْدِمُ الرَّفِيعَةَ القَدْرِ أَحَدْ) (لَهَا خِمَارٌ وقَمِيصٌ ولِبَاسْ... بِحَسْبِ عادَةٍ وفي الصَّيْفِ مَدَاسْ) (ومِثْلُهُ مَعْ جُبَّةٍ فَصْلَ الشِّتَا... واعْتَبِرِ العادَةَ جِنْسَاً ثَبَتَا) (وحالَهُ في لِينِهَا وَقُرِّرَا... الفَسْخُ بالقاضِي لَهَا إِن أَعْسَرَا) (عَنْ قُوْتِهَا أو كِسْوَةٍ أو مَنْزِلِ... ثلاثَ أيَّامٍ لأَقْصَى المُهَلِ) (والفَسْخُ قبلَ وَطْئِهَا بالمَهْرِ... وافْرِضْ كِفَايَةً على ذِي يُسْرِ) (لأَصْلٍ اوْ فَرْعٍ لِفَقْرٍ صَحِبَا... لا الْفَرْعِ إِن يَبْلُغْ ولا مُكْتَسِبَا) [وجوب النفقة بملك النكاح] يجب للزوجة كل يوم مدان على الموسر, ومد على المعسر, ومد ونصف على المتوسط واحتج الأصحاب لأصل التفاوت بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] الآية, واعتبروا النفقة بالكفارة بجامع أن كلاً منهما مال يجب بالشرع ويستقر في الذمة, وأكثر ما وجب في الكفارة لكل مسكين مدان في كفارة الأذى في الحج, وأقل ما وجب فيها لكل مسكين مد, وذلك في كفارة اليمين والظهار وجماع رمضان فأوجبوا على الموسر الأكثر, وعلى المعسر الأقل, وعلى المتوسط ما بينهما كما تقدم, تستوي في ذلك الزوجة المسلمة والذمية والحرة

والأمة, ولا تعتبر حال الزوجة في شرفها وغيره, ولا يعتبر كفايتها كنفقة القريب؛ لأنها تستحقها أيام مرضها وشبعها.
والمد: رطل وثلث بغدادي؛ وهو مئة وأحد وسبعون درهماً وثلاثة أسباع درهم؛ بناء على الأصح: أن رطل بغداد مئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم.
ومسكين الزكاة معسر, ومن فوقه: إن كان لو كُلف مُدَّين رجع مسكيناً.. فمتوسط, وإلا.. فموسر, ويختلف ذلك بالرخص والغلاء, والرقيق ليس عليه إلا نفقة المعسر, وكذا المكاتب وحر البعض وإن كثر مالهما؛ لضعف ملك المكاتب ونقص حال الآخر.
[شرط وجوب النفقة للزوجة] قوله: (إن مكنت) أي: إنما تجب للزوجة نفقتها وكسوتها ونحوهما بتمكين زوجها من نفسها, وذلك بأن تعرض نفسها عليه ولو بأن تبعث إليه: (إني مُسَلَّمَةً نفسي إليك), والمعتبر في عرض المراهقة والمجنونة عرض الولي.
نعم لو سلمت المراهقة نفسها إلى الزوج بغير إذن وليها فَتَسَلَّمَها.. كفى لحصول التمكين, وكذا لو سلمت البالغة العاقلة نفسها إلى المراهق بغير إذن وليه, بخلاف تسليم المبيع للمراهق؛ لأن القصد هناك أن تصير اليد للمشتري, وهي للولي فيما اشتراه للمراهق لا له.
وإنما لم تجب المؤنة بالعقد كالمهر؛ لأن العقد لا يوجب عوضين مختلفين, ولأن جملتها في مدة العقد مجهولة, والعقد لا يوجب مجهولا.
فلو اختلفا في التمكين.. صدق بيمينه؛ لأن الأصل عدمه, ولو اتفقا عليه وادعى النشوز, أو أداء مؤنة المدة الماضية.. صدقت بيمينها لذلك.
ولو امتنعت من التمكين في ابتداء الأمر ليسلمها المهر الحال فقالت: (سلم المهر لأمكن).. فلها النفقة من حينئذ.
وشمل كلامه: الرتقاء والقرناء والمفضاة, والمريضة التي لا تحتمل الوطاء, والمجنونة فتجب لها المؤنة؛ لأنها معذورة في ذلك, وقد حصل التسليم الممكن, ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه, بخلاف من عصت؛ لخروجها عن قبضة الزوج, وفوات التمتع بالكلية, وما لو كان الزوج صغيراً لا يمكن وطؤه والزوجة كبيرة فتجب مؤنتها؛ إذ لا منع من جهتها, فأشبه ما لو سلمت نفسها إلى كبير فهرب, لا إن كانت صغيرة لا تحتمل؛ لتعذره لمعنى فيها كالناشزة.

وتسقط النفقة ونحوها بالنشوز؛ وهو الخروج عن طاعة الزوج ولو بمنع لمس بلا عذر؟ فتسقط النفقة كل يوم بالنشوز بلا عذر ولو في بعضه, وكسوة الفصل بالنشوز فيه, ونشوز المجنونة والمراهقة كالبالغة العاقلة, وخروجها من بيته بلا إذن منه نشوز؛ لأن له عليها حق الحبس في مقابلة وجوب النفقة ونحوها إلا لعذر.
وسفرها بإذنه معه أو لحاجته لا يسقط, ولحاجتها كحج وعمرة تسقط في الأظهر؛ لانتفاء التمكين, ولو سافرت معه بغير إذنه.. لم تسقط.
نعم؛ إن منعها من الخروج فخرجت, ولم يقدر على ردها.. سقطت نفقتها ونحوها؟ قاله البلقيني تفقهاً، وهو ظاهر.
وقضية كلامهم: أنها لو سافرت بإذنه لحاجتهما معاً وحدها.. لم تسقط, قال الزركشي وابن العراقي: وهو قضية المرجح في (الأيمان) من عدم الحنث فيما إذا قال لزوجته: (إن خرجت لغير الحمام.. فأنت طالق), فخرجت لها ولغيرها, وقال ابن العماد: وينبغي سقوطها؛ أخذاً مما رجحوه من عدم وجوب المتعة فيما إذا ارتدا معاً قبل الوطاء, قال: وهو ظاهر؛ لأنه قد اجتمع فيه المقتضي والمانع فقدم المانع, وما قالاه أوجه؛ لاتحاد الفعل وهو الخروج للحاجتين في مسألتنا مع ما احتجَّا به, بخلافه فيها مع ما احتج هو به, على أن ما احتج به لا ينافي عدم سقوطها؛ لأن الأصل عدم وجوب المتعة حتى يوجد المقتضي لوجوبها خالياً من المانع ولم يوجد, والأصل هنا بعد التمكين: عدم سقوط النفقة حتى يوجد المقتضي لسقوطها خالياً من المانع, ولم يوجد؛ إذ المقتضي لسقوطها فيما نحن فيه سفرها لحاجتها فقط.
ولو خرجت في غيبته لزيارة لأهلها أو نحوها كعيادتهم.. لم تسقط.
ويمنعها الزوج صوم نفل مطلق؛ كالإثنين والخميس, ومن صوم مطلق النذر, ومن معين نذرته في نكاحه بلا إذنه, ومن قضاء موسع, ومن صوم الكفارة, وله قطعه إن شرعت فيه, فإن منعها ففعلته.. فناشزة؛ لامتناعها من التمكين بما فعلته, وليس له منعها من صوم عرفة وعاشوراء, ولا من تعجيل مكتوبة أول وقتها؛ لتحوز فضيلة أول الوقت, ولا من فعل سنن راتبة؛ لتأكدها وإن كان له المنع من تطويلها.

ويعتبر اليسار وغيره بطلوع الفجر؛ لأنه الوقت الذي يجب فيه التسليم, فالموسر حينئذ عليه نفقة اليسار ولو أعسر في أثناء النهار, والمعسر بعكسه.
[جنس النفقة الواجبة] والواجب: الحَبُ السليم من العيب من غالب قوت أهل البلد, فإن اختلف قوت أهل البلد ولا غالب.. وجب لائق بالزوج, وتجب عليه مؤنة طحن الحب الواجب وخبزه؛ للحاجة إليهما.
ولو طلب أحدهما بدل الحب من خبز أو غيره.. لم يجبر الممتنع منهما, فلا يجوز على المذهب, أما الجواز في غيرهما؛ كالدراهم والدنانير والثياب.. فلأنه اعتياض عن طعام مستقر في الذمة لمعين؛ كالاعتباض عن الطعام المغصوب المتلف, وأما المنع في الدقيق والخبز.. فلانه ربا.
ولو أكلت معه كالعادة.. سقطت نفقتها في الأصح إن كانت رشيدة, أو غير رشيدة وأذن وليها فى أكلها معه؛ لاكتفاء الزوجات به في الأعصار وجريان الناس عليه فيها, فإن كانت غير رشيدة؛ ولم يأذن وليها في أكلها معه.. لم تسقط عنه.
قوله: (والأدم واللحم كعادة البلد) أي: يجب لها أدم من أدم غالب البلد؛ كزيت وسمن وجبن وتمر وخل, ويختلف بالفصول, فيجب في كل فصل ما يناسبه, ويقدره قاض باجتهاده, ويفاوت في قدره بين موسر وغيره, فينظر ما يحتاج إليه المد فيفرضه على المعسر, وضعفه على الموسر, وما بينهما على المتوسط, ويجب لها لحم يليق بيساره وإعساره كعادة البلد.
قال الشيخان: ويشبه أن يقال: لا يجب الأدم في يوم اللحم, ولم يتعرضوا له, ويحتمل أن يقال: إذا أوجبنا على الموسر اللحم كل يوم.. يلزمه الأدم أيضاً؛ ليكون أحدهما غداء والآخر عشاء على العادة.
ولو كانت تأكل الخبز وحده.. وجب الأدم ولا نظر إلى عادتها, والأصل في وجوبه: قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19], وليس من المعاشرة بالمعروف تكليفها الصبر على الخبز وحده.

[وجوب إخدام الزوجة الرفيعة القدر] قوله: (ويخدم الرفيعة القدر أحد) يعني: أنه يجب على الزوج أن يُخدم الرفيعة القدر؛ بأن كانت حرة لا يليق بها خدمة نفسها واحداً ولو كان الزوج معسراً, أو رقيقاً؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف, والاعتبار في استحقاقها الخدمة بحالها في بيت أهلها؛ كما أشار إليه الناظم بقوله: (الرفيعة القدر).
ويحصل بحرة أو أمة, قال في «أصل الروضة»: أو محرم لها أو صبي؛ أي: غير مراهق, وفي مملوكها وشيخ هم وذمية خلاف.
قال الإسنوي: وفي معنى محرمها: الممسوح, والراجح في مملوكها: الجواز, بخلاف الشيخ والذمية.
وليس له أن يخدمها بنفسه في الأصح؛ لأنها تستحي منه وتتعير بذلك سواء في ذلك ما يستحيا منه؛ كصب الماء عليها, وحمله إليها للمستحم أو للشرب ونحو ذلك, وما لا يستحيا منه؛ كالكنس والطبخ والغسل.
والإخدام بمن ذكر يكون بأجرة أو إنفاق, فإن أخدم بأجرة.. فليس عليه غيرها, أو بإنفاق: فإن كانت الخادمة أمته.. أنفق عليها بالملك, أو غيرها.. أنفق عليها المعسر والمتوسط مداً, والموسر مداً وثلثاً اعتباراً فيه وفي المتوسط بثلثي نفقة المخدومة, واعتبر في المعسر مد وإن كان فيه تسوية بين الخادمة والمخدومة؛ لأن النفس لا تقوم بدونه غالباً, وقد عرف أن جنس طعامها جنس طعام الزوجة, ويجب لها أدم؛ لأن العيش لا يتم بدونه, ويكون من جنس أدم المخدومة ودونه نوعاً كما في الكسوة, وقدره بحسب الطعام, وفي وجوب اللحم لها وجهان.
قال الرافعي: وتملك الزوجة نفقة أمتها الخادمة كنفقة نفسها, وفي الحرة الخادمة يجوز أن يقال: تملكها الزوجة لتدفعها للخادمة, وعليه: لها أن تتصرف في المأخوذ وتكفى مؤنة الخادمة.
وعلم من قول الناظم: (أحد) بمعنى واحد: أنه لا يلزمه الزيادة على خادم واحد؛ لحصول الكفاية به غالباً, ولا ضبط للزيادة.

نعم؛ إن كان بالزوجة مرض أو زمانة.. فيزيد بحسب الحاجة.
وخرج بـ (الحرة): الرقيقة؛ فلا إخدام لها وإن كانت جميلة يخدم مثلها, وبـ (من لا يليق بها خدمة نفسها) أي: في بيت أبويها مثلاً لمنصبها: من لم تخدم إذ ذاك, وإن صارت تخدم في بيت زوجها, والمراد: عادة مثلها في ذلك نعم؛ إن احتاجتا للخدمة لمرض أو زمانة.. وجب إخدامهما.
ويجب لمن تخدم بالنفقة كسوة تليق بحالها؛ من قميص ومقنعة وخف وملحفة؛ لحاجتها إلى الخروج, وجبة في الشتاء لا سراويل عند الجمهور, ويجب ما تفرشه وما تتغطى به كقطعة لبد, وكساء فى الشتاء, وبارية فى الصيف ومخدة, ويكون ذلك دون ما يجب للمخدومة جنساً ونوعاً لا آلة تنظف؛ لأن اللائق بها أن تكون شعثة؛ لئلا تمتد إليها الأعين, فإن كثر وسخ وتأذت بقمل.. وجب ترفه بما يزيل ذلك؛ من مشط ودهن وغيرهما.
[وجوب الكسوة على الزوج] ويجب على الزوج في أول كل من فصلي الصيف والشتاء كسوة زوجته؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] على قدر كفايتها, ويختلف ذلك بطولها وقصرها وهزالها وسمنها, وباختلاف البلاد في الحر والبرد, ولا يختلف عدد الكسوة بيسار الزوج وإعساره, ولكنهما يؤثران في الجودة والرداءة, فيجب قميص ولباس؛ أي: سراويل أو نحوه بحسب عادتها, وخمار للرأس, ومداس بفتح الميم وحكي كسرها وهو ما يسمى بـ (السرموزة), أو نحوه في الصيف يقي قدمها من شدة الحر.
قال ابن الرفعة: وكذلك القبقاب في الشتاء إن اقتضاه العرف.
قال الماوردي: إلا إذا كانت من نساء قرية اعتدن المشي في بيوتهن حفاة.. فلا يجب لرجليها شيء.
ويجب مثله؛ أي: مثل هذا مع جبة محشوة بالقطن مخيطة, أو نحوها في فصل الشتاء؛ لحصول الكفاية بذلك, فإن لم تكف لشدة برد.. زيد عليها بقدر الحاجة, وجنس الكسوة قطن؛ ويكون لزوجة الموسر من لينه, ولزوجة المعسر من غليظه, ولزوجة المتوسط مما بينهما.
فإن جرت عادة بلد الزوج لمثله بكتان أو حرير.. وجب في الأصح, ويفاوت بين الموسر

وغيره في مراتب ذلك الجنس, وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله: (واعتبر العادة جنساً ثبتا وحاله في لينها) أي: حال الزوج في يساره وغيره في لين الكسوة وخشونتها, وغليظ القطن والكتان ورفيعهما.
ويجب لها ما تقعد عليه, فلزوجة الموسر طنفسة في الشتاء ونطع في الصيف, ولزوجة المتوسط زلية, ولزوجة المعسر لبد في الشتاء وحصير في الصيف.
قال الشيخان: ويشبه أن تكون الطنفسة والنطع بعد بسط زلية أو حصير للعادة, وكذا فراش للنوم في الأصح, فتجب مضربة وثيرة أو قطيفة ومخدة ولحاف, أو نحوه في الشتاء في البلاد -. الباردة", وذكر الغزالي: الملحفة في الصيف", وسكت غيره عنها.
والحكم في جميع ذلك مبني على العادة نوعاً وكيفية, حتى قال الروياني: لو لم يعتادوا لنومهم في الصيف غطاء غير لباسهم.. لم يلزمه شيء آخر, وليكن ما يلزم من ذلك لامرأة الموسر من المرتفع, ولامرأة المعسر من النازل, ولامرأة المتوسط مما بينهما.
ويجب لها عليه آلة تنظيف؛ كمشط ودهن من زيت أو نحوه, ومرتك أو نحوه؛ لدفع صنان إذا لم ينقطع بالماء والتراب, لا كحل وخضاب وما يزين, فإن أراد الزينة به.. هيأه لها تتزين به.
ودواء مرض وأجر طبيب وحاجم وفاصد, ولها طعام أيام المرض وأدمها, وصرف ذلك إلى الدواء ونحوه.
والأصح: وجوب أجرة حمام بحسب العادة, فإن كانت المرأة لا تعتاد دخوله.. فلا يجب, ووجوب ثمن ماء غسل جماع ونفاس, لا حيض واحتلام, والفرق: أن الحاجة إليه في الأول من قبل الزوج بخلافها في الثاني, ويقاس بذلك ماء الوضوء.
ويجب لها آلة أكل وشرب وطبخ؛ كقدر وقصعة وكوز وجرة ومغرفة ونحوها.
ويجب لها عليه تهيئة مسكن يليق بها عادة من دار أو حجرة أو غيرهما, ولا يشترط كونه ملكه, فيجوز كونه مستأجراً او مستعاراً.
وما يستهلك كطعام وأدم ودهن تمليك كالكفارة, وتتصرف فيه بالبيع وغيره؛ لملكها له, فلو قترت بما يضرها., منعها من ذلك, وكذا ما دام نفعه ككسوة وظروف طعام ومشط.

والمسكن والخادم إمتاع لا تمليك وقد تقدم أنها تعطى الكسوة أول شتاء وصيف من كل سنة, وما يبقى سنة فأكثر؛ كالفرش وجبة الحرير.. يجدد وقت تجديده على العادة, وإن تلفت فيه ولو بلا تقصير.. لم تبدل, وإن ماتت فيه., لم ترد, ولو لم ينفق أو لم يكس مدة,.
فدين.
[فسخ النكاح بإعسار الزوج بالنفقة] قوله: (وقررا... ) إلى قوله: (بالمهر) أي: إذا أعسر الزوج – بأن ثبت إعساره عند قاض بإقرار أو بينة ولو بغيبة ماله بمسافة القصر, أو بكونه مؤجلاً بقدر مدة إحضاره منها, أو حالاً على معسر - عن قوت زوجته الواجب على المعسر, أو عن كسوتها كذلك, أو عن مسكن يليق بها, أو عن مهرها المسمى أو المفروض, أو مهر المثل قبل وطئها.. أمهله القاضي ثلاثة أيام وإن لم يستمهله؛ ليتحقق عجزه, فإنه قد يعجز لعارض ثم يزول, وهي مدة قريبة يتوقع فيها القدرة بقرض أو غيره, ثم في صبيحة اليوم الرابع يفسخ القاضي نكاحه بطلبها, أو يمكنها من فسخه؛ لخبر البيهقي بإسناد صحيح: أن سعيد بن المسيب سئل عن رجل لا يجد ما ينفق على أهله, فقال: يفرق بينهما, فقيل له: سُتّة؟ فقال: نعم سُنّة, قال الشافعي: ويشبه أنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ولأنها إذا فسخت بالجب والعنة.. فلأن تفسخ بعجزه عما عدا المهر أولى؛ لأن الصبر عن التمتع أسهل من الصبر عن النفقة ونحوها, وأما فسخها بعجزه عن المهر.. فكما في عجز المشتري عن الثمن, والفسخ بذلك لا ينقص عدد الطلاق؛ لأن العجز عما ذكر عيب كالعنة.. قال الإمام: ولا حاجة إلى إيقاعه في مجلس الحكم؛ لأن الذي يتعلق بمجلس الحكم إثبات حق الفسخ.
واحترز الناظم بقوله: (إن أعسرا) عن القادر على ما ذكر ولو بالكسب, أو كان يجد بالغداة غداءها وبالعشي عشاءها, حتى لو امتنع من أداء الواجب عليه.. فلا فسخ؛ لانتفاء العجز المثبت له, متمكنة من تحصيل حقها بالمحاكم، أو يدها إن قدرت, وعما لو غاب موسراً، أو لم يعلم حاله.. فلا فسخ, بل يبعث حاكم بلدها إلى حاكم بلده ليطالبه إن علم.

موضعه, ومتى ثبت عجزه.. جاز الفسخ ولا يتوقف على بعث.
ولا فسخ بعجزه عن نفقة الموسرين والمتوسطين وكسوتهم؛ لأن واجبه الآن واجب المعسرين, ولا بعجزه عن ذلك للزمن الماضي؛ لتنزيله منزلة دين آخر.
واحترز الناظم بقوله: (قبل وطئها) عن إعساره بالمهر بعد وطئها فلا فسخ به؛ لتلف المعوض, بخلاف ما قبله, وهذا كبقاء المبيع بيد المفلس وتلفه, ولأن تمكينها قبل أخذ مهرها يدل على رضاها بذمته, وإذا لم يكن لها الامتناع بعد تسليم نفسها.. فلأن لا يكون لها الفسخ بعد ذلك أولى.
قال بعضهم: ومحل الفسخ بالإعسار بالمهر قبل الوطء: إذا لم تقبض شيئاً منه, أما إذا قبضت بعضه كما هو الغالب, وأعسر بالباقي.. فلا فسخ لها به؛ لأنه استقر له من البضع بقسطه, فلو فسخت.. لعاد لها البضع بكماله؛ لتعذر الشركة فيه فيؤدي إلى الفسخ فيما استقر للزوج, بخلاف نظيره من الفسخ بالفلس؛ لإمكان الشركة في المبيع, قاله ابن الصلاح في «فتاويه»، وجزم به ابن الرفعة في (كتاب التفليس) من «مطلبه», واعتمده الإسنوي في «المهمات», وخالفه البارزي, وكذا الأذرعي ناقلاً عن الجوري التصريح بالخيار, وهو قضية كلامهم؛ لصدق العجز عن المهر بالعجز عن بعضه.
وبإعساره عن المذكورات: إعساره بالأدم فلا فسخ به؛ لأنه تابع والنفس تقوم بدونه, وكذا إعساره بمؤن الخادم؛ لأنه ليس ضرورياً, ويثبتان في الذمة.
وبقوله: (لها) عن وليها وسيدها؛ فلا حق لهما في الفسخ, نعم؛ للسيد حق الفسخ بالمهر؛ لأنه محض حقه.
وعلم من قوله: (بالقاضي) أنه لا بد مع ثبوت إعساره من الرفع إلى القاضي كما في العنة؛ لأنه محل اجتهاد فلا تستقل به الزوجة, فلو استقلت به.. لم ينفذ ظاهراً, وفي نفوذه باطناً وجهان حكاهما الشيخان, ثم قالا: قال في «البسيط»: ولعل هذا حيث كان هناك حاكم أو محكم, وإلا.. فالوجه استقلالها.
قال الإسنوي: والراجح من الوجهين: عدم النفوذ, ففي «النهاية»: أنه الذي يقتضيه كلام الأئمة.

قال الزركشي: ولو عجز عن الأواني والفرش.. فالمتجه: ما جزم به المتولي أنه لا فسخ, أو عن بعض الكسوة.. فقد أطلق الفارقي: أن لها الفسخ.
والمختار: ما أفتى به ابن الصلاح أنه إن كان المعجوز عنه مما لا بد منه؛ كالقميص والخمار وجبة الشتاء.. فلها الفسخ، أو مما منه بد كالسراويل والنعل.. فلا.
ولو سلم الزوج نفقة اليوم الرابع.. فلا فسخ؛ لتبين زوال العارض الذي كان الفسخ لأجله, وليس لها أن تقول: (آخذ هذا عن نفقة بعض الأيام الثلاثة, وأفسخ لعجزه اليوم) لأن العبرة في الأداء بقصد المؤدي, فلو سلمها لها عما مضى.. فظاهر كلامهم: أن لها الفسخ، قال الأذرعي: وهو المتبادر، ورجح ابن الرفعة عكسه, وللرافعي في ذلك احتمالان.
ولو سلمها عن الرابع وعجز عنها في الخامس أو السادس.. جاز الفسخ في الخامس أو السادس, ولا تستأنف المدة؛ لتضررها, ولو مضى يومان وأنفق الثالث وعجز الرابع.. بنت على اليومين, وفسخت صبيحة الخامس.
ولو عجز في يوم وقدر في الثاني, وعجز في الثالث وقدر في الرابع.. لفقت أيام العجز, فإذا تمت مدة المهلة.. كان لها الفسخ, ولها الخروج زمن المهلة؛ لتحصيل النفقة بكسب أو سؤال, وليس له منعها من ذلك؛ لانتفاء الإنفاق المقابل لحبسها, ويلزمها الرجوع ليلاً؛ لأنه وقت الدعة.
قال الروياني: وليس لها منعه من التمتع بها, وقال البغوي: لها منعه، قال الشيخان: ولا نفقة لزمن الامتناع, وبه جزم صاحب «الأنوار» وقال الإسنوي: وهو أقرب ما قاله الروياني من عدم المنع محله في الليل؛ كما أشعر به سياق كلام الرافعي, وصرح به الروياني في «البحر» والماوردي في «الحاوي».
وما قاله البغوي.. مردود؛ فإنه أطلق عدم وجوب الملازمة والتمكين, ولم يخص الليل, فلا منافاة بين الكلامين, فيترجح كلام الروياني والماوردي.
انتهى.

ولو رضيت بإعساره العارض, أو نكحته عالمة بإعساره.. فلها الفسخ بعده؛ لأن الضرر يتجدد, ولا أثر لقولها: (رضيت بإعساره أبداً), فإنه وعد لا يلزم الوفاء به.
ولو رضيت بإعساره بالمهر, أو نكحته عالمة بإعساره به.. فلا فسخ لها به؛ لأن الضرر لا يتجدد.
[وجوب النفقة بقرابة البعضية] قوله: (وافرض كفاية... ) إلى آخره أي: وافرض على الموسر بفاضل عن مؤنته ومؤنة عياله في يومه وليلته كفاية لأصله, أو فرعه الفقير؛ أي: الحر من نفقة وأدم, وكسوة وسكنى, ومؤنة خادم إن احتاج إليه, وأجرة طبيب, وثمن أدوية وغيرها؛ إذ الواجب الكفاية وهي غير مقدرة؛ لأنها تجب على سبيل المواساة لدفع الحاجة, فيعتبر حاله في السن والرغبة والزهادة.
والأصل في وجوب نفقة الفرع: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] إذ إيجاب الأجرة لإرضاع الأولاد يقتضي إيجاب مؤنهم, وقوله صلى الله عليه وسلم الهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» رواه الشيخان, وفي لزوم نفقة الأصل: قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15], وخبر: «أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وولده من كسبه, فكلوا من أموالهم) رواه الترمذي وحسنه.
والقياس على الفرع بجامع البعضية, بل هو أولى؛ لأن حرمة الأصل أعظم من حرمة الفرع, وهو بالتعهد والخدمة أليق, واعتبروا في وجوب كفايتهما أن يكون فاضلاً عما ذكر؛ لأنها شرعت على سبيل المواساة, ومن لم يفضل عنه شيء.. ليس من أهلها, بخلاف من فضل عنه, سواء أفضل بالكسب أم بغيره حتى يلزم الكسوب كسبها؛ كما يلزمه كسب نفقة نفسه, ويباع فيها ما يباع في الدين من عقار وغيره؛ لشبهها به, وفي كيفية بيع العقار وجهان: أحدهما: يباع كل يوم جزء بقدر الحاجة, والثاني: لا يفعل ذلك؛ لأنه يشق, ولكن يقترض عليه إلى أن يجتمع ما يسهل بيع العقار له, قال البلقيني: رجح النووي في نظيرها من مسألة العبد: الثاني؛ فليرجح هنا, ولا تجب لمالك كفايته ولا مكتسبها, وتجب لفقير غير مكتسب إن كان زمناً أو صغيراً أو مجنوناً, وإلا.. فتجب لأصل لا لفرع؛ لعظم حرمة الأصل, ولأن

فرعه مأمور بمصاحبته بالمعروف, وليس منها تكليفه الكسب.
وخرج ب (أصله وفرعه الحرين): أصله وفرعه الرقيقان ولو مكاتبين وإخوته وأخواته ونحوهم؛ لأنهم ليسوا في معنى المنصوص عليه, فإن كانا مبعضين.. لزمه نفقتهما بقدر حريتهما, أو هو مبعضاً.. ففي «أصل الروضة» عن «البسيط»: الظاهر: أنه تلزمه نفقتهما, وصحح فيها من زيادته: لزوم نفقة تامة، وتسقط بفواتها.
فلو استغنى في بعض الأيام بضيافة أو غيرها.. لم تجب, ولو تلفت في يده.. وجب الإبدال, وكذا لو أتلفها بنفسه, لكن يؤخذ منه بدلها إذا أيسر, وتصير ديناً بإذن قاض في اقتراضها لغيبة أو منع.
ويلزم الأم إرضاع ولدها اللبأ بالهمز من غير مد؛ لأنه لا يعيش غالباً إلا به, وهو اللبن أول الولادة ومدته يسيرة, ثم بعده إن لم توجد إلا هي أو أجنبية.. وجب عليها إرضاعه إبقاء له, وإن وجدتا.. لم تجبر الأم على الإرضاع, سواء أكانت في نكاح أبيه أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6].
فإن رغبت في الإرضاع وهي منكوحة أبيه.. فليس له منعها منه في الأصح؛ لأنها أشفق على ولدها من الأجنبية, ولبنها له أصلح وأوفق, فإن اتفقا على إرضاعه وطلبت أجرة مثل.. أجيبت, أو فوقها, أو تبرعت به أجنبية, أو رضيت بأقل من أجرة مثل.. فلا تجاب إلى ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 233]. ومن استوى فرعاه في القرب والإرث أو عدمهما.. أنفقا بالسوية بينهما وإن تفاوتا في اليسار؛ كابنين أو بنتين, وكابني ابن أو بنت, وإن اختلفا فيما ذكر؛ بأن كان أحدهما أقرب والآخر وارثاً.. لزمت أقربهما على الأصح؛ لأن القرب أولى بالاعتبار من الإرث, فإن استوى قربهما.. لزمت الوارث في الأصح؛ لقوة قرابته, والوارثان يستويان أم يوزع بحسب الإرث؟ وجهان: أرجحهما: ثانيهما؛ لإشعار زيادة الإرث بزيادة قوة القرابة.
ومن له أبوان.. فعلى الأب كفايته صغيراً كان أو بالغاً, أما الصغير.. فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، وأما البالغ.. فبالاستصحاب, أو أجداد وجدات.. لزمت الأقرب منهم وإن لم يُذل بعضهم ببعض.

ومن له أصل وفرع.. لزمت الفرع على الأصح وإن بعد؛ لأنه أولى بالقيام بشأن أصله لعظم حرمته, أو له محتاجون ولم يقدر على كفايتهم.. قدم زوجته؛ لأن نفقتها آكد, ثم الأقرب فالأقرب.
[وجوب نفقة الدواب] قوله: (لدابة... ) إلى آخره؛ أي: تجب على مالك الدابة كفايتها بعلفها وسقيها؛ لحرمة الروح, ولخبر «الصحيحين»: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها, لا هي أطعمتها, ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض " بفتح الخاء وكسرها؛ أي: هوامها, ويقوم مقامهما تخليتها لترعى وترد الماء إن ألفت ذلك.
فإن امتنع.. أجبر في المأكولة على إزالة ملك أو علف أو ذبح, وفي غيرها على إزالة ملك أو علف؛ صوناً لها عن التلف, فإن لم يفعل ذلك.. ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال, ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها.
[لا وجوب النفقة بملك اليمين] كما يجب للرقيق ولو آبقاً وزمناً, وأم ولد ومرهوناً, ومستأجراً ومعاراً على مالكه كفايته من نفقة وكسوة وسائر المؤن بحسب العرف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «للمملوك طعامه وكسوته, ولا يكلف من العمل ما لا يطيق», وقو له: «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عن مملوكه قوته " رواهما مسلم, وقيس بما فيهما ما في معناهما.
ويستثنى المكاتب ولو فاسد الكتابة, فلا تجب نفقته على سيده؛ لاستقلاله بالكسب, ولهذا تلزمه نفقة أرقائه, وكذا تستثنى الأمة المزوجة إذا وجبت نفقتها على زوجها.
ويؤخذ من تعبير الناظم بـ (الكفاية): أنها تسقط بمضي الزمان.
وتجب كفايته من غالب قوت رقيق البلد وأدمهم وكسوتهم؛ من الحنطة والشعير والزيت والسمن, والقطن والكتان والصوف وغيرها؛ لخبر الشافعي رضي الله تعالى عنه: «للمملوك نفقته وكسوته بالمعروف» قال: والمعروف عندنا: المعروف لمثله ببلده.

ويراعي حال السيد والإعسار، فيجب ما يليق بحاله من رفيع الجنس الغالب وخسيسة، فلو كان يستعمل دون اللائق به المعتاد غالبا؛ بخلا أو رياضة، أو فوقه تنعما.. لزمه رعاية الغالب للرقيق، ولا يلزمه أن يسويه بنفسه إذا اختلفت عادتهما.
ويسن أن يناوله مما يتنعم به من طعام وأدم؛ للأمر بذلك في "الصحيحين" المحمول على الاستجباب، ويستحب أن يسوي بين العبيد في الطعام والكسوة، وكذا بين الإماء، وأن يفضل الجميلة.
فإن امتنع من الإنفاق على رقيقه.. باع الحاكم ماله في نفقته، فإن لم يكن.. أمره ببيعه أو إجارته أو إعتاقه، فإن أبي.. باعه الحاكم، أو أجره بحسب المصلحة، وهل يبيعه شيئا فشيئا، أو يستدين عليه إلى أن يجتمع شئ صالح يبيع ما يفي به؟ وجهان، أصحهما: الثاني.
ولا يجوز للمالك أن يكلف الدابة والرقيق من العمل ما لا يطيقه؛ لخبر مسلم السابق.
قال الرافعي في "شرحيه ": ولا يكلفه الأعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات، زاد في "الكبير": ولا ما إذا قام به يوما أو يومين.. عجز وضعف شهرا أو شهرين.
انتهي.
ولا يخفي أن ما دون الشهر كذلك، وإذا سافر به.. لا يكلفه المشي إلا أن يكون قريبا، وإن استعمله نهارا.. أرحه ليلا، وكذا بالعكس، ويريحه في الصيف بالقيلولة، ويستعمله في الشتاء النهار مع طرفيه، ويتبع في جميع ذلك العادة الغالبة، وعلى المملوك بذلك المجهود وترك الكسل.
وتجوز المخارجة برضاهما؛ وهي ضرب خراج معلوم عليه يؤديه كل يوم، أو أسبوع من كسبه، وليكن له كسب مباح دائم يفي بذلك؛ فاضلا عن نفته وكسوته إن جعلها في كسبه، فإن زاد كسبه على ذلك.. فالزيادة بر وتوسيع وهي جائزة، فلكل منهما نقضها.
وللسيد إجبار أمته على إرضاع ولدها منه، أو غيره؛ ولا يكره تركها إلا إذا أدي إلى الخراب.

فيكره، ويكره ترك سقي الزرع والشجر عند الإمكان؛ حذرا من إضاعة لمال.
والألف في قول الناظم: (ثبتا) و (أعسرا) و (صحبا) للإطلاق، وفي قوله: (وقررا) بدل من نون التوكيد إن بني للفاعل، وإلا.. فللإطلاق.
قوله: (أو فرع) بدرج الهمزة، ويجوز جعل ألف (صحبا) للتثنية عائدا على الأصل والفرع.
قوله: (ولا يكلفا) بحذف نون الرفع لغير ناصب ولا جازم وهو لغة.

باب الحضانة

هي بفتح الحاء من الحضن بكسرها وهو الجنب، فإن الحاضنة ترد إليه المحضون، وتنتهي في الصغير بالتمييز، وأما بعده إلى البلوغ.. فيسمي كفالة؛ كذا قال الماوردي، وقال غيره: تسمي حضانة أيضا، وهى كما يعلم مما يأتي: حفظ من لا يستقل بأموره، وتربيته بما يصلحه، ولا تختص بها الإناث، لكنها بهن أليق؛ لأنهن أشفق، وأهدي إلى التربية، وأصبر على القيام بها، وفي الخبر: إن امرأة قالت: يا رسول الله؛ إن ابني هذا كان بطني له وعاء؛ وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وإن أباه طلقني وزعم أنه ينزعه مني، فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي" رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده"، ومؤنة الحضانة على من عليه النفقة.
ولها شروط أخذ في بيانها فقال: (وشرطها: حرية وعقل... مسلمة حيث كذالك الطفل) (أمينة، وترضع الرضيعا... أم فأمهاتها جميعا) (قدمن، فالأب، فأمهات... الأب، فالجد، فوالدات) (جد، فما للأبوين يولد... ويعده الخالات ثم الولد) (لولد للأبوين، فلأب... ثم بنات ولد أم انتسب) (يتلوه فرع الجد للأصلين ثم... ألفرع من أب، فعمة لأم) (فبنت خالة، فبنت عمه... فولد عم حيث إرث عمه) (تقدم الأنثى بكل حال... أخواته أولي من الأخوال) (وولد مسافر لنقله... أو نكحت لغير حاضن له) (وإن يميز وأباه أختاره... يؤخذ، والأم لها الزيارة)

] شروط الحضانة [ أي: وشرطها؛ أي: الحضانة: حرية، وفي بعض النسخ: (الحرية)، فلا حضانة لمن فيه رق، رجلا كان أو امرأة ولو مبعضا؛ لأنها ولاية وليس من أهلها، ولأنه مشغول بخدمة سيده فلا يتفرغ لها، ولا يؤثر رضا سيده وإذنه له فيها؛ لأنه قد يرجع فيتشوش أمر الوالد، ويستثني ما لو أسلمت أم ولد الكافر؛ فإن ولدها يتبعها، وحضانته لها ما لم تنكح؛ حكاه الرافعي في (باب أمهات الأولاد) عن أبي إسحاق المروزي وأقره، قال الإسنوي: وكأن المعني فيه فراغها؛ لمنع السيد من قربانها مع وفور شفقتها.
والعقل؛ فلا حضانة لمن به جنون ولو متقطعا لما مر، إلا أن يقل زمنه؛ كيوم في سنة؛ فهو كمرض يطرأ ويزول، وفي معني الجنون: مريض لا يرجي برؤه؛ كمن به سل، أو فالج إن شغله ألمه عن كفالته وتدبير أمره، فإن أثر في مجرد عسر الحركة والتصرف.. فكذلك فيمن يباشر بنفسه دون من يدبر بنظره.
ولا حضانة لأبرص وأجذم؛ كما في "قواعد العلائي" لخبر: "لا يورد ذو عاهة على مصح"، ولا لأعمى؛ كما أفتى به عبد الملك بن إبراهيم المقدسي من أئمتنا من أقران ابن الصباغ، واستنبطه ابن الرفعة من كلام الإمام، ثم قال: وقد يقال: إن باشر غيره وهو يدبر أموره.. فلا منع كما في الفالج، وذهب الإسنوي إلى حضانته؛ إذ لا يلزم الحاضن تعاطيها بنفسه، بل له الاستنابة فيها، وقد صرحوا بجواز استئجار أعمى للحفظ إجازة ذمة لا إجارة عين، وما قاله هو مقتضي كلام الناظم وغيره.
والإسلام حيث كان المحضون مسلما؛ فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لأنه لا ولاية له عليه؛ ولأنه ربما يفتنه في دينه، أما المحضون الكافر.. فللمسلم والكافر حضانته.
والأمانة؛ فلا حضانة لفاسق؛ لأنه لا يلي ولا يؤتمن، وكذا السفيه والصبي والمغفل، وتكفي العدالة الظاهرة؛ كشهود النكاح.
نعم؛ إن وقع نزاع في الأهلية.. فلابد من ثبوتها عند القاضي؛ كما أفتي به النووي، قال في "التوشيح": وبه أفتيت فيما إذا تنازعا قبل تسلم الولد، فإن تنازعا بعده.. فلا ينزع ممن تسلمه، ويقبل قوله في الأهلية.

وأرضاع المرأة الرضيع، فإن لم يكن لها لبن، أو امتنعت من الإضارع.. فلا حضانة لها؛ لعسر استئجار مرضعة تترك منزلها وتنقل إلى مسكن المرأة، وهذا ما أفهمه كلام "الروضة" و"أصلها"، وبه صرح ابن الرفعة، وهو مشكل فيما إذا لم يكن لها لبن؛ لأن غايتها أن تكون كالأب ونحوه ممن لا لبن له، وذلك لا يمنع الحضانة، وكلام الأئمة كما قال الأذرعي وغيره: يقتضي الجزم بأنه لا يشترط كونها ذات لبن.
وعبارة "المحرر": وهل يشترط لاستحقاقها الحضانة أن ترضعه إن كان رضيعا ولها لبن؟ وجهان، أجاب أكثرهم بالاشتراط، ومن هنا قال البلقيني: المراد على الأصح: أن تكون ذات لبن؛ كما صرح به في "المحرر"، وحاصله: أنه إن لم يكن لها لبن.. فلا خاف في استحقاقها، وإن كان لها لبن وامتنعت.. فالأصح: لا حضانة.
انتهى.
والخلو من نكاح من لا حق له في حضانة الولد كما سيأتي، ولو كان المحضون رقيقا.. فحضانته لسيده، وهل له نزعه من أحد أبويه إن كان حرا؟ وجهان؛ بناء على قولي جواز التفريق، أو مبعضا.. فللسيد الحضانة بنسبة رقه.
فلو كان نصفه رقيقا.. كان له نصف حضانته، ونصفها لقريبه الحر، فإن رضي أحدهما بالآخر، أو رضيا بمهايأة، أو باكتراء حاضن.. فذاك، وإلا.. أكتري الحاكم حاضنا، وأوجب المؤنة عليهما، ولا حضانة لذي الولاء على الأصح؛ لفقد الملك والقرابة اللذين هما مظننا الشفقة.
] إذا بلغ المحضون عاقلا [ ثم إذا بلغ الولد عاقلا.. انقطعت عنه الحضانة والكفالة ويبقي إسكانه، فإن كان ذكرا يحسن تدبيره.. لم يجبر على أن يكون عند الأبوين أو أحدهما، ولكن الأولى ألا يفارقهما ويخدمهما ويصلهما، أو أنثي مزوجة.. فعند زوجها، وإلا.. فإن كانت بكرا.. فعند أبويها أو أحدهما، وتجبر على ذلك، فإن افترقا.. خيرت بينهما، وإذا كان ثيبا.. فالأولي أن تكون عندهما، أو عند أحدهما، ولا تجبر على ذلك إذا لم تكن تهمة ولا ريبة، وإلا.. فللأب والجد ومن يلي تزويجها منعها من الانفراد، والمحرم منهم يضمها إلى نفسه إن رأي ذلك، وغيره يسكنها موضعا يليق بها ويلاحظها، وللأم ضمها إليها عند الريبة، ولو فرضت الريبة في حق البكر.. فهي أولي بالاحتياط.

جارٍ التحميل