فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلانصفحات 119-158

(الكتاب) لغةً: الضم والجمع، واصطلاحاً: اسم لضمٍّ مخصوص، أو لجمة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول غالباً.
و(الطهارة): مصدر طَهَر - بفتح الهاء وضمها، والفت أفصح - يطهُر بضمها فيهما، وهي لغةً: النظافة والخلوص من الأدناس حسية كانت أو معنوية؛ كالعيوب، وشرعاً: زوال المنع المترتب على الحدث أو الخبث، أو الفعل الموضوع لإفادة ذلك، أو لإفادة بعض آثاره كالتيمم؛ فإنه يفيد جواز الصلاة الذي هو من آثار لك، فهي قسمان، ولهذا عرفها النووي وغيره باعتبار القسم الثاني بأنها: رفع حدث، أو إزالة نجس، أو ما في معناهما وعلى صورتهما؛ كالتيمم والأغسال المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة.
(وإنما يصح تطهيرٌ بما... أُطلق لا مستعملٍ، ولا بما) (بطاهرٍ مخالطٍ تغيَّرا... تغيراً إطلاق الاسم غيَّرا) (في طعمه أو ريحه أو لونه... ويمكن استغناؤه بصونه) (واستثن تغييراً بعودٍ صُلْبِ... أو ورقٍ أو طُحلبٍ أو تُرب) فيها ثلاث مسائل: [لا يصح التطهير إلا بالماء] الأولى: أنه إنما يصح التطهير - أي: في غير الاستحالة والتيمم - بالماء المطلق.
وأفاد تعبيره: بـ (إنما) المفيدة للحصر: حصر التطهير في الماء المطلق، وهو كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾، وقوله تعالى: ﴿ويُنزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾ ذكر الماس امتناناً، فلو طهر غيره.. فات الامتنان، ولما يأتي.
أما في الحديث وهو هنا: أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص.. فلقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، وأما في النجس وهو: مستقذر يمنع صحة الصلاة

حيث لا مرخص.. فلقوله صلى الله عليه وسلم حين بال الأعرابي في المسجد: "صبوا عليه ذنوباً من ماء" رواه الشيخان، والأمر للوجوب.
فلو رفع غير الماء.. لم يجب التيمم عند فقده، ولا غسل البول به، ولا يقاس به غيره؛ لأن اختصاص التطهير به عند الإمام تعبد، وعند غيره لما فيه من الرقة واللطافة التي لا توجد في غيره.
ودخل في عبارته: تطهير دائم الحدث، والغسلة الثانية والثالثة، والوضوء المجدد، والأغسال المسنونة، وتناول الماء جميع أنواعه بأي صفةٍ من أحمر وأسود، ومنحل من الثلج أو برد، ومنعقد منه ملح أو حجر، وكذا متصاعد من بخار مرتفع من غليان الماء على الأصح؛ لأنه ماء حقيقة وينقص الماء بقدره.
وخرج به: ما لا يسمى ماء؛ كتراب التيمم، وحجر الاستنجاء، وأدوية الدباغ والشمس، والريح وغيرها، حتى التراب في غسلات النجاسة المغلظة؛ فإن المطهر لها هو الماء بشرط امتزاجه بالتراب في غسلة منها كما سيأتي في بابها.
و(المطلق): ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد وإن قيد لموافقة الواقع؛ كماء البئر والثلج والبرد، فدخل فيه المتغير كثيراً بما لا يؤثر كطين وطحلب، وخرج عنه المقيد بإضافة نحوية كماء الورد، وبصفة كماء دافق؛ أي: مني، وبلام عهد كقوله في الحديث: "نعم إذا رأت الماء" أي: المني.
[التطهُّر بالماء المستعمل] الثانية: أنه لا يصح التطهير بالماء المستعمل القليل؛ وهو ما استعمل في فرض من رفع حدث أو إزالة نجس؛ لما سيأتي آخر هذا الكتاب.
ومقتضى كلام المصنف: أنه ليس بمطلق، وهو ما صححه النووي في "تحقيقه" وغيره، فلا يحنث بشربه من حلف لا يشرب ماء، ولا يقع شراؤه لمن وكل في شراء ماء,

لكن جزم الرافعي بأنه مطلق، لكنه منع من استعماله تعبداً، وقال النووي في "شرح التنبيه": إنه الصحيح عند الأكثرين.
[الماء المتغير بطاهر] الثالثة: أنه لا يصح التطير بماءٍ تغير بطاهر مخالط له تغيراً كثيراً بغيِّر؛ أي: يمنع إطلاق اسم الماء عليه؛ بأن يحدث له اسم آخر حال كون التغير في طعمه أو ريحه أو لونه، ولهذا لا يحنث بشربه من حلف لا يشرب ماء، ولا يقع شراؤه لمن وكل في شراء ماء.
وشمل كلامه: التغير الحسي والتقديري؛ كما إذا وقع في الماء ما يوافقه في صفاته؛ كماء مستعمل، أو ماء شجر، أو عرق فلم يغيره، لكنه لو قدر مخالفاً له.. لغيَّره التغير المؤثر، والمعتبر تقديره بالأشياء المتوسطة؛ كلون العصير، وطعم الرمان، وريح اللاَّذَن، فلا يقدر بالأشد؛ كلون الحبر، وطعم الخل، وريح المسك، بخلاف النجس؛ لغلظه.
وخرج ما لم يتغير، أو يتغير لا بأحد الأوصاف الثلاثة كالمسخن والمبرد، أو بأحدهما لا بمخالط كالمتغير بما قرب منه، أو بطول المكث، أو بمجاور كدهن وكافور صلب وقطران لم يختلط بالماء، أو بما يخالطه لا غنى للماء عنه كالمتغير بطين، أو طحلب متفتت، أو نورة، أو زرنيخ بمقر الماء أو ممره، أو له عنه غنى وغيَّره يسيراً فكل منها يطهِّر؛ لبقاء إطلاق اسم الماء عليه.
وإذا لم يؤثر التغير بالخليط.. جاز استعماله في الجميع؛ لاستهلاكه وبقاء الاسم، وعليه: يلزم تكميل الناقص عن الطهر بالمستهلك إلا أن يجاوز ثمنه ثمن الماء المعجوز عنه.
و(المخالط): ما لا يتميز في رأي العين، وقيل: ما لا يمكن فصله، بخلاف المجاور فيهما، وقيل: المعتبر العرف.
ثم أمر المصنف المخاطب بأن يستثني من ذلك صوراً: الأولى: المتغير بمجاور تغيراً كثيراً، وقد أشار إليه بقوله: (بِعُودٍ صُلب) فإنه يصح التطهير به؛ لأن تغيره بذلك لكونه تروحاً لا يمنع إطلاق الاسم عليه.
الثانية: المتغير بورق شجر تناثر وتفتت ولو كان ربيعيّاً أو بعيداً عن الماء؛ فإن يصح التطهير به؛ لعسر الاحتراز عنه، فإن طرح ولو صحيحاً وتفتت.. ضر؛ لأنه مخالط مستغنىً عنه، أما غير المتفتت.. فمجاور، وقد مر أنه لا يضر.

وخرج بالورق الساقط ونحوها؛ فإنها تضر؛ لإمكان التحرز عنها غالباً.
الثالثة: المتغير بما في مقر الماء وممره، وقد أشار ليه بـ (الطُّحلُب) بضم مع ضم اللام وفتحها، فإنه صح التطهير به؛ لتعذر صون الماء عنه.
الرابعة: المتغير بالتراب وإن طرح؛ فإنه يصح التطهير به؛ لأنه تغيره به مجرد كُدورة وهي لا تسلب الطهورية، ولموافقته الماء في الطهورية.
وكلامهم شامل للتراب المستعمل وهو ظاهر؛ فإن كلاً منهما علة مستقلة؛ إذ الأصل عدم التركيب، وظاهر أنه إن تغير حتى صار لا يسمى إلا طيناً رطباً.. سلب الطهورية، وقد صرح به الرافعي في "الشرح الصغير".
وفي تعلق (بماءٍ) بـ (تغيُّراً) تضمين وهو: ألا يظهر معنى البيت إلا بالآخر، وهو عيب في الشعر خلافاً للأخفش، وقس عليه نظائره.
والألف في قوله: (تغيراً) و (وغيَّرا) للإطلاق.
وقوله: (واستثن) بمعنى: استدرك؛ إذ هو استثناء منقطع، ويمكن أن يجعل منقطعاً فيما عدا الرابعة، متصلاً فيها؛ بناءً على رأي من يجعل التغير فيما عداها سالباً للاسم، وقد مر ما يؤخذ منه أن الراجح خلافه.
ومما يستثنى أيضاً: المتغير بملح مائي وإن طرح؛ فإنه يصح التطهير به لانعقاده من الماء كالجمد، بخلاف الملح الجبلي إذا لم يكن في مقر الماء أو ممره.
وقول الناظم: (أُطلق) مبني للمفعول، و (ما) من قوله: (ولا بِمَا) موصولة، أو نكرة موصوفة.
وقوله: (تُربِ) إحدى لغات التراب.
ولما أنهى الكلام على الماء الطهور والطاهر.. ذكر حكم الماء إذا حلت فيه نجاسة حال قلَّته أو كثرته، وبدأ بالأول فقال: (ولا بماءٍ مطلقٍ حلَّته عين... نجاسةٍ وهو بدون القُلَّتين) (واستثن ميتاً دمه لم يسل... أو لا يُرى بالطرف لمَّا يحصل)

فيهما مسألتان: [تنجس الماء القليل إذا حلت فيه نجاسة] الأولى: أنه لا يصح التطهير بماء مطلقٍ حلته؛ أي: حلت فيه عين نجاسة والحال أنه دون القلتين وإن كان جارياً ولم تغيره لتنجسه بها؛ لخبر مسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه.. فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده"، نهاه عن الغمس خشية النجاسة، ومعلوم أنها إذا خفيت.. لا تغير الماء، فلولا أنها تنجسه بوصولها.. لم ينهه، ولمفهوم خبر أبي داود وغيره، وقال النووي: إنه حسن، والحاكم: إنه صحيح على شرط الشيخين: "إذا بلغ الماء قلتين.. لم يحمل خبثاً"، وفي روايةٍ صحيحةٍ كما قال البيهقي: "لم ينجس"، فمعنى (لم يحمل خبثاً): لم يقبله؛ لهذه الرواية.
وخرج بـ (الماء): غيره من المائع وإن كثر، ومن الجامد بتوسط رطوبة.. فإنه ينجس، وفارق كثير الماء كثير غيره بأن كثيرة قوي ويشق حفظه من النجس، بخلاف غيره وإن كثر، فإن بلغ ما تنجس بالملاقاة قلتين بماء ولو طاهراً أو متنجساً.. فهو طهور، وفي بعض النسخ: (وهو دون القلتين).
ووصف المصنف الماء بكونه مطلقاً قبل حلولها فيه؛ ليفيد تنجس الماء الطاهر غير الطهور بحلولها فيه بطريق الأولى.
[ما يستثنى من تنجس الماء القليل بوقوع النجاسة فيه] والثانية: أمر المصنف المخاطب بأن يستثنى من تنجس الماء القليل بحلول النجاسة فيه مسألتين: الأولى: الميت الذي لا يسيل دمه عند شق جزء منه في الحياة؛ كذباب ونمل ونحل وعقرب وبق وقمل وبرغوث ووزغ، لا حية وضفدع.. فلا ينجس ما حل فيه وإن قل؛ أي: إن لم يطرح فيه ميتاً ولم يغيره كما يفيده كلامه؛ وذلك لخبر البخاري: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم.. فليغمسه كله؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء"، زاد أبو داود: "وإنه

يتقي بجناحه الذي فيه الداء"، أمر بغمسه وقد يفضي إلى موته، فلو نجس.. لما أمر به.
وقيس بالذباب ما في معناه مما لا يسيل دمه، فلو شككنا في سيل دمه.. قال الغزالي في "فتاويه": فيمتحن بجنسه فيجرح للحاجة.
ولو كان مما يسيل دمه؛ لكن لا دم فيه، أو فيه دم لا يسيل لصغره.. فله حكم ما يسيل دمه، ذكره القاضي أبو الطيب.
فإن طرح فيه ميتاً ولو كان نشوؤه منه.. نجسه؛ لندرته؛ لأنه لا يشق الاحتراز عنه، وكذا لو غيره.
الثانية: النجس الذي لا يرى بالطرف - أي: البصر - لما يحصل؛ لقلته؛ كرشاش بول أو خمر.. فلا ينجس ما حل فيه؛ لمشقة الاحتراز عنه خلافاً للرافعي، ولو أرى قوي البصر ما لا يراه غيره.. قال الزركشي وغيره: فالظاهر العفو؛ كما في سماع نداء الجمعة، وكالماء في هاتين الصورتين المائع والرطب.
ويستثنى أيضاً مسائل: منها: الحيوان غير الآدمي إذا وقع في الماء القليل وعلى منفذه نجاسة وخرج منه حياً.. فإنه لا ينجسه، بخلاف المستجمر؛ فإنه ينجسه.
ومنها: اليسير عرفاً من دخان النجاسة، ومن الشعر النجس من غير كلب وخنزير، ومن غبار السرجين.
وقول الناظم: (يَحصُل) بكسر اللام للوزن.
ثم ذكر القسم الثاني من الماء عاطفاً على قوله: (وهو بدون القلتين) قوله:

(أو قُلتين بالرُّطيل الرَّملي... فوق ثمانين قريب رطل) (والقلتان بالدِّمشقيِّ ميه... ونحو أرطالٍ أتت ثمانيه) (والنجس الواقع قد غيره... واختير في مشمسٍ لا يكره) فيها مسألتان: [الماء الكثير إذا تغير بالنجس الواقع فيه] الأولى: أنه لا يصلح التطهير بالماء الكثير وهو: ما بلغ قلتين والحال أن النجس الواقع فيه قد غيَّره؛ بأن غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه تغيراً حسياً أو تقديرياً، يسيراً أو كثيراً، بمخالط أو بمجاور، أو بميتة لا يسيل جمها؛ لتنجسه بالإجماع المخصص لخبر الترمذي وقال: إنه حسن صحيح: "الماء طهور لا ينجسه شيء" كما خصصه مفهوم خبر: (القلتين).
وخرج بما ذكره: تغيره بنجاسة بقربه؛ فإنه لا يؤثر.
والقلتان بالرطل الرملي - نسبة إلى بلده بالشام -: الذي وزنه ثمان مئة درهم، قريب أحد وثمانين رطلاً.
وبالدمشقي على ما صححه الرافعي من أن رطل بغداد مئة وثلاثون درهماً: مئة وثمانين أرطال وثلث رطل، وعلى ما صححه النووي من أنه مئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم: مئة وسبعين أرال وسبع رطل.
وبالبغدادي: خمس مئة رطل.
وبالمصري على ما صححه الرافعي: أربع مئة وأحد وخمسون رطلاً وثلث رطل وثلثا أوقية لا أربعة أخماس أوقية كما توهمهم بعضهم، وعلى ما صححه النووي: أربع مئة وستة وأربعون رطلاً وثلاثة أسباع رطل.
وبالمساحة في المربع: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً.
وفي بعض النسخ بدل البيت الثاني: (أو قلتين بالدمشقي هيه... ثمان أرطالٍ أتت بعد ميه)

والماء الجاري وإن كانت جرياته متصلة حساً.. فهي منفصلة حكماً؛ إذ كل جرية طالبة لما أمامها، هاربة مما وراءها، فلو وقع فيها نجس.. فكما لو وقع في ماء راكد، حتى لو كانت قليلة.. تنجست بوصوله إليها وإن بلغت مع ما أمامها وخلفها قلتين؛ لتفاصل أجزاء الجاري؛ فلا يتقوى بعضه ببعض، بخلاف الراكد والجرية إذا بلغ كل منهما قلتين.
ولو وقع فيه وهي قليلة نجس جامد: فإن كان موافقاً لجريانها.. تنجست دون ما أمامها وما خلفها، أو واقفاً أو جريها أسرع.. فمحله وما أمامه مما مر عليه نجس وإن طال امتداده إلا أن يتراد أو يجتمع في حفره، وعليه يقال: ماء هو ألف قلة تنجس بلا تغير.
والجرية التي تعقب جريه النجس الجاري.. تغسل المحل، ولها حكم الغسالة، حتى لو كانت النجاسة مغلظة.. فلا بد من سبع جريات.
[حكم الماء المشمس] الثانية: الماء المشمس؛ أي: ما سخنته الشمس بحدتها بمنطبع؛ أي: مطرق من غير النقدين في قطر حار كمكة.. الأصح: أنه يكره شرعاً تنزيهاً استعماله في البدن طهارة وغيرها حال حرارته إذا وجد غيره؛ لما روى البيهقي: أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وقد سخنت ماء بالشمس: "يا حميراء؛ لا تفعلي هذا؛ فإنه يورث البرص"، ولما روى الشافعي عن عمر: أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال: (إنه يورث البرص).
والمعنى: أن الشمس بحدتها تفصل من المنطبع زهومة تعلو الماء فإذا لاقت البدن.. خيف عليه البرص، بخلاف المسخن بالنار؛ لذهاب الزهومة بها.
والعلة تقتضي أنه غير الماء من المائعات كالماء، وبه جزم الزركشي، ولو استعمله في طبخ طعام.. كره إن كان مائعاً، وإلا.. فلا، نقله في "المجموع" عن الماوردي والروياني وأقره، وظاهر كلام الجمهور: أنه يكره في الأبرص؛ لزيادة الضرر، وفي الميت؛ لأنه يحترم كما في الحياة.
قال البلقيني وغيره: وغير الآدمي من الحيوانات إن كان البرص يدركه كالخيل، أو يتعلق بالآدمي منه ضرر.. اتجهت الكراهة، وإلا.. فلا.

وقد ذكر المصنف: أنه لا يكره استعمال المشمس على المختار؛ أي: عند النووي دليلاً في "روضته" وغيرها، وصححه في "تنقيحه"، وقال في "مجموعة": إنه الصواب الموافق للدليل ولنص "الأم"، والخبر ضعيف باتفاق المحدثين، وكذا الأثر؛ فإنه من رواية إبراهيم بن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه وجرحوه إلا الشافعي فوثقه، فثبت أنه لا أصل لكراهته، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء.
انتهى.
وأجيب بأن دعواه أن الموافق للدليل ولنص "الأم" عدم الكراهة.. ممنوعة، وأثر عمر رواه الدارقطني بإسناد آخر صحيح، على أن الحصر في قوله: "إلا الشافعي فوثقه).. ممنوع، بل وثقه ابن جريج وابن عدي وغيرهما كما ذكره الإسنوي.
وقوله: (ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء) شهادة نفي لا يرد بها قول الشافعي، ويكفي في إثباته قول السيد عمر الذي هو أعرف بالطب من غيره، وتمسكه به من حيث إنه خبر لا تقليد.
ومما يكره استعماله: شديد الحرارة والبرودة؛ لمنعه الإسباغ، فإن فقد غيره وضاق الوقت.. وجب، أو خاف منه ضرراً.. حرم كما نبه عليه المحب الطبري، وكل ماء مغضوب عليه كمياه ثمود إلا بئر الناقة، وماء ديار قوم لوط؛ لخسفها، وماء ديار بابل؛ لخبر أبي داود أنها أرض صار كنقاعة الحناء، وماء بئر برهوت؛ لخبر ابن حبان: "شر بئر في الأرض برهوت".
(وإن بنفسه انتفى التغير... والماء - لا كزعفرانٍ - يطهر) فيه مسألتان: [إذا انتفى تغير الكثير بنفسه] الأولى: إذا انتفى تغير الماء الكثير بالنجس؛ بأن لم يدرك بنفسه لا بعين كطول مكث، وهبوب ريح، أو بماء نبع فيه أو صب عليه ولو متنجساً.. طهر؛ لانتفاء علة التنجس وهي التغير، ولا يضر عود تغيره إذا خلا عن نجس جامد.

[إذا انتفى تغير الكثير بعين ساترة] الثانية: إذا زال التغير ظاهراً بعين ساترة له؛ كأن زال بنحو تراب أو جص، أو زال تغير لونه بالزعفران، أو ريحه بالمسك، أو طعمه بالخل.. لم يحكم بطهارته؛ للشك في أن التغير زال أو استتر، بل الظاهر: الاستتار.
وقضية العلة: أنه لو صفا الماء ولم يبق به تغير.. طهر، وبه صرح في "المجموع" في التراب، ومثله غيره.
(وكلُّ ما استعمل في تطهير... فرضٍ وقَلَّ ليس بالطَّهور) [الماء المستعمل] فيه مسألة: وهي: أن الماء المستعمل في تطهير فرض من رفع حدث أو إزالة نجس وقد قلَّ.. غير طهور؛ لانتقال المنع إليه، ولأن السلف لم يجمعوه في أسفارهم لاستعماله ثانياً مع احتياجهم إليه وعدم استقذاره في الطهارة، بل عدلوا إلى التيمم.
والمراد بـ (الفرض): ما لابد منه أثم بتركه أم لا، فيشمل ما اغتسلت به الكتابية من حيض أو نفاس؛ لتحل لحليلها المسلم، وطهارة الحنفي ولو بلا نية، وطهارة الصبي، وتطهير الوجه قبل بطلان التيمم، وتطهير الخبث المعفو عنه؛ إ ذ هو فرض أصالة، والغسل بدل المسح، وغسل الميت.
وخرج بـ (الفرض): الماء المستعمل في النفل؛ كالأغسال المسنونة، وغسل الرجلين في الخف قبل بطلان مسحهما.. فإنه طهور.
وخرج بقوله: (وقَلَّ): ما لو بلغ قلتين.. فإنه طهور، ولو انغمس جنب في ماء دونهما، ثم نوى.. ارتفعت جنابته وصار مستعملاً بالنسبة لغيره، ولا يصير مستعملاً بالنسبة إليه حتى يخرج منه، حتى لو أحدث في حال انغماسه.. جاز ارتفاعه به؛ لأن صورة الاستعمال باقية، والماء حال استعماله باقٍ على طهوريته، ولو نوى قبل تمام انغماسه.. ارتفعت جنابة الجزء الملاقي، وله أن يتمم انغماسه وترتفع جنابته، فلو غرف بإناء أو بيده، ثم غسل الباقي.. لم ترتفع جنابته.

ولو انغمس فيه جنبان ونويا معاً بعد تمام الانغماس.. ارتفعت جنابتهما، أو نويا مرتباً.. ارتفعت جنابة الأول لا الثاني، ولو نويا معاً بعد غسل جزء منهما.. ارتفعت جنابة الجزء صار الماء مستعملاً بالنسبة إليهما.
والماء حال تردده على عضو ليس بمستعمل بالنسبة إليه، ولو جرى من عضو المتوضئ إلى عضو آخر ولو من يد إلى أخرى.. فمستعمل، ولو انفصل من عضو الجنب إلى عضو آخر.. فالأصح أنه مستعمل، ولو غمس المتوضئ يده في الإناء قبل فراغ الوجه.. لم يصر مستعملاً، وكذا بعده إن نوى الاغتراف، وإلا.. صار مستعملاً، والجنب بعد النية كالمحدث بعد غسل وجهه، ولو غسل كل منهما بما في كفه باقي يده.. أجزأه، بخلاف ما لو غسل به غيرها.. فإنه لا يكفي.

ثم لما ذكر تنجس الماء بالنجاسة.. استدعى ذكرها فقال:

بابُ النّجاسة

أي: وإزالتها.
(الباب): اسم لجملة من الكتاب مشتملة على فصول غالباً، و (الفصل): اسم لجملة من الباب مشتملة على مسائل.
و(النجاسة): تطلق على الحكم الشرعي الذي هو نقيض الطهارة، وعلى العين النجسة، وهي بهذا الإطلاق لغةً: الشيء المستقذر، وشرعاً: كل عين حرم تناولها على الإطلاق في حالة الاختيار مع سهولة تمييزها، لا لحرمتها، ولا لاستقذارها، ولا لضررها في بدن أو عقل.
فاحترز بـ (الإطلاق) عما يباح قليله؛ كبعض النباتات السمية، وبـ (حالة الاختيار) عن حالة الضرورة، فيباح فيها تناول النجاسة، وبـ (سهولة تمييزها) عن دود الفاكهة ونحوها، فيباح تناوله معها، وهذان القيدان للإدخال لا للإخراج، وبالبقية عن الآدمي، وعن المخاط ونحوه، وعن الحشيشة المسكرة، والسم الذي يضر قليله وكثيره، والتراب؛ فإنها لم يحرم تناولها لنجاستها، بل لحرمة الآدمي، واستقذار المخاط ونحوه، وضرر البقية.
وعرفها المصنف بالعدِّ؛ ليعلم طهارة غيره على الأصل فقال: (المُسكِر المائع، والخنزير... والكلب مع فرعيهما، والسُّؤر) قوله: (المُسكِر) وما عطف عليه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي؛ أي: النجاسة.
وقد أفاد كلامه نجاسة أمور: [نجاسة المسكر المائع] الأول: المسكر المائع؛ كنبيذ وخمر ولو مستحيلة في الحبات ومحترمة، وهي: ما عصر لا بقصد الخمر، أما الخمر.. فتغليظاً وزجراً عنها؛ كالكلب، ولقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ﴾، والرجس شرعاً: هو النجس، خرجت الثلاثة المقرونة بها بالإجماع، فبقيت هي على النجاسة، وأما النبيذ.. فقياساً على الخمر؛ بجامع الإسكار بمائع.

وخرج بـ (المائع): البنج والحشيشة ونحوهما؛ فإنها حرام وليست بنجسة، وذهب جمع إلى أنها مخدرة لا مسكرة، ولا ترد عليه الخمر المنعقدة ولا الحشيشة المذابة نظراً إلى الأصل فيهما.
[نجاسة الخنزير] الثاني: الخنزير؛ لأنه أسوأ حالاً من الكلب؛ لأنه لا يقتني بحال، ولأنه مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه، ومنصوص على تحريمه.
[نجاسة الكلب] الثالث: الكلب ولو معلماً؛ لخبر "الصحيحين": "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم.. قليرقه، ثم ليغلسه سبع مرات"، ويخبر مسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب.. أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن نجساً.. لما أمر بإراقته؛ لما فيها من إتلاف المال المنهي عن إضاعته، ولأن الطهارة: إما عن حدث أو خبث، ولا حدث على الإناء فتعينت طهارة الخبث، فثبتت نجاسة فمه وهو أطيب أجزائه، بل هو أطيب الحيوان نكهة؛ لكثرة ما يلهب فبقيتها أولى، وفي الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار قوم فأجاب، ثم دعي إلى دار أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: "إن في دار فلان كلباً"، قيل: وإن في دار فلان هرة؟ ! فقال: "الهرة ليست بنجسة" رواه الدارقطني والحاكم.
وإراقة ما ولغ فيه.. واجبة إن أريد استعمال الإناء، وإلا.. فمستحبة كسائر النجاسات إلا الخمر غير المحترمة فتجب إراقتها؛ لطلب النفس تناولها.
[نجاسة فرع الكلب والخنزير] الرابع: الفرع لكل من الكلب والخنزير مع الآخر، أو مع حيوان طاهر تبعاً لأصله وتغليباً للنجاسة، وعلله في "المهذب" بأنه مخلوق من النجاسة فكان مثلها، قال في "شرحه": ولا ينتقض بالدود بالمتولد منها؛ لأنا نمنع أنه خلق من نفسها، وإنما تولد فيها كدود الخل

لا يخلق من نفس الخل، بل يتولد فيه، قال: ولو ارتضع جديٌ كلبةً أو خنزيرةً فنبت لحمه على لبنها.. لم ينجس على الأصح.
والفرع يتبع الأب في النسب، والأم في الرق والحرية، وأشرفها في الدين، وإيجاب البدل وتقرير الجزية، وأخفهما في عدم وجوب الزكاة، وأخسهما في النجاسة، وتحريم الذبيحة والمناكحة.
الخامس: السؤر - بالهمزة ويبدل واواً -: البقية؛ أي: بقية الكلب والخنزير وفروعهما؛ كعظم وشعر ودم وبول، ودمع وعرق وسائر فضلاتها؛ لأن ما انفصل من نجس العين.. فهو نجس، وقيل: السؤل فضله الشرب.
(وميتةٌ مع العظام والشعر... والصوف، لا مأكولةٌ ولا بشر) أفاد كلامه أموراً: [ناسة الميتة] الأول: نجاسة الميتة وإن لم يسل دمها؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمت عليكم الميتة﴾، وتحريم ما ليس بمحترم ولا مستقذر ولا ضرر فيه.. يدل على نجاسته، و (الميتة): ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية.
[نجاسة عظم الميتة وشعرها وصوفها] الثاني: نجاسة عظمها وشعرها وصوفها؛ لأن كلاً منها تحله الحياة، ولأن العظم جزء النجس، والشعر والصوف متصلان بالحيوان اتصال خلقه فكان كالأعضاء، وكالعظم: الظلف والظفر والحافر والقرن، ومثل الشعر والصوف: الوبر والريش.
[طهارة الميتة المأكولة] الثالث: طهارة الميتة المأكولة من سمك وجراد وجنين مذكاة، وصيد لم تدرك ذكاته، وبعير نادٍّ مات بالسهم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِل لكم صيد البحر وطعامه﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه الترمذي وغيره وصححوه، ولخبر

"الصحيحين" عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد)، وصح عن ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال"، وهو في حكم المرفوع، بل رفعه ابن ماجه وغيره، ولكن بسند ضعيف، ولخبر بن حبان وصححه: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وفي "الصحيحين": "إذا أرسلت كلبك وسميت، وأمسك وقتل.. فكل، وإن أكل.. فلا تأكل؛ فإنما أمسك على نفسه"، وفيهما أيضاً من رواية رافع بن خديج: أن بعيراً ندَّ فرماه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم.. فاصنعوا به هكذا".
على أن الجنين والصيد والبعير ليست ميتة، بل جعل الشارع هذا ذكاتها؛ ولهذا صرح في خبر الجنين بأنه مذكى وإن لم تباشره السكين، ذكره في "المجموع".
[طهارة ميتة البشر] الرابع: طهارة ميتة البشر، سواء أكان مسلماً أم كافراً، لخبر الحاكم وصححه على شرط الشيخين: "لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً"، ولقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾، وقضية تكريمهم: ألا يحكم بنجاستهم بالموت، وأما قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجسٌ﴾.. فالمراد به: نجاسة الاعتقاد، أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان؛ ولهذا: (ربط النبي صلى الله عليه وسلم الأسير الكافر في المسجد)، وقد أباح الله تعالى طعام أهل الكتاب.
واعلم: أن فضلة الحيوان على قسمين: أحدهما: ما له اجتماع واستحالة في الباطن كالدم، وهو نجس من مأكول اللحم وغيره إلا ما استثنى.

ثانيهما: ما ليس كذلك، بل يرشح رشحاً، كالعرق والدمع واللعاب والمخاط، وهو طاهر من الحيوان الطاهر، نجس من النجس، وسيأتي في كلامه الإشارة إلى القسم الثاني، وقد ذكر من القسم الأول أموراً فقال: (والدَّم، والقيء، وكل ما ظهر... من السبيلين سوى أصل البشر) أفاد كلامه أموراً: [نجاسة الدم المسفوح] الأول: نجاسة الدم المسفوح ولو من سمك وجراد، أو متحلباً من كبد وطحال؛ لقوله تعالى: ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ أي: سائلاً، ولقوله صلى الله عليه وسلم في دم الاستحاضة: "فاغسلي عنك الدم وصلي" رواه الشيخان.
وأما الكبد والطحال والدم المحبوس في ميتة السمك والجراد والجنين.. فطاهرة، وكذلك المني واللبن إذا خرجا على هيئة الدم، والدم الباقي على اللحم وعظامه نجس معفو عنه؛ لأنه من الدم المسفوح وإن لم يسل لقلته، ولعله مراد من عبر بطهارته.
[نجاسة القيء] الثاني: نجاسة القيء؛ لأنه من الفضلات المستحيلة، وسواء أتغير أم لا على الأصح.
[نجاسة ما خرج من السبيلين] الثالث: نجاسة كل ما خرج من السبيلين؛ أي: القبل والدبر أو أحدهما مما له اجتماع واستحالة في الباطن؛ كبول وروث، ولو من سمك وجراد ومأكول اللحم، وعذرة ومذي وودي، ونجاسة بعضها بالنص، وبعضها بالإجماع، وبعضها بالقياس.
وأما أمره صلى الله عليه وسلم في خبر العرنيين بشرب أبوال الإبل.. فللتداوي، وهو جائز بالنجاسات غير الخمر.
ولو أكلت بهيمة حباً ثم ألقته صحيحاً؛ بحيث لو زرع لنبت.. فطاهر العين؛ كدود خرج من فرج، وإلا.. فنجسها.

قال في "المجموع": والماء السائل من فم النائم؛ إن كان من معدته كأن خرج منتناً بصفرة.. فنجس، أو من اللهوات كأن انقطع عند طول النوم.. فطاهر، وكذا إن شك، وقياس المذهب: العفو عمن عفت بلواه به؛ كدم البراغيث، قال: وسألت الأطباء عنه فأنكروا كونه من المعدة.
ثم استثنى المصنف من ذلك: أصل البشر من منيه وعلقته ومضغته، فإنه طاهر؛ تكرمة له، ولأنها مبدأ خلقه كالتراب، وفي "مسلم" عن عائشة رضي الله عنها: (كنت أفرك المني من ثور رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه)، وفي رواية لابني خزيمة وحبان في "صحيحهما": (وهو يصلي)، وما ورد من أنها كانت تغسله.. حملوه على الندب.
وما أفاده كلامه من نجاسة مني غير الآدمي من كل حيوان طاهر: تبع فيه كـ"أصله" ترجيح الرافعي، والأصح عند النووي: طهارته؛ لأنه أصل حيوان طاهر فأشبه أصل الآدمي.
والأصح: طهارة العلقة والمضغة، ورطوبة الفرج من كل حيوان طاهر.
(وجزء حيٍّ - كَيَدٍ مفصول -... كميتة، لا شعر المأكول) (وصوفه وريشه وريقته... وعرقٌ والمسك ثم فأرته) فيهما أربع مسائل: [حكم ما انفصل من الحيوان حال حياته] الأولى: الجزء المنفصل من الحيوان حال حياته حكمه كحكم ميتته؛ إن طاهرة.. فطاهر، وإن نجسة.. فنجس؛ كاليد المنفصلة من الحيوان؛ فهي طاهرة من الآدمي نجسة من غيره؛ لخبر: "ما قطع من حي.. فهو ميت" رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين،

فجزء البشر والسمك والجراد طاهر دون جزء غيرها.
وقوله: (مفصول) فيه تذكير اليد على تأويلها بنحو الجزء، وإلا.. فهي مؤنثة.
وقوله: (كميته) ليست هاؤه للتأنيث، بل هي ضمير أضيف إليه (ميت) بفتح الميم وإسكان الياء.
[حكم شعر المأكول وصوفه وريشه إذا انفصل في حياته] الثانية: شعر المأكول وصوفه وريشه ووبره المنفصلات حال حياته.. ليست كميتة في النجاسة، بل هي طاهرة؛ لعموم الحاجة إليها، ولقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها﴾ الآية، وهي مخصصة للخبر المتقدم، وما على العضو المبان من شعر ونحوه.. نجس كما يؤخذ من كلامه؛ لأنه شعر العضو والعضو غير مأكول.
[حكم ما يرشح من الحيوان] الثالثة: ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن، بل يرشح رشحاً، كالريق والعرق والدمع والمخاط.. طاهر من الحيوان المأكول، وكذا من كل حيوان طاهر، نجس من غيره.
[حكم المسك وفأرته] الرابعة: المسك وفأرته - بالهمزة وتركه - طاهران إذا انفصلا حال حياة الظبية؛ لخبر: "المسك أطيب الطيب"، وفي "الصحيحين": (أن وبيص المسك كان يرى من مفرقه صلى الله عليه وسلم)، ولانفصال الفأرة بالطبع كالجنين، ولئلا يلزم نجاسة المسك، وهي: خراج بجانب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حتى تلقيها، أما إذا انفصلا بعد الموت.. فنجسان كاللبن، وفارقا بيض الميتة المتصلب بنموه بعد الموت بخالفهما.
وعلم من حصره النجاسة فيما ذكره: طهارة العنبر؛ كما نص عليه في "الأم" وغيرها، وطهارة الزباد كما صوبها في "المجموع".

(وتطهر الخمر إذا تخللت... بنفسها وإن غلت أو نقلت) (وجلد ميتةٍ - سوى خنزير بر... والكلب - أن يُدبغ بحرِّيفٍ طهر) أفاد كلامه: أن نجس العين يطهر في صورتين: [طهارة الخمر إذا تخللت بنفسها] الأولى: الخمر ولو غير محترمة إذا تخللت بنفسها؛ أي: صارت خلاً بلا مصاحبة عين؛ لمفهوم خبر مسلم عن أنس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتخذ الخمر خلاً؟ قال: "لا"، وروى البيهقي عن عمر: أنه خطب فقال: (لا يحل خل من خمر أُفسدت حتى يبدأ الله إفسادها)، ولزوال الشدة من غير نجاسة خلفتها.
و(أفسدت) بضم الهمزة؛ أي: خللت، و (يبدأ إفسادها) بفتح الياء أي: يجعلها خلاً بلا علاج آدمي، وحيث حكم بطهارتها.. حكم بطهارة دِنِّها تبعاً لها؛ للضرورة وإلا.. لم يوجد خل طاهر من خمر، وإن غلت الخمر فارتفعت إلى رأي الدِّن، ثم عادت إلى أسفل وتخللت.. حكم بطهارة ما ارتفعت فيه من الدن؛ للضرورة.
قال البغوي في "فتاويه": اما إذا ارتفعت بفعله.. فلا يطهر الدن؛ إذ لا ضرورة، وكذا الخمر؛ لاتصالها بالمرتفع النجس، أو نقلت من ظل إلى شمس، أو عكسه، أو بفتح رأي الدن؛ استعجالاً للحموضة.. فإنها تطهر؛ لأن الفعل الخالي عن العين لا يؤثر؛ بناء على أن علة بقاء نجاستها تنجسها بالعين كما سيأتي، لا تحريم التخليل الدال عليه الخبر والأثر السابقان.
أما إذا تخللت بمصاحبة عين طرحت فيها، أو وقعت فيها بنفسها حال الخمرية أو قبلها وإن لم تؤثر في التخليل ك حصاة وماء.. فلا تطهر؛ لتنجسها بعد تخللها بالعين التي تنجست بها، ولا ضرورة، بخلاف الدِّن.
قال البغوي في "فتاويه": ولو نقلت من دن إلى آخر.. طهرت بالتخلل، بخلاف ما لو أخرجت منه ثم صب فيه عصير فتخمر ثم تخلل.. لا يطهر.

ومفهوم كلامهم: أنها تطهر بالتخلل إذا نزعت العين منها قبله، وهو كذلك، إلا أن تكون العين المنزوعة نجسة كعظم ميتة.. فإنها لا تطهر؛ بناء على أن النجس يقبل التنجس، وهو الأصح.
وتعبيره بـ (الخمر): يخرج النبيذ كالمتخذ من التمر والزبيب؛ فإنه لا يسمى خمراً حقيقة عند الأكثرين كما قاله الشيخان في (الأشربة)، وقد صرح القاضي أبو الطيب في كتاب "الرهن" بأن النبيذ لا يطهر بالتخلل؛ لتنجس الماء به حال الاشتداد فينجسه بعد انقلابه خلاً، وأقره عليه في "المطلب"، لكن يؤخذ من كلام البغوي أنه يطهر؛ لأن الماء من ضرورته فإنه قال: لو ألقى الماء في عصير العنب حالة عصره.. لم يضر بلا خلاف؛ لأن الماء من ضرورته.
انتهى.
ومراده بعصير العنب: العنب الذي اعتصر ماؤه؛ بقرينة قوله: حالة عصره؛ غذ يحتاج في استقصاء عصره إلى صب ماء عليه؛ لإخراج ما يبقى فيه، فالماء من ضرورته، وما أفاده كلام البغوي من الطهارة اختاره السبكي وغيره، وهو الأصح، وبه أفتيت، بل هو الذي جرى عليه الشيخان وغيرهما في (السلم) حيث جزموا بصحة السلم في خل التمر والزبيب.
وقول المصنف: (غلت) بالغين المعجمة أو المهملة.
[طهارة جلد الميتة بالدباغ] الثانية: الجلد الذي تنجس بالموت.. يطهر ظاهره وباطنه بالدباغ، وهو: نزع الفضلات كالدم واللحم بحريف طاهر أو نجس كقرظ وذرق طير؛ بحيث لو نقع الجلد في ماء.. لم يعد إليه النتن؛ لخبر مسلم: "إذا دبغ الإهاب.. فقد طهر"، وخبر أبي داود وغيره بإسناد حسن: أنه عليه الصلاة والسلام قال في شاة ميتة: "لو أخذتم إهابها" قالوا: إنها ميتة؟ ! فقال: "يطهرها الماء والقرظ"، ورووا أيضاً بإسناد حسن: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نستمتع بجلود الميتة إذا دبغت).

وخرج بـ (الجلد): الشعر، فلا يطهر؛ لعدم تأثره بالدبغ، قال النووي: ويعفى عن قليله.
أما جلد الكلب والخنزير وفروعهما.. فلا يطهر بالدبغ؛ لأن سبب نجاسة الميتة تعرضها للعفونة، والحياة أبلغ في دفعها، فإذا لم تفد الطهارة.. فالدبغ أولى.
وخرج بـ (الدبغ): تجميده وتمليحه وتشميسه ونحوها؛ فإنها لا تطهره، وأفهم كلامه: أنه لا يجب الماء في أثناء الدبغ وهو الأصح؛ لأنه إحالة كالتخليل لا إزالة، ولهذا جاز بالنجس المحصل لذلك، وأما خبر: "يطهرها الماء والقرظ".. فمحمول على الندب، أو الطهارة المطلقة؛ إذ يجب غسله بعد دبغه؛ لتنجسه بالدابغ النجس أو المتنجس بملاقاته.
والتعبير بـ (الدبغ) جرى على الغالب فإنه لو وقع الجلد في مدبغة فاندبغ.. طهر؛ لحصول الغرض؛ إذ الفعل ليس بواجب.
وعلم من الاقتصار على هذين الشيئين: أن غيرهما من نجس العين.. لا يطهر وهو كذلك، حتى لو صار النجس ملحاً بوقوعه في مملحة أو رماداً أو دخاناً بالنار.. لم يطهر، ولا ترد طهارة المني واللبن والمسك؛ لأن أصلها لا يحكم عليه بالنجاسة ما دام في الجوف ما لم يتصل بخارج.
وقال الناظم: (أن يدبغ) بدرج الهمزة للوزن.
(نجاسة الخنزير مثل الكلب... تُغسل سبعاً مرةً بترب) لما أنهى الكلام على نجس العين.. ذكر المتنجس وهو على ثلاثة أقسام: ما نجاسته مغلظة، أو متوسطة، أو مخففة.
[حكم النجاسة المغلظة وكيفية إزالتها] فالنجاسة المغلظة: نجاسة الكلب والخنزير وفرع أحدهما، فيجب غسلها سبع مرات إحداهن بالتراب الممزوج بالماء؛ لخبر مسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب.. أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب"، وفي رواية صحيحة للترمذي: "أولاهن أو أخراهن

بالتراب"، وفي أخرى لمسلم: "وعفروه الثامنة بالتراب".
والمراد: أن التراب يمزج بالسابعة؛ كما في رواية أبي داود: "السابعة بالتراب"، وهي معارضة لرواية: "أولاهن" في محل التراب، فتتساقطان في تعيين محله، ويكتفى بوجوده في واحدة من السبع؛ كما في رواية الدارقطني: "إحداهن بالبطحاء"، ولكنه يسن في غير الأخيرة، والأولى أولى؛ ليستغنى عن ترتيب ما يصيبه شيء من الغسلات.
وقس بالكلب: الخنزير وفرعهما، وقد أشار إليه المصنف بقوله: (مثل الكلب)، وبولوغه: غيره كبوله وعرقه، ولو جرى الماء الكدر على المتنجس بذلك سبع جريات، أو تحرك سبعاً من ماء كثير كدر.. طهر كما قاله البغوي وغيره.
وأفهم كلام المصنف: أن السبع كافية لذلك ولو أصابه نجس آخر، وأنه لا يكفي ذر التراب على المحل، ولا مزجه بغير ماء إلا أن يمزجه بالماء بعد مزجه بذلك، ولا مزج غير التراب، وأنه لا تقول زيادة الغسلات مقام التراب وهو كذلك، ولا يكفي مزج تراب غير طاهر نظراً إلى أن القصد بالتراب التطهير وهو لا يحصل بذلك، فتشترط طهورية التراب، فلا يكفي التراب المستعمل؛ كما صرح به الكمال سلار شيخ النووي في "تعليقه على التنبيه".
والغسلات المزيلة للعين تعد واحدة ولو في النجاسة المغلظة, حتى لو لم تزل إلا بست غسلات مثلاً.. حسب مرة على الأصح.
ويكتفى بالسبع وغن ولغ في الإناء كلاب أو كلب مراراً، فتحمل (أل) في كلام المصنف على الجنس.
والواجب من التراب ما يكدر الماء، ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل، سواء أمزجه به قبل وضعهما على المحل أم بعده؛ بأن يوضعها ولو مترتبين، ثم يمزجا قبل الغسل وإن كان المحل رطباً؛ إذ الطهور الوارد على المحل باقٍ على طهوريته.
وبذلك جزم ابن الرفعة فيما لو وضع التراب أولاً، ومثله عكسه بلا ريب، وهذا مقتضى كلامهم، وهو المعتمد كما قاله البلقيني وغيره، وما وقع للإسنوي ومن تبعه: من أنه يجب المزج قبل الوضع، كما صرح به الجويني في "التبصرة"، وأن ما قاله ابن الرفعة مردود.. ردَّ

بأنه خلاف مقتضى كلامهم، فلا يرتكب بلا ضرورة، وكلام الجويني عليه، لا له؛ إذ عبارته: (ليس كيفية التعفير تعفر الثوب بغبار التراب، ثم غسله بعد نفضه، وإنما التعفير.. أن يخلط التراب بالماء خلطاً، ثم يغسل المحل) وهي دالة على أن الممنوع إنما هو غسله بعد نفض التراب أو بلا مزج، وأن المعتبر مزجه قبل الغسل، سواء أكان قبل الوضع أم بعده، وهو المطلوب، وليس في قوله: (ثم يغسل) ما يقتضى اعتبار مزجه قبل الوضع.
انتهى.
ولا يجب تتريب الأرض الترابية ويكفي تسبيعها؛ إذ لا معنى لتتريب التراب.
قال في "المجموع": قال أصحابنا: لو ولغ الكلب في ماء كثير لم ينقص بولوغه عن قلتين.. لم ينجس الماء، وكذا الإناء إن لم يكن أصاب جرمه الذي لم يصله الماء مع رطوبة أحدهما، ومقتضاه: أنه لو أصاب ما وصله الماء مما هو فيه.. لم ينجس، وتكون كثرة الماء مانعة من تنجسه، وبه صرح الإمام وغيره، وهو مقيد لمفهوم قول "التحقيق": لم ينجس الإناس إن لم يصب جرمه.
انتهى.
ولو ولغ في إناء فيه ماء قليل ثم كوثر حتى بلغ قلتين.. طهر الماء دون الإناء، كما نقله البغوي في "تهذيبه" عن ابن الحداد وأقره، وجزم به البندنيجي والجرجاني والروياني وغيرهم، وصحح الإمام طهارة الإناء أيضاً وإن أصابه الكلب بجرمه؛ أنه صار إلى حالة لو كان عليها حالة الولوغ.. لم ينجس، وتبعه ابن عبد السلام، والأصح الأول؛ لأن الإناء قد تنجس فلا يطهر بذلك، وقد صححه في "المجموع" فيما لو وقع الإناء الذي ولغ فيه في ماء كثير.
و(التُّرب): إحدى لغات التراب.
ثم ذكر النجاسة المتوسطة وهي غالب النجاسات، فقال: (وما سوى ذين ففرداً يُغسل... والحتُّ والتثليث فيه أفضل) (يكفيك جري الما على الحكميَّة... وأن تزال العين من عينيَّه)

فيهما ثلاث مسائل: [حكم النجاسة المتوسطة] الأولى: ما سوى ذين؛ أي: نجاسة الكلب والخنزير ومثلهما فرعهما.. يغسل مرة، وهي: إما حكمية؛ وهي التي يتيقن وجودها ولا تحس، أو عينية؛ وهي ما تحس، فالأولى: يكفي فيها جري الماء على المحل مرة من غير اشتراط أمر زائد، والثانية: يجب فيها مع جري الماء عليها زوال عينها، وزوال أوصافها؛ من طعم ولون وريح، فلا تطهر مع بقاء شيء منها، ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله للمشقة، فإن بقيا معاً.. ضرَّا على الصحيح؛ لقوة دلالتهما على بقاء العين، وإن بقي الطعم وحده.. ضر وإن عسرت إزالته؛ لسهولتها غالباً فألحق بها نادرها، ولأن بقاءه يدل على بقاء العين.
[حكم حتِّ النجاسة] الثانية: يندب الحتُّ بالمثناة، والقرص - بالمهملة - لمحل النجاسة إن لم تتوقف إزالتها عليهما، وإلا.. وجبا، ومثلهما الاستعانة بأشنان أو نحوه.
[تثليث غسل النجاسة] الثالثة: يندب بعد طهر محل النجاسة غسله ثانية وثالثة استظهاراً؛ كطهر الحدث، ولأمر المستيقظ بالتثليث مع توهم النجاسة، فمع تيقنها أولى.
أما النجاسة المغلظة.. فلا يندب تثليثها كما صرح به الجيلوي في "بحر الفتاوى في نشر الحاوي"، وعلله بأن المكبر لا يكبر، كالمصغر لا يصغر، لكن صرح صاحب "الشامل الصغير" بندبه.
وفي بعض النسخ بدل قوله: (والحتُّ... ) إلى آخره: (وغسلتين اندب لطهر يكمل).
(وبول طفلٍ غير درٍّ ما أكل... يكفيه رشٌّ إن يصب كل المحل) [حكم النجاسة المخففة] فيه مسألة: وهي: أن النجاسة المخففة؛ وهي بول الصبي الذي لم يأكل غير الدر بالمهملة؛ أي: اللبن للتغذي.. يكفي فيها الرش بشرط إصابته كل محل البول؛ بأن يعمه ويغلبه وإن لم يسل،

بخلاف الأنثى والخنثى لا بد في بولهما من الغسل على الاصل، ويحصل بالسيلان مع الغمر.
والأصل في ذلك خبر: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام" رواه الترمذي وحسنه، وابن خزيمة والحاكم وصححاه، وفرق بينهما بأن الابتلاء بحمله أكثر، وبأن بوله أرق من بولها، فلا يلصق بالمحل لصوق بولها، وألحق ببولها بول الخنثى من أي فرجيه خرج.
وعلم بما تقرر: أنه لا يمنع النضح تحنيك الصبي بتمر ونحوه، ولا تناوله السفوف والأدوية ونحوهما للإصلاح.
ومحل النضج قبل تمام الحولين؛ إذ الرضاع بعده كالطعام كما نقل عن النص، ويندب في هذه النجاسة التثليث أيضاً، ولابد فيها من إزالة عينها، وأوصافها كغيرها.
وخرج بـ (نبول الصبي): غائطه؛ فإنه يجب غسل على الأصل.
[حكم غُسالة النجاسة] ثم ذكر حكم غسالة النجاسة فقال: (وماء مغسولٍ له حكم المحل... إذ لا تغيرٌ به حين انفصل) أي: أن حكم الماء الذي غسلت به نجاسة ولو معفواً عنها، وانفصل عن محلها حكمه عند انفصاله عنه غير متغير؛ أي: ولا زائد الوزن، إن طاهراً.. فطاهر، وإن نجساً.. فنجس؛ لأن بلل المحل بعض ذلك الماء، والماء الواحد القليل لا يتبعض طهارة ونجاسة، فيغسل ما أصابه شيء من الأولى من مرات المغلظة ستاً، ومن الثانية خمساً... وهكذا إلى السابعة، فلا يغسل منها شيء، فإن انفصل متغيراً أو زائد الوزن بعد اعتبار ما أخذه المحل من الماء، وأعطاه من الوسخ الطاهر.. فهو نجس، والمحل حينئذ نجس، هذا في غسالة المفروض، أما ماء غسالة المندوب كالتثليث.. فهو طهور.
وإذا غسل فمه المتنجس.. فليبالغ في الغرغرة؛ ليغسل كل ما في حد الظاهر، ولا يبتلع طعاماً ولا شراباً قبل غسله؛ لئلا يكون آكلاً لنجاسة، نقله في "المجموع" عن الجويني وأقره.

(وليُعف عن نزر دمٍ وقيح... من بثرةٍ ودُمَّلٍ وقرح) [العفو عن قليل الدم والقيح] فيه مسألة: وهي: أنه يعفى عن نزر؛ أي: قليل دم وقيح وصديد من بثرة ودمل وقرح؛ كفصد وحجامة من نفسه وغيره؛ أي: من غير كلب ونحوه؛ لمشقة الاحتراز عنه، أما الكلب والخنزير وفروعهما.. فلا يعفى عن شيء منه.
وخرج بقوله: (نزر): الكثير عرفاً، فلا يعفى عنه إن كان من غير، أو حصل بفعله؛ كأن عصره، أو انتقل عن محله، وإلا.. عفي عنه أيضاً، ويعفى عن دم البراغيث والقمل والبق والبعوض ونحوها، وونيم الذباب، وبول الخفاش وروثه وإن كثرت، إلا إن كانت بفعله.. فيعفى عن قليلها، ويعفى عن قليل طين الشارع النجس.
والمراد بالقليل: ما يتعذر الاحتراز منه غالباً، وهو ما لا ينسب صاحبه إلى سقطة أو كبوة أو قلة تحفظ، والرجوع فيه إلى العادة، ويختلف باختلاف م وضعه والزمان والمكان.
وأما طين الشارع الذي تظن نجاسته ظناً غالباً؛ لغلبتها فيه.. فطاهر عملاً بالأصل، وأما ماء القروح والنفاطات: فإن تغير.. فنجس، وإلا.. فطاهر.
و(البثرة) بفتح الموحدة وسكون المثلثة: خراج صغير، و (القُرح) بفتح القاف وضمها: الجرح.

باب الآنية

هي: جمع إناء كسقاء وأسقية، وبناء وأبنية.
(يُباح منها طاهرٌ من خشب... وغيره، لا فضةٍ أو ذهب) (فيحرم استعماله، كمِرود... لامرأةٍ، وجاز من زبرجد) فيهما ثلاث مسائل: [إباحة اتخاذ الآنية من الطاهر] الأولى: أنه يباح من الآنية اتخاذاً واستعمالاً كل إناءٍ طاهر - أي: من حيث كونه إناء - في الطهارة وغيرها، سواء أكان من خشب، أم خزف، أم نحاس، أم حديد، أم رصاص، أم جلود، أم من غيرها؛ ففي "الصحيح": (أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من إناء من صفر، ومن إناء من شَبَه، ومن تور من حجارة).
و(الصُّفر) بضم الصاد: النحاس، و (الشَّبَه) بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة: النحاس الأحمر الذي يشبه الذهب في لونه، فلا يرد تحريم استعمال جلد أو غيره من آدمي ولا مغصوب أو مسروق؛ لأن تحريمها ليس من الحيثية المذكورة، بل من حيث حرمة الآدمي، والاستيلاء على حق الغير بغير إذنه.
وخرج بـ (الطاهر): النجس، فلا يباح استعماله إلا في جاف أو ماء كثير.
[حرمة أواني الذهب والفضة] الثانية: يحرم استعمال كل إناء من ذهب أو فضلة أو منهما في الطهارة وغيرها؛ لخبر الصحيحين: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها"، وقيس غير الأكل والشرب عليهما؛ لأن علة التحريم وجود عين الذهب والفضة مراعىً فيها الخيلاء، وقد يعللون بالخيلاء مراعين فيه العين.

ولا فرق في التحريم بين الرجال والخناثى والنساء والصبيان ونحوهم، حتى يحرم على الولي سقي الصبي ونحوه بمسعط الفضة، وإنما فرق بين الرجل والمرأة في التحلي؛ لما يقصد فيها من الزينة للتحليل، ولا فرق في الإناء بين كونه كبيراً أو صغيراً؛ كظرف الغالية، وملعقة الأكل والشرب، وخلال الأسنان، ومردود الاكتحال، إلا أن يحتاج إلى الاكتحال به؛ لجلاء العين فإنه يجوز كما قاله الماوردي، ومحل التحريم: إذا وجد غيره، فإن فقده.. جاز استعماله.
ويؤخذ من كلامه: أن الوضوء منه صحيح، وكذا الغسل، وأن المأكول حلال، وكذا المشروب وهو كذلك، ويحرم التجمر بالاحتواء على المجمرة، أو بإتيان رائحتها من قرب، والتطيب بماء الورد أو غيره منه، فليفرغه في يده اليسرى، ثم في يده اليمنى ثم يستعمله.
وكما يحرم استعماله.. يحرم اتخاذه بغير استعمال؛ لأن اتخاذه يجر إلى استعماله؛ كآلة اللهو، ويحرم التزيين به ولو في البيوت والحوانيت والكعبة، فلا أجرة لصنعته، ولا أرش لكسره.
ويحل إناء ذهب أو فضلة موِّه بنحاس أو نحوه إن حصل منه شيء بالعرض على النار، وإلا.. حرم، ويحل إناء نحاس أو نحوه موِّه بذهب أو فضة إن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار، وإلا.. حرم.
[جواز استعمال الأواني النفسية من غير الذهب والفضة] الثالثة: يجوز استعمال الإناء من الجوهر النفيس؛ كزبرجد بالدال المهملة، وفيروزج وياقوت وبلور، ومن الطيب المرتفع؛ كمسك وعنبر وكافور؛ بناء على أن علة تحريم إناء الذهب والفضة العين، مع أن الجوهر النفيس لا يعرفه إلا الخواص فلا خيلاء، وكما يجوز استعمال الإناء الذي نفاسته لصنعته لا لذاته؛ كزجاج وخشب محكم الخرط.
[حكم ضبة الذهب والفضة] (وتحرم الضبة من هذين... بكبرٍ عرفاً مع التزيين) (إن فُقدا حلَّت، وفرداً تكره... والحاجة: التي تساوي كسره) أي: أن ضبة الذهب أو الفضلة تحرم؛ أي: يحرم المضبب بها مع كبرها، وكونها كلها أو

بعضها للتزيين؛ لوجود المعنيين العين والخيلاء، ومرجع الكبيرة والصغيرة إلى العرف كما جزم به المصنف، وهو الأصح، وقليل - وهو أشهر -: الكبيرة ما تستوعب جانباً من الأبناء؛ كشفة أو أذن، والصغيرة دون ذلك، فإن شك في الكبر.. فالأصل الإباحة، ذكره في "المجموع".
وأنها تحل بلا كراهة إن فقدا؛ أي: الكبر والزينة؛ بأن كانت صغيرة للحاجة؛ للصغر مع الحاجة، وأنها إن كانت كبيرة لحاجة أو صغيرة فوق الحاجة.. كره استعمالها والتزيين بها واتخاذها؛ للكبر والزينة، ولم تحرم للحاجة في الأولى والصغر في الثانية.
وأن المراد بـ (الحاجة): غرض إصلاح كسر الإناء دون التزيين، ولا يعتبر العجز عن غير الذهب والفضة؛ لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذي كله ذهب أو فضة فضلاً عن المضبب به كما مر.
وأصل ضبة الإناء: ما يصلح به خلله من صحيفة أو غيرها، وإطلاقها على ما هو للزينة توسع؛ والأصل في ذلك: خبر البخاري عن أنس: (أن قدحه صلى الله عليه وسلم الذي كان يشرب فيه كان مسلسلاً بفضة؛ لانصداعه) أي: مشبعاً بخيط فضة؛ لانشقاقه، وما ذكره كـ"أصله" من مساواة ضبة الذهب لضبة الفضة هو ما رجحه الرافعي، ورجح النووي تحريمها مطلقاً؛ لأن الدليل المخصص لعموم التحريم إنما ورد في الفضة، ولا يلزم من جوازها جوازه؛ لأن الخيلاء فيه أشد وبابه أضيق.
وفي بعض النسخ بدل قوله: (والحاجة... ) إلى آخره: (لحاجة ما لم تجاوز كسره).
(ويستحب في الأواني التغطية... ولو بعودٍ حطَّ فوق الآنية) [استحباب تغطية الأواني] في مسألة: وهي: أنه يستحب تغطية الأواني ليلاً ونهاراً، سواء أكان فيها ماء أم غيره ولو كانت

التغطية بعود حط فوقه الآنية؛ فإنها تكفي في تحصيل سنة التغطية؛ لخبر "الصحيحين" عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غطوا الإناء وأوكوا السقاء"، وفي رواية لهما: "خمِّر آنيتك، واذكر اسم الله ولو تعرض عليه عوداً"، قال الأئمة: وفائدة ذلك من ثلاثة أوجه: أحدهما: ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فإن الشيطان لا يحُلُّ سقاء، ولا يكشف إناء".
ثانيها: ما جاء في رواية لمسلم: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فإن في السنة ليلةً ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء.. إلا نزل فيه من ذلك الوباء".
قال الليث بن سعد أحد رواته في "مسلم": فالأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول.
قال بعض المتأخرين: وهو كيهك.
ثالثها: صيانتها من النجاسة ونحوها، وقد عمل بعضهم بالسنة في التغطية بعود، فأصبح وأفعى ملتفة على العود ولم تنزل في الإناء، ولكن لا يعرض العود على الإناء إلا مع ذكر اسم الله تعالى؛ فإنه السر الدافع هو اسم الله تعالى مع صدق النية.
ويسن أيضاً: إيكاء السقاء، وإطفاء النار عند النوم، وإغلاق الباب بعد المغرب، وجمع الصبيان والمواشي.
[ذكر شيء من أحكام الاجتهاد] (ويتحرى لاشتباه طاهر... بنجسٍ ولو لأعمى قادر) (لا الكم، والبول، وميتةٍ، وما... وردٍ، وخمرٍ، در أُتنٍ، محرما) ذكر شيئاً من أحكام الاجتهاد، وهو والتحري والتأخِّي: بذل المجهود في طلب المقصود.
وفي كلامه مسألتان:

[الاجتهاد لاشتباه طاهر بنجس] الأولى: أنه يتحرى أن يجتهد لاشتباه طاهر؛ من ماء أو ثوب أو طعام أو شراب أو غيرها بآخر نجس؛ بأن يبحث عما يبين النجس بالأمارات المغلبة على الظن؛ كرشاش حول إنائه، أو ابتلال طرفه؛ لأن الحل شرط للمطلوب يمكن التوصل إليه بالاجتهاد؛ فجاز كالقبلة، وقد يجب؛ بألا يجد غيرهما، وضاق وقت الصلاة، أو اضطر للتناول، فقوله: (يتحرى) أي: جوازاً إن قدر على طاهر بيقين، ووجوباً إن لم يقدر عليه كما ذكره في "المجموع".
وشمل إطلاقه: ما لو حصل الاشتباه بإخبار ثقة ولو أنثى وعبداً؛ كأن أخبره بتنجس أحدهما مبهماً، وكذا إن أخبره به معيناً ثم التبس عليه، فإن لم يلتبس عليه وبيَّن سبب النجاسة، أو كان فقيهاً موافقاً له.. لزمه قبول خبره، وامتنع عليه الاجتهاد؛ كالمفتي يجد النص، وكالقبلة وغيرها.
وكما يجتهد البصير.. يجتهد الأعمى القادر على الاجتهاد على الأصح؛ كما في الوقت، ولأن له طريقاً غير البصر كالشم واللمس والذوق، وفارق منعه في القبلة؛ بأن أدلتها بصرية، فإن تحيّر.. قلد بصيراً ثقة؛ كالعامي يقلد مجتهداً، بخلاف ما لو اشتبه عليه الوقت.. فإن له أن يقلد وإن لم يتير؛ لأن الاجتهاد هناك إنما يتأتى بتعاطي أعمال مستغرقة للوقت، وفيه مشقة ظاهرة بخلافه هنا، فإن لم يجده، أو اختلف عليه بصيران، أو تحرى بصير وتحير.. لم يصح تيممه إلا الا يبقى معه طاهر بيقين.
وخرج بقوله: (قادر): الأعمى العاجز عن الاجتهاد؛ لفقد شمه ولمسه وذوقه وسمعه، أو لبلادة ونحوها؛ فإنه لا يجتهد، بل يقلد ثقة عارفاً.
[شروط الاجتهاد] الثانية: للاجتهاد شروطه: أن يكون في متعدد، وأن يكون باقياً على الأصح، خلافاً للرافعي، وأن يكون لكل من المشتبهين أصل في حل المطلوب، وأن يكون للعلامة في المتعدد مجال، وكلها تعلم من كلامه على هذا الترتيب، وأما ظهور العلامة.. فإنما هو شرط للعمل بالاجتهاد.
فقوله: (لا الكمِّ) أي: المتنجس المشتبه بالطاهر من ثوب واحد، فلا اجتهاد فيه، بل

يجب غسلهما معاً لتصح صلاته فيه؛ لأنه ثوب واحد تيقن نجاسته فلا تزول بالشك، كما لو خفي محل النجاسة فيه ولم تنحصر في محل منه، فلو اجتهد وغسل المتنجس عنده.. لم تصح صلاته فيه، بخلافه في الثوبين؛ حيث تصح صلاته فيهما معاً على الأصح، وفروق بأن محل الاجتهاد الاشتباه بين شيئين، فتأثيره في أجزاء الواحد أضعف، فلو انفصل الكمان أو أحدهما.. كانا كالثوبين.
وقوله: (والبول) أي: المشتبه بماء، وميتة اشتبهت بمذكاة، وماء ورد اشتبه بماء، وخمر اشتبه بخل، ودرٍّ؛ اي: لبن أُتُن - بضم الهمزة والتاء جمع أتان بالمثناة؛ وهي الأنثى من الحمر الأهلية - اشتبه بلبن مأكول؛ فلا اجتهاد؛ إذ لا أصل للخمسة في حل المطلوب، بل في مسألة البول يريقهما أو أحدهما، أو يصب منه في الآخر ثم يتيمم، فلو تيمم قبل ذلك.. لم يصح؛ لأنه تيمم بحضرة طاهر بيقين له طريق إلى إعدامه، فلا يشكل بصحة التيمم بحضرة ماءٍ منع منه سبع أو نحوه، وفي مسألة ماء الورد: يتوضأ بكل منهما مرة، ويعذر في تردده في النية؛ للحاجة، كمن نسي صلاة من الخمس، ولا يجب عليه إزالة التردد؛ بأن يأخذ غرفة من هذا وغرفة من هذا ويستعملهما دفعة في وجهه ناوياً.
ولو اشتبهت ميتة بمذكيات بلد، أو إناء بول بأواني بلد.. فله أخذ بعضها بلا اجتهاد إلى ان يبقى واحد على الأصح.
وقوله: (مَحرَما) أي: لا يتحرى فيها إذا اشتبهت بأجنبيات محصورات؛ إذ لا علامة تمتاز بها المحرم عن غيرها، فإن ادعى امتيازها بعلامة.. فلا اجتهاد أيضاً؛ لأنها إنما تعتمد عند اعتضاد الظن بأصل الحل، والأصل في الأبضاع الحرمة، فإن اشتبهت بغير محصورات.. فله أن ينكح منهن إلى أن يبقى عدد محصور؛ لئلا يسند عليه باب النكاح، وكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد لعسر على الناظر عده بمجرد النظر؛ كالمئة والمئتين.. فغير محصور، وأن سهل عده كالعشرة والعشرين.. فمحصور، وبينهما وسائط تلحق بأحدهما بالظن، وما وقع الشك فيه.. استفتى فيه القلب.
قال في "المجموع": ولو اشتبهت زوجته بأجنبيات.. حرم عليه أن يطأ منهن مطلقاً؛ لأن الوطء لا يباح إلا بالعقد، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة فيحتاج لها، والاجتهاد خلاف الاحتياط.

بابُ السِّواك

وهو لغةً: الدلك وآلته، وشرعاً: استعمال عود ونحوه؛ كأشنان في الأسنان وما حولها.
(يُسنُّ لا بعد زوال الصائم... وأكَّدوه لانتباه النائم) (ولِتغيُّر فمٍ وللصلاة... وسنَّ باليمنى، الأراك أولاه) فيهما خمس مسائل: [سنية السواك مطلقاً] الأولى: أن السواك سنة مطلقاً؛ لخبر: (السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب" رواه ابنا خزيمة وحبان في "صحيحيهما"، ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم.
الثانية: أنه لا يسن للصائم بعد الزوال، بل يكره؛ لخبر "الصحيحين": "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، و (الخُلُوف) بضم الخاء: تغير رائحة الفم، والمراد: الخلوف بعد الزوال؛ لخبر: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً... " ثم قالك "وأما الثانية: فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك" رواه السمعاني وقال: حديث حسن، كما ذكره في "المجموع" عن حكاية ابن الصلاح، والمساء بعد الزوال، وأطيبية الخُلُوف تدل على طلب إبقائه؛ فكرهت إزالته فيما ذكر.
وأما خبر أبي داود وغيره عن عامر بن ربيعة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستاك وهو صائم ما لا أعد).. فليس فيه أنه فعله بعد الزوال، وتزول الكراهة بغروب

الشمس على الأصح، والمعنى في اختصاصها بما بعد الزوال: أن تغير الفم بسبب الصوم إنما يظهر غالباً حينئذ.
وفي "الإعجاز" للجيلي: أنه لو لم يتفق له الفطر فأصبح صائماً.. كره له السواك قبل الزوال وبعده.
وقال المحب الطبري في "شرح التنبيه": لو تغير فمه بعد الزوال بسبب آخر؛ أي: غير الخلوف؛ كنوم أو وصول شيء كريه الريح إلى فمه فاستاك لذلك.. لم يكره.
[الحالات التي يتأكد فيها السواك] الثالثة: ذكر أن السواك يتأكد لانتباه النائم من نومه ليلاً كان أو نهاراً؛ لخبر "الصحيحين": (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل.. يشوص فاه بالسواك) أي: يدلكه، وقيس بالنوم المذكور: غيره بجامع التغير، ولتغير رائحة الفم بنوم، أو أكل أو كلام أو تركه أو غيره؛ لما روى الطبراني في "معجمه الكبير" وغيره عن العباس بن عبد المطلب: أنه قالك (كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستاكوا، فقال: "تدخلون عليَّ قلحاً؟ ! استاكوا".
وللصلاة؛ أي: عند إرادة القيام إليها، سواء أكانت فرضاً أم نفلاً، سواء أكان متوضئاً أم متيمماً أم فاقداً للطهورين؛ لخبر "الصحيحين": "لولا أن أشق على أمتي أو على الناس.. لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وفي رواية لهما: "مع كل صلاة" أي: أمر إيجاب؛ بدليل خبر: "لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة".
ويتأكد السواك أيضاً للوضوء وإن لم يصلِّ به، وللقراءة ولصفرة الأسنان، ويمكن إدراجها في قول المصنف: (ولتغيُّر فم)، ولدخول منزل، وللطواف، ولسجود التلاوة، وسجود الشكر.
قال الشيخ أبو حامد: وعند الأكل، وعند إرادة النوم.
قال الزركشي: وبعد الوتر، وفي السحر كما قاله ابن عبد البر، وللصائم قبل أوان

الخُلُوف، كما يسن التطيب قبل الإحرام كما ذكره الإمام في (كتاب الحج)، وعند الاحتضار؛ كما دل عليه خبر "الصحيحين"، ويقالك إنه يسهل خروج الروح.
ويسن له إن أراد أن يستاك ثانياً.. أن يغسل سواكه إن حصل عليه وسخ أو ريح أو نحوه، ذكره في "المجموع".
[ما يسن في السواك] الرابعة: أنه يسن الاستياك باليد اليمنى على الأصح، والبداءة بالجانب الأيمن من فمه؛ لشرف الأيمن، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله؛ في ظهوره وترجله وتنعله وسواكه، رواه أبو داود.
ويسن عرضاً ويجزئ طولاً، ويُمِرُّه على كراسي أضراسه وأطراف أسنانه وسقف حلقة بلطف، ولينوِبه السنة، ويعوده الصبي؛ ليألفه.
[أفضل أنواع السواك] الخامسة: أولاه الأراك، ثم النخل، ثم العود ذو الريح الطيب، ثم مطلق العود، واليابس المنتدى بماء أولى.
ويحصل بكل مزيل للوسخ؛ كخرقة وإصبع خشنين إلا إصبعه المتصلة به على الأصح؛ لأنها لا تسمى سواكاً.
(ويُستحبُّ الاكتحال وِترا... وغِبّاً أدَّهِن، وقَلِّم ظُفرا) فيه أربع مسائل: [استحباب الاكتحال بالإثمد] الأولى: أنه يسن الاكتحال بالإثمد؛ لخبر الترمذي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله

عليه وسلم قال: "اكتحلوا بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر وينبت الشعر"، ورواه النسائي وابن حبان بلفظ: "إن من خير أكحالكم الإثمد"، وعن عليٍّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بالإثمد؛ فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذا، مصفاة للبصر"، وفي الحديث: "عليكم بالإثمد المروح عند النوم" أي: المطيب بالمسك.
[ما يستحب في الاكتحال] الثانية: يسن كون الاكتحال وتراً؛ لخبر أبي داود وغيره بإسناد جيد "اكتحل.. فليوتر"، واختلفوا في قوله: "فليوتر" فقيل: يكتحل في اليمنى ثلاثاً، وفي اليسرى مرتين؛ ليكون المجموع وتراً، والأصح: أنه يكتحل في كل عين ثلاثاً؛ لخبر الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه وحسنه قال: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها في كل عين ثلاثاً)، واستدل للأول بخبر الطبراني عن ابن عمر قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اكتحل.. جعل في العين اليمنى ثلاثاً، وفي العين اليسرى مرودين فجعلهما وتراً)، لكن في إسناده العمري ومن لا يعرف، وقد علم: أنه لو اكتحل شفعاً.. حصل أصل السنة، وروى أبو داود: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من اكتحل.. فليوتر، من فعل.. فقد أحسن، ومن لا.. فلا حرج".
[استحباب الادهان غِبّاً] الثالثة: يسن أن يدهن غِبّاً؛ أي: وقتاً بعد وقت بحسب الحاجة؛ لخبر الترمذي وصححه: عن عبد الله بن مغفل قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الادهان إلا غباً)، وفي "الشمائل" للترمذي عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته)، وما يروى في كتب الفقهاء مرفوعاً:

"استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً".. فغريب.
قال النووي في "مجموعه": الأدهان غِباً بكسر الغين هو: أن يدهن، ثم يترك حتى يجف الدهن.
وقال في "نكته": قول الشيخ (ويدهن غباً) أي: وقتاً بعد وقت، فيدهن ثم يترك حتى يجف رأسه، ونقل ابن الرفعة هذا عن بعضهم.
وقال قبله: الغب كما قال ابن فارس: أن ترد الإبل الماء وتدعه يوماً.
قال: وبهذا فسر الإمام أحمد الحديث، وبه قال بعض الشارحين.
[استحباب تقليم الأظفار وكيفيته] الرابعة: يسن تقليم الأظفار؛ أي: قصها بمقص أو نحوه؛ لعده من الفطرة، ولأنها تتفاحش بتركها، وقد تمنع الوسخ الحاصل تحتها من وصول ماء الطهارة إلى ما تحته.
ومحل سنية إزالة الظفر والشعر الآتي: في غير عشر ذي الحجة لمريد التضحية، ووقت قصها: عند طولها، والأولى: أن يكون يوم الجمعة، لا يعارضه ما روي عن أنس قال: (وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة: ألا نترك أكثر من أربعين يوماً)، وروي عن وصية علي: أن التقليم في كل عشرة أيام، ونتف الإبط في كل أربعين، وحلق العانة في كل عشرين، وقص الأنف في كل ثلاثين، والحق في الجميع: اتباع الحاجة.
والأولى في قصها: أن يكون مخالفاً؛ لخبر: "من قص أظفاره مخالفاً.. لم ير في عينيه رمداً"، وفسره جماعة منهم أبو عبد الله بن بطة بأن يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم المسبحة، ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة، ثم البنصر، وفي "الإحياء": أنه يبدأ في اليدين بالمسبحة اليمنى، ويختم بإبهامها، وفي الرجلين بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى.

قال النووي: لا بأس به إلا تأخير إبهام اليمنى؛ فإن السنة إكمال اليمنى أولاً.
ويسن غسل رؤوس الأصابع بعد قص الظفر؛ فقد قيل: غن الحك بالأظفار قبل غسلها يضر بالجسد.
و(الظفر): بضم الظاء والفاء وإسكانها، وبكسر الظاء مع إسكان الفاء وكسرها، ويقال فيه: أُظْفور.
(وانتف لإبطٍ، ويُقص الشارب... والعانة احلق، والختان واجب) (لبالغ ساتر كمرةٍ قطع... والاسم من أنثى، ويكره القزع) (تنزهاً، والأخذ من جوانب... عنفقةٍ ولحيةٍ وحاجب) (وحلق شعر امرأةٍ، ورد... طيبٍ وريحانٍ على من يهدي) (حرموا خضاب شعرٍ بسواد... لرجلٍ وامرأةٍ لا للجهاد) فيها ثمان مسائل: [استحباب نتف الإبط وقص الشارب وحلق العانة] الأولى: أنه يسن نتف الإبط؛ أي: إن اعتاده، وإلا.. فليحلقه، وهو بكسر الهمزة وسكون الباء، وقص الشارب؛ بحيث يظهر طرف الشفة ولا يحفيه من أصله، وحلق العانة أولى من الرجل، أما المرأة.. فالمستحب لها نتفها كما ذكره النووي وغيره؛ وذلك لخبر "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط"، والاستحداد حلق العانة.
قال الغزالي: ويستحب نتف الإبط في كل أربعين يوماً مرة، قال: وذلك سهل على من تعود في الابتداء نتفه، فأما من تعود الحلق.. فيكفيه؛ إذ في النتف تعذيب وإيلام، والمقصود النظافة وهي تحصل بالحلق.

واختص النتف بالإبط والحلق بالعانة؛ لأن الإبط محل الرائحة الكريهة، والنتف يضعف الشعر فتخف الرائحة الكريهة، والحلق يكثر الشعر فتكير الرائحة الكريهة.
قال الجيلي: وشعر العانة إذا طال.. يعشش فيه الشيطان، ويذهب قوة الجماع.
[وجوب الاختتان وذكر شيء من أحكامه] الثانية: الختان: واجب على الذكر والأنثى بالبلوغ والعقل واحتمال الختان؛ بأن يقطع ساتر الكمرة وهي القلفة من الذكر، وما يقع عليه الاسم من الانثى، لقوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾، وكان من ملته الختان ففي "الصحيحين": أنه اختتن وعمره ثمانون سنة، وفي "صحيح ابن حبان" و "الحاكم": مئة وعشرون سنة، وقيل: سبعون سنة، ولخبر أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل أسلم: "الق عنك شعار الكفر واختتن"، والأمر للوجوب؛ ولأنه قطع جزء من البدن لا يستخلف بعبداً، فلا يكون إلا واجباً كقطع السرقة، فاحترزوا بالقيد الأول من الشعر والظفر؛ فإنه يستخلف، وبالثاني عن القطع للآكلة؛ فإنه يجب، ولأنه قطع كعضو سليم، فلو لم يجب.. لم يجز؛ كقطع الإصبع في القصاص.
وأما خبر أحمد والبيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء".. فأجيب عنه بأن المراد منه أنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فعله وأمر به فيكون واجباً.
وأما ختان الصبي والمجنون ومن لا يحتمله.. فليس بواجب؛ لأن الأولين ليسا من أهل الوجوب، والثالث يتضرر به.
وكما يجب الختان يجب قطع السرة؛ لأنه لا يتأتى ثبوت الطعام إلا به، إلا أن وجوبه على الغير؛ لأنه لا يفعل إلا في الصغر.
ويجب على السيد أن يختن عبده، أو يخليه ليكتسب ويختتن.
ويستحب الختان يوم سابع اليوم الذي يلي ولادته إن أطاقه، فإن أخر.. فالمستحب أن

يختن في الأربعين، فإن أخر عنها.. ففي السنة السابعة؛ لأنه الوقت الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة.
ويحرم ختان الخنثى المشكل ولو بعد بلوغه؛ لأن الجرح لا يجوز بالشك، ومن له ذكران عاملان.. ختنا جميعاً، أو أحدهما عامل.. ختن فقط، ويعرف عمل الذكر بالبول على الأصح.
ومؤنة الختان في مال المختون، فإن لم يكن له مال.. فعلى من تلزمه مؤنته، ويُجبر الإمام البالغ العاقل على الختان إذا احتمله وامتنع منه، ولو مات قبل الختان.. فالأصح: أنه لا يختن وإن كان بالغاً، ولو ولد مختوناً.. فلا ختان عليه.
وأما تثقيف آذان الصبية لتعليق الحلق.. فحرام؛ لأنه جرح لم تدع إليه حاجة، صرح به الغزالي في "الإحياء"، وبالغ فيه مبالغة شديدة، قال: إلا أن يثبت فيه من جهة النقل رخصة ولم تبلغنا، وفيه "الرعاية" في مذهب الإمام أحمد: يجوز تثقيف آذان الصبية؛ للزينة، ويكره ثقب آذان الصبي، وفي "فتاوى قاضي خان" من الحنفية: أنه لا بأس بتثقيف آذان الصبية؛ لأنهم كانوا يفعلونه في الجاهلية، ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[كراهة القزع] الثالثة: أنه يكره القزع كراهة تنزيه؛ لخبر "الصحيحين" عن ابن عمر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن القزع)، وهو: بقاف وزاي مفتوحتين وعين مهملة، وهو حلق بعض الرأس، سواء أكان من موضع واحد، أم مفترقاً، مأخوذ من قزع السحاب وهو تقطعه، وقيل: إنه حلق بعض مواضع متفرقة منه، وفي رواية لأبي داود: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وقال: "احلقه كله أو دعه كله".
قال النووي في "شرح مسلم": أجمع العلماء على كراهة القزع؛ إذا كان في مواضع متفرقة، إلا أن يكون لمداواة أو نحوها، وهي كراهة تنزيه، قال بعض أصحاب مالك: لا بأس به في القصة، أو القفا للغلام، قال العلماء: والحكمة في النهي عنه: أنه تشويه

جارٍ التحميل