وجاء في "الصحيحين" عن ابن مسعود بلفظ: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك... ) إلى آخره، إلا أنه قال: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وفيه أخبار أخر نحو ذلك، قال النووي: وكلها مجزية يتأدى بها الكمال، وأصحها: خبر ابن مسعود، ثم خبر ابن عباس، لكن الأفضل: تشهد ابن عباس؛ لزيادة لفظ (البركات) فيه؛ ولموافقته قوله تعالى: ﴿تحية من عند الله مبركة طيبة﴾، ولتأخره عن تشهد ابن مسعود، ولقوله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن).
وإنما كان أقله ما مر؛ لأن ما بعد التحيات من الكلمات الثلاث توابع لها، بل سقط أولاها في خبر غير ابن عباس، قال النووي: وإثبات (أل) في (السلام) أفضل؛ لكثرته في الأخبار.
وكلام الشافعي ومقتضى كلام الرافعي: أنه لا يكفي (وأن محمداً رسوله)، وصرح به النووي في "مجموعه" وغيره، لكن في "الروضة" أنه يكفي، ورجحه السبكي وغيره.
(ثم السلام أولا لا الثاني... والآخر الترتيب في الأركان)
[الركن الثاني عشر: السلام]
أي: ثم الركن الثاني عشر: السلام؛ أي: التسليمة الأولى لا التسليم الثاني؛ فإنه سنة كما سيأتي؛ لخبر: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"، وأقله: (السلام عليكم)، أو (عليكم السلام)، لكنه يكره، وصحح الرافعي: أنه يجزئ (سلام عليكم) منكراً؛ إقامة للتنوين مقام اللام كما في التشهد، وقال النووي: الأصح المنصوص: أنه لا يجزئ؛ لما ثبت في الأخبار الصحيحة من أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: "السلام عليكم"، ولم ينقل
(سلام عليكم) بخلاف التشهد، قال: والقول بأن التنوين يقوم مقام اللام فاسد وإن لم يجتمعا؛ لأنه لا يسد مسده في العموم والتعريف وغيرهما، فلا يكفي (عليكما السلام)، ولا (السلام عليكما)، ولا (سلام عليكم) بلا تنوين، ولا (سلام عليك) ولا (سلامي عليك) ولا (سلام الله عليكم)، ولا (سلام عليكم) بلا تنوين، ولا (السلم عليكم)، ولا (السلم عليكم) ولا (سلم عليكم) بكسر السين وسكون اللام، ولا (سلام عليهم) بل تعتمد ذلك مبطل إلا الأخيرة؛ فإنها دعاء لا خطاب فيه، وأما أكمله.. فسيأتي.
[الركن الثالث عشر: الترتيب بين الأركان]
والآخر وهو الثالث عشر: الترتيب في الأركان؛ أي: بينها كما مر في عدها المشتمل على وجوب قرن النية بالتكبير، وجعلهما مع القراءة في القيام والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليمة الأولى في القعود، وأما تقديم الانتصاب على ابتداء تكبيرة الإحرام.. فشرط للتكبيرة لا ركن؛ لخروجه عن الماهية، فالترتيب المراد" فيما عدا ذلك، ودليل وجوبه: الاتباع في الأخبار الصحيحة مع خبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وعده من الأركان بمعنى الفروض.. صحيح، وبمعنى الأجزاء.. فيه تغليب.
وقضية كلامه: وجوب الترتيب بين التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما ركنان وهو ما في "المجموع" كـ"فتاوى البغوي"، ونقله القاضي عياض في "الشفاء" عن الشافعي، فلو تعمد تركه في الفعلي.. بطلت صلاته كبقية الأركان، وإن تركه سهواً.. لم يعتد بما فعله حتى يأتي بما تركه، فإن تذكر قبل بلوغ مثله.. فعله، أو بعده.. تمت به ركعته، ولغا ما بينهما، هذا إن علم عينه ومكانه، وإلا.. أخذ بالأسوأ وبنى، وفي الأحوال كلها يسجد للسهو إلا إذا وجب الاستئناف؛ بأن ترك ركناً وجوز أن يكون النية أو تكبيرة الإحرام، وإلا إذا كان المتروك هو السلام: فإنه إذا تذكر.. سلم ولم يسجد للسهو، أما الركن القولي غير السلام.. فتقديمه غير مبطل.
وخرج بقول المصنف: (في الأركان) ترتيب السنن بعضها على بعض كالافتتاح والتعوذ، أو ترتيبها على الفرائض كالسورة و (الفاتحة) فإنه شرط للاعتداد بها سنة لا في صحة الصلاة.
ولم يتعرض المصنف لعد الموالاة ركناً؛ لأن الأصح في "التنقيح": أنها شرط، والمراد بها: عدم تطويل الركن القصير، كما ذكره الرافعي تبعاً للإمام، وصور ابن الصلاح تركها بما إذا سلم ناسياً وطال الفصل.. فإن صلاته تبطل؛ للتفريق، وصوره بعضهم بما إذا شك في نية صلاته ولم يمض ركن، لكن طال زمن الشك.. فإنها تبطل في الأصح، قال ابن الرفعة: لأن ذلك يبطل الولاء.
[أبعاض الصلاة]
ولما فرغ من أركان الصلاة.. شرع في ذكر سننها، وهي: أبعاض وهيئات، وبدأ بالأولى فقال:
(أبعاضها: تشهد إذ تبتديه... ثم القعود، وصلاة الله فيه)
(على النبي، وآله في الآخر... ثم القنوت، وقيام القادر)
(في الاعتدال الثان من صبح، وفي... وتر لشهر الصوم إن ينتصف)
أي: أبعاض الصلاة هذه الستة:
أما التشهد الأول وقعوده.. فللأخبار الصحيحة فيهما، وصرفهما عن وجوبهما أنه صلى الله عليه وسلم (قام من ركعتين من الظهر ولم يجلس، فلما قضى صلاته.. كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم) رواه الشيخان، دل عدم تداركهما على عدم وجوبهما.
قال في "المجموع": ويكره أن يزيد في التشهد الأول على لفظة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن فعله.. لم يسجد للسهو.
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في جلوس التشهد الأول، والصلاة على آله في جلوس التشهد الأخير.. فللأخبار الصحيحة فيهما.
وأما القنوت وقيامه في الصبح وفي وتر النصف الأخير من رمضان.. فللاتباع فيهما رواه
الشيخان في الأولى، والبيهقي في الثانية، وقال الحسن بن علي: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم؛ اهدني... ") إلى آخره، رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط الشيخين.
وروى البيهقي عن ابن عباس وغيره: (أنه صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع أيضاً، لكن رواه القنوت بعده أكثر وأحفظ؛ فهو أولى، وعلى هذا درج الخلفاء الراشدون في أشهر الروايات عنهم وأكثرها، فلو قنت قبله.. لم يجزه ويسجد للسهو إن قنت بنيته؛ لأنه عمل من أعمال الصلاة أوقعه في غير محله، نقله في "المجموع" عن نص "الأم"، وهو موافق لما قالوه في القراءة في غير محلها، ولا يشكل بدعاء الافتتاح والتسبيح والدعاء في غير محلها؛ حيث لا يسجد فيها للسهو كما جزم به في "المجموع"، خلافاً لما يقتضيه كلام "الكفاية" في (باب العيد) لأن الأبعاض آكد من بقية السنن.
نعم، صحح فيه: أنه يسجد لقراءة غير (الفاتحة) في غير محلها كـ (الفاتحة)، ويوجه بتأكيدها وشبهها بـ (الفاتحة) فالأبعاض المذكورة يجبر تركها عمداً أو سهواً بالسجود، وسميت أبعاضاً؛ لتأكد شأنها بالجبر تشبيهاً بالبعض حقيقة.
وفي بعض النسخ بدل البيت الأخير:
(في الصبح ثاني ركعة والوتر... في نصف شهر رمضان الآخر)
ولفظ القنوت: (اللهم؛ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت).
قال الرافعي: وهذا ما روي في الحديث، وزد العلماء: (ولا يعز من عاديت) قبل (تباركت ربنا وتعاليت) وبعده: (فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك)،
زاد في "الروضة": ولا بأس بهذه الزيادة، وقال الشيخ أبو حامد وآخرون: هي مستحبة؛ وقد جاءت رواية البيهقي بزيادة: (ولا يعز من عاديت).
فإن كان إماماً.. أتى بلفظ الجميع في ضمير المتكلم، وعليه حملت رواية البيهقي: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا دعاءً ندعو به في قنوت صلاة الصبح: اللهم؛ اهدنا... ) إلى آخره.
قال في "الأذكار": ويستحب أن يقول عقب هذا الدعاء: (اللهم؛ صل على محمد وعلى آل محمد وسلم).
قال في "المجموع" عن البغوي: وتكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، ويسن للإمام والمنفرد برضا محصورين: الجمع في قنوت الوتر بين القنوت السابق وقنوت عمر رضي الله تعالى عنه وهو: (اللهم؛ إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثنى عليك الخبر كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم؛ إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك؛ إن عذابك الجد بالكفار محلق، اللهم؛ عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللهم؛ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق، واجعلنا منهم).
والأولى تأخيره عن القنوت السابق، فإن اقتصر على أحدهما.. فعلى الأول.
والصحيح: سن رفع يديه في القنوت؛ للاتباع رواه البيهقي بإسناد جيد، وكذا في كل دعاء، ويسن جعل ظهرهما للسماء إن دعا لدفع بلاء، وعكسه إن دعا لتحصيل شيء، قال في "المجموع": في سن مسج وجهه بهما وجهان: أشهرهما: نعم، وأصحهما: لا، قال البيهقي: لا أحفظ في مسحه هنا عن أحد من السلف شيئاً وإن روي عن بعضهم في الدعاء
خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم خارجها، فأما فيها.. فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأولى ألا يفعله، وأما مسح غيره من الصدر وغيره.. فمكروه، وما نقله من سن مسحه خارجها.. جزم به في "التحقيق".
ويجهر الإمام دون المنفرد بالقنوت وإن كانت الصلاة سرية؛ للاتباع رواه البخاري، قال الماوردي: وليكن جهره به دون جهره بالقراءة، ويؤمن المأموم للدعاء.
ومنه: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما جزم به الطبري شارح "التنبيه"، ويقول الثناء، فإن لم يسمعه أو سمع صوتاً لم يفهمه.. قنت، ويسن القنوت في سائر المكتوبات للنازلة؛ كالوباء والقحط والعدو، لا مطلقاً على المشهور.
[الأذان والإقامة]
(سننها من قبلها: الأذان مع... إقامة، ولو بصحراء تقع)
أي: من سنن الصلاة التي قبلها: الأذان والإقامة؛ أي: فهما سنتا كفاية في المكتوبات ولو فائتة دون النافلة والمنذورة، والأصل في مشروعيتها قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة﴾، وقوله: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلوة﴾، ومن السنة أخبار كثيرة، منها: خبر "الصحيحين": "إذا حضرت الصلاة.. فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم"، وفي رواية: "فأذنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما"، وخبر عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس؛ لجمع الصلاة.. طاف بي وأنا نائم يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله؛ أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أولا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: تقول: (الله أكبر، الله أكبر، الله
أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله).
ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله).
فلما أصبحت.. أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيته، فقال: "إنها رؤيا حق إن شاء الله، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت؛ فإنه أندى صوتاً منك"، فقمت مع بلال فجلعت ألقيه عليه.. فيؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في بيته.. فخرج يجر رداءه وهو يقول: والذي بعثك بالحق نبياً يا رسول الله؛ لقد رأيت مثل ما رأى، فقال صلى الله عليه وسلم: "فلله الحمد" رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داوود وقال: حسن صحيح.
وإنما لم يجبا وإن كانا من شعائر الإسلام الظاهرة؛ لأنهما إعلام بالصلاة ودعاء إليهما كقوله: (الصلاة جامعة) حيث يسن في نفل تشرع فيه الجماعة، ولأنه لم يأمر بهما في خبر المسيء صلاته كما ذكر فيه الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة، ولأنه ترك الأذان في اثانية الجمع، ولو كان واجباً.. لما ترك للجمع الذي ليس بواجب.
وأقل ما تحصل به سنة الأذان: أن ينتشر في جميع أهل ذلك المكان، حتى إذا كبر.. أذن في كل جانب واحد؛ لينشر في جميعهم، فإن أذن واحد فقط.. حصلت السنة في جانب السامعين دون غيرهم، وكما أن الأذان والإقامة سنتان للجماعة.. فهما سنتان للمنفرد ولو كان في صحراء أو بلد وبلغه أذان غيره؛ كما صححه النووي في "تحقيقه" وغيره، ونقله في "مجموعه" عن نص "الأم"، وإن صحح في "شرح مسلم" أنه لا يؤذن إن سمع أذان غيره.
ويكفي في أذانه إعلام نفسه، بخلاف أذان الإعلام، ويسن أن يرفع صوته؛ لخبر البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أن أبا سعيد الخدري قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة.. فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء.. إلا شهد له يوم القيامة، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: سمعت ما قلت لك بخطاب لي، كما فهمه الماوردي والإمام والغزالي، وأوردوه باللفظ الدال على ذلك؛ ليظهر الاستدلال به على أذان المنفرد ورفع صوته به، وقيل: إن ضمير (سمعته) لقوله: (لا يسمع... ) إلى آخره.
واستثني من رفع صوته ما إذا أذن في مكان وقعت فيه جماعة، قال في "الروضة" و"أصلها": وانصرفوا؛ لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى.
(شرطهما: الولا، وترتيب ظهر... وفي مؤذن: مميز ذكر)
(أسلم والمؤذن المرتب... معرفة الأوقات لا المحتسب)
[شروط الأذان والإقامة]
أي: شرط الأذان والإقامة: الولاء والترتيب لهما؛ لأنهما جاءا كذلك في خبر مسلم وغيره، ولأن ترك كل منهما يوهم اللعب ويخل بالإعلام، فلو ترك الترتيب.. لم يصح، لكن يبني على المنتظم، والاستئناف أولى؛ إذ الولاء لم يصح، ولا يضر يسير سكوت؛ لأن مثله يقع للتنفس والاستراحة، ولا يسير الكلام؛ لأنه لا يخل بالغرض، ولا يسير نوم وإغماء، لكن يسن فيهما الاستئناف، وألا يتكلم ولو لمصلحة، فلو عطس.. حمد الله تعالى في نفسه وبنى، ولا يرد السلام، فلو رد أو شمت عاطساً أو تكلم لمصلحة.. لم يكره، ولو خاف وقوع أعمى في بئر، أو لدغ حية أو عقرب لغافل أو نحوهما.. وجب إنذاراه.
وشرط كل منهما أيضاً: عدم صدوره من شخصين، فلا يصح بناء غيره على ما أتى به وإن قصر الفصل واشتبها صوتاً.
[شروط المؤذن]
وشرط المؤذن: التمييز، فلا يصح أذان غير مميز من صبي ومجنون وطافح السكر؛ لعدم أهليته للعبادة.
والذكورة، ولو عبداً أو صبياً، فلا يصح أذان الأنثى والخنثى للرجال والخناثى؛ كما لا تصح إمامتهما لهم، أما أذانهما لغير الرجال والخناثى.. فلا يسن، فلو أذنت امرأة لنفسها أو النساء سراً.. لم يكره، أو جهراً بأن رفعت صوتها فوق ما تسمع صواحبها.. حرم.
والإسلام، فلا يصح أذان كافر؛ لعدم أهليته للعبادة؛ ولأنه لا يعتقد مصمونه، ولا الصلاة التي هو دعاء إليها؛ فإتيانه به ضرب من الاستهزاء، فلو أذن.. حكم بإسلامه بالشهادتين إن لم يكن عيسوياً، ويعتد بأذانه إن أعاد، أما العيسوي.. فلا يحكم بإسلامه بهما، والعيسوية: فرقة من اليهود تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني، كان في خلافة المنصور يعتقد أن محمداً رسو الله إلى العرب خاصة.
والتمييز والإسلام شرطان للإقامة أيضاً.
[شرط المؤذن المرتب]
وشرط المؤذن المرتب: معرفة الأوقات، لا المحتسب الذي يؤذن لنفسه أو لجماعة احتساباً في بعض الأوقات، فلا تشترط معرفته الأوقات، بل إذا علم دخول الوقت.. صح أذانه، ولو أذن جاهلاً بدخول الوقت فصادفه.. اعتد به على الأصح، وفارق التيمم والصلاة باشتراط النية فيهما، هذا تبع فيه النووي في "مجموعة" حيث قال: وتشترط معرفة المؤذن بالمواقيت هكذا صرح باشتراطه صاحب "التتمة" وغيره، وأما ما حكاه الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي رضي الله عنه وقطع به، ووقع في كلام المحاملي وغيره: أنه يستحب كونه عارفاً بها.. فمؤول، قال: ونعني بالاشتراط في الراتب للأذان، أما من يؤذن لنفسه أو يؤذن لجماعة مرة.. فلا يشترط معرفته بها، بل إذا علم دخول الوقت.. صح أذانه؛ بدليل أذان الأعمى، ومن سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت اطمأن إليه في تقليده؛ فجرى مجرى إخباره عن دخول الوقت.
انتهى.
وقد علم: أن شرط الأذان: الوقت، فلا يصح قبله إلا للصبح فيصح من نصف الليل، ويستحب له أذانان: قبل الفجر وبعده.
وقول المصنف: (مميز) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: والشرط في مؤذن: مميز؛ أي: تمييز، من إطلاق اسم الفاعل على المصدر، وقوله: (والمؤذن المرتب)، وقوله: (لا المحتسب) بالجر عطفاً على (مؤذن)، وقوله: (معرفة الأوقات) بالرفع خبر ذلك المبتدأ المحذوف؛ أي: والشرط في المؤذن المرتب: معرفة الأوقات، ويصح كونها مرفوعة على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه في إعرابه؛ أي: وشرط المؤذن المرتب: معرفة الأوقات، وقد يجوز جرها على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه على جره.
[سنن الأذان والإقامة]
(وسنة: ترتيله بعج... والخفض في إقامة بدرج)
(والالتفات فيهما إذ حيعلا... وأن يكون طاهراً مستقبلا)
(عدلاً أميناً صيتاً مثوبا... لفجره مرجعاً محتسبا)
(مرتفعاً، كقوله أجابه... مستمع ولو مع الجنابة)
(لكنه يبدل لفظ الجيعله... - إذا حكى أذانه - بالحوقله)
أي: السنة ترتيب الأذان؛ أي: التأني فيه؛ بأن يأتي بكلماته مبينة بلا تمطيط؛ لخبر: "إذا أذنت.. فترسل في أذانك، وإذا أقمت.. فاحدر" أي: بمهملات، ومعناه: أسرع، رواه الحاكم في "المستدرك" وأبو داوود والترمذي، ولأن الأذان للغائبين فالترتيل فيه أبلغ، والإقامة للحاضرين فالإدراج فيها أشبه.
ويسن أن يقف على كلمات الأذان إلا التكبير فعلى كل كلمتين.
وقوله: (بعج) أي: مع رفع صوت من المؤذن ما أمكنه بلا ضرر؛ للأمر به في خبر أبي سعيد المار، والسنة الخفض في إقامة بدرج؛ أي: مع إسراع من المقيم بكلماتها؛ لما مر.
ولو أسر المؤذن لجماعة بشيء غير الترجيع الآتي.. لم يجزه؛ لفوات الإعلام، فيجب الإسماع ولو لواحد، وإسماع النفس يجزئ المؤذن لنفسه؛ لأن الغرض منه الذكر
لا الإعلام، وعلى هذا: حمل ما نقل عن النص من أنه لو أسر ببعضه.. صح، ولا يجزئ إسماع النفس من المقيم للجماعة؛ كما في الأذان وإن كان الرفع بها أخفض منه كما مر.
والسنة: الالتفات فيهما؛ أي: في الأذان والإقامة إذ حيعلا؛ أي: وقت حيعلته يميناً في الأولى وشمالاً في الثانية من غير تحويل صدره عن القبلة وقدميه عن مكانهما؛ بأن يلتفت المؤذن عن يمينه فيقول: (حي على الصلاة) مرتين، ثم يلتفت عن يساره فيقول: (حي على الفلاح) مرتين، ويلتفت المقيم عن يمينه فيقول: (حي على الصلاة)، ثم يلتفت عن يساره فيقول: (حي على الفلاح)، والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين" عن أبي جحيفة: (رأيت بلالاً يؤذن فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، فيقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح)، وفي رواية لأبي داوود بإسناد صحيح: (فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح.. لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر)، وفي رواية للترمذي صححها: (وإصبعاه في أذنيه).
وسن الالتفات في الحيعلتين دون غيرهما؛ لأن غيرهما ذكر الله تعالى وهما خطاب الآدمي؛ كالسلام في الصلاة يلتفت فيه دون غيره من الأذكار، وفارق كراهة الالتفات في الخطبة؛ بأن المؤذن داع للغائبين والالتفات أبلغ في إعلامهم، والقصد من الإقامة أيضاً: الإعلام، والخطيب واعظ للحاضرين، فالأدب ألا يعرض عنهم، ولا يلتفت في قوله: (الصلاة خير من النوم) كما اقتضاه كلامهم.
والسنة في المؤذن: أن يكون طاهراً من الحدث ولو أصغر، ومن الخبث؛ لخبر: "كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" أو قال: "على طهارة" رواه أبو داوود وغيره، وقال في "المجموع": إنه صحيح، ولأنه يدعو إلى الصلاة فليكن بصفة من يمكنه فعلها، وإلا.. فهو واعظ غير متعظ، فيكره أذان المحدث، وأذان الجنب أشد كراهة، وكراهة الإقامة من كل منهما أشد من كراهة الأذان منه، ويجزئ أذان الجنب وإقامته وإن كان في المسجد ومكشوف العورة؛ لحصول الإعلام، والتحريم لمعنى آخر، فإن أحدث ولو حدثاً أكبر في أذانه..
استحب إتمامه، ولا يقطعه ليتوضأ، فإن توضأ ولم يطل.. بنى.
وأن يكون مستقبلاً للقبلة؛ لأنه المنقول سلفاً وخلفاً، ولأنها أشرف الجهات.
وأن يكون عدلاً أميناً؛ ليقبل خبره عن الأوقات، ويؤمن نظره إلى العورات، فيكره أذان الصبي والفاسق؛ لأنه لا يؤمن أن يؤذن في غير الوقت، ولا أن ينظر إلى العوراتن لكن تحصل بأذانه السنة وإن لم يقبل خبره في الوقت.
وقول المصنف: (أميناً) بدل من قوله: (عدلاً) أفاد به: أن المراد عدل الرواية لا عدل الشهادة، ولكن يسن كونه حراً أيضاً؛ لأنه أكمل من غيره.
وأن يكون صيتاً؛ أي: عالي الصوت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر عبد الله بن زيد: "ألقه على بلال؛ فإنه أندى منك صوتاً" أي: أبعد مدى، وقيل: أحسن صوتاً، ولهذا: يسن كونه حسن الصوت، ولأنه صلى الله عليه وسلم اختار أبا محذورة لحسن صوته، ولأنه أرق لسامعيه فيكون ميلهم إلى الإجابة أكثر، ولزيادة الإبلاغ.
وأن يكون مثوباً - بالمثلثة - لفجره؛ بأن يقول بعد الحيعلات في أذانه: (الصلاة خير من النوم) مرتين لوروده في خبر أبي داوود وغيره بإسناد جيد كما في "المجموع"، وهو من ثاب؛ أي: رجع؛ لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين، ثم عاد فدعا إليها بذلك، وخص بالصبح؛ لما يعرض للنائم من التكاسل بسبب النوم، وشمل إطلاقه - كالغزالي وغيره -: أذاني الصبح؛ فيثوب فيهما، وصححه في "التحقيق"، لكن في "التهذيب": إن ثوب في الأول.. لا يثوب في الثاني على الأصح، وأقراه في "الروضة" و"أصلها"، واقتصر على نقله في "الشرح الصغير"، وفي "المجموع": ظاهر كلام الأصحاب: أنه يثوب فيهما، ثم ذكر كلام "التهذيب"، ويثوب في أذان الفائتة أيضاً كما صرح به ابن عجيل اليمني؛ نظراً إلى أصله، ويكره التثويب لغير الصبح؛ لخبر "الصحيحين": "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه.. فهو رد".
وأن يكون مرجعاً في أذانه؛ بأن يخفض صوته بكلمات الشهادتين وهن أربع؛ بأن يسمع من يقربه، أو أهل المسجد إن كان واقفاً عليهم وكان المسجد مقتصد الخطة قبل رفعه بها؛ كما رواه مسلم عن أبي محذورة، وسمي ترجيعاً؛ لأنه رجع إلى الرفع بعد أن تركه، أو إلى الشهادتين بعد ذكرهما، وحكمته: تدبر كلمتي الشهادة والإخلاص فيهما؛ لكونهما المنجيتين من الكفر المدخلتين في الإسلام، وتذكر خفائهما في أول الإسلام، ثم ظهورهما، وظاهر كلام "الروضة" و"أصلها": أنه اسم للمجموع، لكن صرح النووي في "مجموعه" و"تحقيقه" و"دقائقه" و"تحريره" بأنه اسم للأول، وصوبه بعضهم وفي "شرح مسلم" كـ"حاوي الماوردي" بأنه اسم للثاني، فكلمات الأذان بالترجيع تسع عشرة كلمة، وكلمات الإقامة إحدى عشرة.
وأن يكون محتسباً بأذانه أجراً عند الله تعالى بألا يأخذ عليه أجراً؛ لخبر الترمذي وغيره: "من أذن سبع سنين محتسباً.. كتب الله له براءة من النار"، ولقول عثمان ابن أبي العاصي: آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" رواه الترمذي وحسنه، ولكل أحد الرزق عليه من ماله، وللإمام عند فقد محتسب الرزق عليه من مال المصالح عند الحاجة بقدرها.
قال في "المجموع": قال أصحابنا: ولا يجوز أن يرزق مؤذناً وهو يجد متبرعاً عدلاً؛ كما نص عليه، قال القاضي حسين: لأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم، والوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعاً.. لم يجز له أن يستأجر عليه من مال اليتيم فكذا الإمام، فلو احتسب فاسق.. فله رزق أمين، أو أمين.. فله رزق من هو أحسن صوتاً منه إن رآه مصلحة، ويجوز الاستئجار عليه، ثم إن كان من بيت المال.. لم يشترط بيان المدة، بل يكفي كل شهر بكذا؛ كالجزية والخراج، أو من مال الإمام، أو كان المستأجر أحد الرعية.. اشترط بيانها، والرزق: أن يعطيه ما يكفيه وعياله، والأجرة: ما يقع به التراضي.
وأن يكون مرتفعاً على شيء عال كمنارة وسطح؛ لخبر "الصحيحين": (كان لرسول الله
صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم، ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)، ولخبر البيهقي بإسناد صحيح: أن عبد الله بن زيد قال: (يا رسول الله؛ رأيت في المنام رجلاً قام على جذم حائط فأذن وأقام)، ولزيادة الإعلام، و (الجذم) بكسر الجيم وسكون المعجمة: الأصل، بخلاف الإقامة لا تسن على عال إلا في مسجد كبير يحتاج فيه إلى علو للإعلام بها.
وقوله: (كقوله أجابه... ) إلى آخره؛ أي: مثل قول المؤذن؛ أي: أو المقيم أجابه ندباً مستمع له؛ أي: وسامعه؛ بأن يجيب كل كلمة عقبها ولو مع الجناية أو الحيض أو النفاس، لكنه يبدل لفظ الحيعلة إذا حكى أذانه؛ أي: أو إقامته بالحوقلة؛ أي: بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) أربعاً في إجابة المؤذن، ومرتين في إجابة المقيم، والمعنى: لا حول لي عن المعصية، ولا قوة لي على ما دعوتني إليه إلا بك، ويقول في كلمتي الإقامة: (أقامها الله وأدامها، وجعلني من صالحي أهلها)، ويقول في التثويب: (صدقت وبررت)؛ والأصل في ذلك خبر: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرن فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه.. دخل الجنة" رواه مسلم، وهو مبين لخبره الآخر: "إذا سمعتم المؤذن.. فقولوا مثلما يقول"، ولأن إجابته تدل على رضاه به وموافقته في ذلك.
وإنما سن للجنب ونحوه ذلك؛ لأنه ذكر، وهم من أهله.
وأفهم كلامه كغيره: أنه لو علم أذانه ولم يسمعه لصمم أو نحوه.. لا تسن إجابته، وقال في "المجموع": إنه الظاهر؛ لأنها معلقة بالسماع في خبر: "إذا سمعتم المؤذن"، وكما في نظيره من تشميت العاطس، ولو تركها بغير عذر حتى فرغ المؤذن.. فالظاهر: تداركه إن قصر الفصل، قال: وإذا لم يسمع الترجيع.. فالظاهر: أنه يسن له الإجابة فيه؛ لقوله صلى الله
عليه وسلم: "فقولوا مثل ما يقول"، ولم يقل: مثل ما تسمعون، وأفتى البارزي بأنها لا تسن، نقله في "التوشيح".
قال في "المجموع": وإذا سمع مؤذناً بعد مؤذن.. فالمختار: أن أصل الفضيلة في الإجابة شامل للجميع إلا أن الأول متأكد يكره تركه، وقال ابن عبد السلام: إجابة الأول أفضل إلا أذاني الصبح فلا أفضلية فيهما؛ لتقدم الأول ووقوع الثاني في الوقت، وإلا أذاني الجمعة؛ لتقدم الأول ومشروعية الثاني في زمنه صلى الله عليه وسلم.
انتهى.
وشمل كلامه: القارئ فيقطع القراءة ويجيب، بخلاف المصلي ولو نفلاً يكره له أن يجيب في صلاته، بل تبطل إن أتى بشيء من الحيعلتين، أو بـ (الصلاة خير من النوم)، أو بـ (صدقت وبررت) لأن ذلك كلام آدمي.
نعم؛ يندب أن يجيب عقب الفراغ منها إن لم يطل الفصل، ومثله المجامع، وقاضي الحاجة.
ويسن لكل من المؤذن والسامع أن يصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، ثم يقول: (اللهم؛ رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته).
وأن يقول عقب الفراغ من أذان المغرب: (اللهم؛ هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي).
ومن أذان الصبح: (اللهم؛ هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك... ) إلى آخره.
وأن يقول المؤذن بعد فراغه في ليلة مطيرة أو ريح أو ظلمة: (ألا صلوا في رحالكم)، فإن قاله بعد الحيعلتين.. فلا بأس، قاله في "الروضة" وغيرها، ويجيبه السامع بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) قياساً على الحيعلتين، قاله في "المهمات".
وألف (حيعلا) للإطلاق، واللام في قوله: (لفجره) للتعليل، أو بمعنى: (في)، وتعبيره كالأزهري بـ (الحوقلة) بأخذ الحاء والواو من (حول) والقاف من (قوة) واللام من اسم الله تعالى، قال بعضهم: إنه أحسن؛ لتضمنه جميع الألفاظ، ويجوز فيه التعبير
بـ (الحولقة) كما عبر به الجوهري بتركيبه من حاء (حول) وقاف (قوة)، وما قيل: من أن الصواب: إدخال الباء بعد لفظ الإبدال على المتروك لا المأخوذ كما عبر به المصنف كغيره.. مردود.
(والرفع لليدين للإحرام سن... بحيث الإبهام حذا شحم الأذن)
(مكشوفة، وفرق الأصابعا... ويبتدي التكبير حين رفعا)
(ولركوع واعتدال بالفقاز... ووضع يمناه على كوع اليسار)
(أسفل صدر ناظراً محلا... سجوده، (وجهت وجهي) الكلا)
في هذه الأبيات تسع مسائل:
[استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام]
الأولى: يسن الرفع لليدين في تكبيرة الإحرام؛ بحيث تكون الإبهام حذاء شحم الأذن مستقبلاً بكفيه؛ لخبر ابن عمر: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة.. يرفع يديه حذو منكبيه) متفق عليه، قال النووي في "شرح مسلم": معنى حذو منكبيه، وذال (حذو) ما تصرف منه: معجمة.
ولو قطعت يده من الكوع.. رفع الساعد، أو من الرفق.. رفع العضد؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن رفع يديه أو إحداهما إلى هذا الحد وأمكنه الزيادة أو النقص.. فعل الممكن، أو أمكناه.. فالأولى الزيادة.
[استحباب كشف الكفين عند الرفع]
الثانية: يسن كشف الكفين عند الرفع، وهذا معنى قوله: (مكشوفة) أي: حال كون كل من كفيه مكشوفة.
[استحباب تفرقة الأصابع في رفع اليدين]
الثالثة: يسن تفرقة أصابعهما قال في "الروضة" كـ"أصلها": وسطاً، وحكاه في "المجموع" عن الرافعي، ثم قال: والمشهور: ما قطع به الجمهور استحباب التفريق، وصححه في "التحقيق" أي: بلا تقييد بوسط، وفهم عنه في "المهمات" استحباب المبالغة فصرح بها.
[ابتداء التكبير وانتهاؤه مع رفع اليدين]
الرابعة: يبتدئ التكبير ندباً حين يرفع يديه؛ بأن يبتدئه مع ابتداء تحرمه وينهيه مع انتهائه كما صححه في "التحقيق" وشرحي "المهذب" و"الوسيط" ونقله فيهما عن نص "الأم"، قال في "المهمات": وهو المفتى به، لكنه صحح في "الروضة" كـ"أصلها": أنه لا استحباب في الانتهاء، بل إن فرغ منهما معاً.. فلا كلام، وإن فرغ من أحدهما قبل الآخر.. أتممه.
[استحباب رفع اليدين للركوع]
الخامسة: يسن رفع يديه للركوع؛ بأن يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه.. انحنى.
[استحباب رفع اليدين للاعتدال]
السادسة: يسن رفع يديه للاعتدال بنصب الفقار؛ بأن يبتدئ الرفع مع ابتداء رفع رأسه من الركوع، فإذا استوى.. أرسلهما إرسالاً خفيفاً إلى تحت صدره فقط، فلو ترك الرفع سهواً أو عمداً.. تداركه في أثناء التكبير أو التسميع، وإن أتممه.. لم يرفع، قال في "المجموع": قال في "الأم": ولو تركه في جميع ما أمرته به أو فعله حيث لم آمره به.. كرهت له ذلك.
وأفهم كلام المصنف: أنه لا يسن الرفع للسجود ولا للقيام من جلسة الاستراحة والتشهد
الأول، وهو ما في "الرافعي" وغيره، ونقله النووي في الأخيرة عن الجمهور، لكنه حكى فيها وجهاً: أنه يسن الرفع، وقال: إنه الصحيح أو الصواب؛ فقد ثبت في "صحيح البخاري" وغيره، ونص عليه الشافعي.
و(الفقار) بفتح الفاء: عظام الظهر؛ جمع فقره بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف.
[هيئة اليدين أثناء القيام]
السابعة: يسن للمصلي في القيام أو بدله وضع يمناه على كوع يسراه وبعض ساعده ورسغه باسطاً أصابعها في عرض المفصل أسفل صدره، وقيل: يتخير بين بسط أصابع يمناه في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد؛ والأصل في ذلك: خبر مسلم عن وائل بن حجر: (أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى)، زاد ابن خزيمة: (على صدره) أي: فيكون آخر اليد تحته، وروى أبو داوود بإسناد صحيح: (على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد).
قال في "الأم": والقصد م وضع اليمنى على اليسرى: تسكين يديه، فإن أرسلهما بلا عبث.. فلا بأس، والحكمة في جعلهما تحت الصدر: أن تكونا فوق أشرف الأعضاء وهو القلب؛ فإنه تحت الصدر، وقيل: الحكمة فيه: أن القلب محل النية، والعادة جارية بأن من احتفظ على شيء.. جعل يديه عليه، ولهذا: يقال في المبالغة: أخذ بكلتا يديه.
و(الكوع) والكاع: العظم الذي يلي إبهام اليد، كما أن البوع: العظم الذي يلي إبهام الرجل، وأما الذي يلي الخنصر.. فكرسوع بضم الكاف، و (الرسغ) بالسين المهملة أفصح من الصاد؛ وهو المفصل بين الكف والساعد، و (اليد) مؤنثة، ولهذا: توصف باليمنى واليسرى.
[استحباب نظر المصلي لموضع سجوده]
الثامنة: يسن للمصلي إدامة نظره في جميع صلاته إلى محل سجوده، وهذا معنى قوله: (ناظراً محلاً سجوده) أي: حال كون ناظراً في جميع صلاته موضع سجوده ولو في ظلمة؛ لأن
جمع النظر في مكان واحد أقرب إلى الخشوع، ومكان سجوده أشرف من غيره، إلا في تشهده.. فالسنة: ألا يجاوز بصره مسبحته، واستثنى جماعة منهم الماوردي والروياني المصلي في المسجد الحرام.. فالمستحب له النظر إلى الكعبة لا إلى موضع سجوده، لكن صوب البلقيني في "فتاويه" أنه كغيره، قال بعضهم: وينبغي أن ينظر في صلاة الجنازة إلى الميت.
[استحباب دعاء الافتتاح]
التاسعة: يسن للمصلي بعد تحرمه ولو بالنفل: (وجهت وجهي... الكلا) أي: إلى آخره، وهو: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) للاتباع، رواه مسلم إلا (مسلماً) فابن حبان.
ولا فرق في التعبير بهذا اللفظ بن الرجل والمرأة والخنثى على إرادة الشخص، وفي "مستدرك الحاكم": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: "قومي فاشهدي أضحيتك، وقولي: إن صلاتي ونسكي... " إلى قوله: "وأنا المسلمين".
قال في "الروضة" كـ"أصلها": ويزيد المنفرد وإمام محصورين علم رضاهم بالتطويل: (اللهم؛ أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعها؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاف لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك).
وقد صح في دعاء الافتتاح أخبار، منها: "اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم؛ نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم؛ اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" رواه الشيخان، ومنها:
"الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً طيباً فيه"، ومنها: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً" رواهما مسلم.
قال النووي: وبأيها افتتح.. أتى بأصل السنة، لكن أفضلها الأول.
فلو ترك الافتتاح حتى تعوذ.. لم يأت به؛ لفوات محله، ويأتي به المسبوق بعد تأمينه مع الإمام؛ لقصره لا بعد جلوسه أو سجوده معه؛ لطوله، ولا إذا خشي عدم إكماله (الفاتحة)، ولا المصلي على الجنازة؛ لطلب التخفيف.
والألف في قوله: (الأصابعا) و (رفعا) و (محلا) و (الكلا) للإطلاق.
(وكل ركعة تعوذ يسر... ومع إمامه بـ (آمين) جهر
فيه مسألتان:
[استحباب التعوذ في كل ركعة]
الأولى: يسن بعد الافتتاح التعوذ في كل ركعة؛ لقوله تعالى ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم﴾ أي: إذا أردت قراءته، ولحصول الفصل بين القراءتين بالركوع وغيره، لكنه في الأولى آكد؛ لأن افتتاح قراءته في الصلاة إنما يكون فيها، ويحصل بكل ما اشتمل على التعوذ من الشيطان، وأفضله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ويستثنى المأموم؛ إذا خاف عدم إكماله (الفاتحة) كما مر.
ومقتضى كلام الشيخين: استحباب التعوذ لمن أتى بالذكر؛ لعجزه عن القراءة، لكن قال في "المهمات": إن المتجه خلافه.
وخرج بقول المصنف: (كل ركعة) ما لو فصل بين القراءتين بسجود التلاوة.. فإنه لا يسن إعادة التعوذ.
وقوله: (يسر) ببنائه للمفعول؛ أي: يسن الإسرار بالتعوذ ولو في الجهرية كالافتتاح
بجامع تقديمهما (الفاتحة)، بخلافه خارج الصلاة؛ فإنه يجهر به قطعاً، ويكفيه تعوذ واحد ما لم يقطع قراءته بكلام أو سكوت طويل.
[ندب التأمين عقب الفاتحة]
الثانية: يسن للمأموم أن يجهر بـ (آمين) مع جهر إمامه بها في الصلاة الجهرية؛ موافقة له.
أما ندب التأمين.. فلخبر "الصحيحين": "إذا أمن الإمام.. فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة.. غفر له ما تقدم من ذنه"، وفيهما أيضاً: "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين فوافقت إحداهما الأخرى.. غفر له ما تقدم من ذنبه"، زاد مسلم: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين»، على أن ندب التأمين لا يختص بالصلاة، لكنه فيها آكد.
وأما ندب الجهر.. فللإتباع، رواه أبو داوود وغيره، وصححه ابن حبان وغيره، مع خير: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وأما ندب المعية.. فللخبرين الأولين؛ فإن ظاهرهما الأمر بها؛ بأن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة، ولأن المأموم لا يؤمن لتأمين إمامه، بل لقراءته وقد فرغت، فإن لم تتفق موافقته للإمام.. أمن عقبه، فإن لم يم تأمينه أو أخره عن وقته المندوب.. أمن.
قال في "المجموع": ولو قرأ معه وفرغا معاً.. كفى تأمين واحد، أو فرغ قبله.. قال البغوي: ينتظره، والمختار أو الصواب: أنه يؤمن لنفسه ثم للمتابعة.
قال: ولو قال: (آمين رب العالمين)، وغيره من ذكر الله تعالى.. كان حسناً، ومتى اشتغل بغيره.. فات وإن قصر الفصل.
وجهر الأنثى والخنثى به كجهرهما بالقراءة وسيأتي، وندب التأمين والجهر به يستوي فيه المنفرد وغيره إلا المأموم.. فيسر به لقراءة نفسه.
و (آمين) بالمد مع التخفيف كما في النظم وهو الأشهر، وبه مع الإمالة، وبه مع التشديد، وبالقصر مع التخفيف، وبه مع التشديد وهي شاذة، وهو على غير الثالثة: اسم فعل بمعنى: استجب، وعلى الثالثة بمعنى: قاصدين إليك، قال النووي: وهي شاذة، لكن لا تبطل بها الصلاة؛ لأن القصد بها الدعاء.
وقوله: (وكل ركعة) يصح رفعه ونصبه.
(وسورة والجهر أو سر أثر... وعند أجنبي الأنثى تسر)
فيه ثلاث مسائل:
[استحباب سورة عقب الفاتحة]
الأولى: يسن بعد (الفاتحة) سورة غيرها؛ أي: لغير فاقد الطهورين ذي الحدث الأكبر، ومأموم سمع قراءة إمامه في الركعتين الأوليين دون غيرهما؛ للاتباع، رواه الشيخان في غير المغرب، والنسائي فيه بإسناد حسن.
وقيل: في غيرهما أيضاً؛ للاتباع، رواه الشيخان في الظهر والعصر، ومالك في المغرب، ويقاس بذلك العشاء.
وفي ترجيحهم الأول تقديم لدليله النافي على دليل الثاني المثبت، عكس الراجح في الأصول؛ لما قام عندهم في ذلك.
ومن سبق بالأخيرتين.. قرأها فيهما حيث يتداركهما؛ لئلا تخلو صلاته عن سورة.
ويتأدى أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أفضل، حتى أن السورة القصيرة أولى من قدرها من طويلة كما في "الروضة" و"المجموع"، وفي "الشرحين": أولى من
بعض طويلة؛ أي: وإن طال، وهذا في غير التراويح، أما فيها.. فقراءة بعض الطويلة أفضل؛ كما أفتى به ابن عبد السلام، وعلله بأن السنة فيها القيام بجميع القرآن.
ويسن للصبح طوال المفصل، وللظهر قريب منها، وللعصر والعشاء أوساطه إن انفرد أو آثره محصورون، وللمغرب قصاره، ولصبح الجمعة: [آلم تنزيل] السجدة و [هل أتى] بكمالهما، فإن ضاق الوقت.. أتى منهما بقدر ما أمكنه.
وفي المفصل عشرة أقوال، أصحها: من الحجرات، قال ابن معن: وطواله إلى ﴿عم﴾، ومنها إلى ﴿الضحى﴾ أوساطه، ومنها إلى آخر القرآن قصاره.
قال في "المجموع": ويسن أن يقرأ على ترتيب المصحف، فلو خالف.. فخلاف الأولى، قال نقلاً عن المتولي: والمتنقل بأكثر من ركعتين إن اقتصر على تشهد.. سن له في كل ركعة، وإن أتى بتشهدين.. ففيه خلاف الأخيرتين في الفرائض.
[استحباب الجهر بالقراءة والإسرار بها حيث أثرا]
الثانية: يسن الجهر بالقراءة؛ حيث أثر ببنائه للمفعول؛ أي: نقل عن السنة، والإسرار بها؛ حيث نقل عن السنة، فيسن الجهر بالقراءة في الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء، والمقضية فيما بين غروب المس وطلوعها، وفي العيدين، وخسوف القمر، والاستسقاء، والتراويح والوتر عقبها، وركعتي الطواف وقت الجهر، ويسن إسرار بها للمأموم مطلقاً ولغيره في الظهر ولعصر، وأخيرتي العشاء، وأخيرة المغرب، والمقضية فيما بين طلوع الشمس وغروبها، والجنازة، وفي الراتبة ولو ليلية.
ويتوسط في بقية نوافل اللي بين الجهر والإسرار إلا أن يتاذى بجهره أحد أو يخاف الرياء قال بعضهم: التوسط بين الجهر والإسرار يعرف بالمقايسة بهما؛ كما أشار إليه قوله تعال: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾، قال الزركشي: والأحسن في تفسيره ما قاله بعض الأشياخ: أن يجهر تارة ويسر أخرى؛ كما ورد في فعله صلى الله عليه وسلم في صةلا الليل, ولا يستقيم تفسيره بغير ذلك؛ لعدم تعقل الواسطة بينهما؛ إذ حد الجهر أيسمع من يليه، والإسرار أن يسمع نفسه، فإن كان به مم أو ثم شاغل.. حرك لسانه وشفتيه؛ بحيث لو خلي عن ذلك.. لسمع.
[إسرار المرأة عند الأجنبي]
الثالثة: تسر المرأة عند الأجنبي رجلاً كان أو خنثى؛ لأن صوتها وإن لم يكن عورة على الأصح.. يخشى منه الافتتان، فلو جهرت.. لم تبطل صلاتها، وتجهر فيما عداه، والخنثى كالأنثى، قال البندنيجي: وحيث قلنا تجهر المرأة.. فليكن جهرها دون جهر الرجل.
انتهى، ومثلها الخنثى.
[التكبير لانتقالات الصلاة]
(وكبرن لسائر انتقال... لكن مع التسميع لاعتدال)
أي: يسن التكبير لسائر انتقالات الصلة؛ للاتباع، رواه الشيخان، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ويجهر به الإمام والمبلغ، لكن مع التسميع لاعتدال؛ أي: من الركوع بأن يقول: (سمع الله لمن حمده) مع رفع رأسه، ثم إن كان إماماً أو مبلغا.. جهر به، وإلا.. أسر، كره في "المجموع".
ومعنى (سمع الله لمن حمده): تقبله منه.
فإذا اعتدل.. سن له أن يقول سراً: (ربنا ولك الحمد)، أو (ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)، ويسن لغير الإمام، وله برضا محصورين زيادة: ﴿أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد؛ وكلنا عبد: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي ما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد﴾، وإن لم يرضوا.. كره له ذلك، كذا في "الروضة" و"أصلها" وغيرهما.
وإنما ندب التسميع للمأموم؛ للاتباع كما في "الصحيحين"، مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وانه ذكر يسن للإمام فسن لغيره كذكر الركوع وغيره، وأما خبر: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده.. فقالوا: ربنا لك الحمد".. فمعناه: قولوا ذلك مع
ما علمتموه من (سمع الله لمن حمده) لعلمهم بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" مع قاعدة التأسي به مطلقاً، وإنما خص (ربنا لك الحمد) بالذكر؛ لأنهم كانوا لا يسمعونه غالباً ويسمعون (سمع الله لمن حمده).
ويستحب مد التكبير إلى آخر الركوع، وكذا في سائر الانتقالات، فيمد التكبير من الفعل المتنقل عنه إلى الحصول في المتنقل إليه ولو فصل بينهما بجلسة الاستراحة حتى لا يخلو فعل من الصلاة عن ذكر.
[الهيئة المستحبة للرجل في الركوع]
(والرجل الراكع جافى مرفقه... كما يسوي ظهره وعنقه)
أي: والرجل الراكع جافى؛ أي: رفع ندباً مرفقه وبطنه عن فخذيه؛ للاتباع، رواه مسلم، وكما يفعل ذلك في ركوعه.. يفعله في سجوده كما سيأتي؛ للاتباع، رواه مسلم، فإن ترك ذلك.. كره، نص عليه في "الأم", أما المرأة والخنثى.. فيسن لهما ضم بعضهما إلى بعض وإلصاق بطنيهما بفخذيهما؛ لأنه أستر لهما وأحوط له.
كما يسوي الراكع ظهره وعنقه ندباً؛ بحيث يصيران كالصفيحة؛ للاتباع, رواه مسلم, فإن ترك ذلك.. كره نص عليه في "الأم" ويسن هـ جعل كفيه على ركبتيه، ويأخذهما بهما منصوبتي الساقين والفخذين، وتفرقة أصابعه تفريقاً وسطاً للقبلة؛ للاتباع، رواه ابن حبان في "صحيحه" والبيهقي، ولأن ذلك أعون للمصلي، فلو عجز عن جعل كفيه على ركبتيه كما ذكر.. أتى بالممكن، أو عن وضعهما عليهما أصلاً.. أرسلهما، ولو قطع من الزندين.. لا يبلغ بهما الركبتين؛ إذ به يفوت استواء الظهر، بخلاف نظيره من رفع اليدين للتحرم وغيره، ذكره في "المجموع".
(والوضع لليدين بعد الركبة... منشورة مضمومة للكعبة)
(ورفع بطن ساجد عن فخذيه... مفرقاً كالشبر بين قدميه)
فيهما أربع مسائل:
[ما يسن للمصلي إذا هوى لسجوده]
الأولى: يسن للمصلي إذا هوى لسجوده.. أن يضع ركبتيه أولاً، ثم يضع يديه؛ أي: كفيه على الأرض في سجوده حذو منكبيه؛ لخبر وائل بن حجر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد.. وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض.. رفع يديه قبل ركبتيه) رواه الترمذي وحسنه، وابنا خزيمة وحبان وصححاه.
ثم يسن له أيضاً: أن يضع جبهته وأنفه؛ للاتباع، رواه أبو داوود، ويضعهما دفعة واحدة، جزم به في "المحرر"، ونقله في "المجموع" عن البندنيجي وغيره، وفي موضع آخر منه عن الشيخ أبي حامد: يقدم أيهما شاء، وإنما لم يجب وضع الأنف كالجبهة مع أن خبر "الصحيحين" يقتضي الوجوب؛ حيث قال" "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وعلى الجبهة" وأشار بيده إلى أنفه، للأخبار الصحيحة المقتصرة على الجبهة، وتحمل أخبار الأنف على الندب.
[ما يسن للمصلي في سجوده]
الثانية: يسن له في سجوده أن كون أصابعه منشورة لا مقبوضة، مضمومة لا متفرقة، للقبلة؛ للاتباع بهما، رواه البخاري، قال الرافعي: حيث استحببنا نشر الأصابع.. فالسنة فيها التفريج المقتصد، لا في السجود، فإنها تضم ولا تفرق؛ لأن التفريق عدول عن القبلة.
ويسن أتكون مكشوفة؛ لظاهر الأخبار الصحيحة، وإنما لم يجب كشفها كالجبهة؛ لأنها إنما تكشف للحاجة فكانت كالقدم.
[ما يسن للساجد الذكر]
الثالثة: يسن للساجد الذكر رفع بطنه عن فخذيه ومرفقيه عن جنبيه؛ لما مر.
[التفريق بين القدمين في الصلاة]
الرابعة: يسن للمصلي أن يفرق بين قدميه في قيامه وركوعه واعتداله وسجوده تفريقاً وسطاً؛ بأن يكون بينهما قدر شبر، فيكون تفريقه ركبتيه في سجوده بقدر شبر.
[جلسة الاستراحة]
(وجلسة الراحة خففنها... في كل ركعة تقوم عنها)
أي: اجلس أيها المصلي جلسة الاستراحة وخففها ندباً؛ بأن تكون بقدر الجلوس بين السجدتين، ويكره أن تزيد على ذلك، في كل ركعة تقوم عنها؛ لخبر البخاري: "فإذا كان في وتر من صلاته.. لم ينهض حتى يستوي قاعداً" رواه أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة، وأما خبر وائل بن حجر: (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من السجود.. استوى قائماً).. فغريب أو محمول على بيان الجواز.
وشمل كلامه: ما لو وصل أربع ركعات بتشهد.. فإنه يجلس للاستراحة في كل ركعة يقوم عنها؛ لأنها إذا ثبتت في الأوتار.. فمحل التشهد أولى، ولو فعلها المأموم دون إمامه أو عكسه.. لم يضر تخلفه؛ لأنه يسير، بخلاف التشهد الأول.
ولا تسن بعد سجدة التلاوة في الصلاة، ولا للمصلي قاعداً؛ وهي أصلة بين الركعتين كالتشهد الأول وجلوسه، وقيل: من الأولى، وقيل: من لثانية، وفائدة الخلاف تظهر في التعليق على ركعته، قال البارزي في المسبوق: إذا أحرم والإمام فيها.. فيجلس معه على الأولين، وله انتظاره إلى القيام على الأخير، قال الإسنوي: فيه نظر.
(وسبح أن ركعت أو إن تسجد... وضع على الفخذين في التشهد)
(يديك، وأضمم ناشراً يسراكا... وأقبض سوى سبابة يمناكا)
(وعند (إلا الله) فالمهللة... إرفع التوحيد الذي صليت له)
فيها مسألتان:
[استحباب التسبيح في الركوع والسجود]
الأولى: يسن للمصلي التسبيح في ركوعه وسجوده؛ وهو أن يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم)، وفي سجوده: (سبحان ري الأعلى) لخبر أبي داوود: أنه لما نزل: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾.. قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾.. قال: " اجعلوها في سجودكم"، ويكون تسبيحه في كل منهما ثلاثاً؛ للاتباع، رواه أبو داوود، ويحصل أصل السنة في كل منهما بتسبيحه واحدة، والثلاث أدنى الكمال، وأكمله للمنفرد وإمام من علم رضاهم بالتطويل: إحدى عشرة.
وهل يستحب أن يضيف إليه (وبحمده)؟ قال الرافعي: استحبه بعضهم، وقال النووي: استحبه الأكثرون، وجزم به في "التحقيق".
ويزيد النفرد وإمام الراضين به في الركوع: (اللهم؛ لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي، وما استقلت به قدمي، لله رب العالمين) للاتباع، رواه مسلم إلى (عصبي)، وابن حبان إلى آخره.
وفي السجود: (اللهم؛ لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين) للاتباع، رواه مسلم.
[هيئة اليدين في التشهد]
الثانية: يسن للمصلي وضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه؛ اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، ويسن كونه ناشراً اصابع يسراه مضمومة؛ لتتوجه جميعها إلى القبلة لا متفرقة، وكونه قابضاً من أصابع يمناه ما سوى السبابة وهي التي تلي الإبهام؛ للاتباع، رواه مسلم؛ وذلك بأن يقبض من يمناه الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل السبابة، ويضع الإبهام على حرف راحته، ويرفع المهللة؛ أي: المسبحة عند بلوغ همزة (إلا الله) للاتباع، رواه مسلم، وإشارة إلى توحيد الذي صلى له؛ ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وفي "رونق الشيخ أبي حامد" و"لباب المحاملي" يرفعها منحنية قليلاً، وفيه خبر صحيح في "أبي داود"، ووجه الجيلي ذلك: بأنه أبلغ في الخضوع.
وخصت المسبحة بذلك؛ لأن لها اتصالاً بنياط القلب فكأنها سبب لحضوره، ولا يسن تحريكها؛ للاتباع، رواه أبو داوود والبيهقي، وقيل: يحركها؛ للاتباع، رواه البيهقي وقال: الحديثان صحيحان، قال: ويحتمل أن يكون المراد بتحريكها في خبره: رفعها لا تكرير تحريكها، وتقديمهم النافي على المثبت؛ لما قام عندهم في ذلك، قال بعضهم ولعل منه كون التحريك قد يذهب الخشوع، وعلى الأصح: يكره تحريكها.
ويسن أن يكون رفعها إلى القبلة، وأن ينوي به الإخلاص بالتوحيد، قال الشيخ نصر المقدسي: وأن يقيمها ولا يضعها.
ويكره رفع مسبحة اليسرى؛ لفوات سنة بسطها ولهذا: لا يرفعها ولا غيرها لو قطعت اليمنى، وسميت بالسبابة؛ لأنه يشار بها عند المخاصمة والسب، وتسمى أيضاً: بالمسبحة؛ لأنه يشار بها إلى التوحيد والتنزيه؛ إذ التسبيح التنزيه.
وقوله: (وسبح أن ركعت) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، والألف في (يسراكا) و (يمناكا) للإطلاق.
(والثان من تسليمه التفاته... ونية الخروج من صلاته)
(ينوي الإمام حاضريه بالسلام... وهم نووا رداً على هذا الإمام)
فيهما أربع مسائل:
[استحباب التسليمة الثانية]
الأولى: التسليمة الثانية سنة؛ لخبر ابن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأجاب ائمتنا عن أخبار التسليمة الواحدة بأنها ضعيفة، أو لبيان الجواز، وبأن أخبار التسليمتين زيادة ثقة فيجب قبولها.
نعم؛ يجب الاقتصار على واحدة إذا عرض له عقبها ما ينافي صلاته؛ كأن خرج وقت الجمعة بعد الأولى، أو انقضت مدة المسح أو شك فيها أو تخرق الخف، أو نوى القاصر الإقامة، أو انكشفت عورته، أو علم خطأ اجتهاده.
قال في "المجموع": ولا يسن زيادة (وبركاته) على الصحيح والصواب الموجود في الأخبار الصحيحة وكتب الشافعي والأصحاب.
والتسليمة الثانية من لواحق الصلاة ومستحباتها لا منها نفسها، وإلا.. بطلت بوجود منافيها قبلها.
[استحباب التفات المصلي في التسليمتين]
الثانية: يسن التفات المصلي في تسليمته الأولى حتى يرى خده الأيمن، وفى الثانية الأيسر؛ للاتباع، رواه ابن حبان في "صحيحه"، ويسن أن يبتدئ بالتسليمة مستقبل القبلة ثم يلتفت؛ بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات، والابتداء باليمين مستحب.
[استحباب نية الخروج من الصلاة بالتسليمة الأولى]
الثالث: يسن لكل مصل أن ينوي الخروج من صلاته بالتسليمة الأولى مقارنة لها كما في تكبيرة التحريم؛ خروجاً من خلاف من أوجبها كنية التحرم؛ لأن السلام ذكر واجب في أحد
طرفي الصلاة كالتكبير، وأجاب من لم يوجبها بالقياس على سائر العبادات، حيث لا يجب فيها نية الخروج، لأن النية تليق بالإقدام دون الترك، ولأن السلام جزء من أجزاء الصلاة غير أولها فلم يفتقر إلى نية تخصه كسائر الأجزاء، ولهذا لا يضر الخطأ في تعيين غير ما هو فيه، كما لو دخل في ظهر وظنها في الركعة الثانية عصرا، ثم ذكر في الثالثة.. تصح صلاته.
ويسن للمأموم أن يسلم بعد تسليمتي إمام ولو قارن سلامه سلام إمامه.. جاز مع الكراهة.
[ما يستحب أن ينوي الإمام والمأموم بسلامهما]
الرابعة: ينوي الإمام ندبا بسلامه السلام على حاضريه، أي: على من التفت من ملائكة ومؤمني إنس وجن، بأن ينويه بمرة اليمين على من عن يمينه، وبمرة اليسار على من مر على يساره، وبآيتهما شاء على من خلفه وبالأولي أفضل.
وكالإمام في ذلك: المأموم والمنفرد.
وهم، أى: المأمون نووا ندبا الرد على الإمام، فينويه منهم من على يمينه بالتسليمة الثانية، ومن على يساره بالأولي، ومن خلفه بأيهما شاء، وبالأولي أفضل، ويستحب أن ينوي بعض المأمومين الرد على بعض، والأصل في ذلك: خبر علي: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معهم من المسلمين والمؤمنين) رواه الترمذي وحسنه، وخبرة سمرة: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض) رواه أبو داوود وغيره.
ويسن أن يدرج السلام، لقول أبي هريرة رضي الله عنه: (حذف السلام سنه) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، قال ابن المبارك: معناه: لا يمد مدا.
وقول المصنف: (والثان) بحذف الياء للتخفيف.
[شروط الصلاة]
ولما فرغ من سننها... ذكر شروطها فقال:
(شروطُهَا الإسلامُ والتَّمييزُ... للسَّبْعِ في الغالِبِ والتَّمييزُ)
(للفرضِ مِن نَفْلٍ لِمَن يَشتَغِلُ... والفَرضُ لا يُنوَى به التَّنَفُّلُ)
الشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة، واصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
وشروط الصلاة على ما ذكره المصنف اثنا عشر:
[الشرط الأول: الإسلام]
أولها: الإسلام في تصح لكافر، كغيرها من العبادات.
[الشرط الثاني]
ثانيهما: التمييز لسبع سنين في الغالب، فلا تصح من غير مميز كمجنون، لعدم أهليته للعبادة.
[الشرط الثالث: تمييز فرض الصلاة من نفلها]
ثالثهما: تمييز فرض الصلاة من نفلها لمن يشتغل بالفقه وهو غير العامي، فلو اعتقد أن جميع أفعالها سنة، أو بعضها فرض وبعضها سنة ولم يميز... لم تصح صلاته قطعا، وإن اعتقد أن جميع أفعالها فرض... صحت صلاته على الأصح، لأنه ليس فيه أكثر من أنه أدي سنه باعتقاد الفرض وذلك لا يؤثر.
وقوله: (والفرض لا ينوي به التنفل) أى: من العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها، بأن يعتقد أن جميع أفعالها فرض، أو بعضها فرض وبعضها سنه ولم يقصد التنفل بما هو فرض، فقد قال الغزالي في (فتاوية): العامي الذي لا يميز فرائض صلاته من سننها.. تصح صلاته بشرط ألا يقصد التنفل بما هو فرض، فإن نوى الفرض بنفل.. لم يحتسب له، فلو
غفل عن التفضيل.. فنية الجملة في الابتداء كافية، حكاه عنه النووي في (الروضة) وغيرها، قال: وهو الصحيح الذي تقتضيه ظاهر أحوال الصحابة فمن بعدهم، ولم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام ألزم الأعراب ذلك، ولا أمر بإعادة صلاة من لا يعلم ذلك.
وفي البيت الأول من أنواع البديع: الجناس التام المماثل، وهو أن يتفق اللفظان من نوع واحد في أنواع الحزوف وأعدادها وهيأتها وترتيبها، ومنه قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾ [سورة الروم: 55].
[الشرط الرابع: طهارة الثوب والبدن والمكان]
وطهر ما لم يعف عنه من خبث... ثوبا مكانا بدنا ومن حدث))
رابعها: طهر، أى طهارة ما لم يعف عنه من خبث، أى: نجس مغلظا كان أو متوسطا أو مخففا في بدن المصلي وثوبه ومكانه، لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [سورة المدثر: 4]، ولخبر (الصحيحين): (إذا أقبلت الحيضة.. فدعي الصلاة، وإذا أدبرت.. فاغسلي عنك الدم وصلي)، ولخبر: (تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) رواه الدارقطني بإسناد حسن، ثبت الأمر باجتناب الخبث وهو لا يجب في غير الصلاة فيجب فيها، والأمر بالشئ يفيد النهى عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي فسادها، على أنه قد صحح في (الروضة) و (أصلها) تحريم التضمخ بالخبث في البدن والثوب بلا حاجة في غير الصلاة أيضا، وصحح في (التحقيق) تحريمه به في البدن دون غيره، ومراده بالبدن: ما يعم ملابسه من الثوب، ليوافق ما في (الروضة) و (أصلها).
فلو تنجس ثوبه.
بما لا يعفي عنه، ولم يجد ما يغسله به.. وجب قطع موضع النجاسة إن لم تنقص قيمته أكثر من أجرته، وإن جهل مكانها في جميع البدن أو الثوب.. وجب غسل جميعه، لأن الأصل بقاء النجاسة ما بقي منه جزء بغير غسل، ومن مسه بعضه رطبا... لم يتنجس، ولو
شق الثوب نصفين... لم يجز التحري، ولو غسل نصفه أو نصف ثوب نجس بالصب عليه في غير إناء، ثم غسل الجزء الباقي مع ما جاوره.. طهر كله، ولو اقتصر عليه دون المجاور.. فالمنتصف نجس من النجس مجتنب من المتنجس، فإن غسله في إناء.. فالأصح كما في (المجموع): أنه لا يطهر حتى يغسله دفعة.
ولو وقعت النجاسة في موقع ضيق كالبساط والبيت وأشكل.. وجب غسل كله، أو واسع كالصحراء.. اجتهد ندبا إن غلب على ظنه طهارته ووجوبا إن لم يغلب على ظنه.
ولو تنجس أحد كمي القميص، أو أحدي يديه وأشكل، فغسل أحدهما بالاجتهاد وصلي.. لن تصح صلاته إلا أن يفصل أحد الكمين قبل الاجتهاد، وإن اشتبه ثوبان فغسل إحداهما بالاجتهاد.. فله الصلاة فيهما ولو جمعهما عليه، ولو تحير.. اجتنبهما، فلو لم يجد غيرهما ولا ماء.. صلى عريانا وأعاد.
وتبطل صلاة من لاقي ثوبه أو بدنه أو محمولة نجسا وإن لم يتحرك بحركته، كمن قبض على حبل متصل بميتة، أو مشدود بكلب أو بساجوره، أو بدابة حاملة نجسا، أو بسفينة فيها نجس إن انجرت بجرة، وإلا.. لم تبطل، كما لو جعل الحبل تحت رجله.
[الشرط الخامس: الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر]
خامسها: الطهارة من الحدث الأكبر والصغر، فتبطل بغير الحدث الدائم وغن سبقه بلا اختيار، كمن تنجس ثوبه، أو تخرق خفه، أو أبعد الريح ثوبه بلا تقصير، فإن نحى النجاسة أو رد الثوب فورا.. لم يضر، وإن نحاها بكمه.. بطلت.
والأصل في ذلك: خبر مسلم (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، وخبر (إذا فسا أحدكم في صلاته... فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته) رواه الترمذي وحسنه، فلو صلى بدون طهارة ناسيا... أثيب على قصده دون فعله، إلا القراءة والذكر ونحوهما مما لا يتوقف على الطهر.. فإنه يثاب على فعله، قال الشيخ عز الدين: وفي إثابة الناسي على القراءة إذا كان جنبا نظر.
[الشرط السادس: ستر العورة]
(وغير حرة عليها السترة... لعورة من ركبه لسره)
(وحرة- لا الوجه والكف- بما... لا يصف اللون ولو كدرة ما)
سادسها: ستر العورة ولو كان المصلي في خلوة وظلمة، ويجب سترها خارج الصلاة أيضا بين الناس، وكذا في خلوة وظلمة، لأن الله تعالى أحق أن يستحي منه، ولا يجب ستر عورته عن نفسه، بل نظره إليها مكروه، ويباح كشفها لغسل ونحوه خاليا.
وغيره حرة، من رجل حرا كان أو رقيقا بالغا أو صبيا، وأمة، ومبعضة، وخنثي إذا كان رقيقا.. عليها السترة وجوبا لعورة لها، وهي من ركبتها إلى سرتها.
أما الرجل.. فلخبر: (عورة المؤمن ما بين سرته غلى ركبته) رواه الحارث بن أبي أسامة بسند فيه رجل مختلف فيه، لكن له شواهد تجبره، وقيس بالرجل الأمة، بجامع أن رأس كل منهما ليس بعورة، وروي أبو داوود: (إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره.. فلا ينظر إلي ما دون السره وفوق الركبة).
ويؤخذ من كلامه: أن الركبة والسره ليستا بعورة وهو الأصح، لكن يجب ستر بعضهما، ليحصل سترهما.
وحرة عليها السترة لجميع بدنها وجوبا إلا وجهها وكفيها ظهرا وبطنا إلى الكوعين، لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [سورة النور: 30]، قال ابن عباس وغيره: وجهها وكفيها، ولخبر: (لا يقبل صلاة حائض- اى: بالغة - إلا بخمار) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ويؤخذ منه ومن قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عن كل مسجد﴾ [سورة الأعراف: 31] يعني: الثياب في الصلاة، كما قاله ابن عباس رضي الله عنه: اشتراط ستر العورة، وإنما لم يكن الوجه والكفان عورة، لأن الحاجة قد تدعو إلى إبرازهما.
أما الخنثي الحر.. فكالحرة، حتى لو اقتصر على ستر عورة الرجل.. لم تصح صلاته على
والأصح في (زوائد الروضة)، وفي (المجموع) هنا: أنه الأفقه، للشك في الستر، لكن الأصح في (التحقيق): صحتها، ونقل في (المجموع) في نواقض الوضوء عن البغوي وكثير القطع به، للشك في عورته، قال الإسنوي في (أحكام الخناثي): والفتوى عليه، فإنه الذي يقتضيه كلام الأكثرين.
ويجب الستر بما لا يصف الرائي منه بمجلس التخاطب اللون للبشرة وإن وصف الحجم ولو كان كدرة ماء، لحصول الستر بذلك، وصورته في الماء فيمن يمكنه الركوع والسجود، وفي صلاة الجنازة، فلو قدر أن يصلي في الماء ويسجد على الشط.. لم يلزمه، للمشقة، أم ما لا يمنع وصف اللون كزجاج.. فلا يكفي.
وشرط الساتر: أن يشمل المستور لبسا ونحوه كالتطيين، فلا يكفي الخيمة الضيقة ونحوها، وكذا الحب الضيق الرأس على الأشبه في (الشرح الصغير)، لكن الأصح في (الروضة) و (التحقيق) و (المجموع): خلافه كثوب واسع الذيل، والحفرة إذا لم يرد عليها ترابها كالحب، ولا تكفي الظلمة وإن منعت وصف اللون.
قال الأذرعي: وقضية تعبيرهم بما لا يصف اللون: الاكتفاء بالأصباغ التي لا جرم لها من حمرة وصفرة وغيرهما، وهو مشكل، وقضية المحاملي والمارودي: الجزم بخلافه وهو الوجه، فليحمل كلام أولئك على ما إذا كان للساتر جرم.
وخرج ب (الكدر): الصافي، فلا يكفي إلا إذا غلبت خضرته، ويكفي الستر بلحاف التحف بها امرأتان، وبإزار اتزر به رجلان، قاله القاضي والبغوي.
ولو فقد الثوب ونحوه.. لزمه التطيين، ويجب الستر من الأعلى والجوانب لا من الأسفل، فلو صلي على طرف سطح في قميص متسع الذيل يري الواقف تحته عورته منه... صحت صلاته، ولو كانت عورته بحيث تري من طوقه في ركوع أو غيره.. لم تصح، فليزره أو يشط وسطه، ولو ستر بلحيته، أو ستر خرق الثوب بكفه.. كفي.
ولو عدم السترة، أو وجدها متنجسة ولا ماء، أو حبس على نجاسة واحتاج فرش السترة عليها.. صلى عريانا وأتم الأركان ولا إعادة
ولو وجد بعض سترة.. لزمه البداءة بالسوءتين القبل والدبر، فإن وجد كافي أحدهما.. تعين القبل، والخنثي يبدأ بما شاء من قبليه، والأولي: أن يستر ذكره عند النساء، وفرجه عند الرجال.
ولو أمر بدفع سترة لأولي الناس.. قدمت المرأة، ثم الخنثي، أما مالك السترة المحتاج إليها.. فلا يؤثر بها غيره.
(وعلم أو ظن لوقت دخلا... واستقبلن لا في قتال حللا)
(أو نافلات سفر وإن قصر... وتركه عمدا كلاما للبشر)
(حرفين أو حرف بمد صوتكما... أو مفهم ولو بضحك أو بكا)
(أو ذكر أو قرءاه تجردا... للفهم أو لم ينو شيئا أبدا)
(أو خاطب العاطس بالترحم... أو رد تسليما على المسلم)
(لا بسعال أو تنحنح غلب... أو دون ذين لم يطق ذكرا وجب)
(وإن تنحنح الإمام فبدا... حرفان فالأولي دوام الاقتدا)
[الشرط السابع: العلم بدخول الوقت]
سابعها: علم المصلي بدخول الوقت أو ظنه، ليصح تحرمه بصلاة ذلك الوقت، فلو صلاها بدون ذلك... لم تصح وإن وقعت في وقتها.
[الشرط الثامن: استقبال القبلة]
ثامنها: استقبال القبلة، أى: الكعبة للقادر عليه، فلا تصح صلاته بدونه إجماعا، لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [سورة البقرة: 144] أي: جهته، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعبن أن يكون فيها، ولخبر (الصحيحين): (إذا قمت إلي الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة وكبر)، وخبرهما: أنه صلي الله عليه
وسلم صلي ركعتين قبل الكعبة وقال: (هذه القبلة)، مع خبر: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، و (قبل): بضم القاف والباء ويجوز إسكانهم، قال بعضهم: معناه مقابلها، وقال بعضهم: ما استقبلك منها، أى: وجهها، ويؤيده رواية ابن عمر: (فصلي ركعتين في وجه الكعبة).
وأما خبر الترمذي: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)... فمحمول على أهل المدينة ومن داناهم.
أما العاجز عنه كمريض لم يجد من يوجهه، ومربوط على خشبة.. فيصلي على حسب حاله ويعيد.
والمعتبر الاستقبال بالصدر لا بالوجه أيضا، لأن الالتفات به ليس مبطلا للصلاة، بل هو مكروه كما صرحوا به.
(إلا في قتال حللا) أى: أبيح في شدة الخوف، كقتال المسلمين للكفار، وأهل العدل للبغاة، والرفقة لقطاع الطريق، فلا يشترط الاستقبال فيه في الفرض ولا في النفل، للضرورة لما سيأتي في (باب صلاة الخوف).
[لا يشترط الاستقبال في نافلة السفر]
ونافلات سفر، أي: مباح، وإن قصر ولو عيدا واستسقاء... فلا يشترط الاستقبال فيها، فله أن يصليها صوب مقصده المعين راكبا وماشيا، لأنه صلى الله عليه وسلم (كان يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به) أي: في جهة مقصده رواه الشيخان، وفي رواية لهما: (غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)، وفي رواية للبخاري: (فإذا أراد أن يصلي المكتوبة.. نزل فاستقبل القبلة)، وقيس بالراكب: الماشي.
و(السفر القصير) قال الشيخ أبو حامد وغيره: مثل: أن يخرج إلى ضيعة مسيرتها ميل أو
نحوه، والقاضي والبغوي: أن يخرج إلى مكان لا تلزمه فيه الجمعة، لعدم سماعه النداء، إلا راكب نحو سفينة أو هودج، فإنه يجب عليه الاستقبال وإتمام الأركان، لتمكنه منهما، ويستثني منه ملاح السفينة الذي يسيرها فلا يشترط استقباله، ومن ركب على سرج أو نحوه.. لم يلزمه الاستقبال إلا عند إحرامه إن سهل عليه، كأن كانت دابته سهلة غير مقطورة، أو يستطيع الانحراف بنفسه، بخلاف ما إذا عسر عليه، كأن كانت عسرة أو مقطورة لا يستطيع الانحراف، فلا يلزمه الاستقبال في إحرامه أيضا، للمشقة واختلال أمر السير عليه، قال ابن الصباغ: والقياس: أنه مهما دام واقفا.. لا يصلي إلا إلي القبلة، قال في (المهمات): وهو متعين.
وفي (الكفاية): أنه لو وقف لاستراحة أو انتظار رفقة... لزمه الاستقبال ما دام واقفا، فإن سار.. أتم صلاته إلى جهة سفره إن كان سفره لأجل سير الرفقة، وإن كان مختارا له بلا ضرورة.. لم يجز أن يسير حتى تنتهي صلاته، لأنه بالوقوف لزمه فرض التوجه، وفي (المجموع) عن (الحاوي) نحوه.
انتهى.
أما الماشي... فيستقبل في إحرامه وركوعه وسجوده وجلوسه بين السجدتين، ويلزمه إتمامها، وله المشي في القيام والتشهد والاعتدال، ولو انحرف المتنفل عن مقصده إلى القبلة.. لم يضر، أو إلي غيرها عمدا ولو قهرا... بطلت صلاته، وكذا لنسيان أو خطأ أو جماح إن طال زمنه، وإلا... فلا تبطل، ولكنه يسجد للسهو.
ولو توجه إلى مقصده في غير الطريق.. لم يضر، ومن لا مقصد له معين كالهائم، أو له مقصد معين غير مباح كالآبق والناشزة... لا رخصة له.
فإن بلغ المسافر المكان الذي ينقطع به السير أو بنيان بلد الإقامة... لزمه أن ينزل عن دابته إن لم يستقر في نحو هودج، ولم يمكنه أن يتمها مستقبلا وهي واقفة، لا المار ولو بقرية له فيها أهل.
وله الركض لحاجة، فلو أجري الدابة، أو عدا الماشي بلا حاجة... بطلت، ولو أوطأها نجاسة.. لم يضر، لا إن وطئها الماشي ناسيا وهي رطبة، فلا يعفي عما يعلق به منها، أو عامدا ولو يابسة وإن لم يجد عنها مصرفا.
ويشترط في صحة صلاة الفريضة: الاستقرار والاستقبال وإتمام الأركان، فلو صلاها في هودج على دابة واقفة، أو سرير يحمله رجال وإن مشوا به، أو في الأرجوحة أو الزورق الجاري.. صحت.
[الشرط التاسع: ترك الكلام]
تاسعها: تركه، أي: المصلي عمد كلام البشر، أى: الإمساك عنه، فلو تكلم المصلي عامدا بما يصلح لخطاب البشر وإن لم يقصد خطابهم، أو تعلق بمصلحة الصلاة، كقوله للإمام: (لم تصل إلا ثلاثا).. بطلت صلاته، والأصل فيه: ما رواه مسلم عن زيد بن أرقم: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [سورة البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام)، وعن معاوية بن الحكم: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني.. سكت، فلما صلي النبي صلى الله عليه وسلم.. قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس).
ثم بين المصنف كلام البشر بقوله: (حرفين أو حرف بمد صوتكا أو مفهم) أى: حرفين أو أكثر ولو بغير إفهام، لأن ذلك من جنس كلامهم، والكلام يقع على المفهم وغيره مما هو حرفان فأكثر، وتخصيصه بالمفهم اصطلاح للنحاة، أو حرف ممدود وإن لم يفهم، نحو (آ)، والمد: ألف أو واو أو ياء، وهي حروف مخصوصة، فضمها إلي الحرف كضم حرف آخر إليه، أو حرف مفهم، نحو (ق) من الوقاية و (ع) من الوعي، لأنه كلام تام لغة وعرفا وإن أخطأ بحذف هاء السكت، بخلاف غير المفهم فاعتبر فيه أقل ما يبني عليه الكلام وهو حرفان.
ولا تبطل الصلاة بإجابة النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا في عصره مصليا على الأصح، ولا بالنذر على الأصح، لأنه مناجاة فهو من جنس الدعاء، قاله في (المجموع)، ومحله: إذا لم يكن فيه خطاب آدمي، ولا بإنذار مشرف على الهلاك إذا لم يمكن إلا به على ما في (التحقيق) واقتضاه كلام (المجموع)، لكن الأصح في (الروضة) و (أصلها) وغيرهما: البطلان مع وجوبه.