أي: قسمة يجبر عليها أحد الشريكين بطلب آخر، وهو ما ينفع به بعدها من الوجه الذي كان ينتفع به قبلها، ولا عبرة بالانتفاع به من وجه آخر؛ للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع - مع ثابت القرار الذي يندرج في بيعه؛ كأبنية وأشجار ثابتة فيه، وثمرة لها غير مؤبرة عند البيع، وأبواب منصوبة، بخلاف ما لا يندرج فيه كشجر جاف وزرع، فلا تثبت في منقول وإن بيع مع عقار؛ لأنه لا يدوم فلا يدوم ضرر الشركة فيه، ولا في أشجار بيعت مع مغارسها فقط، ولا في جدران مع أسها فقط، ولا في بناء مشترك أرضه محتكرة أو موقوفة أو مستأجرة؛ لأنه في حكم المنقول، ولا في طاحونة وحمام وبئر لا يمكن جعلها طاحونين وحمامين وبئرين؛ لما مر أن علة ثبوت الشفعة ددفع ضرر مؤنة القسمة، واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إلى الشفيع؛ كمصعد ومنور وبالوعة.
قال الرافعي: وهذا الضرر وإن كان واقعاً قبل البيع لو اقتسم الشريكان، لكن كان من حق الراغب في البيع تخليص شريكه ببيعه منه، فإذا لم يفعل.. سلطه الشرع على أخذه منه.
فلو كان بينهما دار صغيرة لأحدهما عشرها فباع حصته.. لم تثبت الشفعة للآخر؛ لأمنه من القسمة؛ إذ لا فائدة فيها فلا يجاب طالبها لتعنته، بخلاف العكس.
وأما الآخذ.. فكل شريك في رقبة العقار، سواء فيه المسلم والذمي والحر والمكاتب، حتى لو كان السيد والمكاتب شريكين.. فلكل منهما الشفعة على الآخر، فلا شفعة لمالك المنفعة فقط، ولا لجار ولو ملاصقاً، فلو كان بينهما أرض، ولأحدهما فيها أشجار أو أبنية، فباعها مع حصته من الأرض.. لم تثبت الشفعة إلا في الأرض؛ لعدم الشركة في الأشجار والأبنية.
ولو قضى بها حنفي لجار.. لم ينقض في الأصح، ولو قضى بها لشافعي.. لم يعترض، ولو باع داراً وله شريك في ممرها.. فلا شفعة له فيها على الصحيح.
وتثبت في الممر إن كان ينقسم، أو كان للمشتري طريق آخر إلى الدار، أو أمكن فتج باب إلى شارع، وإلا.. فلا على الصحيح، وإن باع نصيبه من الممر فقط.. لم تثبت فيه الشفعة.
ولو باع ذمي شقصاً لذمي بخمر أو خنزير، وترافعوا إلينا بعد الأخذ بالشفعة.. لم ترده، أو قبله.. لم تحكم بها.
ولو باع نصيبه من دار وباقيها لمسجد اشتراه قيمه، أو وهب له ليصرف في عمارته.. فللقيم
أخذه بالشفعة إن رآه مصلحة؛ كما للإمام في شركة بيت المال، ولو اشتري للمسجد شقص.. فللشريك الأخذ بالشفعة.
وأما المأخوذ منه.. فهو للمشتري ومن في معناه، وله شروط:
الأول: طروء ملكه على ملك الآخذ، فلو اشتريا داراً أو شقصاً منها معاً.. فلا شقعة لأحدهما على الآخر.
الثاني: لزومه، فلو باع بشرط الخيار لهما أو للبائع.. فلا شفعة زمن الخيار، أو للمشتري.. فللشفيع الأخذ في الحال في الأظهر.
ولو باع شريكه حصته بشرط الخيار له أو لهما، ثم باع الآخر حصته في زمن الخيار بيع بت.. لم تثبت الشفعة للمشتري الثاني على الأول وإن طرأ على ملكه ملك الأول؛ لأن سبب الشفعة البيع وهو متقدم على ملكه.
ولو وجد المشتري بالشقص عيباً وأراد رده به، وأراد الشفيع أخذه ويرضى بعيبه.. أجيب الشفيع في الأظهر، ولو رده ثم طلب الشفيع.. أجيب في الأصح وارتفع الرد.
الثالث: أن يملكه بمعاوضة؛ كبيع، وأجرة، ورأس مال سلم، ومهر، وعوض خلع ومتعة، وصلح عن دم، فلو ملكه بإرث أو هبة أو وصية.. فلا شفعة.
ولو باع الوصي أو القيم شقص الصبي وهو شريكه.. فلا شفعة له، ولو اشتراه له.. فله الشفعة، وللأب والجد الشريكين الشفعة باعا أو اشتريا.
ولو كان للوصي يتيمان فباع نصيب أحدهما.. فله أخذه بالشفعة للآخر.
ولو وكله المشتري في شراء الشقص.. فله الشفعة، أو في بيعه.. فكذا في الأصح، ولو كان المشتري شريكاً.. فالشفعة بينه وبين الشريك الآخر في الأصح، ولا يشترط في التملك بها حكم حاكم/ ولا حضور الثمن، ولا المشتري، ولا رضاه.
وأما الصيغة: فهو لفظ من الشفيع؛ كـ (تملكت) أو (أخترت الأخذ)، أو (أخذت بالشفعة)، وشبهه، لا (أنا مطالب بالشفعة) في الأصح، وتشترط رؤيته الشقص على المذهب، وليس للمشتري منعه منها، وعلمه بالثمن في التملك لا في الطلب.
وتملكه: إما بتسليم العوض إلى المشتري، فإذا امتنع المشتري من القبض.. خلي بينه وبينه، أو رفع إلى القاضي ليلزمه التسلم أو يقبض عنه.
وإما بتسليم المشتري الشقص، ورضاه يكون الثمن في الذمة، إلا أن يبيع شقصاً من دار عليها صفائح ذهب بفضة أو عكسه.. فيجب التقابض في المجلس، ويكفي رضاه بكون الثمن في الذمة دون تسليم الشقص في الأصح.
وإما بقضاء القاضي له بالشفعة إذا حضر مجلسه وأثبت حقه، واختار التملك في الأصح، وإذا ملكه الشفيع بغير الطريق الأول.. لم يكن له أن يتسلمه حتى يؤدي الثمن وإن تسلمه المشتري قبل أدائه، وإذا لم يكن الثمت حاضراً وقت التملك.. أمهل ثلاثاً، فإن لم يحضره.. فالجمهور أن الحاكم يفسخ تملكه.
ولو اتفق المتبايعان على حط أو زيادة.. فالأصح: اللحوق قبل لزوم العقد، فلو حك كل الثمن.. فلا شفعة.
[ما يدفعه الشفيع للمأخوذ منه الشقص]
الثانية: يدفع الشفيع للمأخوذ منه الشقص مثل ثمنه إن بيع بمثلي، ثم إن قدر بمعيار الشرع.. دفعه به، وإن قدر بغيره؛ كأن اشتراه بمئة رطل حنطة.. دفع مثله وزناً لا كيلاً في الأصح، فلو فقد المثل وقت الأخذ.. فالقيمة، ويبذل قيمته؛ أي: يوم البيع إن بيع بمقوم، إن بيع بمؤجل.. فالأظهر: أنه مخير بين أن يعجل ويأخذ في الحال، وأن يصبر إلى المحل ويأخذ، ولا يبطل حقه بالتأخير.
ولو مات المشتري وحل عليه الثمن.. فالشفيع على خيرته، أو مات الشفيع.. فالخيرة لوارثه، ولو باعه المشتري.. صح، وإن شاء الشفيع.. أخذ بالبيع الثاني، أو نقضه وأخذ بالأول.
وإن بيع شقص وغيره.. أخذه بحصته من الثمن ولا خيار للمشتري.
وإن جعل الشقص رأس مال سلم.. أخذه بمثل المسلم فيه أو بقيمته، أو صداقاً أو عوض خلع.. أخذه بمهر مثل المرأة، والاعتبار به يوم النكاح ويوم الخلع على الصحيح المعروف، أو متعة.. فيمتعة مثلها، أو أجرة.. فبأجرة مثل، ولو صالح من دين عليه.. فمثل الدين أو قيمته، أو من دم عليه.. فبقيمة الدية يوم الجناية.
[ثبوت الشفعة على الفور]
الثالثة: تثبت الشفعة على الفور؛ لأنه خيار ثبت بنفسه لدفع الشرر فكان على الفور؛ كالرد بالعيب، فإذا علم شفيع بالبيع.. فليبادر على العادة في طلبها، فلا يكلف العدو ونحوه، فإن
كان مريضاً لا تمكنه المطالبة، أو غائباً من بلد المشتري، أو خائفاً من عدو، أو من حبس ظلماً، أو بدين وهو معسر عاجز عن بينة الإعسار.. فليوكل إن قدر، وإلا.. فليشهد على الطلب، فإن ترك المقدور عليه منهما.. بطل حقه في الأظهر؛ لتقصيره، والحر والبرد المفرط عذر، وكذا خوف الطريق حتى توجد رفقة تعتمد، والأظهر: أنه لا يجب الإشهاد إذا سار طالباً في الحال؛ كما لو أرسل وكيلاً، وليطرد في حاضر خرج للطب.
ولو كان في صلاة أو حمام أو قضاء حاجة أو طعام.. فله الإتمام على الصحيح، ولو دخل وقت هذه الأمور.. فله تقديمها، ولا يلزمه تخفيف الصلاة.
ولو ترك الشفيع المشتري ورفع إلة القاضي.. جاز، أو أشهد على الطلب، ولم يلاراجع المشتري ولا القاضي.. لم يكف.
وإن كان المشتري غائباً.. فالقياس: أن يرفع إلى القاضي ويأخذ؛ كما في البيع.
ولو تلاقيا في غير بلد الشقص فأخر إلى بلده.. بطل حقه، ولو أخر وقال: (لم أصدق المخبر).. لم يعذر إن أخبره عدلان، وكذا ثقة في الأصح، أو من لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ويعذر إن أخبره من لا يقبل خبره؛ ككافر وفاسق وصبي.
ولو أخبر البيع ألف فترك فبنا بخمس مئة.. بقي حقه، أو بان بأكثر.. فلا.
ولو كذب في تعيين المشتري، أو في جنس الثمن أو نوعه أو حلوله، أو تأجيله إلى شهر فبان إلى شهرين، أو في قدر المبيع، أو بالبيع من رجل فبان من رجلبن، أو عكسه.. بقي حقه، أو بمقدار مؤجل فبان حالاً، أو ببيع كله بألف نصفه بألف.. بطل.
ولو لقي المشتري فسلم عليه، أو قال له: (بارك الله لك في صفقتك)، أو (بكم اشتريت).. لم يبطل حقه، بخلاف قوله: (اشتريت رخيصاً).
ولو أخر ثم اعتذر بمرض أو حبس أو غيبة.. صدق إن علم العارض، وإلا.. فالمصدق المشتري، أو أنه لم يعلم ثبوت حق الشفعة، أو كونها على الفور.. فكما في الرد بالعيب.
ولو باع الشفيع نصيبه أو وهبه ولو جاهلاً بثبوت شفعته.. بطل حقه، أو بعضه عالماً.. فكذا في الأظهر، أو جاهلاً.. فلا في الأصخ.
[ثبوت الشفعة للشركاء بقدر حصصهم]
الرابعة: تثبت الشفعة للشركاء بقدر ملك حصصهم؛ لأنها من مرافق الملك فتتقدر بقدره؛ ككسب المشتري ونتاجه وثماره.
فلو كانت دار بين ثلاثة لواحد نصفها ولآخر ثلثها ولآخر سدسها، فباع الأول حصته.. أخذ الثاني سهمين والثالث سهماً واحداً، وقيل: بعدد الرؤوس، فيقسم النصف بينهما سواء؛ لأن سبب ثبوتها اسم الشركة، وهو في الجميع سواء كأجرة الصك، واختاره السبكي، ونص الشافعي على كل من القولين، ورجح الأصحاب الأول؛ لما مر، ولأن الشفعة إنما تثبت لدفع مؤنة القسمة كما مر، لا لدفع سوء المشاركة، والمؤنة تختلف باختلاف الحصص فأخذوا بقدرها؛ لأن كلا يدفع عن مفسه ما يلزمه بالقسمة، قال في "المهمات": وهذا خلاف مذهب الشافعي، فإنه لما حكى القولين في "الأم" قال: والقول الثاني: أنهما في الشفعة سواء، وبهذا القول أقول.
قال البندنيجي في الكلام على أقوال التقاص: والأصحاب كثيراً ما يخالفون الشافعي لا عن قصد، ولكن لقلة اطلاعهم علة نصوصه، قال في "المطلب": وما قاله الأصحاب هنا عجب.
وقول الناظم: (بذل) بسكون الدال المعجمة مصدر بذل بمعنى: أعطى، وقوله: (أن بيع) بدرج الهمزة للوزن.
باب القراض
مشتق من القرض وهو القطع، سمي بذلك؛ لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها، وقطعة من الربح، ويسمى أيضاً: مضاربة؛ لأن كل منهما يضرب له بسهم من الريخ، ومقارضة؛ وهي المساواة؛ لتساويهما في الربح، وهو: أن يدفع لغيره مالاً؛ ليتجر فيه والريح مشترك بينهما.
والأص ل فيه: الإجماع، والخاجة، واحتج له القاضي أبو الطيب بقوله تعالى: ﴿وءاخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: 20]، والماوردي بقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: 198]، وبأنه صلى الله عليه وسلم ضارب لخديجة بمالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدها ميسرة.
وله خمسة أركان: عاقد، وصيغة، ورأس مال، وعمل، وربح.
وقد أشار الناظم إلى ذلك فقال:
(صح بإذن مالك للعامل... في متجر، عين نفد الحاصل)
(وأطلق التصريف أو فيما يعم... وجوده، لا كثرا بنت وأم)
(غير مقدر لمدة العمل... كسنة، وإن يعلقه بطل)
(معلوم جزء ريحيه بينهما... ويجبر الخشر بربح قد نما)
(ويملك العامل ربح حصته... بالفسخ والنضوض مثل قسمته)
[شروط عقائد القراض]
أما العقائد - وهو المالك والعامل - فيشترط في المالك: أهلية التوكيل، وفي العامل: أهلية التوكل.
ويجوز لولي الطفل والمجنون والمحجور عليه بسفه أن يقارض بمالهم، سواء في الأب
والجد والوصي والحاكم وأمينه، ويصح القراض في مرض الموت، وللعامل الربح المشروط وإن زاد على أجرة المثل غير معتبر من الثلث.
ويجوز أن يقارض الواحد اثنين متساوياً أو متفاضلاً إذا بين ما لكل وإن لم يثبت لكل منهما الاستقلال، وأن يقارض الاثنان واحداً، والربح بعد نصيب العامل بينهما على قدر ماليهما، ولو قالا: (لك من نصيب أحدنا الثلث ومن الآخر الربع): فإن أبهما.. لم يجز، وإن عينا وهو يعلم ما لكل.. جاز، وإذا فسد القراض.. نفذ تصرف العامل والربح للمالك، وعليه أجرة المثل للعامل وإن لم يكن ربح، إلا إن قال: (قارضتك وجميع الربح لي).. فلا أجرة له في الأصح.
[صيغة القراض]
وأما الصيغة - وهي المراد بقول الناظم: (بإذن مالك) - فنحو قول المالك: (فارضتك)، أو (ضاربتك)، أو (عاملتك على أن الربح بيننا نصفين)، وقبول العامل متصلاً الاتصال المعتبر في سائر العقود، ولو قال: (قارضتك على أن نصف الربح لي).. لم يصح في الأصح، أو (نصفه لك وسدسه لي).. صح على الصحيح، وكان بينهما نصفين.
[ما يشترط في رأس المال]
وأما الصيغة - وهي المراد بقول الناظم: (بإذن مالك) - فنحو قول المالك: (فارضتك)، أو (ضاربتك)، أو (عاملتك على أن الربح بيننا نصفين)، وقبول العامل متصلاً الاتصال المعتبر في سائر العقزد، ولو قال: (فارضتك على أن نصف الربح لي).. لم يصح في الأصح، أو (نصفه لك وسدسه لي).. صح على الصحيح، وكان بينهما نصفين.
[ما يشترط في رأس المال]
وأما رأس المال الحاصل.. فشرطه: أن يكون نقداً، وهو الدراهم والدنانير المضروبة؛ فلا يجوز على المغشوش منها على الصحيح، ولا على الفلوس على المذهب كسائر العروض؛ لأن في القراض غراراً؛ لأن العمل فيه غير مضبوط، والربح غير موثوق به، وإنما جوز للحاجة، فاختص بما يروج بكل حال وتسهل التجارة به.
وأن يكون معلوماً، فلا يصح على المجهول القدر؛ للجهل بالربح، ويفارق رأس مال السلم؛ بأن القراض عقد ليفسخ، ويميز بين رأس المال والربح بخلاف السلم.
وأن يكون معيناً؛ فلا يصح على أحد هذين الألفين، ولا على دين، ولو في ذمة العامل؛ لأن الدين إنما يتعين بالقبض، بل لو قال لغريمه: (اعزل قدر حقي من مالك)، فعزله ثم قال: (قارضتك عليه).. لم يصح؛ لأنه لم يمكله.
ولو قارضه على دراهم عند غيرع وديعة أو مغصوبة أو غيرهما.. صح؛ لتعينعا في يده، بخلاف ما في الذمة.
ولو قارضه على دراهم غير معينة ثم عينها في المجلس.. جاز؛ كالصرف ورأس مال السلم، كما رجحه في "الشرح الصغير"، وهو ظاهر كلام "الروضة" و"أصلها"، وجزم به صاحب "الأنوار" وابن المقري، ومثله يأتي في مجهول القدر به أولى.
فقول الناظم: كغيره: (عين) أي: (ولو في المجلس، وقضيته: أنه لو قارضه على أحد هذين الألفين مثلاً، قم عينه في المجلس.. صح وبه صرح ابن المقري.
ولو كان بين اثنين دراهم مشتركة، فقال أحدهما للآخر: (قارضتك على نصيبي منها).. صح؛ لأن الإشاعة لا تمنع صحة التصرف، وكذا لو خلط ألفين بألف لغيره وقال له: (قارضتك على أحدهما وشاركتك في الأخرى) فقبل، ثم ينفرد العامل بالتصرف في ألف القراض، ويتصرفان في باقي المال.
ويشترط فيه: أن يكون مسلماً للعامل ومستقلاً للتصرف فيه؛ فلا يجوز شرط كونه في يد المالك أو مشرفه ليوفي منه ثمن ما اشتراه العامل؛ لأنه قد لا يجده العامل عند الحاجة فيفوت التصرف الرابح.
[ما يشترط في العمل]
وأما العمل.. فشرطه: أن يكون تجارة؛ بأن يأذن له فيها، أو في البيع والشراء، فلو قارضه ليشتري حنطة فيطحنها ويخبزها، أو غزلاً ينسجه، أو ثوباً يقصره أو يصبغه، أو نخلاً أو دواب أو مستغلات، ويسك رقابها لثمارها ونتاجها وغلاتها والفوائد بينهما، أو شبكة ويصطاد بها والصيد بينهما.. ففاسد، والصيد للصياد، وعليه أجرة الشبكة.
ولو اشترى العامل حنطلة وطحنها بلا شرط.. فالأصح: أنه لا ينفسخ القراض، لكن إن استقل العامل بالطحن.. ضمنه، فإن نقص.. لزمه الغرم، فإن باعه.. لم يضمن ثمنه، ولا يستحق بهذه الصناعات أجرة، ولو استأجر عليها.. فالأجرة عليه، والربح بينه وبين المالك.
ويشترط ألا يكون العمل مضيقاً عليه بالتعيين والتوقيت، وإليه أشار بقوله: (وأطلق التصريف أو فيما يعم وجوده) بأن يأذن له في التجارة مطلقاً عن قيد التعيين، أو يعين في شيء
يعم وجوده، فإن عين نوعاً يندر؛ كياقوت أحمر، وخيل بلق، وأمة وبنتها أو أختها.. فسد؛ لأنه تصييق يخل بمقصود العقد، وكذا لو أقته أو أقت البيع؛ كـ (قارضتك على ألا تتصرف، أو لا تبيع بعد عام) لإخلال ذلك بمقصود القراض، فقد لا يجد راغباً في العام ونحوه، ولمخالفته مقتضاه، فقد يحتاج العامل إلى تنضيض ما بيده آخراً؛ ليتميز رأس المال، وإلى هذا أشار الناظم بقوله: (غير مقدر لمدة العمل كسنة)، بخلاف ما لو أقت الشراء فقط؛ لحصول الاسترباح بالبيع الذي له فعله بعد المدة، ولتمكن المالك من منعه من الشراء متى شاء، وصورته: (قارضتك على ألا تشتري بعد عام) مثلاً، ولا يحتاج إلى زيادة (ولك البيع) كما هو ظاهر كلام "التنبيه" و"المنهاج" كـ"أصله"، واختاره في "المطلب"، وذكرها في "شرحي الرافعي" و"الروضة" و"الكفاية" للتمثيل لا للتقييد.
ويمتنع تعليقه كما نبه عليه بقوله: (وإن يعلقه بطل) للتعليق؛ لأن التأقيت أسهل منه، بدليل احتماله في الإجازة والمساقاة، ويمتنع أيضاً تعليق التصرف بخلاف الوكالة؛ لمنافاته غرض الربح.
ولو شرط عمل المالك، أو مشرفه مع العامل.. فسد؛ لعد استقلال العامل حينئذ بالتصرف، واستقلاله به شرط كاستقلاله باليد، ويجوز شرط عمل مملوك المالك معه؛ لأنه مال فجعل عمله تبعاً للمال.
نعم؛ إن ضم إلى ذلك ألا يتصرف العامل دونه، أو يكون المال أو بعضه بيده.. لم يصح.
ويشترط أن يكون معلوماً بالرؤية أو بالوصف.
[شروط الربح]
وأما الربح.. فيشترط: كونه معلوماً لهما بالجزئية؛ كالنصف أو الثالث أو الربع، فلو قال: (على أن لك فيه شركة) أو (نصيباً).. لم يصح، وإن قال: (مثل ما شرط فلان لفعلان): فإن كانا عالمين به.. صح، وإلا.. فلا.
وخرج بجزئيته: العلم بقدره، فلو شرط أن لأحدهما درهماً والباقي للآخر، أو بينهما.. لم يصح؛ فقد لا يربح إلا الدرهم فيفوز به أحدهما، وكذا لو شرط لأحدهما نصف الربح إلا درهماً، أو أنه يختص بربح صنف، أو بربح أحد الألفين مختلطين، أو متميزين.
ولو قال: (على أن ثلثه وثلثي باقيه لك).. صح وإن لم يعلما عند العقد قدره وهو سبعة أتساعه؛ لسهولة معرفته، كما في "الروضة" و"أصلها".
ويشترط اختصاصه بالمتعاقدين وشتراكهما فيه، فلو شرطاء لأحدهما أو لثالث.. بطل، وكذا إن شرطا شيئاً منه لثالث، إلا أن يكون مملوك أحدهما؛ لرجوع ما شرطه لمملوكه إليه، ولو قال: (نصف نصيبي لزوجتي مثلاً).. صح، وهو وعد هبة.
[تصرف العامل بالمصلحة]
ويتصرف العامل بالمصلحة لا بغبن ونسيئة بلا إذن؛ فإن باع نسيئة بإذن.. وجب الإشهاد، فن تركه.. ضمن، وله البيع بعرض، وشراء معيب فيه ربح، وله الرد بعيب للمصلحة، ولا يمنعه رضا المالك، وإن اقتصت الإمساك.. فلا في الأصح.
وحيث ثبت الرد للعامل، فللمالك أولى، وإن اختلفا.. عمل بالمصلحة، وعلى العامل فعل ما يعتاد؛ كنشر الثوب وذرعه وطيه، وإدراجه في السفط وإخراجه، ووزن الخففيف؛ كذهب ومسك وعود، وقبض الثمن وحمله، وحفظ المتاع على باب الحاتوت، وفي السفر بالنوم عليه ونحوه، لا وزن الأمتعة الثقيلة وحملها، ولا نقل المتا من حانوت إلى حانوت، والنداء عليه.
ثم لو استأجر على ما هو عليه.. فالأجرة في ماله، وإلا.. ففي مال القراض، فإن باشره.. فلا أجرة له، ولا يتصدق من مال القراض، ولا ينفق منه على نفسه ولو في السفر.
[جبر الخسران بالربح الحاصل]
قوله: (ويجبر الخسر بربح قد نما) أي: ويجبر النقص الحاصل بالرخص، أو بالمرض والتعيب الحادثين، أو بتلف بعضه بآفة أو غصب أو سرقة، وتعذر أخذ بدله بعد تصرف العامل بيعاً وشراء في الأصح، أو شراء فقط على المذهب.. بربح في المال قد نما؛ أي: زاد ما أمكن؛ لأنه وقاية لرأس المال، ولاقتضاء العرف ذلك، فإن تلف قبل تصرفه.. فمن رأس المال في الأصح؛ لأن العقد لم يتأكد بالعمل، فإن تلف كله بآفة أو أتلفه المالك.. ارتفع القراض، أو أتلفه أو بعضه أجنبي.. أخذ بدله واستمر فيه.
وثمار الشجر والنتاج، وكسب الرقيق، والولد، والمهر وبدل المنافع يفوز بها المالك عند الجمهور.
باب يملك العامل ربع حصته
قوله: (ويملك العامل ربح حصته بالفسخ) أي: لعقد القراض، والنضوض مثل قسمته؛ أي: كما بملكه بقسمة مال القراض بعد فسخ عقده، فلا يملكه بظهوره وإن ثبت له به حق يورث عنه، ويتقدم به على الغرماء، وإلا.. لصار شريكاً فيشيع النقص الحادث بعده في جميع المال أصلاً وربحاً، فلما انحصر في الربح.. دل على عدم الملك، ولأن القراض عقد جائز، ولا ضبط للعمل فيه، فلا يملك العوض إلا بتمام العمل؛ كالجعالة، ولا يمكله بالنضوض ولا بالقسمة قبل الفسخ؛ لبقاء العقد، حتى لو حصل بعد ذلك نقص.. جبر بالربح، ولكل فسخه متى شاء ومن غير حضور صاحبه ورضاه.
ولو مات أحدهما أو جن أو غمي عليه أو حجر عليه بسفه.. انفسخ، ومتى فسخ.. فليس للعامل الشراء.
ثم إن كان المال ديناً.. فعليه الاستيقاء، أو نقداً من جنس رأس المال.. أخذه المالك واقتسما الربح إن كان، أو مكسراً ورأس المال صحاحاً: فإن وجد من يبدلها بوزنها صحاحاً، وإلا.. باعها بنقد غير الجنس، وكذا يعرض في الأصح، واشترى به الصحاح.
وإن كان نقداً من غير الجنس، أو عرضاً وهناك ربح.. لزم العامل بيعه إن طلبه المالك، وله بيعه وإن أباه المالك، وليس له تأخيره إلى موسم، ولو ترك العامل حقه ليكفى البيع.. لم تلزمه إجابته في الأصح، وحيث لزمه البيع إنما يلزمه تنضيض رأس المال، وأما الزائد.. فكعرض مشترك؛ فلا يكلف الشريك البيع، وإنما يبيع بنقد البلد.
فإن كان من غير جنس رأس المال.. فعل المصلحة؛ فإن باع بنقد البلد.. حصل به رأس المال، فإن لم يكن في المال ربح.. فللمالك تكليفه البيع في الأصح، فإن رضي المالك بإمساكه.. فللعامل البيع على الصحيح إذا توقع ربحاً، ولو أخذ المالك العرض باتفاقهما، ثم ظهر ربح بارتفاق السوق.. فلا شيء للعامل فيه في الأصح.
ويصدق العامل في دعوى التلف، فإن ذكر سبباً.. فكما في الوديعة، وفي دعوى الرد في الأصح، وفي أن الشراء له لا للقراض، وكذا العكس على المشهور، وفي قوله: (لم تنتهي عن شراء كذا)، أو (كنس رأس المال كذا)، أو (لا ربح)، أو (لم أربح إلا كذا)، ولو قال: (ربحت كذا)، ثم قال: (غلطت، إنما هو كذا)، أو (تبينت أن لا ربح)، أو (كذبت خوف انتزاع المال).. لم يقبل، أو (خسرت بعده).. قبل عند الاحتمال.
ولو ادعى الخسران واحتمل، أو التلف بعد اعترافه بالكذب.. قبل وهو على أمانته، ولو اختلفا في المشروط له.. تحالفا، ثم يفسخ العقد كما في البيع، ويختص الربح والخسران بالمالك، وللعامل أجرة مثل عمله، أو في قدر رأس المال، ولا ربح.. صدق العامل، وكذا إن كان في الأصح.
باب المساقاة
وهي مأخوذة من السفي المحتاج إليه فيها غالباً؛ لأنه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنة، وحقيقتها: أن يعامل غيره على نخل أو شجر عنب لتيعهده بالشقي والتربية على أن الثمرة لهما.
والأصل فيها قبل الإجماع: خبر "الصحيحين": (أنه صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر)، وفي رواية: (دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) والمعنى فيها: أن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها أو لا يتفرغ له، ومن يحسن ويتفرغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج ذاك إلى الاستعمال وهذا إلى العمل، ولو اكترى المالك.. لزمته الأجرة في الحال، وقد لا يحصل شيء من الثمار ويتهاون العامل، فدعت الحاجة إلى تجويزها.
وأركانها خمسة: عاقد، وصيغة، وشجر، وثمر، وعمل.
وقد أشار الناظم إليها بقوله:
(صحت على أشجار نخل أو عنب... إن أقتت بمدة فيها غلب)
(تحصيل ريعه بجزء علما... من ثمر لعامل، وإنما)
(عليه أعمال تزيد في الثمر... ومالك يحفظ أصلا كالشجر)
(إجارة الأرض ببعض ما ظهر... من رعها عنه نهى خبر البشر)
[عاقدة المساقاة]
أما العاقد - وهو المالك والعامل - فشرطه: كما مر في القراض، فتصح لصبي ومجنون، ومحجور عليه بالسفه بالولاية.
[صيغة المساقاة]
وأما الصيغة.. فنحو قول المالك: (ساقيتك على هذا النخل أو العنب بكذا)، أو (سلمته إليك لتتعهده بكذا)، أو (تعهده بكذا)، أو (اعمل عليه بكذا)، وهذه الثلاثة تحتمل أم تكون كناية وأن تكون صريحة، قاله في "الروضة" كـ"أصلها"، وقول العامل: (قبلت).
[شروط شجر المساقاة]
وأما الشجر.. فقد بينه بقوله: (صحت) أي: المساقاة على أشجار نخل أو عنب، أما النخل.. فللخبر السابق، وأما العنب.. فلأنه في معناه بجامع وجوب الزكاة، وتأتي الخرص في ثمرتيهما؛ فجوزت المساقاة فيهما سعياً في تثميرهما، ورفقاً بالمالك والعامل والمساكين.
دون غيرهما من البقول والزروع، والأشجار المثمرة وغيرها كالخلاف؛ لعدم وجوب الزكاة مع عدم تأتي الخرص في ثمرها، ومحل المنع: أي تفرد بالمساقاة، فإن ساقى عليها تبعاً لنخل أو عنب.. فالأصح في "الروضة" و"أصلها": الصحة كالمزارعة، ويؤخذ من التشبيه: أنه يعتبر في ذلك عسر إفرادها بالسقي كالمزارعة، وكلام الماوردي يفهمه.
وقضية كلامهم: عدم صحتها في شجر العقل، وهو ما صححه في "الروضة"، وقال في "المهمات": الفتوى على الجواز؛ فقد نص عليه كما نقله القاضي أبو الطيب.
ويشترط كون الأشجار:
مغروسة، فلا يصح أن يساقيه على ودي ليغرسه ويكو نالثمر بينهما؛ كما لو سلمه البذر ليزرعه، ولأن الغرس ليس من عمل المساقاة، فضمه إليها كضم غير التجارة إلى عمل القراض، فلو وقع ذلك وعمل العامل.. فله على المالك أجرة عمله إن توقعت الثمرة في المدة وإلا.. فلا في الأصح.
مرتبة للعاقدين على المذهب، فلا تصح على غير المرئي لهما؛ لأنها عقد غرر من حيث إن
العوض معدوم في الحال، وهما جاهلان بقدر ما يحصل وبصفاته، فلا يحتمل ضم غرر آخر.
معينة، فلو ساقاه على أحد الحائطين.. لم تصح؛ للجهل بالمعقود عليه، وإنما لم يكتفى بالرؤية والتعيين في مجلس العقد كالقراض؛ لأن هذا عقد لازم فاحتيط له بخلاف القراض.
قوله: (إن أقتت) أي: صحت المساقاة على ما ذكر إن أقتت بمدة معلومة؛ لأنها عقد لازم كالإجارة، ولأن لحصول الثمار غاية تنتظر يسهل ضبطها، بخلاف الربح في القراض، فلا تصح إن أقتت بمدة مجهولة؛ كإدراك الثمار.
(تحصيل ريعه) أي: يحصل ثمره فيها غالباً، فلو أقتت بمدة لا يحصل ريعه فيها غالباً.. لم تصح؛ لخلوها عن العوض.
ولو ساقاه على ودي مغروس: فإن قدر بمدة يثمر فيها غالباً.. صحت، فإن لم يثمر فيها.. لم يستحق شيئاً؛ كما لو قارضه فلم يربح، أو ساقاه على مثمر فلم يثمر، أو لا يثمر فيها غالباً.. لم تصح، ولا أجرة له في الأصح، وإن احتمل الأمران.. لم تصح في الأصح، وله أجرة مثل عمله.
[شروط ثمر المساقاة]
وأما الثمر.. فيشترط: تخصيصه بهما واشتراكهما فيه، والعلم بالنصيبيين بالجزئية كالقراض، وقد أشار إليه الناظم بقوله: (بجزء علما من ثمر لعامل)، فلو شرط بعض الثمر لغيرهما، أو كله لأحدهما، أو جزء منه للعامل، أو المالك غير معلوم.. فسدت.
ولو قال: (على أن الثمر بيننا)، أو (أن نصفه لي)، أو (نصفه لك) وسكت عن الباقي.. صحت في الأولى مناصفة، والثالثة دون الثانية على الأصح في الثلاث، أو على أن ثمرة هذه النخلة، أو النخلات لي، أو لك والباقي بيننا.. فسدت.
والأظهر: صحتها بعد ظهور الثمر قبل بدو صلاحه؛ إذ العقد بعد ظهور الثمر أيعد عن الغرر بالوثوق بالثمر الذي منه العوض، فهو أولى بالجواز، أما بعد بدو الصلاح.. فلا تصح؛ لفوات معظم الأعمال.
[شروط عمل المساقاة] وأما العمل.. فيشترط فيه: ألا يشرط على العامل ما ليس جنس أعمالها، وأن ينفرج بالعمل واليد في الحديقة.
ولو شرط المالك دخوله عليه وسلم له المفتاح.. جاز على الصحيح، أو أن بعمل معه غلامه ويكون تحت تدبير العامل.. جاز بشرط رؤية الغلام أو وصفه، فإن شرطا نفقته على العامل.. جاز؛ لأن العمل عليه؛ فلا يبعد أن يلتزم مؤنة من يعمل معه، وهل يجب تقديرها أو تحمل على الوسط المعتاد؛ لأنه يتسامح بمثله في المعاملات؟ وجهان، وبالثاني قطع الشيخ أبو حامد، ولو شرطاها في الثمرة.. قال البغوي: لا يجوز؛ لأن ما يبقى يكون مجهولاً، وجوزه صاحب "الإفصاح" لأنه قد يكون من صلاح المال.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": ويشبه أن يقال: إن شرطاها بوجه معلوم؛ كأن شرطا لكل منهما الثالث، ولنفقة المملوك الثلث.
جاز، وكان المشروط للمالك الثلثان، وإن شرطاها بغير تقدير جزء.. فلا، وإن لم يتعرضا لها.. فهي على المالك، وليس للعامل استعمال الغلام في عمل نفسه.
[ما يلزم العامل من الأعمال]
ثم بين الناظم ما على العامل بقوله: (وإنما عليه أعمال تزيد في الثمر) فعليه كل عمل تحتاج إليه الثمار لزيادتها أو صلاحها، ويتكرر كل سنة، وإنما اعتبرنا التكرار؛ لأن ما لا يتكرر.. يبقى أثره بعد فراغ المساقاة، وتكليف العامل مثل هذا إجحاف به، فمما يجب عليه: السقي وما يتبعه؛ من إصلاح طرق الماء والأجاجبين التي يقف فيها الماء، وتنقية الآبار والأنهار من الحجارة ونحوها، وإدارة الدولاب، وفتح رأس الساقية، وسدها عند السقي على ما يقتضيه الحال، والتلقيح، ثم الطلع الذي يلقح به على الممالك؛ لأنه عين ماله، وإنما يكلف العامل العمل، ومنه تنحية الحشيش المضر، والقضبان المضرة، ومنه تصريف الجريد؛ وهو سعف النخل، وحاصل ما قالوه في تفسيره شيئان:
أحدهما: قطع ما يضر به تركه يابساً وغير يابس.
والثاني: ردها عن وجوه العناقيد بينها؛ لتقيها الشمس، [وليتيسر] قطعها عند الإدراك، ومنه تعريش شجر العنب حيث جرت العادة به، ووضع حشيش فوق العناقيد عند الحاجة، وكذا حفظ الثمر حتى عن طير وزنبور اعتيد في الأصح، وجذاذه،
وتجفيف اعتيد أو شرطاه، وتهيئة جرين، ونقل الثمر إليه، وتقليبه في الشمس، وتقليب الأرض بالمساحي، وحرثها في الزراعة.
[ما يلزم المالك فعله]
ثم بين الناظم ما على المالك بقوله: (ومالك يحفظ أصلاُ كالشجر) فعليه ما قصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة؛ كحفر بئر أو نهر، وبناء حيطان ونصب أبواب ودولاب ونحوها، وخراج وقوصرة لطير، وطلع تلقيح، وكل عين تتلف في العمل، وآلو يوقى بها العمل؛ كفأس ومعول، ومنجل ومسحاة، وثيران وفدان في المزارعة وثور دولابها.
والأصح: اتباع العرف في وضع الشرك على رأس الجدار، وردم ثلمة يسيرة فيه.
ولو شرط بشيء مما على العامل على المالك أو عكسه.. فسدت.
ولو عمل العامل ما على المالك بلا إذن.. فلا شيء له، وإلا.. فله الأجرة.
والمساقاة لازمة، ويملك العامل حصنه بالظهور.
[هروب العامل قبل فراغ العمل]
ولو هرب العامل قبل فراغ العمل، وأتمه المالك متبرعاً.. بقي استحقاق العامل، وإلا.. رفع إلى الحاكم، وأثبت عنده المساقاة وهريه ليطلبه، فإن وجده.. أجبره عليه، وإلا.. استأجر عليه من يتمه من ماله، فإن لم يكن له مال.. باع نصيبه، أو بعضه من الثمرة إن بدأ صلاحها، وإلا.. اقترض عليه ولو من بيت المال، ثم يقضيه العامل إذا رجع، أو يقضى من نصيبه من الثمرة بعد الإدراك.
ولو وجد أجيراً بمؤجل.. استغنى به، ولو عمل المالك بنفسه، أو أتفق بإذن الحاكم ليرجع: فإن عجز عن الحاكم.. رجع إن أشهد على العمل أو الاستئجار، وأنه فعله ليرجع، ولا فرق في ذلك بين المساقاة على العين أو الذمة، إلا أن له الفسخ في الأولى عند الهرب دون الثانية، والعجز بمرض ونحوه كالهرب.
[بطلان المخابرة والمزارعة]
ثم بين أن المخابرة والمزارعة باطلتان بقوله: (إجازة الأرض ببعض ما ظهر من ريعها عنه نهى خير البشر) ففي "الصحيحين" عن جابر: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة)، وفي "صحيح مسلم" عن ثابت بن الضحاك: (أنه صلى الله عليه وسلم نهى
عن المزارعة) فالمخابرة: إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل، والمزراعة: إجارة الأرض ببعض ما يخرج من ريعها والبذر من المالك، فلو كان بين الشجر أرض خالية من الزرع وغيره.. صحت المزارعة عليا مع المساقاة على الشجر تبعاً له؛ لعسر الإفراد، وعلى هذا حملت معاملة أهل خيبر السابقة بشرط أن يكون عامل المزارعة في عقد، وتقديم المساقاة.
والأصح: أن كير البياض كقليله، وأنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط وم نالزرع والثمر، وأنه لا يجوز أن يخابر تبعاً للمساقاة؛ لعدم ورود ذلك، والفرق بينها وبين المزارعة: أن المزارعة أشبه بالمساقاة وورد الخبر يصحتها.
ومتى أفرد عقد مخابرة أو مزارعة: فإن كان البذر للمالك.. فالغلة له، وعليه التعامل أجره عمله وآلاته ودوابه، أو للعامل.. فالغلة له، وعليه لمالك الأرض أجرة مثلها، أو لهما.. فالغلة لهما، وعلى كل أجرة في صحته.
والحيلة في تصحيحهما والبذر لهما: أن يعبر نصف أرضه للعامل، ويتبرع هو بمنفعته وآلاته في حصة الآخر، أو يؤجره نصف الأرض بنصف منفعته وآلته وهو أحوط.
وإن كان البذر للعامل.. اكترى منه نصف الأرض بنصف البذر ونصف منفعته وآلته، أو بنصف البذر وتبرع بمنفعته وآلته، أو بصف منفعته وآلته ويقرضه نصف البذر.
والألف في قول الناظم: (علما) للإطلاق.
باب الإجازة
بكسر الهمزة، وحكي فتحها وضمها، وهي لغة: اسم للأجرة، وشرعاً: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم، فالمعقود عليه المنفعة؛ لأنها التي تستحق بالعقد، ويتصرف فيها المستأجر، وقيل: العين؛ ليستوفي منها المنفعة؛ لإضافة اللفظ إليها غالباً، ولأن المنفعة معدومة، ومورد العقد يجب أن يكون موجوداً.
والأصل فيها قبل الإجماع: خبر البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم والصديق استأجر رجلاً من بني الديل)، وخبر مسلم: (أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة)، والحاجة داعية إليها.
ولها أربعة أركان: عاقد، وصيغة، وأجرة، ومنفعة.
وقد أشار إليها بقوله:
(شرطهما: كبائع ومشتري... بصيغة من مؤجر ومكتري)
(صحتها: إما بأجرة ترى... أو علمت في ذمة الذي أكترا)
(في نحض نفع مع عين بقيت... مقدورة التسليم، شرعاً قومت)
(إن قدرت بمدة أو عمل... قد علما، وجمع ذين أبطل)
(تجوز بالحلول والتأجيل... ومطلق الأجر: على التعجيل)
(تبطل إذ تتلف عين مؤجره... لا عاقد لكن بغصي خبره)
(والشرط في إجارة في الذمم... تسليمها في مجالس السلم)
(ويضمن الأجير بالعدوان... وبده فيها بد ائتمان)
(والأرض إن أجرتها بمطعم... أو غيره صحت ولو في ألذمم)
(لا شرط جزء علما من ربعه... لزارع ولا بقدر شبعه)
[عاقد الإجارة وشروطه]
أما العاقد - وهو المؤجر والمستأجر - فشرطهما كشرط البائع والمشتري؛ من الرشد وعدم الإكراه بغير حق؛ كما مر في البيع، وأعاد الناظم ضمير التثنية عليهما؛ لفهمهما من لفظ الإجارة.
[صيغة الإجارة]
وأما الصيغة.. فإيجاب من المؤجر؛ كـ (أجرتك هذا سنة بكذا)، أو (أكريتكه سنة بكذا)، أو (ملكتك)، أو (أعطيتك منفعته سنة بكذا)، أو (أجرتك منفعته سنة بكذا) لأن المنفعة مملوكة بالإجازة؛ فذكرها فيها تأكيد كما في: (بعتك رقبة هذا أو عينه)، ولا تنعقد بلفظ البيع في الأصح، ولأنه وضع لتمليك العين فلا يستعمل في المنفعة؛ كما لا يستعمل لفظ الإجارة في البيع، وتنعقد بالكناية مع النية؛ كـ (أسكن الدار شهراً أو سنة بكذا).
وقبول من المكتري متصل بالإيجاب؛ كسائر عقود المعاوضات؛ كـ (استأجرته)، أو (اكترتيته)، أو (استأجرت منفعته)، لا (اشتريتها).
وهي قسمان: واردة عن العين؛ كإجارة عقار، أو دابة أو شخص معينين، وعلى الذمة؛ كاستئجار دابة موصوفة، أو بأن يلزم ذمته خياطة أو بناء، ولو قال: (استأجرتك لكذا)، أو (لتفعل كذا).. فإجارة عين في الأصح؛ كما لو قال: (استأجرت عينك)، أو (نفسك) أو (لتفعل بنفسك).
[الأجرة وشروطها]
وأما الأجرة.. فقد أشار إليها بقوله: (ًحتها) أي: الإجارة؛ إما بأجرة ترى بأن يراها المتعاقدان إن كانت معينة، ولا يضر بالجهل بقدرها؛ كثمن المبيع، أو علمت للمتعاقدين جسناً وقدراً وصفة إن كانت في ذمة الذي اكترى كالثمن، فلو قال: (أجرتك هذا بنفقته) أو (كسوته).. لم تصح.
وأما جواز الحج بالرزق.. فليس بإجازة؛ كما اقتضاه قول "الشرح الصغير" و"الروضة": يجوز الحج بالرزق كما يجوز بالإجارة، بل هو نوع من التراضي والمعونة؛
كما أشار إليه البيهقي، واختاره السبكي، وأما إيجار عمر أرض السواد بأجرة مجهولة.. فلما فيه من المصلحة العامة المؤبدة.
ولو أجر داراً بعمارتها، أو دابة بعلفها، أو أرضاً بخراجها ومؤنتها، أو بدراهم معلومة على أن يعمرها من عنده، أو على أن يصرفها في العمارة.. لم تصح؛ للجهالة، ولأن العمل في الصرف مجهول، ويرجع بها إن صرفها، فلو أطلق العقد ثم أذن له في الصرف.. جاز كما جزم به الشيخان، قال ابن الرفعة: ولم يخرجوه على اتحاد القابض والمقبض؛ لوقوعه ضمناً، فإن اختلفا في قدر ما أنفق.. ففي المصدق منهما وجهان، أشبههما في "الأنوار": المتفق إن ادعى محتملاً، ولا يجوز جعل الأجرة شيئاً يحصل بعمل الأجير، فلو استأجره ليسلخ بالجلد، أو يطحن ببعض الدقيق أو بالنخالة، أو لترضع رقيقاً ببعضه بعد الفطام، أو ليقطف الثمر بجزء منه بعد القطاف، أو لينسج الثوب بنصفه.. فسد، وله أجرة مثله.
[شروط المنفعة]
وأما المنفعة.. فلها شروط:
الأول: أن تكون محضة مع بقاء العين؛ بألا تتضمن الإجارة استيفاء عين قصداً، ولا استهلاكها؛ إذ هي عقد يراد به المنافع دون الأعيان، فلو استأجر بستاناً لثماره، أو شاة لنتاج أو صوف أو لبن، أو شمعاً للإيقاد له، أو طعاماً للأكل.. لم تصح؛ لما علم من أن الأعيان لا تملك بالإجارة، وقد تستحق بها الأعيان؛ تبعاً للضرورة أو الحاجة؛ كاستئجار بئر أو قناة للانتفاع بمائها؛ لتعذر بيعه، واستئجار المرأة للإرضاع مطلقاً يتضمن استيفاء اللين والحضانة الصغرى؛ وهي: وضع الطفل في الحجر، وإلقامه الثدي، وعصره له بقدر الحاجة.
والأصح: أن الأصل الذي يتناوله العقد فيما ذكر فعلها، واللبن تابع لا عكسه؛ لتعلق الأجرة في الآية بفعل الإرضاع لا باللبن، ولأن الإجارة موضوعة لاستحقاق المنافع، فإذا استحقت عين لضرورة.. فهي تابعة؛ كالبئر تستأجر ليستقى ماؤها، والدار تستأجر وفيها بئر ماء يجوز الاستيفاء منها.
والمراد بالنفع: النفع الحالي؛ فلا يجوز اكتراء الجحش الصغير؛ لأن وضع الإجارة على تعجيل المنافع.
الثاني: أن تكون مقدورة التسليم حساً وشرعاً؛ كما في البيع، فلا يصح استئجار آبق ومغصوب، وأخرس للتعليم، وأعمى للحفظ، وحائض أو نفساء لتعليم قرآن أو خدمة مسجد إجارة عين، وكذا من لا يحسن القرآن لتعليمه وإن وسع الوقت لتعلمه قبل التعليم؛ لأن المنفعة مستحقة من عينه، والعين لا تقبل التأخير، وأرضٍ للزراعة لا ماء لها دائم ولا يكفيها المطر المعتاد، فإن كفاها، او كان لها ماء دائم، أو ماء ثلج، أو مطر في الجبل والغالب حصوله.. جاز.
ولو استأجر أرضاً للزراعة على شط النيل، أو الفرات ونحوهما، بعدما علاها الماء وانحسر، وكان يكفي لزرعها.. جاز، وكذا قبل انحساره إذا كان مرجواً وقت الزراعة عادة، وإن كانت الأرض غير مرئية على المذهب، أو قبل أن يعلوها، ووثق بحصوله كالمد بالبصرة.. صح، وكذا إن كان الغالب حصوله في الأصح.
الثالث: أن تكون متقومة؛ ليحسن بذل المال في مقابلتها، فلا يصح استئجار تفاحة للشم، لأنها لا تقصد له؛ فهي كحبة بر في البيع، فإن كثر التفاح.. فالوجه: الصحة؛ لأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرياحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين، قاله في "الروضة" و"أصلها"، وفرق في "المهمات" تبعاً للسبكي: بأن المقصود من المسك والرياحين الش، ومن التفاح الأكل دون الرائحة.
ولو استأجر دراهم أو دنانير وأطلق.. فباطل، أو للتزيين.
فكذا في الأصح، أو الأطعمة للتزيين.. فكذا على المذهب، أو الأشجار للتجفيف أو لظلها أو لربط الدواب بها.. فالوجهان، وقال بعضهم: الأصح هنا: الصحة؛ لأنها منافع مهمة، واستئجار الببغاء للاستئناس قال البغوي: فيه وجهان، وقطع المتولي بالجواز، وكذا ما يستأنس بلونه كالطاووس، أو بصوته كالعندليب.
واستئجار البياع على كلمة لا تتعب؛ ككلمة البيع.. باطل وإن روجت السلعة؛ إذ لا قيمة لها، قال محمد بن يحيي: هذا في مستقر القيمة؛ كالخبز واللحم، أما الثياب والعبيد، وما يختلف ثمنه باختلاف المتعاقدين.. فللبائع فيه مزيد نفع، فتجوز الإجارة له وأقره
الشيخان, وبه جزم في "الكفاية", وحيث منعنا ولم يتعب.. فلا أجرة له, وإن تعب بكثرة التردد والكلام.. فله أجرة المثل لا ما تواطأ عليه البياعون.
الرابع: حصولها للمستأجر لا للمؤجر; لئلا يجتمع العوضان في ملك واحد, فلو قال: (اكتريت دابتك لتركبها بمئة).. لم يصحَّ, ولا يصح استئجار مسلمِ لجهاد, ولا لعبادة تجب لها نية, إلا لنحو حج, وتفرقة زكاة, وذبح أضحية, ويصح لفرض كفايةِ, كتجهيز ميت ودفنه, وتعليم قرآن, وكذا إن تعين عليه في الأصح, ولشعارِ كأذان في الأصح, والأجرة للأذان بجميع صفاته في الأصح, لا الإقامة في صلاة فرض, وكذا نفل في الأصح, ولا لقضاء أو تدريسِ, وجَوَّزه الإمام لتعليم معيَّن مسألةَ أو مسائل مضبوطة, وحمل إطلاقهم المنع على غيره, وكذلك يمتنع استئجار من يقرئ.
الخامس: العلم بها عيناً وقدراً وصفةَ, كما في البيع, فإذا لم يكن للعين إلا منفعة.. حمل العقد عليها, أو منافع.. وجب البيان, فلا يصح إيجار أحد الشَّيئين مبهماً, لا إيجار ما تعددت منفعته بلا تعيين.
نعم, لو قال في إجارة الأرض: (إن شئت فازرع, وإن شئت فاغرس), أو قال: (أجرتكها لتنتفع بها ما شئت).. صحَّ, بخلاف ما لو قال: (أجَّرتك الدابة لتحمل عليها ما شئت) للضرر, فلا يصحُّ إيجار العين الغائبة, ولا إيجارٌ بلا تقديرِ للمنفعة, وتقديرها إما بمدة, كسكنى دارِ سنةّ, أو بعملِ كخياطة ذا الثَّواب, ثم قدر يتعين الطريق الأول كاستئجار العقار, فإن منفعته لا تنظبط إلا بالزمان, وكالإرضاع, فإن تقدير اللَّبن لا يمكن, ولا سبيلَ فيه إلا الضَّبط بالزمان, ويجب فيه تعيين الصبي, الاختلاف الغرض باختلافه, وتعيين موضع الإرضاع أهو بيته أم بيتها؟ وقد تتأتى الطريقان كما إذا استأجر عين شخص أو دابة, فيمكن أن يقول في الشخص: (لتعمل لي كذا شهرًا), أو (تخيط لي هذا الشهر), وفي الدابة: (لأتردد عليها في حوائجي يوماً), أو (لأركبها إلي موضع كذا).
قوله: (علما) أي: شرط المدة والعمل: أن يكونا معلومين للمتعاقدين.
قوله: (وجمع ذين أبطل) أي: أبطل أنت جمع الزَّمان والعمل في الإجازة, كأن استأجره ليَخِيط ذا الثَّوب اليوم, إذ تمام العمل قد يتقدم عن آخر النهار أو يتأخر, فعلم أن (أو) في
قوله: (بمدة أو عمل) للتخيير نحو: تزوَّج عائشةَ أو أختها, لا للإباحة, نحو: جالس الحسنَ أو ابن سيرين, إذ يمتنع الجمع فيه دونها.
] جواز الحلول والتأجيل في الإجارة [
قوله: (تجوز بالحلول والتأجيل) أي: تجوز الإجارة بالحلول, أو التأجيل للأجرة في إجارة العين إذا كانت في الذَّمة, كالثَّمن في البيع, فلا يشترط تسليمها في المجلس, ويجوز الاستبدال عنها, والحوالة بها وعليها, والإبراء منها كالثمن, وسيأتي الكلام على أجرة إجارة الذَّمة, ويجوز التَّأجيل للمنفعة في إجارة الذَّمة, كـ (ألزمت ذمتك الحمل إلى مكة غرة شهر كذا), وإن أطلقت.. فحالَّةٌ.
ولا تؤجل في إجارة العين, كـ (أجرتك الدار سنةَ أولها غداً), لأن منفعتها في الغد غير مقدورة التَّسليم في الحال, لكن تجوز إجارة العين ليلاً لعملِ لا يعمل إلا نهارًا إذا لم يصرح بالإضافة لأول المدة, وإجارة عين الشَّخص للحجَّ عند خروج الناس وإن كان قبل أشهره, إذا لم يتأت الإتيان به من بلد العقد إلا بالسَّير قبله, أو في أشهره ليحرم من الميقات, وإجارة دارِ ببلد آخر على الأصح عند النووي, وإن كان التسليم لا يتأتَّى إلا بقطع المسافة, ودارِ مشحونة بأمتعة يمكن الاشتغال بنقلها في الحال على الأصح, إن أمكن تفريغها في مدَّةِ لا أجرة لها, وإلا.. فلا.
ولو أجَّر داره مثلًا لزيدِ سنةَ, ثمَّ في المدَّة أجرها السنةَ الثانية لغيره.. لم يجز, أو له.. جاز في الأصح, لاتصال المدَّتين.
ويصحُّ كراء العقب في الأصح وهو: أن يؤجِّر رجلاً دابة ليركبها بعضَ الطريق, أو رجلين ليركبها هذا زمانًا وذاك زماناً, ويُبيِّن البعضين, ثمَّ يقتسمان, فإن انضبطت الطريقُ عادة, كيوم ركوب ويوم مشي, أو فرسخ وفرسخ.. حُمِلَ العقد عليه, وليس لواحد طلب ركوب ثلاثٍ ومشي ثلاثٍ, وإن لم تكن عادةٌ مضبوطةٌ.. وجب البيان, وإن اختلفا في البدأة.. أقرع بينهما, وإن أكراهما وأطلق واحتملت ركوبَهما معاً.. ركبا, وإلاَّ.. فبالمهايأة.
قوله: (ومطلق الأجر على التَّعجيل) أي: ومطلق الأجر, بأن لم يقيد بتعجيل ولا تأجيل.. يُحمل على التعجيل, كالثمن, فإن قيد بتعجيل أو تأجيل.. فهو كما قيَّد, وإلاَّ إذا كان لا يَحتمل التأجيل, بأن كان مُعيَّناً.. فيتعين تعجيله, فلا يجوز تأجيله.
ويملك المؤجَّر الأجرة بنفس العقد سواءٌ كانت في الذَّمة أم معينةً.
[بطلان الإجارة بتلف العين لا بموت العاقد]
قوله: (تبطل إذ تتلف عين مُؤجرة) أي: تبطل الإجارة إن تلفت العين المؤجَّرة, كدار أو دابة معيَّنة فيها, لفوات محل المنفعة, هذا في الزمن المستقبل بخلاف الماضي, إن كان لمثله أجرة, لاستقراره بالقبض, فيستقر قسطه من المسمَّى باعتبار أجرة المثل, وكما تبطل الإجارة بتلف العين المؤجرة يثبت الخيار بعيبها.
وخرج بما ذكر: العين في إجارة الذَّمة فلا تبطل بتلفها, ولا يثبت الخيار بعيبها, بل على المؤجَّر إبدالها, والدابة المسلمة عما في الذمة يثبت للمستأجر فيها حق الاختصاص, حتى يجوز له إيجارها, والأصح: أنه ليس للمؤجر إبدالها, وللمستأجر الاعتياض عن حقه فيها لا قبل تسلمها.
قوله: (لا عاقد) أي: لا تبطل الإجارة بموت عاقديها أو أحدهما, بل إن مات المكتري.. خلفه وارثه في استيفاء المنفعة, أو المكري.. تركت العين المكتراة عند المكتري إلى انقضاء المدة, وإن كانت الإجارة في الذمة.. فما التزمه دين عليه, فإن وفت به التركة.. اكترى منها, وإلا.. فإن وفاه الوارث.. تقرر الأجر, أو لم يوفِّه.. فسخ المكتري, وأما انفساخها بموت الأجير المعين.. فلأنه مورد العقد, لا لأنه عاقد.
ويستثنى من ذلك صور:
منها: ما لو مات البطن الأول من الموقوف عليهم بعد أن أجر الوقف, فإنها تنفسخ, بمعنى أنا نتبين بطلانها فيما بعد موته, لأن المنافع بعد موته لغيره ولا ولاية له عليه ولا نيابة, إذ البطن الثاني لا يتلقى من الأول, بل من الواقف, فلا ينفذ تصرفه في حق من بعده, وصورتها: أن يشترط الواقف النظر لكل بطن في حصته, فلا نظر له على من بعده.
ومنها: ما لو كان الناظر هو المستحق, ثم أجر الموقوف بدون أجرة مثله, ثم مات في أثناء المدة.
ومنها: ما لو أجر مالك المنفعة بإقطاع, أو وصية ثُمَّ مات.
ومنها: ما لو أجَّر رقيقه المعلَّق عتقُه بصفة, فوجدت مع موته.
وما لو أجَّر مُدبَّره ثمَّ مات, كما اقتضاه كلام الشيخين هنا, لكنهما نقلا عن المتولي في
(كتاب الوقف) بقاء إجارتهما, قال السبكي: وما ذكراه هنا أصحُّ.
قوله: (لكن بغضب خيره) أي: خير الشَّارع المستأجر بغضب العين المؤجَّرة, أو إبقاءها في الإجارة العينية إذا لم تنقض المدَّة فيهما, وإلاَّ.. فتفسخ الإجارة, ومثلُ الغصب في ثبوت الخيار للمستأجر كلُّ نقصٍ بها تتفاوت به الأجرةُ, كمرض الدَّابة, وانكسار دعائم الدار, وانهدام بعض جدرانها, هذا إذا لم ببادر المؤجَّر إلى إزالة ذلك قبل مضي مدَّةٍ لمثلها أجرة, وإلا.. فلا خيارَ للمستأجر, لزوال موجبه, فإن كانت الإجارة في الذَّمة.. فلا خيار ولا انفساخ، بل على المؤجِّر الإبدال.
]... شرط إجارة الذمة [
قوله: (والشرط في إجارة في الذِّمم تسليمها) أي: الأجرة في مجلس لعقدها وحلولها, كالسَّلم, أي: كرأس مال السَّلم, لأنَّ الإِجارة في الذمة سلَمٌ فى المنافع, وإن لم تعقد بلفظه.. فلا يجوز لمالك هذه الأجرة استبدالٌ عنها, ولا الإبراء منها, ولا الحوالة بها, ولا عليها.
]... ضمان الأجير بالعدوان [
قوله: (ويضمن الأجير) أي: العين المؤجَّرة بالعدوان, أي: بتعدَّيه فيها, كأن ضرب الدابة, أو نخعَها باللجام فوق العادة, أو أركبها أثقل منه, أو اكتراها لحمل مئة رطل حنطة فحملها مئة شعير, أو عكس, أو لعشرة أقفزةٍ شعيراً فحملها حنطةً، أو نام ليلاً في الثوب أو ألبسه من هو دونه كقصار أو دبَّاغٍ, أو أسكن أضرَّ منه كقصَّارٍ أو حدَّادٍ.
قوله: (ويده فيها يد ائتِمان) أي: على ما اكتراه ولو بعد مدة الإجارة, سواءٌ أكان منفرداً وهو المعيَّن, أم مشتركاً وهو الملتزم للعمل في ذمته, إذ ليس أخذه العين لغرضه خاصةً فأشبه عامل القِراض.
قوله: (والأرض إن أجَّرتها بمطعم) أي: طعام أو غيره, كذهب أو فضة.. صحَّت, أي: إجارتها, لأن الإجارة كالبيع, فكلُّ ما صحَّ بيعه بالطعام وغيره صحَّت إجارته بذلك ولو كانت في الذمة, وقد علم مما مر أنه يشترط العلم بالأجرة.
قوله: (لا شرط جزء) يعني: لا تصحُّ الإجارة بشرط جزءِ معلوم من محل العمل يستحقُه من بعد العمل, كشرط جزء من ريع الأرض لزراعها, وصاعٍ من دقيق الحنطة وجلد الشَّاة لسالخها, ونصف رقيق لمرضعته, لأنَّه-صلى الله عليه وسلم- (نهى عن قفيز الطَّحَّان) رواه
البيهقي بإسنادٍ حسنٍ, وفسروه استئجار الطَّحَّان على طحن الحنطة ببعض دقيقها, ولأنَّه جعل الأجرة ممَّا يحصل بعمل الأجير وهي غير مقدور عليها في الحال, وللجهل بها حينئذ, أما إذا كان قبل العمل, كأن استأجره لطحن الحنطة بصاع منها, أو لإرضاعِ الرَّقيق بنصفه الآن.. فيجوز.
قوله: (ولا بقدر شبعه) أي: لا يصحُّ الإجارة بقدر شبع الأجير, ولا بغدائه وعشائه, لأنَّه غير معلوم, وقد علم مما مر أنَّ الأجرة لا بدَّ أن تكون معلومة.
قوله: (والأرض) بالرفع والنصب, والألف في قوله: (جزء علما) للإطلاق.
بابُ الجُعَالة
بتثليث الجيم كما قاله ابن مالك وغيره, وهي لغة: اسم لما يجعل للإنسان على فعل شئ, وكذا الجعل والجعيلة, وشرعاً: التزام عوض معلوم على عمل معين معلوم أو مجهول.
والأصل فيها: الإجماع, وخبر اللديغ الذي رقاه الصحابي بـ (الفاتحة) على قطيع من الغنم كما في "الصحيحين"
]... أركان الجعالة وما يشترط في كل منها [
وأركانها: عاقد, وصيغة, وعمل, وجعل؛ كما يؤخذ من كلامه حيث قال:
(صِحَّتُهَا مَن مُطلَقِ التَّصَرُّفِ... بِصِيغَةٍ, وَهيَ بِأَن يَشرِطَ فِي)
(رُدُودِ آبِقٍ وَمَا قَد شَاكَلَه... مَعلُومَ قَدرِ, حَازَةُ مَن عَمِلَه)
(وَفَسخُهَا قَبلَ تَمَامِ اُلعَمَلِ... مِن جَاعِلٍ عَلَيهِ أَجرُ اُلمِثلِ)
الأول: العاقد؛ فشرطه: أن يكون مطلق التصرف؛ بأن يكون بالغاً عاقلاً غير محجور عليه بسفهٍ، فلا يصح التزام الصبي وزوائل العقل بما لم يتعدَّ به والسفيه, ولا شيء للراد عليهم.
وأما العامل إذا كان معيَّناً.. فيشترط فيه كما في "الروضة" و "أصلها" أهلية العمل فيدخل فيه العبد وغير المكلف؛ كما قاله السبكي وغيره, ويخرج عنه العاجز عن العمل كصغير لا يقدر عليه؛ لأن منفعته معدومة, فأشبه استئجار الأعمى للحفظ, كما قاله ابن العماد.
عامّاً أم خاصّاً؛ كقوله: (من ردَّ آبقي-أو آبق زيد مثلاً-فله درهم), ولا يشترط القبول لفظاً وإن كان العامل معيناً, فلو رد آبقاً أو ضالاً بغير إذن مالكه, أو بإذن بلا التزام.. فلا شيء له, ولو قال لزيد: (إن رددته فلك دينار), أو (رده ولك دينار), فرده عمرو.. فلا شيء له,
ولو رده عبد زيد.. استحقه زيد, أو وكيله أو مكاتبه.. فلا شيء لواحد منهم؛ لأن النيابة لا تجري فيها.
ولو قال: (من رده.. فله كذا) فرده من لم يبلغه النداء.. لم يستحق وإن اعتقد أن مثل هذا العمل ملزم لا يحبط.
ولو قال: (إن رده زيد.. فله كذا) فرده زيد جاهلاً بإذنه.. لم يستحق، ولو التزام غير المالك وقال: (من رد عبد زيد.. فله كذا).. استحقه الراد على القائل.
ولو قال كاذباً: (قال فلان: من رد عبدي.. فله كذا), فرُد.. لم يستحق الراد لا على المالك ولا على القائل ولو كان صادقاً, فإن كان ممن يعتمد قوله.. استحقه على المالك, وإلا.. فكأن لا خبرَ؛ فلا يستحق على أحد, ولو شهد المخبر على المالك بالإذن وكان عدلاً.. لم يقبل.
الثالث: العمل, وهو كل أمر فيه كفلة أو مؤنة؛ كرد آبق أو ضال, أو حج أو خياطة, أو تعليم علم أو حرفة, أو إخبار فيه تعب, فلو قال: (من رد مالي.. فله كذا) فرده من هو في يده.. استحقه, أو (من دلني عليه) فدله من هو في يده.. لم يستحق, أو غيره.. استحق, وما شرط في عمل الإجارة.. شرط في عمل الجعالة, إلا كونه معلوماً.
الرابع: الجعل, ويشترط كونه معلوماً, وشروطه إن كان معيناً: شروط المبيع المعين, وإن كان في الذمة: شروط المبيع في الذمة, فلو قال: (من رد عبدي.. فله ثوب) أو (دابة), أو (أُرضيه) أو (أعطيه شيئاً).. فسدت واستحق أجرة المثل؛ وكذا لو جعله خمراً أو خنزيراً أو مغصوباً.
ولو قال: (فله سلبه) أو (ثيابه): فإن كانت معلومة أو وصفها بما يفيد العلم.. استحقها, وإلا.. فأجرة المثل.
ولو قال: (من رده من بلد كذا).. فله دينار, فرده من نصف الطريق.. استحق نصف المسمى, أو من ثلثه.. فثلثه... وهكذا, أو من أبعد منه.. فلا شيء للزيادة.
وقول الناظم: (شاكله) أي: ماثله.
قوله: (حازه) أي: جمعه؛ يعني: مَلَكه؛ أي: العوضَ من عمل العمل جمعيه بنفسه أو بعبده, أو بمعاون له بعد بلوغه النداء, فلا يستحق من لم يتم العمل؛ كأن رد الآبق فمات على باب دار مالكه, أو غُصِب أو هرب؛ إذ لم يحصل شيء من المقصود, بخلاف ما إذا
اكترى من يحج عنه.. فأتى ببعض الأعمال ومات؛ حيث يستحق من الأجرة بقدر ما عمل؛ لأن المقصود من الحج الثواب وقد حصل ببعض العمل.
نعم؛ إن وقع العمل مسلَّماً أو ظهر أثره على المحل.. استحق بقسطه من الجعل.
والجعالة جائزة من الجانبين ما لم يتم العمل؛ لأنها تعليق استحقاق بشرط كالوصية, فتفسخ بفسخ أحدهما وجنونه وإغمائه وموته, ولا شيء لما عمله بعد موت المالك, ولا أثر للفسخ بعد تمام العمل, فإن فسخ العامل قبل تمامه.. فلا شيء له, إلا أن يكون بسبب زيادة الملتزِم في العمل, وإن فسخ الجاعل.. لزمه أجرة مثل ما قبل الفسخ.
بابُ إحياء المَوات
هو مستحب ويحصل به الملك, و (الموات): الأرض التي لم تعمر, أو عمرت جاهلية, ولا هي حريم لمعمور.
والأصل في إحيائه قبل الإجماع: أخبار؛ كخبر: "من عمر أرضاً ليست لأحد.. فهو أحق بها" رواه البخاري, وخبر: "من أحيا أرضاً ميتة.. فهي له, وليس لعرق ظالم حق" رواه الترمذي وحسنه, وخبر: "من أحيا أرضاً ميتة.. فله بها أجر, وما أكلت العوافي منها.. فهو صدقة" رواه النسائي وغيره, وصححه ابن حبان, و (العوافي): طلاب الرزق.
(يَجُوزُ لِلمُسِلمِ إحيَا مَا قَدَر... إذ لاَ لِمِلكِ مُسلِمٍ بِهِ أَثر)
(بمَا لإِحيَاءِ عِمَارَةِ يُعَد... يَختَلِفُ الحُكمُ بحَسبِ مَن قَصَد)
(وَمَالِكُ البِئرِ أَوِ العَينِ بَذَل... عَلَى المَوَاشِي لاَ الزُّرُوعِ مَا فَضَل)
(والمَعدِنِ الظَّاهِرِ فَهوَ الخَارِج... جَوهَره مِن غيرِ مَا يُعَالَجُ)
(كَالنِّفطِ وَالكِبرِيتِ ثُمَّ القَارِ... وَسَاقِطِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ)
]... شرط المحيي والمحيا [
أي: يجوز للمسلم إحياء ما قدر على إحيائه من كل أرض لم ير بها أثر ملك مسلم؛ من عمارة وغيره, ولا دل عليها دليل؛ كأصل شجر, أذن له فيه الإمام أو لم يأذن.
وخرج بقوله: (للمسلم): الكافر, فلا يجوز له ذلك وإن أذن فيه الإمام؛ لما فيه من الاستعلاء, وروى الشافعي رضي الله تعالى عنه خبر: "عاديُّ الأرض لله ولرسوله, ثم هي لكم مني أيها المسلمون"
وللكافر غير الحربي الاصطياد والاحتطاب, والاحتشاش في دار الإسلام.
وبقوله: (إذ لا لملك مسلم به أثر) ما كان معموراً, فإن عرف مالكه.. فهو له مسلماً كان أو ذمياً أو لوارثه, فإن لم يعرف: فإن كانت عمارة إسلامية.. فحكمها حكم الأموال الضائعة؛ للإمام حفظها إلى ظهور مالكها, أو بيعها وحفظ ثمنها, أو استقراضه على بيت المال, وإن كانت جاهلية.. ملكها المسلم بإحيائها كالركاز؛ لأنه لا حرمة لملك الجاهلية, وإن كانت الأرض الموات ببلاد كفار دارِ حرب أو غيرها.. فلهم إحياؤها؛ لأنه من حقوق دارهم ولا ضرر علينا فيه, فملكوه بالإحياء كالصيد, وكذا المسلم إن كانت مما لا يدفعون المسلمين عنها؛ كموات دارنا, وإلا.. فليس له إحياؤها؛ كالعامر من دارهم.
وقول الناظم: (إحيا) بالقصر؛ للوزن.
]... ما يحصل به الإحياء [
ويحصل الإحياء بكل ما يعد عمارة للمحيي في العرف, ويختلف الإحياء بحسب غرضِ المحيي وقصدهِ؛ تحكيماً للعرف.
فإن أراد مسكناً.. اشترط لحصول الملك التحويط باللبن أو الآجر, أو الطين أو الخشب, أو القصب وتسقيف البعض, ونصب الباب.
أو زريبة للدواب, أوحظيرةً لتجفيف الثمار أو لجمع الحطب أو العلف فيها.. اشترط التحويط ونصب الباب لا التسقيف, ولا يكفي نصب سعف وقصب وأحجار من غير بناء,
ولا حفر خندق, ولا التحويط في طرف, ونصب الأحجار أو السعف في طرف.
أو مزرعةً.. اشترط جمع التراب أو القصب أو الحجر, أو الشوك حولها, وتسوية الأرض بطم المنخفض وكسح المستعلي وحراثتها وتليين ترابها, فإن لم يتيسر ذلك إلا بما يساق إليها.. فلا بد منه؛ لتهيَّأ للزراعة, وترتيب مائها بشق ساقية من نهر, أو حفر بئر, أو قناة إن لم يكفها المطر المعتاد, وإن كفاها.. فلا, وحبس الماء عنها إن كانت من البطائح, ولا يشترط التحويط, ولا إجراء الماء ولا الزراعة.
أو بستاناً.. اشترط جمع التراب حول الأرض؛ كالمزرعة إن لم تجر العادة بالتحويط, والتحويط حيث جرت العادة به, وتهيئة ماء كما سبق في المزرعة, ويشترط الغرس.
]... وجوب بذل الفاضل عن حاجة مالك البئر أو العين [
ويجب على مالك البئر أو العين أو نحوها بذل الفاضل عن حاجته لماشية غيره مجاناً؛ لحرمة الروح بشرط ألاَّ يجد مالكها ماءً آخرَ مباحاً, وأن يكون هناك كلأ ترعاه, وأن يكون الماء في مستقره, وأن يفضل عن مواشيه وزرعه وأشجاره, وألا يتضرر بورود المواشي في زرع أو غيره, ولا يجب بذله للزرع.
ويجب على السابق إلى المعدن الظاهر, وهو ما خرج جوهره بلا علاج, وإنما العلاج في تحصيله؛ كالنَّفط بكسر النون أفصح من فتحها, والكِبريت بكسر أوله, وهو عين تجري ويضيء في معدنه, فإذا فارقة.. زال ضوؤه, والقار وهو الزفت, والملح والكحل والجص.. ألاَّ يمنع غيره من الفاضل عن حاجته, قال الإمام: هو ما تقتضيه العادة لأمثاله فيما إذا ضاق نيله, ولو طلب زيادة عليها.. أزعج, فإن جاءا إليه معاً.. أقرع, فإنه لا يملك بإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع, وكذا الواصل إلى شيء من المباحات؛ كالصيد والسمك.
وما نبت في الموات من الكلأ والحطب, وكذا ما يسقطه الناس ويرمونه رغبة عنه, وما ينتثر من الزرع والثمار من سبق إلى شيء منه.. فهو أحق به من غيره.
والمعدن الباطن: ما كان مستتراُ لا يظهر جوهره إلا بالعمل؛ كالذهب والفضة, والفيروزج والياقوت, والعقيق والرصاص, والنحاس والحديد يملكه بالإحياء, ولا يملكه بالحفر والعمل وأخذ النَّيل وإن ملك النَّيل به.
ولو أحيا مواتاً فظهر فيه معدن باطن أو ظاهر لم يعلمه عند الإحياء.. ملكه, وإن علمه.. لم يملكه.
] حكم الوقوف في الشوارع ونحوها والجلوس فيها [
ويجوز الوقوف في الشوارع والجلوس؛ للمعاملة والحرف وغيرها إن لم يضيق على المارة, والسابق إلى مكان منها أحق به؛ كالمقطع له إلى أن يفارقه تاركاً لحرفته, أو منتقلا إلى غيره, أو منقطعاً عنه معاملوه, وكذا الأسواق المقامة في كل أسبوع أو شهر مرة, إذا اتخذ فيها
مقعداَ.. كان أحق به في النوب الآتية, والجوال الذي يقعد كل يوم في موضع من السوق يبطل حقه بالمفارقة.
ولو جلس في مسجد ليقرأ عليه القرآن أو نحوه, أو ليستفتى.. فالحكم كما في مقاعد الأسواق, أو لصلاة.. لم يصر أحق به في غيرها, وهو أحق به فيها وإن فارقه لعذر.
و (ما) في قول الناظم: (من غير ما يعالج) موصول حرفي؛ أي: من غير علاج
بابُ الوَقف
هو لغة: الحبس, يقال: وقفت كذا؛ أي: حبسته, ويقال: أوقفته في لغة رديئة, وشرعاً: حبس مال يمكن الانتفاع به مع عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح.
والأصل فيه: خبر مسلم: "إذا مات ابن آدم.. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له", والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف.
وأركانه أربعة: واقف, وموقوف, وموقوف عليه, وصيغة؛ وقد أشار إليها فقال رحمه الله:
(صحَّتُهُ مَن مَالِكٍ تَبَرَّعَا... بِكُلَّ عّينٍ جَازَ أّن يُنتَفَعَا)
(بهَا مَعَ البَقَا مُنَجَّزاً عَلَى... مَوجُودٍ ان تَملِيكُهُ تَأَهَّلاَ)
(وَوَسَطٌ وَآخِرٌ إِنِ انقَطَع... فَهوَ إِلى أَقرَبِ وَاقِفٍ رَجَع)
(وَالشَّرط فِيمَا عَمَّ: نَفيُ المَعصِيه... وَشَرطَ (لاَ يُكرَى) اتَّبِع, وَالتَّسوِيَه)
(وَالضَّدُّ وَالتَّقدِيمُ وَالتَّأخُّرُ... نَاطِرُهُ يَعمُرهُ وَيُؤجِرُ)
(وَالوَقفُ لاَزِمٌ, وُمِلكُ البَارِي... أَلوَقفُ, وَالمَسِجدُ كَالأَحرَارِ)
] أركان الوقف وشروطها [
الأول: الواقف, وشرطه: أن يكون مالكاً للتبرع في رقبة الموقوف, فلا يصح من الصبي والمجنون والولي في مالهما, ولا من المحجور عليه بالسفه والفلس, ولا من المستأجر والموصى له بالمنفعة مؤقتاً أو مؤبداً.
الثاني: الموقوف, وشرطه: أن يكون عيناً معينة مملوكة قابلة للنقل يحصل منها عين, أو منفعة يستأجر لها غالباً, فلا يصح وقف المنفعة المجردة, ولا وقف الجنين, ولا أحد عبديه, ولا وقف ما لا يملك, ولا وقف الحر نفسه, ولا وقف أم الولد والمكاتب
والموقوف, وآلات الملاهي والكلب المعلم, ولا وقف الطعام والرياحين المشمومة, ولا وقف الدراهم والدنانير.
ويصح وقف العقار والمنقول, والشائع والمقسوم, والمصائد والعيون, والآبار للماء, والأشجار للثمار, والبهائم للبن والصوف والوبر والبيض والإنزاء, والعبد والمهر والجحش الصغار, والزَّمِن المرجوَّ الزوال.
]... شروط الوقف [
وشروط الوقف أربعة:
الأول: التنجيز, فلو علق لفظاً كقوله: (إذا قدم فلان فقد وقفت كذا), أو ضمناً ويسمى منقطع الأول؛ كقوله: (وقفت على من سيولد لي), أو (على مسجد سيبنى, ثم على الفقراء), أو (على ولدي- ولا ولد له- ثم على الفقراء), أو (على نفسي ثم على الفقراء).. فسد.
الثاني: التأبيد؛ بأن يقف على من لا ينقرض؛ كالفقراء والعلماء, والمساجد والقناطر والربط, أو على من ينقرض ثم على من لا ينقرض؛ كزيد ثم الفقراء, فلو قال: (وقفت هذا سنة) مثلاً.. لم يصح, أما منقطع الوسط والآخر.. فسيأتي.
الثالث: الإلزام, فلو وقف بشرط الخيار أو أن يبيعه, أو أن يرجع فيه متى شاء, أو يحرم من شاء, أو يزيده أو يقدمه أو يؤخره.. لم يصح.
الرابع: بيان المصرف, فلو اقتصر على قوله: (وقفت كذا), أو (وقفت على من أشاء).. لم يصح.
الركن الثالث: الموقوف عليه: فإن كان شخصاً معيناً, أو جماعة معينين.. فالشرط أن يمكن تمليكه, فيصح على الذمي والمدرسة والمسجد والرباط, ولا يصح على الحربي والمرتد, ولا على الجنين إلا تبعاً, ولا على العبد نفسه, والوقف عليه مطلقاً.. وقف على سيده.
] صيغة الوقف [
الركن الرابع: الصيغة؛ نحو: (وقفت كذا على كذا), أو (حبسته), أو (سبّلته), أو (جعلته وقفاً) أو (أرضي موقوفة), أو (حبيسة), أو (محبسة), أو (مسبلة), أو
(تصدقت على فلان صدقة محرمة), أو (محبسة), أو (حبيسة), أو (موقوفة), أو (صدقة لا تباع ولا توهب), أو (تصديق على فلان ما حيي, فإذا مات.. فعلى الفقراء).
ولو قال: (تصدقت).. لم يحصل به الوقف, إلا أن يضيف إلى جهة عامة؛ كالفقراء وينوي الوقف فيحصل به.
وقوله: (جعلت البقعة مسجداً).. تصير به مسجداً, والأصح: أن الوقف على معين يشترط فيه قبوله؛ نظراً إلى أنه تمليك, فليكن متصلاً بالإيجاب؛ كالهبة.
والوقف إن انقطع وسطه؛ كـ (وقفت على أولادي ثم بهيمة- أو رجلٍ أو عبدِ فلانٍ نَفسِهِ- ثم الفقراء), أو انقطع آخره؛ كـ (وقفت على أولادي) ولم يزد.. فهو إلى الأقربِ لواقفٍ يومَ الانقطاع رجع, فيصير وقفاً عليهم؛ لأن وضع الوقف القربة ودوام الثواب, وأوله موجود صحيح, فيدام سبيل الخير والصدقة على الأقارب أفضل؛ لما فيه من صلة الرحم.
والمعتبر قرب الرحم لا الإرث, فيقدم ابن البنت على ابن ابن الابن وعلى ابن العم, ويختص بفقرائهم على الأصح, لكن هل يختص بهم وجوباً أو ندباً؟ وجهان, أصحهما: أولهما؛ وهو قضية كلام الجمهور كما قال الأذرعي, فإن عدمت أقاربه.. فالمنصوص في "البويطي": أن الإمام يصرف ريعه إلى مصالح المسلمين, وقال سليم الرازي والمتولي وغيرهما: يصرف إلى الفقراء والمساكين.
ومحل ما ذكره: في منقطع الوسط إذا أمكنت معرفة أمد الانقطاع, أما إذا وقف على زيد ثم رجل مجهول ثم الفقراء.. فإنه بعد زيد يصرف إلى الفقراء, ولا أثر لهذا الانقطاع, صرح بذلك ابن المقري؛ أخداً من تفريع "الروضة" كـ"أصلها" له على القول بصحة منقطع الأول.
] شرط صحة الوقف على الجهة العامة [
والشرط في صحة الوقف على جهة عامة: عدم المعصية؛ بأن كانت جهة قربة؛ كالمساكين والحجاج, والمجاهدين والعلماء والمتعلمين, والمساجد والمدارس, والربط والخانقات والقناطر, أو جهة لا تظهر فيها القربة؛ كالأغنياء.
فإن كانت جهة معصية؛ كعمارة الكنائس والبِيَع, وكتابة التوراة والإنجيل.. لم يصح؛ لأنه إعانة على معصية.
] وجوب اتباع شرط الواقف [
واتبع أنت وجوباً شرط الواقف ألاَّ يُكرى الموقوف أصلاً, أو أكثر من سنة مثلاً.
وأفتى ابن الصلاح بأنه إذا شرط ألاَّ ي} جر أكثر من سنة, ولا يُورَد عقد على عقد فخرب, ولم تمكن عمارته إلا بإيجاره سنين.. أنه يصح إيجاره سنين بعقود متفرقة؛ لأن المنع حينئذ يفضي إلى تعطيله وهو مخالف لمصلحة الوقف, ووافقه السبكي والأذرعي, إلا في اعتبار التقييد بعقود متفرقة فرداه عليه.
وإذا شرط منه الإجارة وكان الوقف على جماعة.. تهايؤوا في السكن, وأقرع بينهم, قاله الجُورِي.
واتبع وجوباً شرط الواقف: التسويةَ بين الذكور والإناث, والضد وهو تفضيل الذكور على الإناث أو عكسه, فلو أطلق.. حمل على التسوية, والتقديمَ؛ كتقديم البطن الأول على الثاني, والتأخرَ؛ كمساواته له كسائر شروطه.
] لزوم الوقف [
والوقف لازم, فلا يفتقر إلى قبض ولا إلى حكم حاكم به, ووظيفة ناظره الإجارة والعمارة, وتحصيل ريعه وقسمته, وحفظ أصوله وغلاته على الاحتياط, فإن عين له بعض هذه الأمور.. اقتصر عليه, ويجوز أن ينصب واحداً لبعض هذه الأمور, وآخر لبعض آخر.
ولو نصب اثنين.. لم يستقل أحدهما.
ورقبة الموقوف ملك الباري سبحانه وتعالى؛ أي: ينفك عن اختصاص الآدمي كالعتق, فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه, ومنافعه ملك للموقوف عليه يستوفيها بنفسه وبغيره, والمساجد والجوامع كالأحرار؛ لأنها تملك ويوقف عليها.
والألف في قول الناظم: (ينتفعا) مبنياُ للمفعول أو الفاعل, و (تأهلا) للإطلاق, وقصر (البقا) للوزن, وقوله: (موجود ان) بدرج الهمزة للوزن, وقوله: (وشرطُّ) بالنصب ويجوز رفعه, وقوله: (والشرطُ) مرفوع بالابتداء, وما بعده معطوف عليه وخبره محذوف؛ أي: كذلك؛ أي: اتبع شرط الواقف فيها.
بابُ الهِبَة
هي شاملة للصدقة والهدية, وهي تمليك بلا عوض: فإن ملك محتاجاً أو لثواب الآخرة..
فصدقة, وإن نقله إلى مكان الموهوب له إكراماً له.. فهدية, فكل من الصدقة والهدية هبة ولا عكس, وغيرهما اقتصر فيه على اسم الهبة, وانصرف الاسم عند الإطلاق إليه, ومن ذلك ما سيأتي في كلامه من اشتراط الصيغة فيها.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: (فَإِن طِبنَ لَكُم عَن شَيءٍ مِنهُ نَفسًا فَكُلُوُه هَنِيئًا مَرِيئَا), وأخبار؛ كخبر "الصحيحين": "لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" أي: ظلفها, وفي البخاري: "لو دعيت إلى كراع.. لأجبت, ولو أهدي إليَّ كراع.. لقبلت"
(تصح فيما بيعه قد صحا... واستثن نحو حبتين قمحا)
(بصيغة, وقوله: (أعمرتكا... ما عشت) أو (عمرك) أو (أرقبتكا))
(وإنما يملكه المتهب... بقبضه والإذن ممن يهب)
(ولا رجوع بعده إلا الأصول... ترجع إذ ملك الفروع لا يزول)
] ضابط ما تصح فيه الهبة وما يستثنى منه [
تصح الهبة فيما قد صح بيعه من باب أولى, فإن بابها أوسع, ويستثنى منه صور, منها: الموصوف في الذمة يصح بيعه ولا تصح هبته.
وما لا يصح بيعه؛ كمجهول ومغضوب وآبق وضال, لغير قادر على انتزاعها.. لا تصح هبته؛ بجامع أنهما تمليك في الحياة, واستثن نحو حبتين من الحنطة من المحقرات؛ فإنها لا يصح بيعها وتصح هبتها.
ويستثنى أيضاً صور, منها: لا يصح بيع جلد الأضحية ولحمها, وما تحجره المتحجر, ونوبة إحدى الضرتين للأخرى, وما أخذه المتبسط من طعام الغنيمة وتصح هبة كلٍّ منها,
ولا بيع الكلب ونحوه, وجلد الميتة قبل الدباغ, والدهن النجس, ويصح هبة كلٍّ منها على معنى نقل الاختصاص واليد.
] صيغة الهبة [
تصح الهبة فيما صح بيعه بصيغة وهي الإيجاب من الواهب؛ كـ (وهبتك كذا), أو (ملكتكه), أو (أعطيتكه), والقبول من المتهب باللفظ متصلاً؛ كـ (اتهبت), و (تملكت), أو (قبلت), أو (رضيت), أو الاستيجاب والإيجاب, أو الاستقبال والقبول, وبقول: (أعمرتك هذه الدار ما عشت), أو (عمرك), أو (جعلتها لك عمرك) وإن زاد: (فإذا مت.. عادت إلي), أو (أرقبتك هذه الدار), أو (جعلتها لك رقبى) أي: إن مت قبلي.. عادت إليَّ, وإن مت قبلك.. استقرت لك, وسميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه, وفي"الصحيحين" حديث "العمرى ميراث لأهلها"
ولا تشترط الصيغة في الهدية ولا في الصدقة.
] ملك الموهوب بالقبض [
وإنما يملك الموهوبَ بمعناه الأعم المتهبُ بقبضه, وإذن واهبه فيه إن لم يقبضه بنفسه لا بالعقد, وإلا.. لما قال أبو بكر لعائشة-رضي الله تعالى عنهما- في ما نحلها في صحته عشرين وسقاً: (وددت أنك حزته أو قبضته, وإنما هو اليوم مال الوارث) رواه مالك, وروي نحوه عن جمع من الصحابة, ولأنه عقد إرفاق كالقرض.
ولو كان الموهوب في يد المتهب.. اعتبر في قبضه مضي زمن يتأتى فيه من وقت الإذن قبضه, وكيفية القبض في العقار والمنقول؛ كما مر في (البيع).
ولو مات أحدهما قبل القبض.. قام وارثه مقامه, فيتخير وارث الواهب في الإقباض, ووارث المتهب في القبض إن أقبضه الواهب أو وارثه؛ فلا ينفسخ العقد بالموت؛ لأنه يؤول إلى اللزوم كالبيع, بخلاف نحو الشركة والوكالة.