مطالبة صاحب الحق بأن يبرئه ولو بإبراء الأصيل، أو يأخذ حقه من تركته؛ لأنها قد تتلف فلا يجد مرجعاً إذا غرم.
[رجوع الضامن على الأصيل]
الخامسة: يرجع الضامن على الأصيل بما أداه إن أذن له في الضمان والأداء، أو في الضمان فقط، أو في الأداء بشرط الرجوع عليه، وإلا.. فلا يرجع.
نعم؛ إن ثبت الضمان بالبينة وهو منكر؛ كأن ادعى على زيد وغائب ألفاً، وأن كلا منهما ضمن ما على الآخر بإذنه فأنكر زيد، فأقام المدعي بينة وغرمه.. لم يرجع زيد على الغائب بالنصف إذا كان مكذباً للبينة؛ لأنه مظلوم بزعمه فلا يرجع على غير ظالمه.
ولو أدى الضامن من سهم الغارمين.. فلا رجوع له في الأصح، ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن.. فلا رجوع له، وإن أذن له في الأداء والرجوع، أو في الأداء فقط.. رجع، وفرق بين هذا ونظيره من مسألة الغسال ونحوها؛ بأن المسامحة في المنافع أكثر من الأعيان، وحيث ثبت الرجوع.. فحكمه حكم القرض، حتى يرجع في المقتوم بمثله صورة.
ولو أدى مكسراً عن صحاح.. لم يرجع إلا بما غرم، ولو صالح.. رجع بالأقل من قيمة ما أداه يوم الأداء ومن الدين.
ولو باعه ثوباً قيمته خمسة بعشرة قدر الدين وتقاصا.. رجع بالعشرة؛ لثبوتها في ذمته، وكذا لو قال: (بعتكه بما ضمنته) على المختار في "الروضة"، ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد كل منهما على الأداء رجلين، أو رجلاً وامرأتين، أو رجلاً ليحلف معه؛ إذ الشاهد مع اليمين حجة كافية، ولا يضر احتمال الرفع إلى حنفي؛ كما لا تضر غيبته ولا موته، ويعتبر في شاهدي الأداء العدالة.
نعم؛ لو أشهد مستورين فبان فسقهما.. كفى في الأصح، ولا يكفي إشهاد من يعلم سفره قريباً.
ولو قال: (أشهدت وماتوا أو غابوا).. رجع إن صدقه في الأصح، أو (أشهدت فلاناً وفلاناً) فكذباه.. فكما لو لم يشهد.
ولو قالا: (لا ندري وربما نسينا).. ففيه تردد للإمام نقله الشيخان وسكتا عليه، وفي
"المهمات": أن الإمام بعد حكايته له: رجع عدم الرجوع.
ولو أذن المدين للمؤدي في تركه، فتركه وصدقه على الأداء، أو أدى بحضرته، أو صدقه المتسحق في الأداء.. رجع.
[ضمان الدرك]
السادسة: يصح ضمان الدرك، ويسمى: ضمان العهدة وإن لم يكن بحق ثابت؛ للحاجة إليه، وهو أن يضمن للمشتري الثمن بتقدير خروج المبيع مستحقاً، أو متصفاً بشيء مما سيأتي بعض قبض الثمن، فإن لم يقبض.. لم يصح ضمانه؛ لأنه إنما يضمن ما دخل في ضمان المضمون عنه، ولزمه رده بالتقدير السابق.
ولو عير الناظم بـ (العوض) بدل (الثمن).. لتناول كلامه ضمان الدرك للبائع؛ بأن يضمن له المبيع إن خرج الثمن المعين مستحقاً، إلا أنه تبع الجمهور في فرض ذلك في المشتري، وفي صحة ضمان الدرك للمكتري وجهان في "الروضة" و"أصلها" في آخر (الإجازة)، صحح السبكي منهما الصحة.
قوله: (والدرك المضمون للرداءة) أي: رداءة الثمن أو المبيع يشمل؛ أي: يشملها ويشمل العيب؛ أي: في الثمن أو المبيع، ويشمل نقص الصنجة التي وزن بها الثمن أو المبيع؛ بأن يقول: ضمنت لك درك، أو عهدة الثمن، أو المبيع من غير ذكر استحقاق، أو فشاد أو رداءة أو عيب، أو نقص صنجة، وهذا وجه مرجوح جرى عليه الناظم؛ كصاحب "الحاوي الصغير".
والأصح في "الشرح الصغير" و"الروضة": عدم شموله للفساد والرداءة، والعيب ونقص الصنجة؛ لأن المتبادر منه الرجوع بسبب الاستحقاق.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": ولو قال: (ضمنت لك خلاص المبيع).. لم يصح؛ لأنه لا يستقل بتخليصه إذا اسنحق، بخلاف: (ضمنت لك خلاصك منه) فإنه كضمان الدرك.
ولو اختلف البائع والمشتري في نقص صنجة الثمن.. صدق البائع بيمينه، فإذا حلف.. طالب المشتري بالنقص، ولا يطالب الضامن؛ لأن الأصل براءة ذمته إلا إذا اعترف أو قامت بينة، ولو اختلف البائع والضامن.. صدق الضامن؛ لأن الأصل براءة ذمته، بخلاف المشتري فإن ذمته كانت مشغولة؛ ذكر ذلك في "الروضة" و"أصلها"، ويشترط في ضمان الدرك علم الضامن بقدر الثمن.
[كفالة البدن]
السابعة: بالرضا من المكفول، أو من وليه إن كان غير مكلف، أو وارثه إن كان ميتاً.. صحت كفالة البدن؛ للحاجة إليها في كل من حضوره إلى الحاكم (استحقا) عند الاستعداء؛ لحق آدمي لازم ولو عقوبة، أو لحق مالي لله تعالى؛ كالمدعى زوجيتها، والميت قبل دفنه ليشهد على عينه من لا يعرف نسبه، بخلاف من لا حق عليه، أو عليه حق آدمي غير لازم؛ كنجوم الكتابة، أو عقوبة لله تعالى.
وكفالة كل جزء دونه لا يبقى؛ كالرأس والروح؛ والقلب والكبد والدماغ، والجزء الشائع كالثالث والربع؛ لأنه لا يمكن تسليم ذلك إلا بتسليم كل البدن، فكان كالكفالة بكله، بخلاف ما يبقى الشخص بدونه؛ كاليد والرجل.
وتصح الكفالة بالعين المضمومة دون غيرها إذا أذن فيها واضع اليد، أو كان الكفيل قادراً على انتزاعها منه؛ كما نقله شارح "التعجيز" عن الأصحاب.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": ومن ضمان العين: ما لو تكفل ببدن العبد الجاني جناية توجب مالاً، وما لو ضمن عهدة ما بيع بثمن معين، والثمن باق بيد البائع، وإن تلف في يده فضمن رجل قيمته.. فهو كما لو كان الثمن في الذمة وضمن العهدة، ولو رهن ثوباً، ولم يسلمه فضمن رجل تسليمه.. لم يصح؛ لأنه ضمان ما ليس بلازم.
انتهى.
ويبرأ الكفيل بتسليم المكفول للمكفول له في مكان عيناه للتسليم، أو في مكان العقد عند الإطلاق بلا حائل كمتغلب، فلو سلمه له في غير ما ذكر.. فللمكفول له الامتناع من تسلمه إن كان له غرض في الامتناع؛ كفوت حاكم أو معين، وإلا.. فالظاهر - كما قاله الشيخان - لزوم
قبوه، فإن أبى.. رفعه إلى الخاكم؛ ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم.. أشهد شاهدين أنه سلمه إليه.
ولو أحضره قبل زمانه المعين فامتنع المستحق من قبوله.. نظر: هل له غرض؛ كغيبة بينة، أو تأجيل دينه، أو لا؟ والحكم في ذلك كما في المكان، وبأن يحضر المكفول في مكان التسليم بقوله: (سلمت نفسب عن جهة الكفيل)، ولو سلمه أجنبي عن جهة الكفيل بإذنه، أو قبله المستحق.. برئ، وإلا.. فلا.
[لزوم إحضار المكفول إذا علم مكانه]
الثامنة: موضع المكفول الغائب إن يعلم؛ أي: إن يعلمه الكفيل والطريق آمن، ولم يكن ثم من يمنعه من.. لزمه إحضاره ولو كان فوق مسافة القصر، سواء أكان غائباً حين الكفالة أم غاب بعدها، ولكن يمهل قدر ذهاب إليه وإباب منه.
قال الإسنوي: وينبغي أن يعتبر مع ذلم مدة إقامة مدة المسافرين ثلاثة أيام، غير يومي الدخول والخروج؛ للاستراحة وتجهيز المكفول.
قال: وإذا أعطى الكفيل ما على المكفول ثم قدم.. ففي استرداد ما أعطاه نظر، والمتجه: أن له ذلك.
انتهى.
[إذا مات المكفول أو اختفى]
التاسعة: إن يمت المكفول أو اختفى؛ أي: أو هرب فلم يعرف مكانه، أو تلفت العين المضمونة.. لا يغرم الكفيل شيئاً من المال؛ لأنه لم يلتزمه، كما لو ضمن المسلم فيه فانقطع.. لا يطالبه برأس المال، وقيل: يغرم المال؛ لأن الكفالة وثيقة؛ فيستوفى منها المال إذا تعذر تحصيله كالرهن.
[ما يبطل الكفالة]
العاشرة: بطلت الكفالة بشرط مال يلزم الكفيل إذا مات المكفول أو اختفى أو هرب، أو تلفت العين المكفولة؛ لأنه شرط يخالف مقتضاها، ولالتزام المال؛ لأنه صير الضمان معلقاً.
قال الإسنوي: ولك أن تقول: هلا بطل الشرط فقط؛ كما لو أقرضه بشرط رد مكسر عن
صحيح، أو شرط الخيار للمضمون له، أو ضمن المؤجل بشرط الحلول؛ بجامع أنه زاد خيراً؟ انتهى.
وأجيب بأن المشروط في تلك صفة تابعة، وفي هذه أصل يفرد بعقد، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.
ومن أركان الضمان والكفالة: الصيغة؛ وهي لفظ أو نحوه يشعر بالالتزام؛ كـ (ضمنت دينك عليك)، أو (تلقدته)، أو (تكفلت ببدنه)، أو (أنا بالمال، أو بإحضار الشخص ضامن)، أو (كفيل) أو (زعيم) أو (حميل)، ولو قال: (أؤدي المال)، أو (أحضر الشخص).. فهو وعد، ولا يجوز تعليقهما ولا توقيتهما، ولو نجز الكفالة وشرط تأخير الإحضار مدة معلومة.. جاز.
والألف في قول الناظم: (لزما) و (سلما) و (استحقا) للإطلاق.
باب الشركة
بكسر الشين وإسكان الراء، وحكى فتج الشين وكسر الراء وإسكانها، وهي لغة: الامتزاج، وشرعاً: ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع بشروط مخصوصة.
[أنواع الشركة]
وهي أربعة أنواع:
الأول: شكرة الأبدان؛ كشركة الحمالين وسائر المحترفة؛ ليكون بينهما كسبهما متساوياً أو متفاضلاً، اتفقت صنعتهما أم لا، وهي باطلة على الصحيح، فإذا اكتسبا وانفردا.. فلكل كسبه، وإلا.. قسم الحاصل على قدرة أجرة المثل.
الثاني: شركة المفاوضة؛ ليكون بينهما كسبهما، وعليهما ما يعرض من غرم، وهي باطلة، فإن استعملا لفظ المفاوضة، وأرادا شركة العنان.. جاز.
الثالث: شركة الوجوه، وأشهر صورها: أن يشترط وجيهان ليبتاع كل منهما بمؤجل لهما، فإذا باعا.. كان الفاضل عن الأثمان بينهما، أو يبتاع وجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل ويشرطا الربح بينهما، أو يشترك وجيه بعمله وخامل بماله؛ ليكون في يده والربح بينهما، أو يبيع الوجيه مال الخامل؛ ليكون له بعض الربح.
وكلها باطلة، وما يشتريه أحدهما في الأولى والثانية.. فهو له يختص بربحه، ولا يشاركه فيه الآخر إلا إذا صرح بالإذن في الشراء، وقصد المشتري موكله.
الرابع: شركة العنان بكسر العين: من عن الشيء ظهر؛ قاله الجوهري، إما لأنها أظهر الأنواع، أو لأنه ظهر لكل من الشريكين مال الآخر، أو من عنانه الدابة، إما لاستواء الشريكين في ولاية التصرف والفسخ واستحقاق الربح بقدر المالين؛ كاستواء طرفي العنان، أو لمنع كل منهما الآخر من التصرف كما يشاء؛ كمنع العنان الدابة، وقيل: من عن الشيء عرضه؛ لأن كلا منهما قد عرض له أن يشارك الآخر، وقيل بفتح العين: من عنان السماء.
وهذه الشركة هي المرادة هنا، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)، وخبر: "يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه.. خرجت من بينهما" رواه أبو داوود والحاكم، وصحح إسناده، ومعنى "أنا ثالث الشريكين": أنا معهما بالحفظ والإعانة، فأمدهما بالمعونة في أموالهما وإنزال البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة.. رفعت البركة والإعانة عنهما؛ وهو معنى "خرجت من بينهما".
ولها أربعة أركان: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة، وعمل، وقد أشار إليها بقوله:
(تصح ممن جوزوا تصرفه.. واتحد المالان جنساً وصفه)
(من نقد أو غير، وخلط ينتفي... تمييزه، بالإذن في التصرف)
(والربح والخسر اعتبر تقسيمه... بقدر مال شركة بالقيمة)
(فسخ الشريك موجب إبطاله... والموت والإغماء كالوكالة)
[شروط صحة الشركة]
أي: يعتبر لصحة الشركة أمور:
أحدها: أن يكون كل منهما جائز التصرف؛ بأن يكون أهلاً للتوكيل والتوكل؛ لأن كل منهما يتصرف في ماله بالملك، وفي مال الآخر بالإذن، فكل منهما موكل ووكيل، ولو كان أحد الشريكين هو المتصرف.. اشترط فيه أهلية التوكيل، وفي الآخر أهلية التوكيل فقط، حتى يجوز كزن الثاني أعمر؛ كما قاله في "المطلب".
وتكره مشاركة الكافر، ومن لا يجوز من الربا ونحوه، وقال الأذرعي: هذا إن شارك لنفسه، فإن شارك لمحجوره.. فلا بد أن يكون الشريك ممكن يجوز إبداع مال المحجور عنده.
ثانيها: اتحاد المالين جنساً وصفة من نقد، أو غيره من المثليات ولو دارهم مغشوشة.
ثالثها: خلط المالين؛ بحيث لا يتميز مال أحدهما عن مال الآخر عند العقد، فلو عقدا من غير خلط، أو معه مع إمكان التمييز.. لم يصح العقد، حتى لو تلف مال أحدهما قبل التصرف.. تلف على ملكه.
وفهم مما ذكر: عدم الصحة في المتقوم، وهو كذلك؛ لانتفاء الحيثية المذكورة، هذا إذا أخرجا مالين وعقدا، فإن ملكا مشتركاً بإرث أو شراء أو غيره، وأذن كل للآخر في التجارة فيه.. تمت الشركة.
والحيلة في الشركة في العروض المتقومة: أن يبيع بعض عرضه ببعض عرض الآخر، ويأذن كل للآخر في التصرف.
رابعها: الصيغة بالإذن من كل منهما للآخر في التصرف بالبيع والشراء؛ ليحصل التسلط على التصرف، حتى لو أذن أحدهما دون الآخر.. لم يتصرف الآذن إلا في حصته فقط، ولو شرط عليه ألا يتصرف في نصيب نفسه.. لم يصح العقد؛ لما فيه من الحجر على المالك في ملكه، ولو قالا: (اشتركنا).. لم يكف في الأصح؛ لقصوره عن الإذن، واحتمال كونه إخباراً عن حصول الشركة في المال، ولا يلزم من حصولها جواز التصرف؛ بدليل المال الموروث شركة.
وأفهم كلامه: أنه لا يشترط تساوي قدر مالي الشركة، وأنه لا يشترط العلم بقدرهما عند العقد إذا أمكنت معرفته بعده، وهو كذلك فيهما، ومتى صحت الشركة.. تسلط كل منهما على التصرف بالمصلحة؛ كالوكيل فلا يبيع بنسيئة، ولا يغير نقد البلد، ولا يسافر به ولا يبضعه بلا إذن، ولا يبيع ولا يشتري بغبن فاحش بلا إذن، فإن باع به.. بطل في نصيب شريكه، لا في نصيبه في الأصح، وانفسخت الشركة في المبيع، وصار مشتركاً بين المشتري والشريك، أو اشترى بع بعين مال الشركة.. فكالبيع، أو في الذمة.. لم يقع للشريك، وعليه وزن الثمن من خالص ماله.
قوله: (والربح والخسر اعتبر) أي: أنت تقسيمه بقدر مال شريكه بالقيمة؛ أي: باعتبارها؛ لا باعتبار الأجزاء تساوياً في العمل أو تفاوتا، فلو كان لأحدهما رطل زيت، أو قفيز بر قيمته مئة، وللآخر مثل قيمته خمسون.. فالربح والخسران بينهما بالأثلاث، فلو شرطا خلافه.. فسد العقد؛ لمخالفته وضع الشركة، والتصرف صحيح للإذن، ويقسم الربح على قدر ماليهما، ولكل على الآخر أجرة مثل عمله في ماله؛ فإن تساويا في المال والعمل.. تقاصا.
وإن تفاوتا في العمل مع التساوي في المال فكان عمل أحدهما يساوي مئتين، وعمل الآخر يساوي مئة: فإن كان عمل المشروط له الزيادة أكثر.. رجع على الآخر بخمسين، وإن كان
عمل الآخر أكثر.. لم يرجع بشيء؛ لتبرعه بعمله، وكذا لو اختص أحدهما بأصل التصرف.
وكل من الشريكين أمين، والقول قوه بيمينه في قوله: (اشتريت هذا للشركة) أو (لنفسي)، وفي الربح والخشران، وفي التلف إن ادعاه بلا سبب، أو بسبب خفي؛ كالشرقة، فإن ادعاه بظاهر وجهل.. طولب ببينة، ثم يصدق في التلف به وفي الرد، إلا إذا ادعى رد الكل، وأراد طلب نصيبه.. فلا يكون القول قوله في طلب نصيبه، ولا يقبل قول أحدهما في القسمة.
ولو قال أحد الشريكين: (هذا المال لي)، وقال الآخر: (للشركة).. صدق صاحب اليد بيمينه.
قوله: (فسخ الشريك) أي: أحد الشريكين عقد الشركة موجب إبطاله، وموته أو جنونه أو إغماؤه.. مبطل له كالوكالة؛ لأن هذا شأن العقد الجائز من الطرفين.
[أقسام العقود من حيث الجواز واللزوم]
ثم العقود نوعان:
أحدهما: ينفرد به العاقد، وهو ثمانية: النذر، واليمين، والتدبير، والعتق، والعدة، والحج، والعمرة، والصلاة إلا الجمعة.
ثانيها: لا بد فيه من متغاقدين، وهو ثلاثة أقسام:
جائز من الطرفين، وهو تسعة: الشركة، والوكالة، والقراض، والوديعة، والعارية، والجعالة، والقضاء، والوصية، والوصاية، لكن للموصي في الحياة، ولموصى له بعد الموت.
ولازم من الطرفين، وهو خسمة عشر: النكاح، والخلع، والإجازة، والمساقاة، والمزارعة، والوصية إذا قبل بعد الموت، والحوالة، والصلح، والبيع، والسلم، والمأخوذ بالشفعة، والهبة بعد القبض إلا في حق الفرع، والوقف، والصداق، والعتق على العوض.
وجائز من طرف لازم من طرف، وهو ثمانية: الرهن، والضمان، والجزية، والكتابة، والإمامة، وهبة الأصل للفرع، والهدية، والأمان.
وقول الناظم: (أو غير (بحذغ الهمزة للوزن.
باب الوكالة
بفتح الواو وكسرها لغة: الحفظ والتفويض، وشرعاً: استبانة جائز التصرف مثله فيما يقبل النيابة في حال حياته، والأصل فيها قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله﴾ [النساء: 35] الآية، وأخبار؛ كإرساله صلى الله عليه وسلم السعاة لقبض الزكوات، وتوكيله عمرو بن أمية في نكاح أم حبيبة، وأبا رافع في نكاح ميمونة، وعروة البارقي في شراء الشاة، والحاجة داعية إليها، فإن الشخص قد يعجز عن القيام بمصالحه ومعاملاته كلها فهي جائزة، بل قال القاضي حسن وغيره: إنها مندوب إليها؛ لأنها من التعاون على البر، والقيام بمصلحة الغير، وفي الخبر: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه".
ولها أربعة أركان: موكل، ووكيل، وموكل فيه، وصيغة، وقد أشار إليها فقال:
(ما صح أن يباشر الموكل... بنفسه جاز له التوكل)
(وجاز في المعلوم من وجه، ولا... يصح إقرار على من وكلا)
(ولم يبع من نفسه ولا أبن... طفل ومجنون ولو بإذن)
(وباع بالتأجيل أو بغبن... وغير نقد بلد بالإذن)
(وهو أمين، وبتفريط ضمن... يعزل بالعزل وإغماء وجن)
[ضابط ما يصح فيه التوكيل وما يستثنى منه]
أي: ما يصح أن يباشره الموكل بنفسه.. جاز له أن يوكل فيه، فأفاد كلامه: أن شرط الموكل: صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية، فيصح توكيل الولي في حق محجوره أباً كان أو جداً في الرويج والمال، أو وصياً أو قيماً في المال مما لم تجر العادة بمباشرته لمثله.
ويستثنى من هذا مسائل: منها أنه ليس للظافر بحقه التوكيل في كسر الباب وأخذه؛ ومثله: العبد المأذون، والسفيه المأذون في النكاح، وكذا من أسلم على أكثر من أربع في الاختيار، إلا إذا عين للوكيل المختارات.
وأن ما لا يصح أن يباشره الموكل بنفسه.. لا يجوز له أن يؤكل فيه، فلا يصح توكيل صبي ولا مجنون في شيء، ولا توكيل المرأة غير وليها في تزوجيها، ولا المحرم في تزويجه أو تزويج موليته.
ويستثنى الأعمى في نحو البيع فصيح للضرورة، وتوكيل المحرم حلالاً في التزويج، سواء أقال بعد التحلل أم أطلق، والحلال محرماً في التوكيل فيه، والمشتري البائع في أن يوكل من يقبض منه، والمسلم المسلم إليه كذلك، والتوكيل في استيفاء قصاص الطرف وحد القذف وإن شرط الوكيل صحة مباشرته التصرف لنفسه، فيصح توكيل عبد وسفيه في قبول نكاح لا في إيجابه.
ويستثنى من هذا مسائل: منها توكيل الولي فاسقاً في بيع مال المحجور عليه.
وأن ما لا تصح مباشرته التصرف لنفسه.. لا يصح توكله فيه، ويستثنى منه مسائل: منها اعتماد قول الصبي في الإذن في دخول دار، وإيصال نحو هدية إذا كان مميزاً مأموناً؛ لاعتماد السلف غليه في ذلك، وتوكيل الزوج شخصاً في قبول نكاح محرمه، وموسراً في قبول نكاح أمة، وتوكيل أصناف الزكاة في قبضها لهم من لا بثمنها.. فالأشهر في "المطلب": صحة التوكيل.
ويشترط في الموكل فيه: علمه من وجه يقل معه الغرر؛ كـ (وكلتك في بيع أموالي وعتق أرقائي)، ولا يشترط علمه من كل الوجوه؛ لأن تجويز الوكالة للحاجة يقتضي المسامحة فيه، بخلاف ما إذا أكثر الغرور؛ كـ (وكلتك في قليل وكثير)، أو (في كل أموري)، أو (فوضت إليك كل شيء)، أو (اشتر لي عبداً أو حيواناً).
ويشترط فيه أيضاً: أن يكون قابلاً للنيابة، سواء أكان عبادة؛ كالحج والعمرة وتوابعهما، والصوم عن الميت؛ كما رجحه النووي، وذبح الأصحية والهدي والعقيقة، وتفرقة الزكاة والكفارة والصدقة ونحوها، أم عقداً؛ كبيع، أو فسخاً؛ كرد يعيب، أم غيرها؛ كقبض الديون وإقباضها، والدعوى والجواب، واستيفاء عقوبة، وإثبات عقوبة آدمي، وتملك مباح، بخلاف سائر العبادات البدنية كالصلاة، والمعاصي كالقتل، واثبات عقوبة الله تعالى وشهادة وإقرار.
ويحتمل أن يكون هذا معنى قول الناظم الآتي: (ولا يصح إقرار على من وكلا) أي: لا يصح إقرار من الوكيل على من وكله فيه؛ لعدم صحة التوكيل على من وكله فيه؛ لعدم صحة التوكيل فيه كما سيأتي، ويجعل مقراً بنفس التوكيل على الأصح في "الروضة"، ويمين وإبلاء ولعان، ونذر وظهار وتعليق نحو عتق.
[صيغة الوكالة]
وأما الصيغة.. فكوكلتك في كذا، أو فوضته إليك، أو أنت وكيلي فيه، أو بع أو اعتق، ولا يشترط القبول لفظاً على الأصح، بل يكفي الفعل، ولا يصح تعليقها في الأصح، فإن نجزها وشرط للتصرف شرطاً.. جاز، وتصح مؤقتة.
ولو قال: (وكلتك، ومتى عزلتك فأنت وكيلي).. صحت في الحال في الأصح، وفي عوده وكيلاً بعد العزل الوجهان في تعليقها، أصحهما: المنع، ويجريان في تعليق العزل، وأصحهما: عدم صحته.
[حكم إقرار الوكيل وإبرائه]
قوله: (ولا يصح إقرار على من وكلا) أي: لا يصح إقرار الوكيل في الخصومة بالإبراء، أو الإقرار من موكله بما يبطل حقه من قبض أو تأجيل ونحوه؛ كما لا يصح إبراؤه؛ لأن اسم الخصومة لا يتناوله، ولأن الوكيل إنما يفعل ما فيه الحظ والمصلحة لموكله، وينعزل بإقراره المذكور، ولا ينعزل بإبرائه الخصم، وما قررت به كلامه.. أظهر من حمله على أنه لا يصح التوكيل في الإقرار؛ لأنه إخبار عن حق، فلا يقبل التوكيل فيه؛ كالشهادة.
[التوكيل في البيع وأحكامه]
ومتى وكله في البيع، ولم يقيده بثمن ولا حلول، ولا تأجيل ولا نقد.. لم يجز له - نظراً للعرف - البيع بغير نقد البلد ولا بنسيئة ولا بغبن فاحش، وهو ما لا يحتمل غالباً، بخلاف اليسير وهو ما يحتمل غالباً؛ كبيع ما يساوي عشرة دراهم بتسعة، فلو باع بشيء منها وسلم المبيع.. ضمنه؛ لتعديه بتسليمه ببيع بتسليمه ببيع باطل فيسترده إن بقي، وإلا.. غرم الموكل قيمته من شاء من الوكيل والمشتري والقرار عليه، وإذا استرده.. فله بيعه بالإذن السابق، ولا يكون ضامناً لثمنه.
ولو كان بالبلد نقدان.. لزمه البيع بأغلبهما، فإن استويا.. فبأنفعهما للموكل، فإن استويا.. تخير بينهما، أما إذا قيد بشيء مما ذكر.. فيتعين، فلو أطلق الأجل.. صح وحمل على المتعارف في مثله، فإن لم يكن في المبيع عرف.. راعى الوكيل الأنفع للموكل.
ولو قال الموكل: (بعه بكم شئت).. فله البيع بالغبن الفاحش، ولا يجوز بالنسيئة، ولا بغير نقد البلد، أو: (بما شئت).. فله البيع بغير نقد البلد، ولا يجوز بالغبن ولا بالنسيئة، أو: (كيف شئت).. فله البيع بالنسيئة، ولا يجوز بالغبن ولا بغير نقد البلد.
[لا يبيع الموكل من نفسه ولا لمحجوره]
وللوكيل بالبيع بيعه لأصوله وفروعه؛ كما يبيعه لصديقه، ولا يصح بيعه لنفسه، ولا لمحجوره بصبي أو مجنون أو سفه، ولو بإذن من موكله له فيه؛ لتضاد غرضي الاسترخاص لهما والاستقصاء للموكل، ولاتحاد الموجب والقابل لغير جهة الأبوة، وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله: (ولم يبع من نفسه ولا ابن طفل ومجنون ولو بإذن).
وشمل كلامه كغيره: ما لو قدر له مع ذلك الثمن ونهاه عن الزيادة وإن انتفت التهمة؛ لاتحاد الموجب والقابل، ولهذا لو وكله ليهب من نفسه.. لم يصح على الأصح، ويمتنع على الوكيل شرط الخيار لغير نفسه وموكله.
ومتى باع بثمن وزاد راغب قبل انقضاء الخيار.. انفسخ بيعه؛ إذ ليس له البيع بثمن المثل وهناك زيادة؛ لأنه مأمور بالمصلحة، فإن رجع من رغب بالزيادة عنها قبل تمكن الوكيل من بيعه منه.. بقي البيع بحاله، فإن لم يرجع إلا بعده.. فقد ارتفع ذلك البيع، فلا بد من بيع جديد.
وللوكيل بالبيع مطلقاً قبض الثمن من المشتري وتسليم المبيع له؛ لأنهما من مقتضيات البيع، لكن لا يسلمه المبيع حتى يقبض ثمنه؛ إذ في تسليمه قبل القبض خطر ظاهر، فإن خالف.. ضمن قيمته للموكل وإن كان الثمن أكثر منها، وإذا قبض الثمن.. دفعه إليه واسترد القيمة.
أما لو كان الثمن مؤجلاً.. فله قبل قبضه تسليم المبيع؛ إذ لا حبس بالمؤجل، فإن حل.. لم يملك قبضه إلا بإذن جديد، وحيث نهاه عن التسليم أو القبض.. فليس له ذلك.
وإذا وكله في شراء شيء موصوف كان أو معيناً، فاشتراه معيباً بثمن في الذمة جاهلاً بعيبه.. وقع الشراء للموكل وإن لم يساو ما اشتراه به؛ كما لو اشتراه بنفسه جاهلاً، وفارق عدم صحة بيعه بغبن فاحش؛ بأن الغبن لا يثبت الخيار فيتضرر الموكل، أو عالماً.. لم يقع لموكله وإن ساوى ما اشتراه به؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة ولا عذر، وإذا وقع للموكل.. فلكل من الموكل والوكيل الرد بالعيب، وإن رضي الموكل به.. فليس للوكيل الرد، بخلاف العكس.
وإن اشترى بعين مال الموكل.. وقع له حال الجهل، وليس للوكيل الرد في الأصح، وبطل حال العلم.
[حكم توكيل الوكيل غيره]
وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وكل فيه وإن قال له الموكل: (افعل فيه ما شئت)، أو (كل ما تصنعه فيه جائز)، وإن لم يتأت؛ لكونه لا يحسنه، أو لا يليق به.. فله التوكيل على الصحيح، ولو كثر وعجز عن الإتيان بكله.. فالمذهب: أنه يوكل فيما زاد على الممكن.
ولو أذن في التوكيل وقال: (وكل عن نفسك) ففعل.. فالأصح: أن الثاني وكيل الوكيل؛ فينعزل بعزله وانعزاله، وأنه ينعزل بعزل الموكل، أو: (عني).. فالثاني وكيل الموكل، وكذا إن أطلق في الأصح، وفي الصورتين: لا يعزل أحدهما الآخر، ولا ينعزل با نعزاله.
وحيث جوزنا للوكيل التوكيل.. فيشترط أن يوكل أميناً، إلا أن يعين الموكل غيره.
ولو كان أميناً ففسق.. لم يملك الوكيل عزله في الأصح؛ لأنه ليس نائباً عنه، ولو عين للبيع شخصاً أو زمناً أو مكاناً.. تعين، ولو قدر له الثمن فباع في مكان غيره بالقدر.. جاز.
وإن قال: (بع بمئة).. لم يبع بأقل، وله أن يزيد عليها إلا أن عين المشتري، أو صرح بالنهي عن الزيادة، وليس له البيع بمئة وهناك زيادة.
ولو قال: (اشتر عبد فلان بمئة) فاشتراه بأقل.. صح.
ولو قال: (اشتر بهذا الدينار شاة) ووصفها، فاشترى به شاتين بالصفة: فإن لم تساو واحدة ديناراً.. لم يصح الشراء للموكل، وإن ساوته إحداهما أو كل منهما.. فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكل.
ولو أمره بالشراء بعين مال فاشترى في الذمة.. لم يقع للموكل، وكذا عكسه في الأصح، ومتى خالف الموكل في بيع ماله، أو الشراء بعينه؛ كأن أمره يبيع عبد فباع غيره، أو بشراء ثوب بهذا الدينار فاشترى به آخر.. فتصرفه باطل.
ولو اشترى غير المأذون فيه في الذمة ولم يسم الموكل.. وقع للوكيل، وإن سماه فقال البائع: (بعتك)، فقال: (اشتريت لفلان).. فكذا في الأصح.
ولو قال: (بعث موكلك)، فقال: (اشتريت له).. لم يصح، بخلاف النكاح؛ فإنه لا يصح إلا كذلك، ووكيل المتهب يجب أن يسمي موكله، وإلا.. يقع له، ولا تصرفه النية، ولو وكله في بيع شيء لزيد فباعه لوكيله.. لم يصح.
[الوكيل أمين]
قوله: (وهو أمين) أي: والوكيل أمين وإن جعل بجعل؛ كما اقتضاه إطلاقه، فلا يضمن ما تلف في يده بلا تفريط؛ لأن الوكالة عقد إرفاق ومعونة، والضمان ينافيه وينبوا عنه.
قوله: (وبتفريط ضمن) كأن تصرف على غير الإذن أو المصلحة عند إطلاق الإذن، وسلم العين للغير، أو استعملها، أو وضعها في غير حرزها كسائر الأمناء، فإنهم لا يضمنون إلا بالتفريط، ولا ينعزل بذلك في الأصح؛ لأن حقيقة الوكالة الإذن في التصرف، والأمانة حكم مرتب عليه، فلا يلزم من رفعها رفعه.
وإذا باع وسلم المبيع.. زال الضمان عنه، ولا يضمن الثمن، ولو رد المبيع بعيب عليه.. عاد الضمان.
ولو دفع إلى وكيله دراهم ليشتري بها شيئاً فيهل قرضاً عليه.. ضمنها، وليس له أن يشتري للموكل بدراهم نفسه، ولا في الذمة، فإن فعل.. فالشراء له، فلو عادت الدراهم إليه فاشترى بها الموكل.. صح على المذهب، والمشترى غير مضمون عليه، فلو رده بعيب واسترد الثمن.. عاد الضمان.
ومتى طالبه برد ماله.. لزمه أن يخلي بينه وبينه، فإن امتنع بلا عذر.. ضمن.
[تعلق أحكام العقد بالوكيل]
وأحكام العقد بالوكيل دون الموكل؛ لأنه العاقد حقيقة، فيعتبر في الرؤية، ولزوم العقد بمفارقة المجلس والفسخ فيه، والتقابض في المجلس حيث يشترط، وتسليم رأس مال السلم.. الوكيل دون الموكل.
وإذا اشترى الوكيل.. طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه إليه الموكل، وإلا.. فلا إن كان الثمن معيناً، وإن كان في الذمة.. طالبه به إن أنكر وكالته، أو قال: (لا أعلمها)، وإن اعترف بها.. طالب به أيهما شاء في الأصح، والوكيل كضامن، والموكل كأصيل، وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقاً.. رجع عليه المشتري ببدل الثمن وإن اعترف بوكالته في الأصح، ثم يرجع الوكيل على الموكل بما غرنه، وللمشتري الرجوع على الموكل ابتداء في الأصح؛ لأن الذي تلف في يده سفيره ويده كيده.
[ما ينعزل به الوكيل]
ثم شرع فيما ينعزل به الوكيل فقال: (يعزل بالعزل) أي: منه أو من موكله؛ كأن يقول الوكيل: (عزلت نفسي)، أو (أخرجتها من الوكالة)، أو (رددتها)، أو الموكل: (عزلته)، أو (رفعت الوكالة)، أو (فسختها)، أو (أبطلتها)، أو (أخرجته منها) لأن الوكالة جائزة من الجانبيين وإن ذكر فيها جعل ووجدت فيها شروط الإجازة؛ لتضرر العاقدين باللزوم.
ولا يتوقف انعزاله على علمه بالعزل كما اقتضاه كلامه؛ لأنه رفع عقد لا يتوقف على الرضا، فكذا العلم: كالطلاق، بخلاف انعزال القاضي؛ لتعلق المصالح الكلية به قاله الرافعي وغيره، وقضبته: أن القاضي في الواقعة الخاصة كالوكيل، وأن الوكيل العام كوكيل السلطان لا ينعزل قبل بلوغ الخبر؛ لعموم نظره، فالأحسن الفرق: بأن القاضي نائب عن المسلمين لا عن الإمام.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": وينبغي للموكل إذا عزل الوكيل في غيبته أن يشهد على العزل؛ لأن قوله بعد تصرف الوكيل: (كنت عزلته) لا يقبل.
قال في "المهمات": ومحله: إذا أنكر الوكيل العزل، فإن وافقه، لكن قال: كان بعد
التصرف.. فهو كدعوى الزوج تقدم الرجعة على انقضاء العدة، وفيه تفصيل معروف؛ قاله الرافعي في اختلاف الموكل والوكيل.
ولو أنكر أحدهما الوكالة.. فالأصح أنه: إن كان لنسيان أو لغرض في الإخفاء.. فليس بعزل، وإلا.. فعزل.
وأشار بقوله: (وإغماء وجن) إلى أن الوكيل ينعزل بزوال أهلية واحد منهما لذلك التصرف؛ لأن مات أو جن أو أغمي عليه أو رق، أو فسق فيما تعتبر فيه العدالة، أو حجر عليه بسفه، او فلس فيما لا ينفذ لأجلهما، ويستثنى منه إغماء الموكل برمي الجمار فلا ينعزل به الوكيل؛ لأنه قد زاد عجزه.
وينعزل أيضاً بخروج محل التصرف عن ملك الموكل بتلف أو بيع، أو عتق أو نحوها، أو عن منفعته؛ كما لو أجره، أو زوج الأمة؛ لإشعار الإجارة والتزويج بالندم على البيع، أو عن الوكيل إذا كان رقيق الموكل؛ كما نقل النووي تصحيحه عن جماعة وأقره، بخلاف زوال الملك عن رقيق غيره فليس بعزل، وينعزل بالإيصاء والتدبير، وتعليق العتق بصفة؛ كما رجحه جماعة من المتأخرين، وفي طحن الحب وجهان أطلقهما الشيخان وغيرهما، ونقل الأذرعي عن "التتمة": أن أصلهما ما لو حلف لا يأكل هذه الحنطة فأكل بعد الطحن، قال: وقضيته: ترجيح العزل، وذكر في "الخادم" أيضاً ذلك، وأن الرافعي إنما أخذهما من "التتمة"، وأن القاضي ذكرهما، وقال: بناء على أن المغلب الإشارة أو العبارة، ولا ينعزل بالعرض على البيع، ولا بتوكيل وكيل آخر.
قال في "الروضة": ولو عزل أحد وكيليه مبهماً.. منع كل منهما من التصرف في الأصح حتى يميز، للشك في أهليته، ومن يقبل قوله في الرد؛ كالوكيل والمودع.. ليس له أن يقول بعد طلب المالك: (لا أرد إلا بإشهاد) في الأصح، ومن لا يقبل قوله فيه كالغاصب.. فله الامتناع إن كان عليه بينة بالأخذ، وكذا إن لم تكن بينة في الأصح.
ولو قال رجل: (وكلني زيد بقبض ما له عندك من دين أو عين) وصدقه.. فله دفعه إليه،
والمذهب: أنه لا يلزمه إلا ببينة على وكالته، فلو دفع فحضر زيد وأنكر الوكالة.. صدق بيمينه، ثم إن الحق عيناً.. أخذها، وإن تلفت.. فله تغريم من شاء منهما، ولا رجوع للغارم على الآخر، إلا إذا تلفت بتفريط القابض وغرم الدافع.. فإنه يرجع على القابض، أو ديناً.. فله مطالبة الدافع بحقه ويسترد هو المدفوع، فإن تلف بتفريط.. غرمه، وإلا.. فلا، وليس له مطالبة القابض إن تلف المدفوع عنده، وكذا إن بقي في الأصح.
وإن لم يصدقه.. لم يكلف الدفع إليه، فإن دفع، ثم حضر زيد وحلف على نفي الوكالة.. غرم الدافع، ثم يرجع هو على القابض.
ولو أنكر الوكالة أو الحق، وكان الوكيل مأذوناً له في إقامة البينة.. أقامها وأخذ الحق، وإلا.. فليس له التحليف في الأظهر.
ولو قال: (أنا وارثه) وصدقه.. وجب الدفع على المذهب، أو (أحالني عليك) وصدقه.. فكذا في الأصح، وإن كذبه ولا بينة.. فله تحليفه في الأصح.
والألف في قول الناظم: (وكلا) للإطلاق، وقوله: (وجن) بكسر الجيم؛ أي: جنون.
باب الإقرار
هو لغة: الإثبات؛ من قر الشيء يقر قراراً إذا ثبت، وشرعاً: إخبار عن حق سابق، ويسمى اعترافاً أيضاً، والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: 135] وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار، وقوله تعالى: ﴿ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾ [آل عمران: 82]، وقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: 282] إلى قوله: ﴿فليمدل وليه بالعدل﴾ [البقرة: 282] أي: فليقر بالحق، دل أوله على صحة إقرار الرشيد على نفسه، وآخره على صحة إقرار الولي على موليه، وخبر "الصحيحين": "اغد يا أنيس إلى امرأة هنا، فإن اعترفت.. فارجمها"، والقياس: لأنا إذا قبلنا الشهادة على الإقرار.. فلأم نقبل الإقرار أولى.
وله أربعة أركان: مقر، ومقر له، ومقر به، وصيغة.
(وإنما يصح مع تكليف... طوعا ولو في مرض مخوف)
(والرشد إذا إقراره بالمال... وصح الاستثناء باتصال)
(عن حقنا ليس الرجوع يقبل... بل حق ربي، فالرجوع أفضل)
(ومن بمجهول أقر قبلا... بيانه بكل ما تمولا)
[الركن الأول: المقر وشروطه]
أي: إنما يصح الإقرار مع تكليف المقر؛ بأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح إقرار غير المكلف؛ كصبي ومجنون، إلا السكران طوعاً؛ أي: اختياراً، فلا يصح إقرار مكره عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: 106] أسقط حكم الكفر به فغيره أولى.
ويصح إقرار من ذكر ولو مع مرض ومخوف من المقر، فيصح إقرار المريض والمال عيناً كان أو ديناً لأجنبي أو وارث؛ لأنه في حالة يصدق فيها الكاذب، وينوب فيها الفاجر، فالظاهر صدقه.
ولو أقر في صحته بدين لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر.. لم يقدم الأول، بل يتساويان؛ كما لو أقر بهما في الصحة أو المرض.
ولو أقر في صحته أو مرضه بدين لإنسان، وأقر وارثه بعد موته بدين لآخر.. لم يقدم الأةل في الأصح؛ لأن إقرار الوارث كإقرار المورث، فكأنه أقر بالدينين.
ويشترط مع ما مر في الإقرار بالمال: وشد المقر؛ أي: إطلاق تصرفه في المال، ولهذا قال الناظم: (والرشد إذا إقراره بالمال) فلا يصح إقرار السفيه بمال عين أو دين معاملة أسنده إلى ما قبل الحجر أو بعده، وكذا بإتلاف المال في الأظهر.
وخرج بقوله: (إذ إقراراه بالمال): إقراره بغيره؛ كالحد والقصاص فيصح، ويصح خلعه وطلاقه، وظهاره ونفيه النسب ونحوها.
وأما المفلس.. فيصح إقراره بعين، أو بدين أسند وجوبه إلى ما قبل الحجر بمعاملة أو مطلقاً أو إتلاف، أو إلى ما بعده بجناية، فيزاحم المقر له فيها الغرماء.
وأما الرقيق.. فيقبل إقراره بموجب عقوبة، وأظهر القولين: أنه يضمن مال السرقة في ذمته تالفاً كان أو باقياً في يده أو يد السيد إذا لم يصدقه فيها.
ولو أقر بدين جناية لا توجب عقوبة: كجناية الخطأ وإتلاف المال، فكذبه السيد.. تعلق بذمته دون رقبته، فيتبع به إذا عتق، وإن صدقه السيد.. تعلق برقبته فيباع فيها، إلا أن يفديه السيد بأقل الأمرين من قيمته وقدر الدين.
وإذا بيع وبقي شيء من الدين.. لا يتبع به إذا عتق، وإن أقر بدين المعاملة.. لم يقبل على السيد إن لم يكن مأذوناً له في التجارة، بل يتعلق المقر به بذمته يتبع به إذا اعتق وإن صدقه السيد، ويقبل على السيد إن كان مأذوناً له في التجارة، ويؤدى من كسبه وما في يده، إلا أن يكون المقر به مما لا يتعلق بالتجارة كالقرض؛ فلا يقبل على السيد.
ولو أقر بعد حجر السيد عليه بدين معاملة أضافه إلى حال الإذن.. لم تقبل إضافته في الأصح، وقبل الحجر لو أطلق الدين.. لم ينزل على دين المعاملة في الأصح.
[الركن الثاني: المقر له]
الركن الثاني: المقر له، ويشترط فيه أهلية استحقاق المقر به، فلو قال: (لهذه الدابة على كذا).. فلغو؛ لأنها ليست أهلاً للاستحقاق، ولو قال: (علي بسببها لمالكها كذا)..
صح على الصحيح، وحمل على أنه جنى عليها أو اكتراها، أو (علي بسببها).. لم يلزم لمالكها الآن، بل يسأل ويعمل ببيانه.
ولو أقر لرقيق.. فلسيه، أو لحمل بسبب إرث أو وصية.. ثح؛ لأن ما أسنده ممكن، فإن انفصل ميتاً.. فلا حق له، وتكون لورثة المورث أو الموضي، أو حياً وانفصل لدون ستة أشهر.. استحق، أو لأكثر من أربع سنين.. فلا، أو لما بينهما وهي فراش.. فكذلك، وإلا.. فالأظهر: الاستحقاق، واعتبر الشيخان هذه المدة من الإقرار، وصوب الإسنوي والبلقيني اعتبارها من سبب الاستحقاق.
ثم إن استحق بوصية.. فله الكل، أو بإرث من أب وهو ذكر.. فكذلك، أو أنثى.. فلها النصف، وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقه؛ كقوله: (أقرضنيه) أو (باعني به شيئاً).. فلغو، وقيل: صحيح وبلغو الإسناد؛ لأنه غير معقول، وقيل فيه قولا تعقيب الإقرار بما يرفعه، وفي "الشرح" تصحيح الطريق الثاني، وتعقبه في "الروضة" بأن الأصح: البطلان، وبه قطع في "المحرر"، قال في "الأنوار": وهم وهم، بل الضمير في قوله "المحرر": (فهو لغة) للإسناد، وأما الإقرار.. فصحيح، وذكر الأذرعي نحوه، وإن أطلق.. صح في الأظهر، ويحمل على الجهة الممكنة في حقه.
وعدم تكذيبه المقر، فلو كذب المقر.. ترك المال في يده في الأصح؛ لأن بده تشعر بالملظ ظاهراً إقراره بمعارضة الإنكار.
فلو رجع المقر به وصدق المقر.. لم يسلم له إلا بإقرار جديد، أو المقر وقال: (غلطت)، أو (تعمدت الكذب).. قبل في الأصح.
وتعيينه نوع تعيين بحيث تتوقع منه الدعوى والطلب، فلو قال: (لإنسان)، أو (واحد من بني آدم)، أو (من أهل البلد على ألف).. لم يصح على الصحيح، فلو قال واحد: (أنا المراد ولي عليك ألف).. صدق المقر بيمينه.
[الركن الثالث: المقر به]
الركن الثالث: المقر به، ويشترط ألا يكون ملكاً للمقر وقت الإقرار، فلو قال: (داري) أو (ثوبي) أو (ديني الذي على زيد لعمرو).. فلغو؛ لأن الإضافة إليه تقتضي الملك له فتنافي الإقرار لغيره؛ إذ هو إخبار بحق سابق عليه، ويحمل كلامه على الوعد بالهبة.
ولو قال: (مسكني لزيد).. فهو إقرار؛ لأنه قد يسكن ملك غيره، ولو قال: (هذا لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت).. فأول كلامه إقرار وآخره لغو، فيطرح ويعمل بأوله.
ولو قال: (الدين الذي على زيد لعمرو، واسمي في الكتاب عارية).. صح.
ويشترط أن يكون المقر به في يد المقر ليسلم بالإقرار للمقر له في الحال، وإن لم يكن في يده.. فهو دعوى أو شهادة، فلو صار بيده.. عمل بمقتضى الإقرار؛ بأن يسلم للمقر له في الحال، فلو قال: (العبد الذي في يد زيد مرهون عند عمرو بكذا)، ثم حصل العبد في يده.. أمر ببيعه في دين عمرو.
ولو أقر بحرية عبد في يد غيره، أو شهد بها فردت ثم اشتراه.. صح وحكم بحريته، فترفع يده عنه، ثم إن قال: (أعتقه).. فشراؤه افتداء من جهة المشتري في الأصح، وبيع من جهة البائع، فيثبت له وحده الخياران وولاؤه موقوف، فإن مات وترك مالاً وله وارث بنسب.. فله؛ وإلا فإن صدقه البائع.. أخذه ورد الثمن، أو كذبه وأصر.. فللمشتري منه قدر الثمن، والباقي موقوف، وإن قال: (هو حر الأصل)، أو (عتق قبل شرائك).. فافتداء من جهته وبيع من جهة البائع، وإذا مات ولا وارث له.. فماله لبيت المال، وليس للمشتري أخذ شيء منه، ولو مات قبل القبض.. لم يكن للبائع مطالبته بالثمن.
ولو أقر بحريته ثم استأجره.. لم يحل له استخدامه، وللمؤجر مطالبته بالأجرة.
[الركن الرابع: صيغة الإقرار]
الركن الرابع: الصيغة، فقوله: (لفلان عندي) أو (علي) أو (معي كذا).. صيغة إقرار، ثم (علي) و (في ذمتي) للدين ظاهراً فلا يقبل تفسيره بوديعة، ولا دعواه التلف، بل يضمنه، و (معي) و (عندي) للعين؛ أي: محمول عند الإطلاق على الإقرار بالعين، حتى إذا ادعى أنها وديعة وأنها تلفت، أو ردها.. يقبل قوله بيمينه.
ولو قال: (لي عليك ألف)، فقال: (زن) أو (خذ) أو (استوف).. فليس بإقرار، أو (زنه) أو (أخذه)، أو (هي صحاح)، أو (اختم عليه)، أو (شده في هميانك)، أو (اجعله في كيسك).. فكذا على الصحيح؛ لأن ذلك يذكر للاستهزاء، أو (بلى)، أو (نعم)، أو (أجل)، أو (صدقت)، أو (أنا مقر به)، أو (بما تدعيه)، أو (لست منكراً له)، أو (لا أنكر ما تدعيه)، أو (لا أنكر أن تكون محقاً فيما تديعه)، أو (أبرأتني منه)، أو (قضيته)، أو (له على ألف في علمي)، أو (فيما أعلم)، أو (أشهد).. فإقرار بالألف، وعليه بينة الإبراء أو القضاء.
أو (أنا مقر)، أو (أقر به)، أو (لست منكراً)، أو (لا أقر)، أو (لا أنكر أن تكون محقاً)، أو (أقررت بأنك أبرأتني)، أو (استوفيت مني)، أو (لعل)، أو (عسى)، أو (أظن)، أو (أحسب)، أو (أقدر)، أو (لا أقر به ولا أنكره).. فليس بإقرار.
وإذا انضم إلى اللفظ قرائن تشعر بالاستهزاء والتكذيب؛ كالأداء [والإبراء]، وتحريك الرأس الدال على شدة التعجب والإنكار، فيشبه ألا يكون إقراراً، ويحمل قولهم: (: أن صدقت" وما في معناه.. إقرار) على غير هذه الحالة، أو يقال: فيه خلاف لتعارض اللفظ والقرينة، فإن المتولي حكى وجهين فيما لو قال: (لي عليك ألف)، فقال مستهزئاً: (لك علي ألف).
ولو قال: (أليس عليك كذا؟ ) فقال: (بلى).. فإقرار، أو (نعم).. فكذا على الصحيح، وقيل: أنه ليس بإقرار،؛ لأنه موضوع للتصديق فيكون مصدقاً له في النفي، بخلاف (بلى) فإنه لرد النفي، ونفي النفي إثبات، وأجيب بأن النظر في الإقرار إلى العرف، وأهله يفهمون الإقرار بـ (نعم) فيما ذكر.
ولو قال: (اقض الألف الذي لي عليك)، فقال: (نعم)، أو (أقضي غداً)، أو (أمهلني يوماً)، أو (حتى أقعد)، أو (أفتح الكيس)، أو (أجد المفتاح).. فإقرار في الأصح.
ويصح الإقرار بكل لغة فهمها المقر، فلو أقر عجمي بعربية أو بالعكس، وقال: لقنت.. صدق بيمينه إن أحتمل أن يخفي عليه، وكذا حكم جميع العقود والحلول.
ولو قال: كنت يوم الإقرار صبياً وهو محتمل، أو مجنوناً وقد عهد له.. صدق بيمينه، أو مكرهاً وعليه أمارة.. فكذلك، وإلا.. لم يقبل قوله، وإنما تثبت الأمارة ببينة، أو اعتراف المقر له، وحبسه لزيد لا بقدح في إقراره لعمرو.
ولو تعرضت البينة لبلوغه وعقله واختياره، وادعى المق خلافه.. لم يقبل، ولا يشترط في الشهادة تعرض لبلوغ وعقل واختيار وحرية ورشد على المذهب، وما يكتب في الوثائق.. فهو احتياط، ولو قيدت بينة الإقرار بالاختيار، وأقام الخصم بينة بالإكراه.. قدمت، ولا تقبل شهادة الإكراه إلا مفصلة.
[حكم الاستئناف في الإقرار وشروطه]
قوله: (وصح الاستثناء باتصال)، أي: وصح الاستثناء من المقر؛ لأن الاستثناء - وهو إخراج ما لولاه لدخل فيما قبله - بـ (إلا) أو نحوها معهود في القرآن وغيره حال كونه متصلاً بالإقرار؛ بحيث يعد معه كلاماً واحداً، فلو فصل بينهما بكلام أجنبي أو سكوت.. لم يصح.
نعم؛ يغتفر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو عي أو تذكر أو انقطاع صوت؛ كما نص عليه في "الأم"، قال في "الروضة" و"أصلها": والاتصال المشروط هنا أبلغ مما يشترط بين الإيجاب والقبول؛ لأنه يحتمل بين كلام الاثنين ما لا يحتمل بين كلام الواحد، ولما ذكر فيها أن تخلل كلام الأجنبي يبطل الاستثناء.. قال: هكذا قاله أصحابنا، وقال صاحبا "البيان" و"العدة": إذا قال: (علي ألف - أستغفر الله - إلا مئة).. صح الاستثناء عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، لنا أنه فصل يسير، فصار كقوله: (علي ألف - يا فلان - إلا مئة)، وما نقلاه فيه نظر.
انتهى، ونظيره في المقيس عليه ظاهر، وأما في المقيس.. فجوابه ما قاله الخوارزمي: أن قوله (أستغفر الله) استدراك لما سبق منه فكان لازماً للاستثماء، فلا يمنع الصحة.
ويشترط أيضاً لصحة الاستثناء: قصده قبل فراغ الإقرار، فلا يكفي بعده، وعدم استغراقه
للمستثنى منه؛ كـ (عشرة إلا تسعة)، فإن استغفره كـ (عشرة إلا عشرة).. لم يصح؛ لأنه رفع لما أثبته، وليس من المستغرق: (له على مال إلا مالاً)، أو (شيء إلا شيئاً)، أو نحوها؛ لإمكان حمل الثاني على أقل من الأول، ومحل ذلك: ما لك يخرجه عن الاستغراق، وإلا.. صح، فلو قال: (له علي عشرة إلا عشرة إلا خمسة).. لزمه خمسة؛ إذ الكلام بآخره، وآخره يخرجه عن الاستغراق؛ لأن عشرة إلا خمسة وخمسة، ويكون المقر به في مثل ذلك الأخير.
ولو قال: (له على عشرة إلا خمسة إلا عشرة)، أو (عشرة إلا خمسة إلا خمسة).. لزمه خمسة، وألغي ما حصل به الاستغراق، ومهما كان في المستثنى أو المستثنى عنه عددان معطوفان أحدهما على الآخر.. ففي الجمع بينهما وجهان، أصحهما وهو المنصوص في (الطلاق) وبه قطع الأكثرون: لا يجمع؛ لأن واو العطف وإن اقتضت الجمع لا تخرج الكلام عن كونه ذا جملتين من جهة اللفظ الذي يدور عليه الاستثناء.
فلو قال: (له على درهم ودرهم إلا درهماً)، أو (له علي درهمان ودرهم إلا درهماً).. لزمه ثلاثة دراهم، لأن المستثنى منه إذا لم يجمع مفرقه.. لم يلغ، إلا ما يحصل به الاستغراق، وهو درهم.
ولو قال: (له علي إلا درهماً ودرهمين).. لزمه درهمان لذلك.
ولو قال: (له علي درهم ودرهم إلا درهماً ودرهماً ودرهماً).. لزمه ثلاثة؛ لأنه إذا لم يجمع مفرق الاستثناء والمستثنى منه.. كان المستثنى درهماً من درهم، وهو من الإثبات نفي وعكسه؛ لأنه مشتق من الثني وهو الصرف، وإنما يكون الصرف من الإثبات إلى النفي وبالعكس.
فلو قال: (له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية)... وهكذا إلى الواحد.. لزمه خمسة، وطريقة: أن تسقط الأعداد المنفية من المثبتة والباقي هو اللازم، فالأعداد المثبتة هنا ثلاثون والمنفية خمسة وعشرون، والعدد المذكور أولاً إن كان شفعاً.. فالأشفاع مثبتة، والأوتار منفية، أو وتراً.. فبالعكس، وشرطه: أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي المعتاد، وأن يتول كل شفع وتراً وبالعكس، أو تخرج المستثنى الأخير مما قبله، وما بقي منه.. يخرج مما قبله.. وهكذا حتى ينتهي إلى الأول.
ولو قال: (ليس له عشرة إلا خمسة).. لم يلزمه شيء؛ لأن (عشرة إلا خمسة) خمسة كما مر، فكأنه قال: (ليس له على خمسة).
ولو قال: (ليس له علي شيء إلا عشرة).. لزمه عشرة.
ولو قال: (له علي شيء إلا خمسة).. لزمه تفسير الشيء بما يزيد على الخمسة وإن قلت الزيادة؛ لتلزمه تلك الزيادة.
ولا فرق كما صححه الشيخان في (باب الأيمان) بين تقديم المستثنى منه على المستثنى وتأخيره؛ كقوله: (له على إلا عشرة مئة)، ويصح الاستثناء من غير الجنس؛ كقوله: (له على ألف درهم إلا ثوباً) أو (عبداً)، ثم عليه أن يبينه بما لا تستغرق قيمته الألف، فإن استغرقته.. بطل الاستثناء.
[حكم الرجوع عند الاقرار]
قوله: (عن حقنا ليس الرجوع يقبل بل حق ربي فالرجوع أفضل) أي: لا يقبل الرجوع من المقر بما أقر به من حقوق الآدميين، سواء أكانت مالية أم غيرها؛ كالقتل والقذف وغيرهما؛ لأنها مبنية على المشاحة، بل يقبل رجوعه عما أقر به من عقوبة لله تعالى، سواء أكانت حداً أم تعزيزاً؛ كالزنا وشرب الخمر وغيرهما؛ لأنها مبنية على المسامحة، فرجوعه عن إقراره بها أفضل؛ لقصة ماعز، ولهذا استحب لمن ارتكب معصية توجب عقوبة لله تعالى أن يستر على نفسه، بخلاف من قتل أو قذف مثلاً.. فإنه يستحب له أن يقر، بل يجب عليه ليستوفى منه الحق؛ لما في حقوق الآدميين من التضييق، بخلاف عقوبة الله تعالى، أما رجوعه عما أقر به من حق مالي لله تعالى؛ كالزكاة والكفارة.. فلا يقبل.
[الإقرار بالمجهول]
قوله: (ومن بمجهول أقر قبلا ببانه بكل ما تمولا) أي: يصح الإقرار بمجهول؛ كقوله: (له علي شيء) لأنه إخبار عن حق سابق كما مر، والشيء قد يخبر عنه مبيناً، وقد يخبر عنه مبهماً، إما للجهل به، أو لثبوته مجهولاً بوصية أو نحوها، ويلزمه بيان ما أبهمه فيطالب بتفسيره، فإن امتنع منه.. حبس على الأصح؛ لامتناعه من أداء الواجب عليه؛ كما يحبس من امتنع من أداء الحق، ويقبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل كرغيف وفلس، لأن الشيء صادق عليه.
ولو فسره بما لا يتمول، لكنه من جنسه؛ كحية حنطة، أو بما يحل اقتناؤه، ككلب معلم
وسرجين.. قبل في الأصح؛ لأن ذلك يحرم أخذه، ويجب على آخذه رده، ويقبل تفسيره بحق شفعة، أو حد قذف.
ولا يقبل تفسيره بما لا يقتنى؛ كخنزير وكلب لا نفع فيه؛ إذ لا يجب رده فلا يصدق به قوله: (علي)، بخلاف ما إذا قال: (له عندي شيء).. فيصدق به.
ولا يقبل تفسيره أيضاً بعيادة ورد سلام؛ لبعد فهمهما في معرض الإقرار؛ إذ لا مطالبة بهما.
ولو أقر بمال أو بمال عظيم أو كبير، أو كثير أو جليل، أو أكثر من مال السلطان.. قبل تفسيره بما قل منه وإن لم يتمول؛ كحبة حنطة، ويكون وصفه بالعظم ونحوه من حيث إثم غاصبه وكفر مستحله، وكذا يقبل تفسيره بالمستولدة في الأصح؛ لأنها ينتفع بها وتستأجر وإن كانت لا تباع، ولا يقبل تفسيره بمنفعة وكلب جلد ميتة؛ لأنها لا يصدق عليها اسم المال.
وقوله: (له علي كذا) كقوله: (له على شيء)، وقوله: (شيء شيء)، أو (كذا كذا) كما لو لم يكرر؛ لأن الثاني تأكيد، ولو قال: (شيء شيء)، أو (كذا وكذا).. وجب شيئان يقبل كل منهما في تفسير شيء، لاقتضاء العطف المغايرة، ولو بين المبهم بما يقبل، وكذبه المقر له في أنه حقه.. فليبين جنس المقر به وقدره، وليدع به، والقول قول المقر في نفيه، فإذا بين المقر به مئة درهم، فقال المقر له: (ما لي عليك إلا مئة دينار)، وادعي بها.. حلف المقر أنه ليس عليه إلا مئة درهم.
ولو قال: (له علي كذا درهماً)، أو رفع الدرهم أو جره أو سكنه.. لزمه درهم، والمذهب: أنه لو قال: (كذا وكذا درهماً) بالنصب.. وجب درهمان وإن لم ينصبه، أو حذف الواو.. فدرهم في الأحوال.
والألف في قول الناظم: (قبلا) و (تمولا) للإطلاق.
باب العارية
بتشديد الياء وقد تخفف، وفيها لغة ثالثة: عارة حكاها ابن سيده وغيره، وهي اسم لما يعار.
وحقيقتها شرعاً: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع بع مع بقاء عينه.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: 7] قال كثير من المفسرين: المراد: ما يستعيره الجيران بعضهم من بعض، وقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: 2]، وخبر "الصحيحين": (أنه صلى الله عليه وسلم استعار فرساً من أبي طلحة فركيه)، وخبر أبي داوود وغيره بإسناد جيد: أنه صلى الله عليه وسلم استعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال: أغصب يا محمد؟ وروي: أغصباً؟ فقال: "بل عارية مضمونة".
قال الماوردي والروياني وغيرهما: وكانت واجبة أول الإسلام؛ للآية السابقة، ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة؛ أي: أصالة، وإلا.. فقد تجب؛ كإعارة الثوب لدفع حر أو برد، وإعارة الحبل لإنقاذ غريق، والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته، وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم، والأمة من الأجنبي، وقد نكره كإعارة العبد المسلم من كافر.
ولها أربعة أركان: معير، ومستعير، ومعار، وصيغة.
(تصح إن وقتها أو أطلقا... في عين انتفاعها مع البقا)
(يضمنها وؤن الرد، وفي... سوم بقيمة ليوم التلف)
(والنسل والدر بلا ضمان... ولا يعير أول لثاني)
(فإن يعر وهلكت تحت يديه... يضمنها ثان ولم يرجع عليه)
فيها خمسة مسائل:
[صحة العارية مؤقتة ومطلقة وبيان كل منهما]
الأولى: تصح العارية أن أقتها بمدة معلومة، أو أطلقها؛ بأن لم يقيدها بمدة.
مثال الثانية: أعاره أرضاً للبناء أو الغراس ولم يذكره مدة.. فللمستعير أن يبني ويغرس فيها ما لم يرجع المعير، فإن رجع.. لم يكن للمستعير البناء والغراس، فلو فعل عالماً بالرجوع.. قلع مجاناً، وعليه تسوية الأرض؛ كالغاصب، أو جاهلاً.. فكذا في الأصح.
وما بني وغرس قبل الرجوع إن أمكن رفعه من غير نقص يدخله.. رفع، وإلا: فإن شرط القلع عند رجوعه وتسوية الحفر.. لزمه، فإن امتنع.. فللمعير قاعه مجاناً، أو شرط القلع فقط.. لم تلزمه تسوية الحفر، وإن لم يشرط القلع: فإن اختار المستعير القلع.. قلع وتلزمه التسوية في الأصح، وإن لم يختر القله.. لم يكن للمعير قلعه مجاناً؛ لأنه محترم، والأصح: أن للمعير أن يبقيه بأجرة، أو يقلع ويضمن أرش النقص؛ وهو التفاوت بين قيمته قائماً ومقلوعاً، أو يمتكله بقيمته حين التملك.
وإذا اختار ما له اختياره.. لزم المستعير موافقته، فإن أبى.. كلف تفريغ الأرض، فإن لم يختر المعير شيئاً مما ذكر.. لم يقلع مجاناً إن بذل المستعير الأجرة، وكذا إن لم يبذلها في الأصح.
والأصح: أن الحاكم يعرض عنهما حتى يختارا شيئاً، وللمعير في مدة التوقف دخولها والانتفاع بها، والاستظلال بالبناء والشجر، ولا يدخلها المتسعير بغير إذن لتفرج، ويجوز للسقي والإصلاح في الأصح، فلو تعطلت منفعة الأرض بدخوله.. لم يمكن إلا بأجرة، ولكل بيع ملكه للآخر ولثالث على الصحيح، والمشتري من المعير كهو فيتخير، أو من المستغير فكهو، وللمشتري الفسخ إن جهل.
ولو اتفق المعير والمستعير على بيع الأرض بما فيها بثمن واحد.. جاز في الأصح؛ للحاجة، ثم كيف يوزع الثمن؟ قال المتولي: هو على الوجهين فيما إذا غرس الراهن الأرض المرهونة؛ أي: وهما السابقان في رهن الأم دون الولد، وقال البغوي: يوزع على الأرض
مشغولة بالغراس أو البناء، وعلى ما فيها وحده، فحصة الأرض للمعير، وحصة ما فيها للمتسعير.
ومثال الأولى: أعاره أرضاً للبناء، أو الغراس سنة مثلاً.. فللمستعير البناء والغراس في المدة إلى أن يرجع المعير، وله أن يجدد ذلك كل وقت، وبعد انقضاء المدة ليس له إحداث البناء والغراس، وإذا رجع المعير قبل المدة أو بعدها.. فالحكم كما لو رجع في المطلقة.
ولو وقف المستعير البناء والغراس.. فليس للمعير التمكل بالقيمة، ويتخير بين الخصلتين الأخيرتين، ولو كان على الشجر ثمر لم يبد صلاحه.. فالتخيير بعد جذاذه؛ كما نقله ابن الرفعة وأقره.
قال الإسنوي: لكن المنقول في نظيره من الإجازة التخيير، فإن اختار التملك.. ملك الثمرة أيضاً إن كانت غير مؤبرة، وأبقاها إلى الجذاذ إن كانت مؤبرة.
ولو بنى أحد الشريكين أو غرس بإذن الآخر.. فليس له إذا رجع إلا الإبقاء بأجرة، فإن لم يرض بها.. فالأصح: أن الحاكم يعرض عنهما.
وإذا أعاره لزراعة، ثم جعل قبل إدراك الزرع: فإن اعتيد قطعه حينئذ.. كلفه، وإلا.. فالصحيح: أن عليه الإبقاء إلى الحصاد، والأصح: أن له الأجرة.
ولو عين مدة ولم يدرك فيها؛ لتقصيره بتأخير الزراعة.. قلع مجاناً، أو بلا تقصير.. فكالإعارة مطلقاً، والإعارة للغسيل إن اعتيد نقله.. فكالزرع، وإلا.. فكالبناء.
وشرط المعير: صحة تبرعه، فلا تصح من الصبي والسفيه والمفلس، والمكاتب بغير إذن سيده؛ لأنها تبرع بالمنفعة وليسوا أهلاً له، وإنما جعل المفلس أهلاً له في الضمان من جهة تصرفه في الذمة، وهنا المراد: التصرف في العين.
نعم؛ قال الإسنوي وغيره: المنجه: جواز إعارتها إذا لم يكن فيها تعطيل اليد عنها؛ كإعارة الدار يوماً، بخلاف الإجارة.
انتهى.
وملكه المنفعة ولو بإجازة أو وصية أو قف، فيعير مستأجر وموصى له بمنفعة ونحوهما، إلا المستعير كما سيأتي.
وشرط المستعير: صحة التبرع عليه بعقد معه، فلا تصح الإعارة لصبي ونحوه.
وشرط الصيغة: أن تدل على الإذن في الانتفاع بلفظ أو غيره؛ كـ (أعرتك)، أو (خذه لتنتفع به)، و (أعرني)، ويكفي فعل من الآخر.
[شروط العين المعارة]
الثانية: تصح العارية من عين ينتفع بها مع بقائها؛ كالعبيد والدور، فلا تصح فيما لا نفع به؛ كالحمار الزمن، وما فيه نفع لكن باستهلاكه كالأطعمة؛ لانتفاء المعنى المقصود من العارية.
ولو دفع شاة لرجل وقال: (ملكتك درها ونسلها).. فهما موهوبان هبة فاسدة، والشاة مضمونة بالعارية الفاسدة، ولو قال: (أبحت لك درها ونسلها).. فالأصح في "الروضة" من وجهين في "أصلها" بلا ترجيح: أنها إباحة صحيحة، والشاة عارية صحيحة، قال: وحكم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي بصحة إعارة الشاة للبنها والشجرة لثمرها، قال: فعلى هذا قد تكون العارية لاستفادة عين، وليس من شرطها أن يكون المقصود مجرد المنفعة، بخلاف الإجارة.
انتهى.
فالشرط في العارية: ألا يكون فيها استهلاك المعار لا ألا يكون استيفاء عين، ولا يشترط تعيين العين؛ كما اقتضاه كلام الناظم، فلو قال: (أعرني دابة)، فقال: (ادخل الإصطبل وخذت ما أردت).. صحت، بخلاف الإجازة، لأن الغرر لا يحتمل في المعاوضات.
ويشترط في المعار أيضاً: أن تكون منفعته قوية، فلا تصح إعارة النقد؛ إذ نفعته التزيين، والضرب على طبعه منفعة ضعيفة فلما تقصد، ومعظم منفعته في الإنفاق والإخراج، وقيل: تصح.
قال الشيخان: ويشبه تخصيص الخلاف فيما إذا أطلق وقلنا بجواز الإعارة المطلقة، أما إذا صرح بالتزيين، أي: أو الضرب على طبعه.. فالأسبق إلى الفهم من كلامهم: صحة إعارته؛ لاتخاذه المنفعة مقصداً وإن ضعفت، وبه أجاب في "التتمة".
وكونها مباحة، فلا تصح إعارة الصيد لمحرم، ولا الأمة الكبيرة الحسناء لأجنبي؛ لخوف الفتنة.
قال الإسنوي: ويفارق هذا جواز إجارتها، والوصية بمنفعتها له على ما دل عليه عموم كلامهم: بأن المستأجر والموصى له يملكان المنفعة، فيعيران ويؤجران لمن يخلو بها إن امتنع عليهما الانتفاع بأنسفهما، والإعارة إباحة له فقط، وإذا لم يستبح بنفسه.. لم يكن لها فائدة، أما إعارتها من محرم بنسب أو غيره.. فصحيحة، وكذا إعارتها من امرأة وممسوح وزوجها ومالكها؛ كأن يستعيرها من مستأجرها أو الموصى له بمنفعتها.
فإن كانت صغيرة لا تشتهي أو قبيحة.. فوجهان، أصحهما في "الروضة": الجواز: ورجح في "الشرح الصغير": المنع فيهما، وقال في "المهمات": الصواب: التفرقة، فتجوز في الصغيرة بخلاف الكبيرة.
قال الإسنوي: وسكتوا عن إعارة العبد للمرأة، وهو كعكسه بلا شك.
ولو كان المستعير أو المستعار خنثى.. امتنعت احتياطاً، والمفهوم من الامتناع فيه وفي الأمة: الفساد، وهو ما اقتضاه كلامهم وبحثه الرافعي بعد نقله عن الغززال الصحة، وبها جزم ابن الرفعة وعللها بأن المنع في ذلك لغيره؛ كالبيع وقت النداء، وجعل فائدة الصحة عدم وجوب الأجرة.
ويكره تنزيهاً إعارة الأصل وإن علا من رفعه للخدمة.. فيكره له قبولها، كما يكره له استئجاره لها؛ لأن استخدامه مكروه.
نعم؛ إن قصد باستعارته لذلك ترفهه.. فلا كراهة فيها، بل هي مستحبة؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، وتكره إعارة عبد مسلم لكافر.
وقد تجوز إعارة ما لا تجوز إجارته كالفحل للضراب، والكلب للصيد، وللمستعير الانتفاع بحسب الإذن، فإن أعاره لزراعة حنطة.. زرعها ومثلها ودونها إن لم ينهه، لا ما فوقها، وحيث زرع ما ليس له.. فللمعير قلعه مجاناً، فلو أطلق الزراعة.. صح في الأصح، ويزرع ما شاء.
ولو أعاره لزراعة.. لم يكن له بناء ولا غراس، أو لأحدهما.. فله الزراعة وليس له الأخرى في الأصح، وإذا صلح المستعار لجهتين فأكثر.. شرط تعيين المنفعة على الصحيح، وإلا.. فلا.
نعم؛ لو قال: (أعرتك لتنتفع به كيف شئت)، أو (لتفعل به ما بدا لك).. جاز.
[ضمان العارية]
الثالثة: يضمن المستعير العارية إذا تلفت؛ أي: لا بالاستعمال المأذون فيه ولو لم يستعملها ولم يفرط؛ لخبر: "العارية مضمونة" رواه أبو داوود وغيره، ولأنه مال يجب رده إلى مالكه فتجب قيمته عند تلفه؛ كالمأخوذة بجهة السوم.
نعم؛ إن استعار من مستأجر إجارة صحيحة، أو موصى له بمنفعته، أو نحوهما.. لم يضمنها؛ لابتناه يده على يد غير ضامنة، أما إذا تلفت بالاستعمال المأذون فيه؛ كانسحاق الثوب أو انمحاقه باللبس، وتلف الدابة بالحمل المعتاد، وانكسار السيف في القتال.. فلا يضمنها، إلا في الهدي والأضحية المنذورين، ويضمن المستعير مؤن رد العارية حيث له مؤنة؛ لخبر: "على يد ما أخذته ختى تؤديه" رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط البخاري، ولئلا يمتنع الناس منها.
ويستثنى ما إذا استعار من مستأجر، أو موصى له بالمنفعة، أو نحوهما ممن يستحق المنفعة دون الرقبة استحقاقاً لازماً ورد على المالك، فمؤن الرد على المالك؛ كما لو ورد عليه المعير، بخلاف ما إذا رد على المعير، ويضمن المستام قيمة ما أخذه بجهة السوم ومؤن رده.
والرد المبرئ من الضمان: أن يسلم العين لمالكها، أو وكيله في ذلك، فلو رد الدابة للإصطبل، أو الثوب ونحوه للبيت الذي أخذه منه.. لم يبرأ.
ولو لم يجد المالك فسلمها لزوجته أو ولده، فأرسلها إلى المرعى فضاعت.. فالمالك إن شاه غرم الراد أو المستلم منه، والقرار عليه.
ويضمن كل منهما ما ذكر بقيمة يوم التلف، لا بأقصى القيم، ولا بقيمة يوم القبض؛ لأن اعتبارهما يؤدي إلى تضمين المستعير للأجزاء المنمحقة أو المنسحقة بالاستعمال، والأصح: أنه لا يضمن ذلك؛ لأنه مأذون فيه.
وظاهر كلامهم: لزوم قيمة العارية وإن كانت مثلية؛ كالحب والحجر، وهو قضية بناء الروياني والبغوي وغيرهما ضمان المثلي على الخلاف في المتقوم حيث قالوا: إن اعتبرنا أقصى القيم.. أوجبنا المثل، أو قيمة يوم التلف، وهو الأصح.. فالقيمة، وخالف ابن أبي عصرون فضمن المثلي بالمثل على القياس، وجرى عليه السبكي.
[لا تضمن أولاد العارية ولا لبنها]
الرابعة: لا يضمن المستعير أولاد العارية ولا لبنها؛ لأنه لم يأخذها للانتفاع بها.
[حكم إعارة المستعير العارية لشخص آخر]
الخامسة: لا يجوز للمستعير الأول أن يعيرها لثان بغير إذن مالكها؛ لأنه غير مالك للمنفعة، وإنما أبيح له الانتفاع، ولهذا لا يؤجر، أما إذا أذن له المالك في الإعارة.. فإنها تجوز له، فإن يعر الأول بغير إذن المالك، وهلكت تحت يد الثاني.. ضمنها ولم يرجع على الأول وإن جهل كونه مستعيراً؛ لأنه قد دخل على حكم الضمان وقد تلف المستعار تحت يده.
وفي نسخه: (والمستعير لم يعر لثاني)، والألف في قول الناظم: (أطلقا) للإطلاق.
باب الغضب
هو لغة: أخذ الشيء ظلماً، وشرعاً: الاستيلاء على حق الغير عدواناً، ذكره النووي في "تحريره" وغيره، قال: ولا يصح قول من قال: (على مال الغير) لأنه يخرج المنافع والكلب والسرجين وجلد الميتة وخمر الذمي، وسائر الاختصاصات.
انتهى، وهو مجمع على تحريمه.
والأصل فيه قبل الإجماع: آيات، منها قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: 188] أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، وأخبار؛ منها خبر: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم"، وخبر: "من ظلم قيد شبر من الأرض.. طوقه من سبع أرضين" رواهما الشيخان، وإثبات اليد العادية سبب للضمان.
وينقسم إلى مباشرة؛ كأخذه من مالكه، وإلى سب؛ كولد المغصوب وزوائده.
ولو ركب دابة، ـو جلس على فراش.. فغاصب وإن لم ينقل في الأصح.
ولو أزعجه عن داره.. فغاصب لها وإن لم يدخلها، ولو دخلها بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها.. فغاصب، وإن كان ولم يزعجه.. فغاصب لنصفها، إلا أن يكون ضعيفاً لا بعد مستوياً على صاحبها.
وقد ذكر الناظم شيئاً من أحكامه فقال:
(يجب رده ولو بنقله.. وأرش نقصه وأجر مثله)
(يضمن مثلي بمثله تلف... بنفسه أو متلف، لا يختلف)
(وهو الذي فيه أجازوا السلما.. وحصره بالكيل والوزن، كما)
(لا في مفازة ولا قاه بيم... في ذا، وفي مقوم: أقصى القيم)
(من غضبه لتلف الذي اتغصب... من نقد أرض تلف فيها غلب)
فيها أربع مسائل:
[وجوب رد المغصوب]
الأولى: يجب على الغاصب رد المغصوب على المغصوب منه ولو غرم عليه أضعاف قيمته؛ لخبر أبي داوود وغيره: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، فإذا كان داراً أو نحوها.. فيجب الرد بالخروج منها ليتسلمها مالكها، أو منقولاً واحتاج إلى نقل.. وجب رده مع نقله إلى الموضع المغصوب منه؛ كما لو نقل المغصوب المثلي إلى دار أو بلد.. فجب على الغاصب رده، وكذا لو انتقل المغصوب بنفسه، ويجب الرد ولو كان غير مال كالاختصاصات؛ للخبر، ولأنه حق المغصوب منه، ويبرأ بالرد على المالك أو وكيله أو وليه.
[وجوب أرش نقص المغصوب على الغاصب]
الثانية: يجب على الغاصب أيضاً: أرش نقص المغصوب ولو كان النقص بسبب غير الاستعمال؛ كأن غصب ثوباً أو عبداً، فنقصت قيمته لآفة سماوية، كسقوط عضو من العبد لمرض.
[وجوب أجرة مثل المغصوب على الغاصب]
الثالثة: يجب على الغاصب أيضاً: أجرة مثل المغصوب ولو فاتت منفعته بغير استعمال؛ وهي أجرة مثله سليماً قبل النقص، ومعيباً بعده.
[ضمان المغصوب]
الرابعة: يضمن الغاصب للمال المغصوب التالف عنده بما سيأتي، سواء أتلف بنفسه أم أتلفه متلف، لكن يستثنى منه مسائل: منها: ما لو غصب حربي مال مسلم أو ذمي ثم أسلم أو عقدت له ذمة بعد تلفه، وما لو كان النغصوب غير متمول؛ كحبة حنطة، أو رفيقاً وجب قتله لحق الله تعالى بردةى أو نحوها فقتله، وما لو غصب رقيق غير مكاتب مال سيده.
فيضمن الغاصب المثلي بمثله؛ لأنه أقرب إلى التالف، وهو؛ أي: المثلي: ما حصره كيل أو وزن وجاز السلم فيه؛ كماء وتراب، ونحاس وحديد، وتبر وسبيكة، ومسك وعنبر، وكافور وثلج وجمد، وقطن ودقيق وحبوب، وتمر وزبيب، وعنب ورطب، وكل فاكهة رطبة، ودراهم ودنانير ولو مكسرة أو مغشوشة.
وخرج بقيد (الكيل أو الوزن): ما بعد؛ كالحيوان، أو يذرع؛ كالثياب، وبقيد (جواز السلم فيه): نحو الغالية والمعجون، وإنما اشترطوا جواز السلم؛ لأنه بعد تلفه يشبه المسلم فيه من جهة ثبوته في الذمة، وشمل التعريف الردي نوعاً، أما الرديء عيباً.. فليس بمثلي؛ لأنه لا يجوز السلم فيه.
ومحل ضمان المثلي بمثله: إذا كان له عند المطالبة به قيمة، وإلا؛ كأن أتلف الماء بمفازة وطولب به عند يم؛ أي: بحر، أو شاطئ نهر، أو الجمد بالصيف وطولب به في الشتاء.. ضمنه بقيمته في تلك الحالة، وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله: (كما لا في مفازة ولاقاه بيم في ذا) أي: في الماء.
ولو تلف في يده والمثل موجود، فلم يسلمه حتى فقد في البلد وحواليه حساً أو شرعاً؛ بأن لم يجده، أو وجده بأكثر من ثمن مثله، أو منعه من الوصول إليه مانع.. فالقيمة، والأصح: أن المعتبر أقصى القيم من الغصب إلى الإعواز.
أو مفقود.. فالقياس: وجوب أقصى قيمة من الغصب إلى التلف، ولو وجد المثل بعد تغريم القيمة.. فالأصح: أنه ليس للمالك ردها وطلب المثل، ولا للغاصب رد المثل وطلب القيمة.
ولو نقل المغصوب المثلى إلى بلد آخر، فللمالك أن يكلفه رده، وأن يطالبه بقيمته في الحال، فإذا رده.. ردها، فإن تلف في البلد المنقول إليه.. طالبه بالمثل فيما وصل إليه من المواضع، فإن فقد.. فقيمة أكثرها قيمة.
ولو ظفر باالغاصب في غير بلد التلف.. فالصحيح: أنه إن لم يكن لنقله مؤنة كالنقد.. طالب بالمثل، وإلا.. فلا.
ويضمن الغاصب المتقوم بأقصى قيمة من الغصب إلى التلف؛ لأنه في زمن الزيادة غاصب يجب عليه الرد، فإذا لم يرد.. ضمن الزيادة، ولا عبرة بالزيادة بعد التلف؛ كما لا عبرة بالنقص بالكساد، وسواء أتلف كله أم بعضه.
ولو غصب ثوباً قيمته عشرة، ثم عاد إلى درهم، ثم لبسه فعاد يلبسه إلى نصف درهم.. رد
الثوب مع خمسة لنصفه التالف باللب؛ أنها أقصى قيمه، ولو أنلف متقوماً بلا غصب.. ضمنه بقيمة يوم التلف، فإن حصل بتدريج وسراية.. فبأقصى قيم تلك المدة، فإن الإتلاف أبلغ من اليد العادية، وفي الإباق ونحوه؛ كصباغ الثوب يضمن بالأقصى من الغصب إلى المطالبة بالقيمة.
وعلم من كلامه: أنه لو تكرر الارتفاع والانخفاض.. لا يضمن كل زيادة، بل بالأقصى، ومحله في الأعيان، أما المنافع.. فتضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجرة مثلها فيه على الأصح.
قوله: (من نقد أرض تلف - وفي بعض النسخ: بلد - فيها غلب) أي: وتجب القيمة من نقد أرض تلف للمغصوب فيها ذلك النقد، أي: من نقدها إن كان بها نقد واحد، فإن كان فيها نقدان.. فمن نقدها الغالب؛ لأنها محل وجوب الضمان، واعتبر صاحب "التنبيه" بلد الغصب، قال في "المهمات": واعتبار نقد بلد التلف محمول على ما إذا لم ينقله، وإلا.. فيتجه - كما في "الكفاية" -: اعتبار نقد البلد الذي تعتبر قيمته، وهو أكثر البلدين قيمة، وفي "البحر" عن والده ما يقاربه؛ عملاً بمحل وجوب الضمان الحقيقي.
ولا تضمن الخمر ولا تراق على ذمي، إلا أن يظهر شاربها أو بيعها، وترد عليه في غير ذلك إن بقيت العين، وكذا ترد المحترمة إذا غصبت من مسلم.
والأصنام وآلات الملاهي لا يجب في إبطالها شيء، والأصح: أنها لا تكسر الكسر الفاحش، بل تفصل لتعود كما قبل التأليف، فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحد لمنع صاحب المنكر.. أبطله كيف تيسر.
وتضمن الدار والعبد ونحوهما بالتفويت والفوات تحت يد عادية، ولا تضمن منفعة البضع والحر إلا بالتفويت.
والأيدي المترتبة على الغاصب أيدي ضمان، وإن جهل صاحبها الغصب وكانت أيدي أمانة ثم إن علم الغصب.. فكغاصب من غاصب، فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده، وكذا إن جهل وكانت يده أصلها يد ضمان؛ كالعارية، وإن كانت يد أمانة؛ كوديعة.. فالقرار على الغاصب، ومتى أتلف الآخذ من الغاصب مستقلاً به.. القرار عليه مطلقاً.
ولو أخذ الحاكم أو أمينه المغصوب من الغاصب فتلف في يده.. لم يضمن، وكذا من انتزعه على مالكه والغاصب حربي، أو عب المغصوب منه غير المكاتب، ولو كانت قيمة المغصوب عند الثاني أقل منها عند الغاصب.. فالمطالب بالزيادة الغاصب، وتستقر عليه.
ولو صال المغصوب على شخص فأتلفه، فضمانه على الغاصب مستقراً، فلو كان مالكه.. لم يبرأ الغاصب.
ومن تزوج المغصوبة جاهلاً بالغصب فتلفت عنده.. لم يضمنها على المذهب، ولو كان هو المالك ولم يولدها.. لم يبرأ الغاصب.
ولو أسند خشية إلى جدار بلا إذن.. ضمن الجدار إن وقع بإسناده، والتالف بوقوعه عليه، وإن وقعت الخشبة وأتلفت، أو كان الجدار له، أو لغيره وقد أذن: فإن وقعت في الحال.. ضمن، وإلا.. فلا.
ولو غصب داراً فنقضها وأتلف النقض.. ضمنه وما نقص من قيمة العرصة، وهل يضمن أجرة مثلها داراً إلى وقت النقض أم إلى وقت الرد؟ وجهان، أرجحها: أولهما، أو بهيمة وأنزى عليها فحلاً.. فالولد له ولا شيء عليه للإنزاء؛ لأنه لا يقابل بعوض، فإن نقص.. غرم الأرش.
أو جارية ناهداً ثديها، أو شاباً فشاخ، أو أمرد فالتحى.. ضمن النقض.
أو ثوباً ونجسه، أو تنجس عنده.. لم يجز له تطهيره، ولا للمالك تكليفه ذلك، فإن غسله.. ضمن النقص، أو رده نجساً.. فمؤنة التطهير، والنقص اللازم منه عليه، وتنجس مائع لا يمكنه تطهيره.. هلاك.
ولو طرح في مسجد متاعاً وأغلقه.. لزمه أجرة جميعه، وإن لم يغلقه.. فأجرة ما شغله.
والألف في قول الناظم: (السلما) للإطلاق، والواو في قوله: (والوزن) بمعنى (أو)، وقوله: (كما) بالقصر، وهو لغة في الممدود.
باب الشفعة
بإسكان الفاء وحكي ضمها، وهي لغة: الضم على الأشهر، من شفعت الشيء ضممته، فهي بضم نصيب إلى نصيب، ومنه شفع الأذان، وشرعاً: حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملكه بعوض.
والأصل فيها: خبر البخاري عن جابر: (فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق.. فلا شفعة)، وفي رواية له: (في أرض أو أربعة أو حائط)، وفي رواية لمسلم: (قضى بالشفعة في كل شرك لم يقسم؛ ربع أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء.. ترك، فإن باع ولم يؤذنه.. فهو أحق به)، والمعنى فيه: دفع ضرر مؤنة القسمة، واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إليه.
و(الربعة): تأنيث الربع، وهو المنزل، و (الحائط): البستان.
ولها أربعة أركان: آخذ، ومأخوذ، ومأخوذ منه، وصيغة.
وقد ذكر الناظم بعض أحكامها فقال:
(تثبت في المشاع من عقار... منقسم مع نابع القرار)
(لا في بناء أرضه محتكرة... - فهي كمنقول - ولا مستأجره)
(بدفع مثل ثمن أو بذل... قيمته أن بيع، ومهر مثل)
(أن أصدقت لكن على الفور اخصص... للشركا بقدر ملك الحصص)
فيها أربع مسائل:
[ما تثبت فيه الشفعة وبيان أركانها]
الأولى: تثبت الشفعة في المشاع؛ أي: المشترك من عقار، وإن بيع من منقول منقسم -