فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلانصفحات 425-464

هي لغة: التطهير والإصلاح والنماء والمدح، وشرعاً: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص.
والأصل في وجوبها قبل الإجماع: آيات؛ كقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾، وقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وأخبار؛ كخبر: "بنى الإسلام على خمس".
وهي نوعان: زكاة بدن؛ وهي الفطرة، وزكاة مال؛ وهي ضربان: زكاة تتعلق بالقيمة؛ وهي زكاة التجارة، وزكاة تتعلق بالعين في ثمانية أصناف من أجناس الأموال وهي: زكاة الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والزرع، والنخل، والكرم؛ ولذلك وجبت لثمانية أصناف من طبقات الناس.
(وإنما الفرض على من أسلما... حر معين، وملك تمما) (في إبل وبقر وأغنام... بشرط حول ونصاب واستيام) (وذهب وفضة غير حلى... جاز ولو أوجر للمستعمل) (وعرض متجر وربح حصلا... بشرط حول ونصاب كملا) (وجنس قوت باختيار طبع... من عنب ورطب وزرع) (وشرطه: النصاب إذ يشتد... حب، وزهو في الثمار يبدو) [شروط وجوب الزكاة] أي: إنما فرض الزكاة في الأموال الآتية على من أسلم وإن ارتد بعد وجوبها، أو كان غير مكلف؛ لقوله في خبر الصدقة الآتي: (فرضها على المسلمين)، فلا تجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة بها في الدنيا، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة كما تقرر في الأصول، ويسقط عنه بالإسلام ما مضى ترغيباً فيه.

أما المرتد قبل وجوبها: فإن عاد إلي الإسلام.. لزمته؛ لتبين بقاء ملكه، وإن هلك مرتداً.. فلا، ويجزئه الإخراج في حال الردة في هذه وفي التي قبلها؛ نظراً إلي جهة المال، وفيه احتمال لصاحب "التقريب" نظراً إلي أن الزكاة قربة تفتقر إلى النية.
حر كله أو بعضه؛ لأن ملكه تام على ما ملكه ببعضه الحر، ولهذا يكفر كالحر الموسر على ما سيأتي، ويزكي فطرة حريته، فلا تجب على الرقيق ولو مكاتباً؛ إذ ملك المكاتب ضعيف، وغيره لا ملك له، فإن عجز المكاتب.. صار ما بيده لسيده، وابتدأ حوله من حينئذ، وإن عتق... ابتدأ حوله من حين عتقه.
معين حتى في ريع ما وقف عليه، فلا تجب على غيره كالفقراء الموقوف عليهم ضيعة مثلاً فلا زكاة عليهم في ريعها؛ كما لا زكاة في بيت المال من قئ وغيره ومال المساجد والربط، وكالحمل فلا زكاة في المال الموقوف له؛ لأنه غير معين وغير موثوق بوجوده وحياته.
وقوله: (وملك تمما) أي: والحال أن ملك من ذكر- لما يأتي- تام، فتجب في الضال والمغصوب والمسروق والمجحود والمرهون والغائب وما اشتراه قبل قبضه أو حبس دونه، ولكن لا يجب إخراجها إلا عند تمكنه منه، وفي كل دين لازم من نقد، وعرض تجارة لا ماشية ونحوها، فإن كان حالا على ملئ باذل أو جاحد عليه بنية.. لزمه إخراجها في الحال، وإلا.. فعند القدرة على قبضه؛ كالضال ونحوه، ولا يمنع الدين وجوبها وإن استغرق النصاب.
وخرج بـ (تام الملك) غيره؛ كنجوم الكتابة، وجعل الجعالة، ومال المحجور عليه بفلس إذا عين الحاكم لكل من غرمائه منه شيئاً وسلطه على أخذه فلم يتفق الأخذ حتى حال عليه الحول.. فلا زكاة فيها؛ لأن الملك فيها غير تام.
[زكاة النعم وشروطها] وقوله: (في إبل وبقر وأغنام) أي: وهي النعم متعلق بقوله: (الفرض) وإنما اختصت بها من الحيوان؛ لأنها تتخذ للنماء غالباً لكثرة منافعها، وللإجماع، فلا تجب في غيرها كالخيل والرقيق والمتولد من غنم وظباء؛ لخبر "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".

والأصل عدم الوجوب في المتولد المذكور بشرط حول؛ أي: مضيه في ملكه؛ لخبر أبي داوود وغيره: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، لكن ما نتج من نصاب.. يزكى بحوله؛ بأن وجد فيه في ملك شخص ملكه بسبب ملك أصله؛ كمئة شاة نتج منها إحدى وعشرون فتجب شاتان، وكأربعين شاة ولدت أربعين ثم ماتت وتم حولها على النتاج.
وقيل: يشترط بقاء شيء من الأمهات ولو واحدة، والأصل في ذلك: ما روى مالك رحمه الله تعالى في "الموطأ" عن عمر رضى الله عنه: أنه قال لساعيه: (اعتد عليهم بالسخلة) وهو اسم يقع على الذكر والأنثى، ويوافقه أن المعنى في اشتراط الحول أن يحصل النماء، والنتاج نماء عظيم فيتبع الأصول في الحول وإن ماتت فيه.
ولو زال ملكه في الحول ثم عاد، أو بادل بمثله.. استأنف الحول؛ لانقطاع الحول بما فعله وإن قصد به الفرار من الزكاة، والفرار منها مكروه، وقيل: حرام.
ونصاب كما سيأتي، واستيام لها من مالكه أو ممن يخلفه شرعاً كوكيل وولي على ما يأتي بيانه، والأصل في ذلك: ما يأتي في خبر البخاري: "وفي صدقة الغنم في سائمتها.. " إلي آخره، دل مفهومه على نفي الزكاة في معلوفة الغنم، وقيس عليها معلوفة الإبل والبقر، وفي خبر أبي داوود وغيره: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون"، قال الحاكم: صحيح الإسناد، واختصت بالسائمة؛ لتوفر مؤنتها بالرعي في كلأ مباح.
قال في "الروضة": لو أسيمت في كلأ مملوك.. فهل هي سائمة، أو معلوفة؟ وجهان في "البيان" انتهى، ورجع منهما السبكي: أنها سائمة إن لم يكن له قيمة، أو كانت قيمته يسيرة لا يعد مثلها كلفة في مقابلة نمائها، وإلا.. فمعلومة، ورجح منها الشيخ جلال الدين البلقيني: أنها معلوفة؛ لوجود المؤنة.
وقال القاضي أبو الطيب: لو أسامها في أرضه الخراجية.. وجبت الزكاة.
وقال القفال: لو كان له غنم فاشترى كلأ ورعاها فيه.. فسائمة، فلو جزه وأطعمها إياه في

المرعى أو البلد.. فمعلوفة، ولو رعاها ورقاً تناثر.. فسائمة، فلو جمعه وقدمه لها.. فمعلوفة.
ونقل في "المهمات" كلام القفال واستحسنه وقال: ينبغي الأخذ به.
انتهى، ويمكن حمله على كلام السبكي.
فإن علفت معظم الحول ليلاً ونهاراً.. فلا زكاة فيها، وإلا.. فالأصح: إن علفت قدراً تعيش بدونه بلا ضرر بين ولم يقصد به قطع السوم.. وجبت زكاتها، وإلا.. فلا تجب، ولو أسامها الغاصب أو المشترى شراء فاسداً, أو سامت بنفسها، أو اعتلفت السائمة، أو كانت عوامل في حرث أو نضح ونحوه.. فلا زكاة في الأصح.
[زكاة الذهب والفضة] وقوله: (وذهب وفضة) أي: مضروباً كان أو غير مضروب؛ كالتبر والقراضة والسبائك، فلا تجب في غيرهما من سائر الجواهر كاللؤلؤ والياقوت؛ لعدم ورودها فيها، والأصل في ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها: إلا إذا كان يوم القيامة.. صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره، كلما بردت.. أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" رواه مسلم.
وقوله: (غير حلى جاز) أي: أبيح استعماله فلا زكاة فيه؛ لحاجة الانتفاع بعينه، ولأنه معد لاستعمال مباح فأشبه العوامل من الإبل والبقر، ولأن زكاة النقدين تناط بالاستغناء عن الانتفاع بهما، لا بجوهرهما؛ إذ لا غرض في ذاتهما، وصح عن ابن عمر: أنه كان يحلى بناته وجواريه بالذهب، ولا يخرج زكاته، وصح نحوه عن عائشة وغيرها، وما ورد مما ظاهره بخلاف ذلك.. فأجابوا عنه بأن الحلي كان محرماً أول الإسلام، أو بأن فيه إسرافاً.
أما الحلي المحرم لعينه كالأواني، أو بالقصد كحلي النساء اتخذه الرجل ليلبسه وبالعكس؛ كما في السيف والمنطقة.. فتجب زكاته إجماعاً؛ لأن الممنوع منه كالمعدوم، وكذا المكروه

كالضبة الصغيرة للزينة، ويخالف ما لو قصد بعرض التجارة استعمالاً محرماً أو مكروهاً؛ لتعلق الزكاة بعين النقد.
وقوله: (ولو أوجر للمستعمل) أي: لمن يحل له استعماله بلا كراهة.. فإنه لا زكاة فيه، سواء اتخذه بلا قصد، أو بقصد إجارته، أو إعارته لمن يحل له استعماله؛ لأنها إنما تجب في مال نام والنقد غير نام، وإنما التحق بالنامي لتهيؤه للإخراج، وبالصياغة بطل تهيؤه، ويخالف نية كنزه؛ لصرفها هيئة الصياغة عن الاستعمال فصار مستغنى عنه كالدراهم المضروبة، ويستثنى من كلامه: حلي مباح مات عنه مالكه ولم يعلم به وارثه حتى مضى عليه عام.. فتجب زكاته، فاله في "البحر"، ثم حكى عن والده احتمال وجه إقامة نية مورثه مقام نيته.
ولو انكسر الحلي المباح ولم يحوج انكساره إلى صوغ، بل إلى إصلاح باللحام وقصد إصلاحه.. فلا زكاة فيه في الأصح وإن تعذر استعماله ودارت عليه أحوال؛ لبقاء صورته وقصد إصلاحه، فإن لم يعلم بانكساره إلا بعد عام فقصد إصلاحه.. فكذلك؛ لأن القصد يبين أنه كان مرصداً له، قاله في "الوسيط".
وذكر العام مثال؛ فما فوقه كذلك، فإن لم ينو إصلاحه بل نوى جعله تبراً أو دراهم أو كنزه، أو لم ينو شيئاً، أو أحوج انكساره إلى صوغ وإن نوى صوغه.. فتجب زكاته وينعقد حوله من حين انكساره؛ لأنه ليس مستعملاً ولا معداً للاستعمال.
[زكاة عروض التجارة] وقوله: (وعرض متجر) أي: تجارة، وهي تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح.
وقوله: (وربح حصلا) أي: من مال المتجر، والأصل في ذلك: ما روى الحاكم بإسنادين وقال: هما صحيحان على شرط الشيخين عن أبي ذر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته" وهو بفتح الموحدة، وبالزاي يطلق على الثياب المعدة للبيع، وما روى أبو داوود عن سمرة: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع).

[شرط وجوب زكاة النقدين وعروض التجارة] ثم ذكر شرط وجوب الزكاة في الذهب والفضة وعرض المتجر وربحه بقوله: (بشرط حول ونصاب كملا) أي: كغيرهما، ولعموم خبر أبي داوود وغيره المار: (لا زكاة في مال حنى يحول عليه الحول).
ويعتبر النصاب في التجارة آخر الحول فقط كما سيأتي؛ لأنه وقت الوجوب دون ما عداه؛ لأن الاعتبار فيها بالقيمة وتعسر مراعاتها كل وقت؛ لاضطراب الأسعار ارتفاعاً وانخفاضاً، فلو بيع مال التجارة في أثناء الحول بالنقد واشتري به سلعة.. فالأصح: أنه ينقطع الحول، ويبتدئ حولها من حين شرائها.
ولو تم الحول وقيمة العرض دون النصاب.. فالأصح: أنه يبتدئ حول ويبطل الأول.
ولو كان معه من أول الحول ما يكمل به النصاب.. زكاهما آخره؛ كما قال في "المجموع": لو كان معه مئة درهم فاشتري عرضاً للتجارة بخمسين منها، فبلغت قيمته في آخر الحول مئة وخمسين.. لزمه زكاة الجميع، ويصير عرض التجارة للقنية بنيتها؛ لأنها الأصل، وإنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة كشراء، سواء أكان بعرض أم نقد أم دين حال أم مؤجل، ومنه الهبة بثواب، وكذا المهر، وعوض الخلع؛ كأن زوج أمته أو خالع زوجته بعرض نوى به التجارة فيهما، يصير مال تجارة بنيتها في الأصح، لا بالهبة المحضة، والاحتطاب، والاسترداد بعيب؛ كأن باع عرض قنية بما وجد به عيباً فرده واسترد عرضه؛ فالمكسوب بما ذكر ونحوه؛ كالاحتشاش والاصطياد والإرث ورد العرض بعيب.. لا يصير مال تجارة بنيتها؛ لانتفاء المعاوضة عنه.
ولو تأخرت النية عن الكسب بمعاوضة.. فلا أثر لها.
وإذا ثبت حكم التجارة.. فلا يحتاج في كل معاملة إلى نية جديدة.
وإذا ملك عرض التجارة بعين نقد نصاب؛ كأن اشتراه بعين عشرين ديناراً أو مئتي درهم.. فحوله من حين ملك ذلك النقد، بخلاف ما إذا اشتراه بنصاب في الذمة ثم نقده؛ ينقطع حول النقد ويبتدئ حول التجارة من حين الشراء، وفرق بين المسألتين: بأن النقد لم يتعين صرفه

للشراء في الثانية بخلاف الأولى، أو بدون النصاب، أو بعرض قنية.. فمن الشراء، وإن ملكه بنصاب سائمة.. فكذلك على الأصح.
ويضم الربح إلى الأصل في الحول كما علم مما مر إن لم ينض، فلو اشترى عرضاً بمئتي درهم.. فصارت قيمته في الحول ولو قبل آخره بلحظة ثلاث مئة.. زكاها آخره، لا إن صار الكل ناضاً دراهم أو دنانير من جنس رأس المال الذي هو نصاب، وأمسكه إلى آخر الحول، أو اشترى به عرضاً قبل تمامه؛ فيفرد الربح بحوله في الأظهر.
فإذا اشترى عرضاً بمئتي درهم وباعه بعد ستة أشهر بثلاث مئة، وأمسكها إلى تمام الحول، أو اشترى بها عرضاً وهو يساوى ثلاث مئة في آخر الحول.. فيخرج الزكاة عن مئتين، فإذا مضت ستة أشهر أخرى.. أخرج عن المئة.
ولو كان الناض المبيع به من غير جنس رأس المال.. فهو كبيع عرض بعرض؛ فيضم الربح إلى الأصل.
ولو كان رأس المال دون نصاب؛ كأن اشترى عرضاً بمئة درهم، وباعه بعد ستة أشهر بمئتي درهم وأمسكهما إلى تمام حول الشراء.. زكاهما.
والأصح: أن ولد العرض وثمره.. مال تجارة، وأن حوله حول الأصل.
وواجبها: ربع عشر القيمة؛ كأن ملكه بنقد قوم به وإن كان دون نصاب، أو غير نقد البلد الغالب، أو بعرض قوم بغالب نقد البلد من الدراهم والدنانير، وكذا لو ملكه بنكاح أو خلع، فإن غلب نقدان على التساوي وبلغ بأحدهما دون الآخر نصاباً.. قوم به، فإن بلغ نصاباً بهما.. فهل يقوم بالأنفع للمستحقين، أو يتخير المالك فيقوم بما شاء منهما؟ وجهان، صحح في "المنهاج" كـ"أصله" أولهما، وعزاه الإمام للجمهور، وصحح في "الروضة" و"المجموع" ثانيهما؛ تبعاً لنقل الرافعي له عن العراقيين والروياني، قال في "المهمات": وهو ما عليه الأكثر، وبه الفتوى.
انتهي.
وإن ملكه بنقد وعرض.. قوم ما قابل النقد به، والباقي بالغالب من نقد البلد.

[زكاة المعشرات] وقوله: (وجنس قوت باختيار طبع من عنب ورطب وزرع) أي: وتجب الزكاة في جنس قوت باختيار طبع الآدمي، وهو من الثمار: الرطب والعنب، ومن الحب: الحنطة والشعير والسلت، والأرز، والعدس والحمص والباقلاء، والدخن والذرة واللوبيا، والماش والهرطمان؛ أي: الجلبان ونحوها؛ لورود بعضها في الأخبار الآتية، وألحق به الباقي، فلا تجب في السمسم والتين والجوز واللوز، والرمان والتفاح ونحوها قولاً واحداً، ولا في الزيتون والزعفران والورس، والقرطم والعسل من النحل في الجديد.
واحترزوا بقيد (الاختيار) عما يقتات حال الضرورة؛ كحبي الحنظل والغاسول.
ومن الأخبار: ما روى أبو داوود والترمذي وابن حبان عن عاب بن أسيد- بفتح الهمزة- قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً)، وما روى الحاكم- وقال: إسناده صحيح- عن أبي موسى الأشعري: أنه صلى الله عليه وسلم قال له ولمعاذ حين بعثهما إلى اليمن: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر" وهذا الحصر إضافي؛ لما روى الحاكم- وقال: صحيح الإسناد- عن معاذ: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والسيل والبعل.. العشر، وفيما سقي بالنضح.. نصف العشر" وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب.. فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، و (القضب) بسكون المعجمة: الرطبة بسكون الطاء.
[شروط وجوب الزكاة في المعشرات] وقوله: (وشرطه النصاب إذ يشتد حب، وزهو في الثمار يبدو) أي: وشرط وجوب الزكاة في المقتات المذكور: النصاب الآتي، وهو خمسة أوسق وقت اشتداد الحب؛ لأنه

حينئذ طعام وهو قبل ذلك بقل، وزهو الثمار، وهو بدو صلاحها؛ لأنه حينئذ ثمرة كاملة وهو قبل ذلك بلح وحصرم.
والمراد: أن الزكاة تجب باشتداد الحب وبدو صلاح التمر، ولا يشترط تمام الاشتداد كما لا يشترط تمام الصلاح في الثمر، واشتداد بعض الحب كاشتداد كله، وبدو الصلاح في بعض الثمر كبدوه في الجميع، فلو اشترى أو ورث نخيلاً مثمرة وبدا الصلاح عنده.. كانت الزكاة عليه، لا على من انتقل الملك عنه.
وليس المرد بوجوب الزكاة بما ذكر وجوب الإخراج في الحال، بل المراد: انعقاد سبب وجوب إخراج التمر والزبيب والحب المصفى عند الصيرورة كذلك.
ولو أخرج في الحال الرطب والعنب مما يتتمر ويتزبب جيداً.. لم يجزه، ولو أخذه الساعي.. لم يقع الموقع.
ومؤنة جذاذ التمر وتجفيفه، وحصاد الحب وتصفيته.. من خالص مال المالك لا يحسب شيء منها من مال الزكاة.
والألف في قول المصنف: (أسلما)، و (تمما)، و (حصلا)، و (كملا) للإطلاق، والأحسن جعل ألف (كملا) للتثنية.
[نصاب الإبل] (في إبل أدنى نصاب الأس... خمس لها شاة، وكل خمس) (منها لأربع مع العشرين ضان... تم له عام، وعنز عامان) (في الخمس والعشرين بنت للمخاض... وفي الثلاثين وست: افتراض) (بنت لبون سنتين استكملت... ست وأربعون: حقة ثبت) (وجذعة للفرد مع ستين... ست وسبعون: ابنتا لبون) (في الفرد والتسعين: ضعف ألحقه... والفرد مع عشرين بعد المئة) (ثلاثة البنات من لبون... بنت اللبون كل أربعين) (وحقه لكل خمسين أحسب... واعف عن الأوقاص بين النصب) أي: في الإبل أقل نصاب الأس- بضم الهمزة، وهو أولها: خمس وفيها: شاة، فلا

زكاة فيما دونها، وفي عشر: شاتان، وخمسة عشر: ثلاث، وعشرين: أربع إلى أربع وعشرين.
ويتخير المالك بين إخراج ضأن تم له عامان، أو معز له عامان، ولا يتعين غالب غنم البلد.
والأصح: أنه يجزئ الذكر؛ أي: جذع الضأن أو ثنى المعز؛ لصدق الشاة على الذكر، وإنما وجبت الشاة فيما ذكر؛ وفقاً بالفريقين؛ لأنه لو وجب بعير.. لأضر بأرباب الأموال، أو جزء.. لأضر بالفريقين بالتشقيص.
والأصح: أنه يجزئ بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين؛ لأنه يجزئ عنها؛ فعما دونها أولى، والبعير يطلق على الذكر والأنثى، والمراد به: بنت المخاض فما فوقها.
وفي خمس وعشرين: بنت مخاض لها سنة، وفي ست وثلاثين: بنت لبون لها سنتان، وست وأربعين: حقه لها ثلاث سنين، وإحدى وستين: جذعة لها أربع سنين، وست وسبعين: بنتا لبون، وإحدى وتسعين: حقتان، ومئة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون، ثم في الأكثر من ذلك: في كل أربعين بنت لبون، وكل خمسين: حقة.
وكسر المصنف نون (ستين) ونون (أربعين) وهو لغة وإن كان الأفصح فتحها، وقوله: (وحقة) بالرفع والنصب.
والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة"، وخبر البخاري وغيره عن أنس: أن أبا بكر رضى الله عنه كتب له لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها.. فليعطها، ومن سئل فوقها.. فلا يعط في أربع وعشرين فما دونها [من] الغنم؛ في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين.. ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فيها بنت مخاض.. فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين.. ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين.. ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين.. ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين.. ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة.. ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومئة.. ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة).

قوله: (واعف عن الأوقاص بين النصب) أي: فلا يتعلق به شيء من الزكاة.
ولو اتفق فرضان كمئتي بعير.. فواجبها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، فإن وجدا عنده.. تعين الأغبط للمستحقين، أو أحدهما.. أخذ ولا يكلف الآخر، ولا يجوز الصعود والنزول مع الجبران.
وإن وجد بعض الآخر سليماً، أو كله معيباً.. فكالمعدوم.
وإن فقدا أو كانا معيبين.. فله تحصيل أيهما شاء، ولو الصعود من الحقاق إلى أربع جذاع، وأخذ أربع جبرانات، لا النزول إلى أربع بنات مخاض ودفع ثمان جبرانات، وله النزول من بنات اللبون إلى خمس بنات مخاض.
ودفع خمس جبرانات، لا الصعود إلى خمس جذاع وأخذ عشر جبرانات.
ولو وجدهما الساعي بلا عيب وأخذ غير الأغبط: فإن كان بتقصير منه أو بتدليس المالك.. لم يجزه وعليه رده أو قيمته إن تلف، وإلا... أجزأ، ويجب عليه قدر التفاوت بين القيمتين يخرجه دراهم من نقد البلد؛ كما يجوز إخراج القيمة عند تعذر تحصيل الواجب، وإن أخرج شقصاً.. جاز.
وإن وجد بعض كل كثلاث حقاق وأربع بنات لبون: فإن شاء دفع الحقاق مع بنت اللبون وجبران، أو مع جذعة ويأخذ جبراناً، وكذا حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات، وإن وجد بعض أحدهما فقط كحقتين.. أخرجهما مع جذعتين ويأخذ جبرانين، أو خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات.
ولو أخرج حقتين وبنتي لبون ونصفاً.. لم يجز؛ للتشقيص.
ومن لزمه سن من الإبل وعدمه.. أخذ منه سن أسفل مع شاتين، أو عشرين درهماً، أو أعلى ورد عليه شاتان، أو عشرون درهماً، والخيرة في الشاتين والدراهم لدافعها، لكن يراعي الساعي مصلحة المستحقين، وفي الصعود والنزول للمالك، فإن دفع ولو غير الأغبط.. لزم الساعي أخذه.
ولو كانت إبله معيبة.. فله النزول ودفع الجبران، لا الصعود وأخذه.
ولو أخرج ثنية بدل الجذعة بلا جبران.. جاز، وإن طلبه.. فكذا في الأصح، وله صعود درجتين وأخذ جبرانين، ونزولهما مع جبرانين بشرط تعذر الدرجة القربى في تلك الجهة، أما وجود الدرجة القربى في غير تلك الجهة.. فلا يؤثر.

(نصاب أبقار ثلاثون، وفي... كل ثلاثين تبيع يقتفى) (مسنة في كل أربعين... أي: ذات ثنتين من السنين) (وضعف عشرين نصاب الغنم... شاة لها كشاة إبل النعم) (وضعف ستين إلى واحدة... شاتان، والإحدى وضعف المئة) (ثلاثة من الشياه ثما... شاة لكل مئة اجعل حتما) فيها مسألتان: [نصاب البقر] الأولى: أول نصاب البقر ثلاثون، وفيها: تبيع ابن سنة وطعن في الثانية، وفي كل ثلاثين: تبيع، وكل أربعين: مسنة لها سنتان وطعنت في الثالثة؛ لخبر الترمذي وغيره وصححه الحاكم وغيره، عن معاذ قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعاً)، والبقرة تقع على الذكر والأنثى، ففي ستين: تبيعان، وفي سبعين: تبيع ومسنة، وفي ثمانين: مسنتان، وفي تسعين: ثلاث أتبعة، وفي مئة: مسنة وتبيعان، وفي مئة وعشرة: مسنتان وتبيع، وفي مئة وعشرين: ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة، وحكمه حكم بلوغ الإبل مئتين في جميع ما تقدم، لكن لا جبران في البقر.
[نصاب الغنم] الثانية: أول نصاب الغنم أربعون، وفيها: شاة كشاة إبل النعم في أنها جذعة ضأن أو ثنية معز، وفي مئة وإحدى وعشرين: شاتان، ومئتين وواحدة: ثلاث، ثم في كل مئة: شاة؛ لخبر البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر السابق ذكره: (وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين.. ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة.. ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مئة.. ففي كل مئة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة.. فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها).

وفي بعض النسخ: بدل (اجعل حتما): (قد حتما)، والألف فيه وفي (ثما) للإطلاق.
(مال الخليطين كمال المفرد... إن مشرع ومسرح يتحد) (والفحل والراعي وأرض الحلب... وفي مراح ليلها والمشرب) (عشرون مثقالاً نصاب للذهب... ومئتا درهم فضة وجب) (في ذين ربع العشر لو من معدن... وما يزيد بالحساب البين) (وفي ركاز جاهلي منهما... الخمس حالاً كالزكاة قسما) (في التمر والزرع النصاب الرملي... قل: خمسة وربع ألف رطل) (وزائد جف، ومن غير نقي... العشر إذ بلا مؤونة سقي) (ونصفه مع مؤن للزرع... أو بهما وزع بحسب النفع) (وعرض متجر أخير حوله... قومه مع ربح بنقد أصله) فيها خمس مسائل: [زكاة الخليطين] الأولى: مال الخليطين خلطة شيوع وهي: ما لا يتميز فيها مال أحد الخليطين عن مال الآخر؛ كموروث ومشترى شركة، أو جوار وهي: ما يتميز فيها أحدهما عن الآخر؛ كصفي نخيل أو زرع بحائط واحد.. كمال شخص مفرد في أنه يضم الجنس بعضه إلى بعض فيعتبر دوامها سنة، وألا يتميز مال أحدهما عن الآخر في شيء مما يأتي إن يتحد مشرع؛ أي: الموضع الذي تسرح إليه لتجتمع وتساق إلى المرعى، والموضع الذي ترعى فيه وطريقها إليه؛ لأنها مسرحة إليها، والفحل سواء أكان مملوكاً لأحدهما أم مشتركاً أم مستعاراً.
نعم؛ إن اختلف نوع الماشية كضأن ومعز.. فلا يضر اختلافه؛ للضرورة كما جزم به في "المجموع"، والراعي بألا يختص أحدهما براع، ولا بأس بتعدد الرعاة، وأرض الحلب، الحلب: بفتح اللام مصدر، وحكى سكونها، وهو المحلب بفتح الميم، ويتحد في

مراح ليلها بضم الميم؛ أي: مأواها ليلاً، والمشرب؛ أي: موضع شربها بأن تسقى من ماء واحد من نهر أو عين أو بئر أو حوض، أو من مياه متعددة.
ويشترط: ألا يتميز الناطور والجرين والدكان والحارس، والماء والحراث والعامل، وجذاذ النخل والملقح واللقاط، والحمال والكيال والوزان والميزان للتاجرين في حانوت واحد ونحوها، ولا تشترط نية الخلطة، ولا اتحاد الحالب ولا المحلب بكسر الميم؛ أي: الإناء الذي يحلب فيه.
والأصل في ذلك: ما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر السابق: (ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وفي خبر الدارقطني بعد ذلك في رواية سعد بن أبي وقاص: (والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي)، نبه بذلك على غيره من الشروط، لكن ضعف الخبر المذكور، ومن الجمع بين متفرق: أن يكون لكل واحد أربعون شاة فيخلطاها، ومن مقابله: أن يكون لهما أربعون فيفرقاها، فخلط عشرين بمثلها يوجب الزكاة، وأربعين بمثلها يقللها، ومئة وواحدة بمثلها يكثرها.
[نصاب الذهب والفضة] الثانية: أول نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة: مئتا درهم بوزن مكة، وفيهما: ربع العشر ولو حصل ذلك من معدن؛ أي: مكان خلقه الله تعالى فيه، ويشترط في المعدن النصاب لا الحول، وما زاد بحسابه سواء المضروب وغيره كما مر.
وأشار بقوله: (لو من معدن) إلى الخلاف فيه، ففي قوله: زكاته الخمس كالركاز، وقول: إن حصل بتعب.. فربع عشره، وإلا.. فخمسه.
وأفاد قوله: (وما يزيد بالحساب البين) أنه لا وقص في الذهب والفضة كالقوت؛ لإمكان التجزي بلا ضرر، بخلاف النعم كما مر.
والأصل في ذلك: خبر "الصحيحين": "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" وأواق كجوار، وإذا نطق بيائه.. تشدد وتخفف، وخبر البخاري في كتاب أبي بكر السابق:

(وفي الرقة ربع العشر) والرقة والورق: الفضة، والهاء عوض من الواو، والأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء: أربعون درهماً، قال في "المجموع": بالنصوص المشهورة وإجماع المسلمين، قال: وروى أبو داوود وغيره بإسناد صحيح أو حسن عن علي رضى الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في أقل من عشرين ديناراً شيء، وفي عشرين نصف دينار"، وقال صلى الله عليه وسلم: "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن مكة" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح.
والدرهم: ستة دوانق، والمثقال: درهم وثلاثة أسباعه، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
ولو نقص عن النصاب حبة أو بعضها.. فلا زكاة وإن راج رواج التام.
ولو نقص في ميزان وتم في آخر.. فالصحيح: لا زكاة، ولا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر، ولا شيء في المغشوش منهما حتى يبلغ خالصه نصاباً، فإذا بلغه.. أخرج الواجب خالصاً، أو أخرج من المغشوش ما يعلم اشتماله على خالص بقدر الواجب.
[زكاة الركاز] الثالثة: يجب في الركاز الجاهلي الضرب؛ كأن يكون عليه اسم ملك منهم أو صورة من الذهب والفضة.. الخمس حالاً، فلا يشترط فيه الحول؛ لأنه إنما اشترط للتمكن من تنمية المال، وكل من المعدن والركاز نماء في نفسه يصرف مصرف الزكاة؛ لأنه حق واجب في المستفاد من الأرض، فأشبه الواجب في الثمار والزروع، سواء أوجده في مكان أحياه أو أقطعه، أو في موات بدار الإسلام، أو الحرب وإن كانوا يذبون عنه، وبلغ ذلك نصاباً ولو بما عنده من جنسه؛ لخبر "الصحيحين": "وفي الركاز الخمس"، وهو المال المدفون في الأرض، بخلاف المعدن فإنه المخلوق فيها كما مر.
واستشكل الرافعي ذلك بأنه لا يلزم من ضرب الجاهلية دفنها؛ لجواز أن يظفر مسلم بكنز جاهلي ويكنزه ثانياً بهيئته، فمدار الحكم على دفن الجاهلية لا ضربها، وأجيب بأنه لا سبيل

إلى العلم بدفنها، والمعتبر إنما هو وجود علامة من ضرب أو غيره، ولهذا قال في "المجموع": متى كان عليه ضرب الجاهلية.. فركاز بلا خلاف، قال فيه نقلاً عن جماعة من غير إنكار: وليس دفين كافر بلغته الدعوة ركازاً، بل في خمسه لأهل الخمس وبقيته لواجده؛ لأن الركاز إنما هو أموال الجاهلية الذين لا يعرف هل بلغتهم دعوة أم لا؟ وخرج بـ (ضرب الجاهلية): ما وجده بضرب الإسلام، وأما إذا لم يعلم من أي الضربين هو.. فإنه لقطه أيضاً، أو بملك أهل الحرب؛ فإنه فئ أو غنيمة، إلا إذا دخله بأمان.. فلا يجوز له أخذه، وما وجده بملك غيره، أو بملك له تلقاه من غير.. فإنه للمالك في الأولى، ولمن تلقى منه في الثانية بلا يمين إن ادعياه كأمتعة الدار، وإلا.. فلمن فوقهما.. وهكذا حتى ينتهى إلى المحيي، فله وإن لم يدعه؛ لأنه بإحيائه الأرض ملك ما فيها، ولا يدخل في المبيع؛ لأنه منقول، وتقييد الملك لمن ذكر بدعواه له ذكره الشيخان، وتركه ابن الرفعة والسبكي، بل شرطا ألا ينفيه، قال في "المهمات": وهو الصواب، كسائر ما بيده، وفي "أصل الروضة": أن ما وجده في موقوف بيده.. فهو ركاز له كذا في "التهذيب"، وفي قوله: (كذا في "التهذيب") إشارة إلي استشكاله، وقد استشكله والد الجاربردي بأنه ليس أقوى من الموجود في الملك المنتقل إليه من غيره، قال: وأظن أن عليه عرضه على واقفه.. وهكذا حتى ينتهى إلى المحيي.
[نصاب الزروع والثمار] الرابعة: أقل النصاب في الثمر والزرع بالرطل القدسي والرملي: مئتا رطل وخمسة وخمسون رطلاً؛ لأن الرطل ثمان مئة درهم، وهذا بناء على أن رطل بغداد مئة وثلاثون درهماً على ما قاله الرافعي، وهو خمسة أوسق جمع وسق؛ وهو ستون صاعاً، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، فالأوسق الخمسة: ألف وست مئة رطل بالبغدادي، وهو بالمن الصغير: ثمان مئة من؛ لأن المن رطلان، وبالكبير الذي وزنه ست مئة درهم كالرطل الدمشقي: ثلاث مئة من وستة وأربعون منا وثلثا من على قول الرافعي.

وأما على قول النووي: إن رطل بغداد مئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم.. فهي ثلاث مئة من واثنان وأربعون منا وستة أسباع من، والأصح: أن الاعتبار بالكيل لا الوزن إذا اختلفا، والتقدير بذلك تحديد.
قال القمولي وغيره: وقدر النصاب بإردب مصر: ستة أرادب وربع بجعل القدحين صاعاً؛ كزكاة الفطرة وكفارة اليمين.
وقال السبكي: خمسة أرادب ونصف وثلث، فقد اعتبرت القدح المصري بالمد الذي حررته فوسع مدين وسبعاً تقريباً، فالصاع: قدحان إلا سبعي مد، وكل خمسة عشر مداً سبعة أقداح، وكل خمسة عشر صاعاً ويبة ونصف وربع، فثلاثون صاعاً ثلاث ويبات ونصف، فئلاث مئة صاع خمسة وثلاثون ويبة، وهي خمسة أرادب ونصف وثلث، فالنصاب على هذا: خمس مئة وستون قدحاً، وعلى الأول: ست مئة.
وقوله: (وزائد جف) أي: أن ما زاد بحسابه، فلا وقص فيه، وأن النصاب يعتبر في حال جفافه بأن يصير تمراً أو زبيباً؛ أي: إن تتمر أو تزبب جيداً، وإلا.. فرطباً وعنباً، ويعتبر الحب مصفى منقي من تبن ونحوه.
وواجب ما سقي بلا مؤنة كأن سقي بالمطر أو ماء القناة، أو بماء ينصب إليه من جبل أو نهر أو عين كبيرة، أو عروقه لقربه من الماء من ثمر وزرع.. العشر، وما سقي بمؤنة كناضح ودولاب، وما اشتراه أو اتهبه أو غصبه.. نصفه، والفرق: ثقل المؤنة في هذا وخفتها في الأولى.
والأصل في ذلك: خبر البخاري: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً.. العشر، وما سقي بالنضح.. نصف العشر"، وخبر: "فيما سقت الأنهار والغيم.. العشر، وفيما سقي بالسانية.. نصف العشر"، وخبر أبي داوود: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون، أو كان بعلا.. العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح.. نصف العشر".
و(العثري) بفتح المهملة والمثلثة: ما سقي بماء السيل، قاله الأزهري وغيره، والغيم

المطر، و (السانية) و (الناضح): اسم للبعير أو البقرة الذي يسقى عليه من البئر أو النهر، والأنثى ناضحة.
وما سقي بهما؛ أي: بما لا مؤنة فيه، وبما فيه مئؤنة.. وزع أنت الواجب على سقي المقتات بالنوعين؛ عملاً بواجبهما بحسب النفع؛ أي: باعتبار نشوء الزرع ونمائه، وإنما اعتبر النشوء دون عدد السقيات؛ لأنه المقصود، فلو كانت المدة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانية أشهر، واحتاج في ستة أشهر زمن الشتاء والربيع إلى سقيتين فسقي بماء السماء، وفي شهرين من زمن الصيف إلى ثلاث سقيات فسقي بما فيه مؤنة.. وجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، فإن سقي بهما سواء.. وجب ثلاثة أرباع العشر.
ولو سقي بهما وجهل مقدار كل منهما.. وجب فيه ثلاثة أرباع العشر؛ أخذاً بالأسوء، وسواء في جميع ما ذكر في المسقي بمائين أنشأ الزرع على قصد السقي بهما، أم أنشأه قاصداً السقي بأحدهما ثم عرض السقي بالآخر، وقيل في الحال الثاني: يستصحب حكم ما قصده.
ولو اختلف المالك والساعي في أنه بماذا سقي؟ صدق المالك؛ لأن الأصل عدم وجوب الزيادة عليه، قال في "المجموع": فإن اتهمه الساعي.. حلفه، وهذه اليمين مستحبة بالاتفاق؛ لأن قوله لا يخالف الظاهر.
ولو كان له زرع مسقي بماء السماء، وآخر مسقي بالنضح، ولم يبلغ واحد منهما نصاباً.. ضم أحدهما إلى الآخر؛ لتمام النصاب وإن اختلف قدر الواجب وهو العشر في الأول ونصفه في الثاني.
ولا يكمل في النصاب جنس بجنس، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا الحنطة إلى الشعير، ويضم النوع إلى النوع كأنواع التمر وأنواع الزبيب وغيرهما، ويخرج من كل بقسطه، فإن عسر؛ لكثرة الأنواع وقلة مقدار كل نوع منها.. جاز له إخراج الوسط منها، ويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها؛ وهو قوت صنعاء اليمن، والسلت - بضم السين وسكون اللام: جنس مستقل فلا يضم إلى غيره، وقيل: شعير فيضم إليه، وقيل: حنطة فيضم إليها؛ وهو حب يشبه الحنطة في اللون والنعومة والشعير في برودة الطبع، وقيل: إنه في صورة الشعير وطبعه حار كالحنطة، فألحق بها في وجه وبه في آخر، والأول قال: اكتسب من تركب الشبهين طبعاً انفرد به وصار أصلاً برأسه.

ولا يضم ثمر عام وزرعه ألى ثمر وزرع عام آخر في إكمال النصاب؛ وإن فرض إطلاع ثمرة العام الثاني قبل جذاذ ثمرة الأول.
ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض وإن اختلف إدراكه، أو طلع الثاني بعد جذاذ الأول.
نعم؛ لو أثمر نخيل في العام مرتين.. فهما كثمرة عامين، وزرعا العام يضمان، وذلك كالذرة تزرع في الخريف والربيع والصيف، والأظهر: اعتبار وقوع حصاديهما في سنة، وإن كان الزرع الأول خارجاً عنها: فإن وقع حصاد الثاني بعدها.. فلا ضم؛ لأن الحصاد هو المقصود وعنده يسقر الوجوب.
ولو اختلف المالك والساعي في أنه زرع عام أو عامين.. صدق المالك في قوله: (عامين)، فإن اتهمه الساعي.. حلف استحباباً؛ لأن ما ادعاه ليس مخالفاً للظاهر، ذكره في "المجموع".
[اسحباب الخرص] ويسن خرص التمر الذي تجب فيه الزكاة على مالكه؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بخرصه في خبر عتاب بن أسيد المار، فيطوف الخارص بكل نخلة ويقدر ما عليها رطباً ثم تمراً، ولا يقتصر على رؤية البعض وقياس الباقي به، وإن اتحد النوع.. جاز أن يخرص الجميع رطباً ثم تمراً، والمشهور: إدخال جمعية في الخرص، وأنه يكفي خارص واحد؛ لأم الخرص ينشأ عن اجتهاد، وشرطه: كونه عدل رواية حراً ذكراً خبيراً، فإذا خرص.. فالأظهر: أن حق المستحقين ينقطع من عين الثمر ويصير في ذمة المالك التمر والزبيب؛ ليخرجهما بعد جفافه إن صرح الخارص بتضمين المالك حقهم وقبله، وإلا.. بقي حقهم على ما كان، ومتى انقطع حقهم من المخروص.. جاز تصرف المالك في جميعه بالبيع وغيره.
ولو ادعى هلاك المخروص كله أو بعضه بسبب خفي كسرقة، أو ظاهر عرف؛ كالبرد والنهب والجراد ونزول العسكر واتهم في الهلاك به.. صدق بيمينه، وإن لم يتهم في ذلك.. صدق بلا يمين، وإن لم يعرف الظاهر.. طولب ببينة بوقوعه؛ لإمكانها ثم يصدق بيمينه في الهلاك به، واليمين فيهما مستحبة، وقيل: واجبة.
ولو اقتصر على دعوى الهلاك.. قال الرافعي: فالمفهوم من كلام الأصحاب قبوله مع

اليمين؛ حملاً على وجه يغني عن البينة، قال في "المجموع": وهو كما قال الرافعي.
ولو قال: (هلك بحريق وقع في الجرين) وعلمنا أنه لم يقع في الجرين حريق.. لم يبال بكلامه.
ولو ادعى حيف الخارص فيما خرصه.. لم يلتفت إليه؛ كما لو ادعى ميل الحاكم أو كذب الشاهد.. لا يقبل إلا ببينة، أو ادعى غلطه بما يبعد.. لم يقبل في حط جميعه، وفي حط المحتمل منه وجهان، أصحهما: قبوله، أو بمحتمل بفتح الميم: فإن كان فوق ما يقع بين الكيلين؛ كوسق في مئة، وادعاه بعد الكيل.. فوجهان: أحدهما لا يحط؛ لاحتمال أن النقص وقع في الكيل ولو كيل ثانياً.. لو فى، وأصحهما: يحط؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى، هذا إن تلف المخروص، فإن بقي.. أعيد كيله وعمل به، ولو ادعى غلط الخارص ولم يبين قدراً.. لم تسمع دعواه.
[تقويم عرض التجارة وربحه بنقد أصله] الخامسة: أن عرض التجارة مع ربحه يقوم آخر بنقد أصله الذي ملكه به وإن أبطله السلطان، وقد أشار إلى ذلك بقوله: (وعرض متجر أخير حوله قومه مع ربح بنقد أصله) وقد مر أنه إن ملكه بدون نصاب أو بعرض.. فابتداء حوله من حين الشراء، أو بنقد نصاب.. فحوله من حين ملك النقد، والنقد، ضد العرض؛ فيشمل التبر والسبائك والحلي التي تجب فيها الزكاة.
وألف (قسما) للإطلاق.

باب زكاة الفطر

سميت بذلك؛ لأنها تجب بدخول الفطر، ويقال لها: زكاة الفطرة؛ أي: الخلقة، ولهذا ترجمها بعضهم بزكاة الأبدان، والمشهور: أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة عام فرض صوم رمضان.
والأصل فيها قبل الإجماع: خبر ابن عمر رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس؛ صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين)، وخبر أبي سعيد: (كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر، أو صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت) رواهما الشيخان.
وقد تكلم الناظم في هذا الباب على وقت وجوبها، ثم وقت أدائها، ثم قدر المؤدى، ثم جنسه، ثم صفة المؤدي، ثم صفة المؤدى عنه فقال: (إن غربت شمس تمام الشهر... يجب إلى غروب يوم الفطر) (أداء مثل صاع خير الرسل... خمسة أرطال وثلث رطل) (رطل العراق وهو بالأحفان... قريب أربع يدي إنسان) (وجنسه القوت من المعشر... غالب قوت بلد المطهر) (والمسلم الحر عليه فطرته... وفطرة الذي عليه مؤنته) (واستثن من يكفر مهما يفضل... عن قوته وخادم ومنزل) (ودينه وقوت من مؤونته... يحمل يوم عيده وليلته) فيها سبع مسائل:

[وقت وجوب زكاة الفطر] الأولى: في وقت وجوبها؛ وهو غروب شمس تمام شهر رمضان؛ أي: تجب بإدراك آخر جزء منه أول جزء من شوال؛ لإضافتها إلى الفطر، فتخرج عمن مات أو ارتد أو بيع أو بانت بعد الغروب، دون من ولد أو ملك أو أسلم أو نكح.
ولو مات مالك العبد ليلة العيد.. فالفطرة في تركته.
[وقت أداء زكاة الفطر] الثانية: في وقت أدائها، يجب أداؤها قبل غروب شمس يوم عيد الفطر، فيحرم تأخيره عنه بلا عذر؛ كغيبة ماله أو الآخذ لها؛ لأن القصد إغناء المستحقين عن الطلب فيه، ويلزمه فضاؤها على الفور.
قال في "المجموع": وظاهر كلامهم: أن زكاة المال المؤخرة عن التمكن تكون أداء، والفرق: أن الفطرة مؤقتة بزمن محدود كالصلاة، ولو مات المؤدى عنه قبل التمكن.. فالأصح: بقاء الوجوب، بخلاف ما لو تلف المال قبله على الأصح كزكاة المال.
انتهى.
ويسن إخراجها يوم العيد قبل صلاته؛ لخبر "الصحيحين" عن ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، والتعبير بـ (الصلاة) جري على الغالب من فعلها أول النهار، فإن أخرت.. استحب إخراجها أول النهار؛ للتوسعة على المستحقين، ويجوز تعجيلها من أول رمضان.
[مقدار زكاة الفطر] الثالثة: وهي صاع بصاع خير الرسل صلى الله عليه وسلم؛ وهو خمسة أرطال وثلث رطل بالبغدادي، وهو مئة وثلاثون درهماً على الأصح عند الرافعي، ومئة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النووي، فالصاع على الأول: ست مئة درهم وثلاثة وتسعون درهماً وثلث درهم، وعلى الثاني: ست مئة درهم وخمسة وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم.

قال ابن الصباغ وغيره: الأصل في ذلك الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهاراً.
قال في"الروضة": قد يستشكل ضبط الصاع بالأرصال؛ فإن الصاع المخرج به في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيال معروف، ويختلف قدره باختلاف جنس ما يخرج؛ كالذرة والحمص وغيرهما، والصواب ما قاله الدرامي: أن الاعتماد على الكيل بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لم يجده.. وجب عليه إخراج قدر يتيقن أنه لا ينقص عنه، وعلى هذا: فالتقدير بخمسة أرطال وثلث.. تقريب؛ كما أشار إليه الناظم بقوله: (وهو بالأحفان قريب أربع يدي إنسان) أي: قريب أربع حفان بكفي إنسان معتدلتين، وهو مراد النووي بقوله في "الروضة": وقال جماعة من العلماء: الصاع: أربع حفنات بكفي رجل معتدل الكفين.
[جنس زكاة الفطر] الرابعة: جنس الصاع الواجب: القوت من المعشر؛ أي: الذي يجب فيه العشر وكذا نصفه، غالب قوت بلد المطهر بفتح الهاء؛ أي: المؤدى عنه، لا غالب قوت المؤدي أو بلده كثمن المبيع، ولتشوف النفوس إليه، ويختلف ذلك باختلاف النواحي فـ (أو) في خبر: "صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير" لبيان الأنواع لا للتخيير كما في آية: ﴿إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله﴾، وإنما اعتبر بلد المؤدى عنه؛ بناء على أنها تجب عليه ابتداء، ثم يتحملها المؤدي وهو الأصح.
فإن لم يكن في بلده غالب.. أدى ما شاء، والأعلى أولى، فإن لم يكن قوت البلد مجزئاً.. اعتبر أقرب البلاد إليه، وإن كان بقربه بلدان متساويان قرباً.. أدى من أيهما شاء، وإذا أوجبنا غالب قوت البلد.. ففي "الوجيز": اعتبار الغلبة يوم العيد، واستغرباه في "الشرحين" و "الروضة" و "المجموع"، ونقلا عن "الوسيط": اعتبار وقت الوجوب لا كل السنة، ثم قال في "المجموع": إن المراد قوت السنة كما سنوضحه، ومراده: انه إذا اختلف القوت باختلاف الوقت فأخرج من الأدنى.. أجزأه في الأصح؛ لدفع الضرر؛ لأنه

يسمى مؤدياً لقوت البلد، وصورته: أن يكون غالب قوتها، أو لا يكون فيها غالب، وفي "المهمات": أن ما في "الوسيط" هو القياس، وصرح به غيره، ومال إليه الأذرعي ونقله عن جمع.
وفي معنى المعشر: الأقط والجبن واللبن إن بقي زبدها؛ لثبوت الأقط في الخبر السابق، وقيس عليه الجبن واللبن.
والأقط: لبن يابس فيه زبده، فإن أفسد الملح جوهره.. لم يجز، وإن ظهر عليه ولم يفسده.. وجب بلوغ خالصه صاعاً.
ولا يجزاء المصل، وهو ماء الأقط كما في "المجمل" وغيره، أو لبن منزوع الزبد كما في "البيان" وغيره، أو المخيض كما في "النهاية"، ولا السمن ولا القيمة ولا الدقيق والسويق والخبز والعنب واللحم وإن كان قوت البلد؛ لأنه ليس في معنى ما نص عليه.
قال في "المجموع": قال أصحابنا: يشترط في المخرج أن يكون من الأقوات المعشرة، فلا يجزاء غيرها إلا الأقط والجبن واللبن.
ويجزاء القوت الأعلى عن الأدنى ولا عكس، ويخالف زكاة المال حيث لا يجزاء جنس أعلي؛ لتعلقها بالمال، والاعتبار بالقيمة في وجه، وبزيادة الاقتيات في الأصح.
قال بعضهم: فأعلى الأقوات البر، ثم الشعير، ثم التمر، كما نقله الرافعي عن ترجيح البغوي، ورجحه في "المحرر" و "الشرح الصغير"، ورجحه في "المنهاج" و "المجموع"، وخالف أبو محمد الجويني فقدم التمر على الشعير، وقطع به الروياني في "البحر"، ثم بعده الزبيب.
انتهى.
ويجوز إخراج الفطرة عن أحد عبديه أو قريبيه من القوت الواجب، وعن الآخر أعلى منه؛ كما يؤدي لأحد جبرانين شاتين وللآخر عشرين درهماً، ولا يبعض الصاع المخرج عن واحد وإن تعدد المؤدي كعبد لاثنين؛ لأنه واجب واحد فلا يبعض كالكفارة.

[صفة المؤدي لزكاة الفطر] الخامسة: في صفة المؤدي، والمسلم الحر عليه فطرته وفطرة من تلزمه مؤنته، وذلك بملك ولوآبقاً ومغصوباً ومؤجراً ومرهوناً ومنقطع الخبر ما لم تنته غيبته إلى مدة يحكم فيها بموته، أو قرابة، أو نكاح، وهذه الثلاثة جهات التحمل بالشرط الآتي.
وخرج بـ (المسلم): الكافر الأصلي، فلا تلزمه فطرته؛ لقوله في الخبر السابق: (من المسلمين)، وتجب عليه فطرة رقيقه وقريبه وزوجته المسلمين على الأصح، المبني على الأصح: أنها تجب ابتداء على المؤدى عنه، ثم يتحملها عنه المؤدي.
قال الإمام: ولا صائر إلى أن المحتمل عنه ينوي، والكافر لا تصح منه النية، وذلك يدل على استقلال الزكاة بمعنى المراساة.
قال في "البسيط": فتصح من غير نيه؛ تغليباً لسد الحاجة، كما في المرتد.
أما المرتد.. ففي وجوب الزكاة عليه أقوال بقاء ملكه، أظهرها: انه موقوف؛ إن عاد إلي الإسلام تبينا بقاءه.. فتجب، وإلا.. فلا، ذكره في "المجموع".
وخرج بـ (الحر): الرقيق، فلا فطره عليه، أما غير المكاتب.. فلعدم ملكه، وفطرته على سيده كما أفاده كلامه، قناً كان أو مدبراً أو أم ولد أو معلق العتق بصفة، وأما المكاتب.. فلصعف ملكه، ولا فطرة على سيده عنه؛ لنزوله معه منزلة الأجنبي.
ومن بعضه حر يلزمه من الفطرة قسطه من الحرية إذا لم يكن بينه وبين مالك بعضه مهايأة، وكذا يلزم كلاً من الشريكين في رقيق بقدر حصته منه إذا لم تكن بينهما مهايأة، فإن كانت في المسألتين.. اختصت الفطرة بمن وقع زمن وجوبها في نوبته.
[الإسلام شرط في المؤدى عنه] السادسة: يشترط إسلام المؤدى عنه، فلا يلزم المسلم فطرة رقيقه وقريبه وزوجته الكفار؛ لقوله في الخبر السابق: "من المسلمين"، ومما يستثنى أيضاً: أنه لا يلزم الفرع فطرة زوجة الأصل، ولا مستولدته في الأصح وإن لزمته مؤنتهما؛ لأن الأصل في المؤنة والفطرة الأصل وهو معسر، ولا تجب الفطرة على المعسر بخلاف المؤنة فيتحملها الفرع، ولأن عدم الفطرة

لا يمكن الزوجة من الفسخ بخلاف المؤنة، وأنه لا فطرة لرقيق بيت المال، ولا للموقوف ولو على معين في الأظهر، ولا للحرة التي تخدم الزوجة كما في "المجموع" لأنها في معنى المستأجرة، لكن مقتضى كلام "الروضة" و "أصلها" الوجوب؛ لأنها تتبع النفقة، وصرح به جماعة، بخلاف ما إذا كانت مملوكة له أو لها.. فإنها تجب فطرتها، وأنه تجب فطرة المكاتب كتابة فاسدة على سيده مع أنه لا تلزمه مؤنته.
[يشترط يسار المؤدي] السابعة: يشترط أيضاً يسار المؤدي؛ بأن وجد ما يفضل عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته ليلة العيد ويومه؛ لأن القوت لابد منه دون ما وراءهما لعدم ضبطه.
وعن خادم ومنزل يحتاجهما ويليقان به، وعن دست ثوب له، ولمن في نفقته يليق بهم كالكفارة؛ لأنها من الحوائج المهمة، فلو كان الخادم والمنزل نفيسين يمكن إبدالهما بلائقين ويؤدي التفاوت.. لزمه ذلك؛ كما ذكره الرافعي في (الحج) قال: لكن في لزوم بيعهما إذا كانا مألوفين وجهان في الكفارة، فيجريان هنا، وفرق في "الشرح الصغير" و "الروضة" بأن للكفارة بدلاً؛ أي: في الجملة، فلا ينتقض بالمرتبة الأخيرة منها، ومحل اعتبار كونها فاضلة عن الخادم والمنزل في الابتداء، فلو ثبتت في ذمته.. بيعا فيها، لالتحاقها بالديون.
والمراد بـ (حاجته للخادم): أن يحتاجه لخدمته، أو خدمة من تلزمه خدمته، لا لعمله في أرضه وماشئته، ذكره في "المجموع"، ويقاس به حاجته للمنزل.
وعن دينه على ما جزم به الناظم كـ"الحاوي الصغير" والنووي في "نكته"، ونقل الشيخان عن الإمام الاتفاق عليه؛ كنفقة القريب، قالا: لكن قول الشافعي رضي الله عنه والأصحاب: إنه لو مات بعد أن هل شوال.. فالفطرة في ماله مقدمة على الديون.. يقتضي: أن الدين لا يمنع وجوبها، قال في "الشرح الصغير": وهو الأشبه بالمذهب.
انتهى، وهو الموافق لما في زكاة المال، وقال ابن العماد: إن به الفتوى.

وخرج بـ (الموسر): المعسر، فلا تجب الفطرة عليه، ويلزم سيد زوجته فطرتها، ولا يلزم زوجته الحرة فطرتها.
ولو كان في نفقته ابن كبير فوجد قوت ليلة العيد ويومه فقط.. لم تجب فطرته، أو صغير.. لم تجب على الأب في الأصح.
ولو أدتها زوجة الموسر، أو من فطرته على قريبه بلا إذن.. فالنص الإجزاء، أو بإذن.. فقطعاً؛ كما لو أداها عنه غيره بإذنه.
والأصح: أن من أيسر ببعض صاع.. يلزمه إخراجه.
والأصح: أنه لو وجد بعض الصيعان.. قدم نفسه ثم زوجته، ثم ولده الصغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم ولده الكبير، فإن استووا درجة؛ كزوجات وبنين.. أخرج عمن شاء.
ولو باع رقيقاً ووقع زمن الوجوب في زمن الخيار، وقلنا: الملك للبائع.. فعليه الفطرة وإن أمضي البيع، أو للمشتري.. فعليه وإن فسخ، أو موقوف وتم البيع.. فعلى المشتري، وإلا.. فعلى البائع.
ولو أخرج من ماله فطرة ولده الصغير الغني.. جاز بخلاف الكبير.
ولو اشترك موسر ومعسر في رقيق.. لزم الموسر قسط حصته.
وقوله: (الذي عليه مؤنته) بضم الميم وسكون الواو.

باب قسم الصدقات

أي: الزكوات على مستحقيها، وسميت بذلك؛ لإشعارها بصدق باذلها.
والأصل في الباب: آية: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾، وأضاف فيها الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك، وإلى الأربعة الأخيرة بـ (في) الظريفة؛ للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأخيرة، حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها.. استرجع، بخلافه في الأولى على ما يأتي، وقد ذكر الناظم آخر الباب صدقة النفل.
(أصنافه- إن وجدت- ثمانية... من يفقد اردد سهمه للباقيه) فيه مسألتان: [أصناف قسم الصدقات] الأولى: أصناف قسم الصدقات ثمانية؛ للآية، فيجب استيعابهم بها عند وجودهم حتى في زكاة الفطر؛ لإضافة الصدقات إليهم بـ (اللام) و (في) كالإقرار والوصية، فإن فرقها المالك بنفسه، أو الإمام ولا عامل.. فالقسمة على سبعة، وإذا قسم الإمام.. لزمه أن يستوعب من الزكاة الحاصلة عنده آحاد كل صنف؛ لقدرته عليه لا من زكاة كل واحد، وله أن يخص بعضهم بنوع وآخرين بنوع، وكذا يلزم المالك استيعابهم إن انحصر المستحقون في البلد ووفى بهم المال، وإلا.. فيجب إعطاء ثلاثة من كل صنف كما سيأتي، إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحداً كما سيأتي، فلو صرف ما عليه لاثنين مع وجود ثالث.. غرم له أقل متمول، وتجب التسوية بين الأصناف وإن كان بعضهم أحوج، لكن لا يزاد العامل على أجرة عمله، وتسن بين آحاد الصنف عند تساوي الحاجات، إلا أن يقسم الإمام؛ فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات؛ لأنه نائبهم فلا يفاوت بينهم عند تساوي حاجاتهم.

[إذا فقد أحد الأصناف أو من آحاد صنف] الثانية: من يفقد من الأصناف؛ أي: غير العامل، أو من آحاد صنف؛ بأن لم يوجد منه إلا واحد أو اثنان.. اردد أنت سهمه وجوباً للبقية من الأصناف في الأولى، ومن الصنف في الثانية، فلا ينقل إلى غيرهم؛ لانحصار الاستحقاق فيهم، ولأن عدم الشيء بموضعه كالعدم المطلق؛ كما في عدم الماء المبيح للتيمم، وليس هذا كما لو أوصى لاثنين فرد أحدهما؛ حيث يكون المردود للورثة لا للآخر؛ لأن المال للورثة لولا الوصية وهي تبرع، فإذا لم يتم أخذ الورثة للمال، والزكاة حق لزمه.. فلا يرد إليه، ولهذا لو لم توجد المستحقون.. لم تسقط الزكاة، بل توقف حتى يوجدوا أو يوجد بعضهم.
ولو فضل نصيب بعضهم عن كفايته ونقص نصيب بعضهم عنها.. لم ينقل الفاضل إلى ذلك الصنف، بل يرد إلى من نقص سهمه؛ كما اقتضاه كلام "الروضة" و "أصلها" من جعله على الخلاف في نقل الزكاة، لكن صحح في "تصحيح التنبيه": نقله إلى ذلك الصنف، وعلى الأول: لو استغني بعضهم المردود.. قسم الباقي بين الآخرين بالسوية، ولو زاد نصيب جميعهم على الكفاية أو نصيب بعضهم ولم ينقص البعض الآخر.. نقل الفاضل إلى ذلك الصنف، ذكره في "الروضة" و "أصلها".
ولما ذكر أن أصناف الزكاة ثمانية.. شرع في تفصيلها فقال: [تفصيل أصناف الزكاة الثمانية] (فقير العادم والمسكين له... ما يقع الموقع دون تكمله) (وعامل كحاشر الأنعام... مؤلف يضعف في الإسلام) (رقابهم، مكاتب، والغارم... من للمباح أدان وهو عادم) (وفي سبيل الله غاز احتسب... وابن السبيل ذو افتقار اغترب) الأول: الفقير، وهو العادم للمال والكسب الذي يقع موقعاً من حاجته؛ كمن يحتاج إلى

عشرة دراهم ولا يملك، أو لا يكتسب إلا درهمين أو ثلاثة، ولا يشترط فيه الزمانة، ولا التعفف عن المسألى على الجديد، ولا يمنع الفقر مسكنه وثيابه ولو كانت للتجمل، ورقيقه الذي يحتاج إلى خدمته، وماله الغائب في مرحلتين والمؤجل، فيأخذ كفايته ألى حلوله، وكسب مباح لا يليق به.
ولو كان له مال يستغرقه الدين.. قال البغوي: لا يعطى حتى يصرفه في الدين.
قال السبكي: فلو اعتاد السكنى بالأجرة أو في المدرسة.. فالظاهر: خروجه عن اسنم الفقر بثمن المسكن، ولو اشتغل بعلم شرعي والكسب يمنعه.. ففقير، أو بالنوافل.. فلا، وكذا المعطل المعتكف في مدرسة، ومن لا يتأتى منه تحصيله مع القدرة على الكسب.
الثاني: المسكين، وهو الذي له مال أو كسب مباح لائق به يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه؛ كمن يملك أو يكتسب سبعة أو ثمانية ولا يكقته إلي عشرة؛ فهو أحسن حالاً من الفقير، واحتجو به بقوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمسكين﴾، وبما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم؛ إحيني مسكناً، وأميي مسكيبا}، مع أنه كان يتعوذ من الفقر.
قال في "الروضة" كـ"أصلها": وسواء أكان ما يمكله نصاباً أو أقل أو أكثر، والمعتبر فيما يقع موقعاً من حاجته: المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لابد منه على ما يليق بالحال من غير إسراف ولا تقتير للشخص ولمن هو فى نفقته، والعبرة عند الجمهور في عدم كفايته بالغمر الغالب بناءً على أنه يعطى ذلك، وأما ما جزم به البغوي، وصححه ابن الصلاح في "فتاويه" والنووي في "فتاويه" الغير المشهورة، واستنبطه الإسنوي من كلامهم من أن العبرة بعدم كفايته بالسنة.. فإنما يأتي على قول من قال كالبغوي: أنه إنما يعطى كفاية سنة.
قال في "الروضة": قال الغزالي في "الإحياء": لو كان له كتب فقه.. لم تخرجه عن المسكنة، ولا تلزمه زكاة الفطر كأثاث البيت؛ لأنه محتاج إليها.
والكتاب يطلب إما للتفرج بالمطالعة؛ ككتب الشعر والتواريخ ونحوهما مما لا ينفع في الدارين.. فهذا يمنع المسكنة، وإما للتعليم للتكسب كالمؤدب والمدرس بأجرة أو للقيام بفرض.. فلا يمنع المسكنة، وأما للاستفادة كطب يعالج به نفسه، أو وعظ يتعظ به: فإن لم يكن في البلد طبيب وواعظ.. فكذلك، وإلا.. فمستغن عنه.

فإن كان له من كتاب نسختان.. فهو مستغن عن إحداهما، فإن كانت إحداهما أصح والأخرى أحسن.. باع الأحسن، وإن كانتا من علم وإحداهما وجيزة: فإن كان مقصوده الاستفادة.. فليكتف بالبسيطة، أو التدريس.. احتاج إليهما، هذا كلام الغزالي، والمختار في الواعظ: أنه لا أثر لوجوده.
الثالث: العامل في الزكاة، وهو: ساع، وكاتب، وقاسم، وحاشر يجمع ذوي الأموال أو ذوي السهمان، وعريف، وحاسب، وحافظ للمال، وجندي، لا الإمام والوالي والقاضي، ويجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الزكوات، وإذا لم يكف.. زيد قدر الحاجة.
والأصح: أن أجرة الكيال والوزان، وعاد النعم على المالك إن كان يميز الزكاة عن المال، فإن كان يميز بين الأصناف.. فمن سهم العامل قطعاً، وأجرة الراعي والحافظ بعد قبضها في جملة الزكوات لا من سهم العامل في الأصح، وأجرة الناقل والمخزن في الجملة، ومؤنة إحضار الماشية للعد على المالك.
الرابع: المؤلفة، وهو من أسلم ونيته ضعيفة؛ أي: أو له شرف يرجى بإعطائه إسلام نظرائه، والمذهب: أنهم يعطون من الزكاة، ومن جاهدوا من يليهم، أو قبضوا الزكاة من مانعيها.. يعطون من سهم المؤلفة في أرجح الأقوال.
قال الإمام: وتسميتهم مؤلفة مجاز، وأما مؤلفة الكفار كمن يرجى إسلامه بإعطائه، أو يخاف شره.. فلا يعطون من زكاة ولا غيرها، وقيل: يعطون من خمس الخمس.
الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون، فيدفع لهم ما يعينهم على العتق؛ بشرط ألا يكون معهم وفاء بالنجوم، وصحة الكتابة لا إذن السيد، والأحوط: الصرف إليه بإذن المكاتب، ولا يجزاء بغير إذنه، لكن يسقط عنه بقدره، ويجوز الصرف إليه قبل حلول النجم في الأصح، وليس له الصرف إلى مكاتبه، ولا لمن كوتب بعضه على الصحيح.
ولو استغنى عن المعطي بإعتاق أو إبراء أو أداء الغير، أو أدائه من مال آخر.. استرد في الأصح، ويجزاء في غارم استغنى، وإن تلف بعد العتق.. غرمه، أو قبله.. فلا على الصحيح.

قال الغزالي: وكذا لو أتلفه، ولو عجز.. استرد منه، فإن كان تالفاً.. غرمه في الأصح، ويتعلق بذمته لا برقبته في الأصح، ولو دفعه إلى السيد وعجز ببقية النجوم.. ففي الاسترداد والغرم عند التلف الخلاف، ولو اقترض وأدى فعتق.. لم يعط من سهم الرقاب بل الغارمين؛ كما لو قال لعبده: (أنت حر على ألف) فقيل.
السادس: الغارم، وهو ثلاثة أنواع: غارم استدان لنفسه لمباح- أي: غير معصية- من مؤنته ومؤنة عياله، كأكل وشرب وتزوج وهو عادم للمال؛ أي: عاجز عن وفاء دينه بما يزيد على كفايته، فإن لم يعجز عن وفائه بما يزيد عليها.. لم يعط؛ لأنه يأخذ لحاجته إلينا، فاعتبر عجزه كالمكاتب وابن السبيل، بخلاف الغارم للإصلاح كما سيأتي، فإنه يأخذ لحاجتنا إليه؛ لتسكين الفتنة.
فعلم أنه يعطى مع قدرته على وفاء دينه ببيع ملبوسه أو فراشه أو مركوبه أو خادمه المحتاج إليه، وأنه لو لم يملك شيئاً لكن يقدر على كسب يفي بدينه.. أعطي أيضاً كالمكاتب، ويفارق الفقير والمسكين؛ بأن حاجتهما إنما تتحقق بالتدريج، والكسوب يحصلها كل يوم، وحاجة المكاتب والغارم ناجزة؛ لثبوت الدين في ذمتهما والكسب لا يدفعها إلا بالتدريج غالباً.
وخرج بقوله: (من للمباح ادان): من استدان لمعصية؛ كأن اشترى به خمراً، أو صرفه في زناً أو قمار، أو إسراف في نفقة.. فلا يعطى، فإن تاب.. فوجهان، أصحهما: يعطى إذا غلب على الظن صدق توبته، وإن قصرت المدة كالخارج لمعصية إذا تاب وأراد الرجوع.. فإنه يعطى من سهم ابن السبيل.
قال الإمام: ولو استدان لمعصية ثم صرفه في مباح.. أعطي، وفي عكسه يعطى أيضاً إن عرف قصد الإباحة أو لا، لكنا لا نصدقه فيه، ولو كان الدين مؤجلاً.. فوجوه، أصحها: لا يعطى؛ لأنه غير محتاج إلى وفائه حينئذ، والفرق بينه وبين المكاتب: الاعتناء بالحرص على تعجيل العتق، وربما يعجز السيد مكاتبه عند الحلول.
وغارم استدان لإصلاح ذات البين؛ كتحمل دية قتيل، أو قيمة متلف تخاصم فيه قبيلتان أو شخصان فسكن الفتنة بذلك، فيعطى وإن كان غنياً ولو بالنقد على الصحيح؛ لعموم الآية،

ولأنا لو اعتبرنا الفقر.. لقلا الرغبة في هذه المكرمة، وحكم من استدان لعمارة مسجد أو قرى ضيف.. كالمستدين لمصلحة نفسه؛ كما قال السرخسي، وحكى الروياني: أنه يعطى مع الغنى بالعقار، قال: وهو الاختيار، ونقل الشيخان ذلك وأقراه، وجزم صاحب "الأنوار" بالأول، وصاحب "الروض" بالثاني.
وغارم للضمان لدين على غيره فيعطى مع بقائه عليه ما يقضيه به إن أعسر هو والأصيل، أو وجده وكان متبرعاً؛ لعدم رجوعه حينئذ على الأصيل، فإن أيسرا أو الضامن.. لم يعط، أو بالعكس..أعطي الأصيل لا الضامن في الأصح.
فإن أدى الغارم الدين من ماله، أو بذل ماله ابتداء.. لم يعط، وإذا وفى الضامن من سهم الغارمين.. لا يرجع على الأصيل وإن ضمن بإذنه، وإنما يرجع إذا غرم من عنده.
قال الماوردي: فلو أخذ سهمه فلم يصرفه في دينه حتى أبراء منه، أو قضي عنه، أو قضاه من غير ما أخذه.. استرجع، إلا أن يقضيه من قرض.. فلا يسترجع؛ إذ لم يسقط عنه دينه، وإنما صار لآخر كالحوالة عليه، فلو أبراء منه أو قضاه من غير قرض فلم يسترجع منه ما أخذه، حتى لزمه دين صار به غارماً.. فوجهان: أحدهما: لا يسترجع منه؛ لأنه يجوز دفعه إليه، والثاني: يسترجع؛ لأنه صار كالمستسلف له قبل غرمه.
السابع: في سبيل الله، وهو غاز محتسب بغزوه بألا يأخذ شيئاً من الفيء فيعطى مع الغنى؛ لعموم الآية، أما المرتزق.. فلا يعطى شيئاً من الزكاة وإن لم يوجد ما يصرف له من الفيء، ويجب على المسلمين إعانته حينئذ.
الثامن: ابن السبيل، وهو معسر بما يوصله مقصده، أو موضع ماله، غريب مجتاز بمحل الزكاة؛ أي: أو منشاء سفر منه، فيعطى ولو كسوباً إذا كان سفره مباحاً، بخلاف سفر المعصية.
ومن طلب زكاة وعلم الإمام استحقاقه أو عدمه.. عمل بعمله، وإلا: فإن ادعى فقراً أو مسكنة أو أن نيته في الإسلام ضعيفة.. صدق.

ومن عرف له مال وادعى تلفه.. كلف البينة، وكذا من ادعى عيالاً في الأصح، ويعطى غاز وابن السبيل بقولهما، فإن لم يخرجا.. استرد، ويطالب عامل ومكاتب وغارم ببينة، وكذا مؤلف ادعى أنه شريف مطاع، والمراد بالبينة: إخبار عدلين، ويغني عنها الاستفاضة، وكذا تصديق المولى ورب الدين في الأصح.
ويعطى المكاتب والغارم قدر دينهما، أو ما عجزا عنه، والفقير والمسكين كفايتهما، فيعطى المحترف ما يشتري به آلة حرفته قلت أو كثرت، والتاجر رأس مال يفي ربحه بكفايته غالباً، ومن لا يحسن الكسب كفاية العمر الغالب لا سنة في الأصح.. فيعطى ما يشتري به عقاراً تكفيه غلته، وابن السبيل ما يوصله مقصده، أو موضع ماله من نفقة وكسوة يحتاجها لشتاء أو صيف، ومركوب إن كان ضعيفاً عن المشي أو السفر طويلاً، وما ينقل زاده ومتاعه إلا أن اعتاد مثله حمله بنفسه، فإن ضاق المال.. أعطي أجرة للمركوب، وإلا.. اشتري له، وإذا تم سفره.. استرد على الصحيح، ويعطى كذلك لرجوعه على الصحيح إن أراده ولا مال له بمقصده، ولا يعطى لمدة الإقامة إلا إقامة المسافرين.
ويعطى الغازي نفقته وكسوته، ونفقه عياله ذهاباً ورجوعاً وإقامة في الثغر وإن طالت، ويعطى هو ابن السبيل جميع المؤنة، وقيل: الزائد للسفر، وما يشتري به السلاح وآلة القتال، وكذا الفرس إن كان يقاتل فارساً ويصير ملكاً له، أو يستأجر له، ويختلف الحال بكثرة المال وقلته.
وأما ما يحمل عليه الزاد ومتاعه ويركبه في الطريق.. فكابن السبيل، وإنما يعطى إذا حضر وقت الخروج؛ ليهياء به أسباب سفره.
وإن مات في الطريق أو امتنع.. استرد ما بقي، وإن غزا ورجع وبقي منه بقية صالحة ولم يقتر على نفسه.. استردت، أو يسيره أو قتر.. فلا، وفي مثله في ابن السبيل يسترد مطلقاً.
ويتخير الإمام بين أن يدفع الفرس والسلاح إلى الغازي ملكاً، وبين أن يستأجر له مركوباً، وبين أن يشتري خيلاً من السهم ويقفها في سبيل الله تعالى ويعيرهم إياها عند الحاجة، فإذا انقضت.. استردت.
ويعطى المؤلف ما يراه الإمام، والعامل أجرة مثل عمله، فإن زاد سهم العاملين عليها.. رد الفاضل على بقية الأصناف، أو نقص عنها.. كمل من مال الزكاة على المذهب، ويجوز من سهم المصالح، بل للإمام جعل الإجرة كلها من بيت المال، ويقسم الزكاة على بقية الأصناف.

(ثلاثة أقل كل صنف... في غير عامل، وليس يكفي) (دفع لكافر ولا ممسوس رق... ولا نصيبين بوصفي مستحق) (ولا بني هاشم والمطلب... ولا الغني بمال أو تكسب) (ومن بإنفاق من الزوج، ومن... حتماً من القريب مكفي المؤن) (والنقل من موضع رب الملك... في فطرة والمال فيما زكي) (لا يسقط الفرض، وفي التكفير... يسقط والإيصاء والمنذور) فيها أربع مسائل: [أقل ما يجزاء في الزكاة من كل صنف] الأولى: أقل ما يجزاء في الزكاة: إعطاء ثلاثة من كل صنف إن وجدهم؛ عملاً بأقل الجمع في غير الأخيرين في الآية، وبالقياس عليه فيهما، ومحله كما علم مما مر: إذا قسم المالك ولم ينحصر المستحقون في البلد، أو انحصروا [و] لم يوف بهم المال، أما إذا قسم الإمام أو المالك وانحصر المستحقون في البلد ووفى بهم المال.. فيجب استيعاب الآحاد إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحداً إذا حصلت الكفاية به؛ لحصول المقصود به، ويجوز أن يستغنى عنه؛ بأن يقسم المالك أو الإمام ولا عامل؛ بأن حمل أصحاب الأموال زكاة أموالهم إلى الإمام.
[من لا يجزاء دفع الزكاة إليهم] الثانية: أنه لا يكفي دفع شيء من الزكاة لكافر؛ لخبر "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، لكن يجوز أن يكون الكيال والحمال والحافظ ونحوهم كفاراً مستأجرين من سهم العامل، لأن ذلك أجرة لا زكاة؛ ذكره الأذرعي والزركشي وغيرهما.
ولا لممسوس برق ولو مبعضاً إلا المكاتب؛ كما مر.
ولا دفع نصيبين من زكاة واحدة لوصفي مستحق اجتمعا فيه من أوصاف الاستحقاق؛ كفقير

غاز، بل يدفع إليه بما يختاره منهما؛ لاقتضاء العطف في الآية التغاير، وفي "الروضة" عن الشيخ نصر المقدسي: إذا قلنا: لا يعطى إلا بوصف واحد.. فأخذ الفقير الغارم بالفقر أو بالغرم، وأخذه غريمه بدينه، فإن بقي فقيراً.. أعطي من سهم الفقراء؛ لأنه الآن محتاج.
انتهي.
ويؤخذ منه أيضاً: أن محل منع إعطائه بوصفين: إذا أعطي بهما دفعة أو مرتباً ولم يتصرف فيما أخذه أولاً.
ولا يكفي دفع شيء منهما لبني هاشم أو المطلب ولو انقطع عنها خمس الخمس؛ لخلو بيت المال عن الفيء والغنيمة، أو استيلاء الظلمة عليهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد" رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا أحل لكم أهل البيت من الصدقات شيئاً، ولا غسالة الأيدي، إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم" رواه الطبراني في "معجمه الكبير".
ومثلهم مولاهم في الأصح؛ لخبر: "مولى القوم منهم" صححه الترمذي وغيره.
نعم؛ لو استعملهم الإمام في الحفظ والنقل.. فلهم أجرته؛ كما في "المجموع" عن صاحب "البيان"، وجزم به ابن الصباغ وغيره، وينبغي أن يكون محله إذا استؤجروا للنقل ونحوه كما مر نظيره.
ولا يكفي دفع شيء من سهم الفقراء والمساكين للمكفية بنفقة زوجها؛ لاستغنائها بنفقته ولو كانت ناشزة على الصحيح، وللزوج أن يعطيها من سهم المكاتب والغارم قطعاً، ومن سهم المؤلفة في الأصح، لا من سهم ابن السبيل إن سافرت معه.
وإن سافرت وحدها بغير إذنه.. لم تعط منه، وتعطى هي والعاصي بالسفر من سهم الفقراء أو المساكين، بخلاف الناشزة المقيمة؛ فإنها قادرة على الغنى بالطاعة، فأشبهت القادر على الكسب، والمسافر لا يقدر على العود في الحال، فإن تركت السفر وعزمت على العود إليه..

أعطيت من سهم ابن السبيل، أو بإذنه.. أعطيت منه مؤنة السفر فقط إن سافرت لحاجته، وإلا.. فكفايتها، ولا تكون عاملة ولا غازية.
والمكفي بنفقة قريب تلزمه نفقته.. لا يعطيه غيره من سهم الفقراء أو المساكين؛ لاستغنائه بالنفقة، ويجوز من غيرهما قطعاً، ولا يعطيه المنفق منهما ويجوز من غيرهما، لا من سهم المؤلفة وإن كان فقيراً، ويعطيه من سهم ابن السبيل مؤنة السفر فقط.
[نقل الزكاة لا يسقط الفرض] الثالثة: نقل الزكاة من موضع رب الملك في الفطرة حال وجوبها [و] من موضع المال حال وجوبها، فيما زكي منه مع وجود الأصناف أو بعضهم فيه إلى غيره، وإن قربت المسافة.. لا يسقط فرضها؛ لأنه حرام؛ لخبر معاذ، ولأن نقلها يوحش أصناف البلد بعد امتداد أطماعهم إليها، ولو كان من تلزمه فطرته.. فالعبرة ببلد المؤدى عنه؛ لأن الوجوب بسببه؛ لأنها صدقة البدن، هذا إن نقلها المزكي، فإن نقلها الإمام ولو بنائبه.. سقط الفرض؛ لأن له النقل.
ولو كان له مال ببلدين وكان في تفرقة زكاة كل طائفة ببلدها تشقيص؛ كأن ملك أربعين شاة بكل بلد عشرون.. فالأصح: جواز إخراج شاة في أحدهما؛ حذراً من التشقيص.
وأهل الخيام الذين لا قرار لهم يصرفون زكاتهم لمن معهم، فإن لم يكن معهم مستحق.. فلأقرب بلد إليهم عند تمام الحول، وإن كان لهم مسكن، وربما ارتحلوا عنه منتجعين ثم عادوا: فإن لم يتميز بعضهم عن بعض في الماء والمرعى.. صرفوه إلى من دون مرحلتين من موضع المال، والصرف إلى من معهم في الإقامة والظعن.. أفضل، وإن تميز.. فالأصح: أن كل حلة كقرية.
[النقل من بلد المال في التكفير يسقط الفرض] الرابعة: النقل من بلد المال في التكفير.. يسقط الفرض، وكذا في الإيصاء لصنف والمنذور؛ إذ الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلي الزكاة، وكذا لو وقف على صنف، ومحله فيها وفي اللتين قبلها: إذا لم ينص رب المال على بلد.
وقول الناظم: (هاشم) غير منون للوزن، وقوله: (الغني) بسكون الياء؛ إجراء للوصل مجرى الوقف، وقوله: (أو تكسب) بإسقاط الهمزة للوزن.

[صدقة التطوع] (وصدقات النفل في الإسرار... أولى، وفي قريبه والجار) (ووقت حاجة وفي شهر الصيام... وهو بما أحتاج عياله حرام) (وفاضل الحاجة فيه أجر... لمن له على اضطرار صبر) أي: صدقات التطوع سنة؛ لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾، ولخبر: "ما تصدق أحد من كسب طيب.. إلا أخذها الله سبحانه وتعالى بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله؛ حتى تكون أعظم من الجبل"، وخبر: "ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره" رواهما مسلم، وخبر: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" رواه ابن حبان والحاكم وصححاه، وهي في الإسرار- بكسر الهمزة؛ أي: السر- أولى منها في الجهر؛ لقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ ولما في "الصحيحين" في خبر السبعة الذين يظلهم الله تعالى تحت ظل عرشه من قوله صلى الله عليه وسلم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تدري شماله ما أنفقت يمينه" وهذا بخلاف الزكاة، فإن إظهارها أفضل.
والصدقة في قريبه وإن لزمته نفقته أولى منها في غيره؛ لخبر: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان؛ صدقة وصلة" رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه.
والصدقة في الجار أولى منها في غيره؛ لخبر البخاري عن عائشة: قلت: يا رسول الله؛ إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ فقال: "إلى أقربهما منك باباً".
والصدقة وقت الحاجة؛ أي: أمامها أولى من غيره؛ لأنه أقرب إلى قضائها وإلى الإجابة.
والصدقة في شهر الصيام أولى منها في غيره؛ لخبر البخاري: (أنه صلى الله عليه وسلم

كان أجود ما يكون في رمضان)، وخبر الترمذي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أفضل؟ قال: "صدقة في رمضان"، ولأن الناس فيه مشغولون بالطاعات فلا يتفرغون لمكاسبهم.
وتتأكد الصدقة أيضاً عند الأمور المهمة، وفي الغزو والحج والكسوف والمرض والسفر، وفي سائر الأوقات الفاضلة؛ كعشر ذي الحجة وأيام العيد، وفي الأماكن الشريفة؛ كمكة والمدينة وبيت المقدس.
والأولى: أن يبدأ بذي رحم محرم الأقرب فالأقرب، وألحق بهم الزوجات، ثم بذي رحم غير محرم؛ كأولاد العم والخال، ثم بمحرم الرضاع، ثم المصاهرة، ثم المولى من أعلى، ثم المولى من أسفل الأقرب فالأقرب، ثم جار أقرب، ثم جار أقرب، ثم أبعد.
ويقدم قريب بعدت داره على جار أجنبي، إلا أن يكون خارج البلد.. فيقدم الأجنبي، ويقصد بصدقته من أقاربه أشدهم له عداوة؛ لخبر الدارقطني: "أفضل الصدقة: الصدقة على ذي الرحم الكاشح" إذ المراد بـ (الكاشح): العدو كما جزم به الهروي، وليتألف قلبه، ولما فيه من سقوط الرياء وكسر النفس.
ويكره التصدق بالرديء، وبما فيه شبهة، وينبغي ألا يمتنع من الصدقة بالقليل احتقاراً له.
ويسن أن يدفعها بطيب نفس، وأن يتصدق بما يحبه، ويتأكد بالماء، ويحرم المن بها، فإذا من بها.. بطل ثوابها، وتحل لغني وكافر.
قال في "الروضة": ويستحب للغني التنزه عنها، ويكره له التعرض لها، وفي "البيان": يحرم عليه أخذها مظهراً للفاقة، قال: وهو حسن، وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم في الذي مات من أهل الصفة، فوجدوا له دينارين: "كيتان من نار".
قال: وأما سؤالها.. فقال الماوردي وغيره: إن كان محتاجاً.. لم يحرم، وإن كان غنياً بمال أو صنعة.. فحرام وما يأخذه حرام، ومن تصدق بشيء.. كره له أن يتملكه من جهة من

دفعه إليه بمعاوضة أو هبة، ولا بأس بملكه منه بالإرث، ولا يتملكه من غيره.
قول الناظم: (وهو) أي: التصدق بما احتاج إليه عياله الذين تلزمه مؤنتهم.. حرام، وكذا يحرم عليه التصدق بما يحتاجه لدين لا يرجو له وفاء؛ لأن كلا منهما حق واجب فلا يترك لسنة، فإن رجا وفاءه من جهة أخرى واستند ذلك إلى سبب ظاهر.. فلا بأس بالتصدق، أما التصدق بما يحتاجه لمؤنة نفسه.. فصحح في "الروضة": عدم استحبابه، وفي "المجموع": تحريمه.
قوله: (وفاضل الحاجة) أي: حاجة دينه ومؤنة نفسه وممونه.. فيه؛ أي: في التصدق به أجر لمن له على اضطرار صبر بلا مشقة؛ لقضية الصديق في التصدق بجميع ماله وقبول رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه، صححه الترمذي، فإن شق عليه الصبر على الاضطرار والفاقة.. فليس له في التصدق به أجر؛ لأنه غير مستحب حينئذ، بل هو مكروه، أما قوله صلى الله عليه وسلم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى".. فالمراد به: غنى النفس وصبرها على الفقر.
قال بعض المتأخرين: والظاهر أن المراد بـ (ما يحتاجه): ما يلزمه من نفقة ليومه وكسوة لفصله، لا ما يلزمه في الحال فقط، ولا ما يلزمه في سنة بأن يدخر قوتها ويتصدق بالفاضل.

جارٍ التحميل