مقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
مريم حين قال له: "كن" فكان عيسى بكن، وليس عيسى هو "كن"، ولكن بكن كان، فكن من الله تعالى قول، وليس "كن" مخلوقا، وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى" انتهى.
قوله: "ألقاها إلى مريم" قال ابن كثير: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها من روحه بأمر ربه عز وجل، فكان عيسى بإذن الله عز وجل، فهو ناشئ عن الكلمة التي قال له: "كن فكان"، والروح التي أرسل بها: هو جبريل عليه السلام.
وقوله: "وروح منه"1.
قال أبي بن كعب: "عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله
تعالى واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ 1 بعثه الله إلى مريم فدخل فيها".
رواه عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم.
قال الحافظ: ووصفه بأنه منه، فالمعنى أنه كائن منه، كما في قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ 2 فالمعنى أنه كائن منه؛ كما أن معنى الآية الأخرى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته.
قال شيخ الإسلام: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا
والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل.. "3 أخرجاه.
بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب.
وإذا كان المضاف عينا قائمة بنفسها كعيسى وجبريل -عليهما السلام- وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى; لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره.
لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين:
أحدهما: أن تضاف إليه لكونه خلقها وأبدعها; فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله.
فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله.
الوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه; كما خص البيت العتيق لعبادة فيه لا تكون في غيره.
وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله ورسوله.
ومن هذا الوجه: فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره.
فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه دينه، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه.
اهـ ملخصا.
قوله: " والجنة حق والنار حق " أي وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق، أي ثابتة لا شك فيها، وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ 4.
وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ 4. وقال تعالى {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وفي الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافا للمبتدعة1.
وفيهما الإيمان بالمعاد.
ولهما في حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " 2.
وقوله: " أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " هذه الجملة جواب الشرط.
وفي رواية: "أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء".
قال الحافظ: معنى قوله: "على ما كان من العمل" أي من صلاح أو فساد؛ لأن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: "على ما كان من العمل" أن يدخل أهل الجنة على حسب أعمال كل منهم في الدرجات.
قال القاضي عياض: ما ورد في حديث عبادة يكون مخصوصا لمن قال ما ذكره صلي الله عليه وسلم وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة.
قال: "ولهما في حديث عتبان:
" فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله "".
قوله: "ولهما" أي البخاري ومسلم في صحيحيهما بكماله.
وهذا طرف من حديث طويل أخرجه الشيخان 3.
وعتبان بكسر المهملة بعدها مثناة فوقية ثم موحدة، ابن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري، من بني سالم بن عوف، صحابي مشهور، مات في خلافة معاوية.
وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي صلي الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال: " يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك.
قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك.
قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك - ثلاثا - قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله تعالى على النار.
قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا.
فأخبر بها معاذ عند موته تأثما " 1 وساق بسند آخر: حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، قال: سمعت أنسا قال: ذكر لي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة.
قال: ألا أبشر الناس؟ قال: لا، إني أخاف أن يتكلوا ".
قلت: فتبين بهذا السياق معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنها تتضمن ترك الشرك لمن قالها بصدق ويقين وإخلاص.
قال شيخ الإسلام وغيره: في هذا الحديث ونحوه أنها فيمن قالها ومات عليها، كما جاءت مقيدة بقوله: "خالصا من قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين" فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة؛ لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة " 2.
وتواترت بأن كثيرا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص، وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدا أو عادة، ولم تخالط حلاوة الإيمان بشاشة قلبه.
وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء، كما في الحديث: "سمعت الناس يقولون شيئا فقلته3 ". وغالب أعمال هؤلاء إنما هي تقليد واقتداء بأمثالهم، وهم من أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ 4.
وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله. وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذا الإخلاص، وهذه التوبة وهذه المحبة وهذا اليقين، لا تترك له ذنبا إلا محي عنه كما يمحو الليل النهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار. وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة1.
فيحرم على النار.
ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته ومات مصرا على ذلك؛ فإنه يستوجب النار.
وإن قال لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر ولكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقن؛ فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته ولا يكون مصرا على سيئات، فإن مات على ذلك دخل الجنة.
وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة راجحة، فيضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر; فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف: قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص بالقلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بالآية من القرآن من غير ذوق طعم وحلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقض ذلك بل يقولونها من غير يقين وصدق ويحيون على ذلك، ويموتون على ذلك، ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة.
فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غير الله، واطمأن إلى الباطل، واستحلى الرفث،
ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدقه عمله.
قال الحسن: " ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه، ومن قال خيرا وعمل شرا لم يقبل منه " وقال بكر بن عبد الله المزني: " ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه ".
فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها بل اكتسب مع ذلك ذنوبا، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، فرجحت هذه السيئات على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق، فإنه إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا، ويكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
والذين يدخلون النار ممن يقولها: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات أو لرجحانها، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام؛ لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات فترجح سيئاتهم على حسناتهم.
انتهى ملخصا.
وقد ذكر هذا كثير من العلماء، كابن القيم وابن رجب وغيرهم.
قلت: وبما قرره شيخ الإسلام تجتمع الأحاديث.
قال: وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد وبالعكس.
وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لوجه الله تعالى على ما شرعه على لسان رسوله صلي الله عليه وسلم.
"تنبيه" قال القرطبي في تذكرته: قوله في الحديث "من إيمان" أي من أعمال الإيمان التي هي من أعمال الجوارح.
فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلناه، ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد ونفي الشركاء والإخلاص بقول لا إله إلا الله ما في الحديث نفسه من قوله: "أخرجوا - ثم بعد ذلك يقبض سبحانه قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط" - يريد بذلك التوحيد المجرد من الأعمال.
اهـ ملخصا من شرح سنن ابن ماجه.
قال المصنف -رحمه الله-: " وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:
" قال موسى عليه السلام: يا رب، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به.
قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله.
قال: كل عبادك يقولون هذا.
قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله " رواه ابن حبان والحاكم وصححه" 1.
أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل وأبوه كذلك.
استصغر أبو سعيد بأحد، وشهد ما بعدها.
مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين.
وقيل: سنة أربع وسبعين.
قوله: "أذكرك" أي أثني عليك به "وأدعوك" أي أسألك به.
قال: قل: يا موسى لا إله إلا الله.
قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا.
قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة،
قوله: "قل يا موسى لا إله إلا الله"2 فيه أن الذاكر بها يقولها كلها، ولا يقتصر على لفظ الجلالة، ولا على "هو" كما يفعله غلاة جهال المتصوفة، فإن ذلك بدعة وضلال.
قوله: "كل عبادك يقولون هذا" ثبت بخط المصنف بالجمع، والذي في الأصول "يقول" بالإفراد مراعاة للفظة "كل"، وهو في المسند من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ الجمع كما ذكره المصنف على معنى "كل"، ومعنى قوله: "كل عبادك يقولون هذا" أي إنما أريد شيئا تخصني به من بين عموم عبادك، وفي رواية: - بعد قوله: "كل عبادك يقولون هذا – قل: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا أنت يا رب، إنما أريد شيئا تخصني
به".
ولما كان بالناس - بل بالعالم كله - من الضرورة إلى لا إله إلا الله ما لا نهاية له، كانت من أكثر الأذكار وجودا، وأيسرها حصولا، وأعظمها معنى.
والعوام والجهال يعدلون عنها إلى الدعوات المبتدعة التي ليست في الكتاب ولا في السنة.
قوله: "وعامرهن غيري"1 هو بالنصب عطف على السماوات، أي لو أن السموات
السبع ومن فيهن من العمار غير الله تعالى، والأرضين السبع ومن فيهن، وضعوا في كفة الميزان ولا إله إلا الله في الكفة الأخرى، مالت بهن لا إله إلا الله.
=وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلي الله عليه وسلم: " أن نوحا - عليه السلام - قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله " 1.
قوله: "في كفة" هو بكسر الكاف وتشديد الفاء، أي كفة الميزان.
قوله: "مالت بهن" أي رجحت.
وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك، وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال.
وأساس الملة والدين، فمن قالها بإخلاص ويقين، وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها، واستقام على ذلك، فهذه الحسنة لا يوازنها شيء; كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ 2.
ودل الحديث على أن "لا إله الا الله" أفضل الذكر.
كحديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: وعلو القدر وعلو الذات.
فالثلاثة كلها صفته ودلت على كماله كما قال تعالى: 5: 20 (الرحمن على العرش استوى) 59: 25 (ثم استوى على العرش الرحمن) الآية.
في سبعة مواضع من كتابه (53: 7 و3: 1 و13: 2 و32: 4 و4: 47) كما قال تعالى: 10: 35 (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال تعالى: 50: 16 (يخافون ربهم من فوقهم) وقال تعالى: 4: 70 (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) 55: 3 (إني متوفيك ورافعك إلي) وأمثال هذه الآيات.
فمن سلب علو الله تعالى على خلقه فقد خالف صريح الكتاب والسنة، وألحد في أسمائه وصفاته ومعنى هذه الكلمة: نفي الإلهية عن كل شيء سوى ما استثنى بها وهو الله تعالى.
لكن هذه الكلمة العظيمة لا يحصل رجحانها إلا في حق من أتى بقيودها التي قيدت بها في الكتاب والسنة, وقد ذكر الله سبحانه في سورة براءة وغيرها كثيرا ممن يقولها ولم ينفعهم قولها، كحال أهل الكتاب والمنافقين على كثرتهم وتنوعهم في نفاقهم، فلم تنفعهم مع ما قام بهم من ترك تلك القيود.
(فمنهم) من يقولها جاهلا بما وضعت له، وبما دلت عليه من نفي الشرك والبراءة منه، والصدق والإخلاص وغيرها.
كعدم القبول ممن دعي إليها علما وعملا, وترك الانقياد بالعمل بما تقتضيه كحال أكثر من يقولها قديما وحديثا, ولكن في أواخر هذه الأمة أكثر.
(ومنهم) من يمنعه من محبتها والعمل بها ما قام بقلبه من كبر أو هوى أو غير ذلك من الأسباب وهي كثيرة، منها: قوله تعالى: 24: 9 (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) . وأما أهل الإيمان الخالص فهم الذين أتوا بهذه الكلمة، واجتمعت لهم قيودها التي قيدت بها علما ويقينا، وصدقا وإخلاصا ومحبة وقبولا وانقيادا، وعادوا فيه ووالوا فيه وأحبوا فيه وأبغضوا فيه.
وقد ذكرهم الله تعالى في مواضع من سورة براءة وغيرها وخصهم بالثناء عليهم والعفو عنهم، وأعد لهم جنته وأنجاهم من النار; كما قال تعالى: 100: 9 (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) ، فهؤلاء ومن اتبعهم هم أهل "لا إله إلا الله", وغير هذه من الآيات في الثناء عليهم وما أعد لهم في الدار الآخرة.
فمن تدبر القرآن وعرف تفاوت الخلق في محبة ربهم وتوحيده والعمل بطاعته والهرب من معصيته وإيثار ما يحبه تعالى رغبة وعملا، وترك ما يكرهه خشية ورجاء, واعتبر الناس بأحوالهم وأقوالهم وأعمالهم ونياتهم وما هم فيه من التفاوت البعيد; تبين له خطأ المغرورين؛ كما في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني".
" خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " 1 رواه أحمد والترمذي، وعنه أيضا مرفوعا: " يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب.
فيقال: أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وأنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " رواه الترمذي وحسنه.
والنسائي وابن حبان والحاكم.
وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح 2.
قال ابن القيم - رحمه الله -: "فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض.
قال: وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب.
ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة وكثير منهم يدخل النار بذنوبه".
قوله: "رواه ابن حبان والحاكم" ابن حبان اسمه محمد بن حبان - بكسر المهملة وتشديد الموحدة - ابن أحمد بن حبان بن معاذ، أبو حاتم التميمي البستي الحافظ صاحب التصانيف: كالصحيح، والتاريخ، والضعفاء، والثقات وغير ذلك.
قال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال.
مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة بمدينة بست - بضم الموحدة وسكون المهملة -.
رواه ابن حبان والحاكم وصححه.
وللترمذي - وحسنه - عن أنس: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " 3.
وأما الحاكم فاسمه محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري أبو عبد الله الحافظ، ويعرف بابن البيع، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وصنف التصانيف، كالمستدرك وتاريخ نيسابور وغيرهما، ومات سنة خمس وأربعمائة.
قال المصنف - رحمه الله -: "وللترمذي; وحسنه، عن أنس: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم; إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة1 " ذكر المصنف - رحمه الله - الجملة الأخيرة من الحديث، وقد رواه الترمذي بتمامه فقال: عن أنس قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم; إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي; يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني " الحديث.
فيه مسائل:
الأولى: سعة فضل الله.
الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله.
الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.
الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام.
الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة.
الترمذي: اسمه محمد بن عيسى بن سورة - بفتح المهملة - ابن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى، صاحب الجامع وأحد الحفاظ، كان ضرير البصر، روى عن قتيبة وهناد والبخاري وخلق.
مات سنة تسع وسبعين ومائتين.
وأنس: هو ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلي الله عليه وسلم خدمه عشر سنين، وقال له: " اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة " 2 مات سنة اثنتين وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة.
والحديث قد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه، وهذا لفظه: " ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي جعلت له مثلها مغفرة 3" ورواه مسلم، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم قوله: "لو أتيتني بقراب الأرض" بضم القاف: وقيل بكسرها والضم أشهر وهو
ملؤها أو ما يقارب ملئها.
قوله: "ثم لقيتني لاتشرك بي شيئا" شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك: كثيره وقليله، صغيره وكبيره.
ولا يسلم من ذلك إلا من سلم الله تعالى، وذلك هو القلب السليم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ 1.
السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: " لا إله إلا الله"، وتبين لك خطأ المغرورين 2.
قال ابن رجب: من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة - إلى أن قال - فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وبجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية.
فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله: محبة وتعظيما، وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها، وإن كانت مثل زبد البحر.
اهـ ملخصا.
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في معنى الحديث: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك.
فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا ألبته ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة; ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده؛ فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضة والدافع لها قوي".
اهـ.
وفي هذا الحديث: كثرة ثواب التوحيد، وسعة كرم الله وجوده ورحمته، والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، وهي الفسوق، ويقولون ليس بمؤمن ولا كافر، ويخلد في النار.
والصواب
قول أهل السنة: أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان، ولا يعطاه على الإطلاق، بل يقال: هو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " لما أسري برسول الله صلي الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى، فأعطي ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا: المقحمات "1 رواه مسلم.
قال ابن كثير في تفسيره: وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي عن أنس
بن مالك قال: "قرأ رسول الله صلي الله عليه وسلم هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ 1 وقال: " قال ربكم: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له2".
قال المصنف - رحمه الله -: "تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان تبين لك معنى قوله: "لا إله إلا الله".
وتبين لك خطأ المغرورين.
وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل "لا إله إلا الله"، والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه.
وفيه إثبات الصفات خلافا للمعطلة.
وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس وقوله في حديث عتبان: " إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " تبين لك أن ترك الشرك ليس قولها باللسان فقط".
السابعة: التنبيه للشرط في حديث عتبان 1.
الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله.
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه.
العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات.
الحادية عشرة: أن لهن عمارا.
الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافا للأشعرية.
الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " أنه ترك الشرك، ليس قولها باللسان.
الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.
السادسة عشرة: معرفة كونه روحا منه.
السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.
الثامنة عشرة: معرفة قوله: "على ما كان من العمل".
التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.
العشرون: معرفة ذكر الوجه.
باب" من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب"
قوله: "باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب" أي ولا عذاب.
"قلت": تحقيقه تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي 1.
1 في قرة العيون: وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخلص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه كما قال تعالى في يوسف - عليه السلام -: 24: 12 (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) بفتح اللام, وفي قراءة (المخلصين) بكسرها, وهم في صدر هذه الأمة كثيرون وفي آخرها هم الغرباء، وقد قلوا، وهم الأعظمون قدرا عند الله.
وقال تعالى عن خليله - عليه السلام -: 6: 78 , 79 (قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي للذي فطر السماوات والأرض أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق (حنيفا) أي في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد.
ولهذا قال: (وما أنا من المشركين) , ونظائر هذه الآية في القرآن كثير.
كقوله: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا) ، وقال تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) . قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى في الآية: يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأوامره واتبع شرعه, ولهذا قال: (وهو محسن) أي في عمله واتباع ما أمر به وترك ما عنه زجر.
فدلت هذه الآية العظيمة على أن كمال الإخلاص إنما يوجد بترك الشرك والبراءة منه وممن فعله كما تقدم في الباب قبل هذا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ 1 وصف إبراهيم - عليه السلام - بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد:
الأولى: أنه كان أمة; أي قدوة وإماما معلما للخير.
وما ذاك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين اللذين تنال بهما الإمامة في الدين.
الثانية: قوله: "قانتا" قال شيخ الإسلام: "القنوت دوام الطاعة، والمصلي إذا أطال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ 4 " اهـ ملخصا.
الثالثة: أنه كان حنيفا "قلت" قال العلامة ابن القيم: " "الحنيف" المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه".
اهـ.
الرابعة: أنه ما كان من المشركين، أي لصحة إخلاصه وكمال صدقه، وبعده عن الشرك3.2
قلت: يوضح هذا قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ 1 أي على دينه من إخوانه المرسلين، قاله ابن جرير - رحمه الله تعالى -: ﴿إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ 2، وذكر تعالى عن خليله - عليه السلام - أنه قال لأبيه آزر: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ 3 فهذا هو تحقيق التوحيد.
وهو البراءة من الشرك وأهله، واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم.
فالله المستعان.
قال المصنف - رحمه الله - في هذه الآية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ 4 لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ لا للملوك ولا للتجار المترفين ﴿حَنِيفًا﴾ لا يميل يمينا ولا شمالا; كفعل العلماء المفتونين ﴿لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ 5 خلافا لمن
كثر سوادهم وزعم أنه
من المسلمين".
اهـ.
وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ 1 على الإسلام.
ولم يك في زمانه أحد على الإسلام غيره.
قلت: ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم: من أنه كان إماما يقتدى به في الخير.
قال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ 23.23
وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بالصفات التي أعظمها: أنهم بربهم لا يشركون. ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه: من شرك جلي أو خفي، نفى ذلك عنهم، وهذا هو تحقيق التوحيد الذي حسنت بهم أعمالهم وكملت ونفعتهم.
قلت: قوله: "حسنت وكملت" هذا باعتبار سلامتهم من الشرك الأصغر، وأما الشرك الأكبر فلا يقال في تركه ذلك، فتدبر. ولو قال الشارح: صحت لكان أقوم.
قال ابن كثير: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ أي لا يعبدون مع الله غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه لا نظير له1.
قال المصنف: عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: "أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا.
ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت.
قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت.
قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة " قال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:
" عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد.
إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه.
فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله.
فخاض الناس في أولئك.
فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلي الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء.
فخرج عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم.
ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة ".
هكذا أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرا ومطولا، ومسلم واللفظ له، والترمذي والنسائي.
عن حصين بن عبد الرحمن قال: "كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت.
قال: فما حملك على ذلك؟
قوله: "عن حصين بن عبد الرحمن" هو السلمي، 1 أبو الهذيل الكوفي.
ثقة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، وله ثلاث وتسعون سنة.
وسعيد بن جبير: هو الإمام الفقيه من جلة أصحاب ابن عباس، روايته عن عائشة وأبي موسى مرسلة.
وهو كوفي مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين.
قوله: "انقض" هو بالقاف والضاد المعجمة أي سقط.
"والبارحة" هي أقرب ليلة مضت.
قال أبو العباس ثعلب: يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وكذا قال غيره، وهي مشتقة من برح إذا زال.
قوله: "أما إني لم أكن في صلاة" قال في مغنى اللبيب: "أما" بالفتح والتخفيف على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة "ألا" فإذا وقعت "أن" بعدها كسرت.
الثاني: أن تكون بمعنى حقا، أو أحق.
وقال آخرون: هي كلمتان الهمزة للاستفهام و "ما" اسم بمعنى شيء، أي أذلك الشيء حق، فالمعنى أحق هذا؟ وهو الصواب.
و "ما" نصب على الظرفية، وهذه تفتح "أن" بعدها".
انتهى.
والأنسب هنا هو الوجه الأول، والقائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رآه
وهو يصلي، فنفى عن نفسه إبهام العبادة، وهذا يدل على فضل السلف وحرصهم على الإخلاص وبعدهم عن الرياء والتزين بما ليس فيهم.
قوله: "ولكني لدغت" بضم أوله وكسر ثانيه.
قال أهل اللغة: يقال لدغته العقرب وذوات السموم، إذا أصابته بسمها، وذلك بأن تأبره بشوكتها.
قوله: "قلت: ارتقيت" لفظ مسلم: "استرقيت" أي طلبت من يرقيني.
قوله: "فما حملك على ذلك" فيه طلب الحجة على صحة المذهب.
قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة " قال: قد أحسن من انتهى إلى ما
قوله: "حديث حدثناه الشعبي" اسمه: عامر بن شراحيل الهمداني، ولد في خلافة عمر، وهو من ثقات التابعين وفقهائهم1 مات سنة ثلاث ومائة.
قوله: "عن بريدة" بضم أوله وفتح ثانيه تصغير بردة.
ابن الحصيب - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين - ابن الحارث الأسلمي، صحابي شهير.
مات سنة ثلاث وستين.
قاله ابن سعد.
قوله: " لا رقية إلا من عين أو حمة ". وقد رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعا.
ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين به مرفوعا.
قال الهيثمي: "رجال أحمد ثقات" 2.
والعين: هي إصابة العائن غيره بعينه.
والحمة - بضم المهملة وتخفيف الميم - سم العقرب وشبهها.
قال الخطابي: ومعنى الحديث: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وقد رقى النبي صلي الله عليه وسلم ورقي.
قوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" أي من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن بخلاف من يعمل بجهل، أولا يعمل بما يعلم؛ فإنه مسيء آثم.
وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم 3.
قوله: "ولكن حدثنا ابن عباس" هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم.
دعا له فقال: " اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل " 1 فكان كذلك.
مات بالطائف سنة ثمان وستين.
قال المصنف - رحمه الله - "وفيه عمق علم السلف لقوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" ولكن كذا وكذا.
فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني".
قوله: "عرضت علي الأمم" وفي الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم عن حصين بن عبد الرحمن "أن ذلك كان ليلة الإسراء" 2. قال الحافظ: فإن كان ذلك محفوظا كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضا.
"قلت" وفي هذا نظر 3.
النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد.
إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه،
قوله: "فرأيت النبي ومعه الرهط" والذي في صحيح مسلم "الرهيط" بالتصغير لا غير; وهم الجماعة دون العشرة.
قاله النووي.
قوله: "والنبي ومعه الرجل والرجلان; والنبي وليس معه أحد" فيه الردعلى من احتج بالكثرة 4.
قوله: "إذ رفع لي سواد عظيم" المراد هنا الشخص الذي يرى من بعيد.
قوله: "فظننت أنهم أمتي"؛ لأن الأشخاص التي ترى في الأفق لا يدرك منها إلا الصورة. وفي صحيح مسلم: "ولكن انظر إلى الأفق" ولم يذكره المصنف; فلعله سقط في الأصل الذي نقل الحديث منه. والله أعلم.
قوله: "فقيل له: هذا موسى وقومه" أي موسى بن عمران كليم الرحمن، وقومه: اتباعه على دينه من بني إسرائيل1.
فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون
قوله: "فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"، أي لتحقيقهم التوحيد، وفي رواية ابن فضيل: "ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا". وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: "أنهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". وروى الإمام أحمد والبيهقي في حديث أبي هريرة: "فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا". قال الحافظ: وسنده جيد12.
قوله: "ثم نهض" أي قام. قوله: "فخاض الناس في أولئك" خاض بالخاء والضاد المعجمتين. وفي هذا إباحة المناظرة والمباحثة في نصوص الشرع على وجه
صحبوا رسول الله صلي الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون،
الاستفادة وبيان الحق، وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. وفيه حرصهم على الخير. ذكره المصنف3.
قوله: "فقال: هم الذين لا يسترقون" هكذا ثبت في الصحيحين وهو كذلك في حديث ابن مسعود في مسند أحمد.
وفي رواية لمسلم:
"ولا يرقون" قال شيخ الإسلام ابن تيمية:12
هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي صلي الله عليه وسلم "ولا يرقون"، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم - وقد سئل عن الرقي -: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه " 1 وقال: " لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا " 2 قال: وأيضا فقد رقى جبريل النبي صلي الله عليه وسلم ورقى النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه3 قال: والفرق بين الراقي والمسترقي: أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن. قال: وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام التوكل; فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم. وكذا قال ابن القيم4.
قوله: "ولا يكتوون" أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم; استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء.
قلت: والظاهر أن قوله: "لا يكتوون" أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل ذلك باختيارهم.
أما الكي في نفسه فجائز كما في الصحيح عن جابر بن عبد الله: " أن النبي صلي الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه "5.
وفي صحيح البخاري عن أنس: 6 " أنه كوى من ذات الجنب7 والنبي صلي الله عليه
وسلم حي " وروى الترمذي وغيره عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم " كوى أسعد بن زرارة من الشوكة "12.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعا: " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي " 3. وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوي4".
قال ابن القيم - رحمه الله -: قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:
"أحدها" فعله.
"والثاني" عدم محبته.
"والثالث" الثناء على من تركه.
"والرابع" النهي عنه.
ولا تعارض بينها بحمد الله؛ فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة.
قوله: "ولا يتطيرون" أي لا يتشاءمون بالطيور ونحوها.
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الطيرة وما يتعلق بها في بابها.
قوله: " وعلى ربهم يتوكلون" ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال والخصال وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه، الذي هو نهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف: من المحبة والرجاء والخوف، والرضا به ربا وإلها، والرضا بقضائه.
واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا; فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، لا انفكاك لأحد عنه; بل نفس التوكل: مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ 5 أي كافيه.
وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها; توكلا على الله
تعالى، كالاكتواء والاسترقاء، فتركهم له لكونه سببا مكروها، لا سيما والمريض يتشبث - فيما يظنه سببا لشفائه - بخيط العنكبوت.
وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا12
يكون تركه مشروعا، لما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله " 1 وعن أسامة بن شريك قال:.
" كنت عند النبي صلي الله عليه وسلم وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم.
يا عباد الله تداووا; فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد.
قالوا: وما هو; قال: الهرم " رواه أحمد 2.
وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة.
ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه.
ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا".
وقد اختلف العلماء في التداوي هل هو مباح وتركه أفضل، أو مستحب، أو واجب؟.
فالمشهور عن أحمد: الأول؛ لهذا الحديث وما في معناه، والمشهور عند الشافعية الثاني، حتى ذكر النووي في شرح مسلم: أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف، واختاره الوزير أبو المظفر قال: ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حتى يدانى به الوجوب.
قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه؛ فإنه قال: لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه.
وقال شيخ الإسلام: "ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد".
فقوله: "فقام عكاشة بن محصن" هو بضم العين وتشديد الكاف، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن حرثان - بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة -
الأسدي: من بني أسد بن خزيمة. كان من السابقين إلى الإسلام ومن أجمل الرجال. هاجر وشهد بدرا وقاتل فيها، واستشهد في قتال الردة مع خالد بن الوليد بيد طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة، ثم أسلم طليحة بعد ذلك وجاهد الفرس يوم القادسية مع سعد ابن أبي وقاص، واستشهد في وقعة الجسر المشهورة.
قوله: "فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم" وللبخاري في رواية: "فقال: اللهم اجعله منهم". وفيه: طلب الدعاء من الفاضل1.
قوله: "ثم قام رجل آخر" ذكره مبهما ولا حاجة بنا إلى البحث عن اسمه2.
قوله: "فقال: سبقك بها عكاشة" قال القرطبي: "لم يكن عند الثاني من الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يجبه؛ إذ لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضرا فيتسلسل الأمر، فسد الباب بقوله ذلك".
اهـ.
فيه مسائل:
الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد.
الثانية: ما معنى تحقيقه.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.
السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
الثامنة: حرصهم على الخير.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
الحادية عشرة: عرض الأمم عليه – عليه الصلاة والسلام -.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.
الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده.
الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القبلة.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.
السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله: " قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
ولكن كذا وكذا".
فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
التاسعة عشرة: قوله: "أنت منهم" علم من أعلام النبوة.
العشرون: فضيلة عكاشة.
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض.
الثانية والعشرون: حسن خلقه صلي الله عليه وسلم.