كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- سعاد زرزور
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الحنبلي
- المؤلف
- الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
-17- للسعي.
-18- لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال الشيخ تقي الدين: نص أحمد على استحبابه الغسل لدخول المدينة.
وفي حالة الضرورة أو فقد الماء يتيمم عن الأغسال المذكورة كلها، كما يستحب التيمم لما يُسن له الوضوء كقراءة القرآن والذكر إن تعذر الوضوء كما في حالة المريض والجريح والعاجز.
الباب السادس (التيمم)
تعريفه التيمم:
التيمم لغة: القصد.
وشرعاً: استعمال تراب مخصوص في أعضاء مخصوصة من شخص مخصوص في وقت مخصوص.
دليله:
القرآن والسنة والإجماع.
من القرآن: قوله تعالى: (وإن كنتم جُنباً فاطهروا.
وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) 1 .
ومن السنة: ما روى عمران بن حصين رضي الله عنه: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ... وفيه: فصلى الناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك فلما حضر الماء أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه على نفسك) 2 .
والتيمم من خصائص هذه الأمة لم يجعله الله طهور لغيرها.
ماهيته:
هو طهارة بالتراب تقم مقام الطهارة بالماء عند العجز عن استعماله، سواء كانت الطهارة من الحدث الأصغر الأكبر أو من الخبث عن البدن، إلا أنها إذا كانت من الحدث الأصغر فينبغي مراعاة الترتيب، فمثلاً إن أراد التيمم عن عضو جريح من أعضاء الوضوء تيمم عنه في وقت غسله فيما لو كان صحيحاً، أما إذا كانت الطهارة من الحدث الأكبر تيمم عن العضو الجريح قبل الغسل أو بعده، لأنه لا ترتيب في الطهارة الكبرى.
ويجوز التيمم للنجاسة على البدن بعد تخفيفها ما أمكن بمسح رطبها وحك يابسها لزوماً، ولا فرق في كون النجاسة على عضو صحيح أو جريح، فإن تيمم لها قبل تخفيفها لم يصح.
ودليل جواز التيمم للنجاسة على البدن هو أن طهارة البدن مشروطة للصلاة فجاز التيمم عنها كطهارة الحدث.
وفي وجوب إعادة الصلاة التي تيمم لها عن النجاسة روايتان: إحداهما: لا تجب الإعادة لأنه صلى بنجاسة.
ولا يجوز التيمم عن النجاسة بغير البدن.
شروط جواز صحة التيمم:
أولاً: العجز عن استعمال الماء: وهنا حالتان:
أ- فقد الماء.
ب- الخوف على نفسه من استعمال الماء.
أ- فقد الماء:
دليله: قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وحديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد ماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته، فإن ذلك خير) 2 .
حالات فقد الماء:
إن انقطع عنه الماء إما بحبس الماء عنه، أو بحبسه عن الماء، كأن يقطع العدو الماء عن البلد، أو يعجز عن تناول الماء من البئر أو من غيره ولو بفم، تيمم وصلى ولا إعادة عليه.
أو إن كان مسافراً ووصل إلى بلد لم يجد فيها الماء، أو كان معه ماء يحتاج إلى شربه للعطش أو لشرب رفيقه أو بهائمه، أو كان بينه وبين الماء سبع أو عدو يخاف على نفسه أو ماله إن تركه وذهب لجلب الماء، ففي كل هذه الحالات جاز له التيمم سواء كان مسافراً أو مقيماً وسواء كان السفر قصيراً أو طويلاً.
وإن وجد ماء لا يكفي لطهارته إذا كان محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر استعماله فيما يكفي وجوباً وتيمم عن الباقي من أعضائه، ولا يصح تيممه قبل استعماله (كما لو كان بعض بدنه صحيحاً وبعضه جريحاً فإنه يلزمه غسل الصحيح والتيمم عن الجريح) لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 3 وحديث (فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته) .
وإذا وجد مريد التيمم تراباً قليلاً لا يكفيه لتيممه استعمله وصلى ثم يعيد الصلاة إن وجد ما يكفي من ماء أو تراب.
وكذا إن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت عن طهارته به.
أو علم أن نوبة استسقائه منه لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت أو دخول وقت الضرورة، عدل [ص-109] إلى التيمم لأنه غير قادر على استعمال الماء في الوقت فأشبه العادم له.
أما غير المسافر فلا يعدل إلى التيمم ولو فاته الوقت لتشاغله بتحصيله أو استسقائه، لأن الله تعالى قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ وهذا واجد له، حتى ولو خاف فوات الجنازة، أما عند الإمام أحمد رضي الله عنه فيجوز لأنه لا يمكن استدراكها.
ومن أرق الماء، أو مر به وأمكنه الوضوء منه، وهو يعلم أنه لا يجد غيره في الوقت، ولم يتوضأ، أو باعه، أو وهبه، وقد دخل الوقت ولم يترك منه شيئاً يتطهر به، فقد حرم عليك ذلك، ولم يصح البيع ولا الهبة لتعلق حق الله تعالى به كالأضحية المعينة، ثم إن لم يجد غيره تيمم وصلى وليس عليه إعادة لعدم القدرة على الماء.
وإذا اجتمع الحدث الحدث ونجاسة خبث على البدن والثوب، وكان معه ماء لا يكفي للجميع، فإنه يغسل ثوبه (لأنه لا يصح التيمم عن نجاسته) بشرط سبع مرات وإلا فهو كعدمه، ثم إن فضل شيء من الماء غسل النجاسة من على بدنه، ثم إن فضل شيء تطهر به وإلا تيمم وجوباً، أما إذا كانت النجاسة في أعضاء الوضوء فيبدأ بالوضوء، لأن ماء الوضوء يرفع الحدث ويزيل الخبث.
ب- الخوف على نفسه من استعمال الماء:
وأسباب هذا الخوف هي:
-1- المرض: كجروح أو قروح أو حمى، فيجوز للمكلف التيمم إذا خاف أن يؤدي استعمال الماء إلى تلف عضو أو زيادة مرض أو تباطؤ شفاء أو حدوث شين فاحش في جسمه، والدليل قوله تعالى: (وإن كنتم جُنباً فاطهروا.
وإن كنتم مرضى أو على سفر) 1 وقوله أيضاً: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم) (2) .
وإن كان بعض بدنه صحيحاً وبعضه جريحاً غسل الصحيح وتيمم للجريح جنباً كان أو محدثاً حدثاً أصغر، لما روى جابر رضي الله عنه قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات.
فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفي أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) 2 . وليس عليه إعادة الصلاة في جميع الأحوال حتى ولو كان الجرح في أعضاء التيمم.
-2- شدة البرد: والدليل ما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً" 3 . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) 4 ، ولأن خاف على نفسه أشبه بالمريض.
ولا إعادة عليه إن كان مسافراً، أما إن كان في حاضراً ففي لزوم الإعادة روايتان، إحداهما: لا تلزمه الإعادة، والثانية: تلزمه الإعادة، وهي الرواية المعتمدة، لأنه ليس بمريض ولا مسافر فلا يدخل في عموم الآية، ولأن الحضر مظنه إسخان الماء، فالعجز عن التسخين عذر غير متصل، وإن قدر على تسخين الماء لزمه كما يلزمه شراء الماء.
ثانياً: طلب الماء:
يجب على فاقد الماء طلبه بدليل قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء) ولا يتحقق عدم الوجود إلا بعد الطلب، فإن تيمم قبل طلبه لم يصح تيممه، ولأنه بدل فلا يجوز العدول إليه قبل طلب المبدل.
كيفية الطلب:
-1- أن ينظر يمنة ويسرة وأمامه ووراءه، فإن كان بين يديه حائل من ربوة أو حائط علاه ونظر حوله، وإن رأى خضرة أو سواها استبرأها.
-2- إن كان معه رفيق سأله فإن بدله له لزمه قبوله.
-3- إن وجد ماء يباع بثمن المثل أو بزيادة غير مجحفة وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه
شراؤه.
-4- إن علم بماء قريب لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أوفوت رفقة أو فوت الوقت.
فإن تيمم ثم رأى ركباً أوشيئاً يدل على الماء كسراب ظنه ماء قبل الدخول بالصلاة لزمه الطلب لأنه وجد دليل الماء وبطل تيممه لأن من شروط التيمم الطلب، أما لو وجد الدليل وهو بالصلاة لم تبطل، لأنه شرع فيها بطهارة متيقنة فلا يبطلها بالشك، وإن علم أو ظن وجود الماء آخر الوقت فيسن له أن ينتظر إلى آخر الوقت المختار، لما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (إذا أجنب الرجل السفر نلوم 1 ما بينه وبين آخر الوقت، فإن يجد الماء تيمم وصلى 2) ، ولأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة بأول الوقت فضيلة فانتظار الفريضة أولى.
أما إن يئس من وجود الماء استحب له أن يتيمم ويصلي بوقت الفضيلة ومتى صلى صحت صلاته ولا إعادة عليه ولو وجد الماء في الوقت، لما روى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال الذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للذي توضء وأعاد: لك الأجر مرتين) 3 . وإن
علم في رحله ماء ونسيه فعليه إعادة، لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالنسيان، وكذا إن وجد بقربه بئراً أو غديراً علامته ظاهرة أعاد لأنه مفرط في بالطلب، وإن كانت علامته خفية لم يعد لعدم تفريطه.
ثالثاً: دخول الوقت:
أي دخول وقت الصلاة التي يريد صلاتها من فرض أو نافلة، لأنه قبل الوقت مستغن عن التيمم، فلا يصح التيمم لصلاة قبل دخول وقتها، لأنه بدخول وقتها يبطل تيممه، ولا يصح التيمم لنافلة في وقت منهي عن فعلها فيه إلا ركعتي الطواف فيصح التيمم لها في أي وقت.
ويستبيح المكلف بالتيمم لمكتوبة في وقتها أن يصلي ما شاء من الفرائض أداء وقضاء ومن النوافل ما شاء قبلها وبعدها إلى أن يخرج وقتها.
رابعاً التيمم بتراب:
دليله: قوله تعالى: (فتيمموا صعيداً طيباً) 1 ، قال ابن عباس رضي الله عنهما الصعيد: هو التراب الحرث، والطيب: الطاهر، وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء فقلنا يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهوراً وجعلت أمت خير الأمم 2) ، فلو كان غيره طهوراً ذكره فيما منّ الله به عليه.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه يجوز التيمم بالرمل والسبخة 3 ، لما روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً، لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) 4 .
شروط التراب:
-1- أن يكون التراب مباحاً فلا يصح بمغصوب.
-2- أن يكون التراب طاهراً.
-3- أن يكون له غبار يعلق على اليد، لأن ما لا غبار له لا يمسح شيء منه.
وإن ضرب بيده على أي شيء طاهر له غبار (صخرة، حائط، لباد) أبيح له التيمم به، لأن المقصود التراب الذي يمسح به وجهه ويديه، لحديث ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه) 5 .
ولا بأس أن يتيمم جماعة موضع واحد كما يتوضؤون من حوض واحد.
-4- أن يكون التراب غير محترق، فلا يصح التيمم بما دق من الخزف لأنه ليس بتراب.
وإن خالط التراب جصٌ أو دقيق فحكمه حكم الماء إذا خالطته الطاهرات (أي إذا غلبت الطاهرات على التراب لم يصح، وإن غلب التراب على الطاهرات صح التيمم به) ، وإن خالطه ما لا يعلق باليد كالرمل والحصى فيصح التيمم به لأنه لا يمنع من وصول الغبار إلى اليد.
خامساً: النية: أي أن ينوي استباحة مالا يباح إلا به، فإن نوى استباحة فرض صلاة مكتوبة استباح كل شيء معها لأنه تابع لها، وإن نوى استباحة الصلاة أو استباحة نفل يبح له الفرض ويباح له ما دون ذلك بما فيها صلاة الجنازة إن لم تكن متعينة عليه، أما إن كانت متعينة عليه، كأن لم يوجد أحد يصلي على هذه الجنازة إلا هو، فيصبح حكمها فرضاً وعندها لا يستطيع صلاتها بنية استباحة الصلاة أو استباحة
نفل بل لا بد من ذكر استباحة فرض الصلاة.
وإن نوى استباحة تلاوة القرآن لم تبح له الصلاة بكل أنواعها، لأنها أعلى من التلاوة.
وإن نوى بالتيمم رفع الحدث لم يجزئه، لأن التيمم لا يرفع حدثاً، وعن الإمام أحمد: أنه يرفع حدثاً فعندها يكون حكمه حكم الوضوء بنيته.
وأما إن نوى بتيممه استباحة شيء يشترط له الطهارة استباحة واستباح مثله وما دونه، وترتيب هذه الأشياء كما يلي: فرض عين (الصلاة المكتوبة وطواف الإفاضة) فالنذر ففرض الكفاية فنافلة الصلاة والطواف فمس المصحف فالتلاوة فالمكث في المسجد.
سادساً: الإسلام.
سابعاً: العقل.
ثامناً: التمييز.
تاسعاً: الاستنجاء أو الاستجمار المستوفيان للشروط.
أركان التيمم:
أولاً: تعيين النية لما يتيمم له هل هو الحدث الموجب للغسل أو الوضوء أو من نجاسة فيقول: نويت التيمم لاستباحة فرض الصلاة عن الحدث الأكبر أو الأصغر أو النجاسة، فإن نوى التيمم عن الحدث الأصغر ونسي الجنابة لم يجزئه، أو نسي الحدث وتيمم.
عن الجنابة لم يجزئه والأفضل أن يقول: نويت التيمم لاستباحة فرض الصلاة من الحدث الأكبر والأصغر.
محلها: لا يشترط فيها مقارنة عند وضع يده على ما يتيمم به بل يصح تقدمها عن المسح بزمن يسير.
ثانياً: مسح جميع الوجه بباطن أصابع كفيه بيده واحده أو أصبع، ويدخل في الوجه اللحية ولو طالت، وكذا الوترة 1 ، وما غار من الأجفان، وما بين
العذار، وكذا ما تحت الوتد من البياض الذي بين الأذن والعذر.
ولا يتتبع ما غار من بدنه، ولا ما تحت شعره ولو خفيفاً، ولا داخل الأنف والفم.
ثالثاً: مسح ظاهر اليدين إلى الكوعين بباطن راحتيه، ويجب أن ينزع ما ستر شيئاً منها كالخاتم، والدليل على ذلك أن الله تعالى إذا علق حكماً بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع كقطع يد السارق في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ 2 . ويصح أن يمرّ العضوَ الواجب مسحه على التراب فيمسحه به، أو ينصبه للريح أي يعرضه للريح والتراب ثم يمسحه، أما إن سفته الريح من غير قصد فلا يجزئ.
ودليل مسح الوجه واليدين إلى الكوعين ما روي عن عمار رضي الله عنه أنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرَّغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة.
ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه) 3 .
رابعاً: الترتيب: وهو مسح الوجه أولاً ثم اليدين لحدث أصغر، لأن التيمم مبني على طهارة الماء وهو فرض في الوضوء دون ما سواه.
خامساً: الموالاة بين مسح الوجه ومسح اليدين إذا كان التيمم عن الوضوء، وكذا الموالاة بين التيمم ومتابعة الوضوء في الطهارة الصغرى إذا كان التيمم عن عضو جريح، فإذا جعل فاصل بين التيمم ومتابعة الوضوء بطل التيمم.
واجبات التيمم: للتيمم واجب واحد هو التسمية ولو كان التيمم عن نجاسة ببدنه، وتسقط التسمية بالسهو والجهل، ويبطل التيمم بتركها عمداً.
سنن التيمم:
-1- يسن أن يضرب على التراب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين.
-2- يستحب أن يمسح اليدين إلى المرفقين خروجاً من خلاف من أوجبه.
-3- أن يغرق الأصابع عند الضرب ليدخل التراب فيما بينها.
-4- أن ينفض التراب إن كان كثيراً قبل المسح.
-5- أن يمسح إحدى راحتيه بالأخرى وأن يخلل بين الأصابع.
-6- أن يأتي بالشهادتين مع ما بعدهما كما في الوضوء.
ويجوز أن ييممه غيره كما يجوز أن يوضئه غيره.
كيفية التيمم:
-1- ينوي استباحة ما يتيمم له (فرض صلاة، طواف ... ) مع تعيين الحدث الذي يتيمم عنه، كأن يقول نويت التيمم عن الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر أوعن العضو الجريح لاستباحة فرض الصلاة.
-2- التسمية.
-3- يضرب التراب بيديه مفرجة الأصابع، فإذا كان التراب ناعماً ووضع يديه وضعاًعلى التراب دون ضرب فعلق التراب بيديه أجزأه، والأحوط أن تكون ضربتان ضربة لمسح وجهه وضربة لمسح يديه إلى المرفقين بعد نزع الخاتم ونحوه يمسح بالضربة الأولى وجهه وبالثانية يديه، فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع قبض أطراف أصابعه على حرف الذراع وأمرها إلى مرفقه، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع أمرّ الإبهام على ظهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح بيده اليمنى يده اليسرى مثل ذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويخلل بين أصابعهما.
أما إذا كانت ضربة واحدة مسح بباطن أصابع يديه ووجهه وبباطن الكفين ظهر الكفين إلى الكوع.
مبطلات التيمم:
أولاً: يبطل التيمم بجميع مبطلات الطهارة التي تيمم عنها لأنه بدل عنها، فإن كان تيممه عن الوضوء بطل تيممه بأحد نواقض الوضوء، وإن كان تيممه عن غسل بطل تيممه بطروء موجب من موجبات الغسل، أما إن كان تيممه عن وضوء وغسل بطل تيممه بناقض من نواقض الوضوء ولم يَعُدْ محدثاً حدثاً أكبر.
ثانياً: القدرة على استعمال الماء سواء وجده أثناء الصلاة أو قبلها لحديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) 1 دل بمفهومه أن الصعيد ليس بطهوره عند وجود الماء، ودل بمنطوقه على وجوب استعماله عند وجوده، فعلى هذا إن وجده وهو في الصلاة خرج وتوضأ واغتسل إن كان جنباً واستقبل الصلاة كما لو أحدث أثنائها.
أما إن وجد الماء أو قدر على استعماله بعد الصلاة فلا إعادة عليه ولو لم يخرج الوقت، والطواف كالصلاة.
ثالثاً: خروج الوقت يبطل التيمم بكل أنواعه، لأنها طهارة عذر وضرورة فتقدرت بالوقت كطهارة المستحاضة، فإن خرج الوقت وهو في الصلاة بطل تيممه كما لو أحدث أثناء الصلاة.
رابعاً: ذكر بعض السادة الحنابلة أن التيمم يبطل فيما لو خلع خفيه أو عمامته، لأنهما من مبطلات الوضوء لكن الأرجح أن لا يبطل، لأن التيمم طهارة لم يمسح على الخفين أو العمامة فيها فلا تبطل بخلعها.
فاقد الطهورين: إذا عدم المكلف الماء والتراب، أو عجز عن استعمالهما لمرض شديد، أو حبس في مكان ليس فيه ما يصح به التيمم أو الوضوء، فإنه يجب عليه أن يصلي في
الوقت بدون وضوء وبدون تيمم، لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة، فتعذرها لا يبيح ترك الصلاة، كالسترة، واستقبال القبلة، ويصلي صلاة حقيقية ولا يعيد تلك الصلاة (وفي رواية أخرى: تلزمه الإعادة، لأن عدم الماء والتراب عذر نادر غير متصل أشبه نسيان الطهارة) إلا إنه يجب عليه أن يقتصر في صلاته على الفرائض والشروط التي لا تصح الصلاة إلا بها.
الباب السابع (الحيض والاستحاضة والنفاس)
الحيض:
تعريفه: الحيض لغة السيلان.
وفي اصطلاح الفقهاء: دم جبلة، يخرج من رحم المرأة مع الصحة، من غير سبب ولادة أو، في أوقات معلومة.
والحامل لا تحيض، فإن رأت دماً فهو دم فساد، بخلاف الشافعية والمالكية، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه - ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال في سبايا أوطاس: (لا توطأ الحامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) 1 أي تعلم براءتها من الحمل بالحيضة، فدل على أن الحيضة لا تجتمع مع الحمل.
سن الحيض: أقل سن تحيض به المرأة تسع سنين لقول عائشة رضي الله عنها: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة".
وأكثر سن تحيض به خمسون عاماً، فإن رأت دم بعده فهو دم فاسد، لأن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض"، ولقولها أيضاً: "لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد الخمسين".
مدة الحيض:
أقله: يوم وليلة بشرط أن يكون الدم نازلاً كالمعتاد في زمن الحيض بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت بالدم، والمراد باليوم والليلة (24) ساعة فلكية، فلو رأت الدم وانقطع قبل مضي هذه المدة لا تعتبر المرأة حائضاً (أما عند الإمام أحمد أقله يوم فلو انقطع الدم لأقل منه فهو فساد) .
أكثره: خمسة عشر يوماً مع لياليها، فإذا رأت الدم بعد ذلك فإنه ليس بحيض.
ولا عبرة في هذا التقدير بعادة المرأة، فلو اعتادت تحيض ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام ثم تغيرت عادتها فرأت الدم بعد هذه المدة فإنها تعتبر حائضاً إلى خمسة عشر يوم.
غالبه: ستة أو سبعة أيام، لما روته حمنة بنت جحش رضي الله عنها في حديث لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: إنما هي ركضة من الشيطان فتحيّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة، وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن أو طهرهن) 1
مدة الطهر: أقل مدة الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً 2 ، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن امرأة ادعت انقضاء عدتها في الشهر.
فقال لشريح قل فيها.
فقال: "إن جاءت ببطانة من أهلها يشهدون أنها حاضت في شهر ثلاث مرات تترك الصلاة فيها وإلا هي كاذبة" فقال علي رضي الله عنه: "قالون" يعني جيداً وهذا اتفاق بينهما.
ولا يمكن ذلك إلا إذا كان الطهر ثلاثة عشر يوماً.
أما أكثر مدة الطهر بين حيضتين فلا حد له لأن من النساء من تطهر شهور أو سنة ومنهن من لا تحيض أبداً.
أما غالب الطهر هو أربعة وعشرون يوماً أو ثلاثة وعشرون يوماً.
ما يحرم بالحيض: -1ً- الصلاة: عائشة رضي الله عنها قالت عن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لا أطهر.. فقال صلى الله عليه وسلم: ... فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" 1 .
-2ً- الصيام: لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: (أليس إذا حاضت -يعني المرأة- لم تصل ولم تصم) 2 .
-3ً- الطواف: لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت في الحج: (افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) 3 .
-4ً- قراءة القرآن: لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) 4
-5- مس المصحف: لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) 5 ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: (أن لا يمسَّ القرآنَ إلا طاهرٌ) 6 .
-6ً- اللبث في المسجد: لقوله صلى الله عليه وسلم فيما روته عائشة رضي الله عنها: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) 7 . أما المرور فجائز إن أمنت تلويثه.
-7ً- يحرم الوطء في الفرج لقوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) 8 أما الاستمتاع بها في غير الفرج فلا يحرم، لما روى أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء غير النكاح) 9 ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت إحدانا، إذا كانت حائضاً، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأتزر بإزار، ثم يباشرها) 10 ، ولأن الوطء حُرِّم للأذى فاختص بمحله، فإذا كان الوطء قبل انقطاع الدم فعليه دينار أو نصف دينار إن قدر وإلا سقطت عنه الكفارة، ووجبت عليه التوبة سواء كان الوطء بأول الحيض أو بآخره، وسواء كان الواطئ مكرهاً أو جاهلاً الحيض أو التحريم ناسياً.
ومحل ذلك إذا لم يترتب
عليه مرض أو أذى شديداً وإلا كان حراماً حرمة مغلظة بالإجماع.
كما يحرم على المرأة أن تمكن الواطئ من وطئها في الفرج فإذا طاوعته على ذلك فعليها كفارة مثل ما على الرجل.
-8ً- يحرم إيقاع الطلاق، فإن طلقها فهو طلاق بدعة لما فيه من تطويل العدة، إلا أنه يقع ويؤمر بمراجعتها إن كانت لها رجعة.
الأحكام المتعلقة بالحيض:
-1- سقوط وجوب قضاء الصلاة دون الصيام، لما روي عن معاذة، قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرُوريَّة أنت؟ قلت لست بحرورية.
ولكني أسأل.
قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) 1 .
-2- منع صحة الطهارة، لأنه حدث يوجب الطهارة فاستمراره يمنع صحتها.
-3- وجوب الغسل عند انقطاعه والنقاء منه، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم ... فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) 2 .
-4- وجوب الاعتداد به، فلا تنقضي العدة في حق المطلقة وأشباهها إلا به، لقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) 3 .
-5- حصول البلوغ به لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة الحائض إلا بخمار) 4 .
الأحكام المتعلقة بانقطاع الحيض وقبل الطهارة:
إذا انقطع الحيض ولم تغتسل المرأة زالت أربعة أحكام متعلقة فيه وهي:
-1- سقوط فرض الصلاة.
-2- منع صحة الطهارة.
-3- تحريم الصيام.
-4- تحريم الطلاق.
أما باقي المحرمات فتبقى حتى تغتسل.
وتحريم الوطء باقٍ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾ 11 قال مجاهد: حتى يغتسلن.
فإن لم تجد الماء تيممت وحل وطؤها لأن التيمم قائم مقام الغسل، وكذا إن تيممت للصلاة حل وطؤها.
وإن كان الوطء قبل طهرها فعليه كفارة نصف دينار، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار) 12 . أما إن كان الوطء بعد انقطاع الدم وقبل الطهر فلا كفارة فيه.
مدة حيض المبتدئة:
إذا رأت المرأة الدم في سن تحيض لمثله النساء (تسع فما فوق) فتترك الصلاة والصوم، لأن دم الحيض وعادة جبلة وعادة ودم الفساد عارض لمرض ونحو والأصل عدمه، فإن انقطع لدون يوم وليلة فهو دم فساد، وإن بلغ ذلك تركت الصلاة والصوم يوماً وليلة، فإن انقطع لذلك اغتسلت وصلت وكان ذلك حيضها، وإن واجبة بيقين وما زاد على أقل الحيض مشكوك فيه فلا تسقط العبادة بالشك.
فإن انقطع دمها ولم يعبر أكثر الحيض اغتسلت غسلاً ثانياً ثم تفعل ذلك في شهرين
آخرين.
فإن كان في أشهر كلها مدته واحدة علمت أن ذلك حيضها فانتقلت إليه وعملت على أساسه، وأعادت ما صامت من فرض فيه لأنه تبين أنها صامت في حيضها.
المبتدئة المميزة:
أي التي دمها متميز فبعضه أسود وبعضه أحمر.
فإن عبر دمها أكثر الحيض فهو استحاضة، فتنظر في دمها، فإن كان بعضه أسود ثخيناً منتناً وبعضه رقيقاً أحمر، وكان الأسود لا يزيد على اكثر الحيض ولا ينقص عن أقله، فهذه مدة حيضها زمن الدم الأسود فتجلسه، فإذا خلفته بدم أحمر رقيق فهي مستحاضة تغتسل للحيض وتتوضأ للصلاة وتصلي، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أَطْهُر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا.
إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة.
فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة.
وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) 1 ، وفي رواية عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعْرَف - أو يُعْرِف - أي يعطي رائحة، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق) 2 .
المعتادة: كل ما تراه المرأة أثناء عادتها من دم أو صفرة أو كدرة أو غيرها فهو حيض، لقول عائشة رضي الله عنها: (لا تعجلن حتى تَرَيْنَ القصَّة البيضاء) 5 . قال مالك وأحمد رضي الله عنهما: هي ماء أبيض يتبع الحيضة.
تغير العادة: هناك حالات:
أولاً: نقيت المرأة قبل انتهاء عادتها: تغتسل وتصلي، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (لا يحل لها ما رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل) 1 وهناك حالتان:
أ- عاودها الدم في عادتها: هو حيض ومع ذلك لا تعيد ما صامته أثناء طهرها.
ب- عاودها الدم في عادتها:
-1- وعبر أكثر الحيض: فهو استحاضة.
-2- ولم يعبر اكثر الحيض ولكنه تكرر ثلاثاً: فهو حيض، وإلا فلا لأنه لم يصادف عادة فلا يكون حيضاً بغير تكرار.
ثانياً: رأت الدم في غير عادتها قبلها أو بعدها مع بقاء عادتها أو طهرها فيه: لا تترك الصلاة والصوم حتى يتكرر ثلاثاً.
وعن الإمام أحمد: أنها تصير إليه من غير تكرار، واختاره جمع وعليه العمل ولا يسع النساء العمل بغيره.
وقيل هو الصواب: إذ يصعب على النساء التقيد بالتكرار.
ثالثاً: أن ينضم إلى العادة ما يزيد بمجموعة عن أكثر الحيض: وهناك حالتان:
آ- ذاكرة لعادتها: إما غير مميزة فتجلس قدر عادتها ثم تغتسل بعدها وتصلي وتصوم، لقوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) 2 .
أو مميزة: ففيها روايتان: إحداهما: تعمل بالعادة وهو المعتمد، والثانية تعمل بالتمييز.
ب- ناسية لعادتها: إن كانت مميزة فتعمل بالتمييز، أو كانت غير مميزة:
-1ً- المتحيرة: وهي الناسية لوقت العادة ولعددها فهذه تتحيض في كل شهر ستة أيام أو سبعة (وعن الإمام أنها ترد إلى عادة النساء) تترك خلالها الصلاة والصيام بالاجتهاد في العدد بين الست والسبع.
-2ً- تعلم عددها وتنسى وقتها: فتجلس قدر أيامها من أول كل شهر على أحد الوجهين، وعلى الوجه الآخر تجلسه بالتحري.
-3ً- تذكر وقتها وتنسى عددها: فحكمها في قدر ما تجلسه حكم المتحير.
فتجلس في موضع حيضها من أوله غالب الحيض ستاً أو سبعاً بالتحري إن اتسع له شهرها في كأن يكون شهرها عشرين فتجلس في أوله ستاً أو سبعاً ثم تغتسل وتصلي بقية العشرين.
أنوع العادة: متفقة ومختلفة.
-1ً- المتفقة: أن تكون أياماً متساوية، مثل من تحيض خمسة أيام من كل شهر.
-2ً- المختلفة: مثل من تحيض في شهر ثلاثة وفي الثاني أربعة وفي الثالث خمسة ثم تعود إلى الثلاثة.
التلفيق:
إذا رأت المرأة يوماً دماً ويوماً طهراً فإنها تغتسل وتصلي في زمن الطهر، لقول ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم: (لا يحل لها إذا رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل) . ثم إذا انقطع الدم لخمسة عشر فما دون فجميعه حيض وتغتسل عقب كل يوم وتصلي في الطهر.
وإن عبر الخمسة عشر فهي مستحاضة ترد إلى عادتها، فإن كانت عادتها سبعة أيام متوالية جلست ما وافقها من الدم فيكون حيضها منه ثلاثة أيام أو أربعة أيام.
وإن كانت ناسية جلست سبعة أيام.
مسائل:
-1ً- إذا رأت الدم (3) أيام، وطهرت بعدها (12) يوماً، ثم رأت الدم (3) أيام، فالمجموع ويساوي (18) يوماً زاد على أكثر الحيض، فيعتبر
مجموع الـ (3) أيام مع الـ (12) يوماً وهو خمسة عشر يوماً حيض، والدم الثاني استحاضة لأنه جاوز الخمسة عشر فلا يحسب من الحيض، وما بيته وبين الدم الأول أقل من الطهر فهو ليس بحيضة ثانية.
-2ً- رأت الدم (3) أيام، وطهرت بعدها (13) يوماً، ثم رأت الدم (3) أيام، فالمجموع (19) زاد على أكثر الحيض، فنقول أن المجموع (3) و (13) يساوي (16) فلا يمكن أن يكون الدم الثاني من الحيض الأول لتجاوز المجموع الخمسة عشر يوماً وهي أكثر مدة الحيض، ويمكن أن يكون حيضة ثانية لأنه بينه وبين الدم الأول (13) يوماً وهي أقل مدة الطهر، هذا فيما إذا تكرر ذلك أكثره من مرة، فيكون تبين أن طهرها (13) يوماً دائماً.
-3ً- رأت الدم يومين، وطهرت بعدها عشرة أيام، ثم رأت الدم ثلاثة أيام، فالمجموع خمسة عشر لم يزد على أكثر الحيض، فيعتبر عندئذ المجموع كله حيض فيما إذا تكرر أكثر من مرة.
الاستحاضة:
الاستحاضة هي دم ليس بحيض ولا نفاس، فكل ما زاد عن أكثر الحيض، أو نقص عن أقله، أو سال قبل سن الحيض فهو استحاضة.
وهو دم فساد ناتج عن مرض.
حكم المستحاضة:
حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات وفعلها، لأنها نجاسة غير معتادة أشبه بثلث البول.
فإن اختلط حيضها باستحاضتها فعليها الغسل عند قطع الحيض، ومتى أرادت الصلاة غسلت فرجها وما أصابها من الدم، حتى إذا استنقأت عصبت فرجها، واستوفقت بالشد والتلجم، ثم توضأت ونوت فرائض الوضوء لاستباحة فرض الصلاة، (حكم وضوئها كحكم التيمم) ، وصلت، لحديث حمنة بنت جحش قالت: (قلت يا رسول الله إني استحاض حيضاً كثيرة شديدة فما تأمرني فيها، قد منعتني الصيام والصلاة؟ قال: أنِعتُ لك الكُرْسف فإنه يذهب الدم.
قالت: هو أكثر من ذلك.
قال: فتلجمي.
قالت: هو أكثر من ذلك.
قال: فاتخذي ثوباً.
قالت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجاً.
ثم قال: إنما هي ركضة من الشيطان) 1 .
وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم (أن امرأة كانت تُهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لتنظُر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر لثوب ثم لتصلِّ فيه) 2 . وإن خرج الدم بعد الوضوء فلا شيء عليها لأنه لا يمكن التحرز منه فسقط، وتصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض والنوافل قبل الفريضة وبعدها حتى يخرج الوقت فتبطل به طهارتها وتستأنف الطهارة لصلاة أخرى، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: (واغتسلي ثم توضئي لكل صلاة، وصلي) 3 . فهي طهارة عذر وضرورة فتقيدت بالوقت كالتيمم، ولو توضأت قبل دخول الوقت فيبطل وضوؤها بدخوله كما في التيمم.
فإن انقطع الدم بعد الوضوء وكانت عادتها انقطاعه وقتاً لا يتسع للصلاة لم يؤثر انقطاعه في طهارتها، لأنه وقت لا تتمكن من أداء الصلاة فيه في طهارة كاملة وإن لم تكن لها عادة أو كانت عادتها انقطاعه مدة طويلة لزمها استئناف الوضوء، وإن كانت في الصلاة بطلت.
وحكم من به سلس بول، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقأ دمه، حكمها في ذلك إلا أن ما لا يمكن عصبه يتركه كما هو ويصلي فقد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يعثف دماً
ما يسن للمستحاضة:
-1ً- لا توطأ المستحاضة إلى لضرورة لأنه أذى في الفرج، وإن خاف على نفسه العند أبيح له الوطء، وفي رواية يحل له، والفرق بين الوطء في الاستحاضة وبين الوطء في الحيض هو أن الوطء في الحيض ربما يتعدى ضرره إلى الولد فإنه قيل قد يأتي الولد مجذوماً، بخلاف الوطء في الاستحاضة.
-2ً- يستحب لها الغسل لكل صلاة، لما روت عائشة رضي الله عنها (أن أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها بالغسل لكل صلاة) 3 ، وعن حنا بنت جحش قالت: كنت استحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم استفتيه وأخبره ... قال: فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي، وصومي إن قويتي على ذلك) 4 .