فقه العبادات على المذهب الحنبليصفحات 465-485
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 465-485
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعاد زرزور
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الحنبلي
المؤلف
الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(خمس من الدواب، ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة والعقرب، والكلب العقور) 5 ، والحديث ليس على سبيل الحصر، وإنما ينطبق على كل حيوان مؤذ.
فإذا تولد الحيوان من حيوان مأكول وغيره كالسمع، وهو ولد الضبع من الذئب، يحرم قتله وفيه الجزاء تغليباً لحرمة القتل كما غلبت فيه حرمة الأكل.
وكذا المتولد بين أهلي ووحشي.
-2ً- يحرم تنفير الحيوان البري الوحشي المأكول، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفر صيده) فإن نفرّه فهلك بتنفيره ضمنه.
-3ً- يحرم الإعانة على قتله بدلالة بقول أو إشارة، أو إعانة آلة، لأن ما حرم قتله حرمت الإِعانة على قتله.
فإن أعان حلالاً على قتله فالجزاء على المحرم، وإن أعان محرماً على قتله فالجزاء بينهما.
-4ً- يحرم التعرض لجزئه مثل بيضه أو فرخه، فإن أتلفه ضمنه، إلا إن كان البيض مذراً (فاسداً) فلا شيء عليه.
-5ً- يحرم شراء الصيد وهبته، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن الصعب بن جثامة (أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأبواء - أو بودان -، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فلما رأى ما في وجهي قال: إنا لم نرده عليك، إلا أنّا حُرُمٌ) 6 . أما إن كان مالكاً له قبل إحرامه فيبقى في ملكه ولا يجب عليه إرساله.

حكم أكل المصيد للمحرم: -1- يحرم أكل لحم ما صاده المحرم على المحرم وغيره لأن المحرم مُنع من الذبح لحق الله تعالى.

-2- يجوز أكل لحم ما صاده الحلال للمحرم وغيره.
-3- يحرم أكل لحم ما صاده الحلال بإشارة إعانة من المحرم على المحرم فقط، ليس على الحلال.
-4- يحرم أكل لحم ما صاده الحلال لأجل المحرم على المحرم فقط وأحل؟؟ الحلال، لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم) 1 . -5- يحرم أكل البيض على المحرم إن كسره، ولا يحرم على الحلال لأنه لا يحتاج إلى ذكاة وفيه جزاء.

خامساً: ما يتعلق بشجر الحرم وحشيشه: يحرم على المحرم والحلال التعرض لشجر الحرم الرطب الذي لم ينبته الآدمي وحشيشه، بقطع أو قلع أو تلاف، ولا لغصن من أغصانه حتى الشوك والعوسج، ومن قطعه فلا يباح له ولا لغيره الانتفاع به، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إلا وأنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يُعضد شجرها) 1 ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما في الحديث المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاها.
فقال العباس: يا رسول إلا الإذخر، فإنه لقينهم لبيوتهم فقال إلا الإِذخر) 2 . ويستثنى ما يلي: -1ً- والإِذخر والكمأة.
-2ً- ما زرعه الإنسان من بقل ورياحين وشجر غرس من غير شجر الحرام لأنه كالحيوان الأهلي.

-3ً- الثمر.
-4ً- قطع الشجر اليابس لأنه بمنزلة الميت، أما قلعه من جذوره فيحرم.
-5ً- يجوز أخذ ما تناثر أو يبس من الورق، أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فل الآدمي، أما ورق الشجر الأخضر فلا يجوز أخذه والانتفاع به.
ومن قلع شجرة لزمه ردها إلى موضعها كمن صاد صيداً لزمه إرساله، فإن أعادها فيبست ضمنها لأنه أتلفها.
كما يحرم صيد المدينة وشجرها، لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرم ما بين عَيْر إلى ثور) 3 ، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عِضاهها 4 ولا يصاد صيدها) (4) .

ما يجوز للمحرم فعله: -1- أن يغتسل المحرم بالماء والصابون، لقولا النبي صلى الله عليه وسلم في الذي مات محرماً: (اغسلوه بماء سدر) 1 ، ويكون ذلك بصب الماء على الرأس، ولا بأس ن كان الصابون ذا رائحة إلا أنه مكروه وقيل عليه صدقة.
-2- أن يحتجم وأن يفتصد دون أن يقطع شعراً، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم) 2 . -3- أن يتقلد بالسيف عند الضرورة، لأن أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم دخلوا في عمرة القضاء متقلدين سيوفهم.

-4- يجوز للمحرم الحاج التجارة والتكسب والصناعة لقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ 3 . قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم" في مواسم الحج) (4) . وأخيراً فإن محظورت الإحرام على وجه الإجمال تسعة: حلق الشعر، تقليم الأظافر، تغطية رأس الذكر، لبسه المخيط، الطيب، قتل صيد البر واصطياده، عقد النكاح، الوطء، المباشرة دون الفرج.
4

الباب الرابع (سنن الحج)

-1- يستحب الاغتسال لدخول مكة، وأن يدخلها من أعلاها من ثنية كداء، ويخرج من أسفلها، لما روى نافع قال: (كان ابن عمر رضي الله عنهما، إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طِوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك) 1 . -2- أن يدخل الحرم من باب بني شيبة، لقول عطاء: "يدخل الحرم من حيث شاء.
قال: ودخل النبي الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا) 2 . -3- أن يدعو عند رؤية البيت، ويرفع يديه، لما روى ابن جريج (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً) 3 . وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينتظر إلى البيت يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام حيّنا ربنا بالسلام" وزاد الأثرم: "الحمد لله رب العالمين كيراً كما هو أهل له وكما ينبغي لكريم ووجهه وعز جلاله.
الحمد لله الذي بلّغني بيته ورآني لذلك أهلاً.
الحمد لله على كل حال.
اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك.
اللهم تقبل مني واعفُ عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت".

-4- أن يبدأ بالطواف، لما روت عائشة رضي الله عنها (أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة) 4 ، ولأن الطواف تحية المسجد كالركعتين في غيره من المساجد، وينوي به طواف القدوم ن كان محرماً بحج أو قارناً، وينوي به طواف العمرة إن كان متمتعاً.
-5- الإكثار من الطواف بالبيت، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من طاف بالبيت وصلى ركعتين كان كعتق رقبة) 5 . -6- يستحب الشرب من ماء زمزم لما أحب، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له) 6 . ويستحب أن يقول ند شربه: "بسم الله.
اللهم اجعل لنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً، واجعله لنا ريّاً وشبعاً وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك".
-7- الإكثار من التلبية في حال إحرامه كما مر في سنن الإحرام.
-8- يستحب الخروج يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) قبل صلاة الظهر إلى منى، والمبيت بها إلى الضحى، ومن ثم مغادرتها إلى عرفة.
فإن لم يكن محرماً أحرم بالحج من الحرم، ثم يطوف بالبيت سبعاً، ويصلي ركعتين، ثم يستلم الركن وينطلق منها مهِلاًّ بالحج، لأن عطاء كان يفعل ذلك.
-9- أن يغادر منى قبل الظهر لى عرفة.
-10- أن يجمع صلاة الظهر مع العصر جمع تقديم، من له الجمع وهو المسافر سفر قصر، في عرفة بأذان وإقامتين ومن لم يصلِّ مع الإمام جمع في رحله.
-11- أن يجمع صلاة المغرب مع العشاء في مزدلفة جمع تأخير.
-12- أن يغادر عرفة عقب الغروب مباشرة.
-13- أن يخطب الإِمام ثلاث خطب: يوم عرفة في مسجد نمرة، ويوم النحر بمنى، يعلم الناس فيهما مناسكهم وأفعالهم في وقوفهم وفي الإفاضة والرمي

والمبيت بمنى، وخطبة ثالثة يوم النفر، وهو أوسط أيام التشريق، يعلم الناس فيها حكم التعجيل والتأخير والوداع، لما روى أبو نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: (رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته) 7 . ويقصر الخطبة يوم عرفة، ثم يأمر بالأذان، ويصلي بهم الظهر والعصر بأذان وإقامتين، لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة وقال: إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم ... إلى آخر خطبته (قال: ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف) 8 . -14- يسن يوم النحر أن يفعل فيه ستة أشياء: الوقوف في المشعر الحرام، ثم الإفاضة إلى منى، ثم الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم طواف الزيارة، والسنة ترتيبها هكذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها في حديث جابر رضي الله عنه ويره، فإن فعل شيئاً قبل شيء جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: عمن حلق قبل أن يذبح، ونحوه، فقال: لا حرج) 9 ، وروي عنه أيضاً: "قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج.
قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج.
قال ذبحت قبل أن أرمي، قال لا حرج" 10 إلا إذا قدّم الحلق على الرمي فعليه دم، لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ 11 ، ولأن الحلق كان محرّماً قبل التحليل الأول ولا يحصل إلا بالرمي.

-15- تسن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، لما روي عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من زارني أو زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً) 12 ، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى) 13 . ويصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام) 14 .

الباب الخامس

الفصل الأول

أوجه تأدية الحج أوجه تأدية الحج ثلاثة هي: -1- التمتع.
-2- الإفراد.
-3- القران.
-1- التمتع: وهو أن يحرم بعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه، وعليه دم، لأنه في التمتع يفوت الإِحرام بالحج من ميقات بلده، ولأنه يتمتع بمحظورات الإِحرام ما بين العمرة والحج.
قال تعالى: (فمن تمتع بلعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) 1 . -2- الإِفراد: وهو أن يحرم بالحج مفرداً من ميقات بلده ثم يحرم بعمرة بعد فراغه من الحج.
-3- القران: وهو أن يحرم بهما معاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الإِحرام بالحج قبل الطواف إن لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي فيجوز ولو بعد السعي لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هديٌ فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً) 2 . ويجب على القرن دم، لأن القران نع من التمتع فيدخل في عموم الآية: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) ، ولأن ترفه بترك أحد السفرين، ولفوات أعمال العمرة كلها لأنها تندمج بأفعال الحج.

وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإِسلام.
وأفضل هذه الوجوه على الترتيب: -1ً- التمتع: لما روى جابر رضي الله عنه (أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم أحِلّوا من إحرامكم، بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة.
فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلو ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله.
ففعلوا) 3 . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولَحَلَلْت مع الناس حين حلوا) 4 . فيدل هذا على فضيلة التمتع.
ويستحب للقارن ولمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرة مفردة ليصيرا متمتعين لحديث جابر رضي الله عنه المتقدم.
وقال سلمة ابن شبيب لأحمد بن حنبل رضي الله عنه: "يا أبا عبد الله كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة تقول بفسخ الحج.
فقال أحمد: قد كنت أرى لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك: -1ً- أما من ساق الهدي فليس له ذلك للحديث المتقدم ولقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ 5 . -2ً- الإفراد بعد التمتع، لأنه يأتي بنسكين كاملي، والقارن يقتصر على عمل الحج فقط.

-3ً- القران.
حكم تغيير نية الإِحرام: -1- لا يصح للمفرد أن يدخل على الحج عمرة ولا يصبح قارناً، لأن إحرامه بها لا يزيده عملاً على ما لزمه بإحرام الحج لا يغير ترتيبه.
-2- يجوز للمتمتع (6) أن يدخل الحج على العمرة، ويصبح قارناً، ولو لم يكن هناك عذر بشرط أن لا يكون طاف طواف العمرة، إلا إن كان معه هدي فله ذلك ولو كان طاف وسعى لأن من سق هدياً لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه، فلا يتحلل بطواف ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة ويصير قارناً.
-3- يجوز للمفرد أن يفسخ حجه، ويتحلل بعمرة، ويصبح متمتعاً، بل إن ذلك مستحب له لحديث جابر رضي الله عنه المتقدم.
-4- ويستحب للقارن أن يفسخ حجه، ويتحلل بعمرة إن لم يكن وقف بعرفة، ويصبح متمتعاً، ولو طاف وسعى إن لم يسق معه هدي، وإلا فليس له أن يحل من إحرامه بالحج ويجعله عمرة، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى، فإنه لا يحلُّ من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصرِّ ولْيَحْلِلْ ثم لْيُهِلَّ بالحج ولْيُهْدِ.
فمن لم يجد هدياً، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) 6 .7

شروط تحقق الدم على المتمتع والقارن: -1- شروط تحقق وجوب الدم على المتمتع: -1ً- أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ 1 . وحاضرو المسجد الحرام هم أهل الحرم ومَن بينهم وبينه دون مسافة القصر.
-2ً- أن يكون معتمراً في أشهر الحج، فلو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وحل منها في أشهره لم يكن متمتعاً.
-3ً- أن يحج من عامه الذي اعتمر فيه.
-4ً- أن لا يسافر بين العمرة والحج مسافة قصر فأكثر.
-5ً- أن لا يحل من عمرته قبل إحرامه بالحج.
-6ً- أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو أثنائها، فلا تكفي نية العمرة فقط بل لا بد من ملاحظة الحج.
-2- شروط تحقق الدم على القارن: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
ماهية الدم الواجب في المتمتع والقران: شاة، أو سبع بدنة، فإن نحر بدنة أو ذبح بقرة فقد زاد خيراً.
وقت وجوبه: ذا أحرم بالحج 2 ، لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ (3) . وقال القاضي: يجب الدم إذا وقف بعرفة.
وقت ذبحه: المعتمد في المذهب أنه لا يجزئ ذبح ما وجب على المتمتع والقارن قبل يوم النحر، فإن فعل فعليه دم آخر ويمتد إلى ثاني أيام التشريق، وفي رواية ثانية: يجوز النحر قبل إحرامه بالحج ولكن بعد إحرامه بالعمرة 3 ، ولا يجوز تقديم النحر قبل الإِحرام بالعمرة لأنه تقديم له على سببه 4 (الإِحرام بالحج والعمرة) فأشبه تقديم الزكاة على النصاب.

وأفضل وقت للذبح يوم النحر.
ما يقوم مقام الفدي في حال فقده: من لم يجد الهدي لفقده، ولعدم القدرة على شرائه في موضعه، فعليه صم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ 5 . إذن الفدية بالصيام على الترتيب لا التخيير، أي في حال فقد الهدي ينتقل إلى الصوم، فإن دخل في الصوم ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال إليه.

وقت الصوم: -1- صوم ثلاثة أيام: له وقتان.
آ- وقت استحباب: يستحب أن يكون آخرها قبل يوم عرفة ليحصل صومها أو بعض صومها بعد إحرامه بالحج.
ب- وقت جواز: يجوز صومها بعد إحرامه بالعمرة، أم قوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام في الحج) أي في قت الحج أي في أشهره.
ولا يجوز الصوم قبل الإحرام بالعمرة.
-2- وقت اختيار: إذا رجع إلى أهله، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما في الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) . ب- وقت جواز: يجوز صومها بعد أيام التشريق، أي يجوز صومها في مكة أو في طريقه إلى بلده.
ولا يجب التتابع في كليهما لأن الأمر بالصوم مطلق كقضاء رمضان.

فإن لم يصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر صام أيام منى على إحدى الروايتين، لما روي عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) 1 ، وعلى الرواية الثانية لا يصومها، لما روي عن نبيشة الهُذَليِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب) 2 ويصوم بعد ذلك عشرة أيام.

الفصل الثاني

التحلل من الإِحرام للحج تحللان: -1- التحلل الأول: يحصل بفعل اثنين من ثلاثة وهي: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة.
إما أن يرمي ويحلق أو يطوف ويحلق.
-2- التحلل الثاني: يحصل بفعل الثالث منها.
هذا إذا كان سعى سعي الحج بعد طواف القدوم، أما إن لم يسع فعليه أن يسعى بعد طواف الزيارة ويتوقف تحلله على السعي.
فإن تحلل التحلل الأول بالطواف والحلق توقف تحلله الثاني على الرمي، فإن فات وقت الرمي ولم يرم سقط عنه وتحلل التحلل الثاني بسقوطه.
ويحل بالتحلل الأول كل محظورات الإحرام، إلا النكاح وعقده، والمباشرة بشهوة، والوطء.
ويحل بالتحلل الثاني ما تبقى منها، وهي كل ما يتعلق بالعلاقة بالنساء.
والدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراماً إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت) 1 .

الفصل الثالث

إفساد الحج لا يفسد الحج إلا بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول، سواء كان الوطء في القبل أو الدبر من آدمي أو بهيمة، ولو بغير إنزال، وسواء كان الواطئ عامداً أو ناسياً، عالماً أو جاهلاً.
(وكذا يفسد حج المرأة ولو كانت مستكرهة أو نائمة) . أما الوطء في غير الفرج (ومثلها المباشرة بشهوة) فلا يفسد الحج، ولكن إن أنزل فعليه بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة.
وكذلك النظر لا يفسد الحج، وإن أنزل فعليه شاة، أما إن أنزل لتكرر النظر فعليه بدنة، فإن لم ينزل فليس عليه شيء.
أم الفكر فلا يفسد الحج ولا شيء عليه أنزل أو لم ينزل، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت بنفسها ما لم تعمل أو تكلِّم به) 1 . ما يترتب على من فسد حجه: -1- المضي بالنسك الفاسد، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ . -2- ذبح بدنة على الواطىء، وكذا على المرأة الموطوءة إن كانت مطاوعة له أو هي المتسببة، أما إن كانت مكرهة أو نائمة فلا بدنة عليها.
-3- القضاء على الفور: أي الحج في العام الثاني.
ويشترط لهما الإِحرام من نفس الميقات الذي أحرما منه بالنسك الفاسد، أو ما يوازيه إن سلكا طريقاً غيره.
ويسن أن يتفرقا في حجة القاء، أي أن لا يركبا معاً على دابة واحدة، وأن لا يجلسا معاً في خيمة واحدة (وإن كانت المرأة مطاوعة في الجماع فعيه نفقة القضاء) بدليل الحديث الذي رواه البيهقي (أن رجل من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لهما: اقضيا نسككما، وأهديا هدياً، ثم ارجعا، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه فأحرما وأتما نسككما وأهديا) 2 . أما الوطء في الفرج بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، ولو كان الوطء بعد الرمي وقبل الحلق، فلا يفسد الحج، ولكن عليه أن يخرج إلى الحل فيحرم لطواف الزيارة بإحرام صحيح وعليه دم أيضاً.
فإن طاف للزيارة ولم يرم ثم وطئ لا يلزمه إحرام من الحل لأن الحج قد تمت أركانه كلها والرمي ليس بركن وعليه دم.

الفصل الرابع

فوات الحج يفوت الحج بفوات الوقوف بعرفة، سوء كان من فاته معذوراً أم لا.
ويكون الفوات بطلوع فجر يوم النحر قبل حضوره عرفة، لم روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن فاته عرفات فقد فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل) 1 . أما إن أخطأ الناس جميعهم فوقفوا في غير يوم عرفة (اليوم الثامن أو العاشر) أجزأهم ذلك.
وإن وقع لنفر منهم لم يجزئهم لأنه تفريط منهم، وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال لهبار بن الأسود: "ما حسبك؟ " قال: كنت أحسب أن اليوم عرفة، فلم يعذر بذلك.
ما يترتب على من فاته الحج: -1ً- أن يتحلل بعمرة (أي يطوف ويسعى بإحرامه ثم يتحلل) . -2ً- القاء على الفور ولو كان الحج نفلاً لأن بالشروع فيه التزمه، بدليل قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ . -3ً- نحر هدي في حجة القضاء، لما روى الأسود قال: (سألت عمر رضي الله عنه عنرجل فاته الحج، قال: يهل بعمرة، وعليه الحج من قابل، ويهريق دماً) 2 .

الفصل الخامس

الإِحصار تعريف الإِحصار: لغة: المنع.
وشرعاً: منع المحرم من إتمام ما يوجبه الإِحرام قبل أداء ركن النسك.
والإحصار نوعان: أولاً: الإحصار العام: -1- الإحصار عن الدخول إلى الحرم: آ- إذا منع المحرم من دخول الحرم من قبل عدو للمسلمين لا يصل إليه إلا بعد الفوات، لم يجز له التحلل بل يجب عليه المضي والتحلل بعمرة.
ب- إن لم يجد طريقاً آخر لا من قريب ولا من بعيد فعليه التحلل بذبح هدي ومن ثم بالحلق، لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ 1 ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حصره العدو بالحديبية فتحلل وذبح الهدي حيث أُحصر.
ويجب أن ينوي بذبحه التحلل به ثم الحلق، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه سلم معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه وحلق رأسه) 2 . فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام ثم يحل، فإن نوى التحلل قبله فلا يحل بل يبقى على إحرامه.
هذا، ولا قضاء على من أحصر، فإن قيل بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى عمرة الحديبية وسميت الثانية عمرة القضية، فإن الذين صُدوا في الحديبية كانوا ألفاً وأربعمائة والذين اعتمروا في القضاء كانوا نفراً يسيراً ولم يأمر الباقين بالقضاء.

فإن لم يحل المحصر حتى زال الحصر فلا يجوز له التحلل، لأنه زال العذر ولو بعد الفوات، وعليه أن يمضي ويتحلل بعمرة وعليه هدي للفوات لا للحصر.

-2- الإحصار عن عرفة فقط: ومن صد عن عرفة وتمكن من البيت فله أن يتحلل بعمرة، لأن له ذلك من غير حصر فمعه أولى وليس عليه دم.
ثانياً: الإحصار الخاص: مثل من أحصر بمرض، أو بفقد نفقة، حبسه سلطان أو غريم ظلماً أو بحق لا يقدر على إيفائه.
أو العبد إذا منعه سيده، أو الزوجة منعها زوجها، أو بعدم اهتدائه إلى الطريق، فهو كالإحصار العام في جواز التحلل لعموم الآية، ولأنه روي عن الحجاج بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كُسِرَ وعرِجَ فقد حَلْ، وعليه حجة أخرى) 1 ، ولأنه محصر فأشبه من حصره العدو على إحدى الروايتين.
والرواية الثانية: ليس له التحلل حتى يقدر على البيت الحرام وهو المعتمد، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لا حصر إلا من حبسه عدو فيحل بعمرة، وليس عليه حج لا عمرة) 2 ، لأنه لا يستفيد بالتحلل انتقالاً من حال إلى حال أحسن منها.
فإن فاته الحج تحلل بعمرة ولا ينحر هدياً كان معه إلا بالحرم.
أما من شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك ولا شيء عليه، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال: أهلِّي بالحج، واشترطي أن محلِّي حيث تحسبني) 3 . فالشرط يفيد إباحة التحلل عند المرض فإن لم يشترط لم يجز له التحلل حال المرض.

فصول الكتاب · 6 فصل · 503 صفحة
جارٍ التحميل