فقه العبادات على المذهب الحنبليصفحات 244-266
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 244-266
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعاد زرزور
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الحنبلي
المؤلف
الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّما إنما أنا بشر مثلكم.
أنسى كما تنسون.
فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين.
وهو جالس) 1 . -3ً- مباح لترك سنة قولية أو فعلية.
كيفيته: هو سجدتان كسجدتي الصلاة مع توفر شروط الصحة، فإن كان السجود قبلياً كبَّر بعد فراغه من التشهد وسجد سجدتين ثم سلَّم، وإن كان بعدياً كبَّر للسجود والرفع منه وتشهَّد وسلَّم، لما روى عمران بن حصين رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثمَّ سلَّم) 2 . موضعه: -1ً- بعد التشهد وقبل السلام: في حال كون السجود واجباً، فمن تركه عمداً بطلت صلاته لأنَّه ترك واجباً فيها عمداً.
وكذلك في حال كون السجود مسنوناً، كمن قرأ في الركوع، أو مباحاً كمن اقتصر على مرة في التسبيح.
-2ً- بعد السلام: أ- إن ترك السجود الواجب قبل السلام سهواً، لأنه فاته واجب فيقضيه.
هذا إن كان تذكره قبل طول الفصل وإن كان تكلم، أما إن طال الفصل أو خرج من المسجد فيسقط عنه السجود، وعن الإمام أحمد أنَّه يعيد الصلاة.
ب- إذا سلم من نقصان في صلاته لحديث أبي هريرة رضي الله عنه (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين.
فقال: الناس: نعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين، ثم سلَّم، ثم كبَّر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع) 3 . فمن ترك السجود المشروع بعد السلام عمداً أو سهواً لم تبطل صلاته، لأنه ترك واجباً ليس منها فلم تبطل بتركه.

تعداده: جود السهو لا يتعدد وإنما أُخر لآخر الصلاة ليجع السهو كله، للحديث المتقدم: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) . وإن كان أحد السجودين قبل السلام والآخر بعده يجزئه سجود واحد، ويسجد قبل السلام لأنه أسبق وآكد.
أسبابه: تنحصر أسبابه في ثلاثة أقسام: القسم الأول: الزيادة في الصلاة.
والزيادة فيها إما أن تكون زيادة في الأقوال أو زيادة في الأفعال.
القسم الثاني: النقص في الصلاة: والنقص فيها إما أن يكون: -1- ترك ركن.
-2- ترك واجب.
-3- ترك سنة.

القسم الثالث: الشك في الصلاة: والشك فيها إما: -1- في عدد الركعات.
-2- في ترك ركن من أركانها.
-3- فيما يوجب سجود السهو.
وتفصيل ذلك كما يلي: القسم الأول: الزيادة في الصلاة: أولاً: الزيادة في الأقوال: أ- زيادة ذكر مشروع في غير محله كالقراءة في الركوع والسجود والجلوس والتشهد في القيام، والصلاة على النبي في التشهد الأول، فهذا لا يبطل الصلاة ولا يجب له سجود سهو لأن عمده غير مبطل، إنما يسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا نسي أحد فليسجد سجدتين) . ب- التسليم في الصلاة قبل إتمامها: -1- فإذا كان عمداً بطلت الصلاة لأنه تكلم فيها والكلام مبطل للصلاة.
-2- وإن كان سهواً: (1ً) - طال الفصل: بطلت أيضاً لتعذر بناء الباقي عليها.
(2ً) - قصر الفصل: أتم صلاته وسجد بعد السلام، والدليل على ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي 1 ، إما الظهر وإما العصر.
فسلم في ركعتين.
ثم أتى جِذْعَاً في قبلة المسجد فاستند إليها مُغْضَباً.
وفي القوم أبو بكر وعمر.
فهابا أن يتكلما.
وخرج سرعان الناس.
قُصِرَت الصلاة.
فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقُصِرَت الصلاة أم نسيتَ؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً.
فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم صلي إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلَّم.
ثم كبَّر ثم سجد.
ثم كبَّر فرفع ثم كبَّر وسجد ثم كبَّر ورفع فإن كان قيامه.
قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم) 2 . (3ً) - وأما إن انتقض وضوءه أو دخل في صلاة أخرى أو تكلم في غير شأن الصلاة كقوله اسقني ماءً فسدت صلاته، لحديث: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس..) 3 . جـ - الكلام في صلب الصلاة: -1- يبطل الصلاة: (1ً) - إن تكلم عمداً بحرفين فصاعداً، لما روى زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: وقوموا لله قانتين.
أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) 4 . أما إن كان ناسياً أو جاهلاً بالتحريم ففيه روايتان: الأولى: يبطلها لأنه من غير جنس الصلاة فأشبه العمل الكثير، والثانية: لا يبطلها.
(2ً) - أن شمت عاطساً أو رد سلاماً أو سلم على إنسان لأنَّه من كلام الآدميين.
(3ً) - القهقهة تبطل الصلاة لكن لكن لا تنقض الوضوء، لحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الضحك ينقض الصلا ولا ينقض الوضوء) 5 . -2- لا يبطل الصلاة: (1ً) - إن غلبه البكاء فنشج بما انتظم حروفاً - لا تبطل صلاته، لأن عمر رضي الله عنه كان يسمع نشيجه من وراء الصفوف.

(2ً) - إن أخطأ في القراءة وأتى بكلمة من غيرها لا تبطل صلاته، لأنه لا يمكن التحرز منه.
(3ً) - وإن نام يسيراً فتكلم لا تفسد صلاته لأنه عن غلبة.

ثانياً: الزيادة في الأفعال: أ- الزيادة من جنس الصلاة.
ب- الزيادة من غير جنس الصلاة.
جـ- الأكل والشرب.
أ- الزيادة من نس الصلاة: كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود: -1ً- عمداً: يبطل الصلاة.
-2ً- سهواً: لا يبطل الصلاة ويسجد للسهو قبل السلام، لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً.
فلما انفتل توشوش القوم بينهم قال: ما شأنكم؟ قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: لا.
قالوا: فإنك قد صليت خمساً.
فانفتل ثم سجد سجدتين.
ثم سلَّم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.
وزاد ابن نُمير في حديثه: فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) 1 . وفي رواية أخرى عن عبد الله: (إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين) 2 . وهناك حالتان: -1 - إذا قام إلى الركعة الزائدة فلم يذكر حتى سلم سجد للحال، إن ذكر قبل السلام سجد ثم سلَّم.
-2 - وإذا ذكر في الركعة جلس على أي حال كان، فإن كان قيامه فليجلس قبل

التشهد تشهَّد ثم سجد ثم سلَّم، وإن كان بعده سجد ثم سلَّم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ثم سجد وسلم.
واجب المصلين تجاه سهو الإمام في الزيادة: إذا سها الإمام فزاد أو نقص فعلى المأمومين تنبيهه، لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال ابراهيم: زاد أو نقص - فلما سلَّم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا.
قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلَّم.
ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به.
ولكن إنما أنا بشر أنس كما تنسون.
فإذا نسيت فذكروني.
وإذا شكَّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب.
فليُتم عليه.
ثم ليسجد سجدتين) 3 ولما في حديث سهل بن سعد الساعدي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ مننابه شيء في صلاته فليسبح.
فإنه إذا سبَّح التفتُّ إليه.
وإنما التصفيح للنساء) 4 . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) 5 . وإذا سبَّح له اثنان لزمه الرجوع إليهما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأمر بتذكيره ليرجع فإن لم يرجع بطلت صلاته لأنه ترك الواجب عمداً، وليس للمأمومين اتباعه لبطلان صلاته، فإن اتبعوه بطلت صلاتهم، إلا أن يكونوا جاهلين فلا تبطل، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه في الخامسة، وإن فارقوه وسلموا صحت صلاتهم.
أما إن سبح له واحد فلا يرجع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع لقول ذي اليدين وحده.
وإن نسي الإمام التشهد الأول فسبحوا بعد انتصابه قائماً فلا يرجع ويتابعونه في القيام، وإن رجع قبل شروعه في القراءة لم يتابعوه لأنه خطأ.
أما إن سبحوا قيل

قيامه لزمه الرجوع، فإن لم يرجع تشهدوا لأنفسهم وتابعوه لأنه ترك واجباً تعين عليهم فلا يجوز لهم اتباعه في تركه.
وإن ذكر التشهد قبل انتصابه فرجع إليه بعد قيام المأمومين وشروعهم في القراءة لزمهم الرجوع لأنه رجع إلى واجب فلزمهم متابعته ولا عبرة بما فعلوه قبله.

ب- الزيادة من غير جنس الصلاة: كالمشي والحك سواءً كان عمداً أو سهواً مبطل للصلاة إجماعاً إن كثر متوالياً ولا يشرع له السجود.
أما إن قلَّ فلا يبطلها، لما روى أبو قتادة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها وإذا جلس وضعها) 6 وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أحمد يصلي والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحتُ.
قال أحمد: فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه - وذكر أن الباب كان في القبلة) 7 . والفعل اليسير ما شابه فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه، والفعل الكثير ما زاد على ذلك مما يُعد كثيراً في العرف فيبطل الصلاة إلا إن فعله متفرقاً.

جـ- الأكل والشرب: -1ً- عمداً يبطل الصلاة، أما سهواً أو جهلاً فلا يبطلها إن كان الأكل والشرب يسيرين، ومن ترك في فمه طعاماً يذوب كالسكر فابتلع ما يذوب منه فهو أكل يبطل الصلاة.
-2ً- إن بقي في فم المصلي أو بين أسنانه يسير من بقايا الطعام وجرى به الريق وابتلعه المصلي فلا تبطل صلاته لأنه يمكن الترحز منه.
-3ً- وإن ترك في فمه لقمة علكة لم يبتلعها فلا تبطل الصلاة ولكن تكره لزوال الخشوع، وإن لاكها فهو كالعمل إن كثر أبطل وإلا فلا تبطل.

القسم الثاني: النقص في الصلاة: إما أن يكون ترك ركن أو ترك واجب أو ترك سنة.
أولاً- ترك ركن: كركوع أو سجود.
-1ً- عمداً: يبطل الصلاة.
-2ً- سهواً: أ- إن لم يتذكر المصلي ترك ركن إلا بعد السلام وطال الفصل بطلت الصلاة لتعذر البناء مع طول الفصل، وإن قصر الفصل أتى بركعة كاملة وسجد للسهو.
ب- إن تذكر الركن المتروك قبل شروعه في قراءة الركعة الثانية عاد وأتى بما تركه ثم بنى على صلاته وسجد للسهو، فإن لم يعد إلى فعل ما تركه فسدت صلاته لأنه ترك الواجب عمداً إلا أن كان جاهلاً فلا تبطل صلاته.
جـ- إن تذكر الركن المتروك بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى بطلت الركعة التي ترك ركنها وحدها وجعل الأخرى مكانها وأتم صلاته وسجد قبل السلام.
ثانياً: ترك الواجب: -1ً- عمداً يبطل الصلاة.
-2ً- سهواً: يسجد للسهو قبل السلام، لما روى عبد الله ابن بحينة قال: (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات ثم قال فلم يجلس.
فقام الناس معه فلما قضى الصلاة ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلَّم) 1 ، ويقاس عليه سائر الواجبات.
إن ذكر التشهد قبل انتصابه قائماً رجع فأتى به، أما إن ذكره بعد انتصابه قائماً وبعد شروعه في القراءة فلا يرجع

إليه لأنه تلبس بركن مقصود فلا يرجع إلى واجب، لحديث المغيرة بن شعبر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام الإمام في الركعتين: فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فلا يجلس، فإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو) 2 ، وإن رجع بعد أن استوى قائماً وقيل شروعه بالقراءة كره ذلك ولم تفسد صلاته.
ولا يرجع إلى غير التشهد من الواجبات لأنه لو رجع للركوع لأجل تسبيحه لزاد ركوعاً في صلاته وأتى بالتسبيح في ركوع غير مشروع.
ثالثاً: ترك السنة: لا تبطل الصلاة بترك السنة عمداً أو سهواً ولا سجود عليه لأنه شرع للجبر فإذا لم يكن الأصل واجباً فجبره أولى (أي جبره بسجود السهو أولى أن لا يكون واجباً) . ولكنه يباح سواء كان المتروك سنة قولية أو فعلية على المعتمد من المذهب، لقوله عليه السلام: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) . القسم الثالث: الشك في الصلاة: والشك فيها إما أن يكون في عدد الركعات، أو في ترك ركن من أركانها، أو فيما يوجب سجود السهو.
أولاً: الشك في عدد الركعات: إذا شكَّ المصلي في عدد الركعات هل صلَّى ركعتين أو ثلاثاً بنى على اليقين وهو اثنتين، سواء كان إماماً أو منفرداً، وأتى بما بقي وسجد قبل السلام، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى؟ ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبين على ما استيقن.
ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً، شفعن له صلاته.
وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان) 3 . ثانياً: الشك في ترك ركن من أركان الصلاة: حكمه حكم تركه لأنَّ الأصل عدمه.
ثالثاً: الشك فيما يوجب سجود السهو: من زيادة أو ترك واجب كتسبيح الركوع فهذا لا يوجب سجود السهو، إلا إذا شكَّ في الزيادة وقت فعله لأنه شك في سبب وجود السجود والأصل عدمه، فإن شكَّ في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة سجد لأنه أدى جزءاً من صلاته متردداً في كونه منها وذلك بضضعف النية.
وإنما يؤثر الشك إذا وجد في الصلاة، فإن شكَّ بعد السلام لم يلتفت إليه لأن الظاهر الإتيان بها على الوجه المشروع.
وهكذا الشك في سائر العبادات بعد فراغه منها.
سجود المؤتم: ليس على امؤتم سجود سهو وإنما يسجد مع إمامه إذا سها، لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على من خلف الإمام سهو فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه سهو وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه) 4 ، ولأن المأموم تابع للإمامه فيلزمه متابعة في السجود وتركه.
ويسجد المسبوق معع إمامه، فإن كان السجود بعد السلام فلا يقوم المسبوق حتى يشهده معه (وعن الإمام أحمد لا سجود عليه هنا والقول الأول هو المعتمد في المذهب) ، وإذا كان المؤتم قد قام لإتمام صلاته، ولم يعلم أن الإمام عليه سجود سهو، وسجد الإمام، رجع فسجد معه، إن لم يكن قد استتم قائماً، وإن كان استتم قائماً مضى ثم سجد في آخر صلاته قبل سلامه لأنه قام عن واجب فأشبه تارك التشهد الأول.
أمَّا إن سجد مع الإمام ففيه روايتان: إحداهما: يعيد السجود لأنَّ محله آخر الصلاة، وإنما سجد مع إمامه تبعاً فلم يسقط المشروع في محله كالتشهد.
والثانية: لا يعيد السجود لأنه قد سجد وانجبرت صلاته.

ولو ترك الإمام السجود لسهو نفسه، أو كان لا يسجد لاختلاف المذهب ففي سجود المؤتم روايتان: إحداهما: يسجد لأنَّ صلاته نقصت بسهو إمامه ولم يجبرها فلزمه جبرها وهو المذهب، والثاني: لا يسجد لأنه إنما يسجد تبعاً فإذا لم يوجد المتبوع لم يجب التبع.

الباب السادس (صلاة الجماعة)

تعريفها: ربط صلاة شخص بصلاة إمام مستكمل للشروط.
حكمها: -1ً- واجبة في الصلوات الخمس المكتوبة على الرجال الأحرار القادرين عليها (فلا تجب على الصغير ولا على الرقيق والمرأة والخنثى) حضراً وسفراً حتى في شدة الخوف.
والدليل من القرآن قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم) 1 . ومن السنة حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم يحرقوا عليها، بحزم الحطب بيوتهم.
ولو أعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها) 2 . يعني صلا العشاء.
وعقوبة التحريق بالنار لا تكون إلا على الفرض وارتكاب المحرم الغليظ.
وليست الجماعة شرطاً لصحة الصلاة، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) 3 .

ولا يسقط واجب الجماعة إذا أم الرجل صبياً لأنه ليس من أهل الكمال، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد: أنه يصح كما لو أنه أمَّ رجلاً متنفلاً.
-2ً- سنة: بالنسبة للنساء منفردات عن الرجال، لأنهن من أهل الفرض أشبهن الرجال، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت عبد لله بن الحارث قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها وجعل لها مؤذن، وأمرها أن تؤم أهل دارها) 4 . وبيت المرأة خير لها، فإن أرادت المسجد لم تمنع منه على أن لا تتطيب، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا نسائكم المساجد وبيوتهن خير لهن) 5 . وفي رواية: (ولكن ليخرجن وهن تفلات) 6 - يعني غير متطيبات.
-3ً- مكروه حضورها للنساء المشتهيات مع الرجال.
-4ً- شرط لصحة صلاة الجمعة.
-5ً- سنة أيضاً لصلاة بعض النوافل كالاستسقاء والتراويح والعيدين.
وتباح في صلاة التهجد.
تحققها: تتحقق بإثنين فأكثر لحديث مالك بن حويرث رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما) 7 ، فإن أمَّ الرجل عبده أو زوجته كانا جماعة، ولا تتحقق الجماعة بصلاة صبي مميز مع الإمام وحده.
ويجوز فعلها في البيت والصحراء لحديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أينما أدركت الصلاة فصلِّ فهو مسجد) 8 ولكن تسن أن تكون في المسجد، وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: أنه تجب الصلاة في المسجد لقول النبي

صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) 9 . إما إذا أراد أن يدخل المسجد ويصلي فرداً بينما لو صلى في بيته صلى جماعة فتتعين عليه الصلاة في بيته تحصيلاً للواجب، أما إن كانت جماعة البيت أكثر من جماعة المسجد فتفضل جماعة المسجد.
وأفضل الجماعات ما كانت جماعتها أكثر، فالأكثر أحب إلى الله تعالى، أما إن كان في جواره مسجد غاب عنه اختلت الجماعة فيه ففعلها فيه أفضل، وكذا إذا وجد مسجدان ففعلها في العتيق أفضل لأن الطاعة فيه أسبق، وإن كانت البلد ثغراً فالأفضل اجتماع الناس في مسجد واحد لأنَّه أعلى للكلمة وأرفع للهيبة.

أعذار ترك الجمعة والجماعة: -1ً- المرض: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع المنادي قلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى) 1 . ومحل ذلك إذا كان المريض أو الخائف من حدوث مرض ليسا بالمسجد وإلا لزمتها الجمعة والجماعة لعدم المشقة، وتلزم الجمعة دون الجماعة لمن لم يتضرر بإتيانها راكباً أو محمولاً أو تبرع أحد بذلك أو بقود أعمى.
-2ً- الخوف: سواءً خاف على نفسه من سلطان أو لص أو سبع أو غريم يلزمه ولا شيء معه يعطيه، أو خاف على ماله من تلف أو ضياع أو سرقة، أو كان له دين على غريم يخاف سفره أو وديعة عنده إن انشغل بالجماعة مضى وتركه، أو خاف شروط دابته أو احترق خبزه أو طبيخه، أو كان ناطوراً لبستان يخاف إن أتى الجماعة سرقة شيء منه، أو مسافراً يخاف فوت رفقته، أو كان عنده مريض يخاف ضياعه أو صغير أو حرمة يخاف عليها.

-3ً- المطر -4ً- الوحل: عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: (إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أنَّ محمداً رسول الله، فلا تقل حيَّ على الصلاة.
قل صلوا في بيوتكم.
قال: فكأن الناس استنكروا ذاك.
فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا من هو خيرٌ مني.
إن الجمعة عَزْمِةٌ.
وإني كرهت أن أُحْرِجَكُمْ، فتمشوا في الطين والدحض) 2 . -5ً- الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة: وهذا يختص بالجماعة، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال) 3 . -6ً- أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه أو تحتاج إليه وسواء خاف فوات الجماعة أو لم يخف، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء) 4 . -7ً- أن يدفع الأخبثين (البول والغائط) أو أحدهما، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يافعه الأخبثان) 5 . -8ً- أن يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره، لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما: (دعي يوم الجمعة وهو يستجهز للجمعة إلى سعيد بن زيد بن عمر بن نضيل وهو يموت فأتاه وترك الجمعة) 6 .

أما الأعمى فلا يُعذر إن تمكن من الحضور،، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى.
فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد.
فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرَخَّصْ له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم.
قال: فأجب) 7 .

شروط صحة الجماعة: أولاً: نية الإمامة والاقتداء: إن من شروط صحة الجماعة أن ينوي كل من الإمام والمؤتم حالته (أي أن يقول الإمام: نويت الصلاة إماماً، ويقول المؤتم مقتدياً) ، فإن نوى أحدهما دون صاحبه لم تصح، لأن الجماعة تنعقد بالنية، ويجب أن تكون نية المأموم في أول صلاته بحيث تقارن تكبيرة الإحرام، فلو شرع في الصلاة بنية الانفراد ثم وجد إماماً في أثنائها فنوى متابعته فلا تصح صلاته لعدم وجود النية في أول الصلاة، فالمنفرد لا يجوز له أن ينتقل إلى صلاة الجماعة بعد أن أحرم بالصلاة منفرداً، وقال الإمام أحمد:: أحبُّ غليَّ أن يقطع الصلاة ويدخل مع الإمام.
كما لا يجوز لمن بدأ صلاته في جماعة أن يتنقل إلى الانفراد بأن ينوي مفارقة الإمام، إلا لضرورة كأن يطيل الإمام أو تفسد صلاته لعذر كسبق حدث أو نحوه، عن جابر رضي الله عنهما قال: (كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم يأتي فَيؤمُّ قومه.
فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء.
ثم أتى قوماً فأمَّهم.
فافتتح بسورة البقرة.
فانحرف رجل فسلم.
ثم صلة وحده وانصرف.
فقالوا له: أنافقتَ؟ يا فلان! قال: لا والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار.
وإن معاذاً صلى معك العشاء.
ثم أتى فافتتح بسورة البقرة.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال يا معاذ أفتانُ أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا) 1 .

  • ويجوز لمن أحرم منفرداً في صلاة نفل أن ينوي الإمامة، (أي يغيَّر نيته من الانفراد إلى الإمامة) إن أتى آخر ونوى الاقتداء به، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي في التهجد، فجاء ابن عباس رضي الله عنهما فأحرم معه فصلى به النبي صلى الله عليه وسلم.
    أما في صلاة الفرض فلا يجوز.
  • أما إن أحرم منفرداً في فرض الصلاة، وكان يرجو مجيء من يصلي معه، فيجوز له أن ينوي الإمامة سلفاً.
  • كما يجوز لمن أحرم إماماً أن ينوي الانفراد لعذر، كأن يسبق المأمومَ الحدثُ أو تفسد صلاته لعذر، أما إن كان لغير عذر فلا يصح للإِمام أن ينوي الانفراد.
  • كما يجوز لمن أحرم إماماً أن ينوي الإقتداء لعذر، كأن يؤم القوم غير إمام الحي، فيأتي إمام الحي، فيتقدم في أثناء الصلاة، ويبني على صلاة الأول، فيصير الأول مأموماً، لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم.
    فحانت الصلاة.
    فجاء المؤذن إلى أبي بكر.
    فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم.
    قال: فصلى أبو بكر.
    فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة.
    فتخلص حتى وقف في الصف.
    فصفق الناس.
    وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة.
    فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك.
    فرفع أبو بكر يديه.
    فحمد الله عز وجل على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك.
    ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف.
    وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ثم انصرف) 2 . وهناك رواية أخرى: أنه يجوز لمن أحرم إماماً أن يصير مؤتماً، وأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون خاصاً به، لأن أحداً لا يساويه، ولكن المعتمد أنَّه يجوز.

ثانياً: عدم إجتماع إمامان في صلاة واحدة: أي لا يصح الاقتداء بالمأموم ما دام مأموماً، أما إن كان المأموم مسبوقاً، وقام لإتمام صلاته بعد سلام إقامه، ثم جاء شخص آخر فاقتدى به، فإن ذلك يصح.
إلا في صلاة الجمعة فإنه لا يصح اقتداء المسبوق بمثله.
ثالثاً: موافقة نظم صلاتيهما: فلا تصح كسوف أو جمعة خلف من يصلي غيرهما، ولا يصلح غيرهما خلف من يصليهما، لأنه يفضي إلى المخالفة في الأفعال فيدخل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام ليؤتم به.
فلا تختلفوا عليه) 1 . أما إذا كانت صلاة الإمام والمأموم واحدة إلا أنهما اختلفا في النية، فأحدهما أداء والآخر قضاء صحت الصلاة كصلاة ظهر خلف ظهر، أما إن اختلف الفرض فلا يصح كصلاة ظهر خلف عصر.
ولا يصح للإمام إن كان يصلي متنفلاً أن يؤم مفترضاً، وإنما يصح أن يؤم متنفلاً مثله.
وفي رواية أنه يصح أن يؤم المتنفل مفترضاً لحديث جابر رضي الله عنهما قال: (كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم يأتي فيؤمُّ قومه ... ) وزاد الدارقطني في الرواية: (هي له نافلة ولهم فريضة) (2) ، ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فأشبه المتنفل يأتم بمفترض.
والرواية الأولى هي المعتمدة.
رابعاً: المتابعة: أي أن يتبع المأموم الإمام فيجعل أفعاله بعد أفعال إمامه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام ليؤتم به.
فلا تختلفوا عليه.
فإذا كبَّر فكبَّروا.
وإذا ركع فاركعوا.
وإذا قال: سمع الله لمن حمده.
فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد.
وإذا سجد فاسجدوا.
وإذا صلى جالساً صلوا جلوساً أجمعون) (1) .

حالات ترك المأموم المتابعة وحكم الصلاة فيها: -1- في حالة السبق: أ- إن سبق المأموم إمامه بتكبيرة الإحرام عمداً أو سهواً لم تصح الصلاة.
ب- إن سبقه بالسلام عمداً بطلت الصلاة، أما إن كان سهواً وجب عليه إعادته مع الإمام وإلا بطلت الصلاة.
جـ- إن سبقه بركن من باقي أركان الصلاة عمداً حرم عليه ذلك ولزمه العودة إلى الركن الموجود فيه الإمام ومن ثم متابعته، فإن لم يعد وبقي سابقاً إمامه بطلت صلاته.
أما إن سبقه جهلاً أو نسياناً، فلا بأس عليه أن يعود ليأتي بالركن مع الإمام، لحديث أنس رضي الله عنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم.
فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه.
فقال: أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع.
ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف) 3 والنهي يقتضي التحريم.
ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (أما يخشى أحدكم، إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار) 4 . د- وإن سبقه بركنين عمداً عالماً بالتحريم بطلت صلاته لأنه لم يأتم بإمامه في معظم الركعة، كأن ركع ورفع قبل أن يركع إمامه وسجد قبل رفع إمامه من الركوع، أما إن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته للعذر ولا يعتد بتلك الركعة.

-2- في حالة التأخر: إن تأخر عنه بركنين عمداً بطلت صلاته (كأن ركع الإمام ورفع قبل ركوع المأموم) لتركه المتابعة، أما إن كان سبب تأخير المأموم عن الإمام لنوم أو غفلة أو نحو ذلك لم تبطل صلاته لأنه سبق يسير فيركع ثم يدركه، وإن سبقه بأكثر من ذلك لعذر ففيه وجهان، أحدهما: يفعله ويلحق به كالمزحوم في الجمعة، والثاني: تبطل الركعة لأنها مفارقة كثيرة.
-3- في حالة الموافقة: أ- في تكبيرة الإحرام عمداً أو سهواً تبطل الصلاة.
ب- في غير تكبيرة الإحرام يكره ذلك وتصح الصلاة لأنه اجتمع معه في الركن.
خامساً: عدم التقدم على الإمام في الوقوف: -1ً- إن تقدم المأموم على إمامه في الوقوف لم تصح صلاته،، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الاما ليؤتم به) 1 . وإن وقف الواحد خلف الصف، أو خلف الإمام، أو عن يساره مع خلو يمينه، لم تصح صلاته، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بتُّ عند خالتي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه) 2 ، وروى وابصة بن معبد رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد) 3 ، وعن علي بن شيبان رضي الله عنه قال: صلينا وراء النبي صلى الله عليه وسلم فقضى الصلاة فرأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف.
فوقف عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اسقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف) 4 . فإذا صلى ركعة واحدة وهو خلف

الصف لم تصح صلاته، أو لو جاء آخر فوقف معه أو دخل في الصف قبل رفع الإمام من الركوع صحت صلاته، لأنه أدرك في الصف ما يدرك به الركعة، أما إن ركع فرداً لعذر بأن خشي فوات الركعة ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت صلاته، لأن أبا بكرة حدَّث (أنَّه دخل المسجد ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع.
قال: فركعت دون الصف، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تُعد) 5 . فلم يأمره بالإعادة لجهله ونهاه عن العود.

موقف المأموم في الصلاة: إذا كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام، فإن كبر عن يساره أداره الإمام عن يمينه، فإن جاء آخر كبَّر وتأخر وصفا خلفه، ولا يتقدم الإمام إلا إن كان الموضع ضيقاً، فإن كبر الثاني عن يساره أخرهما الإمام بيديه، وإن صليا عن يمينه أو أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله جاز، لما روي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: (استأذن علقمة والأسود على عبد الله وقد كنا أطلنا القعود على بابه، فخرجت الجارية فاستأذنت لهما، فأذن لهما، ثم قام فصلى بيني وبينه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل) 1 . فإن كانت معهم امرأة قامت خلفهم، لما روى أنس رضي الله عنه قال: (فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز منورائنا فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف) 2 ، وروى أبو مالك الأشعري رضي الله عنه: ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقام الصلاة، وصفَّ الرجال، وصفَّ خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثمَّ قال: هكذا صلاةُ قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال صلاة

أمتي) 3 . فإن لم يكن مع الرجل إلا امرأة وقفت خلفه، فإن كان معه صبي وقف عن يمينه لحديث ابن عباس المتقدم (فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه) . وإن كان معه رجل وصبي في فرض وقف بينهما، لحديث عبد الرحمن بن الأسود المتقدم، ويجعل الرجل عن يمينه، ويجوز أن يجعلهما عن يمينه، فإم كانا في نافلة وقفا خلفه، لحديث أنس رضي الله عنه المتقدم (وصففت أنا واليتيم وراءه) . أما من وقف معه كافر أو إمرأة أو خنثى مشكل أو من صلاته فاسدة فحكمه حكم الفذ، لأنهم من غير أهل الوقوف معه، وإن وقف فاسق أو أمي أو متنفل كانوا معه صفاً، لأنهم من أهل الوقوف معه، أما الصبي إذا وقف معه في النفل كان صفاً لحديث أنس رضي الله عنه المتقدم.
وإن وقفت المرأة في صف الرجال فلا تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها من الرجال ولا صلاة من خلفها منهم كما لو وقفت من غير صلاة، ولكن يكره وقوفها في صفهم.

  • وإن وقف اثنان خلف الصف فخرج أحدهما لعذر واجب على الآخر أن يدخل في الصف، أو يقف عن يمين الاما، أو ينبه من يخرج فيقف معه، فإن لم يمكنه ينوي مفارقة الإمام ويتم منفرداً، لأنه عذر أشبه ما لو سبق إمامه الحدث.
  • وإن دخل المسبوق فوجد فرجة قام فيها، فإن لم يمكنه قام عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه نبه رجل يتأخر معه فإن لم يفعل لم يُكره ويصلي وحده أو ينتظر جماعة أخرى.
    أما إمامة النساء فتقف وسطهن، لأن ذلك يروى عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فعن ريطة الحنفية قالت: (أمتنا عائشة فقامت بيننا في الصلاة المكتوبة) 4 ، وعن حجيرة قالت: (أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا) (5) . فإن كان معها إمرأة واحدة وقفت عن يمينها، وإن وقفت خلفها جاز،

لأن المرأة يجوز لها أن تقف وحدها بدليل حديث أنس رضي الله عنه: (والعجوز من ورائنا) . والسنة أن يقف الإمام حذاء وسط الصف، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وسِّطوا الإمام، وسُدُّوا الخلل) 5 ، وأن يتم المأمومون الصف الأول، لما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتمُّوا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر) 6 . وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها.
وخير صفوف النساء آخرها.
وشرها أولها) 7 وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: ويلي الإمام الشُيوخ وأهلِ القرآن، ويؤخر الغلمان والصبيان، لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى عن الذين يلونهم - ثلاثاً.) 8 . ومن السنة أن لا يكون الإمام أعلى من المأمومين، لحديث حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمَّ الرجل القوم قلا يقم في مكان أرفع من مقامهم) 9 ، ولا بأس بالعلو اليسير لأنه لا يحتاج فيه إلى رفع البصر المنهي عنه في الصلاة.
ولا بأس أن يكون المأموم أعلى من الإمام.
كما يصح أن يأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغيره إذا اتصلت الصفوف.

سادساً: عدم وجود حاجز يفصل بين الإمام والمؤتم: -1ً- إذا كان المأموم في المسجد: يجوز أن يأتم بالإمام مهما تباعد عنه،

لأنَّ المسجد كله موضع للجماعة، أما إن كان بينهما حائل يمنع المشاهدة وسماع التكبير فلا يصح الائتمام به لتعذر استماعه، أما إن كان الحائلِ يمنع المشاهدة دون السماع ففيه وجهان، أصحهما: أن الصلاة صحيحة، لأنَّ الإمام أحمد قال في المنبر: إذا قطع الصف لم يضر ولأنهم في موضع الجماعة ويمكنهم الإقتداء به لسماع التكبير، والثاني: أنه لا يصح الائتمام به، لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت لنساء كنَّ يصلين في حجرتها: (لا تصلين بصلاة الإمام فإنكنَّ دونه في حجاب) 1 والحجاب موجود هاهنا.. -2ً- إذا كان المأموم خارج المسجد: وبينه وبين الإمام حائل يمنعه رؤيته أو رؤية من وراءه من المصلين لم تصح صلاته، لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم، وعن الإمام أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبوابه مغلقة قال: أرجو ان لا يكون به بأس.
ويشترط إتصال الصفوف، وهو أن لا يكون بينهما نهر تجري فيه السفن ولا طريق عريض بحيث يمنع اتصال الصفوف.

سابعاً: الإسلام: أي يشترط لصحة الجماعة أن يكون الإمام مسلماً، ولا تصح إمامة الكافر لأنه لا صلاة له في نفسه.
وإن صلى رجل خلف آخر يدعي الإسلام، ثم تبين أنَّه كافر بطلت صلاته، وتجب عليه إعادتها.
ثامناً: أن لا يكون الإمام فاسقاً: فلا تصح إمامة الفاسق بالأفعال أو ببدعة لا تكفره ولو بمثله، لما روى جابر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تؤمن امرأة رجلاً ولا يؤمُّ أعرابي مهاجراً، ولا يؤمُّ فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه) 10 ، لأن الفاسق لا يُؤمَّن على شرائط صحة الصلاة.
وتجوز إمامته للضرورة في صلاتي الجمعة والعيد إذا تعذرت صلاتهما خلف غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهما خلف كل بر وفاجر، ولأنهما تختصان بإمام واحد، فالمنع منهما خلف الفاسق يؤدي إلى تفويتهما.

تاسعاً: العقل: ويشترط أن يكون الإمام عاقلاً، فلا تصح إمامة المجنون، لأنها لا تصح لنفسه، أما إذا كان يفيق أحياناً ويجنُّ أحياناً فإن إمامته تصح حال إفاقته وتبطل حال جنونه باتفاق.
عاشراً: البلوغ: فلا تصح إمامة الصبي البالغ، ولا تصح صلاة البالغ بالصبي وحده في الصلاة المفروضة، لأن ذلك روي عن ابن مسعود وابن عباس رضوان الله عليهم، ولأن الصبي ليس من أهل الكمال، فلا يؤمُّ الرجال.
أما إمامته لهم بالنفل فهناك روايتان، إحداهما: لا تصح، والثانية: تصح لما روي عن عمرو بن سلمة الجرمي رضي الله عنه قال: (كان يمر علينا الركبان فنتعلم منهم القرآن فأتى أبي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليؤمُّكم أكثركم قرآناً، فجاء أبي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليؤمُّكم أكثركم قرآناً، فنظروا فكنت أكثرهم قرآناً.
فكنت أئمم وأنا ابن ثمان سنين) 2 . وتصح إمامة الصبي بمثله في الفرض والنفل أيضاً.

حادي عشر: أن لا يكون الإمام أمياً والمؤتمون قارئين لأنه عجز عن ركن في الصلاة فأشبه العاجز عن السجود.
وتصح إمامة الأمي بمثله، وإن صلى الأمي بأميين وقائين صحت صلاة الأميين وفسدت صلاة القارئين.
والأمي هو من لا يحسن قراءة الفاتحة، أو يخل بترتيلها، أو حرف منها، أو يبدِّله بغيره كالألثغ الذي

يجعل الراء غيناً وكذا من يلحن لحناً يحيل المعنى مثل أن يضم تاء أنعمتَ، أو يكسر كاف إياك، أو يخلُّ بتشديدة من تشديدات الفاتحة.
ثاني عشر: أن لا يكون الإمام أدنى بالذكورة من المؤتمين، أي لا تصح إمامة المرأة للرجال، ولا للخنثى، ولا تصح إمامة الخنثى للرجال ولا للخنثى، ولكن تصح إمامة الخنثى والمرأة للنساء، وإمامة الرجل لجميعهم.
ثالث عشر: طهارة الإمام من الحدث والخبث: فلا تصح صلاة المأموم إن علم قبل الصلاة أو أثناءها بنجاسة الإمام أو حدثه، أما إن انتهت الصلاة ولم يعلم صحت صلاته وليس عليه إعادة، أما الإمام إن كان جاهلاً ذلك قبل الصلاة أو أثناءها ثم علم بعدها فعليه الإعادة، لأن عمر رضي الله عنه (صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا) 1 ، وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعلي وابن عمر رضي الله عنهم ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً.
أما إن علم الإمام والمأموم الحدث أو الخبث أثناء الصلاة لزمهما الاستئناف.

فصول الكتاب · 6 فصل · 503 صفحة
جارٍ التحميل