كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- سعاد زرزور
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الحنبلي
- المؤلف
- الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قصْرُ الصلاة
تعريفه: قصر الصلاة هو أن يصلي المكلف الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين.
حكمه: رخصة للمسافر سفراً طويلاً.
والرخصة يجوز تركها لكن القصر أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه داوموا عليه وعابوا من تركه.
أما الملاح الذي أهله في السفينة، وحاجة بيته معه، ولا بيت له غيرها، وليس له نية المقام في بلد، فلا يقصر لأنه غير ظاعن عن بلده ومنزله فأشبه المقيم في البلد.
دليله: من القرآن قوله تعالى: (وإذا ضربتم 1 في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) 2 .
ومن السنة: عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس.
فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) 3 . وروى يحيى بن أبي إسحق قال: سمعت أنساً يقول: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة ... ) 4 . وقد أجمعت الأمة على مشروعية القصر.
شروط جواز القصر:
-1ً- أن يكون السفر طويلاً أي مسافة أربعة برد 1 ، أي مسير يوم وليلة بسير الإِبل المحملة بالأثقال، سيراً معتاداً سواء كان السفر براً أم بحراً، والعبرة للمسافة لا لمسيرة السفر، فإن شك بمقدار المسافة لم يبح له القصر لأن الأصل للإِتمام فلا يزول بالشك.
-2ً- أن ينوي السفر الطويل في بدئه، فلو قصر ثم بدا له الإِقامة، أو رجع كانت صلاته صحيحة، أما من خرج طالباً لآبق أو هائماً على وجهه فلا يباح له القصر ولو سافر شهراً، لأن نية السفر الطويل لم توجد في البدء.
وكذا لا تعتبر نية التابع إلا إذا وافقت نية المتبوع، فلو خرج مكرهاً كالأسير يُقصَدُ به بلدٌ بعينه فله القصر لأنه تابع لمن يقصد مسافة القصر.
-3ً- أن يكون السفر مباحاً (ومن باب أولى أن يكون السفر واجباً كالحج والجهاد وقضاء الدين، أو مسنوناً كزيارة الرحم) للتجارة أو النزهة.
فلو كان السفر حراماً كأن سافر لسرقة مال، أو لقطع طريق، أو تجارة في الخمر أو نحو ذلك، فلا يقصر، وإذا قصر لم تنعقد صلاته ولا يترخص بشيء من رخص السفر، لأنه لا يجوز تعليق الرخص بالعاصي.
أما إن عصى في سفر مباح أو واجب أو مندوب فلا يمنع القصر.
-4ً- شروعه في السفر بخروجه من بيوت قريته أو بلدته، لأن الله تعالى قال: ﴿وإذا ضربتم فيالأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج.
ويجوز له القصر بين حيطان البساتين لأنها ليست من حيطان البلد ولا تبنى للسكنى.
وإن خرب بعض البلد فصار فضاء فهو كالصحراء وإن كانت حيطانه قائمة، أما إذا اتصل بالبيوت الخربة بيوت عامرة فلا يقصر إلا إذا فارقهما معاً، ولا يقصر إذا اتصل بالخراب بساتين يسكنها أصحاب للرياضة في الصيف مثلاً إلا إذا جاوز تلك البساتين.
أما إن كان من سكان الخيام أو القصور أو البساتين فلا يقصر حتى يفارق خيامه أو المكان تنسب إليه البساتين أو القصور عرفاً.
أما المسافر بحراً فيعتبر شروعه في السفر بركوبه الباخرة وشروعها في الحركة.
شروط صحة القصر:
-1ً- أن ينوي القصر مع نية الإِحرام، فإن شك في نية القصر لزمه الإِتمام لأنه الأصل.
فلو نوى الإِتمام في ابتداء الصلاة، أو أثنائها، أو ما يلزمه الإِتمام كالإِقامة، أو قلب نيته إلى سفر قصير أو معصية، لزمه إتمام الصلاة ولزم من خلفه متابعته.
-2ً- أن يعتقد جواز القصر، فلو قصر وهو معتقد التحريم (تحريم القصر) فصلاته فاسدة، لأنه فعل ما يعتقد تحريمه.
-3ً- أن لا تكون الصلاة وجبت في الحضر، فلو ترك صلاة حضر وقضاها في السفر لم يجز له قصرها.
ومن سافر بعد دخول وقت الصلاة ولم يصلِّها وصلاها في السفر ولم يجز له قصرها.
وإن نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر أتمها ولم يقصر فيها، أما إن ذكرها في سفر آخر فيقصرها.
-4ً- أن لا يأتم المسافر الذي يقصر الصلاة بمقيم ولا بمسافر يتم، فإن ائتم بمقيم لزمه الإِتمام سواء أئتم به في الصلاة كلها أو جزئها، لأن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن (المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم يعني المقيمين أتجزيه الركعتان أو يصلي بصلاتهم قال: فضحك وقال: يصلي بصلاتهم) 1 ولو أدرك المسافر من الجمعة أقل من ركعة لزمه إتمامها أربعة لائتمامه بمقيم.
ومن ائتم بمقيم ففسدت صلاته لم يجز له قصرها بعد ذلك، لأنها تعنيت عليه تامة لائتمامه بمقيم.
ومن أحرم مع من يظنه مقيماً أو يشك في إقامته لزمه الإِتمام ولو قصر إمامه اعتباراً بالنية، وإن غلب على ظنه أنه مسافر فله أن ينوي القصر ويتبع إمامه فيقصر بقصره ويتم بإتمامه.
وإن أمّ المسافر مقيماً لزم المقيم الإتمام، ويستحب للإِمام أن يقول لهم: أتموا فإنا قوم سفر، لما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: (غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: يا أهل البلد، صلَّوا أربعاً فإنا قوم سُفر) 2 . وإن أتم الإِمام (المسافر) صحت الصلاة، أما إن نسي المسافر فقام إلى ثالثة فله أن يجلس ولا يلزمه الإِتمام لأن الموجب للاتمام نيته.
ما يمنع القصر:
-1- نية الإقامة في بلد المقصد أكثر من إحدى وعشرين صلاة، ولو في مكان غير صالح للإِقامة، ولو لحاجة علم أنها لا تنقضي إلا في مدة أكثر من إحدى وعشرين صلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة فصلى بهم إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها، وذلك أنه قدم لصبح رابعة (الرابع من ذي الحجة) فأقام إلى يوم التروية فصلى الصبح ثم خرج.
فمن أقام مثل إقامته قصر، ومن زاد أتم، ذكره الإِمام أحمد رضي الله عنه.
ومن قصد رِستافاً 1 يتنقل فيه لا ينوي الإِقامة في موضع واحد فله القصر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقصر حتى قدمنا مكة فأقام بها عشرة أيام يقصر حتى رجع وذلك في حجة الوداع) 2 وهذا يعني أنه حسب خروجه إلى منى وعرفة وبعده من العشرة.
ومن كان في مكة مقيماً فخرج إلى عرفة عازماً على أنه إذا رجع إلى مكة لا يقيم فيها فله القصر من حين خروجه.
-2- مرورو المسافر على بلد فيها زوجة له أو ماشية، لأن ذلك يروى عن عثمان وابن عباس رضي الله عنهما.
-3- مرورو المسافر بوطنه ولو لم يرد الإِقامة فيه.
-4- رجوع المسافر من الطريق إلى بلده، لحاجة بدت، أو لعدوله عن السفر، إن لم يقطع مسافة القصر بعد، ولا يعيد الصلاة التي صلاها قصراً.
أما إن كان قطع مسافة القصر فيقصر في عودته إلى أن يعود إلى بلده.
-5- عودة المسافر إلى المكان الذي يباح له القصر عنده حين ابتدأ سفره سواء كان ذلك المكان وطناً له أو لا.
الفصل الثاني
جمع الصلاة
تعريف: الجمع هو أن يجمع المصلي بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الظهر أو يجمع بينهما تأخيراً في وقت العصر، وبين المغرب والعشاء تقديماً في وقت المغرب أو تأخيراً في وقت العشاء.
حكمه:
-1ً- مباح في الأسباب الواردة فيما بعد.
وتركه أفضل.
-2ً- سنة بين الظهر والعصر تقديماً بعرفة، وبين تامغرب والعشاء وتأخيراً بمزدلفة.
أسباب جواز الجمع:
-1ً- السفر: روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: كان (إذا عجل عليه السفر، يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر.
فيجمع بينهما.
ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق) 1 . وشروط جواز الجمع في السفر هي نفس شروط جواز القصر، أي كل من جاز له القصر في حله وترحاله جازله الجمع.
-2ً-المطر الذي يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه ومثله الثلج 2 ، عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى) 3 ، ويجوز الجمع في المطر حتى ولو كان المصلي منفرداً أو مقيماً في المسجد أو كان في المسجد أو كان في طريقه ظلال، لأن العذر عام لا يعتبر حقيقة المشقة كالسفر، وقد روي أن النبي.
صلى الله عليه وسلم جمع في المطر وليس بين حجرته والمسجد شيء.
-3ً- المرض: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر) 4 ، وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز بغير عذر فلم يبق إلا المرض، فهذا دليل جواز الجمع في المرض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين لأجل الاستحاضة وهي نوع من المرض.
شروط صحة الجمع:
-1- الترتيب، أي البداءة بالأولى.
-2- صحة الأولى، فإن ذكر أنه نسي من الأولى ركناً أعادهما أداءً إن اتسع الوقت وإلا فقضاء مرتباً، وإن بان أنه نسي ركناً من الثانية أعادها فقط.
ويشترط لجمع التقديم شروط أخرى هي:
-1ً- أن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى.
-2ً- أن لا يفصل بينهما إلا فصلاً يسيراً بحسب العرف، كوضوء خفيف وإقامة.
ولا يضر الكلام اليسير.
أما إن فصل بينهما بسنة راتبه فلا يصح.
-3ً- وجود العذر المبيح للجمع (مطر وما شابهه، أو مرض وما شابهه) عند افتتاح الأولى وانتهائها وابتداء الثانية، أي إذا انقطع العذر أثناء الأولى ثم عاد،
أو انقطع العذر قبل انتهاء الثانية، فالجمع صحيح.
أما الذي يجمع بالسفر بالسفر فيشترط أن يدوم سفره من إحرام الأولى إلى انتهاء الثانية، فلو نوى الإقامة، أو وصل إلى بلد المقصد، أو وصل إلى وطنه قبل الانتهاء من الثانية.
انقطع السفر وبطلت الصلاة، وقيل: يكفي استمرار السفر إلى الإِحرام بالثانية قياساً على الجمع بالأعذار.
-4ً- إن كان السبب هو المطر أو الثلج أو البرد فلا يصح الجمع إلا بين المغرب والعشاء (العشاءين) ، لأن المشقة في المطر إنما تعظم في الليل لظلمته فلا يقاس عليه غيره.
ويشترط لجمع التأخير شروط أخرى هي:
-1ً- أن ينوي الجمع في وقت الصلاة الأولى إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها، فإن نوى بعد ذلك حرم تأخير النية، وإن خرج وقت الأولى ولم ينوِ لم يصح الجمع وعليه القضاء.
-2ً- أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية.
ولا يشترط استمرار العذر في وقت الثانية، لأنهما صارتا واجبتين في ذمته فلا بد من فعلهما، ولا مانع من التطوع بينهما بخلاف جمع التقديم.
أفضلية التقدم أو التأخير:
المصلي مخير بينهما، أيهما الأسهل عليه فعله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله طلباً للأسهل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما.
فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل، صلى الظهر ثم ركب) 1 .
وكذلك يفع المريض.
وإن كان الجمع عند المصلي واحداً فالأفضل التأخير، إلا الجمع في المطر فلا تحصل الفائدة إلا بتقديم العشاء إلى المغرب وهو الأولى.
الباب التاسع (صلاة الخوف)
حكمها: رخصة في كل قتال مباح، كقتال الكفار والبغاة والمحاربين وقطاع الطرق.
أسبابها: الخوف.
أقسام الخوف:
-1- خوف شديد.
-2- وخوف غير شديد.
-1- الصلاة في الخوف الشديد: مثل التحام الحرب والقتال، ومصير المسلمين إلى المطاردة.
فلهم في هذه الحالة أن يصلوا كيفما أمكنهم رجالاً أو ركباناً، يومؤون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويتقدمون ويتأخرون ويضربون ويطعنون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وصلاتهم صحيحة.
ومن هرب هرباً مباحاً من عدو أو سيل أو سبع أو نار لا يمكنه التخلص إلا بالهرب، أو كان أسيراً يخاف الكفار إن صلى، أوكان مختفياً في موضع يخاف أن يظهر عليه، صلى كيفما أمكنه، قائماً أو قاعداً أو مستلقياً، إلى القبلة أو غيرها، بالإيماء، في السفر والحضر.
فإن أمن في صلاته أتمها صلاة أمن، وإن ابتدأها آمناً فعرض له الخوف أتمها صلاة خائف، لأنه يبني على صلاة صحيحة، فجاز كبناء صلاة المرض على صلاة الصحة.
وإن رأى سواداً فظنه عدواً فصلى صلاة الخوف، ثم بان له أنه غير عدو، أو أن بينه وبين العدو ما يمنع العبور، أعاد الصلاة لأنه لم يوجد المبيح، فأشبه من ظن أنه متطهر فصلى ثم علم بحدثه.
وتجوز الصلاة جماعة في شدة الخوف رجالاً وركباناً، ويعفى عن تقدمهم الإِمام لأجل الحاجة كما عفي عن العمل الكثير وترك الاستقبال.
-2- الصلاة في الخوف غير الشديد: قال الإِمام أحمد رضي الله عنه: الأحاديث التي جاءت في صلاة الخوف كلها أحاديث جياد صحاح، وهي تختلف
فأقول: إن ذلك كله جائز لمن فعله.
أي تجوز الصلاة في الخوف غير الشديد على أية صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الأول: روى صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - سهل بن أبي خيثمة - يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف (أن طائفة صفت معه، وطائفة وُجَاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وُجَاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم) 1 ويشترط في هذا الوجه أن يكون في المسلمين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر.
ويقرأ الإِمام في حال الانتظار، ويطيل حتى يدركوه، لأن الصلاة ليست محلاً للسكوت وتكون الطائفة الأولى في حكم الائتمام قبل مفارقته إن سها لحقهم حكم سهوه، وإن سهوا سجدوا لأنفسهم لأنهم منفردون، أما الطائفة الثانية فيلحقها سهو إمامها في جميع الصلاة ما أدركوه معه وما لم يدركوه كالمسبوق، ولا يلحقهم حكم سهوهم في شيء من صلاتهم، لأنهم إن فارقوه فعلاً فهم مؤتمون به حكماً لأنهم يسلمون بسلامه، فإذا قضوا ما عليهم فسجد إمامهم سجدوا معه، فإن سجد قبل إتمامهم سجدوا معه، لأنه إمامهم فلزمهم متابعته، ولا يعيدون السجود بعد فراغهم من التشهد، لأنهم لم ينفردوا عن الإِمام فلا يلزمهم من السجود أكثر مما يلزمه بخلاف المسبوق.
وهذا الوجه هو الذي اختاره الإِمام أحمد من حديث سهل بن أبي خيثمة رضي الله عنه.
الوجه الثاني: أن يقسم الإِمام المصلين طائفتين، يصلي بكل طائفة صلاة كاملة، لما روى أبو بكرة رضي الله عنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم في خوف الظهر، بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً، ولأصحابه ركعتين ركعتين) 2 .
الوجه الثالث: أن يصلي الإِمام بالمصلين كالصلاة التي قبلها، إلا أنه لا يسلم إلا في آخر الأربع، لما روى جابر رضي الله عنه قال: (أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: ... فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا.
وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين.
قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان) 3 .
الوجه الرابع: روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة.
قال وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلِّ راكباً، أو قائماً.
تومئ إيماءً) 4 .
فهذا الوجه جوز أحمد رضي الله عنه الصلاة به، واختار حديث سهل رضي الله عنه لأنه أشبه بظاهر الكتاب وأحوط للصلاة وأنكى للعدو، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم..﴾ 5 . ظاهره أن جميع صلاتها معه، وأن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، ولا يتحقق هذا في هذا الوجه.
وأما الاحتياط للحرب، فإن كان طائفة تنصرف بعد الفراغ من صلاتها وتتمكن من الضرب والكلام والتحريض، وفي هذا الوجه تنصرف كل طائفة وهي في حكم الصلاة فلا تتمكن من ذلك، لأن الأمر لا يخلوا من أن تمشي أو تركب وذلك عمل كثير يفسدها.
الوجه الخامس: إذا كان العدو في جهة القبلة بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كميناً، فيصلي الإِمام بالمسلمين على الوجه الذي رواه جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصفنا صفين: صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبَّر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً) 6 .
فهذه الأوجه الخمسة جائزة لمن فعلها.
فإن صلى الإِمام المغرب على حديث سهل رضي الله عنه، صلى بالطائفة الأولى ركعتين وتتم لأنفسها ركعة تقرأ فيها بـ (الحمد لله) ، وصلى بالطائفة الثانية ركعة وتتم لأنفسها ركعتين تقرأ فيها بـ (الحمد لله) وسورة، وتفارقه الأولى حين يقوم إلى الثالثة في أحد الوجهين، لأن الانتظار في القيام أَولى لكثرة ثواب القائم واستحباب تقصير التشهد، وفي الوجه الآخر تفارقه حين يفرغ من تشهده الأول، فتقوم ويثبت هو جالساً لتدرك الثانية جميع الركعة الثالثة، ويطيل التشهد حتى تجيء الطائفة الثانية فينهض، ثم تكبر الطائفة وتدخل معه، فإذا جلس للتشهد الأخير نهضت لقضاء ما فاتها ولم تتشهد معه لأنه ليس بموضع تشهدها، ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا: إنها تقضي ركعتين متواليتين لئلا يفضي إلى وقوع جميع الصلاة بتشهد واحد.
صلاة الخوف للمقيمين:
تجوز صلاة الخوف للمقيمين لعموم قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ ، ولأنها حالة خوف فأشبهت حالة السفر.
فيقسم الإِمام المصلين
طائفتين، ويصلي بكل طائفة ركعتين، وتتم الطائفة الأخرى صلاتها تقرأ فيها بـ (الحمد لله) في كل ركعة والطائفة الأخرى تقرأ في إتمام صلاتها بـ (الحمد لله) وسورة.
وفي موضع مفارقة الطائفة الأولى وجهان على ما ذكرنا في المغرب.
وإن صلى الإِمام بطائفة ثلاث ركعات وبالأخرى ركعة جاز، أو صلى المغرب بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين جاز كذلك، لأنه بالحالتين لم يزد على انتظارين ورد الشرع بهما.
وإن فرقهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق في المغرب صحت صلاة الأولى والثانية لأنهما فارقتاه لعذر، وبطلت صلاة الإِمام لزيادته انتظاراً لم يرد الشرع بمثله وصلاة الثالثة والرابعة لاقتدائهما بمن صلاته باطلة.
وقال ابن حامد: إن لم يعلما ببطلان صلاته صحت صلاتهما للعذر فأشبه من يصلي وراء محدث يجهل هو والإمام حدثه.
أما صلاة الخوف من غير الخوف فلا تصح، لأنها لا تنفك من مفارقة الإِمام، أو ترك متابعته، أو القصر مع إتمامه، أو القيام للقضاء قبل سلامه، وكل ذلك مبطل إلا مع العذر، إلا أن يصلي بكل طائفة صلاة تامة على حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
حمل السلاح في صلاة الخوف:
لايجب حمل السلاح في صلاة الخوف لأنه لو وجب لكان شرطاً كالسترة، ويستحب أن يحمل ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين، ويكره حمل ما يثقله كالجوشن 1 وما يمنع إكمال السجود كالمغفر وما يؤذي به غيره كالرمح متوسطاً، فإن كان في حاشيته لم يكره، ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل بركن الصلاة، إلا أن يخاف وقوع السهام والحجارة ونحوها فيجوز للضرورة.
ويحتمل وجوب حمل السلاح للأمر به في قوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿لاجناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾ (3) فيدل على الجناح عند عدم ذلك.
الباب العاشر (الجنائز)
معناها: الجنائز بفتح الجيم جمع جنازة، وهي بالفتح والكسر اسم للميت بالنعش.
ذكر الموت وعيادة المريض وخدمته:
ذكر الموت: لئن كان الموت أعظم المصائب، فإن الغفلة عنه أعظم، من أجل هذا سنت كثرة ذكره، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) 1 ، يعني الموت، كما يسن الاستعداد له بالتوبة، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بلَّ الثرى ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) 2 ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) 3 .
ويكره تمني الموت إلا لخوف الفتنة في الدين، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما: (وإذا أردت بعبادتك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) 4 ، أو لتمني الشهادة في سبيل الله لا سيما عند حضور أسبابها، لما روى سهل بن حنيف
عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) 5 . ويستحب طلب الموت في بلد شريف، لما روى البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه قال: (اللهم أرزقني الشهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم) 6 .
عيادة المريض:
حكمها:
-1ً- سنة لمسلم غير فاسق ولو كان من رمد أو وجع ضرس أو دمل، لما روى البراء رضي الله عنه قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ... ) 1 ، وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني) 2 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) 3 .
-2ً- مكروه: تكره عيادة المريض الذي يجهر بالمعصية والمبتدع.
-3ً- محرم: تحرم عيادة الذمي، إلا إن كان جاراً للمسلم فتسن عيادته ولو كان كافراً على أحد القولين
آداب زيارة المريض:
-1ً- تخفيف الزيارة.
-2ً- السؤال عن حاله.
-3ً- الدعاء له بالعافية إن طمع في حياته.
ومن الأدعية المأثورة ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ بعضهم: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاء لا يغادر سقماً) 7 .
-4ً- طلب الدعاء منه، لحديث عمر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة) 8 .
-5ً- يستحب وعظ المريض بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله عليه من التوبة وغيرها من ضروب الخير، وينبغي له هو المحافظة على ذلك، قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) 9 .
-6ً- أن يحثه على التوبة، إن رأى غير مرجوة، ويرغبه في الوصية ويذكر له ما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) 10 .
-7ً- ما يستحب ألا يكره المريض على الدواء وغيره من الطعام.
ما يسن للمريض: -1ً- التداوي، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) 1 .
-2ً- أن يحسن ظنه بالله تعالى بالمغفرة، وبقرب التوبة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) 2 .
-3ً- أن يحرص على تحسين خلقه.
-4ً- أن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير.
-5ً- أن يستحل زوجته وأولاده وسائر أهله وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وكل من كانت بينه وبينهم معاملة أو مصالحة أو تعلق ويرضيهم.
-6ً- أن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت.
-7ً- أن يحافظ على الصلوات وغيرها من وظائف الدين.
-8ً- أن يوصي أهله بالصبر عليه، وبترك النوح عليه وكثرة البكاء وما جرت العادة عليه من البدع في الجنائز، وبتعاهده بالدعاء له، لحديث عبد الله رضي الله عنه (أن حفصة بكت على عمر رضي الله عنه فقال: مهلاً يا بُنية، ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟) 3 .
ويكره للمريض الشكوى وتمني الموت.
ما يسن عند الاحتضار:
-1ً- يستحب أن يلي المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأتقاهم لربه.
-2ً- أن يتعاهد بلّ حلقه، إذا رآه منزولاً به، فيقطر فيه ماءً أو شراباً، ويُنْدي شفتيه بقطنة.
-3ً- أن يلقنه قوله: "لا إله إلا الله" مرة، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) 1 ، ويكون
ذلك بلطف فلا يقل له وإنما يذكرُ إمامه "لا إله إلا الله" فإذا قالها لم يعدها، إلا أن يتكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون آخر كلامه من الدنيا، لما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) 2 .
-4ً- يستحب كثرة الدعاء له وللحاضرين.
-5ً- يندب إباعد كل شيء تكرهه الملائكة كالجنب والصور.
-6ً- أن يوضع عنده طيب.
-7ً- أن يقرأ عليه سورة (الفاتحة) وسورة (يس) ، لأن قراءتهما تسهل خروج الروح، لما روى معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرؤا يس على موتاكم) 3 . وأنيُوجَّه إلى القبلة على جنبه الأيمن، وإلا فعلى ظهره وأخمص قدميه إلى القبلة ويُرفع رأسه قليلاً ليصير وجهه مقابلاً لها، لأن حذيفة رضي الله عنه قال: "وجهوني"، ولأن خير المجالس ما استقبل به القبلة.
ما يسن بعد الوفاة:
-1ً- إغماض العينين لئلا يقبح منظر الميت، ويقول الذي يغمضه: "بسم الله وعلى ملة رسول الله"، لما روت أم سلمة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر..) 1 .
-2ً- شدُّ لحيي الميت بعصابة عريضة لئلا ينفتح فمه فيقبح منظره ويدخل فيه ماء الغسل.
-3ً- تليين مفاصله بالتحريك لأنه أسهل للغسل.
-4ً- خلع ثيابه وستره بثوب خفيف، لما روت عائشة أم المؤمنين قالت: (سجّي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات بثوب حبرة) 2 ، ويجعل على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره.
-5ً- أن يوضع على بطنه شيء ثقيل حتى لا ينتفخ، روى البيهقي قال: (مات مولى لأنس بن مالك عند مغيب الشمس، فقال أنس رضي الله عنه: ضعوا على بطنه حديدة) 3 .
-6ً- أن يستقبل به القبلة ويُدعى له إن لم يكن استقبل به عند النزاع.
-7ً- أن يسارع في قضاء دينه، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) 4 . فإن تعذر تعجيله استحب أن يتكفل به عنه، لما روى سلمة بن الأكوع رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بجنازة ليصلي عليها فقال: هل عليه من دين.
قالوا لا.
فصلى عليه، ثم أتى بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين.
قالوا: نعم.
قال: صلوا على صاحبكم.
قال أبو قتادة: عليَّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه) 5 .
-8ً- يستحب إعلام أهله وأصدقائه بموته للصلاة عليه، ولا يكون ذلك من النعي المكروه.
-9ً- أن يسارع في تجهيزه، لما روي علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً) 6 . فإن مات فجأة وجب تركه حتى يتيقن موته
بظهور أمارات الموت عليه من ميل أنفه، وانخفاض صدغ، واسترخاء قدم.
-10- أن يسارع إلى إنفاذ وصيته ليتعجل ثوابها بجريانها على الموصى له.
-11- ويستحب لأقربائه وجيرانه أن يصنعوا طعاماً لأهله، لما روى عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لأهل جعفر طعاماً، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) 7 . أما صنع أهل الميت الطعام للناس فمكروه، وإذا كان في الورثة قاصر عن درجة البلوغ حرم إعداد الطعام وتقديمه.
حق الميت على المكلفين:
يجب على الناس وجوباً كفائياً، تجهيز موتاهم، بحسب أقسام الموتى الأربعة الآتية:
-1ً- مسلم غير شهيد: يجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، ولو كان سقطاً أربعة أشهر فأكثر، لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) 1 ، ولأنه ميت مسلم فأشبه المستهل، ودليل أنه ميت ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ... ) 2 ، ومن كانت فيه روح ثم خرجت فهو ميت.
ويستحب
تسمية السقط، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سموا أسقاطكم فإنها من أفراطكم) 3 ، فإن لم يعلم ذكر أم أنثى سمي اسماً يَصلحُ لهما كسعادة وسلامة.
-2ً- السقط دون أربعة أشهر: لا يغسل ولا يصلى عليه.
-3ً- مسلم شهيد:
هو من مات في المعركة مع الكفار والمشركين لإعلاء كلمة الله وسواء قتله كافر أو مسلم خطأ [^fn792] .
حكمه على المسلمين:
-1ً- يحرم غسله لإبقاء أثر الشهادة، وهو الدم، روى جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ادفنوهم في دمائهم، يعني يوم أحد، ولم يغسلهم) [^fn793] إلا إن خالطه نجاسة فيغسل.
وكذا إن قتل وهو يغسل ويصلى عليه، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت الملائكة تغسلهما) [^fn794] ، وكذا إن قتلت المرأة وهيي حائض.
-2ً- يجب تكفينه بثيابه التي استشهد فيها بعد نزع آلة الحرب كالدرع والخف والفرو، ودفنه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) [^fn795] .
-3ً- تحرم الصلاة عليه ولا تصح، أما خبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وصلى على قتلى أحد صلاته على الميت ففي تفسيره قولان: أحدهما: أنه من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: أن المراد بصلاته صلى الله عليه وسلم أنه دعا لهم كدعائه للميت، وقد تقدم أن الصلاة في اللغة دعاء.
يعضد هذا التفسير ما ورد عن جابر رضي الله عنه في قتلى أحد: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بدفنهم في دمائهم ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلوا) [^fn796] .
ويلحق بالشهيد المقتول ظلماً كقتيل اللصوص والمقتول دون ماله، فلا يغسل على إحدى الروايتين لأنه أشبه بشهيد المعركة.
-4ً- الكافر والذمي والمرتد والحربي والمستأمن: سواء كان قريباً أو أجنبياً لا يجب إلا دفنه إن لم يكن من يواريه، لما روي عن علي رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات قال: (اذهب فوارِ أباك، ثم لا تُحدِثَنَّ شيئاً حتى تأتني) [^fn797] . ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، لأن في تكفينه تولٍ وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم) [^fn798] ، وأما الصلاة عليه فهي شفاعة للميت والكافر ليس من أهلها.
ولا يتبع جنازته لأن في ذلك تعظيماً له.