فقه العبادات على المذهب الحنبليصفحات 32-61
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 32-61
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعاد زرزور
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الحنبلي
المؤلف
الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الباب الأول (تعريف الطهارة)

الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار سواء كانت حسية أو معنوية.
شرعاً: رفع الحدث (أي زوال الوصف الحاصل بالبدن والمانع من الصلاة والطواف ومس المصحف) أو زوال الخبث (أي إزالة النجاسة الطارئة على محل طاهر إما بفعل الفاعل كالغسل أو زال بنفسه كانقلاب الخمر خلاً) أو رفع حكم الحدث أو حكم الخبث (كالتيمم عن حدث أو خبث) وهو المنع من الصلاة.
دليلها: قوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ 1 . أقسام الطهارة: الطهارة قسمان: آ - الطهارة من الحدث.
ب - طهارة من الخبث.
أما الحدث فهو عبارة عن صفة حكمية قائمة بجميع البدن أو ببعض أعضائه.
والطهارة منه معناها رفع هذا الوصف.
والخبث: هو العين المستقذرة شرعاً.
والطهارة منه معناها النظافة من النجاسة التي أصابت الأعيان الطاهرة.

المياه أقسامها: أولاً: الماء الطهور (الطاهر المطهِّر) تعريفه: هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره وإذا تنجس لا يطهره غيره من المائعات.
وهو كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض سواء كان عذباً أو مالحاً أو بارداً أو ساخناً، ولم تتغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح بشيء من الأشياء بحيث يقيد به بل باقٍ على خلقته التي خلق عليها، ولم يكن مستعملاً بفرض الطهارة.
دليله: قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) 1 وحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد) 2 . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى عليه وسلم (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) 3 . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قيل لرسول الله صلى عليه وسلم أنتوضأ من بئر بضاعة؟ - وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) 4 .

أنواعه وحكم استعماله: آ- مباح الاستعمال كماء البحر والآبار والأنهار والعيون وهو: -1ً- يرفع الأصغر والأكبر.
إلا الطهور القليل الباقي بعد خلوة الأنثى المكلفة (بالغة عاقلة) به ولو كانت كافرة دون أن يراها مميز (سواء كان ذكراً أم أنثى حراً أم عبداً) لطهارة كاملة (أي لم يرها حتى انتهت من طهارتها كاملة) فإنه لا يرفع حدث الذكر البالغ ولا الخنثى والعلة بذلك تعبدية.
إلا أنه يزيل خبث الرجب والخنثى ويرفع حدث أنثى أخرى.
(أما التراب الذي تختلي به الأنثى المكلفة لا يضر) . -2ً- تزال النجاسة به.
-3ً- يجوز استعماله في العادات للنظافة من الأوساخ وللشرب وللطبخ ولسقي الزرع ... إلخ.
ب- مكروه الاستعمال: في الحدث والخبث والعادات إذا وجُد غيره وإلا فلا كراهة في استعماله وهو: -1ً- ماء بئر في مقبرة.
-2ً- ماء بئر في أرض مغصوبة، أو ماء بئر حفر غصباً كأن أرغم الناس على حفر البئر مجاناً، أو حفرت البئر بأجرة مغصوبة.
-3ً- الماء الشديد السخونة أو الشديد البرودة شدة لا تضر بالبدن.
-4ً- الماء الذي سخن بمغصوب.
-5ً- الماء المستعمل في طهارة مسنونة كتجديد وضوء، أو الغسلة الثانية أو الثالثة، أو غسل الجمعة لأنه لم يرفع حدث ولم يزل خبث.
وعن الإمام أحمد: أنه غير مطهر لأنه استعمل في طهارة شرعية.

-6ً- الماء الذي يغلب على الظن تنجسه كالماء المستعمل في غسل كافر لأنه لم يرفع حدث ولم يزل خبث، وكذا الماء المستعمل في غسل ذمية من حيض أو نفاس لحل وطئها.
-7ً- الماء الذي تغير طعمه بملح مائي (أما ما تغير طعمه بملح معدني فتُسلب طهوريته) . -8ً- ماء زمزم إن استعمل في إزالة خبت تشريفاً له.
-9ً- الماء المسخن بنجاسة ولو بُرد.
-10ً- الماء المتغير بمجاورة مالا يختلط به كالدهن والكافور والعود.
حـ- محرم الاستعمال: وهو: -1ً- الماء الطهور المسروق أو المنهوب (أخذ أمام صاحبه غصباً) : فإنه لا يرفع حدثاً إذا كان المتطهر ذاكراً إلا أنه يزيل خبثاً.
أما إذا وضع ماء في آنية مغصوبة أو مسروقة فإن الطهارة تصح به إلا أن استعمال الآنية محرم.
-2ً- الماء المسبل للشرب فقط: يحرم استعماله إلا أن الطهارة به تصح.
-3ً- الماء الذي يُحتاج له لدفع عطش حيوان لا يجوز إتلافه شرعاً: يحرم استعماله إلا أن الطهارة به صحيحة.
أشياء لا تسلب الماء الطهور طهوريته ولا تجعله مكروه الاستعمال وهي: -1ً- الماء المتغير بسبب ما في مقره أو ممره من أملاح ومعادن وأشياء أخرى كماء البحر والآبار والعيون والأنهار.
-2ً- الماء المتغير بسبب التحلب وورق الشجر ما لم يوضعا عمداً من قبل بالغ عاقل فعندها تسلب طهوريته.
-3ً- الماء المسخن بالشمس على أي حال ولو في غناء منطبع في قطر حار.

-4ً- الماء المتغير بطول مكث أو بالريح من نحو ميتة مجاورة.
-5ً- الماء المتغير بسمك وجراد أو حيوان لا دم سائل له إن لم يكن من كنف ونحوها لمشقة الاحتراز منه سواء مات الحيوان أو بقي حياً.
-6ً- إذا خالط الماء ما يوافقه في الطهورية كالتراب وما كالملح المائي المنعقد بالماء.
ثانياً: الماء الطاهر غير المطهر تعريفه: هو الماء المستعمل غير المتنجس.
حكمه: لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً إلا أنه يستعمل في العادات (طبخ، شرب، تنظيف) . أنواعه: -1ً- الطهور الذي خالطه شيء من الطاهرات التي لا يعسر الاحتراز منها، وغيرت أحد أوصافه الثلاثة اللون أو الطعم أو الريح تغيراً فاحشاً بحيث خرج عن اسم الماء وقيد بالطهر المخالط له، أو غيرت صفتين أو ثلاث صفات تغيراً يسيرراً، أما إذا غيرت صفة واحدة تغيراً يسيراً فلا يضر لما روي عن عطاء بن يسار قال: (حدثتني أم هانئ أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو يغتسل قد سَتَرتْهُ بثوب دونه في قصعة فيها أثر العجين قالت: فصلى الضحى فما أدري كم صلى حين قضى غُسْله) 1 . وإذا زال التغير من نفسه عاد الماء إلى طهوريته.
وإن كان مع المكلف ماء يكفيه لطهارته أو لا فزاده مائعاً لم يغيره صحت طهارته به.
-2ً- الماء القليل (دون القلتين) المستعمل في رفع الحدث فهو طاهر غير مطهر.
أما أنه طاهر فلحديث جابر رضي الله عنه قال: (مرضت مرضاً، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجداني أُغمي علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه عليَّ فأفقت..) 2 . ولأنه ماء طاهر لم تصبه نجاسة، وأما أنه غير مطهر فلأنه أزال مانعاً من الصلاة.
-3ً- الماء القليل المستعمل في إزالة الخبث إن انفصل غير متغيرٍ بعد إزالة النجاسة.
ومن قال بوجوب العدد في الغسلات (قيل سبعاً وقيل ثلاثاً) فالماء المنفصل عن الثوب المتنجس قبل الغسلة الأخيرة نجس، أما المنفصل في الثوب طاهر أيضاً.
وإن انفصل الماء عن الأرض المتنجسة غير متغير بعد زوال النجاسة فهو طاهر 3 -4ً- الماء الطهور القليل الذي انغمست فيه كل يد المسلم، المكلف، النائم ليلاً نوماً ينقص الوضوء قبل غسلها ثلاثاً، غسل اليدين بعد النوم ثلاثاً واجب للمسلم بشرط النية، والبسملة في المرة الأولى ولو باتت اليدان مكتوفين أو في جراب، وقد أسقط ماء غسل اليدين هذا الواجب فهو طاهر غير مطهر فإذا لم تغمس اليد كلها بل رؤوس الأصابع لا يضر إلا إذا كان ينوي بالغمس غسلها، وأما حصول ذلك مع نوم النهار والنوم مكناً مقعدته من الأرض فلا يضر، وكذا غمس الكافر يده بالماء القليل لا يضر لأنه لا يخاطب بفروع الشريعة، ولا يترتب عليه ما هو واجب للمسلم.
مسألة: إذا تغمس المحدث في ماء يسير ناوياً رفع حدثه صار الماء مستعملاً ولم يرفع حدثه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" 4 وفي رواية أخرى عن: "لا يغتسل أحدكم في

الماء الدائم وهو جنب" 5 . والنهي يقتضي فساد المنهي عنه لأنه بأول جزء انفصل منه صار مستعملاً فلم يرفع حدث سائر الجسد.

ثالثاً: الماء المتنجس: تعريفه: هو الماء الذي خالطته نجاسة وكان قليلاً.
حكمه: لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً ويحرم استعماله في العادات إلا للضرورة كدفع لقمة غص بها ولا يوجد غيره.
ويمكن استعمال الماء النجس في بل التراب أو الجبس أو نحوه وجعله عجيناً بشرط أن لا يبني به مسجداً أو مصطبة يصلى عليها وكذلك لا يحل بالانتفاع بأي مائع نجس كالخمر والدم.
كيف ينجس الماء؟ -1ً- الماء القليل: يتنجس إذا وقعت فيه نجاسة ولو لم تتغير صفة من صفاته ولو كانت النجاسة مما لا يدركه الطرف أو كانت جامدة لا تسري فيه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب إن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" 1 فدل على نجاسته من غير تغير صفة من صفاته.
ولما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث 2 يدل على ما كان دون القلتين ينجس.
-2ً- الماء الكثير: وهو ما كان قلتين 3 فأكثر، والقلة عبارة عن قربة من قرب الحجاز الكبيرة تسع مائة رطل، وقدرت القلتان تقريباً بسعة عشر تنكات.

فإذا كان الماء عشر تنكات فأكثر لا ينجس إذا سقطت فيه نجاسة ما لم تُغير أحد أوصافه الثلاثة ولو تغيراً يسيراً بدليل الحديث المتقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) 4 وما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من بئر بضاعة؟ - وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء) 5 . قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة بردائي فوجدتها ستة أذرع.
وجميع النجاسات سواء إلا بول الآدمي وعذرته المائعة فإن أكثر الروايات عن الإمام أحمد أنها تنجس الماء الكثير لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" 6 إلا إن بلغ حداً لا يمكن نزحه بحديث القلتين فيصبح البول كسائر النجاسات.
وإذا وقعت نجاسة في ماء كثير فغيرت بعضه، فالمتغير نجس، أما الذي لم يتغير فهو طاهر إن بلغ قلتين لأنه ماء كثير، فإن كان دون القلتين فهو نجس لأنه ماء قليل لاقى ماء نجساً.
وإذا كان بين غديرين ساقية فيها ماء يتصل بهما فهما ماء واحد.
-3ً- الماء الجاري: إذا تغير بعض جريانه بالنجاسة، فالجرية نجسة، وما قبلها وما بعدها طاهر.
أما إن لم يتغير منه شيء فلا ينجس، لأنه ماء كثير يتصل بعضه ببعض.
وقال بعض المتأخرين: حكم الجرية كحكم مائها، وإن كان قليلاً ينجس بوقوع النجاسة فيه ولو كانت جامدة ولم تغيره، أما إن كان كثيراً فلا ينجس بمروره على النجاسة إذا لم يتغير

. -4ً- ماء البئر: إن كان قليلاً ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، أو سقوط حيوان له دم سائل ومات فيه سواء وقع من نفسه أو أوقعه أحد، أما إن كان كثيراً فلا ينجس إذا وقعت فيه النجاسة أو سقط فيه حيوان ومات ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة.

حالة الشك في الماء من أي قسم هو والتحري فيه: -1ً- إذا وجد ماء وشك في نجاسته نقول إنه طاهر سواء كان متغيراً أم لا، لأن الأصل في الأشياء الطهارة ويحتمل أن يكون تغيره من مكثه.
-2ً- إن تيقن نجاسة الماء وشك في طهارته فهو نجس لأن الأصل نجاسته.
-3ً- إن علم وقوع النجاسة في الماء ثم وجده متغيراً تغيراً يجوز أن يكون بسببها فهو نجس.
-4ً- إن أخبره ثقة بنجاسة الماء فلا يقبل حتى يبين له السبب، فإن عين له السبب لزمه القبول.
كيف يطهر الماء المتنجس؟ أولاً: الماء القليل المتنجس: يطهر بمكاثرته بقلتين طاهرتين، إما إن ينبع فيه، أو يصب عليه، وسواء كان متغيراً فزال تغيره، أو كان غير متغير باقياً على حاله.
ولا يطهر بزوال التغير بنفسه كأن يترك الماء القليل المتنجس حتى يعود من فسه إلى حالته الأولى، لأن العلة مخالطة النجاسة لا التغيير.
ثانياً: الماء المتنجس قلتين فقط: إما بإضافة قلتين طاهريتن، أو بزوال تغيره بالمكث.

ثالثاً: الماء الكثير المتنجس: يطهر بإحدى الطرق الثلاث: -1- إما بإضافة قلتين طاهرتين.
-2- أو بزوال التغير بالمكث.
-3- أو بنزح منه والباقي بعد النزح قلتين فأكثر.
أما إذا كان كوثر الماء المتنجس بأقل من قلتين، أو طرح فيه تراب، أو وضع فيه ساتر كمسك لإزالة التغير، فإنه لا يطهر.
كيف تعود الطهورية للماء المستعمل: -1- إذا اجتمع ماء مستعمل مع ماء طهور يبلغ قلتين فالكل طاهر مطهر.
-2- إذا اجتمع ماء مستعمل مع ماء طهور أقل من قلتين وكان المستعمل يسيراً عفي عنه، لأنه لو اجتمع ماء طهور دون قلتين مع مائع آخر طاهر لم يغلب على أكثر الماء بقي الماء طاهراً مطهراً، فمن باب أولى إذا كان هذا المائع هو مائع مستعمل.

حكم سؤر الحيوان أولاً: طاهر: -1- سؤر الآدمي سواء كان متطهراً أم محدثاً، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه (أنه لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة وهو جنبٌ.
فانسلَّ فذهب فاغتسل.
فتفقده النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما جاءه قال: أين كنت؟ يا أبا هريرة.
قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جنب.
فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله: إن المؤمن لا يَنْجُس) 1 . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم.
فيضع فاه على موضع فيَّ.
فيشرب.
وأتعرق العرق 2 وأنا حائض.
ثم أُناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ) 3 . -2- سؤر ما يؤكل لحمه من الحيوانات.
-3- سؤر ما لا يمكن التحرز منه وهو السنور (الهر) وما دونه في الخلقة، لما روت كبشة بنت كعب بن مالك رضي الله عنها قالت: أن أبا قتادة دخل عليها، قالت: فسكبت له وضوءاً، قالت: فجاءت هرة تشرب، فأصغى 4 لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ قالت: فقلت: نعم، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجسٍ، وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) 5 . فدل الحديث بمنطوقه على طهارة

الهرة، وتعليله طهارة ما دونها لكونه مما يطوف علينا ولا يمكن التحرز منه كالفأرة ونحوها.

ثانياً: نجس: -1- سؤر الكلب والخنزير وجميع أجزائهما وما تولد منهما، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) 7 . والخنزير شر منه لأنه منصوص على تحريمه.
-2- كل ما تولد من النجاسة كدود الكنف والصراصير.

ثالثاً: مختلف فيه: -1- سائر سباع البهائم والطير فيها روايتان: إحداهما نجس، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) 1 فمفهوم الحديث أنه ينجس إذا لم يبلغهما، ولأنه يمكن التحرز منه.
والثانية: طاهر بدليل ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة.
تردها السباع والكلاب والحُمُر.
وعن الطهارة منها؟ فقال: لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر 2 طهور) 3 . -2- الحمار الأهلي والبغل فيهما روايتان: إحداهما: نجس لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر) 4 ، وفي رواية عن أنس رضي الله عنه (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها

رجس 5 . والثانية: طاهر بدليل ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها) 6 -3- الجّلالة: فيها روايتان: إحداهما: نجس لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الجّلالة وألبانها) 7 ، ولأنها تنجست النجاسة والريق لا يطهر.
الثانية: أنه طاهر لأن الضبع والهر يأكلان النجاسة وهما طاهران.
وحكم أجزاء الحيوان من شعره وريشه وجلده حكم سؤره، فإذا وقع الحيوان في الماء وخرج حياً فحكم الماء حكم سؤره.
مسألة: إذا أكلت الهرة نجاسة ثم غابت ثم عادت وشربت من ماء، فهذا الماء لا ينجس.
أما إن شربت قبل أن تغيب فسؤرها نجس لوجود أثر النجاسة فالماء ينجس.

الباب الثاني (الأعيان الطاهرة والأعيان النجسة)

أولاً: الأعيان الطاهرة: -1ً- الإنسان سواء كان حياً أم ميتاً بدليل قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) 1 . -2ً- جميع أجزاء الأرض ومعادنها كالذهب والفضة والنحاس والحديد.
-3ً- جميع أنواع النباتات ولو كانت مخدَّرة (كالحشيشة والأفيون وجوزة الطيب) أو سامة.
وهناك قول ثاني أن المسكر منها نجس.
-4ً- الحيوانات التي يؤكل لحمها مهما كان حجمها والحيوانات التي لا يؤكل لحمها إذا كانت بقدر الهرة فما دون في الخلقة كالنمس والنسناس ابن عرس والقنفذ والحية والفأرة والهرة ما لم تكن متولدة من نجاسة.
-5ً- مني الآدمي 2 إن خرج من طريقه المعتاد دفقاً بلذة بعد استكمال تسع سنين للأنثى وعشر سنين للذكر ولو خرج على شكل دم لما روى علقمة بن الأسود (أن رجلاً نزل بعائشة رضي الله عنه فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه) 3 . ولأنه بدء خلق الآدمي (وعن الإمام أحمد أنه نجس ويكفي فرك يابسه ويعفى عن يسيره) ، وكذا مني الحيوان الذي يؤكل لحمه طاهر.
-6ً- البلغم: ولو أزرق والصفراء والنخامة سواء خرجت من رأس أو صدر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره.
تحت قدمه.
فإن لم يجد فليقل هكذا.
ووصف القاسم.
فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض) 4 . -7ً- البصاق واللعاب والعرق والمخاط والدمع سواء كانت من بني آدم أو من حيوان يؤكل لحمه أو حيوان طاهر لا يؤكل لحمه.
-8ً- مأكول اللحم المذكى ذكاة شرعية.
-9ً- مرارة الحيوان المأكول اللحم بعد تذكيته ذكاة شرعية وكذا جلدة المرارة لأنها جزء من الحيوان المذكى فهي تابعة له في طهارته.
-10ً- بول وروث وقيء ومذي وودي ومني ولبن وبيض ما يؤكل لحمه كلها طاهرة إذا كان علفها طاهراً لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، فتوضأ.
وإن شئت، فلا توضأ.
قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل.
قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم ... ) 5 . وعن أنس رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم، قبل أن يُبنى المسجد) 6

وعنه أيضاً قال: (قدم أناس من عُكل أو عرينة، فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا..) 7 . أما ما كان أكثر علفه نجاسة فلبنه وبوله وبيضه وكذا لحمه نجس، ويمكن تطهيره بحبس الحيوان ثلاثة أيام ولا يطعم خلالها إلا طاهراً فبعد ذلك تصبح كل هذه طاهرة.
-11- كل مالا تحله الحياة (شعر، صوف، وبر، ريش) من حيوان طاهر حي أو ميت فهو طاهر سواء كان منفصلاً أم متصلاً ولا ينجس بالموت لأنه لا تحله الحياة.
قال تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين) 8 فهذا دليل على طهارتها.
أما أن كان من ميتة حيوان نجس فهو نجس.
-12- ميتة الحيوان البري الذي لا دم سائل له بشرط عدم تولدها من نجاسة كدود الجرح.
-13- ميتة الحيوان البحري باستثناء التمساح والضفدع والحية فإنها نجسة.

ثانياً: النجاسات: تعريف النجاسة أو الخبث: النجاسة لغة: كل شيء مستقذر حسياً كان أو معنوياً فيقال للآثام وإن كانت معنوية وفعلها نَجَس.
قال تعالى: (إنما المشركون نجس) 1 . وشرعاً: العين المستقذرة.
أقسام النجاسة: للنجاسة قسمان الأول: النجاسة الحكمية: وهي الطائرة على محل طاهر قبل طروها.

والثاني: النجاسة الحقيقية: وهي عين النَجَس.
والأعيان النجسة هي: -1ً- بول الآدمي: بدليل حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين.
فقال: أما إنهما ليعذبان.
وما يعذبان في كبير.
أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة.
وأما الآخر فكان لا يستتر 2 من بوله) 3 . -2ً-العذرة: وإن لم تتغير عن حاله الطعام ولو كان الآدمي صغيراً لم يتناول الطعام.
-3ً-الوادي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول فحكمه حكم البول -4ً- المذي: وهو ماء رقيق يخرج من القبل عند الملاعبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه، وقد سأله عن المذي: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة) 4 فهو أشبه البول.
(وعن الإمام أحمد: أنه كالمني لأنه يخرج بشهوة) . -5ً- رطوبة فرج المرأة: وفيها روايتان: إحداهما: أنها نجسة، لأنها بلل يخرج من الفرج ولا يُخلق منه ولد، فأشبه المذي، والثاني: أنها طاهرة، وهي التي عليها أكثر الأصحاب.
-6ً- القيء والقلس: لأنه طعام استحال بالخوف إلى فساد أشبه بالغائط.
-7ً- الدم بجميع أنواعه لما روت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب قال: اقرصيه واغسليه وصلي فيه) 5 ولقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم) 6 . إلا الكبد والطحال فإنهما طاهران، وكذا دم السمك والقمل والبرغوث.... فكلها طاهرة، وما بقي من الدم في لحم المذكاة أو عروقها معفو عنه ولو علت حمرة الدم القدر، لأنه لا يمكن التحرز منه فيعفى عنه.
-8ً- العلقة: لأنها دم خارج من الفرج.
(وعن الإمام: أنها طاهرة لأنها بدء خلق الآدمي) . -9ً- القيح: وهو دم استحال إلى نتن وفساد، وكذا الصديد وهو ماء الجرح الرقيق المختلط بدم وما يسيل من القروح ونحوها.
-10ً- الخمر: لقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رج من عمل الشيطان فاجتنبوه) 7 -11- النبيذ وكل مسكر مائع سواء كان مأخوذاً من عصير العنب أو كان نقيع زبيب أو تمر أو غير ذلك، لأن الله تعالى قد سمى الخمر رجساً والرجس في العرف النجس ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن عمر رضي الله عنهما: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) 8 . ولأنه شراب فيه شدة مطربة أشبه بالخمر، أما الحشيشة المسكرة ففيها قولان: الأول: هي نجسة سواء أميعت أم لا، والثاني: هي طاهرة إلا إذا أميعت.
-12- بخار النجاسة ودخانها إن اجتمع منهما شيء ولاقى جسماً صقيلاً فصار ماءٌ فهو نجس، أما ما أصاب الإنسان من دخان النجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء ولا ظهرت صفته فهو معفو عنه لعدم إمكان التحرز منه.

-13- الطيور والبهائم وسائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها والتي هي مما فوق الهرة بالخلقة مثل السبع، العقاب، الصقر، الحدأة، البومة وما يأكل منها الجيف كالنسر والرخم والعقعق وغراب بَيْن، والفيل والبغل والخنزير والكلب والحمار والسبع والأسد والنمر والذئب والفهد وابن آوى والدب والقرد، وما تولد من حيوان مأكول اللحم وحيوان غير مأكول اللحم.
-14- فضلة ما لا يؤكل لحمه إذا كان له دم يسيل من بول ورجيع (الروث، والعذرة) وبيض ولبن ومني ولو كان طاهراً قبل الموت كالفأرة، أما ما لا دم له يسيل فإن ميتته طاهرة.
-15- ميتتة الحيوان البري إذا كان له دم يسيل سواء كان في حال الحياة طاهراً أم نجساً والدليل قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) 9 ، بخلاف ميتة الآدمي وأجزائه وأبعاضه فحكمها حكم جملته لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن لا ينجس) 10 وبخلاف ميتة الحيوان البحري فإنها طاهرة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) 11 كالسمك وسائر حيوانات البحر مما لا يعيش إلا في الماء، أما الضفادع والسلاطعين فهي برمائية وعيشتها ليست في البحر فيحرم.
أكلها وميتتها نجسة.
وأما الجراد وما لا دم سائل له كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث والعنكبوت والصرصار فكلها طاهرة إذا لم تكن متولدة من نجاسة مثل الكنف لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء) 12 . -16- جلود الميتة: ولا تطهر بالدباغة في ظاهر المذهب لقوله تعالى:

(حرمت عليكم الميتة) 14 والجلد جزء منها ولحديث عبد الله بن عكيم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (15) . -17- كل ما يرشح من الكلب والخنزير من لعاب ومخاط وعرق ودمع.
-18- كل ما تحله الحياة من أجزاء الميتة: عظمها وقرنها وظفرها وحافرها، لأن ما تحله الحياة يحله الموت فينجسه والله تعالى قال: (حرمت عليكم الميتة) ودليل الحياة الإحساس والألم.
-19- كل ما يخرج من الميتة نحو دم، ومخاط، ولبن، وأنفحة، (وعن الإمام أحمد: الأنفحة طاهرة، لأن الصحابة رضوان الله عليهم أكلوا من حين المجوس، وهو يصنع من الأنفحة، وذبائحهم ميتة) ، وبيض الميتة إن لم يصلب قشرة، أما إن كان صلب القشرة وهو من حيوان يؤكل لحمه فطاهر، وكذا البيض الفاسد وهو ما اختلط صفاره ببياضه مع التعفن، فهو طاهر.
-20- كل ذبح لا يفيد إباحة اللحم (يحرم أكله) يكون مذبوحه نجس كذبح المجوسي والمرتد، والذبح المتروك التسمية عليه عمداً، وذبح المحرم للصيد وذبح الحيوان غير مأكول اللحم.13

النجاسات المعفو عنها: -1ً- أثر النجاسة بعد غسلها كأن يبقى لونها أو ريحها لمشقة إزالته، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنه ليس لي ثواب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه.
فقالت: فإن للم يخرج الدم؟ قال: يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره) 1 .

-2ً- يسير الدم والقيح والصديد في غير المائعات والمطعوم لأنه لا يمكن التحرز منه، بشرط أن يكون من حيوان طاهر حال حياته أو من إنسان لا يخلوا من حبة وبئر وقد روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم الصلاة مع الدم ولم يعرف لهم مخالف.
وحد اليسير: ما لا ينقص مثله الوضوء، وهو ما يعده الإنسان في نفسه يسيراً، فلو أصاب الدم ثوبا في مواضع فإنه يضم بعضه إلى بعض، فإن كان المجموع يسيراً غفي عنه وإلا فلا، ولو كان مما لا يدرك الطرف كأن تحمله رجل ذبابة فيقع فيها فإنها تنجس.
-3ً- ريق البغل والحمار وعرقهما وسباع البهائم وجوارح الطير وبول الخفاش، فيها روايتان: إحداهما: يعفى عن يسيره لمشقة التحرز منه، لأنه لا يكاد يسلم مقتني هذه الحيوانات من بللها فعفي عن يسيرها كالدم.
-4ً- المذي: وفيه روايتان إحداهما: يعفى عن يسيره، لأن المذي يكثر من الشباب.
-5ً- النبيذ: فيه روايتان إحداهما: يعفى عن يسيره لوقوع الخلاف فيه.
-6ً- النجاسة التي تصيب عين الإنسان ويتضرر بغسلها.
-7ً- يسير طين الشارع إن تحققت نجاسته بما خالطه من النجاسة، أما إن ظنت نجاسته فطاهر.
-8ً- يسير سلس البول بعد كمال التحفظ لمشقة التحرز.

-9ً- أثر الاستجمار بمحله بعد الإنقاء واستيفاء العدد المطلوب في الاستجمار.
-10ً- دخان النجاسة وغبارها ما لم تظهر له صفة.
التطهير من النجاسات: أولاً: تطهير الأرض المتنجسة ونحوها من الصخور والأحواض الكبيرة أو الصغيرة الداخلة في البناء، فإنها تطهر بصب الماء عليها بكثرة ولو من مطر أو سيل حتى تزول عين النجاسة وريحها ولونها وطعمها لما روى أنس رضي الله عنه (أن أعرابياً قام إلى ناحية في المسجد.
فبال فيها.
فصاح به الناس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه.
فلما أفرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِذَنوب (1) فصب على بوله) 2 . ولا تطهر الأرض المتنجسة بالشمس ولا بالريح ولا بالجفاف.
ثانياً: تطهير الآبار: تطهر أرض البئر إن كانت نجسة بنبع الماء فيها.
ثالثاً: تطهير الثياب والأواني وما يماثلها من الأشياء: في تطهيرها من النجاسة روايتان: الأولى: يجزئ مكاثرتها بالماء حتى تذهب عين النجاسة ولونها وريحها وطعمها من غير عدد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما روته عن أسماء رضي الله عنها- قال في دم الحيض: (اغسليه وصلي فيه) 3 ولم يذكر عدداً، وروى ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار.
والغسل من البول سبع مرار.
فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً والغسل من الجنابة مرة والغسل من البول مرة) 4 .

والثانية هي القول المعتمد في المذهب.
أنه يجب في التطهير عدد معين في الغسلات وهو سبع مرات.
ويشترط في تطهير المتنجس الذي تشرب النجاسة أن يعصره كل مرة خارج الماء أن أمكن عصره، وعصر كل شيء بحسبه، ويكتفى بعصر الثوب بالقدر الذي لا يفسده، وإن كان بساطاً ثقيلاً فعصره بتقليبه ودقه حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء.
أما الأواني تطهير بمرور الماء عليها وانفصالها عنها سبع مرات (وقيل ثلاث، واجتهد المتأخرين يكفي الغسل ثلاثاً إذا كانت عين النجاسة مزالة) . فإن بقي بعد الغسل المطلوب (كل مرة مع الفرك والعصر) لون أو ريح أو بقيا معاً فإنه لا يضر (أي يعتبر طاهراً) ، أما إن بقي الطعام فإنه يضر (أي يبقى نجساً) إلا أنه يعفى عنه لأن بقاء الطعم دليل على بقاء عين النجاسة لا أثرها.
وإذا خفي موضع النجاسة في ثوب أو بدن غسل كل محل احتمل إصابته بالنجاسة حتى يتيقن غسلها، فإن لم يعلم جهتها من البدن أو الثوب غسله جميعاً.
أما إذا وقعت النجاسة في أرض حرش واسعة أو في صحراء وجهل المكان فإنه لا يجب غسل جميعه ويصلي فيها بلا تحرٍ.
رابعاً: التطهير من نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما: إذا تنجس شيء، بملاقاة الكلب، غير الأرض يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب سواء كان من ولوغه أو غيره لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب إن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" 5 . وعن الإمام أحمد: يغسله سبع مرات ثم يعفره بواحدة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن المغفل عنه: (إذا

ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب) 6 . والأولى جعل التراب في الأولى للخبر وليكن الماء بعده.
وأما الدليل على نجاسة الخنزير فبالقياس على الكلب لأنه أسوأ حالاً منه لنص الشارع على تحريمه وحرمة اقتنائه.
خامساً: التطهير من المذي: هناك روايتان في التطهير منه إحداهما: يجزئ نضحه لما روى سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: (كنت ألقى من المذي شدة وعناء فكنت أكثر منه الغسل فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته عنه فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء.
فقلت يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه) 7 . والثانية: يجب غسله لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر منه بقوله: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة) 8 ، ولأنه نجاسة من كبير أشبه بالبول.
سادساً: التطهير من بول الغلام الذي لم يطعم الطعام ومن قيئه: يطهر بالنضح الذي يغمره بالماء وإن لم ينفصل لما روي عن أم قيس بنت محصن رضي الله عنها (أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يأكل الطعام، فوضعته في حجره، فبال: فلم يزد على أن نضح بالماء) 9 . أما التطهير من بول الجارية فلا يجزئ إلا الغسل لحديث خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) 10 . سابعاً: تطهير محل الاستنجاء إذا استجمر: هناك روايتان: إحداهما يطهر بالاستجمار لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان

يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة) 11 فهذا دليل على أن غيرهما يطهر به المحل، وسئل الإمام أحمد عن المستجمر يعرق في سراويله فقال: لا بأس به.
وأما الثانية: فلا يطهر المحل.
ثامناً تطهير أسفل الخف والحذاء إذا أصابه نجاسة: هناك ثلاث روايات: الأولى: يجزئ دلكه بالأرض لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب) 12 . والثانية: يجب غسله لأنه ملبوس فلا يجوز فيه المسح كظاهره، وهذه الرواية هي المعتمد.
أما الثالثة: فيجب غسله من البول والعذرة لفحشها ويجزئ دلكه من غيرهما.
تاسعاً: المائعات المتنجسة كالسمن والزيت والعسل لا تقبل التطهير.
عاشراً: الجامدات التي تشربت النجاسة كاللحم إذا طبخ أو سلق بنجاسة لا تقبل التطهير، أما البيض المسلوق بنجاسة فإنه يقبل التطهير لصلابة قشرته المانعة من تسرب النجاسة.

الأعيان النجسة المتحولة إلى طاهرة: -1ً- الخمرة إن انقلبت خلاً بنفسها طهرت، لأن نجاستها لشدتها المسكرة وقد زال ذلك، ولو كان سبب التخلل نقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس.
أما إن خُللت عمداً فلا تطهر لما روي (أن أبا طلحة رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمراً قال: أهرقها قال: أفلا أجعلها خلاً.
قال: لا) 1 فلو جاز

-2ً- المسك المنفصل من الغزال الحي طاهر، وكذا جلدته طاهرة، لأن أصله دم نجس استحال إلى طاهر.

أشياء لا تطهر النجاسات: -1ً- الدباغة: لا تطهر جلود الميتة بالدباغة، وإنما إذا دُبغت أُبيح استعمالها في المواد الجافة لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) والجلد جزء منها، ولحديث أبي داود المتقدم: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) . وعن الإمام أحمد: يطهر بالدباغة جلد ما كان طاهراً حال الحياة لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (تُصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة.
فقال: إنما حرم أكلها) [^fn70] . أما ما كان نجساً وهو حي فلا يطهر جلده بالدباغة عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب وعن مياثر النمور) [^fn71] ، ولأن أثر الدبغ يكون في إزالة النجاسة الحادثة بالموت فبعد الدبغ يعود كما كان حكمه قبل الموت.
-2ً- الاستحالة: لا تطهر، فالدود المتولد من النجاسة، وكذا الصرصار المتولد من الكنف كلها نجسة، لأن نجاستها لعينها بخلاف الخمرة، فإن نجاستها لمعنى فيها زال بالانقلاب إلى خل.
-3ً- النار: لا تطهر النجاسة، فلو عرضت نجاسة على النار حتى احترقت وصارت رماداً، فالرماد والدخان نجسان.
-4ً- الشمس والريح والجفاف: لا تطهر الأرض ولا الأشياء المتنجسة.
الانتفاع بالنجاسات: لا يجوز الانتفاع بأي مائع نجس كالخمر والدم، وكذا لا يحل الانتفاع بالجامدات النجسة كالخنزير والزبل النجس، كما لا يحل الانتفاع بالميتة ولا بدهنها.
أما دهن الحيوان الحي الطاهر كالسمن الذي سقطت فيه نجاسة فإنه يجوز الانتفاع به في غير الأكل كأن يستضاء به في غير المسجد.

فصول الكتاب · 6 فصل · 503 صفحة
جارٍ التحميل