فقه العبادات على المذهب الحنبليصفحات 131-155
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 131-155
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعاد زرزور
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الحنبلي
المؤلف
الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الباب الأول (تعريف الصلاة)

لغة: الدعاء بخير، بدليل قوله تعالى: (وصلّ عليهم) 1 أي ادع لهم وأنزل رحمتك عليهم.
وشرعاً: قربة 2 فعلية 3 ذات إحرام وسلام، أو أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وقيل هي سجود (فتشمل سجود التلاوة فهو صلاة) .

حكمها: فرض، ودليل فرضيتها من الكتاب قوله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) 1 . أي مفروضاً بوقت معلوم، وقد فرضت الصلاة بمكة ليلة الإسراء قبل الهجرة.
ومن السنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) 2 . وقد أجمعت الأمة على فرضيتها، فمن أنكر ذلك فهو مرتد عن دين الإسلام بلا خلاف

عدد الصلوات المفروضة: خمس، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) 4 ، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) 5 ، وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسائل عن الإسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة.
فقال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطَّوَّع) (2) . وروى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يأتِ بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) 7 .6

حكم تارك الصلاة: -1ً- من تركها متهاوناً بها معتقداً بوجوبها وجب قتله، لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) 1 مما يدل على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة يقتلون، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على قتال مانعي الزكاة، والصلاة آكد منها، ولكن لا يقتل تاركها حتى يستتاب ثلاثة أيام ويُضيَّق عليه ويدعى إلى فعل كل صلاة في وقتها ويقال له: إما أن تصلي وإما أن تقتل، فإن تاب ترك وإلا قتل بالسيف.
والتساؤل هنا هل قتله حد أو بسبب كفره فهناك روايتان، الأولى: لكفره فهو كالمرتد في أحكامه لحديث جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم

يقول: (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) 2 ، ولأن الصلاة لا تسقط عن المكلف بنيابة شخص ولا مال، فيكفر تاركها كالشهادتين وهذا الرأي هو المعتمد.
والرواية الثانية: أنه يقتل حداً كالزاني المحصن، للحديث المتقدم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (خمس صلوات كتبهن الله ... ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد: إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة) 3 فلو اعتبر كافراً لما دخل في حكم المشيئة وفق ما ورد في الحديث، ولما روي عن عبادة بن الصامت أيضاً - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار) 4 ، وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله) 5 . -2- من جحد وجوبها فهو مرتد وتجري عليه أحكام المرتد ويقتل بعد استتابته ثلاثة أيام إن لم يتب ويكون قتله كفراً بإتفاق.

أوقات الصلاة أولاً صلاة الظهر: أول وقتها: هو زوال الشمس، لما روى أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس) 1 أي عندما تكون الشمس في منتصف السماء عمودية على الأرض تقريباً.
وآخر وقتها: إذا صار ظل كل شيء مثله، مضافاً إليه القدر الذي زالت الشمس عليه، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمَّني جبريل

عليه السلام عند البيت مرتَيْن، فصلى الظهر في الأولى منها حين كان الفيء مثل الشراك 2 ، ثم صلى العصر حين كان كلُّ شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين بَرَقَ الفجر وحرم الطعام على الصائم.
وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله، لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كلّ شيء مِثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك؛ والوقت بين هذين الوقتين" 3 . ويعرف زوال الشمس بطول الظل بعد تناهي قصره.
والأفضل تعجيلها في أول الوقت إلا في شدة الحر فيستحب الإبراد بها، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اشتد الحر فأبرِدوِا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم 4 ، وإلا مع الغيم لمصلِ في جماعة يؤخرها لقرب وقت العصر.

ثانياً صلاة العصر: وهي الوسطى، لما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً) 1 . أ- وقت اختيار: ويبدأ من أول وقتها إذا صار الظل كل شيء مثله سوى ظل الزوال، ويستمر إلى أن يصبح ظل كل شيء مثليه سوى ظل الزوال، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم: (ثم صلى العصر حين كل شيء مثل ظله ... وصلى المرة الثانية ... العصر حين كان ظل كل شيء مثليه) . وعن الإمام أحمد: أن آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) 2 فينتهي وقت الاختيار.
ب- وقت جواز (وقت ضرورة) : ويستمر إلى وقت غروب الشمس، ومن أدرك جزءاً منها قبل الغروب فقد أدركها، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك) 3 . ج- وقت فضيلة والأفضل تعجيلها في أول الوقت لحديث أبي برزة رضي الله عنه عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... وكان يصلي الظهر حين تزول الشمس والعصر، يذهب الرجل إلى أقصى المدينة، والشمس حية..) 4 .

ثالثاً: صلاة المغرب: أول وقتها: إذا غربت الشمس.
آخره: إذا غاب الشفق الأحمر، لحديث بريدة رضي الله عنه أن رجلاً سأل عن وقت الصلاة وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً حين غابت الشمس ... فلما أن كان اليوم الثاني ... صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله.
قال: وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم) 1 وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ... ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) 2 .

ويكره تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها، لأن جبريل عليه السلام صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في المرتين في أول وقتها، وروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة.
والعصر والشمس نقية.
والمغرب إذا وجبت 3 ... ) 4 . إلا ليلة جمع لنحرم قصد المزدلفة فيجمع المغرب مع العشاء جمع تأخير، أما إذا وصل إلى مزدلفة قبل الغروب فيصلي كلاً من المغرب والعشاء على حدة.
ويسن تأخيرها في الغيم لمصل في جماعة.

رابعاً: صلاة العشاء: أول وقتها: إذا غاب الشفق الأحمر.
وآخره: إلى طلوع الفجر الثاني.
ولها وقت اختيار: من غياب الشفق إلى ثلث الليل الأول، لحديث بريدة رضي الله عنه وفيه: (فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره ... فلما أن كان اليوم الثاني أمره.... وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل) 1 ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة) 2 . وعن الإمام أحمد: آخره الوقت المختار نصف الليل الأول، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلوات؟ فقال: ... ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل) 3 . والأفضل تأخير صلاة العشاء، لما روى أبو برزة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها) 4 ويستحب أن يراعي الإمام حال المأمومين، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر: والعشاء أحياناً يؤخرها وأحياناً يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطأوا آخَّر) 5 . أما وقت الجواز أو الضرورة فيستمر إلى طلوع الفجر الثاني.

خامساً: صلاة الفجر: أول وقتها: طلوع الفجر الثاني، وهو البياض الذي يبدو من قبل المشرق معترضاً لا ظلمة بعده.
وآخر وقته: إذا طلعت الشمس.
وقت اختيار: من طلوع الفجر إلى الإسفار، لما روى بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ( ... ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر.
فلما أن كان اليوم الثاني: صلى الفجر فأسفر بها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم) 1 ، ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم عن صلاة جبريل عليه السلام.
والأفضل تعجيلها، لما روت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لقد كان نساء من المؤمنات يشهد الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَلَفِّعاتٍ بمُرُوطهنَّ ثم ينقلبن إلى بيوتهن وما يُعْرفْن.
من تغليس 2 رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة) 3 . وعن الإمام أحمد: أنه يُراعى حال المأمومين فإن أسفروا فالإسفار أفضل كما ذكرنا في العشاء.

حالة من شك بدخول الوقت: لا يصلي حتى يتيقن أو يغلب على ظنه دخول الوقت، فإن أخبره ثقة عن علم عمل به وإن أخبره عن اجتهاد لا يقلده، ويجتهد حتى يغلب على ظنه دخول الوقت، وإن صلى فبان أنه وافق الوقت أو بعده أجزأه، وإن كان صلى قبل الوقت لم يجزئه لأنه صلى قبل الوجوب.
متى تجب الصلاة؟ تجب الصلاة في أول الوقت لأن الأمر بها يتعلق في أول وقتها، والأمر يقتضي الوجوب، ولكن أول الوقت هو سبب الوجوب تثبت عقبه كسائر الأسباب.
فلو حاضت المرأة بعد دخول جزء من الوقت لزمها القضاء.
بل هناك رأي يقول: إن من أدركت جزءاً من الوقت لزمها قضاء الظهر والعصر لأنها أدركت إحدى صلاتي الجمع فلزمتها الأخرى كمن أدركت جزءاً من الوقت.
وقيل: بل لا يلزمها قضاء العصر، بخلاف ما لو أدركت وقت العصر، فإنها إن نقيت قبل الغروب لزمتها صلاتا الظهر والعصر.
وكذا يقال في المغرب والعشاء متى تُدرك الصلاة أداء؟ روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) 4 ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها) 5 . وتدرك الصلاة أداء بإدراك تكبيرة الإحرام في وقتها فإذا كبر للإحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر وكانت أداءً وإذا: بر للإحرام قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر أداءً.
وكذا وقت الجمعة يدرك بتكبيرة الإحرام.

الأعذار المبيحة لتأخير الصلاة عن وقتها: -1- النوم والنسيان والغفلة عن دخول الوقت ولو كان ناشئاً عن تقصير -2- المرض.
-3- السفر.
قضاء الفوائت ووقته: يجب قضاء الفوائت على الفور وقبل الحاضرة، لحديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصليها إذا ذكرها فإن الله يقول: أقم الصلاة لذكري) 1 . وتسقط الفورية بما يلي: -1- إذا خشي فوات الحاضرة، أي ضاق الوقت بحيث لا يسع إلا الحاضرة، قدم الحاضرة كي لا تصبح فائتة.
-2- إذا نسي الفائتة حتى صلى الحاضرة سقط الترتيب، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) 2 . -3- إذا كان هناك متسع من الوقت، وكان مأموماً في صلاة حاضرة وذكر الفائتة، أتم الحاضرة خلف الإمام ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الحاضرة.
-4- إذا كان منفرداً وذكر الفائتة أثناء أداء الحاضرة، قيل يتمها ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الحاضرة، وقيل يقطع الحاضرة ويصلي الفائتة ثم الحاضرة.
ويشترط في القضاء الترتيب بين الفوائت، فإن كثرت عليه قضاها متتابعة، ما لم تشغله عن معيشته أو تضعفه في جسده حتى يخشى فوات الحاضرة فيصلي

الحاضرة ثم يعود إلى القضاء.
وعن الإمام أحمد: إذا كثرت الفوائت ولم يمكنه فعلها قبل فوات الحاضرة، فله فعل الحاضرة أولاً في أول وقتها لعدم الفائدة من التأخير مع لزوم الإخلال بالترتيب.
ومن نسي صلاة لا يعلم عينها لزمه خمس صلوات ينوي في كل واحدة منها المكتوبة.
وتجوز صلاة الفائتة في أي وقت من ليل أو نهار، لحديث أنس رضي الله عنه المتقدم.
أوقات الصلاة النافلة: وقت النافلة الراتبة: إن كانت الراتبة قبلية فوقتها من دخول وقت الفريضة حتى صلاة الفريضة، وإن كانت بعدية فوقتها بعد انتهاء صلاة الفريضة إلى خروج الوقت.
وقت صلاة الجنازة والطواف وإعادة الجماعة: تصح في جميع الأوقات بما فيها بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، لأنهما وقتان طويلان، باستثناء أوقات ثلاث: عند شروق الشمس إلى أن ترتفع قدر رمح، وعند الاستواء إلى أن تزول، وعند الغروب إلى أن تغرب كاملة، ففي هذه الأوقات روايتان، إحداهما تجوز صلاة النوافل المذكورة فيها لعموم الأدلة المجوزة، والثانية: لا تجوز، لحديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب) 3 ، ولأنها أوقات خفيفة لا يخشى على الميت فيها، ولا يشق تأخير الركوع للطواف فيها بخلاف غيرها.

أما الأدلة على جواز هذه الصلوات الثلاث (الجنازة، الطواف، إعادة الجماعة) بعد صلاة الصبح والعصر فهي على الترتيب: بالنسبة للجنازة: لأنهما وقتان طويلان فالانتظار فيها يضر بالميت.
وأما ركعتا الطواف، فلما رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) 4 . وإعادة الجماعة لما روى يزيد بن الأسود رضي الله عنه قال: (شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخَيْف، قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليَّ بهما، فجيء بهما تُرْعَد فَرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة) 5 ، ومتى أعاد المغرب شفعهما برابعة لأنها نافلة ولا يشرع التنفل بوتر في غير الوقت، فينتظر حتى يسلم الإمام ثم يقوم ويأتي بأربعة.
وقت النافلة ذات السبب: تحية المسجد، الكسوف، سجدة التلاوة، قضاء السنن وقتها حين حصول سببها، أما فعلها في أوقات النهي فهناك روايتان، إحداهما: المنع فلا تنعقد في أوقات النهي وهو المعتمد، والثانية: الجواز، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين وقال فيما روته عنه أم سلمة رضي الله عنها: (إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) 6 ، ولتقريره صلى الله عليه وسلم لمن رآه يصلي بعد صلاة الفجر نافلة

الفجر، عن قيس بن عمرو رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقيمت الصلاة، فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم فوجدني أصلي، فقال، مهلاً يا قيس! أصلاتان معاً؟ قلت يا رسول الله، إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: فلا إذن) 7 ، ولأنها صلاة ذات سبب فأشبهت ركعتي الطواف.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: عن صلاهما بعد صلاة الفجر أجزأه، وقال: أما أنا فأختار تأخيرهما إلى الضحى، لما روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يصلِّ ركعتي الفجر فليصلِّهما بعدما تطلع الشمس) 8 . وقت النافلة التي لا سبب لها (أي النوافل المطلقة) : تصح في كل الأوقات إلا في خمسة أوقات فلا تصح صلاتها فيها، وهي في الأرجح أربعة أوقات تتعلق بالزمن وهي: -1- من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة ببعد افجر إلا سجدتين) 9 أي لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
-2- من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح، أي بعد طلوع الشمس بثلث ساعة، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب) 10 . -3- وعند الاستواء حتى تزول، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه المتقدم.
-4- وعند الغروب حتى تغرب، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم.

والوقت الخامس يتعلق بالفعل وهو بعد صلاة العصر، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بعد الصبح تى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس) 11 . فهذه الأوقات لا تجوز النافلة المطلقة فيها سواء كان المصلي في مكة أو في غيرها وسواء كان يوم الجمعة أو غيره.

الباب الثاني (الأذان والإقامة)

تعريف الأذان: لغة: الإعلام، بدليل قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله) . شرعاً: إعلام بدخول وقت الصلاة.12

تعريف الإقامة: لغة: مصدر أقام.
شرعاً: إعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص.
حكمها: -1ً- فرض كفاية لأداء الصلوات الخمس، لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، على الرجال الأحرار، فإن أتفق أهل بلد على ترك الأذان قوتلوا عليه.
ويشترط لإجزاء الأذان أن يكون بعد دخول الوقت لأنه لا يحصل المقصود منه قبل الوقت إلا في الفجر فيجزىء الأذان لها بعد الليل لحديث مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان لرسول الله صلىالله عليه وسلم مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم الأعمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حيى يؤذن ابن أم مكتوم ... ) 2 ، ولأنه وقت نوم فيحتاج للتأذين قبل الوقت ليتنبه النائم ويتأهب [ص-147] للصلاة، لكن بشرط أن يكون عادة لئلا يغر الناس وأن يكون معه من يؤذن في الوقت كفعل بلال وابن مكتوم.. أما الإقامة فلا يجوز تقديمها على الوقت لأنها تراد لافتتاح الصلاة ولا تفتح قبل الوقت.
-2ً- سنة: آ- الأذان للفائتة لجديث أبي قتادة رضي الله عنه وفيه: (أنهم فاتتهم صلاة الصبح فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره.
قال فقمنا فزعين ... ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.
ثم صلى الغداة ... ) 3 . وإن كثرت الفوائت أذن للأولى وأقام لكل واحدة، لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء) 4 ، وكذلك إن جمع بين صلاتين، لما روى عن جابر ابن رضي الله عنهما قال: (سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً) 5 ، فإن ترك الأذان للفائتة فلا بأس، لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كنا في غزوة فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فلما انصرف المشركون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فأقام لصلاة الظهر فصلينا وأقام لصلاة العصر فصلينا وأقام لصلاة المغرب فصلينا وأقام لصلاة العشاء فصلينا ثم طاف علينا فقال: ما على الأرض عصابة يذكرون الله عز وجل غيركم) 6 .

ب- للمنفرد: لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظيةٍ بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة) 7 .1

جـ- للمسافر: -3ً- مكروه: يكره الأذان والإقامة للنساء والخنثى ولو كانا بلا رفع صوت.
بل لا يصحان منهن، ويحرم إن جهرن بهما.
(أما إمامة المرأة لنسوة مثلها فتسن) . صيغة الأذان والإقامة: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال: (لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلا.
قال: فقال تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت لصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها لرؤية حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، فسمع ذلك عمر- رضي الله عنه - وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم فلله الحمد) 1 . فهذا صفة الأذان والإقامة المستحب، فإن رجع في الأذان (يسر كلمتي الشهادة ثم يجهر بهما) أو ثنى الإقامة فلا بأس لأنه من الاختلاف المباح.
ويسَن التثويب في أذان الصبح وهو قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" مرتين بعد حي على الفلاح لما روى أبو محذورة رضي الله عنه قال: (كنت أوذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أقول في أذان الفجر الأول: حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) 2 . ويكره التثويب في غير الصبح، لما روى بلال رضي الله عنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء) 3 ، وعن مجاهد قال: (كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر، أو العصر، قال: أخرج بنا فإن هذه بدعة) 4 .

شروط صحة الأذان والإقامة: -1ً- ترتيبهما: فلا يصح الأذان والإقامة إلا مرتبين، لأنه ذكر معتد به فلا يجوز الإخلال بنظمه.
-2ً- التوالي عرفاً: لأن المقصود منها الإعلام ولا يحصل إلا بالموالاة، فإن سكت سكوتاً طويلاً أعاد.
-3ً- أن يكون الأذان من شخص واحد، فإذا بدأ شخص بالأذان وكمل آخر فلا يصح ولو كان لعذر بأن مات أو جن، لأنها عبادة بدنية فلا يَبْني فعله على فعل غيره كالصلاة فإن أغمي عليه ثم أفاق عن قريب بنى وإن طال الفصل أعاد لتحصيل الموالاة.
ولا بأس أن يؤذن اثنان أحدهما بعد الآخر لما روى ابن عمر

رضي الله عنهما قال: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم.
قال: ولم يكن بينهما إلا ينزل هذا ويرقى هذا) 1 . ولا يسن أن يؤذن أكثر من اثنين إلا أن تدعو إليه حاجة فيجوز.
-4ً- النية: لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى) 2 . -5ً- دخول الوقت إلا في الفجر فيصح الأذان بعد نصف الليل.

ما يكره في الأذان: يكره الكلام في الأذان، فإن تكلم بكلام طويل استأنف لإِخلاله بالموالاة، وإن كان يسيراً بنى، لأن الكلام اليسير لا يبطل الخطبة، إلا أن يكون محرماً ففيه وجهان، أحدهما: لا يبطل لأنه لا يخل بالمقصود، والثاني: يبطل لأنه فعل محرماً فيه وهو المعتمد.
ما يستحب في الأذان والإقامة: -1ً- يستحب أن يؤذن في أول الوقت ليعلم الناس بوقت الصلاة فيتهيؤوا لها، وقد روي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت وربما أخر الإقامة شيئاً) 1 ، ويؤخر الإقامة، لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (يا بلال إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر 2 ، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني) 3 ، ولأن الإقامة لافتتاح الصلاة فينبغي أن تتأخر قدراً يتهيؤون فيه للصلاة، ويسن للمؤذن في المغرب أن يجلس جلسة خفيفة بين الأذان والإقامة.
-2ً- يستحب التثويب في أذان الفجر، أي يقول بعد الحيعلتين: "الصلاة خير من النوم" مرتين.
-3ً- تستحب الإقامة في موضع الأذان، إلا أن يشق على المؤذن لكونه أذن في مكان بعيد.
-4ً- يستحب أن يكون المؤذن هو نفسه المقيم، لما روى زياد بن الحارث الصُّداني (أنه أذن فجاء بلال ليقيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أخاً صُداء أذن، ومن أذن فهو يقيم) 4 ، وإن أقام غيره جاز، لما روى أبو داود في حديث الأذان عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألقه على بلال فألقاه عليه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأن كنت أريده، قال: فأقم أنت) 5 . ولا يجوز أخذ الأجرة على الأذان، لما روى عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: (إن من آخر ما عهد إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) 6 ، ولأنه قربة لفاعله أشبه الإمام.
فإن لم يوجد من يتطوع به رزق الإمام من بيت المال من يقوم به، لأن الحاجة داعية إليه فجاز أخذ الرزق عليه كالجهاد، ويقال له جُعالة 7 ولا يقال له أجر، أما إن وجد متطوع به فلا يرزق، لأن المال للمصلحة فلا يعطى لغير مصلحة.

شروط المؤذن: -1ً- مسلمٌ: فلا يصح الأذان من كافر.
-2ً- عاقلٌ: فلا يصح من طفل ولا مجنون، لأنهما غير أهل للعبادات.
أما أذان الصبي العاقل ففيه وجهان، أحدهما: يصح لأنه مشروع لصلاته وهو من أهل العبادات وهذا الوجه هو المعتمد، الثاني: لا يصح لأنه إعلام بالوقت ولا يقبل فيه خبره.
-3ً- ذكرٌ: فلا يصح من الأنثى الأذان ولا الإِقامة، لأنه يشرع فيهما رفع الصوت والنساء لسن من أهل ذلك، وكذا الخنثى المشكل لأنه لا يعلم كونه ذكراً.
-4ً- عدلٌ: ولو ظاهراً، فلا يعتد بأذان ظاهر الفسق، لأنه الرسول عليه الصلاة والسلام وصف المؤذنين بالأمانة والفاسق غير أمين، (أما مستور الحال أي غير ظاهر الفسق فيصح أذانه بغير خلاف) وقيل يصح لأنه مشروع لصلاته وهو من أهل العبادات.
ما يسن للمؤذن: -1ً- أن يكون أميناً، لأنه مؤتمن على الأوقات، ولأنه يؤذن في موضع عالٍ فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.
-2ً- أن يكون صيِّتاً 1 ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد اللله بن زيد رضي الله عنه في الحديث المتقدم: (فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك) ، ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
-3ً- أن يكون عالماً بالأوقات ليتمكن من الأذان في أولها، فإن لم يكن عالماً بالوقت فلا يؤمن منه الخطأ.

-4ً- أن يكون طاهراً من الحدثين، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤذن إلا متوضئ) 2 ، والطهارة للإقامة آكد منها للأذان لأنها أقرب إلى الصلاة، فإن كان جُنباً كره له الأذان والإقامة، أما إن كان حدثه أصغراً فلا كراهة في أذانه وكرهت إقامته.
-5ً- أن يكون بصيراً لأن الأعمى لا يعلم أوقات الصلاة، إلا أن يكون معه بصير يؤذن قبله كبلال مع ابن مكتوم.
وإن تشاحّ اثنان في الأذان قُدِّم أكملها في هذا الخصال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم بلالاً على عبد الله بن زيد رضي الله عنهما، فإن استويا في الصفات أقرع بينهما، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يَسْتَهِمُوا عليه لاستهموا) 3 . وعن الإمام أحمد: يقدّم من يرضاه الجيران، لأن الأذان لإعلامهم فكان لرضاهم أثر في التقديم.
-6ً- يستحب أن يؤذن قائماً، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بلال قم فنادِ بالصلاة) 4 ، ولأنه أبلغ في الإسماع.
أما إن كان في سفر وأذن قاعداً أو راكباً جاز، لأن الصلاة آكد منه وجازت.
-7ً- يستحب أن يؤذن على مكان مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام، وقد كان بلال رضي الله عنه يؤذن على سطح بيت امرأة، وأن يرفع صوته، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤذن يُغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس) 5 ولا يجهد نفسه فوق طاقته لئلا ينقطع نفسه ويؤذي نفسه، وإذا أذن لنفسه في مصر أو لفائتة لم يجهر، أما إن كان في صحراء فيجهر في الوقت، لما

روى أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة) 6 . -8ً- أن يؤذن مستقبلاً القبلة، وأن يلتفت يميناً إذا قال: "حي على الصلاة" ويساراً إذا قال "حي الفلاح" ولا يزيل قدميه.
-9ً- أن يجعل أصبعيه في أذنيه، لحديث أبي جحيفة رضي الله عنه: (رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويُتبع فاه ههنا وههنا وغصبعاه في أذنيه) 7 . -10ً- أن يترسل في الأذان وأن يحدر الإِقامة، لحديث جابر رضي الله عنه المتقدم: (يا بلال إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر) . ويكره التمطيط والتلحين، وفي رواية لا يصح الأذان بالتلحين لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرّب (ينغم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأذان سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن) 8 . -11- يسن للمؤذن أن يرفع وجهه إلى السماء، وقبل عند الشهادتين وقيل عند كلمة الإخلاص.

ما يسن لسامع الأذان: -1ً- يسن للسامع أن يجيب المؤذن، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) [^fn324] ، إلا في الحيعلتين فيقول عقب كل منهما: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وعقب التثويب يقول: صدقت وبررت.
وعقب كلمة الإقامة يقول: "أقامها الله وأدامها"، لما

فصول الكتاب · 6 فصل · 503 صفحة
جارٍ التحميل