فقه العبادات على المذهب الحنبليصفحات 345-367
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 345-367
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعاد زرزور
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الحنبلي
المؤلف
الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الباب الأول

تعريف الزكاة: لغة التطهير والنماء، قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ 1 أي طهرّها من الأدناس، ويقال زكا الزرع إذا نما وزاد.
شرعاً: حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص.
حكمها: الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمس، وهي فرض عين على كل توفرت فيه شروط وجوبها، وتجب على الفور.

دليل فرضيتها: من الكتاب: قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) 2 ، وقوله عز وجل: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) 3 . ومن السنة: حديث: (بني الإسلام على خمس ... وإيتاء الزكاة) . وقد أجمعت الأمة على أنها ركن من أركان الإسلام.
وفرضت في السنة الثانية من الهجرة.

حكم مانع الزكاة: أ- من أنكر وجوب الزكاة فقد كفر (إلا إن كان جاهلاً معذوراً كأن كان جديد العهد بالإسلام فيعرّف بذلك ولا يحكم بكفره) وحكمه حكم المرتد.

ب- من منعها رغم اعتقاده بوجوبها أخذها الإِمام منه وعزّره، فإن لم يستطع الإِمام أخذها منه استتابه ثلاثاً فإن تاب وأخرج ترك وإلا قتل وأُخذت من تركته.
وإن لم يكن أخذها بالقتال قاتله الإِمام، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (والله لو منعوني عناقاً 1 ، كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم على منعها) 2 . شروط وجوب الزكاة: -1- الإسلام: فلا تجب على الكافر الأصلي ولا المرتد.
-2- الحرية: فلا تجب على العبد ولا المكاتب.
أما إن ملك المعتق بعضه بجزئه الحر نصاباً لزمه زكاته.
-3- تمام الملك، الملك التام هو أن يكون المال بيده لا يتعلق به حق للغير، ويتصرف فيه على حسب اختياره وفوائده له لا لغيره.
وعليه لا تجب الزكاة: -1ً- في الدين على المكاتب لنقصان الملك فيه وعدم استقراره فإن المكاتب بملك تعجيز نفسه -2ً- في المال الموقوف لأنه لا مالك معين له.
-3ً- في حصة المضارب من الريح قبل القسمة لأنه لا يملكها بعينها.
-4- في المال المتعذر كالدين على مفلس أو على جاحد ولا بينة للدائن به، والمغضوب، والضال الذي لا يرجى وجوده لأن ملكه فيه غير تام لأنه غير مقدور عليه.
أما من له دين على مليء، أو مال يمكن استخلاصه كالمجمود الذي له بينه، والمغضوب الذي يتمكن من أخذه فهذا عليه زكاته إذا قبضه لما مضى.
وكذا صداق المرأة حكمه حكم الدين ولو قبل الدخول، فإن كان الزوج مليئاً أو غير جاحد وجبت فيه الزكاة، لا يلزمها الإخراج حتى تقبضه فتؤدي

عما مضى من السنوات، أما إن كان الزوج معسراً ويتعسر عليه الدفع، أو جاحداً ولا بينة لها فلا تجب فيه الزكاة.
أما ما سقط من الصداق قبل قبضه بطلاق الزوج قبل الدخول مثلاً فليس فيه القسم الساقط زكاة، وكذلك كل دين سقط قبل قبضه من غير إسقاط صاحبه أو تلفه فليس فيه زكاة.
فإذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها أو أبرأ الغريم غريمه من دينه، فعليها زكاة الصداق أو الدين عن الأعوام الماضية لأنهما يكونان كمن تملك ماله ثم انصرف فيه.
-4- ملك النصاب: فتجب الزكاة على من ملك نصاباً خالياً من دين، أما من ملك نصاباً وعليه دين يستغرقه أو ينقصه فلا زكاة فيه سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وسواء كان من الأموال الباطلة مثل الدراهم والدنانير وعروض التجارة أو من الأموال الظاهرة كالمواشي والزروع والثمار، لما روى البيهقي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال بمحضر من الصحابة: (هذا شهر زكاتكم.
فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة) 3 . رواه أبو عبيد في الأموال ولم ينكر فكان إجماعاً.
ومن مات وعليه دين وزكاة لا تتسع تركته لها قسمت بينهما بحصصهما، لأنهما تساويا في الوجوب فيتساويا في القضاء.
-5- مضي الحول لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استفاد مالاً، فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه) 4 . ورفقاً بالمالك ليتكامل النماء فيواسي منه، فإن استفاد مالاً بإرث أو هبة فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، إلا نتاج السائمة وربح التجارة ولو لم يبلغ نصاباً فإن حولهما حولّ أصلهما فيجب ضمها إلى ما عنده إن كان نصاباً، ولا يعتبر الحول في الخارج من

الأرض.
وإن لم يكن الأصل نصاباً فحول الجميع من كمال النصاب، فلو ملك خمساً وثلاثين شاة فنتجت شيئاً فشيئاً فحولها من حين بلوغها أربعين.
وكذلك لو ملك ثمانية عشر مثقالاً وربحت شيئاً فشيئاً فحولها منذ بلغت العشرين.
ولا يبني الوارث على حول الموروث، فإن ورث أربعين شاة في ربيع وكان بدء حولها عند مورثها في محرم فإن حولها عند الوارث يبدأ في ربيع من حين دخولها ملكه.
وإن هلك النصاب أو واحد منه أثناء الحول أو باعه انقطع الحول، فإذا ولدت له أخرى مكانها أوردت إليه استأنف الحول سواء ردت إليه ببيع جديد أو إقالة ما لم يكن قاصداً الفرار من الزكاة فلا تسقط.
أما إن نتجت واحدة أولاً ثم هلكت واحد لم ينقطع الحول لأن النصاب لم ينقص، وكذلك إن أبدل نصاباً بجنسه لم ينقطع الحول.
ولا يشترط لوجوب الزكاة البلوغ والعقل، لأن الزكاة تتعلق بالمال فتجب في مال الصبي والمجنون، ويخاطب بها وليهما ويخرجها عنهما، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: (ألا مَن وَلى يتيماً له مالٌ فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) 5 . وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (ابتغوا بأموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة) 6 . ولا يشترط في وجوبها أيضاً إمكان الأداء، لما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) 7 . فيدل بمفهومه على وجوبها فيه عند تمام الحول، فلو تلف النصاب بعد تمام الحول ضَمِن الزكاة ولم تسقط عنه سواء كان مفرطاً أو لم يفرط في التلف، لأنه مال وجب بالذمة فلا يسقط بتلف النصاب كالدين كما أنه لا تسقط الزكاة بموت من تجب عليه لأنه حق واجب تصح الوصية به فلا يسقط بالموت كدين الآدمي.

الباب الثاني (محال الزكاة)

محال الزكاة خمسة: -1- المواشي.
-2- الزروع والثمار.
-3- الذهب والثمار.
-4- المعدن.
-5- عروض التجارة.
أولاً: زكاة المواشي شروط وجوب الزكاة فيها: يجب أن تتوفر فيها بالإضافة إلى الشروط العامة ثلاثة شروط هي: -1- أن تكون من بهيمة الأنعام سواء أكانت أهلية أو وحشية، لكثرة نمائها ودرها ونفعها.
ولا زكاة في غيرها كالخيل والبغال والحمير والرقيق، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) 1 . -2- أن تكون سائمة أي راعية معظم الحول، فلا زكاة في المعلوفة، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب لهم: (في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة ... ) 2 ، فهذا يدل على نفي الزكاة عن غير السائمة.

-3- أن تكون متخذة للدر والنسل لا للعمل، فإن كانت للعمل فلا زكاة فيها.

مقدار نصابها: أ- من الابل خمس وتعتبر النجاتي (الجمل الذي له سنامان) نوع من الابل وتضم إليها.
ب- ومن البقر ثلاثون وتعتبر الجواميس نوع من البقر وتضم إليها.
حـ- ومن الغنم أربعون ويعتبر الضأن والمعز جنساً واحداً ويضم بعضه إلى بعض.
إذا كان لرجل سائمة عجلان فأكثر بينهما مسافة قصر فلكل محل حكم نفسه، فإذا كان له شياه بمحال متباعدة في كل محل أربعون فعليه شياه بعدد المحال، ولا شيء عليه إن لم يجتمع له في كل محل أربعون مالم يكن خلطة.
أما إن كان له بمحال ليس بينها مسافة قصر ضم بعضها إلى بعض وكانت زكائها كزكاة المختلطة.
مقدار الزكاة: أ- زكاة الابل: -1- من (5 - 24) : في كل خمسة شاة إما جذعة ضأن 1 أو ثنية معز 2 . -2- من (25 - 35) : بنت مخاض (لها سنة ودخلت في الثنانية) سالمة من العيوب، فإن لم تكن فإبن لبون (له سنتان ودخل في الثالثة) ، فإن لم يجده وجب عليه شراء بنت مخاض، فإن لم يجد جاز له اخراج حقَّه لأنها أعلى.
-3- من (36 - 45) : بنت لبون أثنى وهي ماله سنتان.
-4- من (46 - 60) : حقة (لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة) . -5- من (61 - 75) : جذعة وهي التي ألقت سناً لها أربع سنين ودخلت في الخامسة) .

-6- من (76 - 90) : بنت لبون.
-7- من (91 - 120) : حقتان.
-8- في الـ (121) ثلاث بنات لبون.
-9- من (122 - 199) : في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ففي الـ (130) حقة وبنتا لبون.
-10- في الـ (200) أربع حقق أو خمس بنات لبون.

ب- زكاة البقر:

  • في الثلاثين: تبيع أو تبيعة (لها سنة ودخلت في الثانية) .
  • في الأربعين مسنّة (لها سنتان ودخلت في الثالثة) ولا يجزء الذكر.
    فإذا زادت على ذلك ففي كل تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنّة، ففي الستين تبيعان أو تبيعتان، وفي السبعين مسنة وتبيع أو تبيعة، وفي الثمانين مسنّتان، وفي التسعين ثلاث أتبعة، وفي المائة مسنة وتبيعان أو تبعتان، وفي مائة وعشرة مسنتان وتبيع، وفي مائة وعشرين تجب أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات.
    وهكذا وما بين الفريضتين معفو عنه ولا زكاة فيه.
    جـ- زكاة الغنم: من (40-120) : شاة (جذعة ضأن أي لها ستة أشهر، أو ثنية معز لها سنة ودخلت في الثانية) . ومن (121-200) : شاتان.
    ومن (201-399) : ثلاث شياه.
    ومن (400 فما فوق) : في كل مائة شاة، وما بين الفريضتين معفو عنهولا زكاة فيه.

ماهية الزكاة المأخوذة: لا يجزئ في الزكاة إخراج هرمة، ولا معيبة، ولا تيس لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) 1 . -2- ولا يجزئ في الزكاة إخراج الربى، وهي التي تربّى في البيت للبنها، ولا الماخض وهي الحامل ولا التي طرقها الفحل لأن الغالب أنها حامل، ولا الأكولة وهي السمينة، ولا فحل الماشية المعد لضرابها، ولا حزرات المال وهي خياره تحزره العين لحسنه لقول النبي لحسنه صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: (.. فإياك وكرائم أموالهم) 2) إلا إن تبرع المالك بدفع شيء من هذا أو أخرج بأعلى من جنسه.
-3- ولا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة الواجبة، لما روى معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن وقال له: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) 3 .

الخلطة في الزكاة: الخلطة في السائمة هو أن يخلط شخصان أو أكثر من أهل الزكاة مواشيهما مع بعضهما حولاً كاملاً بشرط أن يكون مجموعهما نصاباً فأكثر.
أقسامها اثنان: أ- خلطة أعيان بأن يملكا مالاً مشاعاً يرثانه أو يشتريانه أو غير ذلك.
ب- خلطة أوصاف بأن يكون مال كل واحد منهما متميزاً فيخلطاه.

حكمها: الخلطة في الزكاة هي أن يجعل المالين كالمال الواحد ضمن شروط معينة، فإذا كان لإنسان شاة ولآخر تسعة وثلاثون فعليهما شاة، أو كان لأربعين رجلاً أربعون شاة لكل واحد شاة واشتركوا حولاً تاماً فعليهم شاة على حسب ملكهم.
وإذا كان لثلاثة أشخاص مائة وعشرون لكل واحد أربعون ولم يثبت لأحدهم حكم الانفراد في الحول فعلى الجميع شاة واحدة أثلاثاً في حين يلزمهم مع عدم الخلطة ثلاث شياه.
شروط الخلطة: -1- أن تكون في السائمة ولا تؤثر الخلطة في غيرها.
-2- أن يكون الخليطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما مكاتباً أو ذمياً فلا أثر لخلطته أنه لا زكاة في ماله.
-3- أن يختلطا في نصاب فإن اختلطا فيما دونه مثل أن يختلطا في ثلاثين لم تؤثر الخلطة سواء كان لهما مال سواه أو لم يكن.
-4- أن تختلط الماشية في ستة أشياء: المسرح 1 ، والمشرب، والمحلب 2 ، والمراح 3 ، والراعي، والفحل، لما روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) 4 وفي رواية: (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفرق، والخليطان ما اجتمع على الحوض والراعي والفحل) 5 . -5- أن يختلطا في جميع الحول، فإن كان مال كل واحد منهما منفرداً فخلطاه زكيله في الحول الأول زكاة الانفراد وفيما بعده زكاة الخلطة، فإن اتفق حولاهما مثل [ص-355] أن يملك كل واحد منهما أربعين في أول المحرم وخلطاهما في صفر أخرجا إذا تم حولهما الأول شاتين وإذا تم الثاني فعليهما شاة واحدة.
فإن اختلف حولهما فمن أحدهما أربعون في محرم ومن الآخر أربعون في صفر وخلطاهما في ربيع أخرجا شاتين للحول الأول كلّ في جحوله: الأول في محرم والآخر في صفر، فإذا تم الحول الثاني فعلى الأول نصف شاة أي في محرم للسنة الثانية زكاة خلطة وعلى الثاني عند تمام حوله الثاني في صفر نصف شاة زكاة خلطة لأن الثمانين الشركة تجب فيه شاة واحدة.
وإن باع أحدهما غنمه بغنم صاحبه وأبقياهما على الخلطة لم ينقطع حولهما ولم تزل خلطتهما، وكذا إن باع البعض بالبعض من غير إفراد قل المبيع أو كثر.
أما إن أفرداها ثم تبايعا ثم خلطاها وطال زمان الإِفراد بطل حكم الخلطة.
وإن أفردا بعض النصاب تبايعا وكان الباقي على الخلطة نصاباً لم تنقطع الخلطة لأنها باقية في نصاب، أما إن بقي أقل من نصاب فحكمها حكم إفراد جميع المال.

ثانياً: زكاة الزروع والثمار دليل فرضيتها: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) 1 . شروط وجوبها: بالإضافة إلى الشروط العامة لوجوب الزكاة (ما عدا مرور الحول) خمسة شروط خاصة بها: -1- أن يكون حباً أو تمراً، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في حب ولا تمر صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسقٍ، ولا فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة.
ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة) 2 . وهذا يدل على وجوب الزكاة في الحب والثمر وانتفائهما عن غيرهما.
-2- أن يكون قليلاً لتقديره بالأوسق.
-3- أن يكون مما يدخر، فتجب الزكاة في جميع الحبوب المكيلة المقتات منها والقطاني (الفول، الحمص العدس ... ) والبذور وحب القطن ونحوها، وتجب في التمر والزبيب واللوز والفستق والعناب لاجتماع هذه الأوصاف الثلاثة فيها.
ولا زكاة في سائر الفواكه كالجوز والتفاح والأجاص والتين لعدم الكيل فيها وعدم الادخار في بعضها، لما روى البيهقي (أن عامل عمر رضي الله عنه كتب إليه أن قبله حيطاناً فيها كروم وفيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافاً.
فكتب إليه يستأمره في العشر، فكتب إليه عمر أنه ليس عليها عشر قال هي من العضاه كلها فليس عليها عشر 3) .

ولا زكاة في الزيتون والرمان والورق والزهر، أما قوله تعالى: (والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) 4 قيل لم يرد بهذه الآية زكاة لأنها مكية نزلت قبل وجوب الزكاة.
-4- أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة فيه وإن لم يزرعه، فتجب الزكاة فيما نبت بنفسه مما يزرعه الآدمي كمن سقط له حب في أرضه فنبت وفعل الزرع ليس شرطاً.
ولا زكاة فيما يكتسبه اللقاط، أو يأخذه أجرة لحصاده ونحوه، ولا فيما يجنيه من المباح كالبطم والزعبل وبزر قطون.
ومن استأجر أرضاً أو استعارها فالزكاة عليه فيما زرع لأن الزرع ونفع الأرض له دون المالك كما لو كانت الأرض موقوفة له فعليه زكاة ما ينبت.
-5- أن تكون نصاباً من جنس واحد، فلا يُضم جنس إلى آخر كأن يضم القمح إلى الشعير، بخلاف الأنواع فإنها تُّضم بعضها إلى بعض ويخرج من كل نوع بقسطه، فإن شق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها أخذ من الوسط، وإن أخرج رب المال الجيد عن الرديء جاز وله ثواب الفضل.

مقدار النصاب: خمسة أوسق 1 من الحب المصفى من التبن، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) 2 ، وتضم أنوع الجنس بعضها إلى بعض ليكمل النصاب فيضم العَلَس إلى الحنطة والسلت إلى الشعير لأنهما نوعا جنس واحد.
ويضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض سواء اتفق وقت اطلاعه وإدراكه أو اختلف، فلو حصدت الذرة ثم نبتت مرة

أخرى يضم أحدهما إلى الآخر لأنه زرع عام واحد.
ولا يضم جنس إلى غيره لأنهما جنسان مختلفان.

مقدار زكاة الزروع والثمار: ما سقي بماء السماء والعيون والأنهار (أي بدون كلفة) فزكاته العشر وذلك لخفة مؤنته.
-2- ما سقي بدولاب، يديره حيوان أو آدمي، أو بنضح، أو بماء اشتراه فزكاته نصف العشر لارتفاع مؤنته، لحديث سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً 5 ، العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر) 6 . -3- فيما سقي نصفه بغير كلفة ونصفه بكلفة ففيه ثلاثة أرباع العشر، لأن النصف الأول فيه العشر والنصف الثاني فيه نصف العشر فالزكاة هي مجموعهما.
وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر بالأكثر، وإن اختلف الساعي ورب المال في قدر السقي فالقول قول رب المال من غير يمين لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم.

متى تجب الزكاة: تجب الزكاة عند بدو صلاح الزروع باشتداد الحب، لأنه حينئذ طعام، وهو قبل ذلك بقل، كما تجب عند حلول طعم الحلو أو التلون في التمر والعنب، وهو قبل ذلك بلح وحصرم، وبدو صلاح بعضه كبدو صلاح كله.

فإن تلف الحب أو الثمر قبل بدو الصلاح فلا شيء فيه لأنه تلف قبل الوجوب، وإن تلف بعد وجوب الزكاة وقبل حفظها في بيدرها بغير تفريط، فلا ضمان عليه سواء خرصت أو لم تخرص لأنها في حكم ما لم تثبت اليد عليه، أما إن تلفت بعد جعلها في بيدرها فيضمنها.
ويجوز لرب المال بعد وجوب الزكاة عليها البيع، لأن الزكاة ترتبت في ذمته فلا يمنع من التصرف في ماله، ويجب عليه اخراج زكاته دون المشتري كما لو لم يبعه.
متى يجب إخراجها: يجب إخراج الزكاة من الحبوب بعد التصفية، ومن الثمار بعد الجفاف، لأنه وقت الكمال وحالة الادّخار، وإن كانت ثمراً يستحب للإمام أن يبعث من يخرص الثمار عند بدو الصلاح، لما روى عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُخرص العنب كما يُخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً) 1 . ويخرص الرطب والعنب دون غيرهما، لأن الحاجة داعية إلى أكلهما رطبين، وخرصهما ممكن لظهور ثمرتهما.
فيطوف الخارص بكل شجرة، ويقدر ثمرها رطباً ثم يابساً مفرقاً بين الأنواع المختلفة، ثم يُعَرِّف المالكَ قد الزكاة، ويخيره بين حفظها إلى الجذاذ وبين التصرف فيها وضمان حق الفقراء، فإن اختار حفظها فعليه زكاة ما يؤخذ منها قلَّ أو كثر لأن الفقراء شركاؤه فليس له أكثر من حقهم فيها، وإن اختار التصرف ضَمن حصة الفقراء بالخرص، ويتخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص ويأخذ نصيبه شجرات منفردة وبين مقاسمة رب المال الثمرة بعد جذها بالكيل ويقسم الثمرة في الفقراء وبين بيعها للمالك أو لغيره قبل الجذاذ وبعده ويقسم ثمنها في الفقراء، فإن أتلفها رب المال فعليه قيمتها.

شروط الخارص: يشترط في الخارص أن يكون ذكراً، مسلماً، أميناً، غير متهم، ذا خبرة،

ويصح أن يكون الخارص هو المالك نفسه إذا توفرت فيه الشروط المذكورة، ويجزئ خارص واحد.
والحكمة من الخرص هي معرفة القدر الذي وجبت فيه الزكاة، والتوسيع على المالك إذ يتناول بعد الخرص من زرعه ما يشاء، وحفظ حق الفقراء من الزكاة.
وعلى الخارص أن يترك من الخرص الثلث أو الربع توسعة على رب المال، لحاجته إلى الأكل منها والإطعام، ولأنه قد يتساقط منها، وينتابها الطير والمارة، لما روي عن سهل بن أبي حثمة قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا خرصتم فجذُّوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا أو تجذُّوا الثلث فدعوا الربع) 1 ، فإن لم يترك الخارص شيئاً فيجوز الأكل بقدر ذلك ولا يُحتسب عليه.
فإذا احتيج إلى قطع الثمرة قبل كما لها لخوف العطش أو غيره، أو لتحسين بقية الثمرة، جاز ذلك لأن العشر وجب مواساةً فلا يكلف منه ما يهلك أصل المال.

حالة اجتماع العشر والخراج: يجتمع العشر والخراج في كل أرض فُتحت عنوة 2 ، الخراج نقد في رقبتها والعشر في غلتها.
ويجوز لأهل الذمة شراء الأرض العشرية ولا عشر عليهم في الخارج منها لأنهم من غير أهل الزكاة، ولكن يكره للمسلم أن يبيعها لهم لئلا يفضي إلى اسقاط الزكاة.

زكاة العسل: تجب الزكاة في العسل، لما روى الأثرم قال: "سئل أبو عبد الله: أنت

تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم، أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر، قد أخذ عمر منهم الزكاة.
قلت: ذلك على أنهم يطوعون، قال: لا بل أخذ منهم.
" وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل (من كل عشر قرب قربة) 1 . نصابه: مائة وستون رطلاً عراقية، وهي عشر أفراق كل فَرَق: ستة عشر رطلاً عراقياً 2 ، لما روى الجوزجاني عن عمر رضي الله عنه (أن أناساً سألوه فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لنا وادياً باليمن فيه خلايا من نحل، وإنا نجد ناساً يسرقونها.
فقال عمر: إن رأيتم صدقتها من كل عشرة أفراق فَرَقاً حمينها لكم) . والفَرَق: مكيال معروف بالمدينة، فحمل كلام عمر رضي الله عنه على المتعارف ببلده أَولى.

ثالثاً: زكاة الذهب والفضة دليل فرضيتها: قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) 1 . نصابها الورِق (الفضة) مائتا درهم، والذهب عشرون مثقالاً 2 ، وما زاد فبحسبانه، لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدقة) 3 . وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار) 4 . ويُضم الذهب إلى الفضة في إكمال النصاب وإن كانا جنسين لأن مقصدهما وزكاتهما متفقة فهما كنوعي جنس، ويكمل نوع بنوع آخر من جنس واحد ويؤخذ من كل نوع بالقسط إن سهل وإلا أخذ من الوسط.
ولا زكاة في المغشوش من الذهب أو الفضة حتى يبلغ خالصه نصاباً وعنها يخرج الواجب إما خالصاً وإما مغشوشاً خالصه بقدر الواجب.
وأما الفلوس فتجب الزكاة في قيمتها كعروض التجارة، وتضم العروض التجارية إلى كل منهما في تكميل النصاب.

مقدار الزكاة: ربع العشر، لما ورد في الكتاب الذي كتبه أبو بكر رضي الله عنه لأنس رضي الله عنه، وعليه خاتم رسول صلى الله صلى الله عليه وسلم: فإذا فيه: (وفي الرقة ربع العشر) 3 والرقة الدراهم المضروبة، فيجب في المائتين خمس دراهم وفي العشرين مثقالاً نصف مثقال.

زكاة الجواهر: لا زكاة في الجواهر واللآلي، لأنها معدة للاستعمال، ما لم تكن عروضاً تجارية.
زكاة الحلي: أ- الحلي المباح: لا زكاة في الحلي المباح كحلية النساء وخاتم الرجل من الفضة إن كان معداً للاستعمال لا للتجارة ولا للكري 1 ، لما روي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (ليس في الحلي زكاة) 2 ولا فرق بين كثير الحلي وقليله، فإن كسر الحلي كسراً يمنع لبسه وترك وحال عليه الحول ففيه زكاة.

ويباح للرجل من الفضة الخاتم، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: (اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق) 3 . والأولى أن جعله في يساره ويكره بسبابة ووسطى، ويكره أن يكتب عليه ذكر الله قرآناً كان أو غيره.
ويباح له أيضاً قبيعة السيف وهي ما يجعل على طرف القبضة لما روي عن أنس رضي الله عنه قال: (كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة) 4 . كما يباح له حلية المنطقة وهي ما يشد به الوسط ونحوها كحلية الجوشن والخوذة والخف وحمائل السيف لأن ذلك يساوي المنطقة معنى فوجب أن يساويها حكماً، وقد اتخذ الصحابة مناطق محلاة بالفضة، ولأنه يسير تابع، ولا يباح غير ذلك كتحلية المراكب ولباس الخيل كاللجم وتحلية الدواة والمقلمة والمشط والمكحلة والميل والمرآة والقنديل.
أما من الذهب فيباح للرجل قبيعة السيف أيضاً لأن عمر رضي الله عنه كان له سيف فيه سبائك من ذهب، وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب ذكر ذلك أحمد وقيده باليسير.
وكذلك يباح له ما دعمت إليه الضرورة كأنف ورباط أسنان، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن (عرفجة بن سعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ، أنفاً من فضة فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفاً من ذهب) 5 . ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر كالطوق والخلخال والسوار والقرط والتاج وما أشبه ذلك، لما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم) 6 .

ب- الحلي الحرّم: تجب الزكاة في الحلي المحرم، فمن ملك مصنوعاً من الذهب والفضة محرّماً كالأواني وخاتم الرجل من الذهب أو غيره ففيه الزكاة.
فإن كان محرم الاستعمال معداً للتجارة وجبت الزكاة في قيمته كالعروض، وإن لم يكن معداً للتجارة فزكاته على حسب وزنه ولو زادت قيمته لأنها حصلت بواسطة صنعه محرمة يجب إتلافها شرعاً فلم تعتبر.
أما في الصناعة المباحة كحلي التجارة أو ما أعد للادّخار فعليه أن يزكي باعتبار قيمته لأنه لو أخرج قدر ربع عشره وزناً فاتت قيمة الصنعة المباحة شرعاً على الفقراء وهو ممتنع.

رابعاً زكاة المعدن تعريف المعدن: المعدن هو ما استخرج من الأرض مما خلق فيها من غير جنسها سواء كان جامداً كالذهب والفضة والحديد والبلور والعقيق والكبريت وأشباهها أو مائعاً كالزرنيخ والنفط ونحوها.
دليلها: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ 5 .

فصول الكتاب · 6 فصل · 503 صفحة
جارٍ التحميل