فقه العبادات على المذهب الحنبليصفحات 421-443
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 421-443
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعاد زرزور
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الحنبلي
المؤلف
الحاجّة سعاد زرزور [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الباب الأول

تعريف الحج: لغة: القصد إلى معظَّم.
شرعاً: أعمال مخصوصة في زمان مخصوص ومكان مخصوص على وجه مخصوص، أو قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص.
حكمه: فرض في العمرة مرة على الفور، فكل من توفرت فيه شروط وجوبه ثم أخره عن أول عام استطاع فيه يكون آثماً بالتأخير.
دليل فرضيته: ثبتت فرضية الحج بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ 2 . ومن السنة: ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا.
فقال: رجل: أكل عام؟ يا رسول الله فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك م كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.
وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) (2) . وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
وإقام الصلاة.
وإيتاء الزكاة.
وحج البيت.
وصوم رمضان) 3 . 1

ودليل فوريته: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالرسول الله: (من أراد الحج فليتعجل.
فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة) 1 ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ملك زاداً وراحلة تُبلِّغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً.
وذلك أن الله يقول في كتابه: والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) 2 .

شروط الحج: -1ً- شروط وجوب الحج: أولاً: الإسلام: فلا يجب الحج على الكافر كما لا يصح منه، سواء كان كافراً أصلياً أم مرتداً.
ثانياً: العقل: فلا يجب على المجنون كما لا يصح منه كالصبي غير المميز.
ثالثاً: البلوغ: فلا يجب على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، وإن حج فلا يجزئ عن حجته الإسلام، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى) 1 . فإذا بلغ الصبي قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ثم عاد إلى عرفة فوقف في وقته، أجزأه حجه عن حجة الإسلام، ما لم يكن أحرم مفرداً أو قارناً وكان سعى بعد طواف القدوم.
والدليل على أن حج الصبي صحيح ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (رفعت امرأة صبياً.
فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) 2 ، إلا أنه يجب على الصبي أن يحرم بإذن وليه إن كان مميزاً، فإن أحرم بدون أذنه لم يصح حجه.
أما الصبي غير المميز فيحرم عنه وليه الذي يلي ماله، سواء كان الوالي محلاً أو محرماً، وسواء حج عن نفسه أم لم يحج، فيقول: (نويت الحج عن فلان) فيصير الصبي محرماً دون وليه، وإن أحرمت أمه عنه صحّ، أما الصبي فلا يضح إحرامه عن نفسه، ثم ما قدر الصبي على فعله من أفعال الحج كالوقوف بعرفة وبمزدلفة فعليه فعله، وما لا يمكنه فعله فعَله عنه وليّه كالرمي، لما روى جابر رضي الله عنه قال: (حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان، فلبيّنا عن الصبيان ورمينا عنهم) 3 ولكن لا يجوز الرمي عن الصبي إلا من قبل من أسقط فرض الرمي عن نفسه.
أما الطواف فإن أمكنه المشي طاف وإلا طيف به محمولاً، فقد روى الأثرم عن أبي إسحاق (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه طاف بابن الزبير في خرقة) . وأما ما يرتكبه الصبي من محظورات الإحرام إن كان مما يفرق بين عمده وسهوه فلا فدية فيه، لأن عمد الصبي خطأ، وإن كان مما يستوي عمده وسهوه كجزاء الصيد ونحوه ففيه الفدية.
وإن وطئ الصبي أفسد حجه، ووجبت الفدية، ويمضي في حجة فاسدة، وعليه القضاء إذا بلغ، ولا تجزئ حجة القضاء هذه عن حجة الإسلام.
رابعاً: الحرية: فلا يجب الحج على العبد، وإن حجّ فحجّه صحيح، سواء كان بإذن سيّده أم بدون إذنه، لكن إذا كان أحرم بإذن سيّده فليس له أن يحلله، أما إن أحرم بدون أذنه فله أن يحلله بعد أن أحرم، وفي كلتا الحالتين لا يجزئ حجه عن حجة الإسلام.
وإن نذر العبد الحج انعقد نذره، فإن نذر بإذن سيّده لم يملك منعه من الوفاء به، أما إن نذر بدون أذن وليّه فله أن يمنعه وعليه الوفاء بنذره متى أعتق ولكن بعد حجة الإسلام.
وإن أتى العبد بفعل مما يوجب الفدية فعليه أن يفدي بالصيام، وإن أفسد حجه فعليه إتمامه وعليه الصوم بدلاً من البدنة.
خامساً: الاستطاعة: فلا يجب الحج على غير المستطيع، بدليل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلاً﴾ ، فلو تكلف العاجز

الحج أجرأه، ووقع موقعه أي سقط عنه رفقاً به، لكن إن حج كلاً على الناس لمسألته إياهم وتثقيله عليهم كره له ذلك، وإن لم يكن كلاً على أحد لقوته على المشي والتكسب بصناعة أو معاونة من ينفق عليه فهو مستحب، لقوله تعالى: ﴿يأتون رجالاً وعلى كل ضامر﴾ 4 .

ماهية الاستطاعة: -1ً- للآفاقي: القدرة على الزاد والراحلة الصالحة لمثله بشراء أو كراء وما يحتاج إليه من آلتها، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة) 1 ، والزاد يشمل ما يلي: -1- المأكل.
2- المشرب.
3- الكسوة لذهابه أو رجوعه.
-4- القدرة على الماء وعلف البهائم في محطات الطريق، ولا يكلف بحمل ذلك من بلده لما فيه من المشقة.
5- القدرة على أوعية الزاد والماء.
ويشترط في الزاد والراحلة أن يكونا فاضلين عما يحتاج إليه لقضاء دين حالّ أو مؤجل، وعن نفقة عيال، وما يحتاج إليه من مسكن وخادم حتى يعود، ولا يجب عليه بيع دار سكنه، أو دار يحتاج إلى أجرتها لنفقته أو نفقة عياله، أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه لذلك، أو آلات صناعية، أو كتب علم محتاج إليها، لأن كل ذلك أشبه بالنفقة.
أما من كان من ذلك زائداً عن حاجته كمن له من كتاب نسختان، أو له دار فاضلة، أو مسكن واسع يكفيه بعضه، فعليه صرف ذلك في الحج.
أما من كان معه مال وأراد النكاح به لخوف العنت قدَّم النكاح على الحج، وإن لم يخف اعنت وجب عليه تقديم الحج على النكاح.
ومن بذل له ولده أو غيره مالاً ليحج به لم يلزمه قبوله، أو بذل له أن يحج عنه لم يلزمه قبوله أيضاً، لما فيه من المنة والمشقة على نفسه.

-2ً- الاستطاعة للمكي أو لمن بينه وبين مكة دون مسافة القصر: هي القدرة على الحج ماشياً من غير مشقة شديدة، مع القدرة على الزاد.
سادساً: أمن الطريق: أي أن لا يكون في الطريق مانع من خوف على نفسه أو ماله أو عرضه، سواء كان الطريق براً أم بحراً، فينبغي أن تغلب السلامة فيه، وإلا لم يجب عليه الحج.
وإن كان الطريق آمناً لكن هناك خفارة (قطاع طرق، تطلب منه مالاً كي تسمح له بالمرور) فيجب عليه الحج إن كان المبالغ معقولاً، كما قال ابن حامد، وقال القاضي: لا يلزمه الحج، لأنها رشوة في الواجب فلم تلزمه.
وهو شرط للزوم الأداء دون الوجوب إذا توفرت شروط الوجوب.
سابعاً: أن يكون المكلف مبصراً، فإن كان أعمى فإنه لا يجب عليه أداء الحج، إلا إذا وجد قائداً يقوده، وإلا لا يجب عليه الحج لا بنفسه ولا بغيره.
وهو شرط للزوم الأداء أيضاً.
يضاف إلى هذه الشروط شروط أخرى تتعلق بالمرأة.
أ- وجود المحرم:.
لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم) (1) . شروط المحرم: -1ً- أن يكون زوجها، أو من تحرم عليه مؤبداً، إما بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو من تحرم عليه بسبب مباح كابن زوجها أو أبيه.
-2ً- أن يكون ذكراً.
-3ً- أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً.
أما عبدها فليس بمحرم لها، لأنها تحل له إذا أعتق، وليس بمأمون عليها، وكذا من حرمت عليه بسبب محرّم كالزنا أو وطء لشبهة فليس بمحرم.
-4ً- أن تكون المرأة قادرة على النفقة عليه.

موت المحرم: إن مات المحرم في الطريق أتمت حجها إن كانت تباعدت، وإن كانت قريبة رجعت.
ولا يحق للزوج منع زوجته من حج الفرض، لأنه واجب بأصل الشرع فأشبه صوم رمضان، لكن يستحب لها استئذانه.
أم حج النفل فله منعها منه، لأن حقه ثابت في استمتاعه بها فلا تملك إبطاله بما لا يلزمها، فإن أحرمت بحج التطوع من غير إذنه فله أن يحللها كالعبد وسيده.
ب- أن لا تكون معتدة عدة وفاة، لأن عدة الوفاة واجبة في المنزل فتفوت بخروجها، لذا تُقدّم على الحج الذي لا يفوت.
فإن مات زوجها في الطريق، وكانت قد تباعدت، فلها أن تتم حجها لأنه لا بد من سفرها فالسفر الذي يحصل به الحج أولى، أما إن كانت قريبة رجعت لتقضي العدة في بيتها.
فإن حجت المرأة بلا محرم حرم سفرها وأجزأها حجها.

-2ً- شروط صحة الحج: -1- الإسلام فلا يصح من الكافر كما لا يصح عنه.
-2- العقل: فلا يصح من المجنون.
-3- التمييز بشرط أن يحرم بإذن وليه، فإن لم يأذن له وليه لم يصح إحرامه.
أما المجنون والصبي غير المميز فيصح أن يحرم عنهما وليهما ولكن بشرط أن يُحضِرَهما كل المواقف والمشاهد فيطوف ويسعى بهما ويأخذهما إلى عرفة ... الخ.
-3ً- شروط الإجزاء عن حجة الإسلام: -1- البلوغ.
-2- الحرية.
ودليل ذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى) 1 .

فإذا بلغ الصبي، أو أعتق العبد، قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ثم عاد إليه قبل أن ينتهي وقته أجزأهما عن حجة الإسلام ما لم يكونا أحرما على وجه الإفراد أو القران وسعيا بعد طواف القدوم.
-4- شروط الأداء بالنفس: السلامة: أي كونه على حال يمكنه الثبوت على الراحلة، فإن عدم ذلك لمرض لا يرجى برؤه أو كبر، وكانت توفرت فيه شرائط الوجوب كلها، وجب عليه أن يستنيب من يحج عنه ويعتمر.
الاستتابة بالحج (الحج عن الغير) : حكمها: آ- واجبة على الفور في الحالات التالية: -1- عن الحي المعضوب، أو كبير السن الذي لا يستطيع الظعن، أو المريض الذي لا يرجى برؤه، ويمنعه من الحج فإنه يحج عنه بإذنه، بدليل ما روي عن أبي رزين العقيلي (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر) (1) . -2- من وجب عليه الحج في حياته فمات ولم يحج، سواء كانت حجة الإسلام أو حجة أو نذر أو حجة قضاء، ولو لم يُوص بها، لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) 2 ، وروي عنه أيضاً: (أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها، مات ولم يحج.
قال: حجي عن أبيك) 3 .

ب- جائزة في حج التطوع عن الحي والميت، في الحالات المذكورة في وجوب الاستنابة على الفور، لأن ما جاز فرضه جاز نفله.

شروط المستناب: -1- أن لا يكون عليه حجة فرض (حجة الإسلام أو نذر أو قضاء) ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شُبْرُمَة.
قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا.
قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) 1 . -2- أن يكون حراً ولو امرأة بشرط أن يكون معها محرم.
-3- أن يخرج المستناب من بلد المستنيب أو من الموضع الذي أوسر فيه المنيب.

  • وإن مات الحاج في الطريق استنيب عنه من حيث انتهى عليه، لأنه أسقط عنه ما ساره، وإن مات بعد فعل بعض المناسك فعل عنه ما بقي، لأن ما جاز أن ينوب عنه في جميعه جاز في بعضه كزكاة، وسواء كان إحرامه لنفسه أو عن غيره.
    فإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج عنه من بلده حج عنه من حيث تبلغ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 2 . وهذا ما ذهب إليه الإِمام أحمد.
    نفقة المستناب: تؤخذ نفقة المستناب من تركة الميت من رأس ماله، لأن الحج واجب فكان من رأس ماله كالدين، فإن اجتمع على الميت مع الحج دين آدمي، وضاق ماله عنهما فإنهما يتحاصا، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء) 3 . فعلى هذا يؤخذ ما يخص الحج فيصنع به ما صنع بتركة من لم يخلف ما يفي بالحجة الواجبة، ويحج به عنه من حيث يكفي هذا المال، للحديث المتقدم: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .

الباب الثاني (أركان الحج)

أولاً: الإحرام: الإحرام هو قصد الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما معاً، ويشترط فيه النية، فلا يصير محرماً بمجرد التجرد أو التلبية من غير نية الدخول في النسك، لحديث: (إنما الأعمال بالنية) 4 ، ولأنه عبادة محضة فافتقرت إلى نية كالصلاة.
وإن شك هل أحرم أم لا فهو كالناسي لإحرامه (يرجع إلى الميقات ليحرم) ، ومن نسي بما أحرم به صرفه إلى أي نسك شاء.
وإن نوى إحراماً بنسك فسبق لسانه إلى غيره انعقد إحرامه بما نواه دون ما نطق به.
ولا يفتقر انعقاد الإحرام إلى التلبية، لأنه عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم.

سنن الإحرام: -1- يستحب الغسل لكل محرم، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، لما روى خارجة بن زيد عن أبيه (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل) 1 . ويسن الغسل للمرأة حتى في حال الحيض والنفاس، لما ورد في حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة.
فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر.
فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال اغتسلي.
واستثفري بثوب وأحرمي) 2 .

ولا يسن التيمم عند العجز عن الغسل، لأن الحكمة من الغسل النظافة، على قول إحدى الروايتين والمعتمد أنه يتيمم لعموم قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) 3 . -2- يستحب قبل الغسل التنظيف بقص الشارب، وأخذ شعر العانة والإِبط، وقص الأظافر وتقليمها، وقطع الرائحة.
-3- تطيب البدن، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) 4 ، ولا يسن تطيب الثياب.
-4- يسن للرجل لبس إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض.
فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) 5 . ولبس نعلين أيضاً، لقوله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) 6 . -5- أن يحرم عقب صلاة إما مكتوبة أو نافلة.
-6- التلفظ بالنية، وتعيين النسك الذي أحرم به، فإن أطلق صرفه حيث شاء، وإن أحرم بإحرام غيره صح، كأن يقول: أحرمت بمثل ما أحرم بمثل ما أحرم به فلان، لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم.
فقال: بم أهللت؟ قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فقد أحسنت) 7 .

-7- أن يشترط حين إحرامه بهذا الشرط يقول: "أن محلي حيث يحبسني".
فيقول: "اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقلبه مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث يحسبني"، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج.
وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجي واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني) 8 ويفيد هذا الشرط في شيئين: آ- أنه متى عاقه عائق من مرض أو غيره فله التحلل.
ب- أنه إذا حل لذلك فلا شيء عليه من دم ولا غيره.
-8- البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته، لما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه صلى الله عليه وسلم أهلّحين استوت به راحلته قائمة) 9 ، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أيُّ الحج أفضل؟ قال: العجّ والثجّ) 10 ، وروى ابن ماجة عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من محرم يَضْحى لله يومَه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه) 11 . ويرفع الرجل صوته بالتلبية، لما روى خلاّد بن السائب بن خلاّد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأمرني أن آمُرَ أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) 12 . أما المرأة فتسمع نفسها فقط ويكره لها الجهر.
وصيغة التلبية: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحُليفة، أهلّ، فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) (13) . ولا بأس بزيادة قوله: "لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والرغباء إليك والعمل".
وزاد أنس رضي الله عنه: "لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً"، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل الله تعالى الرضا والجنة، بأن يقول: "اللهم إني أسألك رضاك والجنة" ويستعيذ من النار بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من سخطك ومن النار".
ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته، لما روى أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لبيك عمرة وحجاً) 13 .

  • ويستحب الإكثار من التلبية، لحديث جابر رضي الله عنه المتقدم: (ما من محرم يضحى لله يومَه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه) 14 ، ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع في صعود وهبوط، أو تلبس بمحظور ناسياً، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، وبالأسحار، وإذا التقت الرفاق، لما روى جابر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلي إذا رأى راكباً أو صعد أكمة، أو هبط وادياً، وفي إدبار المكتوبة، وآخر الليل) . كما تستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساج الحرم وبقاعه لأنها مواضع النسك، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره.
    -9- يستحب للمحرم قلة الكلام إلا فيما ينفع، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) 15 فهذا في حال الإحرام والتلبس بطاعة الله تعالى والاستشعار بعبادته أولى 16 . ولا يبطل الإحرام بجنون أو إغماء أو سكر كالموت ولا ينعقد مع وجود أحدها.

ما يكره للمحرم: -1- حك شعره بأظفاره كي لا ينقطع، فإن انقطع به شعره لزمه فدية.
-2- الكحل بالإِثمد غير المطيب، لأنه زينة والحاج أشعث أغبر، وهو في حق المرأة أشد كراهة ولا فدية فيه.
-3- النظر في المرآة لإصلاح شيء لأنه نوع من التزيين، أما إذا كان لضرورة كإزالة شعر بعين فيباح للحاجة ولا يكره.
ثانياً: والوقوف بعرفة: دليل ركنيته: ما روى عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) 17 . مكان الوقوف: عرفة كلها موقف إلا بطن وادي عُرْنة، لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ... وقفت ههنا وعرفة كلها موقف ... ) 18 ، ويقصد بقوله ههنا: عند الصخرات حيث الجبل ههنا يسمى جبل الرحمة.
وحدود عرفة: من الجبل المشرف على وادي عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر، ومسجد نمرة ليس من عرفة.
والواجب في الوقوف أن يحضر المحرم بأرض عرفة.
ويصح وقوفه حتى لو وقف على غصن شجرة فيها، أو على دابة، والمقصود مطلق الحضور لا خصوص الوقوف، لذا يصح وقوفه إن كان نائماً أو ماراً في طلب آبق أو هارباً، وإن لم يعرف كون الموضع عرفة بشرط وجود نية الحج.

زمن الوقوف: يبدأ الوقوف من طلوع فجر يوم يوم عرفة، ويستمر إلى طلوع فجر يوم النحر، لما روى عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جَبَلَيْ طيء، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه.
فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد أتم حجه، وقضى تفثه) 19 . ولو وقف الناس كلهم أو كلهم إلا قليلاً في اليوم الثامن أو العاشر خطأ فيهما لا عمداً أجزأهم الوقوف.

واجبات الوقوف: يجب أن يقف الحاج حتى تغرب الشمس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة (ثم أفاض حين غربت الشمس) 20 ، فإن ترك عرفة قبل الغروب فعليه دم إن لم يعد، أما إن أتى عرفة بعد الغروب أجزأه الوقوف وليس عله دم، للحديث المتقدم: (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) .

شروطه: -1ً- أن يكون الحضور باختياره، فلا يصح حضور من أكره على الوقوف.
-2ً- أن يكون أهلاً للعبادة، فلا يصح من مجنون ولا سكران ولا مغمى عليه.
-3ً- أن يكون في الوقت المعتبر له شرعاً.
ولا يشترط للوقوف الطهارة من الحدثين، ولا السترة، ولا استقبال القبلة بل تسن، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) 1 .

سنن الوقوف: -1ً- أن يقف طاهراً من الحدثين.
-2ً- الوقوف عند الصخرات الكبار في أسفل جبل الرحمة، لما ورد في رواية جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) 1 . أما النساء فحاشية الموقف أُولى لهن.
-3ً- الوقوف راكباً، لما روت أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها (أن ناساً اختلفوا عندها، يوم عرفة، في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه) 2 . -4ً- أن يكون مفطراً، لأن الفطر أعون له على الدعاء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف مفطراً.
-5ً- يسن جمع صلاة العصر مع الظهر جمع تقديم، ومن لم يصلِّ مع الإِمام جمع في رحله، ويسن أن يخطب الإِمام خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم وفعلهم في الوقوف ودفعهم.
-6ً- يسن الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء، لما روى ابن ماجة في سننه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله عز وجل في عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) 3 ؟ ويستحب أن يكون الدعاء من المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل ما روي عن طلحة بن عبيد الله بن كريز رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) 4 . وزاد البيهقي في رواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم أجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر.
اللهم إني أعوذ بك من شر يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر) 5 . -7ً- أن لا يدفع من عرفات إلى مزدلفة قبل الإِمام، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفعوا قبله.
-8ً- أن يخرج إلى منى يوم التروية قبل صلاة الظهر (أي في اليوم الثامن من ذي الحجة) .

ثالثاً: طواف الزيارة: ويسمى طواف الزيارة، لأن الحاج يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، وإنما يبيت في منى، ويسمى أيضاً طواف الإفاضة، لأنه يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة.
دليل ركنيته: قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ 1 ، وحديث عائشة رضي الله عنها (أن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت.
قال: فلا إذاً) 2 .

وقته: يدخل وقته من بعد نصف ليلة النحر، ولا حد لآخره، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم فضت فأفاضت) 3 . ولكن الأفضل فعله يوم النحر، ويكره تأخيره عنه.

شروط صحة الطواف: -1- الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه.
ويعفى عما يشق الاحتراز عنه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) 1 . أما إذا كان الحاج طفلاً لم يميز فيصح طوافه ولو كان محدثاً متلبساً بنجاسة.
ويجوز الكلام في الطواف للحديث المتقدم، كما يجوز الشرب، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب ماء في الطواف) 2 . -2- ستر العورة، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمرّه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع، يوم النحر، في رهط، يؤذن في الناس: ألا، لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) 3 ، ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبدن فشرط لها الستر.
-3- النية، لأنها عبادة محضة أشبهت الصلاة، وكذلك الإسلام فلا يصح الطواف من كافر، والعقل فلا يصح أيضاً من مجنون.
-4- الطواف بجميع البدن خارج البيت، ويعتبر الشاذروان وحجر سيدنا إسماعيل من البيت، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت النبي صلى الله عليه وسلمعن الجَدْر - هو الحجر أو الحطيم - أمن البيت هو؟ قال: نعم) 4 .

والدليل على اشتراط كون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت، قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) . فيكون المرء طائفاً به إذا لم يكن جزء منه فيه، وإلا فهو طائف فيه.
لذا من دخل جزء من بدنه في هو الشاذروان أو الحجر، أو مس جدار الحجر أو جدار البيت، لم يصح طوافه، فيعيد الشوط الذي حصل فيه شيء من ذلك.
-5- الطواف سبعاً، فإن ترك شيئاً من السبع وإن قل فلا يجزئ.
-6- أن يبدأ من الحجر الأسود وينتهي إلى الحجر الأسود.
وإذا شك في العدد لزمه الأخذ بالأقل أثناء الطواف، أما إذا شك بعد الانتهاء فلا شيء عليه.
-7- جعل البيت على يساره، فإن نكسه لم يصح طوافه.
-8- الموالاة، إلا إذا أقيمت الصلاة، أو حضرت الجنازة، فإنه يصلي ثم يبني على ما طاف، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) 5 ، وعن الإِمام: إذا أعيا في الطواف فلا بأس أن يستريح، أما إن قطع الطواف لغير عذر أو لحاجة استأنفه.
-9- أن يكون الطواف داخل المسجد وإن وسع، ويجوز في هواء المسجد وعلى سطحه، ولو مرتفعاً عن البيت.
فإن طاف خارج المسجد لم يصح طوافه.
-10- محاذاة الحجر بجميع بدنه.
-11- دخول وقت الطواف، وأوله بعد نصف الليل ليلة النحر.
-12- أن يطوف ماشياً مع القدرة، فلا يجزئ طواف الراكب لغير عذر، وعن الإِمام أحمد أنه يجزئ وعليه دم، وعنه رواية أخرى: يجزى ولا دم عليه وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه.
أما طواف الراكب لعذر فيجوز بغير خلاف.

سنن الطواف: أن يستلم الحجر الأسود بيده في ابتداء الطواف، ويقبله، لما روى سالم أن أباه حدثه قال: (قبّل عمر بن الخطاب الحجر.
ثم قال: أمَ والله! لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) 1 . فإن لم يمكنه تقبيله أستلمه وقبّل يده، لما روى نافع قال: (رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده.
ثم قبّل يده.
وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله) 2 . ويسن استلامه في بداية كل طوفة، فإن لم يتمكن من استلامه بيده، اقتصر على استلامه بعصا ونحوها، ثم يقبل ما استلمه به، لما روى أبو الطفيل رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن) 3 ، فإن لم يتمكن من استلامه بشيء أشار إليه بيده أو بشيء، عن بعد، ولا يقبله.
أما المرأة فلا يستحب لها مزاحمة الرجال لا ستلام الحجر بل تشير بيدها إليه، قال عطاء: (كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم) 4 . ويستحب أن يقول عند استلامه: "بسم الله والله أكبر.
اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، وإتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم" 5 . -2- ين استلام الركن اليماني بيده اليمنى دوت تقبله، لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (ما تركت استلام هذين الركنين، اليماني والحجر، مذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما، في شدة ولا رخاء) 6 . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (وكل بالركن اليماني سبعون ملكاً.
فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قالوا: آمين) 7 .

ويسن أن يقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، لما روى عبد الله بن سائب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين الركنين: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) 8 . وفي باقي الطواف يقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً.
رب اغفر وارحم.
واعف عما تعلم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم".
ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوا بما أحب.
ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف لأنه صلاة والصلاة محل القرآن.
ولا يسن في الطواف استلام الركنين الشامي والعراقي.
-3- أن يطوف ماشياً، بناء على الرواية الثانية، إلا لعذر من مرض أو نحوه، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: (شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي.
فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) 9 . -4- يسن الاضطباع للرجل والصبي، في طواف يسن فيه الرمل فقط، وذلك بأن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن ويتركه مكشوفاً ويرد طرفيه على منكبه الأيسر، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجِعرانة فرَمَلوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى) 10 . ولا يسن الاضطباع في ركعتي الطواف لكراهته في الصلاة.
-5- يسن الرمل 11 للرجل فقط في الطوفات الثلاثة الأولى إذا أعقب الطواف سعي مطلوب، وأن يقول أثناء الرمل: اللهم اجعله حجاً مبروراً - أو عمرة مبرورة - وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وتجارة لن تبور، يا عزيز ويا غفور".

أما المرأة فلا ترمل ولا تضطبع، لأن الرمل شرط في الأصل لإظهار الجد والقوة ولا يقصد ذلك من المرأة، ولذلك لا يسن الرمل في حق المكي ومن جرى مجراه، وقال بعض أهل العلم: "ليس على أهل مكة رمل ولا على من أحرم منها" 12 . -6- الدنو من البيت للرجل فقط، لأنه أيسر في الاستلام والتقبيل، أما إذا أدى الاقتراب إلى تأذيه أو تأذي غيره فالبعد أولى.
-7- الإكثار من الدعاء، ورفع الأيدي في جميع الطواف، وخاصة حين رؤية الكعبة، ومأثور الدعاء أفضل، فالقراءة، فغير المأثور، ويسن الإِسرار بذلك.
-8- أن يصلي بعد كل سبعة أشواط ركعتين سنة الطواف، سواء كان الطواف فرضاً أم واجباً أم نفلاً.
وإن صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عنهما، وإن جمع بين الأسابيع وصلّى لكل أسبوع ركعتين جاز، لأن عائشة والمسوّر بن مخرمة رضي الله عنهما فعلا ذلك، ولا تجب الموالاة بينهما.
وتسن صلاة الركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام وتصح في أي موضع آخر، ويسن أن يقرأ فيهما: (قل يا أيها الكافرون) و (الإخلاص) ، لما روي عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعاً، فرمل من الحجر الأسود ثلاثاً ثم صلى ركعتين قرأ فيهما: قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) 13 . -9- يستحب أن يدع الحديث كله إلا ذكر الله وقراءة القرآن أو دعاء أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدّم عند الترمذي: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) .

رابعاً: السعي بين الصفا والمروة: تعريفه: أصل السعي الإسراع، والمراد به مطلق الشيء.
دليل فرضيته: قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) [^fn1132] ، وما روت أم حبيبة بنت أبي تجرأة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يسعى: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) [^fn1133] .

فصول الكتاب · 6 فصل · 503 صفحة
جارٍ التحميل