عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكيصفحات 38-81
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب "عيون المسائل" لعبد الوهّاب:

صفحات 38-81
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
عُيُونُ المَسَائِل
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
الناشر
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
  • ذكرنا في المبحث الثّاني أن ممّا نُسِب إلى القاضي عبد الوهّاب من تأليف، اختصاره لكتاب ابن القصّار.
  • وقد وقع خلاف في تسمية هذا الكتاب، من ذلك: 1 - "عيون المسائل": وممّن ذكره بهذا الاسم: أ - القاضي عياض في "ترتيب المدارك": 14/ 691. ب - شمس الدِّين الذهبي في "تاريخ الإسلام": 29/ 85. ج - الصلاح الصّفدي في "الوافي بالوفيات": 21/ 2. د - ابن شاكر الكتبي في "فوات الوفيات": 2/ 419 - 420. هـ - ابن فرحون في "الديباج المذهب": 159 و- إسماعيل باشا البغدادي في "إيضاح المكنون":2/ 134، و"هدية العارفين": 1/ 637. ز - خير الدِّين زركلي في "الأعلام": 4/ 184. ح - عمر كحالة في "معجم المؤلِّفين": 6/ 227. ط - وورد بهذا الاسم في "مواهب الجليل": 6/ 414. 2 - "عيون المجالس": وقد ذكر هذا العنوان: أ - في آخر النسخة الأندلسية، حيث جاء فيها: "هذه آخر مسألة في كتاب عيون المجالس، وقد جردتها في هذا الجزء".
    ب - وفي "مواهب الجليل": 6/ 282. 3 - "مختصر عيون المجالس": وجاء ذكره بهذا العنوان: أ - في "الأعلام": 4/ 184. ب - وفي "مواهب الجليل": 633 و5/ 295. 4 - "رؤوس المسائل": وقد جاء ذكره على غلاف النسخة الأندلسية.
  • نقد وترجيح:
  • لقد واجهتني مشكلة في تحديد عنوان هذا الكتاب، وذلك أن

المؤلّف لم يصرح به في كتابه هذا، أو في كتبه الأخرى الّتي وصلتنا، غير أن الّذي أطبق عليه المؤرّخون هو تسميته بـ "عيون المسائل"، وهو ما تميل إليه النّفس.

  • أمّا تسميته بـ "عيون المجالس"، فلا دليل عليها غير المذكور آنفًا، ولا يغترّ بما جاء في الخاتمة؛ لأنّه لم يزد على قوله: "جرّدتها في هذا الجزء"، ولم يسمّه "عيون المجالس"، وإنّما كان يشير إلى آخر مسألة وردت في الأصل المختصر منه، الّذي كان يسمّيه به في مواطن أخرى منه، كما في قوله عند المسألة (1489): "وقد ذكرها في كتاب عيون المجالس، وذكرها هنا يطول".
  • وأمّا تسميته بـ "مختصر عيون المجالس"، فهو كما ذكرت من احتمال تسمية الأصل بـ"عيون المجالس".
  • وأمّا التّسمية الأخيرة فينبغي ألَّا يعوّل عليها؛ لأنَّها كُتبت بخط مغاير لخط المخطوط، ولعلّ هذا من تصرّفات المفهرسين.
  • هذا، وقد وجدت تسمية أخرى لكتابنا هذا، أوردها أبو عبد الله محمَّد بن عبد الملك المراكشي عند ترجمته للإمام أبي بكر محمَّد بن عبد الله بن الجد الفهري الإشبيلي (586 هـ) حيث قال: "وقال أبو الحسين ابن زرقون: ذكرت يومًا بمحضره مسألة من الفقه، فقال لي: أين رأيتها؟ فقلت: في كتاب عيون الأدلة لابن القصّار، تنقيح أبي محمَّد عبد الوهّاب، فقال: ما رأيته قط، سقه إلى حتّى أراه، فحملته إليه فمكث عنده ليلة أو ليلتين، ثمّ صرفه إليّ، وبقي عمره إذا أورد المسائل وذكر الأقوال ونسبها على عادته، يردّ رأسه إليّ متى حضرت، ويقول لي: وقال صاحب كتابك، هكذا في كلّ الأحيان، ما أُنسي شيئًا منه بعد" 1.

والذي يجعلنا نعتقد أن الكتاب المُطالَع هو المختصر لا الأصل، مطالعته إياه في ليلة أو ليلتين، فكتاب الأصل ضخم جدًا يقع في 30 مجلّدة.

  • أمّا غرض الكتاب: فواضح من الكتاب نفسه، ومن خاتمته عند قوله: "وقد جردتها في هذا الجزء، ليقرب حفظها ويسهل طلبها لمن التمس مسألة منه بعينها، ولمن أراد حفظ المذهب فقط".
    فهو إِذَا كتاب في معرفة مسائل الخلاف، وأمّا الاستدلال فقد استأثر به الأصل، كما قال - رحمه الله -: "فإن طلب الحجة على المسألة، فليرجع إلى الأصل".
  • وأمّا الطريقة الّتي اختصر بها القاضي عبد الوهّاب الكتاب: فهي الأخذ بمطالع المسائل الّتي فرّع عليها ابن القصّار، مراعيًا معظم تنسيق أصل الكتاب، فقال مبيّنًا ذلك: "وقد نقلت لفظ القاضي - رحمه الله - حرفًا حرفًا، إِلَّا في بعض المسائل، اختصرت نقلها بعض الاختصار، وقدمت بعضًا وأخرت بعضًا، من غير إخلال بالمعنى وهو قليل، وقد تركت فصولًا لم نعدها مسائل، لدخولها في المسائل، وسميت فصولًا مسائل لوقوع الاختلاف فيها".
  • إِذًا، فمعظم ما في الكتاب من نقل أو اختيار أو فقه، فهو من كلام ابن القصّار، وخصوصًا ما كان صريحًا بقوله: "قال القاضي" أو"قال القاضي أبو الحسن" ولم يدخل القاضي عبد الوهّاب رأيه أو اختياره في الكتاب، بل حافظ على وحدة كلام شيخه، ولم يتجاوز تصرّفه اختصار العبارة أو ترتيبها أو جعل الفصول مسائل إِلَّا في القليل النادر، على حدّ قوله في الخاتمة.
  • وبهذا قد وُفّق القاضي عبد الوهّاب - رحمه الله -، إلى الحفاظ على أصل الكتاب، وذلك ظاهر من حسن اختصار، وققة تكرار، وسلامة عبارته، إِلَّا أنّه قد يؤخذ عليه قلّة التزامه بالطريقة الّتي اختطّها لكتابه، وأقصد هنا تجريد الكتاب من الدّليل، فسيجد القاري الكريم في نادر المسائل، كلّ

أنواع الاستدلال: كالقرآن، والسُّنَّة القولية، والسنّة الفعلية، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وقول الصّحابي ... ، وقد كنّا نسعد ونحن نقف عليها، شاهدة على بعض ما اشتملت عليه تلك الموسوعة الضخمة الضّائعة.

النسخ المخطوطهَ لكتاب "عيون المسائل"

  • لقد ظهر لي - والله أعلم - بعد الاطّلاع على فهارس المكتبات التّي توفّرت لديّ، أنّه لا يوجد لكتاب "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهّاب سوى ثلاث نسخ، وهذه أوصافها: 1 - نسخة جامع القرويين 1 بفاس: أصلها بجامع القرويين بفاس (1166)، ووردت باسم: اختصار عيون الأدلة في الفقه.
    عدد الأوراق: 135 لوحة.
    المسطرة: 18.
    في حالة سيّئة.
    الخط: أندلسي جيد صحيح.
    الناسخ: لم يذكر اسم النّاسخ.
    تاريخ النسخة: شعبان سنة 612 هـ. وتبدأ بكتاب الطّهارة: مسألة غسل اليدين قبل الطّهارة ... ولم أتمكّن من الحصول عليها.
    2 - النسخة الأندلسية: وهي النّسخة الخطية الوحيدة الّتي أمكنني الحصولط عليها، والاعتماد عليها لإخراج هذا الكتاب، وأشير إليها بـ"الأصل".
    وأصلها في مكتبة دير الأسكوريال العامة في مدريد بإسبانيا تحت رقم (1079). عدد الأوراق: 95 لوحة دون صفحة الغلاف، وقد بلغ مجموع

صفحات الكتاب كله: 189 صفحة.
وحالته جيّدة وكاملة.
المسطرة: 33 من الحجم الكبير، وتضم حوالي 12 إلى 13 كلمة في السَّطر.
الخط: نسخ واضح.
الناسخ: أحمد المؤذن.
تاريخ النسخة: جاء في نهاية المخطوط: كان الفراغ من كتابته، يوم الأربعاء ثالث عشر رمضان المبارك، سنة (959 هـ). وقد امتازت هذه النّسخة بميزتين: 1 - كونها نسخة مقابلة عن نسخة أخرى، جاء في هامش صفحاتها (بلغ)، وفي آخر الكتاب (بلغ مقابله ولله الحمد على ذلك)، وقد تمّ فيها إصلاح بعض الأخطاء، وإدراج بعض العبارات الّتي سقطت من الأصل في هامش الصفحة (1). 2 - جاء في آخرها خاتمة الكتاب، وفيها ذكر نسبة الكتاب، وسبب اختصاره، وطريقة الاختصار، هاحصاء المسائل، وتاريخ النسخ، واسم الناسخ.
3 - نسخة جامع القرويين (2):

  • أصلها من جامع القرويين بفاس تحت رقم (1143). بنفس حجم النسخة الأندلسية، وهي عارية عن المقدِّمة والخاتمة وتاريخ النسخ واسم الناسخ، وبها طمس كثير جدًا، وخطها: مغربي عتيق.
    وتبدأ بكتاب الطّهارة: مسألة غسل اليدين قبل الطّهارة ... 4 - النسخة المطبوعة: طبع هذا الكتاب تحت عنوان "عيون المجالس"، بمكتبة الرّشد -

الرياض - سنة:2000، وأصله رسالة علمية تقدّم بها الطالب: امباي بن كيبا كاه، إلى الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنوّرة، لنيل شهادة الماجستير.
وقد اعتمد لإخراج الكتاب على نسختين خطيّتين: أولاهما: النسخة الأندلسية السابق ذكرها، والأخرى: نسخة خزانة القرويين 1.

  • وقد رمزت إليها بحرف "ط".
  • الأسباب الدّاعية إلى إعادة خدمة الكتاب من جديد:
  • قد دعاني إلى إعادة خدمة الكتاب - على الرّغم من دراسته علميًا من قبل في أطروحة ماجستير - الأمور التالية: 1 - المنهج الّذي اتّبعه المحقّق في تصحيح نصّ المؤلِّف، وهو: دمج عبارات النسختين، وإثبات ما ظهر له أنّه الصحيح في المتن، مع الإشارة في الهامش إلى العبارة الأخرى (1).
  • وهذا المنهج الّذي ارتضاه هو المعروف بطريقة "النص المنتقى"، وإن كان محلّ خلاف وجدل بين أصحاب هذا الفن، إِلَّا أن أكثرهم على جوازه، مع مراعاة بعض الضوابط: كعدم القدرة على تقديم إحدى النسخ على الأخرى، ومحاولة الالتزام بإحدى النسخ ما أمكن، وأن لا تدمج كلّ النسخ دفعة واحدة، وهذا ما لم يلتزم به المحقّق، ولم ينتبه لميزات النّسخة الأندلسية، وافترض أن النّسخة المغربية قديمة وعتيقة، وموافقة للأصل (عيون الأدلة) في ترتيب الكتاب، فجعل ذلك تكافؤًا في قيمة كلّ نسخة، وكان الأجدر به أن يعتمد النّسخة الأندلسية، لتوفر معلومات النّسخ، والخاتمة الّتي فيها ذكر خطبة المؤلِّف.
  • كما أنّه قام بدمج النّسختين معًا دفعة واحدة، معتمدًا قبول كلّ الزيادات، ولو كانت تكرارًا أو إطنابًا، وترك بعض الزيادات الغامضة بالنسبة له، وهذا الّذي عقّد النصّ، وفوّت عليه الكثير من الإضافات المفيدة.
  • عدم تمييزه بين الفروق المهمّة الّتي تغير المعنى أو تضيف حكمًا جديدًا، والفروق الّتي لا تنبني عليها فائدة، والتي تشمل عادة: حروف العطف والجر وغيرها، وكذا الأخطاء البيّنه الّتي قام بها النّسّاخ؛ من نسيان آخر حرف من الكلمة أو نسيان نقطة أو ألف مدّ، وكذا رسم الكلمة المختلف فيه، بالإضافة إلى نوع آخر لا بدَّ من التنبيه عليه، وهو إختلاف النسختين في أسلوب التعبير، فقد يجيء في النسخة الأولى التعبير بالجملة الاسمية، وفي الأخرى بالجملة الفعلية، فكان الأجدر به أن يختار إحداهما حسب ما يقتضيه السياق، ولكن المحقّق عمد إلى الجمع بينهما ممّا أطال الجمل القصيرة بلا قيد ولا فائدة، أو أوقعه في أخطاء فادحة 1، كما أنّه من المعلوم أن مراد المؤلِّف هو اختصار الكتاب الأصل، وكلّ تطويل في النّص بلا فائدة مناقض لمراده.
  • وقد ترتّب على إخلال المحقّق بهذه الضوابط، نَسْخُه للمخطوطتين معًا في كتابه، أولاهما ملفّقة ومدمجة في المتن، والأخرى مبعثرة في الهامش، ومشتّتة لذهن القاريء، وهذا وإن كان ضروريًّا في العمل الأكاديمي، إِلَّا أنّه لا بدَّ من تنقيحه ومراجعته، عند إرادة طبعه.
    2 - طول الهوامش الّتي استغرقت حوالي 70 % من الكتاب، ما بين إثبات لفروق النسخ، وتعليقات علمية - سيأتي الكلام عليها فيما بعد -، وبهذا بلغ معدّل الهوامش: خمسة عشر تعليقًا في الصفحة الواحدة، ممّا جعل الكتاب في خمسة مجلّدات و 2382 صفحة.
    3 - لقد قام الأخ المحقّق بجهد مشكور فيما يخصّ التعليقات العلمية، ولكن الّذي يؤخذ عليه، ما يلي: 1 - عدم توحيد منهج لتوثيق الأقوال: فقد دمج بين المصادر القديمة والحديثة، فحيثما وجد القول عزاه، كما أنّه لم يكن دقيقًا عند العزو

والإحالة، فكثيرًا ما كان يحيل إلى أصل المسألة أو القول، بصرف النّظر عن وجود اسم القائل ونسبته إليه أو لا.
وكان الأجدر به أن يفرّق بين المصادر الّتي يُوثّق منها الأقوال، ويحصرها في المصادر المتاحة لابن القصّار في عصره؛ ليسجل الملاحظة عند وجود النّقل أو عدمه، وبين المصادر المتأخرة الّتي استقرت عليها الفتوى عند المذاهب؛ لملاحظة بقاء الخلاف أو تغيّره.
ب - كما وقفت على بعض الأوهام الّتي وقع فيها عند تخريج الأحاديث والآثار 1، وترجمة بعض الأعلام 2، لم أشر إليها في مواطنها من هذه الطبعة.
4 - تصرّفه في ترتيب الأبواب والمسائل: ومن نتائج منهج الدّمج الّذي اعتمده المحقق، تغييرُه لأماكن الأبواب والمسائل، كيفما يراه لائقًا أو مناسبًا، بل وصل به الأمر أحيانًا إلى دمج المسائل مع بعضها 3، ولم يتفطّن إلى غرض المؤلّف وفائدة التّفريق.
5 - وجود بعض الأخطاء المطبعية، الّتي لا يسلم منها أيّ عمل بشري، من مثل: (منقّبة) عوض "مقنّعة"، و (أمانة) عوض "إماتة"، و (وضعتها) عوض "وضيعتها" ... وغيرها، وسقوط بعض الكلمات الّتي استدركنا منها ما استطعنا في هذه الطبعة.

منهج العمل

1 - اعتمدت في إخراج هذا الكتاب المخطوطة الأندلسية ابتداءً، وجعلتها النسخة الأصل، وقمت بنسخها، ونظمت مادتها بما يفيد فهم النص فهمًا جيدًا، ووضعت بداية للفقرات، وراعيت علامات الترقيم اللازمة المؤدية إلى إظهار المعاني، ووضعت أرقامًا بين العلّامة [/] في النص دالة على نهاية الصفحات من المخطوط، ورقّمت المسائل والفصول في أوّلها.
2 - قابلت هذه النّسخة بالنسخة المطبوعة، ثمّ بمطبوعة الأصل (عيون الأدلة) ورمزت إليها بـ (ص)، واستخرجت الفروق الّتي وردت فيهما، وهي نوعان: أ - فروق لا فائدة منها؛ إمّا لظهور خطئها، أو لانعدام الفائدةُ منها، وقد أضربت عن التنبيه عليها.
ب - فروق تحوي بعض الفوائد؛ إمّا بإضافة اسم لأحد الأعلام، أو بزيادة حكم فقهي، أو بتوضيح مشتبه، أو ببيان مجمل، فهذه بعد مراجعتها، قد أضيفها إلى المتن بين [...]، أو أرجّحها على الأصل، أو أبيّن خطأها في الهامش.
3 - عزوت الآيات القرانية إلى سورها، وبيّنت أرقامها منها.
4 - خرّجت الأحاديث النبوية؛ فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، اكتفيت بتخريجه منهما، وإن كان في غيرهما، خرّجته من مظانه في السّنن وغيرها ما أمكنني ذلك، مع ذكر خلاصة أحكام النّقّاد فيها.

5 - عرّفت بالأعلام غير المشهورين - وأقصد بذلك: ما عدا الصّحابة -رضي الله عنهم- والأئمة الأربعة لشهرتهم - الوارد ذكرهم في النص تعريفًا موجزًا.
6 - شرحت المفردات الغريبة، والمصطلحات العلمية الدّقيقة، شرحًا موجزًا يوضح المعنى، كما عرًفت ببعض الكتب غير المشهورة، تعميمًا للفائدة.
7 - تلافيت النقص والأخطاء الواردة في المخطوط باعتماد الفروق الّتي ذكرتها سالفًا، أو عن طريق المصادر الّتي رجع إليها المؤلِّف، أو استئناسًا بنقول المتأخرين.
وما قوّمته من العبارات، أو أضفته لاقتضاء السياق له، جعلته بين [...] كذلك، وأشرف إليه في الهامش.
8 - أمّا فيما يخص التعليقات العلمية، فقد سبق الحديث عن الطّريقة الأمثل لتوثيق النّقول ومناقشتها، ولمشقّة هذه المهمّة وعنائها، وقلّة البضاعة وفقرها، أحجمت عن توثيق كلّ الأقوال، واكتفيت بما كان فيها من تضارب أو تناقض في النسخة المخطوطة، أو فيما بينها وبين المطبوعة، أو فيما بينها وبين مطبوعة الأصل، أو في حالات نادرة استوقفني البحث عندها.
9 - وضعت فهارس تفصيلية على النحو التالي: أ - فهرس الآيات القرانية.
ب - فهرس الأحاديث والآثار.
ج - فهرس الأعلام.
د - فهرس المصطلحات.
هـ - فهرس الفوائد.
و- فهرس المراجع.

ز - فهرس محتويات الكتاب: وقد عنونت المسائل والفصول الواردة في الكتاب، واخترت ألَّا أقحمها في النص، وأن أثبتها في فهرس الموضوعات.

صور المخطوطات

صفحة العنوان من مخطوط "عيون المسائل" - النسخة الأندلسية - ومكتوب عليها "رؤوس لابن القصّار"

الصفحة الأولى من مخطوط "عيون المسائل" - النسخة الأندلسية -

الصفحة الأخيرة من مخطوط "عيون المسائل" - النسخة الأندلسية -

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصل الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم

مُقَدِّمَةُ ابن القصّار لكتاب عيون الأدلّة

1 قال القاضي الجليل أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد المالكي البغدادي - رحمه الله -: سألتموني - أرشدكم الله أن أجمع لكم ما وقع إليّ من الأدلة في مسائل الخلاف بين مالك بن أنس - رحمه الله -، وبين من خالفه من فقهاء الأمصار - رحمة الله عليهم - وأن أبيّن ما علمته من الحجج في ذلك.
وأنا أذكر لكم جمل من ذلك بمشيئة الله وعونه، لتعلموا أن مالكًا - رحمه الله - كان موفّقًا في مذهبه، متّبعًا لكتاب الله وسنّة نبيّه - صلّى الله عليه وسلم -، وإجماع الأمّة والنّظر الصّحيح، وأنّ الله خصّه بحسن الاختيار، ولطيف الحكمة، وجودة الاعتبار، والله تعالى يوفّقني وإياكم لما يقرّب إليه، ويزلف لديه.
وقد رأيت أن أقدّم لكم بين يدي المسائل جملة من الأصول الّتي وقفت عليها من مذهبه، وما يليق به مذهبه، وأن أذكر لكلّ أصل نكتة ليجتمع لكم الأمران جميعًا، أعني: علم أصوله ومسائل الخلاف من فروعه، إن شاء الله تعالى.

القسم الثّاني النّص المحقّق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وسلّم

مسائل الطّهارة

1 -

مسألة:

غسل اليدين قبل الطّهارة مندوب إليه عند مالك وأبي حنيفة والشّافعيّ والأوزاعي 1، سواء كان حدثه من نوم ليل أو نهار أو أي حدث كان.
وحكي عن أحمد بن حنبل أنّه كان [يقول: إن كان] من [نوم] ليل وجب.
وذهب قوم من أهل الظّاهر إلى وجوبه من أي نوم كان، تعبدًا لا لنجاسة، فإن أدخل يده في الإناء قبل غسلهما لم يفسد الماء.
وقال الحسن البصري 2: يفسد [الماء]؛ كانت على يديه نجاسة أم لا.

2 -

مسألة:

عند مالك - رحمه الله - وكافة الفقهاء أن التّسمية عند الوضوء غير واجبة.
وقال داود 1 وأهل الظّاهر: إنها واجبة ولا يجزئ الوضوء بدونها؛ سواء تعمّد تركها أو نسيها.
وقال إسحاق 2: إنَّ نسيها أجزأته طهارته.

3 - مسألة: لا تجزئ طهارة [من] وضوء ولا غسل ولا تيمم إِلَّا بنية، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور 3. وقال الأوزاعي: لا يفتقر شيء من ذلك إلى نيّة.
وقال الثّوريّ 4 وأبو حنيفة: طهارة الماء لا تفتقر إلى نيّة، والتيمُّم لا بدَّ فيه من النية، و [يقولان]: لو قصد [المحدث] التبرد بالماء والتنظيف أو الاستباحة؛ فأصاب الماء أعضاء الطّهارة أجزأه لفرضه.

4 -

مسألة:

[عند مالك] المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل، وهو قول الحسن والزهري 1 وربيعة 2 والأوزاعي والليث 3 والشّافعيّ.
وذهب إسحاق وابن أبي ليلى 4 إلى وجوبهما في الطهارتين جميعًا.
وذهب أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق دون المضمضة.
وذهب سفيان الثّوريّ وأبو حنيفة وأصحابه إلى وجوبهما في الغسل دون الوضوء.
فهي أربعة مذاهب.

5 - مسألة: مسح جميع الرّأس [في الوضوء] واجب عند مالك.
وقال محمَّد بن مسلمة 5: إن اقتصر على ثلثيه أجزأه.

ووجدت لأشهب 1 أنّه إنَّ اقتصر على الثلث أجزأه، وذلك من مُقَدَّمِه.
[والصّحيح: قول مالك].
وقال أبو حنيفة في أحد قوليه: إن مسح ناصيته أجزأه، و [هي] ما بين النزعتين وهو أقل من الربع.
والرواية الأخرى: وهي المشهورة أنّه لا بدَّ من مسح ربع الرّأس، وبه قال أبو يوسف 2 بثلاثة أصابع، فإن مسح بثلاثة أصابع دون الربع لم يجزه، وإن مسح بأصبعين ربعه أو الرّأس كله لم يجزه، فقدّر أبو يوسف الممسوح والممسوح به.
وقال زفر 3: الفرض منه الربع، سواء مسح بثلاثة أصابع أو بدونها، فقدّر الممسوح دون ما يمسح به.
وقال الشّافعيّ: يجزئه ما يقع عليه اسم المسح، سواء مسح بيده أو بخشبة أو وقف تحت ميزاب فقطر عليه الماء، وبه قال الأوزاعي والنخعي 4 وسفيان.

6 -

مسألة:

مباشرة الرّأس بالمسح عند مالك واجب [في الطّهارة]، فإن مسح على حائل من عمامة أو خمار من غير عذر لم يجزه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال الثّوريّ وأحمد وغيرهما: يجوز المسح على العمامة وغيرها، لعذر وغير عذر.

7 - مسألة: المسنون عند مالك في الرّأس مسحه واحدة.
وهو عندي: أن يردّ يديه من مؤخر الرّأس إلى مقدّمه؛ لأنّ مسح جميع الرّأس واجب، [وهو: أن] يبدأ من مقدّمه إلى مؤخره، فردّهما بعد ذلك إلى مقدّمه مسنون، ولو بدأ من مؤخّره إلى مقدّمه لكان ردّهما إلى مؤخّره مسنونًا، وهذا مذهب عمر وابن عمر -رضي الله عنهما-، والحسن وأحمد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: المسنون مرّة واحدة - على الصِّفَة الّتي ذكرناها من مذهبنا -، لكن الفرض عنده بعض 1 الرّأس، وتمامه وردّ اليدين إلى مقدّمه مسنون.
وقال بعض [2/ أ] أصحابه: ثلاث مسحات بماء واحد.
وقال الشّافعيّ: المسنون ثلاث مسحات يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه، ثمّ يردّ يديه إلى حيث بدأ، في كلّ مرّة كذلك.

8 - مسألة: الأذنان من الرّأس عند مالك [في الطّهارة يمسحان معه].
ويستحب تجديد الماء لهما، وهو مذهب ابن عبّاس وأبي موسى

الأشعري -رضي الله عنهم-، وعطاء (1) والحسن والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد.
وقال الزّهريُّ: هما من الوجه يغسل ظاهرهما وباطنهما مع الوجه.
وقال الشّعبيّ (2) والحسن بن صالح (3) وإسحاق: ما أقبل منهما فمن الوجه يغسل معه، وما أدبر فمن الرّأس يمسح معه.
ولا خلاف بين الأُمَّة أن الاقتصار على مسحهما في الغسل لا يجزئ.
وقال الشّافعيّ: هما سنة على حيالهما، فيمسحان بماء جديد دون الرّأس.

9 -

مسألة:

التّرتيب في الطّهارة ليس بواجب عند مالك وأبي حنيفة، وبه قال علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-، والزهري والأوزاعي وسفيان.
وقال الشّافعيّ: هو واجب وإن نكّس لم يعتد به.
وبه قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم 4 وأحمد وإسحاق وأبو ثور،123

و [حكي] مثله عن قتادة 1

10 -

مسألة:

تخليل اللحية في الوضوء والغسل غير واجب.
وروى ابن وهب 2 عن مالك وجوبه في الغسل، غير أن إيصال الماء إلى البشرة الّتي تحت الشعر غير واجب.
وقال الشّافعيّ: هو سنة، وإيصال الماء إلى البشرة فرض في الجنابة، مثل: أن يقلقل الماء في شعره أو يبلّه، حتّى يعلم أنّه وصل إلى البشرة.

11 - مسألة: عند مالك وأبي حنيفة والشّافعيّ وجميع الفقهاء: أن المرفقين يدخلان في غسل [اليدين مع] الذراعين في الوضوء.
وقال زفر بن الهذيل: إنَّ دخولهما غير واجب.

12 - مسألة: [عند مالك 3: أن] البياض الّذي بين شعر اللحية والأذن، [ليس من الوجه، و] لا يجب غسله في الوضوء.

وذكر الطحاوي (1) أنّه من الوجه.
وقال الرازي (2) في شرحه: إنّه من الوجه، وإنه لمّا وجب غسله قبل نبات الشعر، لم يسقط حكمه بنباته في غير محلّه.
وقال الكرخي (3) - حكايه عن البردعي (4) -: إنَّ حد الوجه من قصاص الشعر إلى أصل الذَّقَن، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، وكذلك قول الشّافعيّ.
وما ذكر من أنّه كان يجب غسله قبل نبات الشعر ليس الأمر كذلك، إنّما كان يجب غسل الموضع الّذي نبت عليه الشعر، وما وراء ذلك لم يجب غسله مع الوجه.

13 -

مسألة:

غسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند مالك وأبي حنيفة والشّافعيّ وجميع الفقهاء، وأنس بن مالك -رضي الله عنه -، وربيعة1234

والأوزاعي وأهل الشّام وعبيد الله بن الحسن البصري (1) وأهل البصرة وسفيان وأحمد وأبي ثور.
وذهب ابن جرير الطّبريّ (2) إلى أن الغسل والمسح جائزان، والمكلّف مخيّر فيهما، بشرط أن يعم جميع القدمين بالمشي.
وذهبت الشيعة إلى أن الفرض هو المسح دون الغسل وإن مسح البعض أجزأه.

14 -

مسألة:

لا يجوز تفرقة الوضوء والغسل إِلَّا الشيء الخفيف، وإن طال بقدر جفاف الماء عن العضو في هواء معتدل لم يجزه، وبه قال الشّافعيّ في القديم.
وقال أبو حنيفة: يجوز، وهو الجديد للشافعي، ونحن نوافقهم إذا كان ناسيًا.
ومن أصحاب مالك من قال: الموالاة مستحبة.
والظاهر من قول مالك وجوبها على ما بيّناه، وبقولنا قال اللَّيث والأوزاعي وربيعة وأحمد، وكذلك روي عن عمر -رضي الله عنه -.12

وقول المخالف قول سعيد بن المسيَّب 1 وعطاء والحسن وسفيان.

15 -

مسألة:

لا يمس المصحف ولا يحمله إِلَّا طاهر غير محدث ولا جنب، وهو قول [مالك و] الأوزاعي وسفيان وأبي حنيفة وأصحابه والشّافعيّ.
وقال حماد 2 والحكم 3: يجوز مسّه للجنب والمحدث [2/ ب]، وبه قال داود.

16 - مسألة: [عند مالك] الجنب ممنوع من [قراءة] القرآن، إِلَّا الآية والآيتين.
وعند أبي حنيفة: [إِلَّا من] بعض آية.
وعند الشّافعيّ ممنوع من قليله وكثيره.
وقال داود: يجوز له قراءة القرآن كله كيف شاء.
وأمّا قولنا: في الآية ونحوها جائز؛ لأنّ الامتناع منه يشقّ، [و] لأنّ النَّاس محتاجون لذكر الله والتعوّذ؛ فخفّف عنهم ذلك.

17 -

مسألة:

اختلف عن مالك في قراءة الحائض القرآن: فروى أكثر أصحابه جواز قراءتها ما شاءت.
وروي عنه منعها كالجنب، وهو قول أبي حنيفة والشّافعيّ.

18 - مسألة: لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها لبول أو غائط في الصحراء والصكوات على السطوح، ويجوز في الأبنية، واختلف النَّاس في ذلك على ثلاثة مذاهب: فقال النخعي وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد: إنّه لا يجوز مطلقًا في الأبنية وغيرها، وروي ذلك عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -. وقال عروة بن الزبير 1 وربيعة: إنّه يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقًا في الأبنية وغيرها، وهو مذهب داود.
[وذهب مالك والشّافعيّ إلى أنّه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان جميعًا]، [ولا يجوز في الصحاري والفلوات] 2. وروي عن أبي حنيفة أنّه يجوز الاستدبار مطلقًا في الأبنية وغيرها ومنع من الاستقبال في الجميع مطلقًا.
فحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في الرِّواية الأولى في الاستقبال والاستدبار جميعًا في الأبنية.
فهي ثلاثة مذاهب.

19 -

مسألة:

الاستنجاء ليس بفرض عندنا، وهي كسائر النجاسات الواقعة على الثّوب والجسد، لا يجب إزالتها إِلَّا من طريق السُّنَّة.
وقال بعض أصحابنا: إنَّ إزالة النجاسات فرض، وعلى هذا الاستنجاء فرض.
وقال أبو حنيفة مثل قول مالك، فإن صلَّى ولم يستنج صحّت صلاته، و [لكنه جعل] محلّ الاستنجاء عنده مقدارًا، يعتبر به سائر النجاسات في كلّ المواضع، وهو قدر الدرهم الأسود البغلي 1. وقال الشّافعيّ: الاستنجاء فرض، وإن صلَّى ولم يستنج بطلت صلاته، وهو وأبو حنيفة يقولان: إنَّ إزالة النّجاسة من غير المخرج فرض.

1 - فصل: فأمّا إزالة سائر النّجاسة من البدن والثياب وغير ذلك، فليس بفرض على ظاهر المذهب.
وقال بعض أصحابنا: إزالتها فرض، وبه قال أبو حنيفة في غير الاستنجاء، إذا زاد على قدر الدرهم البغلي.
وقال الشّافعيّ: إزالتها فرض مطلقًا، ولم يعتبر قدر الدرهم.

20 - مسألة: عدد الأحجار في الاستنجاء غير مستحق عندنا وعند أبي حنيفة وداود، [فإن اقتصر على دون ثلاثة أحجار] مع الإنقاء [جاز].
وقال الشّافعيّ: لا يجوز الاقتصار على ما دون الثّلاثة وإن أنقى، وبه

قال أبو الفرج 1، ونحا إلى أن الاستنجاء وإزالة النّجاسة فرض.

2 - فصل: [الاستنجاء بغير الماء]، وكذلك كلّ ما يقوم مقام الحجارة؛ من الآجر والخزف والتراب والخشب جائز، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال داود: لا يجوز بغير الأحجار.

21 -

مسألة:

[قال مالك]: لا يستنجى بعظم ولا روث، والمستحب الحجارة.
وذكر بعض أصحابنا أنّه إنَّ فعل يجزئه، وهو مكروه.
[وليس ذلك كذلك.
وعند أبي حنيفة أن الاستنجاء بذلك يجزئ، ولكنه مكروه].
وقال الشّافعيّ: لا يجزئه.
وهو اختياري، وإن كنا معه نختلف في أصل الإزالة.

22 - مسألة: الخارج من 2 السبيلين نادرًا غير معتاد؛ لا ينقض الوضوء مثل: سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة، والحصا الخارج من الذكر والدود، وبه قال داود.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ فيه بالطهارة، كلّ ذلك كالمعتاد.
ووافق أبو حنيفة في المني إذا خرج لغير لذة، أنّه لا يوجب الغسل.

23 -

مسألة:

اختلف عن مالك في مسِّ الذكر، والعمل على أنّه: إنَّ مسّه بشهوة بباطن الكف، أو ظاهره من فوق ثوب أو تحته، أو بسائر أعضائه انتقضت طهارته.
وقال الأبهري 1 [3/ أ]: على هذا كان يعوّل شيوخنا كلهم.
ووافقه أحمد بن حنبل على ذلك بباطن يده أو بظاهرها، وهو قول عطاء والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ينتقض الوضوء على أي وجه كان، وبه قال 2 سفيان.
وقال الشّافعيّ: إذا مسّه بباطن يده من غير حائل انتقض وضوءه على كلّ حال لشهوة أو غيرها، وهو أحد قولى مالك وليس عليه العمل، وبه قال إسحاق وأبو ثور والأوزاعي.
وقال أحمد: اليد وغيرها من الأعضاء سواء أنّه ينقض.
وقال الأوزاعي: إنَّ مسّه بأعضاء الطّهارة انتقض، وأمّا غيرها من الأعضاء فلا.
وقال داود: ينتقض وضوءه بمس ذكر نفسه دون غيره.
ولا فرق عندنا بين ذكر نفسه أو غيره، إذا كان على وجه الشهوة.
ولا وضوء [عندنا] من مسِّ الدبر، وبه قال داود.

خلافًا للشافعي، فإنّه قال: ينتقض الوضوء بمس الدبر.

24 -

مسألة:

اختلف النَّاس في لمس [الرَّجل] المرأة على خمسة مذاهب: فذهب مالك والشعبي والنخعي وسفيان إلى أن تقبيلها أو مسها لشهوة ينقض الوضوء، وإن كان لغير شهوة لم ينقض، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا ينقض مجرد اللمس إِلَّا أن ينعظ 1، فيكون انتقاضه باللمس مع الإنعاظ.
وقال الشّافعيّ: ينتقض بكل حال بكل عضو مسها به إذا كان بغير حائل، وحكى أنّه مذهب زيد بن أسلم 2 والأوزاعي.
وحكي عن الحسن ومحمد بن الحسن 3 أنّه لا ينقض وإن أنعظ.
وحكي عن عطاء أنّه ينتقض بمس أجنبية - الّتي لا تحلّ له -، فإن كانت زوجته أو أمته لم ينتقض.
واختلف الصّحابة في لفظ الملامسة على وجهين: فقال علي وابن عبّاس وأبو موسى رضي الله عنهم: إنَّ المراد بالملامسة الجماع.

وقال عمر - رضي الله عنه - وعمّار بن ياسر - رضي الله عنه -: المراد به لمس اليد.
ولم يقل أحد: إنَّ المراد به اللّمس والجماع جميعًا.

25 -

مسألة:

من نام مضطجعًا أو قاعدًا أو راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء، وبه قال أبو حنيفة في المضطجع.
وللشافعي قولان: قول: يفرّق فيه بين كونه في الصّلاة وغيرها، فلا ينقض في الصّلاة كنوم القاعد.
و [القول] الآخر مثل قولنا.
وعند المزني 1 أن النوم حدث ينقض الوضوء؛ قليله وكثيره على كلّ حال، وإن كان قاعدًا.
وعند أبي حنيفة وأصحابه لا ينقض إِلَّا في المضطجع وحسب.
واتفق فقهاء الأمصار على أن نوم المضطجع ينقض [الوضوء].
وروي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - وأبي مجلز 2 وعمرو بن دينار 3 .........................

وحميد الأعرج 1 أنّهم قالوا: لا وضوء من النوم أصلًا على أي حال كان، وإنّما ينقض [الوضوء] ما يخرج [منه وتيقنه] في نومه.

3 - فصل: إذا طال نوم الجالس ورأى المنام فعليه الوضوء، وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد.
ولم يفرّق أبو حنيفة والشّافعيّ بين نوم الجالس والقائم، وقالا: لا ينتقض الوضوء وإن طال.

26 -

مسألة:

الخارج من [بدن الإنسان من] غير السبيلين مثل: القيء والرَّعاف و [دم] الفصاد والدمل، فلا وضوء فيه كما لا وضوء في الجشاء المتغير والقهقهة وما أشبه ذلك، وبه قال ربيعة والحسن والشّافعيّ وداود وجماعة من الصّحابة -رضي الله عنهم-.
وقال أبو حنيفة: الخارج النجس على ثلاث مراتب: فما كان من السبيلين فظهوره ينقض الوضوء، والخارج من سائر البدن غير القيء، [فإنّه] إذا سال نقض الوضوء، وإن ظهر ولم يسل فلا ينقض.
وأمّا القيء إذا ملأ الفم نقض الوضوء، وإن كان دون ذلك لم ينقض، وفرّق بين اليسير منه والكثير.
[فحصل الخلاف معه في الخارج من غير السبيلين، فعنده ينقض الوضوء، وعندنا وعند الشّافعيّ لا ينقضه].

27 - مسألة: القهقهة في الصّلاة لا تنقض الوضوء [3/ب]، وهي عندنا كالكلام

لغير إصلاح الصّلاة يبطلها، ولا تنقض الطّهارة، وبه قال من الصّحابة: أبو موسى وجابر -رضي الله عنهما-، ومن التابعين: عطاء والزهري، ومن الفقهاء: الشّافعيّ وأحمد وإسحاق وداود.
وقال الحسن والنخعي والأوزاعي وسفيان الثّوريّ وأبو حنيفة وأصحابه: إنها تنقض الوضوء والصلاة.
وحصل الإجماع على أنّها لا تبطل الوضوء في غير الصّلاة.

28 -

مسألة:

وما مسّته النّار مثل: الخبز وغيره، فإنّه لا وضوء على آكله، وهو مذهب أبي بكر وعمر [وعثمان وعلي] وابن عبّاس وابن مسعود -رضي الله عنهم-، والفقهاء عليه أجمعون.
وذهب جماعة من الصّحابة إلى وجوب الوضوء بأكله، وذهب إليه فيما حكي: ابن عمر وأبو طلحة - عمّ أنس - وأنس وأبو موسى وزيد بن ثابت وأبو هريرة -رضي الله عنهم-.

29 - مسألة: إذا أكل لحم الإبل فلا وضوء عليه [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أحمد: عليه الوضوء نيئًا كان أو مطبوخًا.

30 - مسألة: إذا تيقّن الطّهارة وشك في الحدث [بعد ذلك] فعليه الوضوء، هذا ظاهر [قول مالك] 1. وروى عنه ابن وهب [أنّه قال: أحب إلى أن يتوضأ] 2.

واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو مستحب.
وقال بعضهم: هو واجب، وإلى هذا كان يذهب شيخنا أبو بكر الأبهري.
وهو اختياري.
وقال الحسن: إنَّ شك وهو في الصّلاة بني على يقينه، ولم يقطع صلاته، وإن كان خارجًا عن الصّلاة أخذ بالشك، وروي هذا عن مالك.
وروي: أنّه يقطع [الصّلاة] ويتوضأ.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما: يبني على يقينه وطهارته صحيحة.

31 -

مسألة:

إذا جامع الرَّجل المرأة والتقى الختانان، وجب عليهما 1 الغسل وإن لم ينزلا، وإليه ذهب جميع الفقهاء إِلَّا داود، وهو مذهب أكثر الصّحابة - رضي الله عنهم-.
وذهب بعضهم إلى أن الغسل لا يجب إِلَّا بالإنزال منهم: أبيّ بن كعب وسعد [بن أبي وقّاص وأبو سعيد الخدري، وغيرهم]-رضي الله عنهم-.

32 - مسألة: إذا أُدخل ماء الرَّجل في قبل المرأة، فلا غسل عليها إِلَّا أن تنزل.
وقال عطاء: عليها الغسل.
واختلف إذا خرج ماء الرَّجل من فرج المرأة بعد البول، فقال قتادة وغيره: تتوضأ لا غير.
وقال الحسن البصري: تغتسل.

33 -

مسألة:

[خروج المني] من غير مقارنة اللَّذَّة لا يوجب الغسل عندنا، وعند أبي حنيفة سواء كان قبل البول أو بعده، فإن اغتسل ثمّ خرج منه مني، لم يجب عليه الغسل.
وقال الأوزاعي: إذا خرج منه المني قبل البول أعاد الغسل، وإن خرج بعده لم يعد الغسل، وحكي عن أبي حنيفة مثل ذلك.
وقال الشّافعيّ: عليه إعادة الغسل؛ سواء خرج منه قبل البول أو بعده.

34 - مسألة: إمرار اليد على البدن في غسل الجنابة واجب عند مالك.
وقال بعض أصحابه: هو مستحب، مثل: أبي الفرج المالكي وغيره، وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ.
وأنا أقول بظاهر قول مالك في وجوبه.

35 - مسألة: ولا بأس بالوضوء من فضل الحائض والجنب في الإناء بعد فراغهما من غسلهما، [فيجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها]، وهو مذهب الفقهاء كافة.
وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز للرجل الوضوء بفضل المرأة من الوضوء والغسل إذا كانت منفردة، ووافقنا على 1 أنّه يجوز للمرأة أن تتوضأ بفضل ماء الرَّجل وماء المرأة، ويتوضأ الرَّجل بفضل الرَّجل خاصّة، وكذلك إذا استعمله الرَّجل والمرأة معًا جميعًا، جاز أن يتوضأ الرَّجل من فضله.

36 - مسألة: [عند مالك أن] المياه كلها قليلها وكثيرها؛ عذبًا كان أو أجاجًا؛ ماء

بحر أو غيره، لا يخرجه عن طهارته وتطهيره شيء يخالطه من غير قراره؛ إِلَّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه [4/ أ].
فإن خالطه شيء طاهر من غير قراره، وغلب عليه فهو طاهر غير مطهر.
وإن خالطته نجاسة فغلبت عليه بلون أو طعم أو ريح، فهو غير طاهر ولا مطهّر، قليلًا كان أو كثيرًا.
وأجمع فقهاء الأمصار على أن مياه البحار عذبها وأجاجها بمنزلة واحدة في الطّهارة والتطهير، إِلَّا ما كان يحكى عن قوم أنّهم لا يجيزون التوضؤ بماء البحر.
وروي عن أبي بكر وعمر وابن عبّاس وغيرهم -رضي الله عنهم- أنّهم قالوا: لا فرق بين مياه البحار وغيرها.
وحكي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم- استعمال التَّيمُّم مع وجود ماء البحر.
[وقال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: التَّيمُّم أحب إلى منه].
وحكى بعض النَّاس جواز التوضؤ به عند الضّرورة.

37 -

مسألة:

المستعمل من الماء مكروه عند مالك، مثل: أن يجمع وضوءه [من الحدث] أو غسله من الجنابة 1 في إناء، فيتوضأ به كرة أخرى أو يغتسل به [من الجنابة].
وقال ابن القاسم 2 في موضع آخر: إنّه لا يستعمل، وإن لم يجد غيره يتيمم.

فصول الكتاب · 21 فصل · 683 صفحة
جارٍ التحميل