كتاب الجزية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- عُيُونُ المَسَائِل
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
- الناشر
- دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
710 -
مسألة:
[وقد كنا بيَّنَّا: أنّه لا يجوز أن يعتق أمته، ويجعل عتقها صداقها، وأن النِّكاح لا يلزمها، إِلَّا باختيارها، وذكرنا الخلاف في ذلك.
ورأيت أن أذكر: أن العتق لا يكون صداقًا، وكذلك يقول أبو حنيفة والشّافعيّ.
ومن ألزمنا النِّكاح جعل عتقها صداقها، واحتج بأن النبيّ - صلّى الله عليه وسلم - جعل عتقها صداقها في حديث صفية -رضي الله عنها -.
قالوا: والقنّ مال، ويصلح أن يقع على مال، فكأنّه تزوجها على شيء يكون عوضًا عن العتق، ويكون ذلك الشيء هو المهر، ألَّا ترى أنّه يجوز أن يعتقها ويجعل عليها مالًا، فكأنّه جعل ذلك المال صداقها.
وهذا لا يلزم].
711 - مسألة:
إذا قبضت الزوجة الصداق، فتجهزت به واشترت الطيب والخادم، ثمّ طلقت قبل الدخول، فلزوجها نصف ما تجهزت به [ونصف الطيب والخادم]، وليس له غير ذلك من العين الّذي دفع.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تغرم له نصف ما أخذت.
وهذه المسألة مبنية على الرِّواية الّتي يقول فيها: إنهما شريكان في المهر، وإنّما تملك الجميع بالدخول أو بالموت.
وقال مالك: ذلك على ما جرى به عرف النَّاس.
712 - مسألة:
المواضع الّتي يعتبر فيها مهر المثل؛ كالمفوضة إذا وطئت، والموطوءة في النِّكاح الفاسد، والوطء بالشبهة، فالمهر فيه مهر نساء بلدها، ولا يقتصر على نساء عصبتها وذوي رحمها.
وقال ابن أبي ليلى: تعتبر بذوات الأرحام؛ كالأمهات والخالات.
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة: أنّه يعتبر نساء قومها الذين في عشيرتها وبلدها، فيدخل فيه ضمنا العصبات والأمهات والخالات، دون الأجانب.
وقال الشّافعيّ: يعتبر نساء عصبتها حسب، وهنّ: أخواتها وعماتها وبنات أعمامها، ومن ترجع إليهن بنسب تعصيب.
713 -
مسألة:
إذا اختلف الزوجان في عين الصداق قبل الدخول، فقال: على هذا العبد، وقالت: على غيره.
وفي قدره: فيقول: على ألف، وتقول هي: على ألفين؛ تحالفا وتفاسخا إن لم يرض أحدهما بقول الآخر.
وإن كان بعد الدخول فالقول قول الزوج مع يمينه، هذا كله إذا عدمت البينة.
وقال أبو حنيفة ومحمد: إن اختلفا قبل الطّلاق، فالقول قولها في مقدار المهر بالمثل، والقول قول الزوج في الزيادة عليه، مثل: أن يكون مهر المثل مائة، فيدعي أنّه تزوجها بخمسين.
وإن قال الزوج: مائة، وقالت هي: على مائتين، فالقول قوله الزوج.
وإن اختلفا بعد [42/ب] الدخول فالقول قول الزوج مثلنا.
وينبغي أن يكون قولنا قبل الدخول مثل أبي حنيفة؛ لأنّ مالكًا قال: اليمين على من قال ما يشبه في سائر المواضع من البياعات 1 وغيرها.
وينبغي أن يكون الخلاف إذا أتيا جميعًا بما لا يشبه، مثل: أن يكون مهرها مائة، وهي تدعي مائتين، ويقول هو: خمسون، فيحلفان ويفسخ.
وقال النخعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف: القول قول الزوج على الإطلاق؛ قبل الدخول أو بعده.
وقال أبو يوسف: إِلَّا أن يدعي شيئًا مستنكرا لا يشبه، [كأن يدِّعي أنّه تزوّجها على مهر درهم، وما أشبه ذلك].
وقال الشّافعيّ: يتحالفان قبل الدخول وبعده، ويرجع إلى مهر المثل، ولا يفسخ النِّكاح، وبه قال الثّوريّ.
714 -
مسألة:
إذا زوج الرَّجل ابنته الصغيرة أو الكبيرة الّتي في حجره، بدون مهر المثل مضى ذلك، ولم يكن لها خيار إذا بلغت، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يصح، ويجب مهر المثل لها بالعقد.
715 - مسألة:
إذا وهبت له صداقها ثمّ طلقها قبل المسيس لم يكن له عليها شيء؛ سواء قبضته أم لا، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ فقال مثل قولنا، وقال: يرجع عليها بنصف ما أصدقها، فإن كان مثلًا: ألفا وقبضتها ثمّ وهبتها له بخمسمائة، وإن كان عبدًا أو ثوبًا أو دارًا، رجع عليه ابن صف قيمة ذلك، فجعله كالتالف في يدها واستهلاكها إياه.
716 - مسألة:
وتبرأ ذمة الزوج بدفع صداق البكر البالغ السليمة لأبيها قبل الدخول بها، كما تبرأ بدفعه [إليه]؛ إذا كانت صغيرة أو كبيرة مجنونة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تبرأ في البالغ؛ لأنّها عنده رشيدة ينفك حجرها عن المال دون التزويج.
والأمران عندي سواء.
717 - مسألة: إذا تزوج امرأة بمهر معلوم ودخل بها، استقر لها جميع المهر، فإن
خالعها ثمّ تزوج بها في العدة بمهر آخر، ثمّ طلقها قبل الدخول، فلها نصف المهر بالطلاق، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لها جميع المهر؛ لأنّها تعتد عقيب الطّلاق، فوجب لها جميع المهر، كما لو طلقها بعد الدخول.
وهذه العدة إنّما هي للنكاح الأوّل؛ لأنّه لما تزوجها في العدة انقطعت العدة، فإذا طلقها قبل الدخول بنت على عدتها ثلاثة أقراء.
718 -
مسألة:
إذا طلقت المدخول بها لا على وجه الخلع، استحب له أن يمتعها، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ: فقال مرّة: لا متعة لها، وقال أيضًا: تجب لها المتعة.
719 - مسألة:
إذا طلق زوجته واحدة قبل الدخول، وظن أنّها لا تبين إِلَّا بالثلاث فوطئها، لم يلزمه إِلَّا مهر واحد كامل، وإن كان مسمى في العقد كمل بالوطء، وإن لم يكن مسمى فلها مهر مثلها.
وقال الشّافعيّ وغيره: يلزمه مهر ونصف إن كان لها مهر مسمى؛ لأنّه يوجب بالطلاق نصف المهر، وبالوطء مهر كامل، كالوطء بشبهة.
720 - مسألة:
إذا أعسر بالصداق قبل الدخول، فلزوجته خيار الفسخ إن أحبت، ويضرب له أجل على اجتهاد السلطان فيما يرجى له فيه سعة، فإن وجد وإلا طلق عليه إذا طلبته.
وقال قوم، منهم أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه: لا خيار لها ولا يلزمه الطّلاق؛ لقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
وإلزامه الطّلاق نقيض الوفاء به.
والأصل الزوجية فمن ألزمه الطّلاق فعليه الدّليل.
وقال النبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "المُؤْمِنُونَ عِندَ شُرُوطِهِم" (1)، وشرطه الصداق وقت القدرة لا الفسخ.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ....﴾ [البقرة: 280]، [فيجب أن ينظر بالصداق إلى يسره].
وقال - صلّى الله عليه وسلم -: "أَدُّوا العَلَائِقَ، وَهُوَ مَا تَرَاضَى عَلَيهِ الأَهْلُونَ" (2).
ولم يأمر بغير الأداء، [ولم يدكر الفسخ إن لم يقع الأداء، والأداء مطلوب أبدًا متى تمكن]، وهو بمثابة من دخل ولم يجد الصداق فهو دين.
721 -
مسألة:
كلّ طعام يدعى النَّاس إليه لسرور؛ كدعوة الأملاك [43/أ] والختان والنفاس والقدوم وغيره يسمى وليمة، ولكن الوليمة بالعرس والأملاك أظهر، وكله غير واجب أصلًا.
واختلف في وليمة العرس: عندنا غير واجبة ولا تجب الإجابة إليها وهي مستحبة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقيل على وجهين: أحدهما مثل قولنا.12
والآخر: أنّها واجبة، وبه قال داود.
722 -
مسألة:
فأمّا نثر السكر واللوز، وما أشبه ذلك فهو مكروه.
وقال أبو حنيفة: هو مباح يستوي تركه وفعله.
وقال الشّافعيّ: ليس بواجب، ولا أقول مكروه، لكن تركه أولى.
في القسم بين الزوجات
723 -
مسألة:
اختلف عن مالك في القسم بين الحرة والأمة، فقال: هما سواء.
وروى عبد الملك وغيره عنه: أن للحرة ليلتين والأمة ليلة، وبهذه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
724 - مسألة:
ليس للأمة عندي أن تحلل زوجها من القسم، ولا من الوطء على ما يوجبه أصل مالك، فإنّه قال: لا يعزل الرَّجل عن زوجته [الحرة] إِلَّا بإذنها، ولا عن الأمة الزوجة إِلَّا بإذن مواليها.
وهذا يدلُّ على أن الوطء حق لهم؛ لأنّهم يبتغون نسلها، ولأجل هذا يجبرونها على النِّكاح.
وقال الشّافعيّ: لها أن تحلله من الوطء والقسم؛ [لأنّ القسم إنّما يراد للسكن والإيواء بها، وذلك للأمة دون سيدها]، وليس لسيدها اعتراض، فإن العنة والجب يمنعان الاستمتاع، وذلك حق لها دونه.
725 - مسألة: من له زوجة أو اثنان أو ثلاث فتزوج أخرى، فإن كانت بكرًا أقام عندها سبعًا دون نسائه، وإن كانت ثيبًا أقام ثلاثًا، ولم يقض للمقدمات شيئًا ممّا أقام عند الجديدة، فإن أقام عند الثيب سبعًا، قضى المقدِّمات سبعًا
سبعًا سبعًا، وبه قال أنس بن مالك -رضي الله عنه -، والنخعي والشعبي والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وذهب الحسن وسعيد بن المسيَّب إلى أن للبكر ليلتين وللثيب ليلة.
وقال ابن أبي سليمان والحكم وأبو حنيفة: لا يفصّل الجديدة بكرًا كانت أو ثيبًا، وإن زادها شيئًا قضاه بغيرها من غير تخصيص شيء.
726 -
مسألة:
إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه، [فقد اختلف قول مالك، فقال]: له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة.
وقال أيضًا: ليس له ذلك إِلَّا بقرعة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
727 - مسألة:
إذا سافر بإحدى نسائه، ثمّ قدم لم يقض غيرها من المدة الّتي أقامت معه في سفره دون غيرها، وهو قول الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يقض البواقي مثل المدة.
هكذا حكي عنهم وحكاه أصحاب الشّافعيّ.
ورأيت أصحاب أبي حنيفة ينكرونه أشد نكير، ويقولون: لا يقضي.
فإن وإن ذلك فلعلّه يكون خلافًا.
728 - مسألة:
إذا قبح ما بين الزوجين، ولم قدر الإساءة ممّن هي، بعث الحاكم حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها؛ ثقتين عدلين يجتهدان في الإصلاح بينهما، وإلا فرقا بينهما.
وتصح فرقتهما دون الإمام ودون توكيل الزوجين.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا.
وقال: لا يفرقان إِلَّا بتوكيل الزوجين.
وقال أبو حنيفة: ليس لهما الفرقة، إِلَّا أن يجعل إليهما، وينبغي أن يكون الحكمان إذا خرج الزوجان في المشاتمة والمواثبة والخصومة إلى ما لا يحل، ويكون هذا بينهما جميعًا حتّى [لا] يتبين النشوز ممّن هو، فهذا هو الشقاق.