عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكيصفحات 344-383
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطّلاق

صفحات 344-383
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
عُيُونُ المَسَائِل
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
الناشر
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

739 -

مسألة:

يقع الطّلاق في الحيض ثلاثًا كان أو أقل، وبه قال الفقهاء كافة.
إِلَّا طائفة شذت لا يعتد بخلافهم، قالوا: لا يقع في الحيض، ولا في طهر قد جامع فيه، وروي ذلك عن هشام بن عبد الحكم 1 وابن علية 2، والشيعة، وقوم من أهل الظّاهر منهم: داود.

740 - مسألة: [قال مالك]: طلاق المحجور عليه واقع، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: لا يقع.

741 -

مسألة:

[قال مالك]: إذا طلق امرأته ثلاثًا جاز له نكاح أختها، وأربع سواها وهي في العدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، ما لم تنقض العدة.

742 - مسألة: طلاق السُّنَّة أن يطلق الرَّجل بطلقة واحدة في طهر لم يمس فيه.
والثلاث فيه دفعة واحدة محظور، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا سنة في عدد الطّلاق ولا بدعة، وإنّما ذلك في زمانه، وإيقاع الثلاث مباح في طهر، إِلَّا أنّه يستحب أن يكون في كلّ طهر طلقة، [وبه قال أحمد، والسُّنَّة عند أبي حنيفة في كلّ طهر].
وبقولنا قال من الصّحابة: عمر وعلي وابن عمر وابن عبّاس وابن مسعود -رضي الله عنهم-.
وبقول الشّافعيّ قال عبد الرّحمن بن عوف والحسن بن علي - رضي الله عنهم -. وذهبت طائفة أن إيقاع الثلاث محرم، ولا يلزم إن وقع، ثمّ اختلفوا فيه: فقيل: يقع واحدة، وقيل: لا يقع أصلًا.

743 - مسألة: إذا طلقها في الحيض طلقة رجعية، أجبر على الرجعة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تستحب الرجعة ولا يجبر 1

744 -

مسألة:

[لا نختلف نحن وأبو حنيفة والشّافعيّ] [في أن] لفظ: "أنت طالق" صريح.
وقال أبو حنيفة: لا صريح غيره.
وقلنا نحن والشّافعيّ: قوله: "سرحتك، وفارقتك" صريح.
وقال الشّافعيّ: لا صريح إِلَّا هذه الألفاظ الثلاث.
وقلنا نحن: "أنت حرام، وبائن، وبتة، وبتلة، [وخلية]، وبرية، وحبلك على غاربك" صريح أيضًا، إِلَّا أن بعضها آكد من بعض.
وآكدها عند مالك قوله: "بتة، أو بتلة"، فإنّه لا ينوي في المدخول وغيرها، فهمًا مثل قوله: "طالق ثلاثًا"، والباقي يكون ثلاثًا في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها، فإن أراد واحدة حلف، وكانت واحدة.
وينوي في قوله: "أنت طالق" في الجميع ما أراد به من عدد في نفس الطّلاق.
وقد حكى أصحابنا في بتة وبتلة: إن أراد في غير الدخول بها واحدة حلف، وكانت واحدة.
وقال أبو حنيفة: ما وراء قوله [44/ب]: "أنت طالق" كناية.
وآكده ستة ألفاظ، وهي: "خلية، وبرية، وبائنة، وبتلة، وبتة، وحرام"، فإنها كنايات ظاهرة إن تكلم بها، ولم تكن سألته الطّلاق، ولم ينو هو الطّلاق؛ لم يلزمه شيء، وكذلك قال الشّافعيّ.
وإن كان عقيب مسألتها، مثل أن تقول: طلقني، فيقول: أنت خلية، أو برية، قال أبو حنيفة: يكون طلاقًا، وإن لم تكن له نيّة فهي واحدة بائنة؛ سواء كان غاضبًا أو راضيًا، وإن نوى الطّلاق فكانت نيته واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى اثنين كانت واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا كانت ثلاثًا.
فحصل الخلاف مع أبي حنيفة فيما عدا لفظ الطّلاق.

فقال مالك: هي ظاهرة، ولا ينوي في المدخول بها، ويكون ثلاثًا، وينوي في غير المدخول بها، وإن قال: لم يردّ بها طلاقًا، لم يقبل منه ولزمه الثلاث، إِلَّا أن يقول وينوي في غير المدخول بها: أردت واحدة، فيقبل قوله مع يمينه، ولا يقبل قوله في المدخول بها؛ سواء أراد واحدة أو قال: لم أرد طلاقًا أصلًا.
والخلاف مع الشّافعيّ في هذه الألفاظ، فقلنا: هي صريحة، وقال: هي كنايات.
وحصل الخلاف بين أبي حنيفة والشّافعيّ في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا قال عقيب سؤالها ذلك، تكون طلقة بائنة، وعند الشّافعيّ لا تكون شيئًا إذا لم ينو الطّلاق.
والثّاني: إذا نوى به واحدة، تكون عند أبي حنيفة بائنة، وعند الشّافعيّ رجعية.
والثّالث: إذا نوى به اثنتين، كانت عند أبي حنيفة واحدة بائنة، وعند الشّافعيّ اثنين.

745 -

مسألة:

إذا قال لزوجته: "أنت حرة"، وأراد الطّلاق وقع بلا خلاف مع أبي حنيفة والشّافعيّ.
وإن قال لأمته: "أنت طالق"، يريد الحرية فكذلك عندنا، وعند الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تعتق.
فجعل العتق كناية عن الطّلاق، ولم يجعل الطّلاق كناية عن العتق.

746 - مسألة: لا فرق [عندنا] بين قوله: "أنت طالق"، أو"أنا منك طالق"، و"أنت بائن"، أو"أنا منك بائن"؛ أنّه صريح ويلزم.

وقال أبو حنيفة: "أنا منك طالق" ليس بصريح ولا كناية ولا يلزم به الطّلاق؛ نوى أو لم ينو بل قوله: "أنا منك بائن" مثل قوله: "أنت مني بائنة" هو كناية، إن نوى به الطّلاق كان طلاقا، وإن لم ينو لم يلزم شيء.
وقال الشّافعيّ: هما كنايتان، إن أراد بهما الطّلاق كان طلاقًا، وإن لم ينو الطّلاق لم يلزمه شيء.

747 -

مسألة:

إذا قال: "أنت طالق"، ونوى اثنتين أو ثلاثًا كان ما نواه، وبه قال الشّافعيّ وعروة بن الزبير -رضي الله عنهما-.
وقال أبو حنيفة: إن نوى أكثر من واحدة لم يلزم، وهكذا قال في قوله: "اعتدي، واستبرئي" إنها واحدة، وإن نوى أكثر من واحدة لم يقع إِلَّا واحدة، غير أن قوله: "أنت طالق" صريح، والثّاني كناية، وإن لم ينو به طلاقًا لم يلزمه شيء، وبه قال سفيان والأوزاعي والحسن.

748 - مسألة: اختلفت الرِّواية عن مالك فيمن اعتقد الطّلاق بقلبه، ولم ينطق بلسانه مع قدرته على النطق به، فالأظهر: أنّه لا يقع حتّى ينطق به، وهو قول جميع الفقهاء.
وروي عنه: أنّه يقع.

749 - مسألة: ومن طلق امرأته إلى أجل معلوم، قريب أو بعيد يأتي لا محالة، مع جواز بقائهما على الزوجية، طلقت مكانها عند كلامه بذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا تطلق إلى الأجل.

750 - مسألة: إذا أكره على الطّلاق، لم يقع طلاقه وزوجيته باقية، وبه قال الأوزاعي والشّافعيّ وأحمد.
وقال أبو حنيفة: طلاقه واقع ولازم [45/ أ].

مسائل التخيير والتمليك

751 -

مسألة:

إِذَا خير زوجته المدخول بها، واختارت نفسها فهي ثلاث، وكذلك غير المدخول بها، إِلَّا أن يقول: أردت واحدة، فيحلف وتكون واحدة.
وقال أبو حنيفة: هي واحدة بائنة على كلّ وجه.
وقال الشّافعيّ: هي كناية، فإن أراد الزوجان بها الطّلاق كانت واحدة رجعية، وإن نوى العدد واتفقا عليه فهو ما أراده، وإن اختلفا فأراد أحدهما أكثر ممّا أراد الآخر، فالقول قول من أراد الأقل؛ لأنّه اليقين.
وبقول مالك قال زيد بن ثابت -رضي الله عنه -. وبقول أبي حنيفة قال علي -رضي الله عنه -. وبقول الشّافعيّ قال عمر وابن عبّاس وابن مسعود -رضي الله عنهم-.

752 - مسألة: اختلف عن مالك في مدة انقطاع الخيار والتمليك، فقال: ما لم يفترقا من المجلس، فإن افترقا قبل أن يقضي بطل خيارها، وهو قول أبي حنيفة.
وروي عن مالك: أن لها ذلك وإن تفرقا، حتّى يوقفها السلطان أو توطأ.

وقال الشّافعيّ: إن طال ذلك وهي في المجلس بطل خيارها؛ لأنّه عنده على الفور.

753 -

مسألة:

إذا خيرها أو ملكها لم يكن له الرجوع، حتّى ترد هي أو يبطل من جهتها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: له الرجوع.
وحكي عن ابن خيران 1: أنّه لا يبطل خيارها برجوعه مثل قولنا.

754 - مسألة: إذا قال لزوجته: طلقي نفسك ثلاثًا، فقالت: طلقت نفسي واحدة، أو قال: طلقي واحدة، فطلقت ثلاثًا؛ لم يقع عليها شيء، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: تقع واحدة فيما إذا قال: طلقي نفسك واحدة، فأوقعت الثلاث، وقعت واحدة الّتي أرادها الزوج.

مسائل من الطّلاق

755 -

مسألة:

طلاق السكران واقع؛ سكر من نبيذ أو خمر، وجميع أحكامه الّتي تخصه لازمة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكى المزني عنه في القديم في كتاب الظهار: أن ظهاره وطلاقه غير واقع.
والصّحيح ما تقدّم، وبه قال الأوزاعي.
وقالت طائفة: لا يقع طلاقه، منهم: عثمان بن عفان -رضي الله عنه -، وربيعة والليث وأبو ثور والمزني وداود.
وحكي عن المزني: أنّه كان يوقع طلاق السكران وظهاره، حتّى رأى سكرانا قد قاء، وكلب يلحس فاه، والسكران يقول له: "يا سيدي قد تعنأت"، فرجع عن قوله، وقال: لا يجوز أن يحكم بقولى مثل هذا.

756 - مسألة: إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقًا متواليًا فهو ثلاث؛ مدخول بها أو غير مدخول بها، وليس بتأكيد، وبه قال الأوزاعي والليث، إِلَّا أن يقول: أردت إسماعها، فيقبل منه.
وقيل: يكون في غير المدخول بها واحدة، وبه قال سفيان وأبو حنيفة والشّافعيّ.

واختلف قول الشّافعيّ في المدخول بها، فقال: إن أراد بما زاد على الواحدة تأكيدا فهو كذلك، وإن أراوإلاستئناف فهو ثلاث، وإن لم يردّ تأكيدًا ولا استئنافًا، فهو 1 استئناف وهو ثلاث.

757 -

مسألة:

وإن قال لزوجته: رأسك طالق، أو جزء من أجزائك، أو نصفك، أو ربعك، أو خمسك، وقع الطّلاق بلا خلاف، [بيننا وبين أبي حنيفة في هذه الألفاظ الأربعة].
فأمّا إذا قال: يدك، أو رجلك، أو شعرك، أو لسانك، أو عينك، أو غيره من الأعضاء الّتي تبقى النفس مع زوالها، فعندنا وعند الشّافعيّ يقع.
وقال أبو حنيفة: لا يقع بها.

758 - مسألة: حكي عن داود أنّه قال: إذا قال: [بضعك طالق، أو] أنت طالق بنصف طلقة، أو ربع طلقة، أو نصفك طالق، أو ربعك، لا يقع عليه شيء.
والفقهاء على خلافه.

759 - مسألة: إذا قال: أنت طالق إن شاء الله، وقع ولزم حكمه، وكذلك العتق.
ولا يعمل إن شاء الله إِلَّا في اليمين بالله.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يقع طلاق، ولا عتق، ولا نذر، ولا ما دخل فيه إن شاء الله؛ كاليمين بالله.
وقال أحمد: لا يقع الطّلاق، ويقع العتق.

760 -

مسألة:

إذا طلق المريض امرأته البتة، ثمّ مات من مرضه الّذي [45/ب] طلق فيه، ورثته، وبه قال أبو حنيفة.
غير أنّه يشترط بقاء العدة الّتي وقع فيها الطّلاق، ونحن نورثها بعد العدة وإن تزوجت أزواجًا.
واختلف قول الشّافعيّ.
وقولنا إجماع من عمر وعثمان وعلي وأبيّ بن كعب -رضي الله عنهم-.
وابن الزبير -رضي الله عنهما- قد اختلف عنه، وهو قول ربيعة والليث وابن أبي ليلى والأوزاعي وسفيان وأحمد.

761 - مسألة: إذا ثبت لها الميراث، فلا فرق أن تكون في العدة أو خرجت قبل موته.
وأبو حنيفة يورثها ما دامت في العدة.
وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: مثل قول أبي حنيفة، وبه قال الأوزاعي وربيعة والليث وسفيان.
والثّاني: إنها ترثه ما لم تتزوج، وبه قال ابن أبي ليلى وأحمد.
والثالث: إنها ترثه على كلّ حال مثل قولنا.

762 - مسألة: جميع طلاق العبد طلقتان؛ سواء كانت زوجته حرة أو أمة، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول زيد بن ثابت وابن عبّاس -رضي الله عنهم-.
وقال أبو حنيفة: إن كانت زوجته حرة، فطلاقه ثلاث 1، [وإن كانت أمة فطلاقها اثنتين]، وبه قال الثّوريّ، وروي عن علي -رضي الله عنه -.

763 -

مسألة:

طلاق الحر للأمة ثلاث، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: طلقتان.

764 - مسألة: إذا شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته؛ هذا في شهر، وهذا في شهر، أو أحدهما بكرة، والآخر عشية، فشهادتهما ماضية، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تصح.

765 - مسألة: من نسي أن له زوجة، ثمّ قال: زوجتي طالق، وهو يظن أن لا زوجة له، طلقت عليه.
وكذلك إن حلف بطلاقها على شيء يفعله ففعله ناسيًا طلقت، وبه قال أبو حنيفة وصاحباه.
وقال الشّافعيّ: لا يحنث.

766 - مسألة: إذا طلق زوجته وشك في العدد، فلم يدر أواحدة أو اثنتين أو ثلاثًا؟ وقع ثلاثًا، وبه قال أبو يوسف.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة ومحمد: تلزمه واحدة.

767 - مسألة: إذا طلق زوجته أقل من الثلاث وبانت منه، ثمّ تزوجها بعد زوج كانت على ما بقي من طلاقها الأوّل؛ سواء دخل بها الثّاني أو لم يدخل.
ولا يهدم دخول الثّاني ما بقي من طلاق الأوّل، فإن بقي واحدة عادت عليها، وإن كان بقي اثنين عادت عليها، وبه قال ثمانية من الصّحابة:

عمر وعلي ومعاذ وأبو هريرة وأبيّ بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم -، ومن الفقهاء: الأوزاعي وابن أبي ليلى وابن أبي ذئب والثوري والشّافعيّ ومحمد بن الحسن بعد أن كان مخالفا، وأحمد بن حنبل وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف.
إن الزوج الثّاني إن أصابها في نكاحه، هدم طلاق الأوّل، ورجعت إليه على ثلاث تطليقات، وبه قال ابن عبّاس وابن عمر -رضي الله عنهم-.

768 -

مسألة:

الطّلاق الرجعي يحرم الوطء، وبه قال الشّافعيّ.
واختلف أصحاب أبي حنيفة، فذكر الرازي: أن الوطء مباح وتحصل به الرجعة.
وقال بعضهم: هو حرام، ولكن تحصل به الرجعة.
وأكثرهم: على أنّه لا يحرم الوطء.

769 - مسألة: تصح الرجعة [عندنا] بالقول والوطء إذا قصد به، وبه قال إسحاق 1. وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى وسفيان وأبو حنيفة: تصح الرجعة بالوطء، قصد أم لم يقصد، وكذا لو قبّلها أو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها.
وقال الشّافعيّ: لا تكون الرجعة إِلَّا بالقول، وبه قال أبو ثور وأبو قلابة.

770 - مسألة: الإشهاد على الرجعة مستحب، وبه قال أبو حنيفة.

وللشافعي قولان: في القديم والجديد: مستحب.
وفي الإملاء: واجب، وإن راجعها ولم يشهد لم يصح.

771 -

مسألة:

الوطء المنهي عنه لا يحل المطلقة ثلاثًا للأول.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يحلها مثل وطء الصائمة والحائض وما أشبه.

مسائل الإيلاء

772 -

مسألة:

الإيلاء في اللُّغة [46/أ]: هو اليمين والقسم.
ثمّ اختلف النَّاس في الإيلاء الشرعي: وهو الّذي تتوجه به المطالبة بالفيء أو الطّلاق بعد أربعة أشهر، كقوله: والله لا أصيبك خمسة أشهر أو أكثر وما أشبه، فإن علّق اليمين على أربعة أشهر فما دون، فهو يمين لا مطالبة فيها، لكنه إن وطئ فيها لزمته الكفارة، وإن لم يطأ حتّى انقضت المدة، لم يلزمه شيء كسائر الأيمان، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو ثور.
وقال ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: لا يكون إيلاءً شرعيًّا، حتّى يكون يمينه على التّأبيد بعد التربص.
وقال أبو حنيفة والثوري: إذا علّق يمينه بأربعة أشهر فصاعدًا كان مواليًا شرعًا، وإن كان على أقل من أربعة أشهر كانت يمينًا.

773 - مسألة: إذا آلى وانقضت المدة المضروبة للإيلاء، [وهي: أربعة أشهر] لم تقع البينونة بانقضائها، بل تجب المطالبة بالفيء أو الطّلاق، فأيها فعل خرج به عن الإيلاء، فمن وطى في الأربعة الأشهر، فقد قدم الوطء قبل وقته، كمن عليه حق إلى أجل قدمه قبل محله، فمدة التربص مطلوبة لتحل المطالبة لا لوقوع البينونة، ووقت الفيء بعد مدة التربص لا فيها، وبه قال الشّافعيّ

وأحمد وأبو ثور، وجماعة من الصّحابة: عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة -رضي الله عنهم-.
وقال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر نفسًا من الصّحابة يوقفون المولي.
وقال سهيل بن أبي صالح (1): عن أبيه قال سألت اثني عشر من الصّحابة عن المولي؛ فقالوا: لا شيء عليه، حتّى يتربص أربعة أشهر، ثمّ يوقف ليفيء أو يطلق، وبه قال طاووس ومجاهد.
وقالت طائفة: المدة مضروبة لوقوع البينونة بانقضائها، ووقت الفيء في الأربعة الأشهر لا بعدها، وهو قول أهل الكوفة وابن أبي ليلى وسفيان وأبي حنيفة وأصحابه، ومن الصّحابة: ابن عبّاس وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم-، وحكي عن عثمان وابن مسعود -رضي الله عنهما-: والصّحيح عنهما غيره.
وقال قوم: الفيء في المدة، فبانقضائها تقع طلقة رجعية، وإليه ذهب الزهريّ وسعيد بن المسيَّب.

774 -

مسألة:

إذا وقف المولي بعد انقضاء المدة، فلم يف وامتنع أن يطلق، طلّق عليه الحاكم.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال: لا يطلق عليه، ولكن يحبسه حتّى يطلق.1

775 -

مسألة:

إذا امتنع من الفيء وطلق، أو طلق عليه، فهي طلقة رجعية، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور: هي بائنة، غير أن أبا حنيفة يقول: تقع بانقضاء المدة.

776 - مسألة: إيلاء العبد شهران؛ كانت زوجته حرة أو أمة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت زوجته حرة فأربعة أشهر، وإن كانت أمة فشهران.
وقال الشّافعيّ: إيلاؤه أربعة أشهر مثل الحر؛ كانت تحته حرة أو أمة.

777 - مسألة: إذا طلق زوجته ثلاثًا، ثمّ تزوجها رجل ليحللها له، ودخل بها لم تحل للأول.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تحل.

مسائل الظهار

778 -

مسألة:

إذا قال: "أنت علي كظهر أمي اليوم"، كان مظاهرًا تلزمه الكفارة بالعود في اليوم وبعده كمن لم يوقت، وهو أحد قولي الشّافعيّ والليث بن سعد وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: يتأقت ويبطل الظهار بمضي اليوم، ولا كفارة عليه إن عاد، وهو الثّاني للشافعي.

779 - مسألة: الذمي لا يلزمه ظهار، وبه قال أبو حنيفة، وألزمه الطّلاق دون الظهار.
وقال الشّافعيّ: يلزم المشرك الطّلاق والظهار، فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل فعليه الكفارة، فإن أعتق صح، وإن لم يقدر عليه لم يجز له الصوم، وأطعم ستين مسكينًا [46/ب].

780 - مسألة: إذا كان المظاهر مضارًّا بترك الكفارة مع قدرته عليها، دخل عليه الإيلاء وضرب له الأجل من يوم ترفعه [امرأته] إلى الحاكم.
وروي عن مالك من يوم ظاهر، والأول أصح.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يدخل عليه إيلاء، ولو أقام ما أقام لم يكفر.

781 -

مسألة:

ومن ظاهر من أمته، لزمه الظهار فيها كالحرة، وكذلك أم ولده، وبه قال علي ابن أبي طالب وابن الزبير -رضي الله عنهم-، وسفيان والثوري.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد: لا ظهار من أمة ولا أم ولد، وإنّما الظهار من الزوجات حرائرا وإماء، وهو قوله ابن عمر -رضي الله عنهما-.

782 - مسألة: اختلف النَّاس في كفارة الظهار بماذا تجب؟ فقال قوم: بمجرد الظهار، ولا يشترط العود، وبه قال مجاهد وسفيان الثّوريّ.
وقال جماعة: إنّما تجب بشرطين: الظهار والعود.
واختلفوا في العود على مذاهب، فقالى مالك: هو العزم على الوطء.
وروي عنه أنّه: الوطء نفسه، ولكن يقدم الكفارة عليه.
وروي عنه أنّه: العزم على الإمساك والوطء، [وإلى هذا ذهب وأشار في الموطَّأ، وتابعه أحمد على أنّه العزم على الوطء].
وقال الحسن وطاووس والزهري: هو الوطء نفسه، كما حكي عن مالك أيضًا.
وقال أبو حنيفة: الكفارة لا تجب بالظهار والعود، ولكن تحرم المرأة بالظهار، ولا يجوز وطؤها إِلَّا بالكفارة، فشرط استباحة الوطء الكفارة حسبُ، حتّى إنّه لو لم يختر وطأها أبدًا، لم تكن عليه كفارة.
وهو عنده مثل الطّهارة لصلاة النافلة، فلا تجب عليه إِلَّا أن يشاء، فإن أراد صلاة النافلة فشرطها الطّهارة مقدمة عليها.
وحكى الطحاوي عن أبي يوسف عنه أنّه قال: إذا وطئها قبل الكفارة وماتت أو مات، فلا كفارة عليه، وقد أن محرمًا في وطئها قبل الكفارة،

وإن أراد الوطء بعد ذلك، لم يجز له حتّى يكفر، وكذلك لو وطئها ألف مرّة قبل التكفير، وقيل: إنّه قول اللَّيث.
وقال الشّافعيّ: العود هو إمساكها، مع القدرة على طلاقها.
وقال أصحابه: العود هو أن يقدر على الطّلاق، فلا يفعل.
قال بعضهم: هذا يبطل بالرجعية إذا ظاهر منها، فإنّه قادر على طلاقها، ولا يكون عائدًا، فلا يفعل.
قال بعضهم: وقال داود هو إعادة اللّفظ.

783 -

مسألة:

إذا وطئ المظاهر قبل أن يكفر لم تسقط عنه، ولم تجب عليه إِلَّا كفارة واحدة غير أنّها تكون قضاءً.
وقال مجاهد: تلزمه بالوطء كفارة أخرى، فتجب عليه كفارتان.
وقال قوم: تسقط الكفارة أصلًا بالوطء قبلًا.

784 - مسألة: إذا وطئ المظاهر من ظاهر منها؛ نهارًا ناسيًا في خلال الصوم، أو ليلًا عامدًا، فقد قطع التتابع ويستأنف الصوم، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وسفيان.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف وأبو ثور: لا ينقطع إِلَّا بالوطء نهارًا عامدًا.
وهو موضع إجماع.

785 - مسألة: إذا كان فرضه الإطعام، لم يجز له أن يطأ، حتّى يطعم ولا في خلال الإطعام كالصيام، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن الثّوريّ في بعض الروايات عنه: جواز الوطء قبل الإطعام.

786 -

مسألة:

لا يجوز في الظهار، إِلَّا رقبة مؤمنة، وكذلك كلّ رقبة واجبة، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وإسحاق والحسن.
وقال قوم: يجوز في الظهار المؤمنة والكافرة؛ منهم: عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة.

787 - مسألة: لا يجزئ في الكفارة عتق مكاتب، سواء أدى من كتابته شيئًا أم لا، فإن أعتقه عن كفارته نفد عتقه ولم يجزه، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي والثوري وزفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إِلَّا زفر: إن كان قد أدى من نجومه شيئًا لم يجزه، وإن لم يؤد شيئًا أجزأه استحبابًا.

788 - مسألة: من اشترى بعض من يعتق عليه من أقاربه، ونوى [47/أ] بشرائه عتقه عن كفارته لم يجزه؛ كانت الكفارة من ظهار أو قتل أو يمين أو فطر رمضان، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: يجزئه استحبابًا.

789 - مسألة: إذا كانت كفارات من جنس واحد كلها ظهار أو قتل أو عن يمين كلها، فأعتق بعددها رقابًا، فليس عليه تعبين كلّ رقبة عن الأولى والثّانية والثالثة، بلا خلاف.
وإن كانت مختلفة بعضها عن ظهار وعن قتل وعن يمين فأعتق بعددها رقابًا، ولم يعين لكل كفارة رقبة، فإنّه جائز عندنا كالجنس الواحد، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا بدَّ من التعين والنية، لكل واحدة رقبة تخصها،

فأمّا إن كانت عليه كفارات لا يدري هي عن ظهار أو قتل أو غيره، فلا خلاف أنّه إذا صام أو أطعم أو أعتق، ونوى به عن كفارته، أجزأه ولم يفتقر إلى التعيين.

790 -

مسألة:

من كان له مسكن يحتاج لسكنه، وثمنه يساوي رقبة ظهاره، لم يجزه الصوم، كذلك لو كانمت رقبته تخدمه، وكذلك دابة يركبها لم يجزه الصوم، وبه قال الأوزاعي.
وقال أبو حنيفة مثله في الرقبة محتاجها، فإن لم يجدها ووجد ثمنها أو قيمتها، وهو محتاج إليها لسكن أو ركوب، جاز له العدول إلى الصوم.
وقال الشّافعيّ: يجوز العدول إلى الصوم، مع وجود الرقبة والمسكن، مع الحاجة إليه.

791 - مسألة: الاعتبار في الكفارة وقت الأداء، مثل أن يحلف وهو معسر، فحنث وهو موسر أو بالعكس، وبه قال أبو حنيفة.
قال: وإن ظاهر وعاود موسرًا ثمّ أعسر، فلم يقدر على العتق صام.
وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدهما: إن العتق قد تقرر في ذمته؛ لأنّه عاد وهو موسر، فلا ينتقل عنه بعسره، وإن عاد وهو معسر، فقد تقرر الصوم عليه وإن أيسر، غير أنّه إن أعتق أجزأه.
والثّاني: مثل قولنا في اعتبار وقت التكفير.
وقول آخر: يعتبر أغلظ أحواله؛ أي: وقت قدر على العتق من حين الوجوب إلى حين الأداء، فإن كان عند الوجوب من أهل العتق، وأعسر عند التكفير لم يتغير الفرض على العتق، وإن كان معسرًا عند الوجوب وأيسر عند الأداء، ففرضه العتق لم يجزه الصوم.

792 -

مسألة:

أجمع الفقهاء على أن في الرقاب عيوبًا لا تجزئ معها؛ مثل: قطع اليدين والرجلين أو قطع جميعهما.
وقال داود: يجزئ ما يقع عليه اسم [رقبة] بأي عيب كان؛ لقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3]، ولم يخص.

793 - مسألة: فأمّا قطع يد أو رجل فيجزئ عند أبي حنيفة، وكذلك يد ورجل إذا كان من خلاف، ولا يجوز مقطوع الإبهامين.
وقال مالك والشّافعيّ: لا يجزئ شيء من ذلك.

794 - مسألة: لو شرع في صوم الكفارة لعسر، ثمّ أيسر ووجد الرقبة، لم يجب عليه رجوع، ويستحب له أن يعتق إذا صام اليوم واليومين.
وقال الشّافعيّ مثل قولنا.
وقال أبو حنيفة والمزني: يلزمه العتق، ويترك الصوم.
[وعلى هذا أصولهم في التَّيمُّم: إذا عدم الماء ودخل في الصّلاة ثمّ طرأ عليه الماء، وقد مضت هذه المسألة في كتاب الطّهارة مستقصاة].

795 - مسألة: إذا كان من أهل الإطعام، فأطعم ستين مسكينًا أجزأ، بلا خلاف.
وإن أطعم الطّعام كله لمسكين واحد لم يجزه، وإن كان في ستين يومًا، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجزئه.

796 - مسألة: مقدار الإطعام عندنا نصف صاع لكل مسكين.

وقال أبو حنيفة: صاع.
وفيه خبران أحدهما يشهد لنا، والآخر يشهد له.
اختلف عن مالك في القدر.
فروي عنه في الأظهر عنه: مدّ بمدّ هشام بن إسماعيل (1)؛ وهو مدّ وثلثان بمدّ النبيّ - صلّى الله عليه وسلم -. وروي عنه: مدّان، قيل: وهو قدر مد هشام.
وروي عنه: مدّ بمدّ النبيّ - صلّى الله عليه وسلم -، وبه قال [47/ب]، الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان برًّا، فنصف صاع بالحجاجي، وهو أربعة أرطال بالبغدادي، وإن كان تمرًا أو شعيرًا فصاع، وهو ثمانية أرطال بالبغدادي.
واختلف عنه في الزبيب، فقال: نصف، وقال: صاع.

797 -

مسألة:

إذا مرض المظاهر في صومه فأفطر ثمّ صح، بني على صيامه، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يستأنف، وهو الثّاني للشافعي.1

مسائل اللعان

798 -

مسألة:

إذا قذف الرَّجل زوجته بالزنا على الصِّفَة الّتي نبينها بعد هذا أو نفى حملها، وأكذبته وعدم البينة فله أن يلاعن، فإن نكل حد، وإن التعن ونكلت هي حدت، وبه قال الشّافعيّ.
غير أنّه يقول بنفس القذف قد فسق، ووجب الحدّ عليه، وله أن يسقطه باللعان، وكذلك يقول في المرأة إذا التعيين الزوج.
وهذا عندي ليس كذلك في الزوج، بل أمره مراعى، فإن عدم البينة ونكل عن اللعان وجب عليه الحدّ وإذا حد فسق، وإذا التعيين فيجب في الزوجة الحدّ كما ذكر، ولها أن تسقطه باللعان؛ لأنّ لعان الزوج كالبينة.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الحدّ بالنكول عن اللعان، ولكن يحبس الناكل منهما حتّى يحلف.

799 - مسألة: إذا قال لزوجته: يا زانية، وجب عليه الحدّ وإن لم يكن له بينة، وليس له أن يلاعن حتّى يدعي الرؤية.
وروي عن مالك: أن له أن يلاعن وإن لم يدع رؤية، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، ويسقط عنه الحدّ باللعان.

800 -

مسألة:

[عندنا: أن] كلّ مسلم صح طلاقه صح لعانه؛ حرًّا كان أو عبدًا؛ عدلًا أو فاسقًا، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
غير أن الكافر عندهم يجوز طلاقه ولعانه.
والكفار عندنا لا يقع طلاقهم؛ لأنّ أنكحتهم فاسدة، وليسوا ممّن يقوم مقام الشهداء، فلم يصح لعانهم.
وقال قوم: إذا لم تقبل شهادة أحد الزوجين لم يصح لعانهما؛ مثل: أن يكون أحدهما مملوكًا أو كافرًا أو محدودًا، أو كلاهما كذلك، منهم: الزهريّ وحماد ابن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة.
وعند أبي حنيفة وأتباعه: أنّه شهادة لا تصح منهما إن لم يكونا من أهل الشّهادة.

801 - مسألة: اختلفت [الرِّواية عن مالك] في حد القذف هل هو حق لله أو حق آدمي؟ فروي عن مالك: أنّه حق آدمي، يصح عفوه فيه؛ بلغ الإمام أم لا.
وروي عنه: أنّه حق لله تعالى يتعلّق به حق آدمي، فيجوز عفوه فيه قبل بلوغ الإمام، فإن بلغ لم يصح عفوه، إِلَّا أن يريد سترًا على نفسه؛ مثل: أن يخاف أن ينكشف فيكون مثل قول القاذف، ويسأل عنه الإمام سرًّا، فإن كان متهما أجاز عفوه، ويجوز أن يعفو الابن عن أبيه، على كلّ حال.
وقال أبو حنيفة: هو حق لله، وإن مات المقذوف لم يورث عنه.
وقال الشّافعيّ: هو حق لآدمي.
وفائدة ذلك: أنّه لا يستوفى إِلَّا بالمطالبة، فإن ثبت عليه باعترافه أو ببينة جاز عفوه عنه، وإن مات ورث عنه.

802 -

مسألة:

إذا عقل الأخرس الإشارة وفهم الكتابة، وعلم ذلك منه، صح قذفه ولعانه، وكذلك الخرساء، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يصح قذفهما ولا لعانهما.

803 - مسألة: الحدّ موروث عندنا للأولياء، والعصبة يقدمون به، وبه قال الشّافعيّ.
غير أنّه تردد فيمن يرثه على ثلاثة أوجه: أحدها: جميع الورثة رجالًا ونساءً.
والثّاني: أهل النسب دون السبب، فخرج منه الزوج والزوجة.
والثّالث: العصبة [48/أ] دون النِّساء.
وقال أبو حنيفة: لا يورث ويسقط بموت المقذوفة.
وقال أحمد بن حنبل: لأنّ صاحب الحدّ قد مات.

804 - مسألة: إذا نكلت الزوجة عن اللعان رجمت إن كانت ثيبًا، أو جلدت إن كانت بكرًا، ولا تغريب على النِّساء.
واختلف قول الشّافعيّ في الأمة، وقال: تغرب الحرة قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: لا تغريب في الزِّنا.

805 - مسألة: [قال مالك]: إذا مات المنفي باللعان، ثمّ أقر [به] اللاعن لحق به وثبت النسب، كان للمنفي ولد أم لا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان للمنفي ولد قبل قوله، وإلا لم يقبل.

806 -

مسألة:

إذا قذف الرَّجل زوجته بالزنا فالتعنا، ثمّ قذفها أجنبي بذلك الزِّنا، فعليه الحدّ كان الزوج قد نفى نسبا منها أم لا؛ كان ما نفاه حيًا أو ميتًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان الزوج نفى نسبًا، وهو حي حين قذفها الأجنبي فلا حد عليه، وإن كان الزوج نفى نسبًا وهو ميت، أو لم ينف نسبًا فعلى الأجنبي الحدّ في قذفها.
فالخلاف معه في وجوب الحدّ، إذا كان قد لاعن، ونفى نسبًا وهو حي.

807 - مسألة: إذا تزوج امرأة، وقال لها: زنيت على الصِّفَة الّتي يقول، قبل أن أتزوجك، فإن لم تقم بينة حُدَّ، ولم يلاعن كالأجنبي، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يلاعن.
فاعتبرنا أن يكون الزِّنا في الزوجية، واعتبر هو أن يكون القذف في الزوجية لا الزِّنا.

808 - مسألة: إذا بانت منه بالثلاث أو الخلع، ثمّ رآها تزني في العدة فله أن يلاعن، وكذلك إن ظهر بها حمل، فقال: كنت استبرأتها بحيضة لاعن، وبه قال اللَّيث.
وقال الشّافعيّ: إن كان هناك حمل فله أن يلاعن، وإن لم يكن نسب فلا لعان.
وقال أبو حنيفة: لا يلاعن أصلًا؛ سواء كان نسب أم لا، وبه قال أحمد والأوزاعي.

809 -

مسألة:

إذا ظهر بزوجته حمل فنفاه وادعى استبراءها، فله أن يلاعن فيسقط عنه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وزفر: قوله: "ليس هذا العمل مني"، ليس بقذف؛ ادعى استبراء أم لا، ولو ولدت بعد ذلك لم يلاعن.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم قوله لاعن.

810 - مسألة: إذا قال لزوجته: "أصابك رجل في دبرك ورأيته"، فإن أقام البينة وإلا لاعن، فإن امتنع حد؛ لأنّه قذف [عندنا]، وكذا لو قال لرجل أو غلام: "وطئت في دبرك"، كان قاذفًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس بقذف ولا لعان فيه.
بناءً على أصله أن لاحد على لائط.

811 - مسألة: إذا نكح نكاحًا فاسدًا ووطىء فحملت، فادعت أنّه منه وأنكره، فله أن يلاعن لنفي الولد؛ سواء قذفها بزنا رآه أو ادعى استبراء لم يطأ بعده، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يلاعن في نكاح فاسد، والنسب ثابت، ويكون قاذفًا يحد بما رماها به.
واتفقنا على أنّه إذا وطئها في النِّكاح الفاسد صارت به فراشًا.

812 - مسألة: إذا التعيين الزوجان وقعت الفرقة بينهما بانقضاء التعانهما من غير حاكم، وبه قال ربيعة وداود.

وقال عثمان البتي (1) ت لا تأثير للعان في الفرقة، وإنّما ينفي النسب والحد، وهما على الزوجية كما كانا.
وقال أبو حنيفة: لا يقع الفرقة بينهما إِلَّا بالحاكم، بأن يقول: "فرقت بينهما".
وقال الشّافعيّ: يقع الفرقة بلعان الزوج دون الزوجة، كما ينفي النسب بلعانه، وإنّما لعأنّها يسقط عنها الحدّ.

813 -

مسألة:

فرقة المتلاعنين فسخ، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هي طلقة بائنة.
وفائدته: إذا كانت طلاقًا لم يتأبد التّحريم، فإذا أكذب نفسه جاز له أن يتزوجها.
ونقول نحن والشّافعيّ: هو تحريم مؤبد كالرضاع، [وإن أكذب نفسه]، وبه قال من الصّحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهم -، وبعدهم: عطاء والزهري والأوزاعي [48/ب] وسفيان الثّوريّ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق.
[وقال أبو حنيفة: إذا أكذب نفسه، أو جلد بحدّ، أو أحدهما في القذف، فقد حلّت له، فيجوز أن يعقد عليها النِّكاح].
وبقول أبي حنيفة قال محمَّد بن الحسن وسعيد بن المسيَّب.
وقال سعيد بن جبير: إنّما يحرم باللعان الاستمتاع، ويرتفع بإكذاب نفسه، وتعود إليه إن كانت في العدة.1

814 -

مسألة:

لو قال لها: "يا زانية"، فقالت له: "بل أنت الزاني"، لاعنها وحدت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا حد ولا لعان.

815 - مسألة: إذا بقي من اللعان الخامسة الّتي فيها اللعن لم تقع الفرقة، وإن حكم بها حاكم قبل كمال الأيمان نقض حكمه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا أتيا بأكثر اللعان، مثل: ثلاثة من الخمسة، فلا يحكم بالفرقة حاكم، ولا يسقط الحدّ والنسب بدون استيفاء الأيمان، وإن حكم الحاكم بذلك أساء، ولم ينقض حكمه ونفذ.

816 - مسألة: إذا رماها بإنسان بعينه، فإن طالبته الزوجة باللعان، سقط عنه الحدّ إذا التعيين، وحد للأجنبي، وإن لم تطلب هي وطلب الأجنبي، حد له إن لم تقم البينة، وبه قال أبو حنيفة.
غير أنّه يقول: إن طلب الأجنبي أوَّلًا الحدّ وعدم الزوج البينة حد له، وسقط اللعان إن طلبته المرأة؛ لأنّه صار محدودًا في قذف.
بناء على أصله فيما تقدّم.
وقال الشّافعيّ: يلتعن ويقول في يمينه: "أشهد بالله أنّها زنت مع فلان"، فإذا التعيين سقط الحدان جميعًا؛ حدها وحد المرمي بها.

817 - مسألة: إذا قذف زوجته فاعترفت بالزنا وصدقته فيه، فإن حصل اعترافها بعد التعانه تأكد الحدّ عليها وتحقق، والزوجية ثابتة بينهما، وإن كان اعترافها قبل لعانه، فقد وجب الحدّ باعترافها، وسقط الحدّ عنه، فإن كان ثمّ نسب أو حدث، فللزوج نفيه باللعان.

وقد روي عن مالك: أن النسب ينتفي عنه باعترافها، وسقط الحدّ عنه.
وقال أبو حنيفة: اعترافها لا يوجب عليها الحدّ، اعترفت قبل لعانه أو بعده أو بعد لعأنّها، وإن كان ثمّ نسب لم يكن للزوج نفيه باللعان، ولحق به مع اعترافها بالزنا.

818 -

مسألة:

إذا أتت زوجته بتوأمين فقذفها، وقال: "رأيتك تزنين"، ونفاهما وادعى استبراءها قبل رؤيته الزِّنا، فله أن يلاعن وينتفيان عنه إن كانا حبين بلا خلاف، وكذلك إن ماتا فله نفيهما بعد الموت، أو مات أحدهما فله أن يلاعن لنفي الحي والميِّت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا مات قبل اللعان أحدهما، ثبت نسب الحي والميِّت، وليس له أن يلاعن؛ لأنّ نفي الميِّت لا يمكن، ولا يتأتى نفي الحي؛ لأنّه يؤدِّي إلى نفي بعض الحمل وذلك محال.
وقال من احتج له: إن اللعان يراد لنفي النسب، والنسب قد زال بالموت، فإن اللعان يكون تارة لقطع الزوجية، وتارة لنفي النسب، ولو قذفها فماتت بعده، لم يكن له أن يلاعن بعد موتها لقطع الزوجية، فكذلك النسب بعد موته.
واحتج لمالك: بأنّه محتاج إلى نفي الولد: إن كان حيا يلحق به نسب فاسد، وكذلك حاجته لنفيه بعد الموت؛ لأنّه ينسب إليه، فيقال: "هذا الميِّت ولد فلان" حقيقة كما ينسب إليه في حياته، ويقال: "هذا أبو فلان الميِّت" حقيقة، وأيضًا فلا يمكن نفي الحي دون الميِّت، وهذا بيّن.

819 - مسألة: إذا انتفى من ولد بلعان فمات الولد، ثمّ أكذب نفسه واستلحقه فهو عندنا على وجهين: إن ترك المستلحق مالًا ولم يترك ولدًا، لم يلحق به.

وإن كان له ولد لحق به، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يلحق به على كلّ حال، ويرثه كان له ولد أم لا.

820 -

مسألة:

إذا وطئ زوجته، ثمّ قال: "رأيتها تزني، ولم أستبرئها بعد الوطء"، فله أن يلاعن.
فإن أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم رآها تزني، فقد اختلف قول مالك فيه، فقال مرّة: ينتفي الولد، وقال مرّة: لا ينتفي إِلَّا بلعان يدعي فيه استبراء.
وبالأول قال عطاء والشّافعيّ [49/أ] وأبو حنيفة.

821 - مسألة: إذا قذف زوجته ثمّ زنت قبل التعانه، فلا حد عليه ولا لعان، إِلَّا أن يزيد نفي النسب ففيه خلاف، هل يلتعن وينتفي النسب، أم لا ينتفي حتّى يدعي استبراء، فيلاعن وينتفي عنه؟ وكذا إن قذف محصنًا أو محصنة أجانب، ثمّ زنيا بعد ذلك وثبت بالبينة أو اعترفا، فإن الحدّ يسقط، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وأكثر أهل العلم.
وقال أبو ثور والمزني: لا يسقط الحدّ بزنا المقذوف بعد القذف، ولا يرفع حصانته المتقدمة.
واحتج على ذلك: فإن اعتبار الحصانة والعفة في حال القذف لا بعده، وزناه بعد ذلك لا يقدح في حق ثبت له، ألَّا ترى أن الزوج لو قال لزوجته: "زنيت قبل أن أتزوجك"، لم يلاعن؛ لأنّه أضاف القذف إلى حال لا يصح فيه لعان، ولو قذف مسلمًا فارتد المقذوف بعد القذف، وقبل حد القاذف لم يسقط الحدّ، ولو قذفه وهو محصن ثمّ زنى بعد قذفه، لم يسقط الحدّ عن القاذف.

وحجة مالك: أن الحدّ إنّما يقام على القاذف؛ لإزالة المعرة عن المقذوف؛ لأنّه حين رماه كان النَّاس فيه بين مصدّق ومكذب، فإذا زنى ثبتت المعرفة وسقط الحدّ، وحقق النَّاس صحة ما رماه به.
وأيضًا في دليل القياس: أنّه لما زنى الآن، فقد وقعت الشبهة أنّه زنى قبل هذا وقبل القذف.
ويدلُّ عليه ما روي عن عمر -رضي الله عنه -: إذا أراد أن يحد رجلًا زنى، فقاأل: يا أمير المؤمنين، والله ما زنيت قط قبل هذه، فقال له عمر: "كَذبت، إنَّ الله تعالى أَكرَمُ مِن أَن يَفضَحَ عَبدًا بِأَوّل خَطِيئَة" (1). فأقام عليه الحدّ، ولسنا نقطع عليه بزنا قبل هذه.

822 -

مسألة:

إذا عرّض بقذف زوجته أو أجنبيًّا في غضب وسباب ومشاتمة، بشيء يفهم منه ما يفهم من التصريح على الوجه الّذي يقوله، ولم تقم البينة في الزوجة فإنّه يلاعن وإلا حُدَّ، وحُدَّ الأجنبي عندي من وجه؛ أنّه يعتبر المواجهة فيه والمشاتمة والسباب، ولا يعتبر هذا في الزوجة، فلو ابتدأها بتعريض يفهم منه ما يفهم من قوله: "رأيتك تزني"، لكان له أن يلاعنها؛ لنفي النسب.
وأمّا الأجنبي فيحتاج إلى شيء آخر، وهو أن يقول له الأجنبي: "يا زاني ابن الزانية"، فيحتد ويحقد ويغضب، فيقول: "بعمري ما أحسن عفتك وعفة أمك"، و"يسأل النَّاس عني وعنك ليعرف الزاني منا"، و"أنت تعلم من يزني منا، حتّى يعلم كلّ أحد ما ترتكبه أنت، فإنك معروف عند جيرانك، وعند كلّ أحد"، وما أشبه ذلك من الكلام، ومما لا يخفى على1

أحد أنّه لا يريد مدحه، وأنّه لا فرق بينه وبين قوله: "أنت زان" أو"تزني" أو"زنيت" ... ونحوه، فإن المعرفة تحصل منه كما تحصل من الصريح، وليس فيه احتمال مدح.
هذا مذهبنا في التعريض، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال الثّوريّ وأبو حنيفة والشّافعيّ وأصحابهم: ليس هذا قذفًا حتّى يقول: "أردت به قذفًا"، وإن فهم من مشاتمتهم ما يفهم من صريح القذف.

823 -

مسألة:

إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا، وأحدهم زوجها فله أن يلاعن، ويحد الشهود الثّلاثة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر: لا يحدون.
وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج مع الثّلاثة ابتداءً، قبلت شهادتهم وحدت المرأة.
وإن كان الزوج قد قذفها أوَّلًا، ثمّ جاء مع الثّلاثة للشهادة، لم تقبل شهادتهم، وهو موضع اتفاق منا ومن الشّافعيّ.
والخلاف مع أبي حنيفة إذا شهد مع الشهود من غير أن يتقدم منه قذف، ثبتت الشّهادة عنده، ولا لعان على الزوج وتحد المرأة، وقال أيضًا: إذا جاء الشهود متفرقين، ولم يقم العدد بأربعة حد الثّلاثة.
واختلف قول [49/ب] الشّافعيّ في حدهم.

824 - مسألة: إذا وطئ الرَّجل زوجته أو أمته كانت فراشًا، وكذا إن أقر بوطئها، فإن أتت بولد لستة أشهر من وطئه، ثبت نسبه وكانت له أم ولد، وله نفيه إن ادعى استبراء ولا تكون فراشًا بنفس الملك، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا تكون فراشًا بالوطء، ولا الإقرار بالوطء، ولو وطئها مائة سنة، وأتت بولد لم تلحقه وكان مملوكًا وأمه كذلك، وإنّما

يلحق به ولدها إذا أقر به، فحينئذ تفسير هي أم ولد باعترافه بولدها، وإن أتت بولد بعد ذلك الّذي أقر به لحق به؛ لكونها أم ولده له، إِلَّا أن ينكره، فينفيه مجرد قوله: "ليس بولدي" من غير ادعاء استبراء.

825 -

مسألة:

إذا تزوج امرأة وطلقها في مجلس العقد بحضرة الحاكم، ثمّ أتت بولده لستة أشهر من حين العقد، لم يلحق به، وبه قال الشّافعيّ.
كما لو أتت به لأقل من ستة أشهر أو أكثر منها، فلا خلاف في هذا أنّه لا يلحق به.
وقال أبو حنيفة في الصورة الأولى: يلحق به، وإن لم يكن إمكان وطء، ويعتبر أن تأتي به لستة أشهر فقط، لا أكثر منها ولا أقل؛ لأنّها إن أتت به لأكثر من ستة أشهر، يكون قد حدث بعد الطّلاق الثلاث فلا يلحقه، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر كان الولد حادثًا قبل العقد.
وقال أيضًا: لو تزوج بامرأة غاب زوجها عنها سنين طويلة وأتاها خبر موته، فاعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ثمّ تزوجت وولدت أولاد من الثّاني فقدم الأوّل، فإن الأولاد يلحقون به، وينتفون عن الثّاني.
وعندنا وعند الشّافعيّ أنّهم للثاني.
وقال أيضًا: لو تزوج مغربي بمشرقية فأتت بولد لستة أشهر، من يوم العقد لحق به الولد، وإن كان بينهما مسافة سنة، لا يمكن اجتماعهما لوجود العقد.

826 - مسألة: إذا ظهر بامرأته حمل، فنفاه وادعى استبراء فله أن يلاعن، فإن أخر ذلك إلى أن وضعت، فقال: "رجوت أن يكون ريحًا تنفش" لا يخلص من القذف واللعان، فهل له نفيه بعد الوضع أو بعد مدة، إذا انقضت يكون له نفيه بعدها أم لا؟

اختلف النَّاس فيه، فقلنا: إن لم يكن له عذر في سكوته، حتّى مضت ثلاثة أيّام فيما تبين لي، فهو راض ليس له نفيه، وبهذا قال الشّافعيّ.
وقال أيضًا: متى أمكنه نفيه على ما جرت عليه العادة من إمكان الحاكم فلم يفعل، لم يكن له نفيه بعد ذلك، وبهذا قال مالك في اليوم واليومين، إذا تركه لم يكن له نفيه.
وقال شريح ومجاهد: له نفيه أبدًا، واستدل بظاهر الكتاب والسُّنَّة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ الآية [النور: 6]، فإنّه يدل: أنّه متى نفاه، جاز ذلك والتعن، ولا حجة لمن قال: إنّه على الفور.
وظاهر السُّنَّة قوله - صلّى الله عليه وسلم -: "الوَلَدُ لِلْفِرَاش" (1)، فمتى نفاه صح.
وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة ما.
وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر أربعون يومًا مدة النفاس.
ولا فرق عندنا بين أن تكون حاملًا أم لا، وكذا إذا علم بعد أن ولدت وسكت، لم يكن له نفيه.

827 -

مسألة:

إذا ظهر بامرأته حمل فلم يقذفها، وقال: "ليس الحمل مني؛ لأني ما وطئتها أصلًا"، أو قال: "استكرهت على الوطء، واستبرأتها"، فله أن يلاعنها لنفي النسب.
وقد ذكرنا عن أبي حنيفة: لا يلاعن عن الحمل أصلًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: لا يلاعن حتّى يقذفها بزنا.
وقال أيضًا مثل قولنا.1

828 -

مسألة:

إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي، أو أجنبي لأجنبي: "يا زانية"، فلست أعرف لأصحابنا فيها نصًا.
وهو عندي: قذف، على قائله الحدّ، وقد زاد حرفًا، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ليس بقذف.
واتفقوا أنّه إذا قال لامرأته: [يا زان]، أنّه قذف.

مسائل العدّة

829 -

مسألة:

الأقراء: هي الأطهار، وبه قال الشّافعيّ والزهري وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: هي الحيض، وبه قال [50/أ]، الحسن والأوزاعي والثوري.

830 - مسألة: إذا مات صبي لا يولد لمثله، وزوجته من ذوات الأقراء، اعتدت بأربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت حاملًا أم لا، ظهر الحمل قبل موته أو بعد موته، فعليها عدة الوفاة، وبه قال الشّافعيّ، وتكون حاملا من زنا.
وقال أبو حنيفة: إن ظهر حملها قبل موته، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإن ظهر بعد موته فعليها عدة الوفاة.
والولد غير لاحق في الوجهين، في قولنا وقول الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: القياس أن تعتد بالشهور؛ لكن الاستحسان إذا ظهر الحمل أن تعتد بوضعه.

831 - مسألة: إذا ارتفعت حيضة المطلقة، وليس بها مرض ولا رضاع ولا تدري ما سبب ذلك، فهي مرتابة؛ فإن كانت تجد حسًّا في بطنها، قعدت أكثر مدة الحمل أربع سنين على أظهر ما روي عن مالك، إِلَّا أن يترفع الحس قبل

ذلك، وقد جاوزت السنة، فتكون قد خرجت من العدة، وإن رفعتها الحيضة من غير حس ولا مرض ولا رضاع، قعدت تسعة أشهر غالب مدة الحمل، ثمّ ثلاثة أشهر تمام السنة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: تقعد حتّى تزول الريبة، ويعلم براءة رحمها، وتعتد ثلاثة أشهر.
وقال أيضًا: تقعد حتّى تبلغ سن من قد يئس، وتعتد ثلاثة أشهر، وبه قال ابن مسعود -رضي الله عنه -.

832 -

مسألة:

من طلق زوجته فأقرت بانقضاء العدة، ثمّ أتت بولد قبل أن تتزوج بآخر، وذكرت أنّه من الأوّل لحق به، وكذلك لو أتت به لأربع سنين، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا أقرت بانقضاء عدتها، لم يلحق به إِلَّا أن يأتي به لأقل من ستة أشهر، من حين أقرت بانقضاء العدة.

833 - مسألة: إذا دخل بزوجته دخول بناء، واتفقا على عدم الوطء، فالعدة واجبة [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة.
وبناه على أصله في الخلوة، وهو أحد قولي الشّافعيّ.

834 - مسألة: عدة الأمة الزوجة ناقصة عن الحرة، فإن كانت من ذوات الأقراء فعدتها قرآن، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال داود وغيره: تعتد ثلاثة أقراء كالحرة.

835 - مسألة: إذا كانت الأمة ممّن تعتد بالشهور لا الأقراء ولا حمل بها، قعدت ثلاثة أشهر كالحرة.

وقال أبو حنيفة: شهر ونصف.
وللشافعي ثلاثة أقوال؛ أحدها: شهر ونصف، والثانى: شهران بدل قرأين، والثّالث: ثلاثة أشهر.

836 -

مسألة:

إذا طلقت الأمة ثمّ عتقت في العدة، بنت على عدة الأمة ولم تنتقل؛ كان الطّلاق رجعيًّا أو بائنًا.
وقال أبو حنيفة: تنتقل إلى عدة الحرة، إن كان الطّلاق رجعيًّا، ووافق في البائن.
وللشافعي أقوال؛ منها: أنّها تنتقل الرجعية والبائن.

837 - مسألة: إذا طلق طلاقًا رجعيًّا، ومضى بعض العدة، ثمّ راجع ولم يطلق ثمّ طلق، استأنفت العدة إِلَّا أن يريد برجعته التطويل عليها، فإنها تبني على الأولى.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه مثل قولنا، وبه قال المزني: إنها تستأنف.
والثّاني للشافعي: إنها تبني على الأولى، كما نقول نحن إذا أراد التطويل.
وقال داود: إن راجعها وطلقها قبل الوطء، سقطت العدة أصلًا، وحلت للزوج في وقتها.

838 - مسألة: العدّة عندنا وعند الشّافعيّ وأبي حنيفة: من وقت الفرقة لا من وقت السماع؛ سواء صحت الفرقة بالبينة أو بغيرها، إذا كان الزوج غائبًا فطلق أو مات، فلم تعلم حتّى انقضت العدة؛ كانت عدة وفاة، أو أقراء، أو شهور في اليائسة والتي لم تحض، فلا عدة عليها وقد حلت، وبه قال ابن عبّاس

فصول الكتاب · 21 فصل · 683 صفحة
جارٍ التحميل