عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكيصفحات 464-503
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطّلاق

صفحات 464-503
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
عُيُونُ المَسَائِل
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
الناشر
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1072 -

مسألة:

إذا أكره امرأة على الزِّنا فعليه الحدّ، والمهر لها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يحد، ولا مهر لها.

1073 - مسألة: حد العبد والأمة في الزِّنا: خمسون جلدة، ولا إحصان فيهما، وهما سواء في الحكم، وبه قال أبو حنيفة [63/ب] والشّافعيّ وأحمد.
وذهب ابن عبّاس -رضى الله عنهما-: إلى أنّهما إن لم يحصنا لم يحدا أبدًا، وإذا أحصنا بالتزويج فحدهما خمسون، وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير.
وقال بعض النَّاس: إنهما كالأحرار سواء، إن أحصنا حدهما رجم، وإن لم يحصنا فالجلد خمسون، وتأول قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ (25)﴾ [النِّساء: 25]، أي: أسلمن.
وهذا خطأ؛ لأنّ في الأوّل من الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ (25)﴾ [النِّساء: 25]، دل على أن الإحصان: التزويج.
وقال داود: جلد العبد مائة، والأمة خمسون.

1074 - مسألة: يقيم السَّيِّد الحدّ 1 على عبده وأمته في الزِّنا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ذلك إلى الإمام كالحر، فإن أذن له الإمام جاز، لكن للسيد أن يعزر دون الإمام.

1075 - مسألة: إذا قذف جماعة بكلمة واحدة، أو واحدًا بعد واحد، فعليه حد واحد، وكذلك لو قذف واحدًا مرارًا قبل أن يقام عليه الحدّ، وبه قال أبو حنيفة.

وقال الشّافعيّ: إذا قذف جماعة بكلمات مفترقة، فعليه لكل واحد حد، قولًا واحدًا، وإن قذفهم بكلمة واحدة، فقولان: أحدهما مثلنا، والآخر: لكل واحد حد.

1076 -

مسألة:

لا يجب في قذف العبد حد، وبه قال فقهاء الأمصار.
وقال داود: يحد قاذف العبد والأمة.

1077 - مسألة: حد العبد في القذف نصف حد الحر، وبه قال كافة الفقهاء.
وقال الأوزاعي: وهو مثل حد الحر.

1078 - مسألة: إذا ظهر بامرأة حمل ولا زوج لها، فقالت: استكرهت وليس من زنا، فلا يقبل قولها وتحد، إِلَّا أن تأتي على قولها بدليل؛ مثل: أن ترى تستغيث وهي تدمي، بحداثة ما ذكرت أنّه أصابها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا تحد، إِلَّا أن تقر بالزنا، أو تقوم بينة.

1079 - مسألة: من أكره على الزِّنا، فعندي أنّه ينظر؛ فإن انتشر قضيبه حتّى أولج فعليه الحدّ، أكرهه السلطان أو غير سلطان، وإن لم ينتشر فلا حد عليه.
وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حد، وإن كان سلطانًا فالقياس أن يحد، واستحسن أن لا يحد.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يحد في الوجهين جميعًا، وهو قول الشّافعيّ، ولم يراعوا ذلك التفصيل.

1080 -

مسألة

إذا ادعى القاذف أن المقذوف عبد، وهو يقول: "أنا حر"، فإن كان ظاهره الحرية، فلا كلام أن القاذف يحتاج إلى بينة على قوله وإلا حد، وأن كان المقذوف معروفًا بالرق ثمّ أعتق، احتاج أيضًا هو للبينة، وإن كان أمره مجهولًا، فعلى القاذف البينة، في قول مالك.
وقال أشهب: على المقذوف البينة أنّه حر.
وللشافعي قولان، ومن أصحابه من قال هي: على قول واحد.

1081 - مسألة: إذا قال لعربي: "يا نبطي"، أو"يا بربري"، أو"يا ابن الزِّنا"، أو"يا ابن الخياط"، أو لفارسي: "يا رومي"، أو لرومي: "يا فارسي"، ولم يكن من آبائه من هذه صفته، فعليه الحدّ.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا حد عليه.

مسائل السرقة

1082 -

مسألة:

اختلف النَّاس في المقدار الّذي يتعلّق به القطع.
فقولنا: إنّه ربع دينار أو ثلاثة دراهم، أو عرض قيمته ذلك ففيه القطع؛ سواء ساوت الثّلاثة دراهم ربع دينار أو أقل.
وروى ابن القاسم: أنّه إن بلغ ربع دينار، ولم يساو ثلاثة دراهم لم يقطع.
وليس بجيد عندي.
وقال أبو حنيفة: لا قطع إِلَّا فيما قيمته دينار، أو عشرة دراهم، وهو قول ابن مسعود وعلي -رضى الله عنهما- في إحدى الروايتين عنه.
وقال الشّافعيّ: ربع دينار أو ثلاثة دراهم قيمتها ربع دينار، وتقوم الفضة بالذهب، وإن كان قيمة الربع أقل من الثّلاثة دراهم، قطع فيه، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، ورووه عن عمر وعلي وعثمان وعائشة - رضى الله عنهم -. وقال أهل الظّاهر والخوارج: القطع في القليل والكثير.
وعن عثمان البتي: أنّه يقطع في درهم فصاعدًا.

وعن زياد 1 في درهمين.
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضى الله عنهما-: في أربعة دراهم.
وعن النخعي: خمسة دراهم، وهو أحد الروايات عن عمر -رضى الله عنه-.
وحكي عن النخعي أنّه قال: أربعون درهمًا.
وعن ابن الزبير -رضى الله عنهما-: أنّه قطع في نصف درهم.

1083 -

مسألة:

من سرق من جميع الأشياء الرطبة؛ ما يؤكل وغيره، ممّا يسرع إليه الفساد [64/أ] ممّا قيمته ربع دينار من حرزه قطع به، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا قطع في شيء منه.
وقال أبو يوسف: يقطع في كلّ شيء سرق من حرز، سوى السّرجين 2 والتراب والطين.
وقال سفيان: إن كان ذلك ممّا يتلف في الحال فلا قطع فيه، وإن كان يبقى يومين وثلاثة وأكثر ففيه القطع.

1084 - مسألة: تقدّم الكلام في القدر الّذي يجب فيه القطع، ولا بد من الحرز، فإنّه شرط في القطع [عندنا]، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والشّافعيّ وأصحابه.
وقال أحمد وداود بن علي: إن الحرز ليس بشرط، ولو استعار شيئًا

فجحده، أو اختلس شيئًا فأخذه من غير حرز قطع، ومثله عن الحسن.

1085 -

مسألة:

إذا سرق جماعة شيئًا من حرز، وكان لا يمكن أحدهم إخراجه، إِلَّا بهم وقيمته ربع دينار، فعليهم القطع؛ مثل: السَّاجة 1 يحملوها، والرحى، والشيء الثقيل.
وحكي عن بعض أصحاب مالك: أن الخفيف بمنزلة الثقيل، إذا أخرجه جماعتهم؛ بمثل: الثّوب يمسكونه بينهم.
وليس [هذا] بقول معروف لمالك وأصحابه الكبار.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يقطع واحد منهم، حتّى يصيبه منه قيمة ربع دينار، بعد إخراجه من الحرز.

1086 - مسألة: إذا اجتمعوا فهتكوا حرزًا، وجمعوا المتاع فأخرجه أحدهم دون باقيهم، قطع المخرج وحده، وبه قال الشّافعيّ.
وهذا عندنا إذا كان يطيق حمله وحده وأخرجه، فأمّا إذا لم يطقه، إِلَّا بحملهم عليه قطعوا كلهم؛ كما لو حملوه على دابة.
وقال أبو حنيفة: يقطعون كلهم؛ من أخرج ومن لم يخرج.
وقال الشّافعيّ: لا قطع، من غير تفصيل.

1087 - مسألة: إذا نقب الحرز ودخل كور المتاع، وأخرجه بيده من النقب، أو لم يخرجه حتّى أخذه منه اخر من يده، فعلى الداخل القطع، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأنّه لم يخرج مع المتاع من الحرز.

1088 -

مسألة:

إذا أخرج ما قيمته يوم إخراجه ربع دينار، وجب عليه القطع زادت القيمة، إلى وقت القطع أو نقصت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بالقيمة يوم القطع، فإن أخرج نصابًا، فنقصت قيمته عن ذلك وقت القطع لم يقطع.

1089 - مسألة: من سرق شيئًا يجب فيه القطع، ثمّ وهبه إياه المسروق منه، لم يسقط القطع، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يسقط.

1090 - مسألة: من سرق صبيًّا حرًّا من حرز قطع.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قطع عليه، وبه [قال] ابن الماجشون.

1091 - مسألة: من نبش قبرا فأخرج منه الكفن، وكان يساوي ربع دينار قطع، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق.
وقال سفيان والأوزاعي وأبو حنيفة ومحمد: لا قطع عليه.
ولا فرق عندنا وعندهم أن يكون القبر في الدور أو الصحراء.

1092 - مسألة: إذا أجر داره من رجل فسكنها المستأجر، فسرق المؤاجر منها شيئًا فيه نصاب، فعليه القطع، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا قطع عليه.

1093 -

مسألة:

إذا سرق ثالثة بعد أن قطع في الأولى والثّانية، قطعت يده اليسرى، ثمّ إن سرق رابعة رجله الأخرى، فيكون مقطوع يديه ورجليه، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول أبي بكر وعمر -رضى الله عنهما-.
وقال أبو حنيفة: لا يقطع في الثّالثة يده الأخرى، ولا في الرّابعة رجله، لكن يعزر ويحبس، وروي مثله عن علي -رضى الله عنه -.

1094 - مسألة: [إذا سرق عينًا قد قطع فيه مرّة، ثمّ عاد فسرقها، قطع فيه ايضًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا قطع].

1095 - مسألة: إذا اعترف بالسّرقة مرّة، وثبت على إقراره قطع، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ ومحمد.
وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى وإسحاق: لا يقطع حتّى يعترف مرتين.

1096 - مسألة: إذا قطع السارق فوجد ما سرقه بعينه، فلا خلاف في رده على صاحبه، وإن لم يوجد وكان موسرًا [64/ب]،، غرمناه قيمته لصاحبه أو مثله، وإن كان معسرًا لم يلزمه ضمان، ولا يتبع في ذمته بشيء.
وقال أبو حنيفة: إذا كان تالفًا 1، فالمسروق منه بالخيار بين المطالبة بالقطع مع سقوط الغرم؛ كان السارق موسرًا أو معسرًا، وبين أن يطالب بالغرم ويسقط القطع، ولا يجمع بين الغرم والقطع.

وقال الشّافعيّ: يلزمه القطع والغرم، فإن كان موسرًا أخذ منه، وإن كان معسرًا اتبعت ذمته.

1097 -

مسألة:

يقطع الحربيّ في السّرقة إذا دخل إلينا بأمان، وهو أحد قولي الشّافعيّ، والآخر: لا يقطع.

1098 - مسألة: من سرق مصحفًا من حرز يساوي نصابًا قطع، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يقطع فيه.

1099 - مسألة: إذا سرق العبد من مال سيده لم يقطع، وبه قال كافة الفقهاء.
وحكي عن داود: أنّه يقطع.

1100 - مسألة: إذا ذبح شاة في حرز ثمّ أخرجها، وقيمتها بعد الإخراج نصاب قطع، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يقطع.

1101 - مسألة: من أكل داخل الحرز طعامًا قيمته ربع دينار، ولم يخرج بشيء لم يقطع.
وقال قوم: يقطع.

1102 - مسألة: إذا سرق العبد قطع؛ ابقًا كان أو غير ابق، وبه قال أهل العلم.
وحكي عن بعض أهل الحديث أنّهم قالوا: لا يقطع الآبق.

1103 -

مسألة:

إذا أحرز الرَّجل ماله عن زوجته، فسرقت منه نصابًا قطعت، وكذلك الرَّجل في مال زوجته من حرز لا يسكنه معها.
وقال أبو حنيفة: لا قطع على واحد منهما.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، و [قال] مثل قول أبي حنيفة.
وحكي عنه: أن المرأة لا تقطع، ويقطع الزوج.
[وحكي عن داود أنّه يقطع].

1104 - مسألة: إذا سرق الأب مال ابنه لم يقطع، وكذلك الأم، فأمّا الأجداد والجدات في مال أولاد أولادهم: قال مالك: أحب أن لا يقطعوا، وفي الحكم يقطعون.
وإن سرق الابن من أبويه، وكان عاقلًا بالغًا صحيحًا، سقطت نفقته عن أبيه، فإنّه يقطع.
ويقطع في مال أخيه، وكل ذي رحم إِلَّا الأب والأم.
وقال أبو حنيفة: لا قطع على من سرق من ذي رحم، على كلّ وجه.
وقال الشّافعيّ: لا يقطع الأجداد والجدات، بعدوا أو قربوا؛ كالأب، ولا الأولاد في سرقة مال أبيهم وأجدادهم، فأمَّا الأخ ومن عداه، فإنهم يقطعون في سرقة بعضهم من بعض.

1105 - مسألة: روى ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك: أن من سرق من بيت المال أو من المغنم، والسارق من الجيش، فسرق ما فيه القطع قطع.
وقال غير ابن القاسم مع سحنون: إن سرق مقدار حقه لم يقطع.
قال سحنون: من المسروق بعينه.

مسائل الحرابة

1106 -

مسألة:

اختلف النَّاس في المعنى من قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (33)﴾ [المائدة: 33].
فعندنا وفقهاء الأمصار: أنّها وردت في قطع الطريق من المسلمين.
وقال قوم: وردت في الكفار.
ومنهم من قال: وردت في العُرَنِيِّين، وهم الذين أسلموا واستوخموا المدينة واجتووها، وانتفخت بطونهم فبعثهم - صلّى الله عليه وسلم - إلى لقاح الصَّدقة يشربون من ألبأنّها وأبوالها، فشربوا وبرئوا، ثمّ قتلوا راعيها، وساقوا الإبل، فبعث النبيّ - صلّى الله عليه وسلم - خلفهم، فأخذوا وقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، ورموا في الحرة حتّى ماتوا 1. وروي أنّهم ارتدوا.
ومنهم من قال: وردت الآية في أهل الحرب.

ومنهم من قال: وردت الآية في أهل الذِّمَّة الذين نقضوا العهد.
ومنهم من قال: في المرتدين.
وهذا كله خطأ.

1107 - مسألة: ينفى المحارب إلى بلد غير بلده، فيحبس فيه حتّى تظهر توبته.
وقال أبو حنيفة: نفيهم حبسهم في بلدهم.
وقال الشّافعيّ: نفيهم من الأرض هو إذا هربوا، بعث الإمام في طلبهم، فيأخذهم ويقيم عليهم الحدّ، بأي موضع من الأرض حلوا تبعهم.

1108 - مسألة: إذا عفا عن الجراح في الحرابة، لم يسقط القصاص، وبه قال شريح.
وقال الشّافعيّ: يسقط.

1109 -

مسألة

[65/أ]: من كان ردءًا للمحاربين ومعاونًا لهم ومكثرًا؛ مثل: الطليعة والتمكين، فحكمه مثل حكمهم في إقامة الحدّ، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: ليس عليه إِلَّا التعزير.

1110 - مسألة: وفعل المحارب في المصر كفعله خارجه، لا يختلف حكمه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يكون قاطع طريق في المصر أصلًا، وحكمه كحكم المختلس، ومن يأخذ غيلة.

مسائل الأشربة

1111 -

مسألة:

[عند مالك: أن] كلّ شراب أسكر جنسه فهو حرام، نجس كثيره وقليله، يجب الحدّ على شاربه؛ سكر أم لا ولو جرعة؛ كان من العنب أو من التّمر أو الزبيب أو البرّ أو الذرة أو الشعير أو البسر أو العسل؛ نيًا كان أو مطبوخًا، وبه قال عمر بن الخطّاب وعلي وابن عبّاس وابن عمر وأبو هريرة وسعد ابن أبي وقّاص وعائشة -رضى الله عنهم-، ومن الفقهاء: الأوزاعي والشّافعيّ وأحمد.
وحكي عن قوم من البصريين أنّهم قالوا: الشراب المحرم عصير العنب ونقيع الزبيب، فأمّا المطبوخ منهما والنيء والمطبوخ من غيرهما، فليس بحرام.
وقال أبو حنيفة: كلّ شراب اتخذ من غير النخل والكرم؛ كشراب البرّ والذرة والشعير والعسل، فلا بأس به وليس بحرام، ولا حد على شاربه، سكر أم لا.
وأمّا التّمر والزبيب إذا مست شرابهما النّار وإن قلّت، فهو حلال طلق، لا حد فيه إِلَّا إذا أسكر، فالحد يتعلّق بالسكر فيه، والمحرم منه القدر الّذي يحدث عنه السكر.
وأمّا ما لم تمسه النّار منه، فهو محرم ولا حد فيه، إِلَّا إذا أسكر.

وأمّا العنب فعصيره الّذي هو المحرم، وهو الخّمْرِ الّذي لا خلاف فيه.
وأمّا مطبوخه فينظر؛ فإن ذهب ثلثاه وبقي الثلث، فشربه حلال لا حد فيه، إِلَّا أن يسكر منه، وإن ذهب منه بالطبخ دون الثلثين، فهو حرام قل أو كثر، ولا حد فيه إِلَّا إذا أسكر.
وحاصله: أنّه لا يوجب الحدّ في هذه الأشربة، إِلَّا في الخّمْرِ الّتي هي عصير العنب الّتي منه، إِلَّا بالسكر من غيره، فيجب به الحدّ إذا أسكر، ولكنه يحرمه، ثمّ يختلف ذلك.
هذه جملة المذاهب فيه.

1112 -

مسألة:

وحد شارب الخّمْرِ واجب، وبه قال أهل العلم كافة.
وحكي عن قوم أنّهم قالوا: ليس بواجب.

1113 - مسألة: الحدّ [عندنا] ثمانون جلدة، وبه قال أبو حنيفة وسفيان.
وقال الشّافعيّ: أربعون لا يزاد عليها حدًّا، وللإمام أن يزيد على الأربعين تعزيرًا لا حدًّا.

1114 - مسألة: من شم عليه رائحة خمر، وشهد شاهدان أنّه ريح خمر حد.
وصفة الشّاهدين: أن يكونا قد شربا الخّمْرِ في حال كفرهما، أو في الإسلام فحدا فتابا وحسنت حالهما، حتّى يعرفا الخّمْرِ بريحها، ويشهدان ذلك.
وخالفنا أبو حنيفة والشّافعيّ فيه.

1115 -

مسألة:

من اضطر إلى شرب خمر، فلا يشربها ولا يتداوى بها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: له ذلك.

1116 - مسألة: إذا ارتد الرَّجل في سكره، حكم له بحكم المرتد، وكذلك لو أسلم المرتد في حال سكره، فإنّه يكون مسلمًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يكون مرتدًّا ولا مسلمًا في حال سكره.

1117 - مسألة: إذا عزر الإمام إنسانًا فمات، لم يضمن دية ولا كفارة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد: الإمام ضامن لديته.

1118 - مسألة: يجوز أن يزيد التعزير على أدنى الحدود وأكثرها، باجتهاد الإمام في ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يتجاوز به أربعين، بل ينقص منه سوطًا؛ لأنّ الأربعين هي حد العبد، فهي أقل الحدود، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال فى الآخر: لا يبلغ به عشرين؛ لأنّها حد العبد؛ لأنّ حد الحر 1 عنده أربعون في الخّمْرِ.

1119 - مسألة: التعزير واجب.

وقال الشّافعيّ: ليس بواجب.

1120 -

مسألة:

إذا ضرب امرأته بشيء لا يقتل غالبًا، فماتت ضمن، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن.

1121 - مسألة: الختان [عندنا] سنة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: هي فرض.

1122 - مسألة: إذا اجتمع المرتدون، ونصبوا علمًا ودعوا إلى مذهبهم، وقاتلهم المسلمون فأتلفوا نفوسًا وأموالًا من المسلمين، ثمّ رجعوا إلى الإسلام، لم يضمنوا ما أتلفوا في ردتهم، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا.
وقال أيضًا: عليهم الضمان.

1123 - مسألة: إذا ارتد ثمّ تاب ثمّ ارتد ثمّ تاب، لم يعزر في المرة الأولى، ويجوز أن يعزر في الثّانية والثالثة والرّابعة، إذا رجع إلى [65/ب] الإسلام.
ولا أعرفه منصوصًا، ولكنه يجوز عندي.
والفرق بين الأولى وما بعدها: أنّه يمكن أن يكون دخلت عليه في الأولى شبهة، فإذا زالت وعاد للردة ثمّ تاب عزّر؛ لأنّه لم يبق له شبهة، فلا يزاد على التعزير، ولا يحبس ولا يقتل.

1124 -

مسألة:

إذا صال الفحل على إنسان، ولم يمكنه دفعه عن نفسه، إِلَّا بقتله لم يلزمه ضمان، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: قتله مباح له، لكن عليه ضمانه.

1125 - مسألة: إذا عض إنسان يد إنسان، فجذب المعضوض يده، فقلع بانتزاعه بعض أسنان العاض؛ لزمه ضمأنّها، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا شيء عليه.

1126 - مسألة: ومن أرسل ماشية في النهار للرعي، فأتلفت زرعًا أو غيره، فلا ضمان عليه، وإن كان ربها معها، وهو قادر على منعها، فلم يفعل فهو ضامن، وفاقًا من أبي حنيفة والشّافعيّ.
وإن انفلتت ليلًا، أو أرسلها ربها مع قدرته على منعها، فأفسدت شيئًا، فربها ضامن لما أتلفت، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه كالنهار.

1127 - مسألة: إذا رمحت دابة أو نفحت بيديها أو رجليها من غير فعل راكبها وقائدها وسائقها، فلا ضمان عليه.
وقال أبو حنيفة: إن جنت بيديها ضمن، وبرجليها لا يضمن.
وقال الشّافعيّ: يضمن على كلّ حال.

مسائل الأضحية

1128 -

مسألة:

الأضحية [عندنا] سنة مؤكدة، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأبو ثور، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عبّاس وبلال -رضى الله عنهم-، ومن التابعين: عطاء وعلقمة 1 والأسود 2، وعن أبي يوسف خلاف.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: هي واجبة، وبه قال الأوزاعي والليث.

1129 - مسألة: إذا دخل العشر من ذي الحجة وأراد أن يضحي، استحب له أن لا يحلق شعره، ولا يقلم أظافره، ولا يحرم ذلك عليه، وإن فعل لم يكن بذلك بأس، وبه قال الشّافعيّ.

وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك.
وقال أحمد وإسحاق: يحرم عليه الحلاق وتقليم الأظافر.

1130 -

مسألة:

الغنم فيها أفضل من الإبل والبقر.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة: الإبل أفضل وبعدها البقر ثمّ الغنم.

1131 - مسألة: [وذكر النبيّ - صلّى الله عليه وسلم - العيوب الّتي لا تجزئ في الأضحية، وما منها مكروه]؛ روى البراء بن عازب -رضى الله عنه - أن النبيّ - صلّى الله عليه وسلم - قال: "لا يُجزِئُ مِنَ الضَّحايَا [أَرْبَعٌ]: العَوراءُ البَيّنُ عَوَرُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، والمَريضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَجْفاءُ الّتىِ لا تُنْقِي" 1. فبيّن هذا الخبر أن العرجاء لا تجزئ، وبه قلنا نحن والشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: العرجاء تجزئ.
وروي عن علي -رضى الله عنه - أن النبيّ - صلّى الله عليه وسلم - نهى عن أن يضحى بمُقابَلة أو مُدابَرة أو شَرقاء أو خَرقاء 2. والشرقاء: هي المشقوقة الأذن نصفين.
والخرقاء: هي مشقوقتها مستديرًا.
والمُقابَلة: هي مقطوعة الأذن من مقدم أذنها، قطعًا لا تبين الأذن معه، فتكون معيبة.

والمُدابَرة: مقطوعة الأذن من المؤخر.
فهذه العيوب عندي لا تمنع الإجزاء، ولكنها غير مستحبة.
وروي عنه - صلّى الله عليه وسلم - أنّه نهى عن أعضب القرن 1. قال أبو عبيد؛ هي المكسورة القرن.

1132 -

مسألة:

من ذبح قبل الإمام وقبل الصّلاة أعاد أضحيته.
وقال أبو حنيفة: إن ذبح قبل صلاته لم يجزه، وإن ذبح بعد الصّلاة وقبل ذبحه أجزأه.
وقال الشّافعيّ: الاعتبار بمقدار ما تصلَّى فيه صلاة العيدين، بركعتين وقراءتهما وتمامهما، فإذا ذهب هذا القدر أجزأه؛ سواء صلَّى الإمام أم لا.

1133 - مسألة: لا يجزئ أن يذبحها كتابي عنه.
وقال أشهب: يجزيه، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، ويكرهون ذلك.

1134 - مسألة: لا يجوز الاشتراك في الأضحية، يخرج كلّ واحد قسطًا من الثّمن، فإن ضحى رجل شاة عن أهل بيته ونفسه بأضحية واحدة، يكون هو اشتراها من ماله فيجوز، وبه قال الحكم بن عيينة وحماد بن زيد 2.

وقال أبو حنيفة: يجوز اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة، يخرجون الثّمن ويقتسمون اللّحم، و [يكون] كلّ واحد منهم مضحيًا عن نفسه، ويجوز هذا عنده في كلّ واجب ومسنون، إذا كان كله قربة وإن اختلفت موجباته؛ مثل: أن يكون أحدهما [66/أ] مضحيًا والآخر مهديًا، أو منسكًا أذى أو منذرًا أو غير ذلك.
وإن كان بعضه فدية وبعضه للبيع، أو للأكل من غير فدية، لم يجز عنده.
وقال الشّافعيّ: يجوز؛ سواء اتفق في القربة، أو اختلفت وجوهه في الفدية وغيرها، وسواء كانوا أهل بيت واحد أو مفترقين.

1135 -

مسألة:

إذا أوجب على نفسه الأضحية بالقول لزمه، ولم يكن له بدلها؛ كقوله: "أوجبت على نفسى هذه الشاة أضحية"، أو قال: "لله علي أن أضحي بها"، فقد زال ملكه عنها، وصارت للأضحية، ولم يكن له تصرف فيها بأكثر من ذبحها وبأكل منها ويطعم، وإذا لم يجز له بيعها لم يجز أن يبدلها؛ لأنّه بيع، وإن فعل كان فعله مردودًا، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف وأبو ثور.
وما عن أبي حنيفة في هذا رواية.
وبه قال عمر وعلي -رضى الله عنهما-.
وقال عطاء وأحمد ومحمد بن الحسن: يجوز له أن يستبدل بها ما يقوم مقامها، كما يجوز أخذ الغنم في الزَّكاة، ولأن المقصود من الأضحية إيصال النفع إلى المساكين، ولا فرق بين الشياه؛ لأنّه لو وجبت عليه شاة من أربعين، فلا فرق بين أن يعطيها من ذلك المال أو غيره.

1136 - مسألة: إذا ذبح أضحية غيره خطأ، أو رجلان ذبح كلّ واحد أضحية صاحبه بغير إذنه، فإنّه يفصّل عندي:

فإن كان صاحبها لم يوجبها بالقول، غرمها الذابح بالقيمة، ولا تجزي ذابحها.
وإن تعمد ذبحها عن نفسه لم تجزه، وهل تقع عن صاحبها وتجزي عنه؟ ينبغي أن تكون على روايتين لمالك.
وكذلك إن أخطأ كلّ واحد فذبح أضحية صاحبه، فإن نواها عن نفسه لم تجزه، وفي صاحبها روايتان.
وإن تعمد ذبحها عن صاحبها، فعلى روايتين؛ فإن أوجبها صاحبها بالقول؛ فسواء ذبحها الذابح عن نفسه أو عن صاحبها، وقعت عن صاحبها لا غير، ويحتمل أيضًا أن يغرم قيمتها له، ولا تكون أضحية عنه، ولكنه يصنع بها ما شاء.
وقال أبو حنيفة: إنها تجب بالنية، كما تجب بالقول، وإن نوى صاحبها أنّها أضحية وأوجبها قولًا فإنها تقع عنه، ولا يغرم الذابح بغير إذنه شيئًا.
وعلى قول الشّافعيّ: لا تجب بالنية دون القول، فإن ذبحها الذابح بغير أمره، فعليه قيمة ما نقصها الذَّبح.
قال " القاضي: وعندي أنّها لا تجزي، وإن أوجبها قولًا أجزته، وعلى الذابح ما نقص من قيمتها حية، فإن قلنا: إنّه أوجبها على نفسه بالقول، وذبحها الذابح بغير إذنه، فإنها تجزي ولا شيء على الذابح.

1137 -

مسألة:

لا يضحى بليل، فإن فعل أبدلها.
وروي عن مالك: أنّها تجزي.

1138 - مسألة: لا يجب أكل لحم الأضحية، ويستحب ذلك، وبه قال الفقهاء كافة.
وحكي عن قوم: أن أكله منها واجب.

وروي عن جابر بن زيد 1: أنّه لا يجوز أكلها ولا هدي التطوع، ومن أكلها غرمها.

1139 -

مسألة:

لا يجوز بيع إهاب 2 الأضحية بدراهم ولا غيرها، وإن بيع كان البيع مردودًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال عطاء: يجوز بيعه بكل شيء.
وقال النخعي وربيعة: يجوز بيعه بقماش البيت؛ مثل: المنخل وغيره، وبه قال أبو حنيفة، ففرق بين بيعه بورق وبين بيعه بقماش البيت.

1140 - مسألة: إذا اشترى شاة لم تصر أضحية بغير نيّة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: تفسير أضحية.

1141 - مسألة: يجوز أن يشرب من لبن الأضحية، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: لا يجوز.

1142 - مسألة: الأيَّام الّتي يضحى فيها: يوم النَّحر ويومان بعده، وهي الأيَّام المعلومات، وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة وجماعة من الصّحابة.
وقال الشّافعيّ: أيّام التّشريق الثّلاثة بعد يوم النَّحر، فهي أربعة أيّام

مني إلى المغيب، وهو قول علي -رضى الله عنه -، والأوزاعي وابن عبّاس -رضى الله عنهما-، وعطاء.
واختلف عن ابن عمر -رضى الله عنهما- فيه، هل هو أربعة أو ثلاثة؟ والأثبت ثلاثة.
وروي عن علي -رضى الله عنه -ايضًا: أنّه يوم واحد.
وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد: هو في الأمصار يوم، وبمنى ثلاثة أيّام [66/ب].
وقال ابن سيرين: النَّحر يوم واحد إلى غروب الشّمس.
وقال أبو الشعثاء: هي ثلاثة أيّام.

1143 -

مسألة:

[قال مالك]: الأيَّام المعلومات: يوم النَّحر ويومان بعده، والمعدودات: أيّام التّشريق، أولها ثاني النَّحر، فيوم النَّحر معلوم غير معدود؛ لوقوع النَّحر فيه، ولا يرمى فيه إِلَّا جمرة واحدة، وثاني النَّحر وثالثه معلومان معدودان؛ لأنّ النَّحر يقع فيهما والرمي، وثالث التّشريق وهو رابع النَّحر معدود غير معلوم؛ لأنّه يرمى فيه ولا ينحر فيه.
واختلف قول أبي حنيفة وأصحابه في الأيَّام المعلومات، فقال: هي العشر آخرها يوم النَّحر، وبه قال الشّافعيّ.
وقال ايضًا: مثل قولنا، إنها يوم النَّحر ويومان بعده، وكذلك اختلف أصحابه.

مسائل العقيقة

1144 -

مسألة:

ليست العقيقة بواجبة، ولكن يستحب العمل بها.
وقال أبو حنيفة: هي مباح تطوع، إن شاء فعل أو ترك.
وقال الشّافعيّ: هي سنة.
وقال داود والحسن: إنها واجبة.

1145 - مسألة: يعق عن الأنثى كما يعق عن الذكر بشاة.
وقال الشّافعيّ: المستحب شاتان عن الذكر، وشاة عن الأنثى.

مسائل الذَّكاة

1146 -

مسألة:

الذّكاة: هي قطع الحلقوم والمرئ والودجين، لا يجزئ غيره.
وقال أبو حنيفة: لايجزىء حتّى يقطع ثلاثة منها.
وقال الشّافعيّ: حتّى يقطع الحلقوم والثلاثة.

1147 - مسألة: يكره ذبح الإبل ونحر الغنم من غير ضرورة.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز، وهو قول العراقي.
وجوّز ذلك كله الشّافعيّ.

1148 - مسألة: الإنسي إذا توحّش، فلم يقدر عليه، أو وقع في بئر فلم يوصل إلى منحره ولبته، لم يحل بالقتل، ولا يؤكل إِلَّا بالذَّكاة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ والثوري وأحمد وإسحاق: يحل بما يحل به الصَّيد المتوحش؛ من الرمي والطعن والعقر وغيره.

1149 -

مسألة:

ظاهر مذهب مالك أنّه لا يستبيح الذّكاة بالسن والظفر، ورأيت لبعض شيوخنا أنّه مكروه، وبالعظم مباح.
وعندي: أن السن إذا كان عريضًا محددًا والظفر كذلك، وقعت به الإباحة كالعظم، وهو مكروه؛ كالسكين الكالّة 1، وبهذا قال أبو حنيفة، إذا كان السن والظفر منفصلًا.
وعند الشّافعيّ: لا يقع الإباحة بشيء من ذلك؛ كان متصلًا أو منفصلًا، وكذلك العظم؛ كان العظم يؤكل لحمه أم لا.
وحكي عن المروزي: أن عظم ما يؤكل لحمه إذا حدد بحيث يقطع، صحت الذّكاة به.

1150 - مسألة: إذا كان أحد أبويه كتابيًّا والآخر غير كتابي، نظر فإن كان الأب كتابيًّا، فالولد على دين أبيه، فيؤكل ما ذكي أو صاده، ويكره صيد أهل الكتاب، وإن كان الأب مجوسيًّا فالولد على دينه، فلا يؤكل ما ذكاه وما صاده.
وقال أبو حنيفة: تؤكل ذبيحته؛ سواء كان أبوه مجوسيًّا أو أمه.
وقال الشّافعيّ: إن كان الأب مجوسيًّا والأم كتابية، لم تؤكل ذبيحته قولًا واحدًا، وإن كان الأب كتابيًّا والأم مجوسية فعلى قولين.
وبناه أبو حنيفة على: أن الولد يكون مسلمًا بإسلام أحد أبويه أيهما كان.

1151 -

مسألة:

ظاهر مذهب مالك أن متروك التّسمية في الذّكاة والصَّيد، لا يؤكل إن كان عامدًا، وإن كان ناسيًا أكلت، وبه قال أبو حنيفة.
وكان أبو بكر الأبهري وابن الجهم يقولان: قوله: "لا يؤكل متروك التّسمية متعمدًا" كراهية.
وقال الشّافعيّ: هي مستحبة؛ إن تركها عامدًا أو ناسيًا، فقد أساء وتؤكل.
وقال الشّعبيّ وأبو ثور وداود: لا يؤكل؛ تركها ناسيًا أو عامدًا.

مسائل الصَّيد

1152 -

مسألة:

كل جارح يمكن الاصطياد به، إذا علّم جاز أكل ما صاده، ولا فرق بين الكلب والفهد والنمر والوحش من الطير؛ كالبازي والصقر والباشق والعقاب وغيره، وما أمكن تعليمه منها جاز أكل ما صاده، هذا مذهب كافة الفقهاء، وبه قال ابن عبّاس -رضى الله عنهما-، وأبو حنيفة والشّافعيّ.
وروي عن ابن عمر -رضى الله عنهما-، ومجاهد قالا: لا يحل إِلَّا صيد الكلب حسب، فأمّا الفهد والنمر والبازي وغيره فلا.
وقال الحسن والنخعي وأحمد وإسحاق: يجوز صيد كلّ شيء، إِلَّا صيد الكلب الأسود البهيم، فإنّه، لا يحل.
وقال قوم [67/أ]: يحل صيد الكلب والبازي حسب، دون ما عداها.

1153 - مسألة: إذا قتل الكلب المعلم صيدًا، أو أَكَلَ منه؛ أُكِلَ باقيه، وكذا البازي.
وقال أبو حنيفة: ما أكل الكلب منه لم يؤكل، ووافق في البازي.
واختلف قول الشّافعيّ فيهما جميعًا: فقال مثل قولنا.
وقال: لا يؤكل جميعه إذا أكله، وبه قال أحمد وإسحاق.

1154 -

مسألة:

[قال مالك]: إذا قتلت الكلاب والصقور المعلمة صيدًا، فلا بأس بأكله وإن لم تدرك ذكاته، وإن كان غاب مصرعه، وإن أكل منه قبل أن تدركه، فكل ما لم يبت عنك، فإن بات فلا تأكل.
وروي عن مالك أيضًا: إن بات ولحقته، فلم تجد فيه غير سهمك الّذي قتلها أو أثر كلبك، فلا بأس به؛ سواء كان صاحبه يطلبه أو لا.
وهذا موضع ينبغي أن يكون وفاقًا مع الشّافعيّ، إِلَّا في مبيته عنه.
وقال أبو حنيفة: إن كان صاحبه في طلبه، ولم ينقطع عنه حل أكله، وإن تشاغل عنه فلا يأكله.
ولم يختلف قول الشّافعيّ في أن أكل الكلب، أو السهم إذا أصاب مقتله، ثمّ تحامل الصَّيد فغاب ثمّ انصرع، والسهم معه أو الكلب، فلحقه صاحبه مقتولًا أنّه يؤكل، وهو الّذي أراده مالك عندي.

1155 - مسألة: إذا عقد الكلب أو السهم الصَّيد وأدماه، وفيه روح تمكن معه حياته وموته، فأدركه صاحبه وبقي مدة والسكين في يده، ولم يمكنه تذكيته حتّى مات، فإنّه يؤكل عندنا وعند الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل.

1156 - مسألة: إذا أرسل كلبه على صيد بعينه، فأصاب غيره لم يؤكل.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يؤكل.

1157 - مسألة: إذا استرسل الكلب بنفسه على صيد، ثمّ زجره صاحبه وأغراه، حتّى قتله لم يؤكل، وبه قال الشّافعيّ.

وروي عن مالك: أنّه يؤكل، وبه قال أبو حنيفة.

1158 -

مسألة:

إذا رمى صيدًا بسيفه أو بشيء، فقطعه قطعتين أكل جميعه؛ كان النّصف الّذي فيه الرّأس أكثر أو أقل، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان الثلث ممّا يلي الرّأس أكلا جميعًا، وإن كان الثلث ممّا يلي العجز أكل الثلثان اللذان مع الرّأس، ولا يؤكل الثلث الّذي مع العجز.
قال القاضي: هذا ينبغي أن يفصّل؛ فإن قطع الرّأس أكل الجميع؛ سواء قل ما يليه أو كثر؛ لأنّه مقتول لا محالة، وإن كان الّذي قطع منه سوى الرّأس، يجوز أن يعيش بعد قطعه ومات، فما بان منه لا يؤكل، ويؤكل الباقي، هذا وفاق مع أبي حنيفة؛ سواء مات من العقر الأوّل، أو برمية ثانية.
وقال الشّافعيّ: إن مات من الرمية الأولى أكل ما كان منه جميعه، وإن كان لما قطع يده أو رجله رماه رمية أخرى فقتله، فإن اليد والرجل وما بأن منه لا يؤكل، ويؤكل باقي أعضائه الّذي الرّأس فيه.
وفرّق بين أن يموت من الرمية الأولى والثّانية، وعندنا لا فرق، وكذلك عند أبي حنيفة.

1159 - مسألة: من أحرز صيدًا ثمّ أفلت منه وتوحّش ثمّ اختلط بالوحش، فهو لمن صاده بعد ذلك، وليس للأول فيه شيء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هو للأول، ولا يزال ملكه عليه.

مسائل الأطعمة

1160 - مسألة: [ذكر ما لا ذكاة فيه، وقد جرى في كتاب الطّهارة شيء من ذكر السموك؛ ولم تكن العناية مصروفة إلى أكل ما يخرج من البحر، وقد بينته ها هنا].
كلّ ما طفا من السمك، أو مات منه بسبب، أو بغير سبب أكل، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن مات بغير سبب لم يؤكل؛ طفا أو لم يطف.
والسبب؛ مثل: أن يموت من شدة حر، أو شدة برد، أو يؤخذ فيموت، أو تنتشل سمكتان فتموت إحداهما، أو يحبس عنه الماء فيموت، أو يطرح في جب فيموت، فيؤكل وإن طفا بعد موته؛ لأنّه مات بسبب.
وأكثر الفقهاء حكى عن أبي حنيفة وأصحابه: أنّهم يعتبرون الطافي، فيمتنعون منه.
وليس كذلك؛ لأنّ ما مات بسبب عندهم أكل، وإن طفا ومات بغير سبب لم يؤكل وإن لم يطف.

1161 -

مسألة

[67/ب]: يؤكل ما سوى السمك من ضفدع وكلب ماء وخنزيره، وغير ذلك.
ومالك يكره خنزيره ولا يحرمه.

واتفق أبو حنيفة والشّافعيّ على تحريم الضفدع، واختلفا فيما سواه.
وأبو حنيفة لا يجيز أكل ما سوى السمك.
وللشافعي قولان، ووجه آخر يفصّل فيها تفصيلات.

1162 -

مسألة:

لا يؤكل من الجراد ما مات بغير سبب يضع فيه، أو سبب يكون قتله منه، فإن قطعت رؤوسه أكل، وكذلك لو وقع في نار وهو حي فاحترق أكل، أو وقع في قدر فطبخ، فإذا خلا موته من سبب لم يؤكل، وهو عندنا كطافي السمك.
وعند أبي حنيفة وغيره: أن الميِّت من السمك كميت الجراد عندنا.
واتفق هو والشّافعيّ على أكل الجراد ميتًا على كلّ حال.

1163 - مسألة: يؤكل الطير كله؛ ما كان ذا مخلب [وغيره، لا يحرم منه شيء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ما كان ذا مخلب] لم يؤكل.

1164 - مسألة: [قال مالك]: يكره أكل السِّباع كلها.
وأبو حنيفة يحرمها.
والشّافعيّ يحلل منها الضبع والثعلب.

1165 - مسألة: يكره أكل لحم الخيل، وبه قال أبو حنيفة.
وأباحه الشّافعيّ، وبه قال أبو يوسف ومحمد.

1166 - مسألة: إذا اضطر إلى أكل طعام غيره فأكله، ضمن قيمته في إحدى الروايتين عن مالك.

وقال أحمد وأبو عبيد وابن جرير: لا يضمن.

1167 -

مسألة:

يأكل الحجام كسبه، وإن كان عبدًا جاز لسيده أكل كسبه، وإن كنا لا نحبه؛ لأنّها صناعة دنيئة، ويستحب للرجل الكامل تبرئة نفسه عن الصنعة الدنيئة، وهو غير محرم، وبه قال جماعة من الفقهاء.
إِلَّا أحمد وغيره من أهل الحديث، فإنهم يحرمونه على الأحرار ويحلونه للعبيد، ولا يجوز للحر أن يحترف بالحجامة، فإن كان غلامه حجّامًا، لم ينفق على نفسه من كسبه، وأنفقه على عبيده وبهائمه.
والكلام في الّذي يحجم ليس المُزَيِّن.

1168 - مسألة: إذا وقعت فأرة في السمن أو الزيت وكان ذائبًا، لم يجز بيعه، وجاز الاستصباح به، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه والاستصباح به.
وقال داود: لا يجوز بيع السمن ولا الانتفاع به، ويجوز في الزيت؛ لأنّ النّهي ورد في السمن دون الزيت.
وقال قوم: لا يجوز الاستصباح بالزيت.

1169 - مسألة: من اضطر إلى أكل الميِّتة أكل شِبَعَه، وتزود قدر ما يغلب على ظنه أنّه يبلغه الطيب.
واختلف أصحابنا في الشِّبَع، فقال بعضهم: يشبع.
وقال بعضهم: يأكل ما يسد رمقه.
وقال مالك: يأكل ما يحمله.
وهذا كلام محتمل.
قال القاضي: وأنا أختار جواز شبعه وتزوده منها، وبه قال ابن شهاب وربيعة ومالك.

واختلف قول الشّافعيّ كما اختلف أصحابنا.
وقال أبو حنيفة: لا يزيد على سد رمقه شيئًا.

1170 -

مسألة:

كره مالك شحوم اليهود الّتي حرمت عليهم إذا أذابوها 1. وقال ابن القاسم وأشهب: هي حرام.
ولم يكرهها أبو حنيفة والشّافعيّ.

1171 - مسألة: إذا ذبحت ناقة أو بقرة أو شاة، فخرج منها جنين ميّت؛ قد تم خلقه ونبت شعره أكل.
وقال الشّافعيّ: يجوز أكله وإن لم ينبت شعره.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أكله.

مسائل الأيمان والنذور

1172 -

مسألة:

من قال: "أنا يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعلت كذا" ثمّ حنث، فلا كفارة عليه، وكذا لو قال: "أنا بريء من الله أو الإسلام، أو من دين الإسلام"، أو قال: "أنا بريء من النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -"، أو: "أنا مبتدع"، فلا كفارة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: عليه الكفارة متى حنث في شيء من ذلك.

1173 - مسألة: يمين الغموس لا كفارة فيها؛ مثل: أن يحلف ما فعل شيئًا وقد فعله، أو قد فعلت وما فعل، وهو متعمد للكذب بيمينه، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق.
وقال الشّافعيّ: عليه الكفارة، وبه قال الحكم، كما لو حلف على مستقبل.

1174 - مسألة: إذا قال: "أقسم"، لم يكن يمينًا حتّى يقول [68/أ]: "بالله"، أو ينويه.
وقال أبو حنيفة: هي يمين؛ سواء نوى اليمين أم لا.
وقال الشّافعيّ: ليس بيمين؛ سواء قصد اليمين أم لا.

1175 -

مسألة:

إذا قال: "علي عهد الله وميثاقه إن فعلت، أو لأفعلن"، ثمّ حنث فعليه الكفارة؛ سواء نوى اليمين أم لا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: ليس بيمين، إِلَّا أن ينوي اليمين.
وذكر المروزي من أصحابه: أن ظاهر ذلك يمين تلزم فيه الكفارة.

1176 - مسألة: يصح الثنيا في اليمين ما لم ينقطع عنه، فإن قطع كلامه فلا ثنيا بعد ذلك، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما.
وذهب طاووس والحسن إلى أن ذلك يصح ما دام في المجلس، فأمّا إذا قام من مجلسه فلا.
وذهب ابن عبّاس رضى الله عنهما إلى: أنّه يصح ولو بعد حين، فقيل: أراد سنة، وقيل: أبدًا.

1177 - مسألة: لغو اليمين عندنا هو: أن يحلف على شخص يراه مقبلًا: "إنّه فلان"، ثمّ ينكشف له أنّه غيره، فهذا ومثله لا كفارة فيه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: في هذا وشبهه الكفارة، واللغو عنده: ما لم يقصده الحالف، ولكنه سبق على لسانه يريد أن يتكلم بشيء، فيبدو منه اليمين؛ سواء كانت على ماض أو مستقبل.
وقد بيَّنَّا أن اليمين على الماضي لا كفارة فيه، واللغو: أن تكون يمينه على شيء يظن أنّه كما حلف عليه، ثمّ يتبين أنّه غيره.
فأمَّا إن حلف على مستقبل، فقد علّق يمينه بشيء يدخله الحنث والبر؛ فسواء قصد أو سبق على لسانه، فإن عليه الكفارة إذا حنث، وبه قال أبو حنيفة.

1178 -

مسألة:

من قدم الكفارة بعد اليمين؛ قبل الحنث أو بعده فذلك جائز.
وروى أشهب أنّها لا تجوز قبل الحنث، فحمل ذلك بعض أصحابه على الاستحباب، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق، وهو قول عمر بن الخطّاب [وابن عمر] وابن عبّاس وعائشة -رضى الله عنهم-، والحسن وابن سيرين وربيعة وأشهب والأوزاعي -رضى الله عنهم-.
ولكن الشّافعيّ: لا يجوز تقديم صيام الكفارة على الحنث أصلًا.
وذهب أبو حنيفة إلى: أنّه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث أصلًا.
ولا نعرف له سلفًا في ذلك.

1179 - مسألة: لا فرق [عندنا] في تقديم أنواع الكفارة من العتق والكسوة والطعام والصيام.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز تقديم الصِّيام خاصّة.

1180 - مسألة: لو حلف ليتزوجن على امرأته، فتزوج نظيرتها ومن هي فوقها، ثمّ طلقها قبل أن يدخل بها لم يخرج من يمينه، وكذلك لو تزوج عليها أمة ودخل بها أو لم يدخل لم يبر.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يبر في الوجهين جميعًا.

1181 - مسألة: [وقال مالك]: إذا اختار أن يطعم عشرة مساكين في كفارة اليمين، أطعم كلّ مسكين مدا بمد المدينة، وفي الأمصار وسطًا من الشبع غداء وعشاء.
وقال الشّافعيّ: مدا مدا في كلّ موضع.

وقال أبو حنيفة: إن كان حنطة فنصف صاع، وإن كان تمرًا أو شعيرًا فصاع، وفي الزبيب روايتان.

1182 -

مسألة:

لا تخرج القيمة في الكفارة، ويخرج ما نصّ عليه من الثّلاثة الأشياء، وبه قال الشّافعيّ.
وجوّز أبو حنيفة: إخراج القيمة.

1183 - مسألة: إذا اختار العتق فقال لرجل: "اعتق عبدك عني"، فأعتقه عنه أجزأه عن كفارته، وسواء كان ذلك الجعل جعله، كقوله: "اعتق عبدك عني، ولك ألف درهم" أو بغير جعل، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان بجعل جاز، وإن كان بغير جعل لم يجزه.

1184 - مسألة: [قال مالك]: إذا أعتق عنه غيره بغير إذنه، وكان ذلك عن فرض أو تطوع أجزأه.
وقال أشهب: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي: تفصيلات إن كان عن تطوع لم يجزه، وإن كان عن فرض وهو [68/ب] عن أجنبي لم يجزه أيضًا، وإن كان عن أبويه بعد الموت وكانت عن كفارة فيها تخيير، فإن أطعم أو كسا عنهما جاز، فإن أعتق فعلى وجهين، وإن كانت من كفارة مرتبة، والواجب فيها العتق، فإن كان العتق قد وجب عليهما، فيجوز أن يفعله عنهما، وإن لم يأذن له أبواه.

1185 - مسألة: والذي يجزئ من الكسوة في الكفارة ما يستر عورة المصلّي، فالرجل يستره القميص، والمرأة الحرة قميص ومقنعة؛ لأنّها [كلها] عورة ولا ينكشف منها في الصّلاة إِلَّا وجهها وكفاها.

وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يجزئ ما يقع عليه اسم كسوة.

1186 -

مسألة:

إذا عدم العتق والإطعام والكسوة في كفارة اليمين، فوجب عليه الصوم استحب له تتابع الثّلاثة الأيَّام، وإن فرق أجزأه.
وقال أبو حنيفة: لا يجزيه، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
والآخر مثل قولنا.

1187 - مسألة: إذا وجب على العبد صيام في الكفارة، فصام بغير إذن سيده، أو استأذنه فلم يأذن، فخالفه فصام أجزأه، وبه قال جماعة من أهل العلم.
وحكي عن قوم من أهل الظّاهر منهم داود: أنّه لا يجزيه؛ بناء على أصلهم في الوضوء بالماء المغصوب، والذبح بسكين مغصوب، والصلاة في الدَّار المغصوبة.

1188 - مسألة: لا يجوز تبعيض الكفارة بالإطعام والكسوة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يجوز بالقيمة.

1189 - مسألة: إذا حلف لا يساكن فلانًا في دار، أو كان في دار فحلف لا يسكنها، فإن خرج منها ولم يخرج أهله ولا رحله فهو حانث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: الاعتبار بخروجه ببدنه، فإن خرج وحده بر، وكذلك إذا قال: "إن سكنتها"، فسكنها بنفسه دون عياله ورحله برئ.
وعندنا وعند أبي حنيفة: لا يبرأ حتّى يسكنها بعياله ورحله، إن كان في بلد واحد.
وعندي: أنّه إن خرج، وترك في الدَّار الّتي حلف لا يسكنها، الشيء

فصول الكتاب · 21 فصل · 683 صفحة
جارٍ التحميل