كتاب الطّلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- عُيُونُ المَسَائِل
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
- الناشر
- دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسائل الفرائض
1483 -
مسألة:
اختلف في توريث ذوي الأرحام ممّن لا سهم له في القرآن، وهم: أولاد البنات ذكورًا وإناثًا، وأولاد الإخوة للأم ذكورًا وإناثًا، وبنات الأخ وبَنات العم والخال والخالة والعمة، والجد أبو الأم، والعم أخو الأب لأمه [89/ب] وبنيه، والجدة أم أبي الأم، ومن أدلى بهم.
فذهب مالك والشّافعيّ: إلى أنّهم لا يرثون، ويرجع مال الميِّت لبيت المال، وبه قال زيد بن ثابت.
وحكي عن عمر وابنه عبد الله [وابن عبّاس] رضي الله عنهم ما يدلُّ عليه، وبه قال الزهريّ والأوزاعي وداود.
وذهب أبو حنيفة وأهل العراق: إلى أنّهم يرثون، لكن المولى يقدم عليهم، وبه قال أحمد وإسحاق، وعن عمر وابن عبّاس -رضي الله عنهم- ما يدلُّ عليه، وهو قول علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-، إِلَّا أن هؤلاء يقدمونهم على المولى، فإذا مات وخلّى مولى وذوي رحم، فالمال لذوي الأرحام، وإن لم يكونوا فللموالي.
وأجمعوا: أنّهم لا يرثون مع عصبة، ولا مع ذي رحم له سهم.
إِلَّا ما يحكى عن ابن المسيَّب: أنّه يورث الخال مع البنت.
وقد حكي عن أبي بكر [وعمر] وعثمان رضي الله عنهم مثل قول مالك والشّافعيّ.
1484 -
مسألة: في الرَّدِّ
إذا مات رجل وخلف أمه فقط، فلها ثلث ماله والباقي لبيت المال، وكذلك إن خلف بنتًا فقط، فلها النّصف وما بقي لبيت المال، وكذلك أختًا شقيقة أو لأب، فلها النّصف والباقي لبيت المال، وإن كانت لأم، فلها السدس [وإن كان معها جدة لأب فلها السدس، والباقي لبيت المال]، وبه قال [مالك و] الأوزاعي والشّافعيّ، وهو قول زيد بن ثابت -رضي الله عنه -، وروي مثله عن أبي بكر رضي الله عنه، وعن عمر 1 رضي الله عنه.
وقال أبو حنيفة: للبنت المالى كله؛ نصف بالفرض ونصف بالرد، وكذلك الأم لها الثلث بالفرض والباقي بالرد، وكذلك جميع من له سهم مفروض، وهو قول علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-.
وقال الشّيخ أبو الحسن - رحمه الله -: الصّحيح عن علي وابن عبّاس وابن مسعود وعثمان -رضي الله عنهم- أنّهم لا يورثون ذوي الأرحام، ولا يردون على أحد، وإنّما هذا الّذي يحكى عنهم في الرَّدِّ والتوريث لذوي الأرحام، حكايته فعل لا قول.
وابن خزيمة وغيره من حفاظ الحديث يدّعون الإجماع في هذا.
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- رواية في الرَّدِّ مثل مذهب - زيد رضي الله عنه -، ورواية مثل مذهب علي -رضي الله عنه -، ورواية في الجدة وحدها مثل ابن مسعود -رضي الله عنه -، وكان علي -رضي الله عنه - يردّ على كلّ أحد إِلَّا الزوج والزوجة، وحكي عنه الرَّدِّ على الزوج، وعن عثمان -رضي الله عنه - مثله، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه - يردّ على كلّ أحد إِلَّا ستة.
وعن ابن عبّاس وابن عمر -رضي الله عنهم- روايتان: أحدهما مثل مذهب علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-، والأخرى مثل مذهبنا.
1485 -
مسألة:
لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ والفقهاء، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد وابن عبّاس وجابر -رضي الله عنهم-.
وقال معاذ بن جبل ومعاوية رضي الله عنهما، ومحمد ابن الحنفية 1 ومحمد بن على بن الحسين 2 وسعيد بن المسيَّب ومسروق والنخعي: يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم، قالوا: كما يتزوج المسلم الكافرة، ولا يتزوج الكافر المسلمة.
1486 - مسألة:
اختلف في مال المرتد إذا مات على ردته، على ثلاثة مذاهب:
منها: أن جميع ماله الّذي كسبه في ردته وفي إسلامه فيء لبيت المال، وهو قولنا وقول ربيعة والشّافعيّ وأبو ثور وأحمد.
والثّاني: أنّه يكون لورثته المسلمين، اكتسبه في إسلامه أو في ردته، وبه قال علي -رضي الله عنه -، وابن مسعود -رضي الله عنه -، والأوزاعي والحسن وأبو يوسف ومحمد.
والثّالث: أن ما اكتسبه في إسلامه لورثته المسلمين، وما كان في ردته لبيت المال، وبه قال سفيان الثّوريّ وأبو حنيفة.
وحكي عن قتادة أنّه قال: هو لأهل دينه الذين ارتد إليهم، والولاية منقطعة [90/أ].
1487 -
مسألة:
اختلف في ميراث القاتل على أربعة أقوال:
فظاهر مذهبنا: أنّه لا يرث إذا كان عمدًا من غير شبهة، وإن كان خطأ ورث من المال، ولم يرث من الدية.
وإن كان إمام عادل قتل من يرثه في قصاص، أو زنى إحصان أو حد أو محاربة؛ بإقرار أو ببينة فإن أصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل.
وأرى أن كلّ من لا تلحقه تهمة، فإنّه يرث كالخطأ، وبه قال سعيد بن المسيَّب وعطاء والأوزاعي وإسحاق، وعن علي -رضي الله عنه - مثله.
وقال أبو حنيفة: كلّ قاتل لا يرث، إِلَّا الصبي والمجنون، والقاتل إذا كان مع الإمام، وقتل مورثه وهو باغ؛ لأنّه طائع.
وظاهر مذهب الشّافعيّ وما عليه أصحابه: أنّه لا فرق بين العمد والخطأ؛ سواء قتله مباشرة أو بسبب قامت به بينة، أو أقر على أي حال كان، متى دخل تحت اسم قاتل، حتّى لو قصده أو حجمه فمات لم يرثه.
ولأصحابه في ذلك تفصيل: قال بعضهم: كلّ قاتل تلحقه التهمة لا يرث، وكل من لا تلحقه تهمة يرث؛ [مثل]: من يجيء إلى الإمام وهو مورثه، فيعترف عنده بما يوجب قتله فإنّه يرثه؛ [لأنّه قتله ولا تلحقه التهمة في قتله، وكذلك المحارب إذا قدر عليه قبل توبته فإنّه يرثه]، فإن قتله حتم لا اجتهاد فيه.
وهذا يقوى في نفسي.
وبمثل قول الشّافعيّ قال عمر [وابن عمر] وابن عبّاس -رضي الله عنهم-، والحسن وأحمد [وإسحاق].
وقال قوم من البصريين والزهري: إن القتل لا يمنع الميراث؛ عمدًا كان أو خطأ.
وهذا خلاف شاذ.
1488 -
مسألة:
اختلف في توريث أهل الملل:
فعندنا: لا يرث بعضهم بعضًا إذا كانوا أهل ملتين؛ مثل: اليهود والنصارى والمجوس، وكذلك من عداهم من الكفار إذا اختلفت مللهم، وبه قال الزهريّ وربيعة وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق.
وحكي عن شريح وابن أبي ليلى وشريك بن عبد الله أنّهم قالوا: اليهود والسَّامِرة أهل ملة، والنصارى والصابئون أهل ملة، والمجوس ومن لا كتاب له أهل ملة؛ لا يرث بعضهم بعضًا.
[وقال أبو حنيفة والشّافعيّ ومن تابعهم: إنهم أهل ملة واحدة، يرث بعضهم بعضًا].
1489 - مسألة:
الغرقى والقتلى ومن مات تحت ردم والحريق والطاعون، أو يموتون في بيت لا يدرى أيهم مات قبل، لا يورث بعضهم من بعض، وتركة كلّ ميت منهم للأحياء من ورثته.
وهذا ينقسم على أقسام: إمّا أن يعلم أن أحدهم مات قبل صاحبه بعينه، فلا إشكال فيه.
والثّاني: أن يعلم أنّهما ماتا معًا في حالة واحدة، فلا إشكال في هذا أيضًا؛ أن أحدهم لا يرث الآخر.
والثّالث: أن لا يدرى هل ماتا معًا أو مات أحدهما قبل الآخر؟ فالحكم كذلك أيضًا أن أحدهم لا يورث، وأن لا ميراث بينهما.
والرّابع: أن يعلم أن أحدهما مات قبل صاحبه، إِلَّا أنا لا نعرفه بعينه، فكذلك أيضًا.
والخامس: أن يعلم أحدهما بعينه مات قبل الآخر، غير أنا شككنا وأنسينا، فإن كان في الفريضة تغير فرضناه، ووقفنا في ميراث كلّ واحد منهما؛ لأنّ هناك حالًا ترجى، وجميع المسائل ليس فيها حال ترجى.
قال القاضي: هذا التفصيل ما فصله أصحابنا، لكنه هكذا ينبغي، وهو جميع ما يمكن من الأقسام.
وقد ذكرها في كتاب عيون المجالس 1، وذكرها هنا يطول.
فقولنا هو قول [الشّافعيّ و] الفقهاء وزيد وأبي بكر -رضي الله عنهما-، وإحدى الروايتين عن عمر وابن عبّاس -رضي الله عنهم-.
وأقال، الزهريّ والأوزاعي: أن لا توارث بينهما، ويكون مال كلّ أحد منهما لأحياء ورثته.
وذهب علي -رضي الله عنه -، ومن تابعه: إلى أنّه يرث كلّ واحد منهما من تَلادِ ماله 2 دون طارئه، وإليه ذهب شريح والشعبي والنخعي.
1490 -
مسألة:
المعتق بعضه لا يرث، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد والمزني: يرث.
1491 - مسألة:
للجدة السدس، وهو قول الصّحابة والفقهاء.
وروي عن عبد الله بن طاووس 3 عن أبيه عن ابن [90/ب] عبّاس - رضي الله عنهما - أنّه أعطاها الثلث.
1492 -
مسألة:
اختلف فيما لا يرث؛ كالعبد والقاتل والكافر، ومن في حكمه، ومن أعمي موته، والمرتد، فعندنا لا يرثون ولا يحجبون، وهو قول كلّ النَّاس.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه وحده: إن الكافر والعبد وقاتل العمد يحجبون ولا يرثون.
1493 - مسألة:
الإخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس لم يأخذوه، وبه قال جميع الفقهاء والصحابة.
إِلَّا ابن عبّاس -رضي الله عنهما-، فإنّه روي عنه: أنّه يورث الإخوة مع الأب في موضع حجبهم للأم، فيأخذون متى حجبوها عنه.
وروي عنه مثل قول الجماعة.
1494 - مسألة:
الجدة أم الأب لا ترث مع الأب الّذي هو ابنها شيئًا، وبه قال عامة الفقهاء، ومن الصّحابة: عثمان وعلي وزيد -رضي الله عنهم-.
وذهب عمر وابن مسعود وأبو موسى وعمران بن حصين -رضي الله عنهم-، وعطاء [وطاووس] وابن سيرين: إلى أنّها ترث مع الأب، فتأخذ السدس إن كانت وحدها، أو شاركت أم الأم فيه إن كانت موجودة، وبه قال أحمد وإسحاق وابن جرير.
1495 - مسألة: الأخوان يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، وهو قول جميع الصّحابة.
إِلَّا ابن عبّاس -رضي الله عنهما-، فإنّه قال: لها مع الاثنين الثلث، فإن كانوا ثلاثة فلها السدس.
وهذا لا خلاف فيه.
وإنّما الخلاف في الاثنين، فقال الفقهاء: لها مع الاثنين السدس، كما يكون لها مع الثّلاثة.
1496 -
مسألة:
زوج وأبوان، أو زوجة وأبوان؛ للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج أو الزوجة، وبه قال جميع الصّحابة.
إِلَّا ابن عبّاس -رضي الله عنهما-، فإنّه قال: لها ثك المال كله في المسألتين، وبه قال شريح.
وقال ابن سيرين مثل قوله في زوجة وأبوين، وخالفه في زوج وأبوين.
1497 - مسألة:
للبنت الواحدة النّصف، وللبنتين فصاعدًا الثلثان، وروي عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- مثله.
والمشهور عنه: أن للبنتين النّصف كالواحدة، وللثلاث فصاعدًا الثلثان.
وقيل: إن هذا غلط عليه.
1498 - مسألة:
إذا استكمل البنات الثلثين، فلا شيء لبنات الابن، إِلَّا أن يكون معهن ذكر في درجتهن، أو أسفل منهن فيكون ما بقي بينه وبين من هو فوقه، وبين من هو في درجته للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول جميع الفقهاء.
إِلَّا ابن مسعود -رضي الله عنه -، فإنّه جعل ما بقي للذكر من ولد الابن دون البنات.
1499 -
مسألة:
بنتان وبنت ابن وابن ابن ابن؛ للبنتين الثلثان، وما بقي فبين ابن ابن الابن، وبين بنت الابن؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول الجميع.
وحكي عن بعض الفقهاء: أن البنت إذا كانت في درجة الابن ورثت معه، وإن كانت فوقه لم ترث معه، كما لو كانت أبعد منه.
1500 - مسألة:
الأخوات عصبة [مع] البنات، هذا قول الكافة.
إِلَّا ابن عبّاس -رضي الله عنهما-، فإنّه قال: لا يعصبن ولا يرثن شيئًا مع البنات.
وقول مالك قول الجماعة.
ألَّا ترى أن الجماعة وابن مسعود -رضي الله عنه - لم يسقطوا الأخت، وإنّما اختلفوا في نصيبها، فسقط قول من ذهب إلى سقوط الأخت.
وأيضًا: فإن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - قال: "الأَخَوَاتُ مَعَ البَنَاتِ" 1.
1501 - مسألة: المشتركة لها أربعة أوصاف، لا تكون مشتركة إِلَّا بها، وهي: زوج وأم، واثنان فصاعدًا من ولد الأم، وذكر واحد من الإخوة للأب والأم فصاعدا؛ للزوج النّصف، وللأم أو الجدة السدس، وللإخوة من الأم الثلث، فيتم المال، فيرجع الإخوة للأب والأم على الإخوة للأم، فيشاركونهم في الثلث [91/أ] فيقسمونه؛ للذكر مثل الأنثى بالسوية، وبه قال الشّافعيّ وإسحاق، وهو مذهب عمر وعثمان وعبد الله بن عبّاس وابن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة -رضي الله عنهم-.
ومن التابعين من قال: الثلث للإخوة للأم، ويسقط ولد الأب والأم، وهو مذهب علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وأبو ثور وداود.
واختلف عن عمر -رضي الله عنه - فقيل: إنّه لم يشرك بينهم، وقيل: إنّه أشرك بينهم في العام.
وحكي عن ابن عبّاس وابن مسعود -رضي الله عنهم-: القولان جميعًا.
وبقول مالك قال الزهريّ وابن المسيَّب.
وتسمى هذه الفريضة الحمارية.
وحجة مالك قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ .... الآية [النِّساء: 7] وهو عام في كلّ رجل من الأقربين، إِلَّا أن تقوم دلالة تخص ولد الأم عن ولد الأب.
واحتج من قال بسقوط ولد الأب والأم، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النِّساء: 12]، والمراد منه: الإخوة للأم، فلا يدخل فيه الإخوة للأب والأم.
1502 -
مسألة:
للجدة الواحدة والاثنين السدس، وهو قول جميع الفقهاء.
إِلَّا ابن عبّاس -رضي الله عنهما-، فإنّه روي عنه: أنّه أعطى الجدة أم الأم إذا انفردت الثلث؛ لأنّه أقامها مقام الأم، بدليل: إقامة الجد للأب مقام الأب، فإذا لم يكن مانع حازت ما تحوز الأم.
وروي عنه أن لها السدس، كقول الجماعة.
والحجة فيه: أن أبا بكر -رضي الله عنه - لما جاءته الجدّة أم الأم، قال لها: "لا أجِدُ لَكِ في كِتاب اللهِ شَيئًا"، وسأل النَّاس، فأخبره المغيرة - رضي الله عنه - أن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - أطعمها السدس، فقال: "من شهد لَكَ؟ "،
قال: "محمّد بن مَسلَمة -رضي الله عنه -"، فشهد بذلك فأعطاها السدس (1).
وذلك بمحضر الصّحابة وهم متوافرون، فصار ذلك نصًا فيها.
ثمّ جاءت الجدة الثّانية وهي أم الأب إلى عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -، فقال: "لا أجِدُ لَكِ شَيئًا، والقضية الّتي قضيت كانت لغيرك، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها" (2).
وهذا بحضور الصّحابة، ولم ينكر ذلك أحد منهم، ولا عارضه فيه معارض.
1503 -
مسألة:
وقال مالك،: لا يرث من الجدات إِلَّا اثنتان: أم الأم وأمهاتها، وأم الأب وأمهاتها.
وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: ترث أم أبي الأب أيضًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال مثل قول أبي حنيفة.
وهو ظاهر مذهبه.
واختلف قول زيد بن ثابت -رضي الله عنه - فيها.
وعن علي وابن عبّاس -رضي الله عنهم-: أنّها ترث.12
1504 -
مسألة:
الجدّات أربع:
- أم الأم وإن علت، وهي وارثة بالإجماع.
- وأم الأب وأمهاتها، وهي ترث بالإجماع.
- وأم أبي الأم، وهي لا ترث بالإجماع، إِلَّا في رواية عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما-.
- وأم أبي الأب، وفيها خلاف.
1505 - مسألة:
إذا كانت الجدة أم الأم أقعد من أم الأب، فهي أولى بلا خلاف.
وإن كانت الّتي من قبل الأب أقعد من الّتي من قبل الأم، [91/ب] شاركتها الّتي من قبل الأم في السدس، وهو قول زيد بن ثابت -رضي الله عنه - المشهور عنه، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه -.
وقال أبو حنيفة: السدس للتي من قبل الأب إذا كانت أقرب، دون البعدى من قبل الأم، وبه قال صاحباه، وهو قول علي -رضي الله عنه -، وعبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما-، وهو الرِّواية الأخرى عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه -.
1506 - مسألة:
إذا كان ابنا عم أحدهما أخ للأم، فللأخ للأم السدس بالفرض، والباقي بينهما بالسوية، وبه قال علي وزيد بن ثابت -رضي الله عنهما-، وأبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهم.
وقال عمر وابن مسعود -رضي الله عنهما-: ابن العم الّذي هو أخ لأم أولى بالمال، وهو قول الحسن وأبي ثور.
1507 -
مسألة:
الجد يقاسم الإخوة، فيرثون معه ولا يحجبهم، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد -رضي الله عنهم-، والشّافعيّ وأبي يوسف ومحمد وأحمد.
وروي عن أبي بكر وابن عبّاس وعائشة وعبد الله بن الزبير ومروان ومعاذ [وأبيّ بن كعب، وأبي موسى وأبي الدرداء -رضي الله عنهم-: أن الجد يسقط الإخوة، وبه قال أبو حنيفة والمزني وطاووس وعطاء.
والمسألة كانت في خلافة الصديق -رضي الله عنه - إجماعًا، إلى أن انقضت خلافته.
وروى ابن سيرين عن عبيدة السلماني: أن عمر -رضي الله عنه - قضى في الجد بمائة قضية.
ودليل مالك قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النِّساء: 7]، فالجد كأصل الشجرة، والأب غصن منها، والإخوة كالأفنان 1 الخارجة من الغصن.
وقيل: إنّه كالنهر الكبير، والابن كنهر صغير خرج منه، والإخوة كالسواقي، كلها ترجع إلى أصل الشجرة وأصل النهر الكبير، فوجب أن يكون الإخوة ورثة مع الجد؛ لما شبهوا به.
وقيل: إن هذا التشبيه من قول الصّحابة -رضي الله عنهم-.
وأيضًا: فإن الجد عصبة يسقطه الأب، فوجب ألَّا يسقط الجد الإخوة، وروي مثله أيضًا عن ابن الزبير وعائشة وعمر -رضي الله عنهم-.
غير أن عمر -رضي الله عنه - رجع إلى الأوّل.
1508 -
مسألة:
الإخوة تقاسم الجد، إِلَّا أن يكون ثلث المال خيرًا له، فيكون له الثلث، وبه قال الشّافعيّ والصحابة.
إِلَّا علي -رضي الله عنه -، فإنّه قال: يقاسمونه، إِلَّا أن يكون السدس خيرًا له.
وقال عمران بن حصين -رضي الله عنه -: يقاسمهم إلى نصف السدس.
قال القاضي: والذي قال عمران بن حصين -رضي الله عنه - ظاهر السقوط؛ لأنّ الابن هو أقوى العصبات، وقد ثبت أن الجد لا ينقص مع الابن من السدس شيئًا.
1509 - مسألة:
الإخوة للأب والأم يعادّون الجد بالإخوة للأب، فيمنعونه كثرة الميراث، ما لم ينقص من الثلث.
وروي عن علي -رضي الله عنه -، وزيد -رضي الله عنه -: أن الإخوة للأب والأم لا يعادّون الجد بالإخوة للأب.
1510 - مسألة:
ولد الزِّنا وولد الملاعنة، يرث أمه وإخوته لأمه حقوقهم، وما فضل يكون لموالي أمه إن كانت معتقة لأحد، وكذلك إن كانت وحدها أخذت الثلث، وما بقي لمواليها، وإن كانت عربيّة فما بقي لبيت المال، وهو قول زيد -رضي الله عنه -، والزهري وسعيد بن المسيَّب وسعد -رضي الله عنه -، والأوزاعي والشّافعيّ وداود.
وروي عن علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-[92/أ]: أن الباقي لعصبة الأم إذا لم يخلف ذا رحم له سهم، وإلى هذا ذهب الحسن وابن سيرين وسفيان الثّوريّ.
1511 -
مسألة:
إذا ولدت الملاعنة توأمين في بطن، وانتفى أبوهما منهما بلعان، توارثا بالأب والأم عندنا.
وللشافعي قول مثل قولنا.
وقول: لا يتوارثان إِلَّا من قبل الأم.
1512 - مسألة:
إذا أسلم المجوس، لا يستحقون فرضًا بجهتين، لكن يرثون بأقواهما سببًا، وبه قال الشّافعيّ وسائر الصّحابة.
إِلَّا عليًا وابن عبّاس -رضي الله عنهم-، فإنهما ورثا بالسببين جميعًا، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة.
1513 - مسألة:
موالي الموالاة [عندنا] لا يرث، وبه قال الشّافعيّ والشعبي والحسن والأوزاعي.
ومن النَّاس من قال: إن الموالاة تنعقد، ويثبت التوارث بها والعقد، وهو مذهب النخعي.
وقال أبو حنيفة: ينظر؛ فإن والاه وعاقده كان له نقضه، وموالاة غيره ما لم يعقل عنه.
1514 - مسألة:
العَوْلُ عند مالك والشّافعيّ وجميع الصّحابة -رضي الله عنهم-، إِلَّا ابن عبّاس -رضي الله عنهما- صحيح، وبه قال أبو حنيفة وسائر الفقهاء.
وأبطله ابن عبّاس -رضي الله عنهما- بتة، وأدخل النقص على البنات والأخوات، وإليه ذهب داود.
وقيل: إنَّ أوّل من أعال الفرائض عمر -رضي الله عنه -، فقال له
ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: "لو قَدَّموا من قَدَّم الله، وأخَّروا من أخَّر الله، لما سألت فريضة قط"، فقيل: من الّذي قدمه الله ومن الّذي أخره، فقال: "من قدمه الله من فرض إلى فرض، وهم: الأم والأختين، ومن أخره الله من فرض إلى فرض إلى ما بقي: كالأخت والبنت"، فقيل له؛ هلا أشرت بذلك على عمر رضي الله عنه، فقال: "هبته، وكان رجلًا مهيبًا" (1).
وروي عن الزهريّ أنّه قال: لولا أنّه تقدّم ابن عبّاس -رضي الله عنهما- إمام هدى -يعني عمر -رضي الله عنه - وأمضى هذا الحكم، ما اختلف عليه اثنان.
وروي عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- أنّه قال: "والذي أحصى رمل عالج عددًا، ما جعل الله في المال نصفين وثلثًا" (2).
ودليل العول قوله - صلّى الله عليه وسلم -: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ السِّهَامُ، فَأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" (3).
فأمر بإلحاق الفرائض بأهلها، ولم يخص بعضهم عن بعض، فإن اتسع المال لهم، استوفى كلّ واحد ما فرض له، وإن ضاق عن ذلك دخل النقص على الجميع؛ لأنّهم أهل فرض، وليس أحدهم أولى من الآخر، فكان العول سبب ذلك.
1515 -
مسألة:
إذا خرج الجنين فتحرك أو عطس، ثمّ مات ولم يستهل؛ لم يرث ولا123
يورث ولا يصلَّى عليه، ولو قتله قاتل لم يقتل به، وليست حركته وعطاسه دليلًا على حياته، إِلَّا أن يرضع أو يستهل.
وقال قوم: حركته وعطاسه دليل على حياته، ويحكم له بأحكام الحي.
1516 -
مسألة:
[ولا يعال لأحد من الإخوة والأخوات، إِلَّا ما في الأكدرية 1 وحدها، وهي: زوج، وأم، وجد، وأخت لأب وأم.
فاختلف الصّحابة -رضي الله عنهم- فيها اختلافًا شديدًا.
مسائل الوصايا
1517 -
مسألة:
الوصيَّة للأقربين جائزة غير واجبة، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وكافة أهل العلم.
وقال الزهريّ وأبو مجلز 1 وأهل الظّاهر: هي واجبة لهم؛ الذين لا يرثون الميِّت؛ سواء كانوا عصبة أو ذا رحم إذا كان وارث غيرهم.
1518 - مسألة:
إذا أوصى لرجل بمثل نصيب ابنه، وله ولد واحد فأجاز، أعطي الموصى له كلّ المال.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة والثوري والنخعي والشعبي: له النّصف مع الإجازة.
1519 - مسألة: إذا قال: "أعطوه ضعف ما يصيب أحد ولدي"، فلست أعرف ما حكم هذه منصوصًا، غير أني وجدت لبعض شيوخنا: أنّه يعطى مثل نصيب أحد ولده مرّة واحدة، وإن قال: "ضعفين"، أعطي مثليه.
وقال الشّافعيّ: يعطى بالضعف مثليه، وبالضعفين ثلاث مرات، [92/ب] وبه قال أبو حنيفة.
قال القاضي: وهو أقوى في نفسي من جهة اللُّغة.
1520 -
مسألة:
إذا أجاز الورثة الزيادة على الثلث، أو الوصيَّة لوارث، كان تنفيذًا لفعل الميِّت، وليس ابتداء منهم، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان: أحدهما مثلنا.
والآخر: هو عطية من الورثة، لا تنفيذًا لما فعل الميِّت.
1521 - مسألة:
لو أوصى لرجل بنصف ماله، ولاخر بثلثه، ولآخر بربعه، فأجاز الورثة، قسّم المال بينهم على ثلاثة عشر جزءًا، وإن لم يجز الورثة، قسّم الثلث بينهم على ثلاثة عشر أيضًا، وبه قال الحسن والنخعي وابن أبي ليلى والثوري.
وقال أبو حنيفة: إذا أجاز الورثة مثل قولنا في الكل، وإن لم يجز الورثة ما زاد على الثلث، بطلت الزيادة عمن أوصى له بالزيادة على الثلث وهو صاحب النّصف، ورجع كأنّه أوصى له بالثلث، فيقسّم الثلث على أحد عشر سهمًا، لصاحب النّصف الثلث أربعة، ولصاحب الثلث الثلث أربعة، ولصاحب الربع ثلاثة، وذلك أحد عشر سهمًا، وهذا قول ابن مسعود - رضي الله عنه -، وشريح وطاووس والثوري وأحمد.
وقال الحسن وعطاء وابن شهاب وربيعة: إن أجاز الورثة، فهو لازم لهم، لا رجوع لهم؛ كان ذلك في صحة أو مرض.
قال القاضي: قد بلغني عن الحجازيين والمدنيين رواية، مثل قول الحسن والزهري وربيعة.
والأظهر من قول مالك: التفرقة، وهو قول الأوزاعي وابن أبي ليلى.
1522 -
مسألة:
الوصيَّة [عندنا] للوارث جائزة، وتقف على إجازة الورثة فتصح، وبه قال الفقهاء.
[لقوله - صلّى الله عليه وسلم -: "إِلَّا أَنْ يُجيزَ الوَرَثَة" 1 2].
وقال بعض النَّاس: لا تجوز بوجه وإن أجاز الورثة.
1523 - مسألة:
إذا أوصى بأكثر من ثلثه، فأجاز الورثة، وهو مريض في حياته صح، ولم يكن لهم رجوع بعد موته، إذا لم يكونوا ممّا يخاف أن يوقع بينهم، إذا صح الضرر إن امتنعوا منه، فأمّا إذا أجازوا ذلك في صحته، فلهم الرجوع بعد موته.
وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة: ليس لهم إجازة، ولهم الرجوع؛ سواء كان ذلك في صحة أو مرض.
1524 - مسألة:
من أوصى لرجل ببعير أو بجمل من إبله، جاز أن يعطي أنثى، وكذلك إن أوصى ببدنة أو بقرة، جاز أن يعطي ذكرًا، والذكر والأنثى فيه سواء.
قال القاضي: في قوله: "بقرة"، خلاف بين أصحابنا، قال ابن عبد الحكم في الإقرار بثور، إن قال: "أردت بقرة"، لم يقبل منه.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز في البعير إِلَّا الذكر، وفي البدنة والبقرة الأنثى، ولا يجوز الثور والجمل.
1525 -
مسألة:
إذا قال: "أعطوه حظًّا أو نصيبًا أو سهمًا من مالي"، ولم يضفه إلى أحد ولده أو ورثته، أعطي شيئًا ما يقع عليه اسم نصيب أو سهم، هذا منصوص لنا وللشافعي.
وقال بعض أصحابنا: لا فرق بين قوله: [سهمًا]، أو نصيبًا"، وقوله: "مثل نصيب أحد ورثتي".
فليس الأمر كذلك.
وأبو حنيفة يوافق في حظ وشيء، ويخالف في نصيب وسهم، وقال: لا يزاد على السدس.
وقال أبو يوسف ومحمد: يعطى مثل أقل سهام ورثته.
1526 - مسألة:
إذا أوصى بإخراج ثلثه في الرقاب، ابتدئ بعتق مماليكه [في قول مالك]؛ كالزكاة سواء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يصرف في المكاتبين.
1527 - مسألة:
إذا مات الموصي، فأمر الوصيَّة مراعى إلى أن يقبلها الموصى له أو يردّ، وأظنه قول أبي حنيفة.
وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: إن للموصى له ملكها بالقول، فعلى هذا يكون له ملك الوصيَّة بعد [93/أ]، الموت، وقبل القبول.
والثّاني: مراعى كقولنا.
والثّالث: إنّه تدخل في ملك الوصي بموت الموصي، من غير قبول.
حكى هذا عنه ابن عبد الحكم.
1528 -
مسألة:
إذا وصى بعبده أو داره أو ثوبه أو شيء بعينه لرجل، ثمّ أوصى به لآخر ولم يبين رجوعًا عن الأوّل، كان بينهما نصفين [هذا قولنا]، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة وربيعة وغيرهم.
وقال طاووس وعطاء والحسن: إن ذلك رجوع وهو للثاني.
وقال داود: هو للأول خاصّة، واحتج بأن الشك في نقل الوصيَّة للثاني، ولا شك في الأوّل هل رجع عنه أم لا؛ والتمسك باليقين واجب، وهو كالبيع والنِّكاح أنّه للأول، ولما احتمل أن يكون فسخ الأولى، أو اشترك فيها، كان حمل ذلك على الشركة أولى.
1529 - مسألة:
إذا مات الموصى له بعد موت الموصي، وقبل القبول والرد، قام ورثته مقامه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس لورثته ذلك، كالخيار عنده لا يورث.
1530 - مسألة:
العتق البَتْل 1 والبذل والهِبَة، وسائر العطايا المنجزة في المرض المخيف إذا مات فيه، معتبرة من الثلث، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ وغيرهما.
وقال مجاهد: هي منجزة من رأس المال، وبه قال داود.
1531 - مسألة: الحامل إذا بلغت ستة أشهر، لم يجز قضاؤها في أكثر من ثلثها، وكذلك الزاحف في الصف الأوّل للقتال، والمحبوس للقتل، وقال به
أبو حنيفة في الحامل إذا ثقلت، والشّافعيّ إذا ضربها الطلق، وقبل ذلك هي متصرفة في جميع مالها.
وقال في الزاحف: إذا كان المسلمون أقل عددًا، فالوصية على قولين: من رأس المال، أو الثلث.
1532 -
مسألة:
إذا أوصى لعبده ومكاتبه صحت وصيته، فأمّا عبد غيره فيجوز إن أذن سيده.
ووافقنا أبو حنيفة في عبد نفسه، لا في عبد غيره، وبه قال الأوزاعي في عبد غيره وإن أجاز سيده.
وقال أبو حنيفة: إن أوصى لعبده وورثته صغار صح، وإن كان فيهم كبار لم يصح.
ومنع الشّافعيّ الوصيَّة للعبد بكل حال، واعتبر قبول الشّهادة في الوصي.
1533 - مسألة:
إذا كان للموصي أب أو جد وورثته صغار، صح أن يوصي إلى أجنبي بالنظر في أمر أولاده الأصاغر، وقضاء ديونه، وإخراج ثلثه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز وصيته لأجنبي بالنظر في أمر أولاده مع أبيه وجده، إذا كانا من أهل العدالة.
1534 - مسألة:
إذا أوصى إلى عدل ثمّ فسق نزعت الوصيَّة منه، كما إذا ابتدأ بالوصية إليه، وبه قال الشّافعيّ.
وحكي عن أبي حنيفة: أنّه يضم إليه آخر عدل وتثبت.
1535 -
مسألة:
للوصي أن يوصي إلى غيره بما أوصي إليه به، وإن لم يجعل له الموصي ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان.
ومنع منه الأوزاعي والشّافعيّ وغيرهما.
1536 - مسألة:
إذا كان الوصي عدلًا لم يحتج إلى حكم الحاكم في تنفيذ الوصيَّة، وجميع تصرفه صحيح، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: إن لم يحكم له الحاكم، فجميع ما باعه واشتراه مردود، وقوله فيما أنفقه على الورثة مقبول قوله فيه.
1537 - مسألة:
إذا بلغ اليتيم، فادعى الوصي أنّه دفع المال إليه، لم يقبل قوله إِلَّا ببينة، وبه قال [93/ب] الشّافعيّ.
وقال العراقي: يقبل قوله في تلف المال؛ لأنّه أمين، وكذلك ما يدعيه من الإنفاق فكذلك هاهنا.
1538 - مسألة:
إذا قال: "وصيتي إلى فلان"، وأطلق، أو"قد وصيت لفلان" أو"أنت وصي"، فهي وصية في كلّ شيء؛ من قضاء ديونه وإنفاذ وصاياه، وتزويج بناته، وهي وصية صحيحة.
فأمّا إن قال: "أنت وصيي في قضاء ديني"، أو"وصيي في تزويج بناتي" وعين له ذلك، غير أنّه لم يقل له: "ولست وصيي في غير ذلك"، فقد اختلفت الرِّواية عن مالك: فروى عنه ابن عبد الحكم: يكون وصيًّا في كلّ شيء، كما لو أطلق الوصيَّة.
وذكر أبو زيد (1) عن ابن القاسم عن مالك أنّه قال: لا يكون وصيًّا إِلَّا فيما عينه.
ووافقنا أبو حنيفة فيما إذا أطلق.
وقال الشّافعيّ: إذا قال: "أنت وصيي مطلقًا"، لا تصح الوصيَّة، وإن عين له في شيء، فهو وصية في المعين.
1539 -
مسألة:
إذا أوصى لقرابته، لم يدخل معهم ولد البنات، وكذلك لو أوصى لعقبه، فليس ولد البنات بعقب له، ويعطى الأقرب فالأقرب، وقوله: "لعقبي وقرابتي"، عند مالك كقوله: "لولدي وولد ولدي"، ويدخل ولد البنين.
وقال أبو حنيفة: يدخل في قرابته وذوي رحمه، كلّ ذي رحم محرم، ولا يعطى ابن العم ولا ابن الخال؛ لأنّه ليس بمحرم.
وقال الشّافعيّ: إذا قال: "لقرابتي وذوي رحمي"، أعطي لكل من يقرب منه، من قبل أبيه وأمه وأقربهم وأبعدهم وأغناهم وأفقرهم سواء؛ لأنّهم أعطوا باسم القرابة، كما أعطي من شهد القتال باسم الحضور.
وقال القاضي: وينبغي أن يفصل على مذهبنا بين القرابة، وبين العقب والولد وذوي الرّحم، فيكون قوله: "لذوي رحمي"، يدخل فيه كلّ من له عصبة وله رحم، لكن على وجه الاجتهاد للفقراء دون الأغنياء، والقرابة تختص بمن يرجع إليه بنسب، والنسب يرجع إلى الآباء، ألَّا ترى أن أقارب النبيّ - صلّى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: 7]، اختص بذلك بنو أعمامه، ومن يرجع نسبه إليه، بدلالة أنّه يعطى سهم القرابة بنو أعمامه، دون أخواله؛ لأنّه ذو رحم، وكذلك أولاد البنت؛ لأنّهم لا ينسبون1
إليه في النسب، ولا يلتقون معه في الأب، وكذلك العقب إذا قال: "هذا لعقبي"، أو"لعقبك"، فإن العقب من جاء على إثر غيره، وأولاد البنات جاءوا على إثر غيره، وعقب غيره ليس منه، كما قال الشاعر، في مثل هذا المعنى:
بنون ابن وأبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد 1
وهذا إخبار عن حقيقة الاسم.
واحتج من خالفنا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84] إلى قوله: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: 85] فجعل عيسى من ذريته، وإنّما وابن ابنته.
وقوله: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]، ومعلوم أنّه لا ابن لرسول الله - صلّى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت، غير أن ابني بنته: الحسن والحسين - رضي الله عنهما -، وهما ممّن دعي في المباهلة، فدخلا فيمن سمى الله أبناء، كما دخل عيسى - صلّى الله عليه وسلم - فيمن سمى الله تعالى ذرية.
وجوابنا: أن الّذي استدلوا به مجاز لا حقيقة؛ لأنا لا نمنع من أن تقع التّسمية تارة على المجاز وتارة على الحقيقة، ألَّا ترى أنّه - صلّى الله عليه وسلم - قال في العباس -رضي الله عنه -: "اُترُكُوا لي أَبي إِسْحَاقَ" 2، وهو مجاز، ولا حجة لهم فيه؛ لأنّ ذلك الخطّاب إنّما توجه إلى ولد الصلب، والنبي - صلّى الله عليه وسلم - كان له من صلبه: بنون وبنات، ويجوز أن يكون نزلت هذه الآية، حين كان له البنون والبنات.
وإن ثبت أن الحسن [94/أ] والحسين -رضي الله عنهما- دعيا إلى المباهلة فصحيح لما أريد بالآية: جماعتنا وجماعتكم.
وقال القاضي أبو الحسن علي بن عمر -رضي الله عنه -: وبعض أصحابنا يدخل ولد البنات في الوصيَّة لقرابته وعقبه.
1540 -
مسألة:
إذا أوصى إلى رجلين، فإن كان أوصى إليهما أو إلى أحدهما، فلا خلاف أن لكل واحد منهما أن ينظر على الاجتماع والانفراد، وإن قال: "أوصيت لكما ولا تنفردا"، فإن اجتمعا فلا خلاف، وإن انفردا لم يصح، وإن أطلق، فقال: "أوصيت إليكما"، ولم يزد على هذا صح، وحكمه عندنا كحكمه لو قال: "ولا تنفردا".
وقال الشّافعيّ مثل قولنا.
وقال أبو يوسف: لكل واحد منهما أن يتصرف؛ اجتمعا أو انفردا.
وقال أبو حنيفة ومحمد: القياس يقتضي أن لا ينفرد أحدهما بالتصرف، ولكنا نستحسن جواز تصرف كلّ واحد منهما دون صاحبه في ستة أشياء، دون ما عداها، وهي: الكفن، ورد الودائع، وتنفيذ الوصايا، والإنفاق على الأيتام، والكسوة لهم، وقضاء الديون.
وذهب مالك: إلى أن هذا قد أطلق، فلا ينفرد أحدهما دون الآخر بشيء؛ لأنّهما وصيان يتصرفان في مال الغير، فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد بشراء كفن، ولا غيره دون صاحبه، كما لو وكلهما على بيع شيء.
1541 - مسألة:
إذا وصى مسلم لحربي بمال، فعندي: أن الوصيَّة لهم مكروهة.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز أصلًا.
وقال الشّافعيّ: هي جائزة.
1542 - مسألة: إذا أوصى لميت بمال، وهو يعلم أنّه ميت، فإن الوصيَّة صحيحة [عندنا]، فإن كان على الميِّت دين صرفت فيه، وكذلك إن كانت عليه
كفارات، أو زكوات واجبة، فإن لم يكن عليه شيء، فهو لورثته.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: الوصيَّة باطلة لا تجوز.
1543 -
مسألة:
إذا أوصى بجميع ماله، وهو مريض ولا وارث له ولا مولى، صحت الوصيَّة في ثلثه، والثلثان لبيت المال، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: تصح الوصيَّة في جميع المال، والموصى له أحق بالثلثين من بيت المال.
1544 - مسألة:
إذا أوصى بمائة درهم ناضة حاضرة، أو بعبد، أو بشيء بعينه حاضرة، وهو دون الثلث، وباقي أمواله غائب أو عقار أو دين، ففسخ ذلك الورثة، وقالوا: لا نعطي الموصى له، إِلَّا ثلث ذلك الموصى به؛ كان عينًا أو عقارًا أو دينًا أو عبدًا، فإذا بعنا البقية، واقتضينا الديون أو وصل إلينا باقي ماله، دفعنا إليه ما أوصي له به فالخيار للورثة؛ بين أن يدفعوا له ما أوصي له به، ويكون الباقي لهم كله، وبين أن يدفعوا إليه ثلث ذلك الشيء الموصى به، ويكون شريكًا لهم بباقي ثلث الميِّت كله.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: له ثلث ذلك الشيء، ويكون بباقيه شريكًا في جميع ما خلفه الميِّت، حتّى يستوفي قيمة ذلك الشيء، لا يزاد عليه ما بلغ.
1545 - مسألة:
وصية غير البالغ إذا كان يعقل ما يوصي به جائزة، وكذلك الكبير السفيه المحجور عليه إذا عقل الوصيَّة.
واختلف قول الشّافعيّ فقال مثل قولنا.
وقال أيضًا: لا تجوز، وبه قال أبو حنيفة.
1546 -
مسألة:
إذا قبل الموصى له الوصيَّة في حياة الموصي، لم يكن له رجوع بعد موته، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أيضًا: ليس له رجوع في حال حياة الموصي، إِلَّا أن يكون حاضرًا، فإن كان غائبًا لم يكن له ذلك.
وقال الشّافعيّ: له الرجوع على كلّ وجه.
1547 - مسألة:
لو أوصى بثلث شيء بعينه لرجل، فاستحق ثلثاه وبقي ثلثه، فله الثلث الباقي إذا كان [94/ب] يخرج من ثلث الميِّت، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال أبو ثور: يكون للموصى له ثلث الثلث الباقي، وذلك تسع، وكذلك الشيء الموصى به.
1548 - مسألة:
إذا أوصى بجميع ماله لرجل وثلثه لآخر، وأجاز الورثة ذلك، قسم المال على أربعة أسهم؛ للموصى له بالكل ثلاثة أسهم، وللموصى له بالثلث سهم، وبه قال الشّافعيّ.
وعن أبي حنيفة روايتان، وروى عنه أبو يوسف ومحمد: مثل قولنا وقول الشّافعيّ.
وروى عنه اللؤلؤي: أن المال يقسم على ستة أسهم؛ فلصاحب الثلث السدس، ولصاحب الكل خمسة أسهم، قال: لأنّ الموصي لرجل بجميع ماله، قد أوصى له بالثلثين منفردًا عن غيره ممّن يزاحمه، فإذا أوصى لآخر بثلث، فقد وقفت المزاحمة في الثلث، فصار نصفه لصاحب الثلث، وهو سدس ونصفه لصاحب الكل، فصح له خمسة أسداس.
1549 - مسألة:
إذا أوصى الموصى لرجل بأبيه أو بابنه، فالموصى له بالخيار بين أن يقبل الوصيَّة، فيعتق عليه أبوه أوابنه، وبين أن لا يقبل، وهو قول الفقهاء كافة.
ومن النَّاس من قال: تلزمه هذه الوصيَّة، قال: لأنّ قبوله لها تخليص لأبيه أو ابنه من الملك، وهذا من أفضل بر الوالدين، وفي تركه قبولها ضرر بأبيه أو بابنه، فوجب إلزامه قبولها.
1550 - مسألة:
إذا قبل الوصيَّة بأبيه أو بابنه وهو مريض، فعتق عليه أبوه، ثمّ مات الابن، فإنّه يرثه عندنا.
وقال الشّافعيّ: لا يرثه.
1551 - مسألة:
إذا أوصى لرجل برأس من رقيق، أو بجمل من إبله، فإن كان رقيقه عشرة، أعطيناه عشرهم بالقيمة، وكذلك الإبل.
وقال الشّافعيّ: يعطيه الورثة ما يقع عليه اسم رأس معينًا؛ صغيرًا كان أو كبيرًا.
ودليل مالك: أنّه إذا أوصى برقبته، فالعدل أن يقضي له بوسط؛ لا رفيعة ولا دنيئة، ولا يتأتى الوصول إلى ذلك، إِلَّا بالقيمة، فإذا قومت الرؤوس، وأعطي عشرها، كان عدلًا بين الموصى له والورثة.
هذه آخر
مسألة
في كتاب عيون المجالس، وقد جردتها في هذا الجزء؛ ليقرب حفظها ويسهل طلبها لمن التمس مسألة منه بعينها، ولمن أراد حفظ المذهب فقط، فإن طلب الحجة على المسألة، فليرجع إلى الأصل، وقد نقلت لفظ القاضي - رحمه الله - حرفًا حرفًا، إِلَّا في بعض المسائل، اختصرت نقلها بعض الاختصار، وقدمت بعضًا وأخّرت بعضا،
من غير إخلال بالمعنى وهو قليل، وقد تركت فصولًا لم نعدها مسائل، لدخولها في المسائل، وسميت فصولًا مسائل لوقوع الاختلاف فيها، وعددها ألف مسألة وأربعمائة وأربعون مسألة 1، والله أعلم.
إن تجد عيبًا فسد الخللا ... جلَّ من لا عيب فيه وعلا
كان الفراغ من كتابته يوم الأربعاء ثالث عشر رمضان المبارك، سنة تسعة وخمسين وتسعمائة.
كتبه العبد الفقير
أحمد المؤذن
ثبت المصادر والمراجع
- أ-
1 - الاستذكار الجامع لمذاهب الفقهاء: لأبي عمر يوسف بن عبد البرّ الأندلسي
، ت
حقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1: 1993، دار قتيبة /دار الوعي.
2 - الأشراف على نكت مسائل الخلاف: للقاضي عبد الوهّاب المالكي: ط 1: 1420 هـ، دار ابن حزم، بيروت.
3 - اصطلاح المذهب عند المالكية: للدكتور محمَّد إبراهيم أحمد علي، ط1: 2000، دار البحوث للدراسات الإِسلامية، حكومة دبي.
4 - الأعلام: خير الدين زركلي، ط 5: 1980، دار العلم للملايين: بيروت.
5 - الأم؛ لأبي عبد الله محمَّد بن إدريس الشّافعيّ، تحقيق: د. رفعت فوزي عبد المطلب، ط 1: 2001، دار الوفاء.
6 - أنوار البروق في أنواء الفروق: لأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: أ. د. محمَّد أحمد سراج، أ. د. علي جمعة محمَّد، ط 1: 2001، دار السّلام.
7 - أنيس الفقهاء: لقاسم بن عبد الله القونوي، تحقيق: د. أحمد بن عبد الرزّاق الكبيسي، ط 1: 1406، دار الوفاء.
8 - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: لأبي بكر محمَّد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق: د. أبو حمّاد صغير أحمد بن محمَّد حنيف، ط 1: 1985، دار طيبة.