كتاب الطّلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- عُيُونُ المَسَائِل
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
- الناشر
- دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1293 -
مسألة:
إذا طلب [76/أ] الغرماء الحجر على المفلس، لزم الحاكم أن يحجر عليه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة وزفر: لا يحجر عليه، ويطالبه بقضاء الدِّين حتّى يبيع ويقضي دينه، ولا يباع عقار المفلس في الدِّين ويحبسه، ويباع في نفقة الزوجة.
1294 - مسألة:
إذا ثبت عسر المفلس خلي سبيله إلى ميسرته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: للغرماء ملازمته، لا على معنى أنّهم يطالبوه، ولكن يدورون معه حيث دار.
1295 - مسألة:
إذا بلغ اليتيم وهو ضابط لماله، حسن التصرف غير مبذر، سلم إليه ماله وإن كان غير مرضي في دينه، وإن كان غير مصلح لماله ولا ضابط له، وهو عدل في دينه لم يسلم إليه ماله، وبه قال أبو حنيفة.
ولكنه يقول: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة، دفع إليه ماله وإن كان غير ضابط له؛ لأنّه لا يرى الحجر على البالغ وإن كان مفسدًا لماله، وتبعه زفر.
وقال أبو يوسف ومحمد [وأحمد] بقولنا، وكذلك إسحاق.
وقال الشّافعيّ: لا يدفع إليه ماله، إِلَّا أن يكون عدلًا في دينه غير فاسق، ويكون ضابطًا لماله غير مبذر.
1296 - مسألة:
فأمّا الجارية، فلا ينفك حجرها حتّى تبلغ وتتزوج ويدخل بها، ويعلم أنّها ضابطة لمالها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يدفع إليها مالها وينفك حجرها وإن لم تتزوج، إذا كانت ضابطة له.
1297 -
مسألة:
حد البلوغ في الذكر: الاحتلام والإنبات، أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله بالغ، وهو: سبع عشرة سنة، أو ثمان عشرة.
وفي الإناث: هذه الأوصاف، والحيض والحبل.
وقال أبو حنيفة: الإنبات لا يدلُّ على البلوغ.
واختلف قول الشّافعيّ فيه في المسلمين، فقال: هو فيهم بلوغ، وقال: ليس ببلوغ.
ولم يختلف قوله أنّه بلوغ محكوم به في الكفار.
وإذا عدم الاحتلام والإنبات، اعتبر الشّافعيّ خمس عشرة سنة في المذكور والإناث، وبه قال محمّد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: في الذكور تسع عشرة سنة، وفي الإناث سبع عشرة.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه في المسلمين في الإنبات، وبيننا وبين الشّافعيّ في اعتبار خمس عشرة سنة.
1298 - مسألة:
لا يجوز لامرأة ذات زوج أن تتصرف في أكثر من ثلثها في غير معاوضة، إِلَّا بإذن زوجها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لها أن تهب جميع مالها وتتصرف، ولا اعتراض له عليها.
1299 - مسألة:
إذا بذر البالغ ماله لا يكون محجورًا عليه، إِلَّا بحكم الحاكم، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال محمّد: يصير محجورًا عليه قبل الحكم بحجره.
1300 -
مسألة:
يصح طلاق السفيه المحجور عليه وخلعه، وهو مذهب العلماء.
إِلَّا ابن أبي ليلى وأبا يوسف، قالا: لا يصح خلعه 1.
1301 - مسألة:
يجوز للوصي أو الأمين إذا كان فقيرًا، أن يأكل مال اليتيم قدر حاجة وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتناول شيئًا من ماله.
1302 - مسألة:
من حجر عليه بحكم أو بغيره، فلا ينفك [76/ب] حجره إِلَّا بحكم.
واختلف قول الشّافعيّ في الصبي إذا بلغ رشيدًا، فقال: ينفك حجره بغير حكم، وقال مثل قولنا.
وكذلك اختلف قوله في ولاء الحجر على المفلس، وقال فى المجنون قولًا واحدًا: إنّه إذا عقل انفك حجره من غير حكم.
وقال فى السفيه مثل قولنا: إذا ضبط ماله، لا ينفك حجره إِلَّا بحكم.
والباب كله عندنا واحد؛ لأنّ الاختبار فيهم عند دفع المال إليهم لابدَّ منه.
مسائل الصلح
1303 -
مسألة:
الصلح على الإنكار جائز، وصورته: أن يدعي إنسان على غيره مالًا فينكر، وليس للمدير بينة، فيصالحه المدعى عليه على شيء يعطيه إياه، فيصح [عندنا] أخذه ويملكه المدعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وبه قال جابر بن زيد والشعبي والحسن.
وقال الشّافعيّ: الصلح باطل، ولا يملك المدعى ما يأخذه، ويجب عليه رده، وبه قال ابن أبي ليلى.
1304 - مسألة:
إذا كان حائط بين دارين لرجلين، ولأحدهما عليه جذوع، وادعى كلّ واحد منهما أن جميعه له، فهو لصاحب الجذوع مع يمينه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: الجذوع لصاحبها مقرة على ما هي عليه، والحائط بينهما مع أيمانهما.
1305 - مسألة: إذا كان حائط بين اثنين أو لواحد، لم يجز للشريك أو للجار أن يضع عليه خشبة، إِلَّا بإذن شريكه أو إذن صاحب الحائط، ويستحب له ألَّا يمنعه ولا يقضى عليه [بذلك]، وبه قال أبو حنيفة وأحد قولي الشّافعيّ.
وقال فى الآخر: ليس للشريك ولا للجار منع جاره من وضع خشبة على جداره.
1306 -
مسألة:
إذا سقط الحائط الّذي بين الدارين لرجلين، فأراد أحدهم بناءه، فاختلف في إجبار الآخر، وللشافعي فيه قولان.
1307 - مسألة:
إذا كان بيت [مسقّف] لرجل، وعلوه مملوك لآخر، فتداعيا السقف الّذي على السفل تحت العلّو، فهو لصاحب السفل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: هو بينهما جميعًا.
1308 - مسألة:
إذا انهدم العلّو والسفل، وأراد صاحب العلّو بناءه، أجبر صاحب السفل على البناء والسقف، حتّى يتمكن صاحب العلّو، وإن اختار صاحب العلّو بناء السقف من ماله، ومنع صاحب السفل من الانتفاع به، حتّى يعطيه ما أنفق فله ذلك، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثلنا، وفي الآخر قال: لا يجبر صاحب السفل على البناء، وإن أنفق صاحب العلّو كان متطوعًا، ولم يكن له منع صاحب السفل من الانتفاع.
وكذلك النهر بين الشركاء والدُّولاب 1 والعين والبئر، من أنفق منهم فله منع شريكه من الانتفاع، حتّى يعطيه قسطه من النفقة.
واختلف قول الشّافعيّ فيه أيضًا.
مسائل الحوالة
1309 -
مسألة:
إذا كان لرجل حق على غيره، فأحاله من هو عليه على من له عليه فليس بواجب على صاحب الحق أن يقبل الحوالة، واستحب مالك قبولها، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال داود [77/أ]: يلزمه أن يقبل، وينتقل الحق من ذمة من هو عليه، إلى ذمة المحال عليه.
1310 - مسألة:
لا يعتبر رضي من أحيل عليه، وليس له أن يمتنع من قبولها، إِلَّا أن يكون الّذي دفعت له عدوا للمحال عليه، فلا يجبر على ذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يلزمه قبولها، ولم يفصّلوا في ذلك.
وقال الإصطخري من أصحاب الشّافعيّ: لا يلزمه قبولها، ولم يفصّل، وقيل: إنّه مذهب داود.
1311 - مسألة:
إذا قبل صاحب الحق الحوالة على مليء، فقد برئ المحيل على كلّ وجه، وبه قال جماعة الفقهاء.
وقال زفر: لا يبرأ.
1312 -
مسألة:
اختلف النَّاس في رجوع المحال على المحيل، إذا لم يصل إلى حقه من جهة المحال عليه.
فقولنا: إنّه إن غره المحيل بفلس يعلمه من المحال عليه أو عدم، فإن المحال يرجع على المحيل بحقه، ولا رجوع له في غير هذا.
وقال الشّافعيّ: لا يرجع على المحيل بوجه؛ سواء غرّه بفلس، أو طرأ التفليس، أو أنكر، أو تغيرت حاله؛ لأنّه في معنى من قبض عوضه، وبه قال اللَّيث وأحمد وإسحاق.
وحكي عن أبي حنيفة: أنّه إن أنكر المحال عليه، وحلف بعد قبول الحوالة، فللمحال الرجوع على المحيل.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع المحال على المحيل في ثلاثة مواضع: إذا أنكر المحال عليه الحق وحلف عليه، وإذا مات مفلسًا، وإذا فلس وحجر عليه الحاكم؛ لأنّهما يريان الحجر على المفلس، وأبو حنيفة لا يراه.
ولست أحقه عن أبي يوسف ومحمد، بل لا أشك أنّه يرجع إذا مات المحال عليه مفلسًا، كقول أبي حنيفة.
مسائل الضمان
1313 -
مسألة:
الدين باق في ذمة المضمون عنه، لا يسقط عنه بالضمان، وبه قال أبو حنيفة 1 والشّافعيّ.
وحكي عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي ثور وداود: أن الحق يسقط بالضمان عن ذمة المضمون [عنه].
1314 - مسألة:
يجوز ضمان المجهول، كقوله: "أنا ضامن من مالك على فلان"، وهو لا يعرف مبلغ ما عليه، ويضمن ما يجده في دفتره ثابتًا عليه، وكذلك يضمن ما لم يجب، كقوله: "داين فلانًا"، أو: "ما حصل لك عليه فأنا ضامن له" فيجوز، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز.
وذكر ابن سريج: أن في ضمان ما لم يجب قولًا آخر للشافعي.
وبقول الشّافعيّ قال ابن أبي ليلى والثوري والليث: إنّه لا يجوز.
1315 -
مسألة:
إذا مات إنسان وعليه دين، فإن خلف وفاء صح ضمان الّذي عليه بعد موته، بلا خلاف.
وإن لم يخلف وفاء فقد اختلف في صحة ضمان الدين عنه.
فذهب مالك والشّافعيّ وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد إلى أنّه يجوز.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يخلف وفاء، لم يجز الضمان عنه بعد موته.
مسائل الكفالة
1316 - مسألة:
الكفالة بالنفس جائزة إِلَّا في الحدود، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والليث وأحمد وشريح، وهو الصّحيح عن الشّافعيّ.
وذكر المزني: أن له قولًا آخر ضعيفًا في القياس.
ووجوه أصحابه يقولون: ليس له إِلَّا قول واحد في جوازها.
1317 -
مسألة
[77/ ب]:
ضمان الدَّرَك 1 في البيع جائز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو الأصح للشافعي.
وحكي عن ابن سريج: أن له قولًا آخر في أنّه لا يصح؛ لأنّه ضمان ما لم يجب.
وقد تكلمنا على جواز ضمان المجهول وما لم يجب، غير أن هاهنا هو ضمان ما قد وجب.
1318 - مسألة: اختلف عن مالك في المضمون له، هل هو غير في أن يطالب
الضامن أو المضمون عنه، إن كان المضمون عنه معسرًا، وهذا قول أبي حنيفة والشّافعيّ.
وقال أيضًا: ليس له مطالبة الضامن، إِلَّا بعد تعذر وصوله إلى الحق من جهة المضمون عنه.
مسائل الشركة
1319 -
مسألة:
شركة المفاوضة عندنا جائزة، وعند أبي حنيفة.
غير أنّه يخالف في صورتها، فيقول: هي أن يشترك الرجلان في جميع ما يملكانه من ذهب أو ورق، ولا يبقى لواحد منهما شيء من هذين النوعين إِلَّا اشتركا فيه، فيكون لكل واحد منهما من هذين الشيئين مثل صاحبه، وإن زاد مال أحدهما على مال الآخر، لم تصح شركتهما، وكل ما ربحه أحدهما؛ كان شركة بينهما، وكل ما ضمن أحدهما من غصب وغيره؛ ضمنه الآخر، فإن ورث أحدهما مالًا بطلت الشركة؛ لأنّه زاد ماله على مال صاحبه.
ونحن: نجوز أن يزيد ماله على مال صاحبه، ويكون الربح على قدر المالين، ويكون كلّ ما ضمن أحدهما لتجارتهما فهو بينهما، فأمّا الغصب وغيره فلا.
وحقيقة المفاوضة عندنا: هو أن يفوض كلّ واحد منهما لصاحبه في شراء أو ما يراه لتجارتهما، وأن يبيع ما يرى، ويضمن، ويوكل، ويقارض، بعد أن يكون كله لتجارتهما، وما يتعلّق بها؛ سواء كان رأس المال الّذي بينهما عرضًا أو عينًا، وسواء كانا شريكين فيما يملكانه كله في التجارة، أو في بعض مالهما ويفوض أحدهما للآخر ما ذكرناه، وسواء اختلط مالهما حتّى لا يتميز أحدهما من الآخر، أو كان متميزا بعد أن يجمعاه، وتصير أيديهما جميعًا عليه في الشركة.
وتصح عند أبي حنيفة، وإن لم يجمعاه.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز الشركة في العروض، ولا تجوز إِلَّا في الدنانير والدراهم، وأن يخلطا ذلك حتّى لا يتميز أحدهما من الآخر، ولا يعرف عينه.
ويجوز عنده: أن يفضل أحدهما في رأس المال والربح قدر مال كلّ واحد، ثمّ إذا حصلا عنده شريكين على ما شرطا، لم يكن لأحدهما أن يتصرف في الكل، إِلَّا بإذن شريكه.
والشّافعيّ وأصحابه: يسمون هذه شركة عنان، وما ضمنه كلّ واحد منهما، ففي خاصته.
وقد سئل مالك عن شركة العنان، فقال: ما أعرفها.
1320 - مسألة:
لا تصح الشركة مع افتراق ماليهما حتّى يجمعاه، ويكون أيديهما جميعًا عليه.
وقال أبو حنيفة: تصح وإن كان مال كلّ واحد في يده؛ لأنّ الشركة عنده جائزة بالقول، وإن لم يحضر المال.
وقال الشّافعيّ: لا تصح الشركة حتّى يكون رأس ماليهما جنسًا واحدًا، ويخلط ولا يتميز ولا يعرف أحدهما من الآخر.
1321 -
مسألة
[78/أ]:
إذا استويا في رأس المال، واشترط أحدهما أن يكون له من الربح أكثر ممّا لصاحبه، مثل قوله: "أنا أحذق منك بالبيع والشراء"، فإن الشركة فاسدة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يصح ذلك إذا كان الّذي اشترط زيادة، أحذق في التجارة وأكثر عملًا، ولا يجوز أن يشترط من كان عمله أنقص.
1322 -
مسألة:
شركة الأبدان [عندنا] جائزة في الصنائع، إذا كانت الصنعة واحدة، والعمل في موضع واحد.
وقال أبو حنيفة: تجوز وإن اختلفت صناعتهما، وافترقت مواضعهما.
وجوّزها أحمد وإسحاق في كلّ شيء.
وقال الشّافعيّ: لا تجوز شركة الأبدان على حال.
1323 - مسألة:
شركة الوجوه باطلة [عندنا]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هي جائزة.
وصورتها: أن لا يكون لأحد منهما رأس مال، ويقول كلّ واحد لصاحبه: "اشتركنا على أن ما يشتري كلّ واحد منا على ذمته، فهو شركة بيننا".
مسائل الوكالة
1324 -
مسألة:
تجوز وكالة الحاضر وإن لم يرض خصمه، إذا لم يكن الوكيل عدوًّا للخصم.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد: تجوز وكالته وإن كان الوكيل عدوًّا للخصم، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز وكالة الحاضر، إِلَّا برضى خصمه، إِلَّا أن يكون الموكل مريضًا، أو على سفر ثلاثة أيّام فتجوز.
1325 - مسألة:
إذا أراد إنسان أن يوكل غيره في استيفاء حقوقه؛ فإما أن يوكله بحضرة الحاكم، أو في غير مجلس الحكم، ثمّ يثبت الوكيل وكالته عند الحاكم بالبينة، فإن وكله بحضرة الحاكم فله ذلك، وسواء وكله في استيفاء حقوقه من رجل بعينه، أو من جماعة من النَّاس، وليس حضور الموكل عليه شرطًا في صحة توكيله، وإن وكله في غير مجلس الحكم؛ كان وكيلًا إذا أثبت وكالته بالبينة عند الحاكم، فيدعي على من يطالبه بحقوق الموكل بحضرة الحاكم، وبه قال الشّافعيّ وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: إذا أراد الرَّجل أن يوكل وكيلًا في استيفاء حقوقه عند الحاكم، فإن كان الخصم الّذي وكل عليه واحدًا، فحضوره شرط في
صحة الوكالة، وإن وكله على جماعة في استيفاء حقوق، فحضور واحد منهم شرط صحة الوكالة، وإن وكل رجلًا في غير مجلس الحكم، وأراد الوكيل أن يثبت وكالته عند الحاكم، فإنّه يحضر الخصم ويدعي عليه الحق عند الحاكم، فإن اعترف قيل للوكيل: "تثبت وكالتك فاستوف الحق"، وإن أنكر أُمر الوكيل بإثبات وكالته وتجديد الدعوى.
1326 -
مسألة:
يجوز للوكيل الثابت الوكالة أن يعزل نفسه، بحضرة الموكل وغيبته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس له فسخ الوكالة، إِلَّا بحضور الموكل.
1327 - مسألة:
للموكل أن يعزل الوكيل وإن لم يعلم الوكيل بذلك، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا ينعزل إِلَّا أن يعلم بها.
1328 - مسألة:
إذا نهى الموكل وكيله عن الإقرار عليه، أو أطلق له الوكالة ولم يذكر نهيًا، لم يجز إقرار الوكيل، ولم يقبل على الموكل، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال [78/ ب] العراقيون: إقراره مقبول.
وقال أبو حنيفة: إن أقر عليه في مجلس الحكم، قبل إقراره ولا يقبل إقراره عليه في غيره.
1329 - مسألة: يجوز للأب والوصي أن يشتريا من مال اليتيم لأنفسهما، وأن يبيعا مال أنفسهما بمال اليتيم، إذا لم يحابيا أنفسهما، فإن حابيا اليتيم؛ كشرائهما من ماله ما يساوي مائة بألف، أو مثل: ما يشتري الأجنبي، جاز وإن كنا نكره فعل ذلك، وكذلك إن اشتريا له من مالهما ما يساوي مائة بأقل منها، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي، وكذلك في الوكيل.
وأبو حنيفة يمنع من الوكيل.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز ذلك لواحد منهم، وهو مردود.
1330 -
مسألة:
إذا وكله في البيع مطلقًا ولم يحد ثمنًا، اقتضى ذلك البيع بثمن المثل، نقدًا بنقد البلد، فإن باع بما لا يتغابن النَّاس بمثله، أو نساء، أو بغير نقد البلد لم يلزمه، إِلَّا برضاه، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف ومحمد وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء؟ نقدًا، أو نساء، وبنقد غير البلد، ودون ثمن المثل، وما لا يتغابن بمثله.
وأمّا إذا وكل في شراء عبد، فقد وافق أبو حنيفة، أنّه لا يجوز أن يشتريه بأكثر من ثمن مثله، ولا إلى أجل.
1331 - مسألة:
من كان عليه حق لرجل؛ كان دينًا في ذمته، أو عينًا قائمة في يده كالعارية والوديعة، فجاءه رجل فقال له: "قد وكلني صاحب الحق على قبض ذلك منك"، وصدقه من عليه الحق في الوكالة، وليس له بينة على الوكالة، فهل يجبر من عليه الحق على دفعه للوكيل؟ ولا أعرفها منصوصة.
والصّحيح عندي: أنّه لا يجبر على تسليم ذلك إلى الوكيل، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يجبر على تسليم ما في ذمته.
وأمّا الأعيان القائمة، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّه لا يجبر على تسليمها.
وقال محمَّد: يجبر على تسليم الأعيان كتسليم ما في الذِّمَّة.
مسائل الإقرار
1332 -
مسألة:
الإقرار بالدين في الصِّحَّة والمرض سواء، في المحاصة على قدر حقوقهم، فأمّا إذا كانت التركة تفي الجميع، فلا خلاف أنّهم جميعًا يستوفون ديونهم، وأمّا إذا لم تف التركة بالجميع، فإنهم يتحاصون عندنا وعند الشّافعيّ على قدر ديونهم.
وقال أبو حنيفة: غريم الصِّحَّة مقدم على غريم المرض، فيبدأ باستيفاء دينه، فإن فضل عنه شيء صرف لغريم المرض، وإن لم يفضل شيء فلا شيء له.
وهذا عندنا إذا كان الإقرار لمن لا يتهم فيه، فإن كان ممّن يتهم فيه، كإقراره لزوجته أو لبنيه أو لمن يتهم فيه بدين، فإقراره غير مقبول.
وعند أبي حنيفة: لا يقبل إقراره لوارث أصلًا.
وللشافعي في إقراره في المرض لوارث قولان.
1333 - مسألة: إذا أقر في مرضه لوارث لا يتهم فيه، قبل إقراره؛ مثل: أن تكون له بنت وابن عم، فيقر لابن عمه بدين فيقبل، ولو أقر لابنته لم يقبل؛ لاتهامه في أن يزيدها على حقها وينقص ميراث ابن عمه، [ولا يتهم أن يفضل ابن عمه على ابنته، فقبل إقراره له].
وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقراره لوارث بحال.
واختلف أصحاب [79/ أ] الشّافعيّ، فقال بعضهم: يجيء على قولين، ومنهم من قال: يلزم، قولًا واحدًا.
1334 -
مسألة:
إذا مات رجل وخلف ابنن أو ثلاثة أو أكثر، فأقر أحدهم بأخ آخر وأنكره الباقون، لم يثبت نسبه، ولا عند أبي حنيفة والشّافعيّ.
لكنه عندنا وعند أبي حنيفة يشاركه فيما يزيديه؛ لإقراره أنّه أخ مثله وابن للميت، كما أنّه وابن فيعطيه المقر ممّا يزيده مقدار نصيبه من الميراث بقدر قسطه، ممّا يصير إليه.
وصورة المسألة: رجل مات وخلف ابنين، فأقر أحدهما بثالث، فإن المقر يعطيه ثلث ما بيده، وهو نصيبه من جهته لو أقر الأخ الآخر، أو قامت له بينة.
وقال أبو حنيفة: يعطيه نصف ما بيده.
وقال الشّافعيّ: ليس له شيء من الميراث؛ لأنّ نسبه لم يثبت.
1335 - مسألة:
إذا مات رجل وخلف ولدًا واحدًا فأقر بأخ، لم يثبت نسبه وأعطاه نصف ما بيده، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يثبت نسبه.
1336 - مسألة: إذا قال لرجل: "لك علي مال"، ولم يذكر مبلغه، فليس فيها لمالك نص.
وكان شيخنا أبو بكر يقول له: "سمّ ما شئت ممّا يتمول"، فإن ذكر قيراطًا 1 أو حبَّة قبل ذلك منه، وحلف عليه أنّه لا يستحق أكثر من ذلك، إن لم يصدقه على مبلغه وادعى أكثر، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وروي عن ابن الموّاز أنّه قال: يلزمه مائتا درهم، إن كان من أهل الورق، أو عشرون دينارًا، إن كان من أهل الذهب؛ لأنّه أولى مال تجب فيه الزَّكاة.
ويجيء عندي على مذهب مالك: أن يلزمه ربع دينار، وإن كان من أهل الورق فثلاثة دراهم.
1337 -
مسألة:
إذا قال: "له علي مال عظيم"، اختلف فيه.
فقال أبو حنيفة: يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، أو عشرون دينارًا إن كان من أهل الذهب.
وقال الشّافعيّ: لا فرق بين قوله: "مال"، أو"مال عظيم" أنّه لا يتقدر، ويقال له: "سمّ ما شئت"، [فإن سمّى فلْسًا] 2 أو حبّة، قبل منه].
وليس لمالك فيه نصّ، وكان الأبهري يقول يقول الشّافعيّ.
والذي يقوى في نفسي: قوله أبي حنيفة.
1338 - مسألة: إذا قال: "له علي دراهم كثيرة"، ليس لمالك فيها نصّ ولا لأصحابه، غير محمَّد بن عبد الحكم، قال: يلزمه ما زاد على ثلاثة دراهم كثيرة.
وقد قال: يلزمه سبعة دراهم.
وقال أبو حنيفة: تلزمه عشرة دراهم، إِلَّا أن يقر بأكثر منها، وإن قال: "أقل من عشرة"، لم يقبل منه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه مائتا درهم.
وقال الشّافعيّ: يلزمه ثلاثة دراهم، كما لو قال: "علي دراهم".
قال القاضي: والذي يقوى في نفسي أن القول بثلاثة دراهم ممكن،
وكذلك مائتي درهم؛ لأنّ القولين نهاية في الكثرة بدليل الشّرع؛ لأنّ الثّلاثة مقدرة في القطع والنِّكاح، والمائتين مقدرة في نصاب الزَّكاة.
والذي يقوى في نفسي: قول أبي يوسف ومحمد.
1339 -
مسألة:
إذا أقرّ فقال: "له علي ألف ودرهم"، ولم يسمّ الألف من أي جنس هي، ولم يكن الدرهم الزائد تفسيرًا للألف، بل يكون الدرهم المعطوف على الألف مفسرًا، والألف هو موكول إلى تفسيره فيها وبيانه، فيقال له: "سمّ أي جنس [79/ ب] شئت"، فإن قال: "أردت ألف جوزة"، أو"ألف بيضة"، قبل قوله، وقيل له: "احلف على ذلك"، وإن خالفه المدعي، وقال: "كلها دراهم"، لم يلزمه ذلك بقوله من أجل الدرهم المعطوف.
وكذلك لو قال له: "علي ألف وكر حنطة"، أو"ألف وجوزة"، أو "ألف وبيضة"، أو "ألف وعبد"، أو "ألف وثوب"، لم يكن في جميع هذا العطف تفسيرًا للمعطوف عليه عندنا وعند الشّافعيّ، وسواء كان العطف من جنس ما يكال أو يوزن أو يعد، أو من جنس ما لا يكال ولا يوزن ولا يعد؛ كالثياب والعبيد.
وقال أبو حنيفة: إذا كان العطف من جنس ما يكال أو يوزن أو يعد، فهو تفسير للمعطوف عليه المجمل، فتلزمه الدراهم إذا قال: "ألف
ودرهم"، وفي الجوز: "ألف وجوزة"، والحنطة: "ألف وكُرّ 1 حنطة"، كُرًّا زائد على الألف، وإذا كان معطوفًا من جنس ما لا يكال ولا يوزن ولا يعد، فإنّه لا يكون تفسيرًا للمعطوف عليه، وهو وفاق من الجميع فيما لا يعد ولا يوزن ولا يكال، وخالفنا فيما سوى ذلك.
وقال أبو ثور: يكون العطف تفسيرًا للمعطوف عليه على كلّ حال؛ سواء كان المعطوف ممّا يكال أو يوزن أو يعد أو لا.
1340 -
مسألة:
الاستثناء في الإقرار على ثلاثة أضرب:
- استثناء القليل من الكثير، وهذا ما لا خلاف فيه.
- وكذلك أيضًا استثناء النّصف، وهو ضرب آخر.
- والضرب الثّالث: الكثير من القليل، وهو جائز عندنا وعند الشّافعيّ وأبي حنيفة وغيرهما.
وقال عبد المالك بن الماجشون: لا يجوز.
1341 - مسألة:
الاستثناء من غير الجنس المستثنى منه، يجوز عندنا وعند الشّافعيّ؛ سواء كان الاستثناء ممّا يكال أو يوزن أو يعد.
ووافقنا أبو حنيفة عليه، إذا كان ممّا يكال أو يوزن أو يعد في أنّه يصح؛ مثل أن يقول: "له علي ألف درهم إِلَّا كر حنطة"، أو "إِلَّا عشرين جوزة"، أو "إِلَّا دينارًا".
وخالفنا فيه إذا كانت ممّا لا يكال ولا يوزن ولا يعد، أنّه لا يصح عنده.
وقال محمَّد بن الحسن وزفر: الاستثناء من غير الجنس لا يصح أصلًا؛ سواء كان ممّا يكال أو ممّا يوزن أو ممّا يعد أو لا.
1342 -
مسألة:
إذا قال: "لفلان علي ألف درهم في كيس"، أو "مائة رطل تمر في جراب"، أو "ثوب في منديل"، كان هذا إقرارًا عندنا بالدراهم والتّمر والثوب، دون الأوعية، فإنها للمقر مع يمينه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أهل العراق: الأوعية مع ما أقر به فيها للمقر له.
1343 - مسألة:
إذا أقر فقال: "له علي كذا كذا درهمًا"، قال محمَّد بن عبد الحكم: إنّه يلزمه أحد عشر درهمًا، وإذا قال: "له علي كذا وكذا درهمًا"، لزمه أحد وعشرون درهمًا، وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه.
وقال الشّافعيّ: إذا قال: "له كذا درهمًا"، لزمه درهم واحد، فإن قال أيضًا: "له كذا كذا درهمًا، لزمه درهم واحد أيضًا، وإذا قال: "له كذا وكذا درهمًا"، لزمه درهمان.
وقال المزني في موضع: يلزمه درهم أو أكثر.
واختلف أصحاب الشّافعيّ على طرق ووجوه.
والصّحيح ما ذكر.
1344 - مسألة:
إذا أقر العبد الّذي ليس بمأذون له في التجارة، بإقرار يتعلّق بالعقوبة في بدنه جاز إقراره؛ مثل: قتل العمد، والزنا، والسّرقة، والقذف، وشرب الخّمْرِ، قبل ذلك منه، وأقيم عليه حد ما أقر به، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ [80/ أ].
وقال المزني ومحمد بن الحسن وداود: لا يقبل منه هذا الإقرار، كما لا يقبل في المال وما يتعلّق بالرقبة.
ووافقونا في الزِّنا والردة، أنّه يقبل إقراره فيهما.
1345 -
مسألة:
إذا أقر العبد المأذون له في التجارة بحقوق تتعلّق بالتجارة؛ مثل أن يقول: "داينت فلانًا، فله علي ألف درهم ثمن مبيع"، أو "مائة درهم أرش عيب"، أو "من قرض"، فإنّه يقبل منه كما يقبل في الجنايات الّتي تتعلّق بالعقوبة، وكل ما كان في دين ليس متضمن التجارة، فإنّه يكون في ذمته، ولا يؤخذ من المال الّذي في يديه ولا يؤخذ منه؛ مثل: أن تقوم البينة بإقراره أنّه غصب من فلان شيئًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ من المال الّذي في يديه، كما يؤخذ منه ما يتضمن التجارة.
1346 - مسألة:
إذا أقر يوم السبت بدرهم لشخص، ثمّ أقر يوم الأحد بدرهم، فهو درهم واحد عندنا وعند الشّافعيّ ومحمد وأبي يوسف.
ولا فرق عندنا وعندهم بين المجلس الواحد والمجالس.
وقال أبو حنيفة: إن كان في مجلس واحد، كان إقرارًا بدرهم واحد، وإن كان الإقرار في مجالس، كان إقرارًا مستأنفًا.
1347 - مسألة:
إذا قال: "لزيد علي مائة ثمن مبيع، لم يسلم إلى ومنعني منه"، سئل المقر له، فإن قال: "نعم، المائة الّتي بعته بها شيئًا، لم أسلمه إليه"؛ فإما أن يسلم البائع المبيع ويقبض المائة، أو يسلم إليه المقر المائة ويأخذ المبيع، على خلاف النَّاس فيمن يبدأ بالتسليم، وإن قال المقر له: "هذه المائة لي عندك، وليس لك عندي مبيع، وإنّما هي من شيء آخر أستحقه عليك، وليس لك عندي مبيع"، فإن القول قوله إنّه لم يبعه شيئًا ويحلف، فإذا حلف سقطت المائة الّتي أقر بها المقر، ولم يستحق عليه شيئًا، ومثل ذلك قال الشّافعيّ.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو مقر بالمائة لزيد مدع عليه المبيع،
فالقول قول المقر له وإن أنكر أنّه لم يبعه شيئًا، واستحق المائة.
وقال أبو حنيفة: إن ادعى أن المائة ثمن مبيع معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن هذا العبد، ولم يسلمه إلي"، فإن أقر له بذلك، قلنا لهما: يسلم كلّ واحد منكما للآخر، وإن أنكر المقر له المبيع، حلف أنّه لم يبعه شيئًا وسقطت المائة عن المقر، كقولنا.
وإن ادعى المقر أن المائة ثمن مبيع غير معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن عبد لم يسلمه إلي"، أو "ثمن ثوب منعني منه"، وأنكر ذلك المقر، حلف المقر له ولزمت المقر المائة.
1348 -
مسألة:
لو شهد شاهد لزيد على عمرو بألف، وشهد له شاهد آخر عليه بألفين، فإن أبهما ولم ينسباها إلى جهة صح.
وكذلك إن نسباها إلى جهة جاز؛ مثل أن يقولا: "ثمن عبد"، أو نسبها أحدهما إلى ثمن عبد، ولم ينسبها الآخر إلى شيء، أو نسبها الآخر إلى شيء بخلاف ما نسبها إليه الأوّل، جاز وقبل ذلك وتثبت له ألف بشهادتهما, وله أن يحلف مع الشّاهد الّذي زاد ألفًا أخرى إن اختار ويأخذها، وبه قال الشّافعيّ.
ووافقنا أبو يوسف ومحمد في أنّه يقضى له بألف بشهادتهما.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت له بهذه الشّهادة شيء أصلًا.
وهو أيضًا لا يقول بالشّاهد واليمين.
مسائل العارية والوديعة
1349 -
مسألة:
إذا ثبت هلاك العارية لم يضمنها المستعير؛ سواء كان حيوانًا أو حليًا أو ثيابًا، ممّا يظهر أو يخفى، إِلَّا أن يتعدى فيها.
هذه أظهر الروايات عن مالك.
وروى عنه ابن عبد الحكم وأشهب: فيما يخفى هلاكه ممّا يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، أنّه مضمون وإن ثبت هلاكه.
وليس العمل على هذا بل على الرِّواية الأولى: أنّه لا يقبل قول المستعير في هلاك ما يغاب عليه؛ مثل: الحلي والثياب والسلاح، إِلَّا أن تقوم له بينة، ويقبل قوله فيما لا يغاب عليه؛ مثل: الحيوان والدكاكين والدور، هذا فيما يظهر هلاكه وتلفه للناس.
وقالت طائفة: إنها أمانة من كلّ وجه، ولا يضمن بالتلف، إِلَّا أن يتعدى المستعير، ويقبل قوله في تلفها، ذهب إليه الحسن البصري والنخعي والأوزاعي والثوري [80/ ب] وأبو حنيفة وأصحابه.
وذهب الشّافعيّ: إلى أنّها مضمونة على المستعير على كلّ وجه؛ سواء ثبت هلاكها أو ادعاه، كما لو تعدى فأتلفها, لا فرق عنده بين ما يغاب عليه أو لا يغاب عليه، وبه قال عطاء وأحمد بن حنبل.
وذهب قتادة والحسن وعبيد الله بن الحسن: إلى أنّه إذا اشترط المعير
على المستعير الضمان، صارت مضمونة عليه بالشرط، وإن لم يشترط الضمان عليه لم يضمن.
وبه قال أشهب فيما لا يغاب عليه، وقال فيما يغاب عليه: إنّه مضمون وإن قامت بينة على هلاكه، على الرِّواية الأخرى عن مالك، الّتي رواها هو وابن عبد الحكم عنه، ويقول في هذه: إن المستعير إن شرط أن لا ضمان عليه نفعه ذلك، ولم يكن عليه ضمان.
1350 -
مسألة:
إذا أعاره بقعة ليبني فيها أو يغرس، فبالقول والقبول يلزمه ذلك، وليس له في ذلك رجوع وإن لم يوقت له مدة، وكان للمستعير مدةٌ ينتفع في مثلها بمثل ما استعارها له، ثمّ للمعير عند تمام ذلك أن يطالبه برد أرضه عليه.
فإن كان قد غرس أو بنى، فللمعير أن يعطيه قيمة غرسه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا كان ينتفع بما يقلعه، وإن لم ينتفع بما يقعله لم يكن له ذلك؛ مثل: حك التزاويق، أو قلع تراب قد ردم.
[وإن كان له مدة فليس له أن يرجع قبل انقضائها، ثمّ ينظر؛ فإن كان المستعير قد بنى وغرس فيها، فسواء اشترط عليه قلع ذلك أو لم يشترطه، فإن الخيار للمعير في دفع قيمة ذلك إليه مقلوعًا، أو يأمره بالقلع إذا انتفع، لما ضرّ به] حفرا أو ما أشبه ذلك.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: للمعير أن يرجع في العارية، ما لم يحدث فيها من أعيرت له حدثا، فإن أحدث فيه ابناء أو غرسًا، فقال أبو حنيفة: إن لم يكن وقت لها وقتا، فله أن يجبره على قلع ذلك؛ سواء مضت له مدة، له فيها انتفاع بذلك أو لا، وإن كان وقت لها مدة، فليس له أن يجبره على قلعه قبل انقضائها، وعليه قيمة البناء والغرس للمستعير.
وقال الشّافعيّ: إن كان شرط عليه القلع، فلا فرق بين أن يوقت له مدة أو لا يوقت، فإن له أن يجبره على قلعه أي وقت اختار، وإن أطلق
ذلك ولم يشترط عليه القلع، فليس له أن يطالبه بقلعه أبدًا، فإن اختار المستعير قلعه فله، وإلا لم يجبر عليه.
1351 -
مسألة:
إذا استودع دراهم أو دنانير، أو شيئًا ممّا إذا أتلفه لزمه مثله، ثمّ استنفق ذلك كله وأتلفه، ثمّ رد مثله إلى مكانه من الوديعة، ثمّ تلف ذلك بغير صنع، فلا ضمان عليه؛ سواء رده بعيبه بعد أن أخرجه أو لا.
وقال أبو حنيفة: إن رده بعينه بعد أن أخرجه لينفقه، لم يضمن تلفه بعد ذلك، وإن رد مثله لم يسقط عنه الضمان.
وقال الشّافعيّ: هو ضامن على كلّ حال، بنفس إخراجه منها لتعديه، ولا يسقط عنه الضمان؛ سواء رده بعينه إلى حرزه، أو رد مثله.
[وكذلك] عند مالك [لو خلط] دراهم الوديعة، أو الدنانير أو الحنطة بمثلها حتّى لا تتميز، لم يكن عنده ضامنا للتلف.
وعند أبي حنيفة [والشّافعيّ]: هو ضامن؛ سواء بقي ذلك مختلطًا أو تلف.
1352 - مسألة:
إذا قبضت الوديعة ببينة لم يبرأ قابضها إِلَّا ببينة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يقبل قوله.
1353 - مسألة:
إذا كانت الوديعة مثل الثِّياب والدواب وغيرها، فتعدى باستعمالها ثمّ ردها، فصاحبها المودع بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، وبين أن يأخذ منه كرائها, ولم يذكر أي شيء حكمها إن تلفت بعد ردها إلى موضع الوديعة [81/أ].
لكنه يجيء على قوله: إنّه إذا أخذ منه الكراء، كانت من ضمان المودع بعد وقت أخذ الكراء، وإن أخذ منه القيمة صارت من ضمان
المودع، ولم يقل في الثّوب كيف يعمل إذا لبسه ولم يبله، ثمّ رده إلى حرزه ثمّ تلف، وكذلك غيره من الثِّياب.
والذي يقوى في نفسي: أنّه إذا كان الشيء ممّا لا يوزن ولا يكال؛ مثل: الثِّياب والدواب وغير ذلك، ممّا إذا أتلفه كان عليه قيمته لا مثله؛ فإنّه يكون متعديًا باستعماله خارجًا عن الأمانة، فبرده إلى موضعه لا يسقط عنه الضمان بوجه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا تعدى ورده بعينه، ثمّ تلف لم يلزمه ضمان.
مسائل الغصب
1354 -
مسألة:
من جنى على شيء لغيره، فأتلف عليه غرضه المقصود من ذلك الشيء، فقد لزمه قيمة ذلك لصاحبه، ويأخذ هو ذلك الشيء الّذي وقع التعدي فيه، ولا فرق في ذلك بين مركوب وغيره، ولا فرق بين أن يقطع ذنب بغلة القاضي أو أذنها، أو يزمنها حتّى تعرج ولا تبرأ من العرج، ولا فرق فيه بين بغلة القاضي والشّاهد والكاتب، وكل من يعلم أن مثله لا يركب مثل ذلك إذا جنى عليه؛ سواء كان حمارًا أو فرسًا أو بغلًا، ولا فرق أيضًا بين المركوب الّذي له، و [بين] القلنسوة والطيلسان والعمامة.
وكذلك [في] نظر القاضي ممّا يعلم أن مثله لا يلبس ذلك المجني عليه، ولا يستعمله فيما قصده له، وهذه هي الرِّواية المشهورة عن مالك.
وقد روي عنه: أن على الجاني قيمة ما نقص، ولا فرق على هذه الرِّواية بين الحيوان والعروض في كلّ شيء، ممّا يضمن بتلفه القيمة فيه.
وقال أبو حنيفة: إن جنى إنسان على ثوب لرجل، حتّى أذهب أكثر منافعه، فله أن يلزمه قيمته ويسلمه إليه، فإن أذهب ما هو نصف القيمة أو دون ذلك، فله عليه أرش ما نقص.
ففرق بين نصف القيمة أو أقل، وذهاب ما زاد على النّصف.
وأمّا الحيوان الّذي ينتفع بلحمه وظهره؛ مثل: البعير والدابة، فإنّه إذا
قلع أحد عينيه، لزمه ربع قيمته لمن كان من النَّاس قاض كان أو غيره.
وقال في غير هذا الجنس: ما نقص من قيمته.
وقال الشّافعيّ: في جميع ذلك ما نقص من قيمته.
وقال في الثّوب إذا خرقه خرقًا صار به لا قيمة له، إِلَّا الشيء اليسير من القيمة: إن صاحبه بالخيار بين تسليمه للجاني ويأخذ قيمته، وبين أن يتمسك بالخرق ولا شيء له.
1355 -
مسألة:
ومن غصب شيئًا ثمّ جنى عليه جناية، أخرجه بالخيار بين أخذه مع أرش نقصه، أو إسلامه إلى الغاصب وإلزامه قيمته يوم غصبه.
وقال سحنون: ليس له إِلَّا أخذه بلا أرش، أو إسلامه بالقيمة، وبه قال ابن الموّاز.
وإنّما يكون له الأرش في الجناية، إذا جنى عليه ابتداء بغير غصب، وفيه خلاف بين أصحاب مالك، وينبغي أن يفصّل:
فإن أبطل الغرض الّذي قصد به ملكه، فهو كالقطع لذنب مركوب الرئيس، وإن كان على غير ذلك، ففيه ما نقص.
وقال الشّافعيّ: لصحابه أرش ما نقص منه.
1356 - مسألة:
إذا غصب منه دابة فضاعت، فدفع قيمتها ثمّ وجدت، لم ترد على صاحبها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: ترد.
1357 - مسألة: من جنى على عبد غيره فقطع يديه أو رجليه، نظر فيه: فإن أبطل غرض سيده منه، فله أن يسلمه إلى الجاني، ويعتقه على
الجاني إن كان فعل ذلك عمدًا ويأخذ قيمته، أو يمسكه ولا شيء.
وقد روي [81/ ب] عن مالك أيضًا: أن له ما نقص إن اختار إمساكه.
وهذا يقوله في غير العبد.
فأمّا في العبد إذا أبطل أكثر منافعه متعمدًا، سلمه بقيمته وعتق على الجاني، وإن كان خطأ، فعلى ما فصلنا قبل.
وفي رواية أخرى: أنّه ليس له إِلَّا ما نقص ويمسكه، وبها قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: له أن يسلمه ويأخذ قيمته، أو يمسكه ولا شيء له، وهو موافق لما حكيناه عن مالك.
وقال الشّافعيّ: له أن يتمسك به، ويأخذ جميع قيمته من الجاني.
1358 -
مسألة:
من مثل بعبده عتق عليه.
والمُثْلَة: أن يقطع أنفه أو يده، أو يقلع سنه أو عينه، وما أشبه ذلك.
واختلف قوله هل يعتق بنفس الجناية، أو بحكم الحاكم؟
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يعتق عليه بالمثلة.
1359 - مسألة:
من غصب جارية فزادت عنده؛ بسمن أو تعليم صناعة أو غير ذلك، فغلت قيمتها ثمّ نقصت؛ بهزال أو نسيان الصناعة، فنقصت عن الزيادة قيمتها، ورجعت إلى ما كانت عليه أو أقل في القيمة؛ كان لسيدها أخذها بلا أرش ولا زيادة عليها، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: له أخذها وأرش ما نقص من الزيادة، الّتي كانت حدثت عند الغاصب.
وجعل الزيادة عند الغاصب مضمونة.
1360 -
مسألة:
ولد المغصوبة إذا حدث بعد الغصب، غير مضمون على الغاصب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: هو مضمون على الغاصب على كلّ وجه.
بناء على أصله الّذي مضى ذكره.
1361 - مسألة:
إذا غصب دارًا أو عبدًا [أو ثوبًا] فبقي يزيده، لم ينتفع به في سكنى أو كراء أو استخدام أو لبس، إلى أن أخذه ربه من الغاصب، فلا أجرة عليه في المدة الّتي بقي ذلك يزيده لم ينتفع به، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: عليه أجرة المدة الّتي أقام في يده أجرة المثل.
1362 - مسألة:
إذا سكن الغاصب في دار غصبها، أو أجرها وأخذ عنها أجرة، فالظاهر من قول مالك: أن عليه أجرة ما سكن، ورد الأجرة والغلة الّتي أخذها.
وكان أبو بكر الأبهري - رحمه الله - يحكي لنا: أن هناك رواية أن الغلة للغاصب بالضمان، فأمّا العبد والحيوان، فالظاهر من قوله: أن ما ركب منه أو استخدم أو أكري وقبض كراءه، ليس لرب هذه الأشياء أخذه بغلة ولا كراء، وإنّما له عين شيئه، ما لم يتغير يزيد الغاصب.
وقال أبو الفرج المالكي عن مالك: إن ما ركب أو سكن فلا شيء عليه، وإن أكري وقبض غلة، غرمها وأمسك منها ما أنفق على ذلك.
وروى أشهب: أن رب الدابة أو العبد، يرجع بالكراء والغلة على الغاصب، ويقاصه بما أنفق على ذلك، كما ذكره أبو الفرج، وزيادة أخذ الكراء بما ركب واستخدم.
وقال أبو حنيفة: لا يغرم الغاصب شيئًا؛ رباعًا كان ذلك أو حيوانًا؛ لأنّ الخراج له في جميع ذلك بالضمان.
وقال الشّافعيّ: إنّه يغرم جميع ذلك للمالك، وليس له في جميعه شيء وهو ضامن له.
1363 -
مسألة:
العقار مضمون بالغصب، وكذلك النخل والأشجار، فمن غصب أرضًا فتلفت في يده بسيل أو حريق أو غيره، لزمه قيمتها يوم غصبها، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: كلّ ما لا يصلح نقله؛ كالعقار والضياع، فإنّه لا يكون مضمونًا بإخراجه عن يد مالكه، إِلَّا أن يجني الغاصب عليه فيتلفه أو شيئًا منه، فيضمنه بجنايته.
1364 - مسألة:
من غصب حديدًا أو صفرًا أو رصاصًا، واتخذ منه آنية أو سيوفًا، أو [82/أ] غصب فضة فصاغها حليًا أو ضربها دراهم، فإنّما عليه في جميع ذلك مثل ما غصب في صفته وزنته، وكذلك لو غصب ساجة فشقها وعملها أبوابًا، أو ترابًا فعمله بلاطًا، وكذلك في السّرقة إنّما عليه قيمة ذلك يوم الغصب.
واختلف قوله في الحنطة إذا طحنها دقيقًا، بل لو خبزها, لكان عليه مثلها، وأبو حنيفة يوافقنا في هذه المسائل، إِلَّا في الفضة إذا صاغها.
وقال الشّافعيّ: يردّ جميع ذلك على من غصب منه، وإن وقع نقص، رد الغاصب ما نقصه.
1365 - مسألة: من غصب لوحًا فأدخله في بناية، أو ساجة فبنى عليها، فإنّه يكلف قلع ذلك اللوح والساجة، ورده على صاحبه؛ سواء كانت الساجة غليظة أو
رقيقة، كان البناء عليها أو على جنبها أو متصلًا بها, ولا يمكن قلعها إِلَّا بنقضه نقض، وبه قال الشّافعيّ.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في هذه المسائل، فقال الكرخي عن أبي حنيفة: إن كان البناء عليها، كلف الغاصب قلعها ونقض البناء؛ لأنّ البناء على الساجة وضع في غير حقه، وإن كان متصلًا بها لا يمكن نزعها، إِلَّا بنقض البناء المتصل بها، أو على جنبها, لم يكلف نقض ذلك ولا إخراجها؛ لأنّ البناء قد وضع في حقه.
وحكى الرازي عن محمَّد: أنّه إذا لحقه ضرر في قلع الساجة، على أي وجه كان، لم يكلف قلعها؛ كان البناء فوقها أو متصلًا بها.
وهو أشبه بأصول أبي حنيفة؛ لأنّ من مذهبه: أن الغاصب لو غصب فسيلًا صغيرًا، أو غرسه في أرضه ونبت، لم يكلف قلعه للضرر في ذلك، فالساجة مثله.
وعندنا وعند الشّافعيّ: يكلف قلع النخل.
قال سحنون: إذا علم أنّه ينبت إذا حول قلع، وإلا كان للغاصب بقيمته مقلوعًا.
1366 -
مسألة:
من فتح قفصًا فيه طائر بغير إذن ربه، فطار ولم يقدر عليه، فإن الفاتح ضامن له.
وكذلك لو حل دابة من قيدها فهربت، أو عبدًا مقيدا لأجل الهرب، فهرب فعليه قيمته؛ سواء طار الطائر، وهربت الدابة عقيب الفتح والحل، أو بعد ساعة.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه على كلّ وجه.
وقال الشّافعيّ: إن طار الطائر، أو هربت الدابة عقيب الفتح والحل، فقولان: أحدهما: يضمن، والآخر: لا.
وإن كان بعد الفتح والحل بساعة، فلا ضمان في ذلك.
1367 -
مسألة:
إذا تعذر على الغاصب تسليم المغصوب، مثل: أن يغصب عبدًا فيأبق، أو دابة فتهرب، أو شيئًا فيسرق، أو يضيع منه، فيغرم قيمة ذلك، فإن القيمة تفسير ملكًا للمغصوب منه، ويصير المغصوب ملكًا للغاصب، حتّى لو وجد المغصوب، لم يكن له رد وأخذ القيمة، ولا للمغصوب منه أن يردّ القيمة ويأخذه إِلَّا بتراضيهما، وبه قال أبو حنيفة.
إِلَّا أنّه قال: لو ادعى من غصب منه أن قيمته مائة، وقال الغاصب: خمسون، وحلف وغرم خمسين، ثمّ وجد المغصوب وقيمته مائة كما ذكر، فإن له أن يرجع بالفضل فيأخذه من الغاصب.
ونحن لا نقول به.
[وعندنا يرجع المغصوب بفضل القيمة، فيأخذها من الغاصب، وليس له أخذ المغصوب إِلَّا برضاهما].
وقال الشّافعيّ: إن المغصوب على ملك المغصوب منه، ويرد القيمة ويأخذ متاعه؛ شاء الغاصب أو أبى، وأمّا إن كتم الغاصب المغصوب، وادعى هلاكه حتّى أخذت منه قيمته، ثمّ ظهر بعد ذلك عنده، فإن للمغصوب منه أخذه، شاء الغاصب أو أبى ويرد القيمة.
1368 - مسألة:
إذا أراق مسلم خمر ذمي، أو أتلفها عليه [82/ب] ضمن قيمتها له، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا ضمان عليه، وكذلك إن أتلف عليه خنزيرًا.
مسائل الشُّفعة
1369 -
مسألة:
لا شفعة إِلَّا لشريك مخالط، ولا شفعة للجار، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول عمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، ثمّ سعيد بن المسيَّب وأبي سلمة ابن عبد الرّحمن وربيعة والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة: إلى ثبوتها للجار، وبه قال سفيان، وقيل: إنّه مذهب ابن مسعود رضي الله عنه.
1370 - مسألة:
إذا باع الشريك نصيبه من أجنبي، وشريكه حاضر يعلم ببيعه، فله الشُّفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته، إِلَّا بمضي مدة يعلم في مثلها أنّه تارك للشفعة، فروي عن مالك: سنة، وروي: خمس سنين، أو أن يرفعه المشتري إلى الحاكم فيوقفه، فإما أخذ وإما ترك، غير أن مطالبته بالشُّفعَةِ ليس على الفور.
وذكر هشام 1 عن محمَّد بن الحسن: أنّها على خيار المجلس، إذا
بلغه البيع وهو في المجلس، فإنّه شهد على الطلب، ويكون على مطالبته أبدًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فحكى المزني في المختصر، ونقله من الأم: أن حق الشُّفعَةِ على الفور، فمتى أخر المطالبة بها بعد العلم وإمكان المطالبة، سقطت الشُّفعَةِ؛ مثل خيار الرَّدِّ بالعيب، وهو كقول أبي حنيفة.
وقال في السُّنن: إن حق المطالبة ثابت ثلاثة أيّام، فإن لم يطالب حتّى مضت ثلاثة أيّام من وقت علمه بالبيع، سقطت شفعته، وهذا مذهب الثّوريّ.
وقال في القديم: فيها قولان: [أحدهما] أن حق المطالبة ثابت أبدًا لا يسقط، إِلَّا بالتصريح بالإسقاط.
والثّاني: أنّه ثابت ما لم يصرح بالترك، أو ما يدلُّ عليه من قوله: كقوله للمشتري: "بعني هذا الشَّقص، أو هبه لي"، وللمشتري أن يقدمه إلى الحاكم، فيلزمه الحاكم إسقاط الشُّفعَةِ، أو أخذها مثل قولنا، غير أنا نزيد: أنّه إن ترك وطالت المدة، حتّى يعلم أن مثله تارك فيها للشفعة، سقطت شفعته.
فللشافعي في المسألة أربعة أقوال:
أضعفها: أن يكون حق المطالبة على التراخي.
1371 -
مسألة:
اختلف عن مالك - رحمه الله - في الشُّفعَةِ في الثمار، إذا كانت على النخل إذا باع أحد الشريكين حصته منها، فقال: فيها الشُّفعَةِ للشريك.
وفي رواية أخرى قال: لا شفعة له، وقال: هذا رأي رأيته وأستحسن أن تكون فيها الشُّفعَةِ، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا شفعة له في ذلك.
1372 -
مسألة:
من اشترى شقصًا بثمن في ذمته إلى أجل، فللشفيع أخذه بذلك الثّمن إلى الأجل، إن كان مليئًا ثقة، وإلا أن بمليء ثقة يضمن الثّمن إلى ذلك الأجل، وبه قال الشّافعيّ في القديم.
وقال أبو حنيفة: للشفيع أن يعجل الثّمن ويأخذ الشَّقص، أو ينتظر حلول الأجل فيؤدِّي الثّمن ويأخذ بالشُّفعَةِ، وبه قال الشّافعيّ في الجديد، وليس له أن يأخذ بالثّمن مؤجلًا.
وحكى ابن سريج عن الشّافعيّ أنّه قال في كتاب الشروط: إن الشفيع يأخذ الشَّقص في الحال، بسلعة تكون قيمتها لو بيعت إلى عند حلول الأجل قدر الثّمن؛ ليصل الشفيع إلى حقه، ويتصرف المشتري إلى وقت الأجل فيما يجري له مجرى الشَّقص.
1373 - مسألة:
لو ورث رجلان دارًا، فمات أحدهما وله ابنان، فورثا نصف الدَّار عن أبيهما، فباع أحدهما حصته، فتنازع أخوه وعمه في الشُّفعَةِ، فاختلفت الراوية عن مالك، فقال: الأخ أولى بما باعه أخوه من عمه.
وكذلك يقول إذا ورثه جماعة منهم إخوة لأمه والباقون عصبة، أو ورثه زوجات وإخوة لأم، فأهل كلّ سهم أولى بما باعه أحدهم ممّن لا يدخل معهم في سهمهم.
وهذا استحسان.
وقال أيضًا: كلّ من له [83/أ] ملك في ذلك الشيء، فله الأخذ بالشُّفعَةِ بحقه فيما باعه بعض الشركاء.
وهذا هو القياس.
واختلف قول الشّافعيّ، كما اختلف عن مالك.
وقال أبو حنيفة: كلهم فيه سواء، يأخذون بالشُّفعَةِ على قدر استحقاقهم.
كإحدى الروايتين لنا، وهو القياس.
1374 -
مسألة:
الشُّفعة تجب على قدر الأنصباء، فيأخذ كلّ واحد من الشركاء من المبيع بقدر ملكه فيه؛ إذا باع صاحب الثلث وله شريكان لأحدهما النّصف وللآخر السدس، فإن الثلث يقسم بينهما على أربعة أسهم؛ لصاحب النّصف ثلاثة أرباع، ولصاحب السدس الربع.
فإن أردت ألَّا يقسط بينهما منكسرًا، فأقل ماله؛ نصف صحيح، وثلث صحيح، وسدس صحيح، ستة أسهم، ثلاثة سهام، فإذا قسمت على أربعة، ولصاحب السدس الربع كان منكسرًا، ولكن خذ اثني عشر، يكون لصاحب النّصف ستة، ولصاحب الثلث أربعة، ولصاحب السدس سهمان.
فإذا باع صاحب الثلث سهمه، فقد باع أربعة أسهم، لصاحب النّصف ثلاثة، ولصاحب السدس سهم، فيكون لصاحب النّصف تسعة أسهم من اثني عشر سهمًا بالملك القديم ستة، وبالشُّفعَةِ ثلاثة، ولصاحب السدس ثلاثة من اثني عشر بالملك القديم سهمان، وسهم بالشُّفعة، وإلى هذا ذهب الحسن البصري وابن سيرين وعطاء، والشّافعيّ في أحد قوليه، وهو القديم.
وقال في الجديد مرّة هو وأبو حنيفة: إن الشُّفعَة تستحق على عدد الرؤوس، فإذا كانت دار لثلاثة أنفس لأحدهم النّصف، والآخر الثلث والآخر السدس، فباع صاحب الثلث حصته، فإن المبيع يقسم على صاحب النّصف والسدس بالسوية، فيأخذ كلّ واحد منهما نصف المبيع بالشُّفعَةِ، وبه قال الشّعبيّ والنخعي والثوري، وهو اختيار المزني.
1375 - مسألة:
حق الشُّفعَةِ [عندنا] موروث لا يبطله الموت، إذا وجب له ومات قبل علمه، أو علم ومات قبل التمكن من الأخذ، فإنّه ينتقل إلى ورثته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: الشُّفعَةِ تبطل بالموت، ولا تورث بعده.