المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- عُيُونُ المَسَائِل
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
- الناشر
- دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب المالكي
- عَلَم: القاضي عبد الوهاب
- الكتاب: عُيُونُ المَسَائِل
- المؤلف: أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)دراسة وتحقيق: علي محمَّد إبراهيم بورويبة
- الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
- الطبعة: الأولى، 1430 هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء: 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عُيُوْنُ المَسَائِل لِلإِمَامِ القَاضِي أَبِي محمَّد عَبْد الوَهَّاب بْنِ عَلي بْنِ نَصْر البَغْدَادِيِّ المَالِكِيِّ المُتَوَفَّى سنة 422 هـ
وَهُوَ اخْتِصَارٌ لِكِتَابِ "عُيُون الأَدِلَّة في مَسَائِل الخِلاف بَيْنَ فُقَهَاء الأُمَّةِ" لِلقَاضِي أَبي الحَسَنْ بْنِ القَصَّارِ البَغْدَادِيِّ المُتَوَفَّى سنة 398 هـ
دِرَاسَة وَتَحقِيق علي محمَّد إبراهيم بورويبتة
دار ابن حزم
جمَيعُ الحُقوُق محَفُوظَة الطّبُعة الأولى 1430هـ - 2099 م
5 - 754 - 81 - 9953 - 978 ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هاتف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد الكتروني: ibnhazim@cybria.net.lb
عُيُوْنُ المَسَائِل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
المقدِّمَة
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه على نعمه الوافرة، وأشكره على ما اختصنا به من الشريعة الفاضلة، المتضمّنة سعادة الدنيا والآخرة.
وأصلّي وأسلّم على سيد الأنبياء وإمام الأتقياء، ومعلّم النّاس الخير، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وصحبه النجوم المجتهدين، ومن اهتدى بهديهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنّ مذهب الإِمام مالك بن أنس - رحمه الله - من أكثر المذاهب الفقهية ثراءً وتنوّعًا، فقد تعدّدت مدارسه، وتنوعت خصائص كلٍّ منها، ضمن الإطار العام للمذهب؛ فتفنّنت في طردتى التدريس والتعليم، وأنواع التأليف والتصنيف، وهذا ما يتناسب مع مواهب مؤسّسه الأوّل إمام دار الهجرة؛ فهو مفتي أهل المدينة، وفقيه أهل الأثر، ومحدّث أهل السنّة.
وأشهر هذه المدارس: مدرسة المدينة المنوّرة، ومدرسة مصر، ومدرسة العراق، ومدرسة المغرب (القيروان وفاس والأندلس).
وقد شكّلت هذه المدارس بدورها، طريقتين متمايزتين في التأليف
وهما: الطريقة المغربية (وتضمّ مصر والمغرب)، والطريقة العراقية.
أ - فأمّا الطريقة المغربية: فقد عُنيت منذ بداياتها الأولى بتحقيق آراء مالك وأصحابه، وتنقيحها واختصارها وتجريدها، ويرجع ذلك - والله أعلم - إلى الدخول المبكّر للطبقة الأولى من تلامذة مالك الفقهاء، من أمثال: عثمان بن الحكم (163هـ)، وعبد الرّحمن بن خالد (163هـ) وهما أوّل من قدم بمسائل مالك إلى مصر، وعبد الله بن فروخ (176 هـ) بالقيروان، وزياد بن عبد الرّحمن (193 هـ) بالأندلس وغيرهم؛ وانتشار المذهب وهيمنته على تلك الربوع، مع قلّة المنافسين له.
ولهذا تركّز التأليف الفقهي عندهم على غرضين رئيسين هما:
1 - كتب السماعات عن مالك وتلاميذه والمدوّنات والفتاوى؛ مجرّدة عن الاستدلال والتعليل.
2 - كتب المختصرات لتلك السماعات والمدوّنات، ومختصرات فقهيّة أخرى هي بمثابة الزّبدة المعتمدة في الإفتاء والقضاء.
ب - وأمّا الطريقة العراقية: فقد اهتمّت بالبسط والتّفصيل والتّدليل والتّعليل، ويرجع ذلك - والله أعلم - إلى نوعيّة ناقلي المذهب هناك، فمعظمهم من المحدّثين الذين تلقّوا الموطَّأ عن مالك؛ كسليمان بن بلال (176 هـ) وعبد الله بن مسلمة القعنبيّ (221 هـ). وأمّا فقهاؤهم من الطّبقة الثّانية الذين لم يلقوا مالكًا، كأحمد بن المعذّل (قبل 240 هـ) فقد تتلمذوا على تلامذة الإمام المدنيّين، الذين ورثوا إمامة الحديث مع الفقه كعبد الملك بن الماجشون (212 هـ).
ومن الناحية الجغرافية؛ فإن العراق - فرّج الله عن أهله - كان عاصمة الخلافة، ومنبت المذهب الحنفي، وعرين مدرسة الرأي، يعجّ بمختلف المذاهب الفقهية والعقدية، مشحونًا بالتنافس فيما بينها، لا مكان فيه إلّا للحجّة والبرهان، وقوّة الاستدلال وفنون المناظرة.
ولهذا تنوّعت أغراض التأليف عندهم، وتوشعت إلى العلوم الّتي تخدم
الفقه وتقويه وتمكنه، فأثمرت بذلك ألوانًا جديدة، منها:
1 - كتب أحكام القرآن.
2 - كتب شرح السماعات والمدونات والمختصرات بالتفصيل والتفريع والتعليل والتدليل.
3 - كتب في معرفة الخلاف.
4 - كتب في فقه الخلاف العالي.
5 - كتب في نصرة المذهب والرد على مخالفيه.
6 - كتب في مناقب إمام المذهب، وأهل المدينة.
- ويجدر التنبيه إلى أن هذا التوصيف أغلبي في معظمه، وليس عامًّا لكلّ مؤلّفات تلك المدارس، فقد نجد من كِلا الطريقتين من يحذو حذو الأخرى، وأمثِّل في هذا المقام بمثالين لكلٍّ منهما:
1 - الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البرّ الأندلسي (463 هـ) في كتابه: "الاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطَّأ من المعاني والآثار ... "، كما هو واضح من العنوان والحجم (30 مجلدًا).
2 - الإمام أبو عبد الله محمَّد بن علي المازَري (التونسي) (536 هـ) في كتابه: "شرح التلقين"؛ إذ اعتنى فيه بالتدليل والتعليل وذِكر خلاف المذاهب الأخرى، وقد شرحه بطريقة مبتكرة، ليس للمالكية كتاب مثله.
3 - أبو القاسم عبيد الله بن الجلّاب البصري (378 هـ) في كتابه: "التفريع"، وهو مختصر فقهي مجرّد عن الدّليل والتعلّيل، وهو أحد الكتب الّتي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا.
4 - القاضي عبد الوهّاب بن نصر البغدادي (422 هـ) في كتابه: "التلقين"، وهو من أخصر المختصرات الفقهية، مجرّد عن ذكر الدّليل وأوجه التّعليل، وهو كذلك أحد الكتب الّتي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا.
وبهذا تكون المدرسة العراقية قد أَثرَت المذهب المالكي، ومنحته أبعادًا جديدة، وجبرت نقائص مدارسه الأخرى.
غير أن أمدها لم يدم طويلًا، فبموت شيوخ المذهب وكبرائه، وخروج القاضي عبد الوهّاب إلى مصر بدأ أفولها، ولم يكد ينقضي القرن الخامس، حتّى انتهت كليًا، وقد كان آخرهم وفاة الإمام أبو يعلى أحمد بن محمَّد العبدي البصري (489هـ) 1.
وللأسف، فإن ذخائر مالكية العراق قد ضلّت طريقها إلينا، من جملة ما ضلّ من إرث هذه الأمّة العزيز، أو ما تزال حبيسة المكتبات والزوايا.
ومع تراجع مستوى الاجتهاد الفقهي وانحساره، إلى جانب تزايد التعصّب المذهبي، واكتفاء المفتين بالرّجوع إلى ما عليه العمل عند المتأخرين، واستهجان رأي المخالف، ووصفه بأشنع أوصاف التّضليل والتّفسيق والتّبديع، بات من الواجب على الأحفاد - صونًا لأمانة الأجداد، وإحياءً للنماذج الفقهية واسعة الأُفُقِ، المتحلّية مع المخالف بزينة الحلم والرّفق -، البحثُ عن هذه الدّفائن، وخدمتُها حقّ الخدمة، وإخراجُها إلى عموم الطّلبة والعلّماء.
وقد شهدت السّاحة العلّميّة في الآونة الأخيرة - بحمد الله-، إنقاذ كثير من هذا الكنز الضّمار، فطُبعت جملة وافرة من مؤلفات القاضي عبد الوهّاب، وقِطع نادرة لأمثال: إسماعيل القاضي (قطعة من أحكام القرآن)، وأبي بكر الأبهري "شرح كتاب الجامع من مختصر ابن عبد الحكم)، وابن الجلّاب (التفريع)، وابن القصّار (المقدِّمة الأصولية، وقطعتين من عيون الأدلّة) ... ولا تزال الهمم طموحة لإنقاذ الكمّ الأكبر المتبقّي من تركة هذه المدرسة العتيقة.
ومحاولة منّي للمشاركة في هذا المسعى العلّمي النّبيل، فإنّي أقدّم
لإخواني القراء، كتاب "عيون المسائل" للقاضي عبد الوهّاب البغدادي، الّذي اختصر فيه كتاب "عيون الأدلّة" لشيخه القاضي أبي الحسن بن القصّار، وهو كتاب نفيس، من أقدم ما وصلنا في فنّه، وهو شاهد على اتّساع الباع وسعة البال.
وقد كان الرّجاء متّجهًا إلى خدمة كتاب الأصل "عيون الأدلة"، لكن حال دون ذلك تعذّر إيجاد هذا السَّفر الضخم كاملًا، إذ لم تورد الفهارس إِلَّا أجزاء يسيرة منه، أفاد منها الأستاذ محمَّد الحسين السليماني (الجزائري) في إخراج المقدِّمة الأصولية، وكذا الدكتور عبد الرّحمن الأطرم في تحقيقه للجزء الثّاني منه (كتاب الصّلاة)، وأخيرًا الدّكتور عبد الحميد السعودي في الجزء الأوّل منه (كتاب، الطّهارة).
وإذا كان قد تعذّر عليّ تحصيل الأصل، فلم يفتني إدراك المختصر، مع ضرورة التّنبّه إلى أن غرض الكتابين مختلف؛ فقد بيّن ذلك كلّ واحد منهما، فالأصل في فقه الخلاف العالي (المقارن)، وأمّا المختصر ففي معرفة الخلاف العالي.
- ويكمن الفرق بينهما في أنّ الأوّل يخوض في أسباب الاختلاف، وأدلة المسائل وطرق الاحتجاج بها ومناقشتها، والتّرجيح فيما بينها.
ومن ثمّ فهو خير معين على معرفة طرق الاستدلال وما يردّ عليه، ممّا يسهم في تكوين الملكة الفقهية.
ومن أوائل من ألّف في هذا الفن تأليفًا مستقلًا: 1 - القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي (282 هـ) له: كتاب الرَّدِّ على محمَّد بن الحسن الشيباني في مائتي جزء - ولم يكتمل -، والرد على أبي حنيفة، والرد على الشّافعيّ.
وهي لا تزال في عالم المخطوطات.
2 - القاضي محمَّد بن بكير البغدادي المالكي (305 هـ) له: كتاب في مسائل الخلاف.
خ. 3 - الإمام محمَّد بن جرير الطّبريّ (310 هـ) له: اختلاف الفقهاء.
والمطبوع منه: قطعة (في الجهاد والجزية)، وقطعة (متعلّقة بالبيوع).
4 - الإمام أبو سعيد البردعي الحنفي (317 هـ) له: مسائل الخلاف.
خ.
5 - الإمام أبو بكر ابن المنذر النيسابوري (318 هـ) له: الإشراف على مذاهب العلماء (والمطبوع منه غير مكتمل)، والأوسط (والمطبوع منه الأجزاء الأولى).
6 - الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي (321 هـ) له: اختلاف الفقهاء (والمطبوع منه جزء يسير).
7 - الإمام أبو علي الحسن بن القاسم الطّبريّ الشّافعيّ (350هـ) له: المحرر في النظر.
خ. قيل عنه: إنّه أول كتاب في الخلاف المجرّد.
8 - الإمام أحمد بن زيد القزويني المالكي (نيف وتسعين وثلاثمائة) له: المعتمد في الخلاف في مائة جزء.
خ. قيل عنه: هو من أهذب كتب المالكية.
- وأمّا النوع الثّاني: فإنّه يُعنى بذكر المسائل الخلافية، واستقصاء آراء الصّحابة والتابعين ومذاهب الفقهاء فيها، ولا شأن له بالاستدلال والتّرجيح.
ومن ثمّ فهو بمثابة مذكّرة في مسائل الخلاف.
ومن أهمّ من ألّف في هذا الفن: 1 - الإمام محمَّد بن نصر المروزي الشّافعيّ (294 هـ) له: اختلاف العلماء.
(وهو مطبوع).
وقد يذكر في النّادر دليل المسألة، دون شرح أو توجيه.
2 - الإمام أبو بكر الجصّاص الرازي الحنفي (370 هـ) له: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي.
(وهو مطبوع).
وطريقته تقارب الكتاب السابق.
3 - الإمام أبو الحسن القدوري الحنفي (428 هـ) له: التجريد (وهو مطبوع).
تناول فيه صاحبه مسائل الخلاف بين الحنفية والشّافعيّة.
- ولا شكّ في أهمية كِلا الفنّين معًا، ولا غنى لطالب العلم عنهما، فضلًا عن الفقيه والمُفتي، وفي هذا يقول العلّامة الشاطبي - رحمه الله -:
"ولذلك جعل النَّاس العلم معرفة الاختلاف، فعن قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفُه الفقه.
وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف القراءة فليس بقارئ، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه.
وعن عطاء: لا ينبغى لأحد أن يفتى النَّاس حتّى يكون عالمًا باختلاف النَّاس؛ فإنّه إنَّ لم يكن كذلك رَدَّ من العلم ما هو أَوثَق من الّذي في يديه" 1. - وإلى جانب معرفة الخلاف العالي، فقد جمع لنا المؤلِّف فوائد أخرى؛ كمعرفة الخلاف داخل المذهب الواحد، وترجيح أقوى الروايات وبيان المفتى به.
كما أن صنيعه في تقديم القول المعتمد عند المالكية مطلع كلّ مسألة، يعدّ وثيقة فقهية مهمّة؛ لما جرى به العمل والقضاء، واستقرت عليه الفتوى عند مالكية العراق.
كما ضمّ الكتاب بين دفّتيه بعض اختيارات ابن القصّار الفقهية، وتُحَفًا من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السّلفية، الّتي وردت على سبيل النّدرة.
وإني لأعتذر إلى القاري الكريم عن كلّ خلل أو زلة أو تقصير، قد يلحق هذا العمل، فللهِ الكمال وحده، وكما جاء في خاتمة هذا الكتاب: إِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلا ... جَلَّ مَنْ لاعَيْبَ فِيه وَعَلا
وفي خاتمة هذه المقدِّمة لا يسعني إِلَّا الاعتراف بقلّة الزّاد، ومشقّة المضمار، غير أنني بذلت غاية وسعي، أسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موصولًا عنده في ميزان الأجر والثواب.
وكتبه:
حامدًا مصلّيًا راجيًا رحمة ربه علي محمَّد بن إبراهيم بورويبة الجزائر العاصمة في 19 ذي الحجة 1428 هـ الموافق لـ 28 ديسمبر 2007 م
دراسة تمهيدية
المبحث الأوّل: ترجمة مؤلِّف الأصل القاضي ابن القصّار.
المبحث الثّاني: ترجمة مختصر الأصل القاضي عبد الوهّاب.
المبحث الثّالث: تعريف بكتابي "عيون الأدلة" و"عيون المسائل".
المبحث الأوّل
ترجمة مؤلِّف الأصل أبي الحسن علي بن عصر بن القصّار
لم تتوسّع المصادر في ترجمة القاضي أبي الحسن بن القصّار (1)،لذا سأقتصر على أهم معالم حياته:
اسمه ونسبه ولقبه
:
هو القاضي أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد البغدادي الأبهري الشيرازي المالكي، المعروف بابن القصّار، الإمام الفقيه الأصولي الحافظ النظّار.
وإذا أُطلق عند المالكية لفظ "القاضي أبو الحسن" فهو المقصود، أمّا إذا أطلق لفظ "القاضيان"، فالمقصود بهما: القاضي ابن القضار والقاضي عبد الوهّاب.1
ولادته ونشأته ورحلاته
:
لم تذكر المصادر تاريخ ولادته، ولا فصّلت في مكان نشأته وحلّه وترحاله، لكن الأغلب أنّه نشأ ببغداد، وترعرع فيها.
ولا ينافي هذا أن يكون قد تجوّل داخل مدن العراق، فقد ذكر في كتابه، أنّه سمع من القاضي أبي حامد المرّورّذي (362 هـ) مسألتين في الفقه بالبصرة (1).
شيوخه
: إنَّ طول مكث القاضي أبي الحسن ببغداد، كان له الأثر البالغ في تمكّنه من شتّى العلوم النقلية والعقلية، والضلوع فيها والأخذ بأصولها، إذ كانت المدرسة المالكية وقتها في أزهى مراحلها، ومن أشهر أعلامها: أبو الحسن السّتوري (343 هـ)، وأبو الفضل بكر بن العلّاء (344 هـ)، وأبو عبد الله التستري (345 هـ)، وأبو جعفر الأبهري "الصغير" (365 هـ)، وأبو الطّاهر الذهلي (367 هـ)، وأبو عبد الله ابن مجاهد (تقريبًا: 370هـ)، وأبو بكر الأبهري (375 هـ)، وأبو بكر ابن علوية الأبهري (تقريبًا: 376 هـ)، وأبو القاسم ابن الجلّاب (378 هـ)، وأبو سعيد القزويني (تقريبًا: 390هـ)، وأبو بكر الباقلاني (403هـ). غير أن مترجميه لم يصرّحوا بأسماء كلّ شيوخه، وإنّما اقتصروا على اثنين:
الأوّل: أبو بكر الأبهري
وهو القاضي الإمام العلّامة الفقيه المُقرئ الصالح النظّار أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن صالح الأبهري التميمي المالكي، شيخ المالكبين في وقته، ولد قبل (290 هـ)، وتوفي في بغداد يوم السبت لسبع خلت من شهر شوال سنة 375 هـ، وصلّي عليه بجامع المنصور.
ولقد أمضى أبو بكر الأبهري ستين سنة بجامع المنصور ببغداد، وهو يفتي النَّاس ويعلمهم، وفيها التقى القاضي أبو الحسن به، ولازمه مدّة طويلة، قال الذهبي: "وكان من كبار تلامذة القاضي أبي بكر الأبهري، يُذكر مع أبي القاسم ابن الجلّاب".
ولقد ترك القاضي أبو بكر الأبهري مجموعة قيّمة من التآليف، شاهدة على تعدّد مهاراته، وتنوّع علومه، أذكر منها:
1 - شرح المختصر الكبير لابن عبد الحكم 1.
2 - شرح المختصر الصغير لابن عبد الحكم.
3 - مسلك الجلالة في مسند الرسالة.
(رسالة ابن أبي زيد القيرواني).
4 - كتاب الأمالي.
5 - كتاب إجماع أهل المدينة.
6 - كتاب الرَّدِّ على المزني.
7 - كتاب الأصول.
8 - مسألة إثبات حكم القَافَة.
9 - كتاب فضل المدينة على مكّة.
10 - مسألة الجواب والدلائل والعلل.
وقد صرّح ابن القصّار بذكر شيخه في مواضع من كتابه عيون الأدلّة (1)، ونقلها القاضي عبد الوهّاب في مختصره عيون المسائل (2).
الثّاني: أبو الحسن السُّتوري
(3):
وهو أبو الحسن علي بن الفضل بن إدريس بن الحسين بن محمَّد الستوري: من أهل سُرّ من رأى، سكن بغداد، وحدث بها عن الحسن بن عرفة أحاديث يسيرة.
قال فيه العتيقي: "ثقة، ما سمعت شيوخنا يذكرونه إِلَّا بجميل".
توفي سنة 343 هـ.
تلامذته
: لقد حظي ابن القصّار بتلامذة نجباء، تفقّهوا به ونقلوا عنه، وخلّدوا ذكره بعد وفاته، ومن أشهرهم:
الأوّل: القاضي عبد الوهّاب بن نصر البغدادي.
وستأتي ترجمته في المبحث التالي.
الثّاني: أبو ذر الهروي
وهو الإمام الحافظ الحجة الثقة أبو ذر عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن غفير الهروي المالكي، المعروف بابن السّمّاك، ولد سنة 355 هـ، واشتغل بالحديث فبرع فيه وغلب عليه، له مصنّفات كثيرة، أهمّها:234
1 - كتاب الجامع.
2 - فضائل مالك.
3 - المناسك.
جاور الحرم إلى أن مات في ذي القعدة 435 هـ.
الثّالث: أبو الفضل بن عمروس
(1):
وهو الإمام العمدة الفاضل الفقيه الأصولي أبو الفضل محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن عمروس البغدادي المالكي، ولد سنة 372 هـ، وإليه انتهت الفتوى في الفقه على مذهب مالك ببغداد، من مصنّفاته:
1 - تعليق حسن كبير مشهور في المذهب والخلاف.
2 - مقدّمة في أصول الفقه.
توفي أول محرم سنة 452 هـ.
الرّابع: أبو علي بن عبّاس
(2): وهو الإمام العمدة الفاضل الفقيه أبو علي إسماعيل بن الحسن بن علي بن عبّاس الصيرفي البغدادي المالكي، درس على الأبهري، ثمّ درس على ابن القضار، توفي في رمضان 408 هـ.
مكانته وعلمه
: اعترف بعلم القاضي ابن القصّار وفضله، كلّ من رآه أو تتلمذ عليه أو قرأ له، فهذا تلميذه أبو ذر الهروي يصفه، فيقول: "هو من أفقه من رأيت من المالكيين" 3.12
وقد تعدّى هذا العرفان والتّزكية إلى أعلام المذاهب الأخرى، فهذا أبو حامد الإسفراييني الشّافعيّ (406هـ)، أحد أقران القاضي ومنافسيه، يعترف أمام القاضي عبد الوهّاب ببراعته، فيقول عن كتابه (عيون الأدلة): "ما ترك صاحبكم لقائل ما يقول" 1.
- وهذا أبو إسحاق الشيرازي الشّافعيّ (476 هـ) على غزارة علمه، وسعة مطالعته، قرأ للقاضي وأعجب به، حتّى قال: "وله كتاب في مسائل الخلاف كبير، لا أعلم لهم كتابًا في الخلاف أحسن منه" 2.
- ولم يقتصر هذا العرفان على أهل صنعته من الفقهاء والأصوليين فحسب، بل تخطّى تحرّي المحدّثين وشدّة نقدهم، فهذا حافظ المشرق أبو بكر الخطيب البغدادي (463 هـ) يوثّقه في تاريخه 3، ويقول عنه تلميذه أبو ذر الهروي: "كان ثقة قليل الحديث" 4.
- وقد صاحبت هذه الشّهرة، كتبه وتلاميذه لتصله بالأقطار البعيدة، فهذا القاضي عياض المالكي (544 هـ) يقول فيه: "كان أصوليًا نظّارًا" 5. ونختم هذه الشهادات، بمقولة مشهورة عند أهل التراجم، وهي قولهم: "لولا الشيخان (ابن أبي زيد وأبو بكر الأبهري)، والمحمدان (محمَّد بن سحنون ومحمد بن الموّاز)، والقاضيان (القاضي أبو الحسن ابن القصّار والقاضي عبد الوهّاب) لذهب المذهب المالكي" 6.
مؤلفاته
- أجمع أهل التراجم على نسبة كتاب "عيون الأدلّة" - الآتي ذكره - إلى القاضي ابن القصّار، وأنّه سرّ شهرته ودليل براعته، وتوقّفوا عند هذا الحدّ، مكتفين بذكر مؤلّف واحد، الأمر الّذي لا يتناسب مع ما ذكر آنفًا من الشّهرة الّتي نالها.
إِلَّا أن هذا الإشكال قد يزول قليلًا، إذا علمنا أن حجم الكتاب كبير جدًا، فقد ذكر الأدفوي أنّه رآه في ثلاثين مجلدة (1)، فهو بمثابة موسوعة متنوّعة، جمع فيها علومًا شتّى - كما سيأتي -. كما أن القضاء الّذي وليه في مدينة كبيرة كبغداد، مشتّت للذِّهن ومستغرق للعمر، وهذا الذكرها دفع بكثير من العلماء قديمًا إلى التبرّم منه واعتزاله. - وقد أفرد بعض العلماء مقدّمة "عيون الأدلة" - الأصولية - بذكرها من جملة مؤلّفاته، ولا ندري إنَّ كان القاضي ابن القصّار قد أفردها بمؤلّف، كما فعل شهاب الدّين القرافي مع مقدّمة كتابه الذّخيرة - حين أفردها عنه وسمّاها: "تنقيح الفصول في اختصار المحصول"؛ ليتولى شرحها فيما بعد في "شرح تنقيح الفصول" -، أو أن الطّلاّب والدّارسين اهتمّوا بها، واستثقلوا نسخ كلّ تلك الأسفار، فاصطلحوا على تسميتها بالمقدّمة في الأصول، لكن ممّا لا شكّ فيه، أنّها احتوت على جلّ مباحث أصول الفقه، متناسقة محرّرة ملخّصة، جديرة بأن تفرد بكتاب مستقل، لتكون مرجعًا معتمدًا للمبتدئين والمجتهدين (2).
وفاته
: وبعد حياة مباركة قضاها القاضي ابن القصّار ما بين رواية للحديث12
النبوي، وتدريس للطلًاب والمتعلّمين، وقضاء بين النَّاس وحلّ خلافاتهم، والحكم بينهم بشريعة الحق والعدل، وتأبيف للعلّوم النّافعة ونشرها، يتوفّاه الأجل ويلقى ربّه في بلدته المباركة مدينة السّلام "بغداد"، يوم السّبت السابع من ذي القعدة سنة 397 هـ. فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عتا وعن المسلمين خير الجزاء، وجمعنا وايّاه بالنّبيّين والشّهداء والصَّالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
المبحث الثّاني
ترجمة مختصِر الأصل أبي محمدّ عبد الوهّاب بن نصر البغدادي
1
لقد حظيت شخصية القاضي عبد الوهّاب - على العكس من شيخه -، بعناية فائقة من كلّ من ترجم لأعلام بغداد، أو للفقهاء عامّة، أو للمالكية خاصّة، أو للأصوليين، أو حتّى للأدباء والشعراء، بدءًا من تلميذه الخطيب البغدادي (463 هـ) وانتهاءً بالمؤتمر العلّمي الأوّل لدار البحوث للدراسات الإِسلامية وإحياء التراث بدولة الإمارات، الّذي أقيم حول: "القاضي عبد الوهّاب البغدادي شيخ المالكية بمدرسة العراق"، في الفترة الممتدة ما بين [16/ 3/ 2003 إلى 22/ 3/ 2003] حيث قُدّمت فيه 84 ورقة علمية، وطُبعت في 7 مجلّدات ضخمة، لنخبة من الباحثين والعلّماء.
ولكثرة المصادر الّتي ترجمت لحياة القاضي، وطول الدراسات الّتي تناولت شخصيته، سأقتصر على أهم معالم حياته، لا سيما مع ضيق المقام هنا:
اسمه ونسبه ولقبه
:
هو القاضي أبو محمَّد عبد الوهّاب بن علي بن نصر بن أحمد البغدادي المالكي، من ذرية مالك بن طرق التغلبي، الإمام الفقيه الأصولي النظّار الأديب.
وإذا أطلق لفظ "القاضي" عند المالكية، فإنّه ينصرف إليه، أمّا إذا أطلق بالتّثنية، فقد سبق أنّه يضاف إليه ابن القصّار.
ولادته ونشأته ورحلاته
: لقد كفانا القاضي عبد الوهّاب عناء البحث عن تاريخ ولادته، فقد سُئِل عنه، فأجاب: "يوم الخميس السابع من شوال سنة 362 هـ ببغداد" 1. وتعرّفنا المصادر ببعض أفراد أسرته، بدءًا بأبيه وهو:
- أبو الحسن علي بن نصر 2 الفقيه المالكي، كان من أعيان الشهود المعدّلين ببغداد - الذين يعتمد القضاة أقوالهم في تعديل الشهود وتجريحهم -، وقال فيه أبو بكر محمَّد بن عمر القاضي المعروف بابن الأخضر (429 هـ): حدثني الشّيخ أبو الحسن علي بن نصر الفقيه المالكي، وكان ناهيك عدالة وثقة.
وإلى جانب روايته للحديث الشريف - كما ذكر عياض -، فقد روى عنه ابنه عبد الوهّاب.
توفي يوم السبت الثّاني من شهر رمضان سنة 391 هـ. كما تعرّفنا بأخيه الأصغر وهو: - أبو الحسن محمَّد بن علي 3: الكاتب البغدادي، المولود ببغداد في إحدى الجماديين سنة 372 هـ. صاحب ديوان الرسائل في دولة جلال
الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة.
لقي جماعة من كبار الأدباء، وأخذ عن: أبي الفرج الببغاء، وأبي نصر ابن نباتة، وسمع من أبي القاسم عيسى بن الوزير، وروى عنه: أبو منصور محمَّد بن محمَّد العكبري.
كان أديبًا بليغًا فصيحًا إخباريًا، صنّف "كتاب المفاوضة" للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور ابن أبي طاهر بهاء الدولة ابن عضد الدولة ابن بويه؛ جمع فيه ما شاهده، وهو - كما ذكر من اطّلع عليه - من الكتب الممتعة في ثلاثين كرّاسة، وله رسائل.
ترك البصرة راحلًا إلى واسط، وتوفي بها يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة 437 هـ.
- وبهذا، نستشف حالة الأسرة الّتي ترعرع فيها القاضي، فهي أسرة فاضلة محبّة للعلّم والمعرفة، وفّرت له الدّعم المعنوي للاهتمام بتحصيل العلم، وملازمة حِلق العلماء.
- وأمّا رحلاته في طلب العلم، فلم تفصل المصادر عن أوقاتها ووجهاتها، ولكن من المحتمل أنّه قام ببعض الجولات ضمن الأقاليم العراقية الأخرى، كالبصرة مثلًا، لما سيأتي من ذكر بعض شيوخه منها.
- وأمّا رحلاته خارج العراق، فلم أعثر إِلَّا على رحلتين له، رحلته إلى مصر في آخر حياته سنة 419 هـ - نرجئ الحديث عنها فيما بعد -، ورحلته لأداء مناسك الحجِّ.
فأمّا سفره لأداء مناسك الحجِّ، فهو أمر مؤكّد، لما ذكره عبد الحق الصّقلي (466 هـ) عن نفسه أنّه حجّ 3 مرات، أولاها كانت سنة (418 هـ)، وفيها التقى بالقاضي عبد الوهّاب وأبي ذر الهروي 1.
كما ذكر القاضي عبد الوهّاب ذهابه لأداء الحجِّ -دون تحديد السَّنة -، في رسالة منسوبة إليه، وجّهها إلى الخليفة الفاطمي "المستنصر بالله ابن الظّاهر لإعزاز دين الله"، وجاء فيها أيضًا تزكيته له، ممّا دعا بعض الباحثين إلى التّشكيك في صحة نسبتها إليه (1).
شيوخه
:
لقد تمتّع القاضي عبد الوهّاب بشيوخ متمرّسين، وأساتذة متمكّنين، على غرار شيخه ابن القصّار، ولدنوّ تاريخ ولادته، فقد حُرم من بعض شيوخ شيخه، ولكنّه استعاض عنهم بأقران طبقة شيخه، ممّن عاشوا بعد 375 هـ تقريبًا.
وعلى العكس من ترجمة ابن القصّار، فقد أفصحت المصادر عن عدد أكبر من شيوخ عبد الوهّاب، وقد بلغوا العشرين من أشهرهم:
1 - أبو بكر الأبهري (375 هـ) السابق ذكره.
2 - وأبو عبد الله الحسين الدّقّاق (375 هـ).
3 - وعمر بن سنبك البجلي البغدادي (376 هـ).
4 - وأبو القاسم ابن الجلّاب البصري (378 هـ).
5 - وأبو حفص ابن شاهين (385 هـ).
6 - وأبو الفتح يوسف القوّاس البغدادي (385 هـ).
7 - وأبو الحسن ابن القصّار (397 هـ).
8 - وعبد الملك بن مروان قاضي المدينة، "المرواني" (عاش بعد 363 هـ).1
9 - وأبو بكر محمَّد بن الطيب، الشهير بالباقلاني (403 هـ). 10 - وأبو الحسن المجبّر البغدادي (405 هـ). 11 - وأبو عمر الهاشمي البصري (414 هـ). 12 - وأبو علي ابن شاذان البغدادي (425 هـ).
- وقد لخّص القاضي عبد الوهّاب حصيلة مشواره العلّمي، وذلك لمّا سُئل: "مع من تفقهت؟ " فأجاب: "صحبت الأبهري، وتفقّهت مع أبي الحسن ابن القصّار وأبي القاسم ابن الجلّاب، والذي فتح أفواهنا وجعلنا نتكلّم أبو بكر ابن الطيب" (1). وقد سبق الحديث مفصّلًا عن الأبهري وابن القصّار، إِلَّا أن بعض المؤرخين؛ كالشيرازي نفى صحة تلقّي القاضي عبد الوهّاب عن الأبهري، وقد ردّ عليه القاضي عياض وخطّأه، وأثبت صحة تفقّهه عليه، ولا أدلّ على ذلك ممّا رواه عن القاضي عبد الوهّاب أنّه قال: دخلت في حداثتي على الأبهري، وفي كمّي كتاب "الحاوي" لأبي الفرج، فقال لي: ما الّذي في كفك؛ فقلت: "الحاوي" لأبي الفرج، فقال: "ليس بالحاوي ولكنّه الخاوي" (2). وسنوجز الحديث هنا، عن العلّمين الآخرين:
الأوّل: أبو القاسم ابن الجلّاب
وهو أبو القاسم عبيد الله بن الحسن بن الجلّاب البصري المالكي، انظر: الديباج: 159. انظر: ترتيب المدارك: 5/ 23 أطبعة: المغرب].
الإمام الفقيه الأصولي العالم الحافظ.
وقد اختلف في اسمه، فقيل: محمَّد بن الحسين وقيل: عبد الرّحمن، وقيل: القاسم.
والأرجح من الأقوال الأوّل.
تفقّه بأعلام عصره، ولكن لم تعتن المصادر بذكر شيوخه، عدا الإمام أبا بكر الأبهري، فقد كان من كبار أصحابه وملازميه.
من مؤلّفاته:
1 - كتاب التّفريع.
سبق الحديث عنه في مطلع المقدّمة.
2 - كتاب في مسائل الخلاف.
3 - شرح المدوّنة.
توفّي - رحمه الله - عند منصرفه من الحجِّ في شهر صفر من سنة 378هـ.
الثّاني: أبو بكر الباقلاني
هو القاضي أبو بكر محمَّد بن الطّيّب الباقلاني المالكي، الفقيه الأصولي المتكلّم، انتهت إليه رئاسة المالكبين بالعراق.
وكان له التّأثير الكبير في شخصية القاضى عبد الوهّاب، باعتراف هذا الأخير، وكما تدلّ عليه مؤلّفاته، وخصوصًا في الأصلّين (أصول الدِّين وأصول الفقه).
ترك مجموعة حافلة من المؤلِّفات، في مجالات مختلفة، منها:
1 - المقنع في أصول الفقه.
2 - التقريب والإرشاد في أصول الفقه.
3 - أمالي إجماع أهل المدينة.
4 - الأصول الكبير، في الفقه.
5 - شرح أدب الجدل.
توفي - رحمه الله - في ذي القعدة لسبعٍ بقين منه سنة 403 هـ، وصلّى عليه ابنه الحسن، ودُفن بداره، ثمّ نُقل إلى مقبرة باب حرب.
تلامذته
:
لقد رزق القاضي عبد الوهّاب بتلامذة عقلاء، وطلاّب نبهاء، نقلوا عنه علومه ومعارفه، وقد تنوّعت اختصاصاتهم، وتفرّقت أوطانهم، واتّحدت محبّتهم له واعترافهم بإمامته، فمن أشهرهم:
1 - أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (463 هـ)، حافظ المشرق، وصاحب "تاريخ بغداد"، سمع الحديث منه، وكتب عنه.
2 - أبو إسحاق الشيرازي الشّافعيّ (476 هـ)، صاحب المؤلِّفات الكثيرة المتنوّعة، قال عنه: "أدركته وسمعت كلامه في النظر".
3 - أبو الفضل محمَّد بن عمروس البغدادي المالكي (452 هـ).
4 - أبو محمَّد عبد الحق بن هارون السهمي الصقلي المالكي (466 هـ)، الإمام العلّاّمة الفقيه الأصولي، لقي القاضي في الحجِّ - كما ذكرنا سابقًا -، له كتاب "النكت والفروق على مسائل المدوّنة"، و"تهذيب الطالب".
5 - أبو الفضل مسلم بن علي الدمشقي المالكي (مجهول الوفاة)، الشهير بـ "غلام عبد الوهّاب"؛ لطول صحبته وخدمته له، له كتاب: "الفروق الفقهية".
6 - أبو العباس أحمد بن قيس الغساني الدمشقي (مجهول الوفاة).
7 - أبو المنجّا حيدرة بن علي الأنطاكي الدمشقي المالكي (479 هـ) المعبّر للأحلام.
8 - أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري النحوي (456 هـ)، صاحب التصانيف، كان مضطلعًا بعلوم كثيرة.
9 - القاضي أبو عبد الله محمَّد بن الحبيب بن الشماخ الغافقي الأندلسي (459 هـ)، رحل إلى القاضي عبد الوهّاب بمصر، وحمل عنه جميع تآليفه، وهو أوّل من أدخلها الأندلس والمغرب.
10 - أبو علي الحسن بن أحمد بن محمَّد الهاشمي العبّاسي، المعروف باليازري (مجهول الوفاة)، من فقهاء المالكية بمصر.
11 - أبو القاسم عبد الواحد بن علي الجيزي المصري (مجهول الوفاة)، له كتاب في أصول الفقه.
مكانته العلمية
: لقد أجمع كلّ من عاصر القاضي عبد الوهّاب، على علمه وورعه وقوّة عارضته، شهد بها أساتذته، وأقرانه وتلامذته، وكل من درس عليه علمًا من العلوم، أو قرأ له كتابًا من الكتب، وسأسوق هنا بعض تلك الشهادات: 1 - قال شيخه القاضي أبو بكر الباقلاني: "لو اجتمعت في مدرستي أنت - يقصد أبا عمران الفاسي - وعبد الوهّاب، لاجتمع علم مالك؛ أبو عمران يحفظه، وعبد الوهّاب ينصره، لو رآكما مالك لسرّ بكما" 1. 2 - وقال الخطيب البغدادي: "وحدّث بشيء يسير كتبت عنه، وكان ثقة، ولم نلق من المالكبين أحدًا أفقه منه" 2.
3 - وقال الشيرازي: "وكان فقيهًا متأدبًا شاعرًا، وله كتب كثيرة في كلّ فن من الفقه" 1.
4 - وقال ابن حزم الظاهري: "لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهّاب مثل أبي الوليد الباجي" 2، وهي وإن كانت تزكية للباجي، فهي تزكية للقاضي عبد الوهّاب أوّلًا.
5 - وقال أبو الحسن علي بن بسّام الشنتريني: "كان أبو محمَّد في وقته بقية النَّاس، ولسان أصحاب القياس، وهو أحد من صرف وجوه المذهب المالكي، بين لسان الكناني، ونظر اليوناني، فقدّر أصوله، وحرَّر فصوله، وقرّر جمله وتفاصيله، ونهج فيه سبيلًا كانت قبله طامسة المنار، دارسة الآثار ... واستقر بمصر، فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها" 3.
6 - وقال السيوطيّ: "أحد الأعلام، واحد أئمة المالكية المجتهدين في المذهب، له أقوال وترجيحات" 4.
- وبهذا كان أهلًا لتولي قضاء عدة أقاليم منها: الدَّينور وبادَرايا وباكُسايا وأسعرد.
وولي قضاء المالكية بمصر آخر عمره إلى أن مات بها. - ومن كان بهذا الفضل والإكثار، كان لا بدّ له من العثار، الّذي لا يرديه على مقتله، وإنّما ينفي عنه العصمة والكمال.
ومن بعض مآخذ القاضي - رحمه الله - ما نقله أبو عبد الله المقرّي (758 هـ) في قواعده: "وحذّر الناصحون من أحاديث الفقهاء، وتحميلات الشيوخ، وتخريجات المتفقّهين، وإجماعات المحدّثين.
وقال بعضهم: احذر أحاديث
عبد الوهّاب والغزالي، وإجماعات ابن عبد البرّ، واتّفاقات ابن رشد، واحتمالات الباجي، واختلاف اللخمي" ثمّ فضل فقال: "وقال لي العلّامة أبو موسى ابن الإمام: قال لي جلال الدِّين القزويني: ما أحسن فقه قاضيكم لولا ما يحتج به من الحديث الضعيف، فقلت: شيخكم أكثر احتجاجًا به".
ويعنيان: أبا محمَّد عبدالوهّاب، وأبا حامد الغزالي (1).
مؤلفاته
:
خلّف القاضي كتبًا شاهدة على تمكّنه وبراعته 2، أذكر أهمّها:
1 - "التّلقين".
واسمه الكامل: "تلقين المبتدي وتذكرة المنتهي" 3.
2 - "المعين على كتاب التلقين".
وهو شرح للتلقين، ولم يتمّه.
3 - "شرح المدوّنة".
ولم يتمّه أيضًا.
4 - "الممهّد في شرح مختصرًا بي محمَّد ابن أبي زيد".
وهو شرح لمختصر ابن أبي زيد القيرواني للمدونة، وقد صنع فيه نحو نصفه.
5 - "المعرفة في شرح الرسالة" شرح فيها رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وقد قيل: بأنّه أول شارح لها، وسلك فيه مسلك الإسهاب والإطناب، في نحو ألف ورقة، حتّى بيعت أول نسخة منه بمائة مثقال ذهبًا 4.
6 - "النُّصرة لمذهب إمام دار الهجرة" في مائة جزء، وهو من أعظم ما ألّفه القاضي، وقع بخطه في يد بعض قضاة الشّافعيّة، فألقاه في النيل قبل أن ينتشر.1
7 - "المعونة على مذهب عالم المدينة".
8 - "عيون المسائل أو المجالس" أو"اختصار عيون الأدلة".
وهو كتابنا هذا.
9 - "الإشراف على نكت مسائل الخلاف".
وهو في فقه الخلاف العالي (1).
10 - "الأدلة في مسائل الخلاف".
11 - "أوائل الأدلة في مسائل الخلاف بين الأُمَّة".
في الفقه المقارن.
12 - "الردّ على المزني".
13 - "الجوهرة في مذاهب العشرة".
14 - "الفروق في مسائل الفقه".
15 - "الإفادة".
في أصول الفقه.
16 - "التلخيص في أصول الفقه"، أو"الملخّص".
17 - "المفاخر".
في الأصول.
18 - "المقدّمات في أصول الفقه".
19 - "المروزي في الأصول".
رحلته إلى مصر
:
- سببها: لقد عانى القاضي عبد الوهّاب خلال تواجده في بغداد، وبالرغم من تولّيه لخطط القضاء، قلّة ذات اليد، وحالة من الفقر والخصاصة، إلى حدّ أنّه لم يكن يجد في بعض الأحيان رغيفًا يأكله، ولعلّ الّذي أوصله إلى هذا الحال، انقطاعه التام إلى التدريس والتأليف وهموم القضاء، حيث لم يشركها بشيء من أعمال الدنيا، أضف إلى ذلك سخاءه1
وعطاءه وعطفه على طلاّبه المقترين، وفي هذا يقول يوم توديعه لأهل بغداد، وقد أتوا لتشييعه مع كبرائها طوائف كثيرة: "والله يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كلّ غداة وعشية، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، ولقد ترك أبي جملة دنانير ودارًا، أنفقتها كلّها على صعاليك ممّن كان ينهض بالطلب عندي" 1.
هذا إِذًا السّبب الرئيس والدّافع القوي الجليّ؛ لخروج القاضي من بغداد، باحثًا عن حياة كريمة تعينه على دينه ودنياه، على أن بعض المؤرخين ذكروا أن سبب فراره من بغداد، كلامٌ قاله في الشّافعيّ، فطُلب فخاف على نفسه 2.
وتضارب المؤرّخون في صحة الخبر، لكن الملفت للنظر أن الذين ساقوا القصّة، بعيدون كلّ البعد زمانًا ومكانًا عن أحداثها، بينما الذين أرّخوا لها من الشّافعية البغداديين، لم يذكروا القصّة إطلاقًا، بل ولم نر أثرًا للتحامل عليه بسببها.
وبخروج القاضي عبد الوهّاب من بغداد، أفل نجم المالكية من مدينة السّلام.
وأمّا عن وجهة الرحلة: فقد ذكر القاضي عياض أنّها كانت إلى المغرب أوّلًا، غير أنّه لما وصل إلى مصر، ووصفوا له أخبار المغرب زهد فيه، وخاطبه ابنا الشّيخ ابن أبي زيد، ووصلاه بمال بسبب شرحه لتآليف أبيهما فلم يرضه، واستدعياه للمجيء فاعتذر، كما خاطبه فقهاء أهل القيروان في الوصول إليهم، فرغّبه في ذلك أبو عمران، وكسره عنه أبو بكر ابن عبد الرّحمن، وناشده أيضًا مجاهد الموفق صاحب دانية في الوصول إلى الأندلس، ولكن الأجل وافاه قبل الرحيل 3.
- وأمّا عن تاريخها ومحطّاتها؛ فلم نجد ما يدلُّنا على اليوم الّذي ودّع فيه القاضي أهل بغداد، وتاريخ خروجه منها، وكل ما لدينا أن المحطّة الأولى الّتي قصدها ومكث بها هي دمشق، وفي طريقه إليها اجتاز معرّة النّعمان، فالتقى بالشاعر الشهير، أبي العلّاء أحمد بن عبد الله التنوخي المعري (449 هـ)، ليَخبِر شعر القاضي، ويعطيه وسام الشاعر، فيقول فيه (1):
والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تففه أحيا مالكًا جدلًا ... وينشر الملك الضّليل إنَّ شعرا
وواصل طريقه إلى دمشق فدخلها في شوال من سنة 419 هـ، ودرّس بها وحدّث فيها ونفع خلقًا كثيرًا، وأنجب تلاميذ جددًا، تأثّروا به وساروا على نهجه.
ثمّ خرج منها في جمادى الأولى من سنة 420 هـ، ليدخل مستقرّه الأخير، أرض الكنانة.
وفاته
:
استقر المقام أخيرًا بالقاضي عبد الوهّاب بمصر، رغم مناشدات أهل المغرب له بالمجيء إليهم، ولكن كِبَر سنّ الشّيخ حال دون تحمّل وعثاء السَّفر، فآثر البقاء والاستقرار، وواصل مشواره العلّمي؛ تدريسًا وتأليفًا وقضاءً، ووجد ما كان يصبوا إليه.
ويصف ابن بسّام محطّته الأخيرة فيقول: "واستقر الفقيه أبو محمَّد بمصر.
فحمل لواءها، وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب، وانثالت في يديه الرغائب" 2.
ويُذكر أن سبب موته أكلة اشتهاها، فلمّا أكلها وأحسّ بالموت قال: "لا إله إِلَّا الله، عندما عشنا متنا" 3.1
كانت وفاته في شهر شعبان من سنة 422 هـ بمصر، ودفن بالقرافة فيما بين قبّة الشّافعيّ وباب القرافة، وقبره قريب من قبر ابن القاسم وأشهب.
فاللهم ارحمه رحمة واسعة، وأجزل مثوبته، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وانفعنا بعلمه.
آمين.
المبحث الثّالث
تعريف بكتابي "عيون الأدلّة" و"عيون المسائل"
1 -