باب ما جاء في فضل العمرة
وفي صحيح مُسْلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "العُمْرَةُ إِلى العُمْرَةِ كَفَّارةٌ لمَا بَيْنَهُمَا، والحجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ له جَزَاءٌ إِلا الجَنَّة" 1.
قال العلماء: والمبرور الذي لا يخالطهُ إِثْمٌ.
وقيل: الذي لا رِياء فيه ولا رفَث ولا فُسوق 2.
وقيل: المقبول.
ومن علامات القَبول: أن يرجع خيْرًا مما كان، وأن لا يعاوِدَ المعاصيَ.
وقال ابن الجَوْزي 3: ورُوي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -
الجزء: 1 - الصفحة: 117
أنه قال: قيل: يا رسول الله، مَا بِرُّ الحَجِّ؟ قال: "إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وإِفْشَاءُ السَّلَام" 4. وقد رُويَ عن مالك - رحمه الله - أنَّ امرَأةً جاءت إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت *: إِنّي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ لِلْحجِّ فاعترض لِي، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اعتَمِرِي فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحَجَّةٍ) 5. وفي الترمذي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" 6، وفي
الجزء: 1 - الصفحة: 118
رواية: "تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي" 7.
الجزء: 1 - الصفحة: 119
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يعتمر في رجب 8. وروي عن عائشة 9 - رضي الله عنها - أنها كانت تعتمر في رجب 10. قال أبو محمد عبد الحق الأزدي 11 في منسكه: وذكر وهب بن منبه 12
الجزء: 1 - الصفحة: 120
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث طويل: "أنَا الله ذو مكَّة سُكَّانُهَا خيرتِي وجيرَانِي، وعمَّارها وزوَّارُهَا وفدِي وضيفاني في كنفِي، وافدين عليَّ في ذمَّتي وجوَاري، أعمره بأهلِ السمَاء وأهلِ الأرضِ يأتونهُ أفواجًا شُعْثًا غُبْرًا، وعلى كل ضامِرٍ يأتينَ منْ كُلِّ فجًّ عميقٍ، يَعُجُّونَ 13 بالتكبير عجيجًا، ويرجُّونَ 14 بالدُّعَاءِ رجيجًا، وينتَحِبُون بالبُكَاءِ نحيبًا، من اعتمَرَهُ لا يُرِيدُ غيْرَه فقد زَارَني، ووفَدَ عليّ، ومن نزل بي فحُقَّ عليَّ أنْ أتْحِفَهُ بِكَرَامَتِي، وحُقَّ علَى الكريمِ أنْ يُكْرِم ضيفَه ووفْدَهُ، وأن يُسْعِفَ كُلَّا بحَاجَتِهِ" 15. قال عبد الملك بن حبيب 16: وأفضل شهور السنة للعمرة شهر رجب وشهر رمضان.
الجزء: 1 - الصفحة: 121
فصل في التجَرُّدِ في الإحْرَام
وذكر أبو عبد الله بن الحاج عن ابن أبي شيبة من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَا مِنْ مُحْرِمٍ يَضْحَى للشَّمْسِ 17 حتَّى تغْرُبَ إِلَّا غرُبَتْ بِذُنُوبِهِ حتَّى يُصبِحَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ" 18. رواه أحمد 19 وهذا لفظه، ورواه ابن ماجه أيضًا 20. وقال بعضهم 21:
الجزء: 1 - الصفحة: 122
ضَحِيتُ لَهُ كَيْ أسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إِذَا الظِّلُّ أضْحَى فِي القِيَامَةِ قَالِصًا 22
فَيَا حَسْرَتَا إِنْ كَانَ حَجُّكَ بَاطِلًا ... وَيَا أسَفَا إِنْ كَانَ حَجُّك؛ نَاقِصًا 23 = (الديباج: 1/ 141 رقم 2، الشجرة: 64 رقم 51، المدارك: 4/ 5). والذي دلنا على أن الذي أنشد البيتين هو ابن المعذل ما نقل عن الرياشي أنه رأى ابن المعذل وهو ضاح للشمس، فقال له: يا أبا الفضل هذا أمر قد اختُلِفَ فيه، فلو أخذتَ بالتوْسِعَةِ، فأنشد أبو الفضل البيتين.
(تقييد أبي الحسن على المدونة: 2/ 51 ب، المغني لابن قدامة: 3/ 308، والبيت الثاني فيه كما يلي: فوا أسفًا إِن كان سعيك باطلًا ... ويا حسرتا إِن كان حجك ناقصًا)
الجزء: 1 - الصفحة: 123
فصل: التلبية
()
جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَا عن يَمِيِنهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرضُ مِنْ هَا هُنَا وَمِنْ هَا هُنَا" أخرجه الترمذي 24.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَا أهَلَّ مُهِلّ 25 قَطُّ إِلا بُشِّر، وَلَا كبَّر مُكَبِّر قَطٌّ إِلَّا بُشِّر، قيل: يا نَبي الله، بِالجنّة؟ قال: نَعَم" 26. () التلبية: الإجابة بعد الإِجابة ولزوم الطاعة.
لبيك: ثني للتكثير والمبالغة، (النووي على مسلم: 8/ 87).
الجزء: 1 - الصفحة: 124
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أتَانِي جِبْرِيلُ فَأمَرَنِي أنْ آمُرَ أصْحَابِي أنْ يَرْفَعْوا أصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ".
رواه مالك 27 والأربعة 28 وابن حِبَّان 29 والحاكم 30. وهذا اللفظ للنسائي.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
وكان أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأتون الرَّوْحَاء 31 حتى تَبَحَّ حلوقُهم من التلبية 32. وعن بكر بن عبد الله 33 قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يرفع صوته بالتلبية حتى أني لأسمع دَوِيَّ صَوْتِهِ بين الجبال، رواه ابن المنذر 34 *.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
فصل: من مات في حجّ أو عمرة أو بعد قدومه
35 روى الدارقطني عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَاتَ فِي هَذَا الوجْهِ مِنْ حَاجٍّ أوْ مُعْتَمِرٍ لَمْ يُعرَضْ ولَمْ يُحَاسَبْ، وقيلَ لَهُ: ادخُل الجنّةَ" 36. ورُوي عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هَذَا البَيْتُ دِعَامَةُ 37 الإِسْلامِ، فمنْ خرَجَ يَؤُمُّ هَذَا البَيْتَ مِنْ حَاجٍّ أوْ مُعْتَمِرٍ زائرًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 127
كَان مَضْمُونًا عَلَى الله إِنْ قَبضَهُ أن يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ وإِنْ رَدّهُ رَدَّهُ بأجْرٍ وَغَنِيمَةٍ" 38. أخرجه الأزرقي 39.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا، فَمَات، كتَبَ الله لَهُ أجرَهُ إِلَى يومِ القيامة؛ ومن خَرَج معتمرًا.
فماتَ كتبَ الله لهُ أجْرَهُ إِلَى يومِ القِيَامَةِ".
أخرجه أبُو داود 40.
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ أوْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، بُعِثَ مِنَ الآمِنِينَ" 41.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
وعن سلمان 42 - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ مَاتَ في أحَدِ 43 الحَرَمَيْنِ، وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي، وكانَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الآمِنين" 44. قال بعضُ السلَف: كنا نحدث أنَّ "مَنْ خُتِمَ لَهُ بإِحْدَى ثَلاثٍ - إِما قال: وجَبَتْ له الجنّةُ، وإِما قال: بَرِئ منَ النَّارِ -: مَنْ صَامَ شهرَ رمضانَ، فإِذا انقضى الشهْرُ مَاتَ، ومن خرج حَاجًّا، فإِذا رَجَعَ من حجِّهِ مات، ومن خرجَ معتمرًا فإِذا رَجَعَ مِنْ عُمْرَتِهِ مَاتَ" 45.
الجزء: 1 - الصفحة: 129
باب: ما جاء في حج الماشي والرَّاكب
يُرْوَى أنَّ آدَمَ 46 - عليه السلام - حجَّ على رجليه سبعين حجةً، أخرجه الأزرقي 47. وعن ابنِ عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّ آدمَ عليه السلام حجَّ من الهِنْدِ أربعينَ حجةً على رجليْهِ 48. أخرجه ابن الجوزي 49. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ما آسَى على شيءٍ مَا آسَى عَلَى أنِّي لم أحجَّ مَاشيًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 130
ولقد حج الحَسَنُ بن علي 50 - رضي الله عنهما - خمس عشرة حجة ماشيًا، وإن النجائب 51 لتقاد معه، ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات، حتى إِنه ليعطي الخفَّ ويمسك النعلَ.
رواه البيهقي 52.
ورُوي أن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرض، فجمع بنيه وأهلَه، فقال لهم: يا بَنيَّ إِنِّي سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّة ماشيًا، حتَّى يرجِعَ إِليهَا، كتب الله لهُ بكلِّ خطوةٍ سبعمائة حسنة من حسنات الحرم".
فقال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ فقال: "كلُّ حَسَنَةٍ بِمَائَةِ ألفِ
الجزء: 1 - الصفحة: 131
حسنةٍ" 53 رواه الحاكم وصحح إِسناده *. وروى الطبراني في معجمه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال لبنيه: يا بني، أخرُجُوا من مكّةَ حاجِّين مشاةً، فإِني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إِنّ للحاجِّ الراكبِ بكُلِّ خطوةٍ تخطُوهَا رَاحلتُه سبعينَ حسنةً، وللماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة" 54. قال عز الدين بن جماعة: رجال إِسناده ثقات 55.
الجزء: 1 - الصفحة: 132
ويُروى: "أنَّ المَلَائِكَةَ تَعْتَنِقُ المُشَاةَ وتُصَافِحُ الركْبَانَ" 56 وسيأتي اختلاف الفقهاء في 57 أيهما أفضل 58.
الجزء: 1 - الصفحة: 133
فصل: النفقة في الحج
وعن بريدة 59 - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "النَّفَقَةُ فِي الحَجِّ كالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ الله، الدّرْهَمُ 60 بسبعمائة ضِعْفٍ".
قال ابنُ جماعة: رواه أحمد 61 وابن المنذر 62.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عام حجة الوداع بمكة: "الحَاجُّ والعُمَّارُ وفْدُ الله، يُعطِيهِمْ مَا سَألُوا، ويَستَجِيبُ لَهُمْ فِيمَا دَعَوْا، ويُخلِفُ عَنْهُم مَا أنْفَقُوا، ويضَاعِفُ لهُم الدرْهَمَ ألْفَ ألْفِ دِرْهم 63، والذي بَعَثَنِي بالحقّ الدرهَمُ منهَا أثْقَلُ مِنْ جَبَلِكُمْ" 64.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وأشار إِلى أبي قُبَيس 65 رواه الفاكهي.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا خَرَجَ الحَاجُّ مِنْ بَيْتِهِ كَانَ فِي حِرْزِ الله، فَإِنْ مَاتَ قبلَ أنْ يَقْضِيَ نُسْكَهُ وَقَعَ أجْرُهُ 66 عَلَى الله، وإِنْ بَقِيَ حَتَّى يَقْضِيَ نُسْكَهُ غُفِرَ لَهُ.
وَإِنْفَاق الدِّرْهَمِ الوَاحِدِ في ذَلِكَ الْوَجْهِ يَعْدِلُ أرْبَعِينَ ألفًا".
رواه الحافظ زكي الدين المنذري 67 رحمه الله تعالى 68. = في سنده صالح بن عبد الله مولى بني عامر بن لؤي، وقال عنه: منكر الحديث.
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر" وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.
(المستدرك: 1/ 441، كتاب المناسك).
الجزء: 1 - الصفحة: 135
فصل: الطواف بالبيت
ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُنزلُ الله - عزّ وجلّ - كلَّ يَوْمٍ علَى هَذَا البيتِ عشرينَ ومائة رحْمَةٍ: ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين" 69.
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الله - عزّ وجلّ - يُبَاهِي بالطائفين" 70. = جاء في فضل النفقة في الحج).
وأورده الشوكاني في (الفوائد المجموعة: 109 رقم 19) وفيه: يعدل أربعين ألف ألف درهم فيما سواه، ونقل عن ابن حجر أنه موضوع.
الجزء: 1 - الصفحة: 136
وفي رواية أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: سمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا ولا وضعها، إِلا كَتَبَ الله لهُ عشْرَ حَسَنَاتٍ وحطّ عنْهُ عشرَ سيِّئات ورُفِعَ له عشرُ دَرَجاتٍ" 71. وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ طَافَ بالبيتِ سبعًا، وصلَّى خلْفَ المَقَامِ ركعتين وشَرِبَ مَاءَ زمْزَم، غُفرتْ له ذنوبه بالغة ما بلغتْ" 72 أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري 73.
الجزء: 1 - الصفحة: 137
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا خَرَجَ المَرْءُ يُريدُ الطَّوَافَ بالبَيْتِ أقْبَلَ يَخُوضُ في الرحْمَةِ، فإِذَا دَخَلَهُ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، ثمَّ لَا يَرْفَعُ * قَدَمًا ولَا يَضَعُهَا إِلا كَتَبَ الله بكُلِّ قَدَمٍ خمسمائة حسنة، وحطَّ عَنْهُ خمسمائة سيّئَةٍ، ورُفِعَتْ لهُ خمسمَائة درَجَةٍ، فإِذا فَرَغَ منَ الطَّواف وصلَّى ركعتَيْن دُبُرَ المَقَامِ، خرج منْ ذُنُوبِهِ كيومِ وَلَدَتْهُ أمُّه وكتَبَ له أجْرَ عشْر رِقَابٍ منْ ولد إِسماعيل، واستقبلَهُ ملَكٌ علَى الرُّكْنِ، وقال له: استَأنف العمَلَ فيمَا يستقبل فقد كُفِيتَ ما مضَى، وشفع 74 في سبعين من أهْلِ بَيِتِه" 75. أخرجه الفاكهي والأزرقي 76. وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحشر يوم القيامة من الآمنين" 77 ذكره القاضي عياض في الشفا 78. وقد روى سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير أنه قال: "من حَجَّ البيتَ فطافَ خمسينَ أسْبُوعًا قبل أن يَرْجِعَ، كَانَ كَمَنْ وَلَدَتْهُ أمُّهُ" 79.
الجزء: 1 - الصفحة: 138
وَفي الترمذي: "مَنْ طافَ بِالبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً" (1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: "استَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ أثقل شَيءٍ تَجِدُونَهُ في صَحَائِفِكُمْ، وأرْجَى عَمَلٍ تَجِدُونَهُ" (2).
مسألة
:
قال القرافي في الذَّخيرة: وأفضلُ أركانِ الحجِّ الطوافُ؛ لأنه مشتَمل على الصلاة وهو في نفسه مشبه بها، والصلاة أفضل من الحج 82، فيكون أفضل الأركان 83.8081 = وكذلك روى ابن عباس، ومثل هذا ألا يكون إِلا توقيفا.
وأخرجه ابن زنجويه عن ابن عباس بلفظ: من طاف بالبيت خمسين أسبوعًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما في (كنز العمال: 5/ 170 - رقم 12495).
الجزء: 1 - الصفحة: 139
ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحَجُّ عَرَفَةٌ" 84 أى إِدراك الحج عرفة.
وفي رسالة الحسن البصري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ القبلةِ سَاعَةً واحِدَةً محْتَسِبًا لله عزَّ وجلَّ تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ، كَانَ لَهُ كَأجْرِ الحَاجِّ والمُعْتَمِرِ والمُرَابِطِ القَائِمِ" 85.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "طَوَافَانِ لَا يُوَافِقُهُمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلا خَرَجَ من ذنُوبِهِ كيومِ وَلَدَتْهُ أمّه، وغفرت له ذنوبه بالغة ما بلغت: طواف بعد الصبح يكون فراغه عند طلوع الشمس، وطواف بعد العصر يكون فراغه عند غروب الشمس 86 فقال رجل: يا رسول الله،
الجزء: 1 - الصفحة: 140
فإِن كان بعده أو قبله؟ قال: يلحق به"، رواه الفاكهي والأزرقي (1) وغيرهما (2).
وفي رواية الفاكهي أن رجلًا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ولمَ تُستحب هاتان الساعتان؟ قال: "لأنّهما ساعتان لا تعدوهما الملائكة".
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان أحب الأعمال إِلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إِذا قدم مكة الطواف بالبيت (3).
مسألة
: مذهب مالك - رحمه الله - أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، بخلاف أهل مكة 90.878889
الجزء: 1 - الصفحة: 141
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يطوف سبعة أسابيع بالليل وخمسة بالنهار 91. ذكره الأزرقي، وقال: إِن آدم عليه الصلاة والسلام كان يطوف كذلك.
الحسن البصري في رسالته: إِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ طَافَ حَوْلَ البَيْتِ أسْبُوعًا * في يَوْمِ صَائفٍ شَديدِ الحَرِّ واسْتَلَمَ الحَجَرَ في كلِّ طَوَافٍ من غيْرِ أن يُؤْذِي أحَدًا وقلَّ كلَامُهُ إِلَّا بذكْرِ الله، كان لَهُ بكلِّ قَدَم يَرْفَعُهَا ويَضَعُهَا سَبْعُونَ ألْف حَسَنَةٍ، وتمحى عنْهُ سبْعُونَ ألْف سَيِّئَةٍ، وتُرْفَعُ لَهُ سَبْعُونَ ألْف دَرَجَةٍ" 92.
وذكر ابن أبى شَيْبَة عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: قلت لابن عمر: يا أيا عبد الرحمن إِنك لتزاحم على هذين الركنين 93 زحامًا ما رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله! قال: ان أفعل، فإِني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَسْحُهُمَا يَحُطُّ الخَطَايَا" 94 وسمعته يقول: "مَنْ
الجزء: 1 - الصفحة: 142
طَافَ بهذَا البيتِ لم يَرْفَعْ قدَمًا، ولم يَضَعْ قَدَمًا إِلا كَتَبَ الله له بها حسنة وحطت عنه خطيئة، ورفعت له درجة".
حتى سمعته يقول: "من أحصى أسبوعًا كان له بعدل رقبة" 95.
قال ابن وضَّاح 96: قوله: أحصى أسبوعًا، أي طاف أسبوعًا، وتحفظ فيه أن 97 لا يغلط.
وذكر الإِمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد له عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: مَنْ طَافَ بهذا البيتِ سبعًا وصلَّى ركعتيْنِ كانَ كمَنْ أعتَقَ رقبَةً 98.
الجزء: 1 - الصفحة: 143
الطواف في المطر
عن أبي عِقال 99 قال: طفت مع أنس بن مالك - رضي الله عنه - في مطر، فلما قضينا الطواف أتينا المقام فصلينا ركعتين، فقال أنس - رضي الله عنه - "ائْتَنِفُوا 100، العمَلَ، فقَدْ غُفِر لَكُمْ" هكذا قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطفنا معه في مطر 101. رواه ابن ماجه 102. وذكر النضر بن شُميل بروايته عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه أنه كان مع ابن عمر - رضي الله عنهما - عند البيت فطاف ابن عمر وصلى ركعتين، وقال: "هَاتَانِ يُكفِّرَانِ ما أمَامَهُمَا" 103.
الجزء: 1 - الصفحة: 144
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ فِي يَوْم مَطَرٍ كتَب الله لهُ بكلِّ قَطْرَةٍ تُصِيبُهُ حَسَنَةً، ومُحِيَ عنْهُ بالأخْرَى سَيِّئَةٌ" (1).
الدعاء عند محاذاة الميزاب
ومما ذكره ابنُ الجوزي 105 عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إِذا حاذَى الميزابَ، وهو في الطواف، يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ المَوْتِ، والعفوَ عندَ الحِسَابِ" 106.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: صَلُّوا فِي مُصَلَّى الأخْيَار.
قيل: وما مُصَلَّى الأخيَار؟ قال: تحتَ المِيزَابِ 107.104
الجزء: 1 - الصفحة: 145
فصل: الملتزم والدعاء فيه
قال أبو عبد الله بن الحاج: روى عكرمةُ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَا بَيْنَ الرُّكْنِ والبَاب مُلْتَزَمٌ، مَنْ 108 دعَا الله عندَهُ، مِنْ ذِي حَاجَةٍ أو ذِي كُرْبَةٍ أو ذِي غَمٍّ فرَّجَ الله عَنْهُ" 109. وروى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كَانَ يلصق وجهَهُ وصَدرَهُ 110 بالملتَزَم" 111. وقال ابن حبيب: الملتزَمُ الموْضِعُ * الذي يُعْتَنَقُ ويلجّ الدَّاعِي فيه بالدُّعاءِ، كذا فسره مطرف 112.
الجزء: 1 - الصفحة: 146
وقلت له: ترى أن تعتنق؟
قال: نعم، وقد سمعت مالكًا يستحب ذلك.
قال مالك: وهو المتعوَّذُ أيضًا 113.
وروى أبو الزبير 114 عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الملتزَم والمدَّعَى والمتعَوَّذ: ما بين الحِجْر إِلى البَاب 115.
ورُوي عن القاسم بن محمد 116 وعمر بن عبد العزيز 117 وجعفر بن
الجزء: 1 - الصفحة: 147
محمد 118 وأيوب السختياني 119 وحميد الطويل 120، أنهم كانوا يلتزمون ظهر البيت بين الركن اليماني والباب المؤخر.
وقال بعضهم: إِن ذلك ملتزَم، وهو خلاف ما تقدم.
ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ذلك الملتزَم، وهنا المتعوَّذ.
فكأنه جعل ذلك موضعَ رغبةٍ، وهذا موضع استعاذة.
وكذلك تدل ألفاظ الأخبار عن القاسم بن محمد، ومن ذكرنا معه، على أنه موضع استعاذة، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
فصل: الدعاء عند الركن اليماني
روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "عَلَى الرُّكْنِ اليَمَانِيّ ملَكٌ مُوكَلٌ به منذُ خلَقَ الله السماواتِ والأرضَ، فإِذا مَرَرْتُمْ به فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية 121 فإِنه يقول آمين 122 ". وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "أنَّه وُكِلَ بِهِ سبْعُون ألف ملَك يؤمِّنونَ علَى الدُّعَاءِ عندَهُ" 123. = الأمصار: 93 رقم 684).
الجزء: 1 - الصفحة: 149
فصل: استلام الحجر الأسود
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "استقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت فإِذا هو بعمر - رضي الله عنه - يبكي، فقال: يا عُمر، هَا هُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ".
رواه ابن ماجه 124 والحاكم وصحح إِسناده 125.
وذكر ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لَيُبْعَثَنَّ الحَجَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبصِر بهمَا ولسَانٌ ينطقُ به يشهَدُ علَى منِ استلَمَهُ بحقٍّ" 126. = الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: آمين".
(مثير الغرام: 265، باب ذكر الركن اليماني).
وقال محققه: أخرجه ابن ماجه بلفظ: "سبعون ملكًا" رقم 2957.
الجزء: 1 - الصفحة: 150
قال ابن الجوزي 127: ورُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: الحجرُ يَمِينُ الله في الأرضِ، فمنْ لم يُدركْ بيعةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمسح الحجرَ؛ فقد بايعَ الله ورسولَه 128.
وفي لفظ آخر: يمين الله في الأرض يصافح بها عباده 129 كما يصافح أحدُكم أخاه 130.
وقيل: إِن الله تعالى لمّا أخذ الميثاق كتب كتابًا على الذرية، فألقمه الحجر الأسود.
قال العلماءُ: ولهذه العلة يقول لامسه: اللَّهُمَّ إِيمَانًا بكَ، وتصديقًا بِكتَابِكَ، ووفاء بعَهْدِكَ 131.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
فصل: الشرب من ماء زمزم
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "مَاء زمْزَمَ لِمَا شُرِبَ له 132، إِن شربتَهُ تريدُ به الشفاءَ شفَاك الله، وإنْ شَرِبْتَه لظمإِ أرواك الله، وإن شَرِبْتَهُ لجُوعٍ أشْبَعَكَ الله".
ورُوي عنه أيضًا أنه قال: "اشْرَبُوا مِنْ شَرَابِ الأبْرَارِ، وصَلُّوا في مُصَلَّى الأخْيَار، قيل: وما شرابُ الأبْرَار؟ قال: زمزم.
قيل: وما مُصَلَّى الأخيارِ؟ قال: تحت الميزاب" 133 *.
وجاء أنه لا يعمد إِليها امرؤٌ يتضلَّع 134 منها ريًّا ابتغاء بركَتِهَا إِلَّا أخرجَتْ
الجزء: 1 - الصفحة: 152
منه مثل ما شرب من الداء، وأحدثت له شفاء (1).
ورُوي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "النَّظَرُ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ، والطَّهُورُ منها يَحْبِطُ الخَطَايَا، ومَا امتَلأ جوفُ عبدٍ من زَمْزَم إِلَّا ملأهُ الله عِلْمًا وَبِرًّا".
ومن ها هنا كان عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - إِذا دعا قومًا عنده سقَاهم منها.
تنبيه
:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "والطَّهُورُ منها يحبطُ الخَطايَا" يريد: الوضوء خاصة 136 إِذا كانت أعضاءُ الوضوء طاهرةً 137. وأما الاستنجاء به فقد شُدِّد في الكراهة فيه، وجاء أنه يُحدث البواسير، وكذلك غسل النجاسات التي على البدن أو غيره.
قال ابن شعبان - من أصحابنا -: ولا يغسل به نجس 138، وهو طعام135
الجزء: 1 - الصفحة: 153
طعم 139 وشفاء سقم 140، وهو لما شرب له، وهي مباركة 141. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يتضلع منها منافق" 142. وروى الحميدي: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهدى سهيل بن عمرو 143 من
الجزء: 1 - الصفحة: 154
ماء زمزم، فبعث إِليه بَراوِيَة من ماء زمزم وجعل عليها كرًّا غَوْطيًّا" (1).
مسألة
:
قال ابن الحاج: يُستحب لمن حج أن يكثر من ماء زمزم، تبركًا ببركته.
فيكون منه شربه ووضوؤه ما أقام بمكة، ويستكثر من الدعاء عند شربه.
وروى مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إِذا شربتَ من ماء زمزم فقل: اللهم اجعله لي علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داءٍ 145، واغسل به قلبي، واملأه من خَشْيَتِك 146.144
الجزء: 1 - الصفحة: 155
مسألة
: قال ابن حبيب: يُستحب لمن حجّ أن يتزوَّد منه إِلى بلده، فإِنه شفاءٌ لمن استشفى به (1).
الترغيب في دخول الكعبة
ثبت في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة وصلى فيها 148. وذكر البخاري أنَّ عُمر - رضي الله عنه - كان كثيرًا ما يحج ولا147
الجزء: 1 - الصفحة: 156
يدخلها (1). وذكر ابن الجوزي عن مجاهد أنه قال: دخول البيت دخولٌ في حسنة، وخروج منه خروج من سيئة (2)، ويعني: أنه يخرج من سيئاته عند خروجه منه.
مسألة
: قال ابن حبيب: وأخبرني مطرِّف عن مالك - رحمه الله - أنه سُئل عن الصلاة في البيت وعن دخوله كلَّمَا قدَر عليه؟ فقال: ذلك واسع حسن 151. قال: وقد سئل مالك عن دخول البيت المرتين والثلاث في اليوم؟ فقال: لا بأس به 152.149150
الجزء: 1 - الصفحة: 157
مسألة
: ومن صلَّى في البيت الحرامِ، واستقبل أيَّ نواحيه 153 شاء شرقًا أو غربًا، فلا بأس بذلك 154. قال مالك - رحمه الله -: وأحبُّ إِليَّ أنْ يَجعلَ البابَ خلف ظهره، وهو الوجه الذي صلَّى إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - 155 *.
مسألة: قال ابن حبيب: واخلع نعلَيْك إِذا دخلتَ الكعبة 156، واجتنب أن
الجزء: 1 - الصفحة: 158
تبصقَ فيها أو تمخط، ونزهها ما استطعت، فإِنها بقعة مكرمة شرفها تعالى على بقاع الأرض، وألح في الدعاء والرغبة إِذا دخلتها فإِنه مقام عظيم.
تنبيه
:
قوله: "شرفها الله على بقاع الأرض" مستثنى من ذلك ما ضمَّ أعضاءَه الكريمة - صلى الله عليه وسلم -، فقد أجمعوا على أفضليته على ما سواه 157.
قال ابن حبيب: وكان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، - فيما أخبرني ابن عبد الحكم - 158 إِذ دخل الكعبة قال: اللهم إِنك وعدتَ الأمان داخلَ بيتك وأنت خير منزول به، اللهم اكفني مؤونة الدنيا وكلَّ هولٍ دونَ الجنة، حتَّى تُبلغنيها برحمتك 159. = وقال المحب الطبري أخرجه سعيد بن منصور عن عطاء وطاوس وداود أنهم كانوا يقولون: "لا يدخل أحد الكعبة في خف ولا نعل".
(القِرى: 459).
الجزء: 1 - الصفحة: 159
مسألة
:
قال مالك: ولا يعتنق شيئًا من أساطينه.
وقد دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم أسمع أنه اعتنق من أساطينه شيئًا (1).
مسألة: قال أبو عبد الله بن الحاج: وأجمع العلماء على أن من حج واعتمر ولم يدخل الكعبة، أنَّ نسكه تام ولا شيء عليه.
تنبيه
:
من أراد دخول البيت فتعذَّر عليه فليدخل الحِجْر، فإِنه لا فرق بينهما، لأنه بعضُ البيت وإِنما أُخرج منه.
قالت عائشة - رضي الله عنها - كنت أحبُّ أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي وأدخلني الحِجْر وقال: "صلِّي في الحِجر، إِن أردتِ دخولَ البيتِ، فإِنّهُ قطعةٌ منه، وإِن قومكِ اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت"، خرجه أبو داود 161 والترمذي 162.160
الجزء: 1 - الصفحة: 160
ولذلك ترك مُحَجَّرًا ومنع من صلاةِ الفريضة في الحِجْر، كما منع من إيقاع الفريضة في البيت (1)، والأخبار متواترة في أنه من البيت، والقدر الذي قُطع من البيت نحو ستة أذرع والباقي في المسجد (2) والله أعلم.
فصل: يوم عرفة
روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَا رُئِيَ الشيطَان فِي يَوْمٍ هوَ أصغر ولا أدْحَرَ 165 ولا أحْقَرَ منهُ يومَ عرَفة، وما ذاكَ إِلَّا لمِا يُرَى من تنزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ163164
الجزء: 1 - الصفحة: 161
الله عنِ الذنُوبِ العظامِ" 166.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ الله يُبَاهِي بأهْلِ عَرَفَات وأهْلِ المَشْعَر ملائكته 167 فيقول: انظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاؤُوا شُعْثًا غُبْرًا، أشْهِدُكُمْ أني قَدْ غَفَرتُ لَهُمْ" 168.
وذكر قاسم بن أصبغ 169 من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفة ينزلُ الله تعالى إِلَى سماءِ الدّنْيَا، فيقول *: انظروا إِلَى عبادِي أتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا منْ كُلِّ فجٍّ عميق، أشهدُكُمْ أنِّي قدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.
قال: فتقول الملائكة: يا رب فيهم فُلان وفلان،
الجزء: 1 - الصفحة: 162
قال: فيقول عزّ وجلّ: قد غَفَرْتُ لَهُمْ أجْمَعِينَ 170، ومَا مِنْ يومٍ أكثَرَ عِتْقًا من النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة" 171.
وقال أبو محمد عبد الحق الأزدي في منسكه: ذكر ابن المبارك 172 من = بصيرًا بالحديث ورجاله، وكان مشاورًا في الأحكام.
له مؤلفات في الحديث وغيره.
ت 340 وقد تجاوز تسعين سنة.
(الأعلام: 6/ 7، بغية الملتمس: 433 رقم 1298، تاريخ ابن الفرضي: 364 رقم 1070، جذوة المقتبس: 311، الديباج: 2/ 145 رقم 2، شجرة النور: 88 رقم 191، كحالة: 8/ 95، لسان الميزان: 4/ 458 رقم 1415، نفح الطيب: 2/ 47 رقم 14 و 3/ 395).
الجزء: 1 - الصفحة: 163
حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "وَقَفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفَاتٍ، وقدْ كادت الشمس أن تغرب، فقال: يا بلال! أنصت لِي النَّاسَ، فقام بلال - رضي الله عنه - فقال: أنصتوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنصت الناس فقال: يا معشر الناس! أتاني جبريل آنفًا فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنَّ الله عزّ وجل غَفَرَ لأهْلِ عَرَفَاتٍ وأهْلِ المَشْعَرِ وضمِنَ عنهمُ التَّبِعَات، فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، لنا خاصَّةً؟ فقال: هَذا لكمْ، ولِمَنْ أتَى بعدَكُمْ إِلَى يْومِ القيَامَةِ" فقال عمر - رضي الله عنه - كَثُر خيرُ الله وَطاب 173. وروى ابن جُريج 174. = المدارك: 3/ 36، مرآة الجنان: 1/ 378، المعارف لابن قتيبة: 174، النجوم الزاهرة: 1/ 503، هدية العارفين: 483).
الجزء: 1 - الصفحة: 164
عن محمد بن المنكدر 175 عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المَغْفِرَةُ تَنْزِلُ مع الحَرَكَةِ الأولَى، فإِذا كانتِ الدّفْعَةُ العُظْمَى فَعِنْدَ ذَلِك يضعُ إِبليس التُّرَابَ علَى رَأسِهِ ويدْعُو بالوَيْلِ والثُّبُور فتجتَمِعُ إِليه شَيَاطِينُه فيقُولُون: مَالَكَ؟ فيقول: قومٌ فَتَنْتُهم منذ ستين وسبعين سنة غُفِرَ لهُم في طَرفَةِ عيْن" 176.
الجزء: 1 - الصفحة: 165