الباب العشرون: في ذكر آثار شريفة بمكة ينبغي أن تقصد للتبرك (*) بها
واعلم أن بمكة آثارًا ينبغي للحاج أن يقصدها، ويدعو الله فيها:
الموضع الأول: البيت الذي وُلد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
وهو في زقاق * إِن التبرك بالآثار والمشاهد لم يكن من شأن السلف الصالح، وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بقطع شجرة بيعة الرضوان التي كانت بالحديبية لما بلغه أن بعض الناس يتسارعون إِلى الصلاة تحتها.
وقد استنكر الإِمام ابن تيمية تعظيم ما لم يعظمه الشرع، واعتبره أقرب إِلى عبادة الأوثان (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 650).
ولم يكن الإِمام مالك يرى مشروعية إِتيان غير المسجد النبوي ومسجد قباء في المدينة، فقد قيل له: هل من هذه المساجد شيء يأتيه؟ قال: مسجد قبا - قيل: فغيره؟ قال: لا أعلمه (الجامع لابن أبي زيد: 142).
وقد أوضح أبو بكر بن العربي أن قصد البقاع الكريمة لا يكون إِلا في نوعين: المساجد الإِلهية الثلاثة، والثغور للرباط بها والذب عنها، ففي السفر إِلى هذه البقاع فضل كبير.
كما أوضح أن "النية تقلب الواجب من هذا (يعني السفر) حرامًا والحرام حلالًا بحسب حسن القصد وإِخلاص السر عن الشوائب" (أحكام القرآن: 1/ 486 - 487).
الجزء: 2 - الصفحة: 729
معروف، يقال له: زقاق المولد (1).
الموضع الثاني: منزل خديجة عليها السلام
(2) وهو البيت الذي كان يسكنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خديجة - رضي الله عنها - وفيه ولدت أولادها منه عليه السلام، وفيه توفيت خديجة - رضي الله عنها - ولم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيمًا به إِلى أن هاجر، وكان معاوية اشتراه فجعله مسجدًا يصلى فيه، وفتح معاوية فيه بابًا من دار أبي سفيان، وهي الدار التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهْوَ آمن" (3).
الموضع الثالث: مسجد في دار الأرقم التي على الصفا
، ويقال لها: دار الخيزران 4، فله - صلى الله عليه وسلم - فيها تردد وإِقامة.123
الجزء: 2 - الصفحة: 730
الموضع الرابع: مسجد بأعلى مكة يقال له: مسجد الجن
، ويقال له: مسجد البيعة (1)، قيل: إِنَّ الجن بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هناك.
الموضع الخامس: مسجد في عرفة عن يمين الموقف، يقال له: مسجد إِبراهيم،
وهو غير مسجد عرفة الذي يصلي فيه الإِمام (2)، ذكره ابن الجوزي في مثير الغرام الساكن (3) ولا يعرف اليوم، والله تعالى أعلم (4).
الموضوع السادس: مسجد بمنى، يقال له: مسجد الكبش
(5)؛ لأن الكبش الذي نزل فداءً لإِسماعيل عليه السلام نزل هناك.
الموضع السابع: موضع بأجياد، وهو مسجد فيه موضع يقال له المتكى
- قيل: إِنه - صلى الله عليه وسلم - اتكأ هناك 10.56789 = وقد تحدث عنها الأزرقي في (أخبار مكة 2/ 200) والقلصادي في (الرحلة: 140)، والبلوي في (تاج المفرق: 1/ 312). وابن الجوزي في (مثير الغرام: 344)
الجزء: 2 - الصفحة: 731
الموضع الثامن: مسجد العقبة
، حيث بايع الأنصار رضي الله عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).
الموضع التاسع: مسجد الجعرانة
(2) حيث أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعمرة (3).
الموضع العاشر: مسجد التنعيم
(4) حيث اعتمرت عائشة - رضي الله عنها - بأمر رسول الله (5) - صلى الله عليه وسلم -.
الموضع الحادي عشر: جبل حراء
16، فإِن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعبد فيه 17.1112131415
الجزء: 2 - الصفحة: 732
الموضع الثاني عشر: موضع بجبل ثور
18 وهو الذي اختفى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رضي الله عنه.
وفي مكة غير هذا من المساجد التي صلى فيها عليه السلام وآثار مشهورة عند أهل مكة.
الجزء: 2 - الصفحة: 733
الباب الحادي والعشرون: في القدوم على ضريح سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآداب السلام عليه، وما يتصل بذلك من ذكر المشاهد الشريفة التي بالبقيع, وذكر فضل المدينة وفضل أهلها، وذكر المزارات الكائنة بها
*.
وفيه فصول:
الأول في الترغيب في ذلك: واعلم أن زيارة قبر 19 سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أعظم القربات وأرجى الطاعات، وقد رُوي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ زَارَنِي بعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي" 20، و"مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي" 21. * عبارة (وذكر المزارات الكائنة بها) مطموسة في (ر).
الجزء: 2 - الصفحة: 735
ومن تمكن من زيارته ولم يزره فقد جفاه، وليس من حقه علينا ذلك.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من وجد سعةً ولم يفد إِلى فقد جفاني" 22.
قال القاضي عياض: وزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها 23. = العبدي، قال أبو حاتم: مجهول العدالة، وقال العقيلي: لا يصح حديث موسى ولا يتابع عليه، ولا يصح في هذا الباب شيء، وقال أحمد: لا بأس به، وصحح الحديث ابن السكن والتقي السبكي.
(شفاء السقام: 2 وما بعدها، فتح الغفار: 1/ 439). وأورده ابن جماعة، وقال: رواه الدارقطني والبزار وصححه عبد الحق يعني ابن الخراط الإِشبيلي.
(هداية السالك 1/ 113).
الجزء: 2 - الصفحة: 736
وأطلق بعض أصحابنا أن زيارته - صلى الله عليه وسلم - واجبة، ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة 24. ورُوي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ زَارَ قَبْرِي في المَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كانَ في جوارِي، وكنتُ لَهُ شَفِيعًا يومَ القِيَامَةِ" 25. وفي حديث آخر: "مَنْ زَارَنِي بعْدَ مَوْتِي فكَأنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي" 26.
الجزء: 2 - الصفحة: 737
وينبغي لِمَن نوى الزيارة أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف والصلاة فيه 27؛ لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تُشَدُّ الرحال إِلا إِليها 28، وهو أفضلها عند مالك رحمه الله 29. = ضمن الباب الأول من كتابه: (شفاء السقام: 32) مع ذكر طرق أسانيده.
وهو طرف من حديث في (كنز العمال 5/ 135 رقم 16372) وقال: أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان عن حاطب بن الحارث.
وقد ضعف ابن تيمية أحاديث زيارة القبر النبوي في كتابه (قاعدة جليلة: 74).
الجزء: 2 - الصفحة: 738
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه" 30. = وذهب الجمهور إِلى تفضيل مكة.
انظر (إِكمال الإكمال 3/ 478، التمهيد: 6/ 18، حاشية ابن عابدين: 2/ 626، القرى: 627، مكمل إِكمال الإِكمال: 3/ 478، مناسك العدوي: 45).
ومما استدل به مالك على تفضيل المدينة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند خروجه من مكة: "اللهم إِنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إِليَّ، فأسكني أحب البلاد إِليك".
سيأتي تخريجه.
وابن حزم يذهب إِلى تفضيل مكة على المدينة، ويرد ما احتج به المالكية على تفضيل المدينة.
انظر: (المحلى: 7/ 441 - 455). ومثله العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام 1/ 39 وما بعدها).
الجزء: 2 - الصفحة: 739
وذكر ابن حبيب في الواضحة: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصلاة في مسجدي كألفِ صلاة فيما سواه، وجمعة في مسجدي كألف جمعة فيما سواه، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه" 31.
قال مطرف: ذلك في الفرض والنفل.
قال ابن حبيب: ولا تدع زيارة قبره عليه السلام في مسجده، فإِن فيه من الرغبة ما لا غناء لك ولا لأحد عنه 32.
الجزء: 2 - الصفحة: 740
الفصل الثاني: فيما ينبغي للقادم على المدينة من طريق مكة
وقد تقدم ما يقول من الأذكار إِذا قفل من مكة 33، فلا فائدة لإِعادته.
فإِذا وصلتَ المعرَّس، وهي البطحاء التي بذي الحليفة، فلا تجاوزه حتى تنيخ به وتقيم فيه 34 حتى تصلي ركعتين أو ما بدا لك، فإِن ذلك من السنة، فإِن أتيته في وقت لا يصلَّى فيه فأقم فيه حتى تحل النافلة، ثم صل به ثم اِرْحَل 35.
وذلك أن ابن عمر 36 - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا
الجزء: 2 - الصفحة: 741
صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، فصلى بها.
قال نافع: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يفعل ذلك 37.
وقال مالك: لا أحب لأحد أن يترك ذلك.
والتعريس به والصلاة فيه من السنة.
ويستحب الغسلُ لدخول المدينة ولبس النظيف من الثياب 38.
فإِذا رحلت 39 منه ووقع بصرك على المدينة، فمن الآداب أن تنزل إِذا قارب النزول في المنزلة التي على باب المدينة 40.
الجزء: 2 - الصفحة: 742
والدليل على ذلك أن وفد عبد القيس لما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقوا أنفسهم عن الرواحل فلم ينيخوها وسارعوا إِليه 41، فلم ينكر عليهم ذلك - صلى الله عليه وسلم -. قال القاضي عياض 42: وقد حُدثت أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرًا وقرب من بيوتها ترجل، ومشى باكيًا منشدًا: [الطويل]: وَلمَّا رَأيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ... فُؤَادًا لِعِرْفَانِ الرُّسُومِ وَلا لُبَّا نَزَلْنَا عَنِ الأكْوَارِ 43 نَمْشِي كَرَامَةً ... لمَنْ بَانَ عَنْهُ أنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبَا 44
الجزء: 2 - الصفحة: 743
قال الإِمام العلامة أبو عبد الله بن رُشَيْدِ: ولما قدمنا المدينة في سنة أربع وثمانين وستمائة كان معي رفيقنا الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم بن الحكم 45، وكان أرمد، فلما وصلنا ذا الحليفة أو نحوها نزَلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار 46 فنزل وبادر إِلى المشي على قدميه احتسابًا لتلك الآثار، وإِعظامًا لمن حل بتلك الديار فأحسن الله وامتن بالشفاء 47 وأنشد لنفسه في وصف الحال: [الطويل] وَلمَّا رَأينَا مِنْ رُبُوعِ حَبيبنَا ... بيثرب 48 أعلَامًا أثرنَ له الحبَّا وَبالقُرْبِ منها إِذا كحلنا جُفُوننا ... شُفِينَا فلا بأسًا نَخَافُ وَلَا كَرْبَا وحينَ تَبَدَّى للعيونِ جمالُها ... ومن بُعْدِهَا عنَّا أُدِيلت لنا قربَا نزلنا عن الأكْوَارِ نمشِى تَكَرُّمًا ... لِمَنْ حل فيها أن يلم به رَكْبَا 49 نسح سجال الدمع في عرصاته ... ونلثم من حب لموطئه التربا * وإِنّ بقائي دونه لخسارةٌ ... ولو أنَّ كفي تملك الشرق والغربا
الجزء: 2 - الصفحة: 744
فيا عجبًا 50 ممن يقيم بزعمه ... يقيم مع الدعوى ويستعمل الكتبا وزلات مثلي لا تعد كثيرةً ... وبُعدي عن المختار أعظمها ذنبا
[آداب الزيارة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -]
ثم تدخل المدينة الشريفة بسكينة ووقار، فإِذا وَصَلْتَ المسجد فقل: اللهم هذا حَرَمُ رسولك، فاجعله لي وقاية من النار، وأمانًا من العذاب وسوء الحساب، وارزُقْنِي من زيارته ما رزقتَه أولياءَك وأهل طاعتك.
وقدِّم رجلك اليمنَى في الدخول 51 وقل:
بسم الله، والحمد لله، والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله صلى الله وملائكته عليك يا رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، واحفظني من الشيطان الرجيم 52.
ثم اقصد الروضة الشريفة، وهي ما بين القبر والمنبر، تصلي بها ركعتين، قبل وقوفك بالقبر الشريف 53 لأنها تحية المسجد.
الجزء: 2 - الصفحة: 745
فإِن قلت: المسجد إِنما تشرف بإِضافته إِليه - صلى الله عليه وسلم -، فينبغي البداءة بالوقوف عنده - صلى الله عليه وسلم -. قلت: ذكر ابن حبيب في أول كتاب الصلاة: قال ابن حبيب: حدثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قدمت من سفر فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو بفناء المسجد، فقال: "أدخلت المسجد فصليت فيه؟ قلت: لا، قال: فاذهب 54 فادخل المسجد وصل فيه، ثم ائت إِليَّ فسَلِّمْ عليَّ" 55. ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة 56. وقال ابن الحاج: وكل ذلك واسع، ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 746
وقال ابن حبيب: وإِن صلَّيْتَ الركعتين في غير الروضة أجزأك، وفي الروضة أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيِاض الجَنَّةِ، ومِنبَرِي عَلَى حَوْضِي" 57. وفي رواية: (ما بين منبري وبيتي) 58. وروي: (ما بين حجرتي ومنبري) 59.
الجزء: 2 - الصفحة: 747
وليس بين هذه الروايات اختلاف؛ لأن قبره - صلى الله عليه وسلم - في بيته، والبيت هو الحجرة، قاله الطبري 60.
فإِذا اختار الصلاة في الروضة فقال مالك: أفضل مواضع صلاة النافلة محرابه - صلى الله عليه وسلم -, وأفضل مواضع الفرض الصف الأول 61.
وقال في تحفة الزائر 62 لابن عساكر 63: يصلي إِلى جنب الروضة، انتهى.
= حجرتي روضة من رياض الجنة".
قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد وفيه كلام، وقد وثق.
(مجمع الزوائد: 4/ 8 - 9) قال القرطبي: الرواية الصحيحة (بيتي) ويُروى (قبري) وكأنه بالمعنى لأنه دفن في بيت سكناه.
(فتح الباري: 3/ 70).
الجزء: 2 - الصفحة: 748
ووجه ذلك الجمع بين فضيلتي الروضة عند المنبر؛ لأنهم قالوا: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رَوْضَةٌ مِن رَيَاضِ الجَنَّةِ" أي العمل فيها يُوصل إِلى روضة من رياض الجنة، كقولهم: الجنة تحت ظلال السيوف، والجنة تحت أقدام الأمهات 64.
ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -. "ومنبري على حوضي" أن الحضور عنده * وملازمة الأعمال الصالحة عنده تورد الحوض وتوجب الشرب منه، قاله الباجي 65 وذكره القاضي عياض.
ولما كانت اليمين الفاجرة عنده توجب النار 66 كان فعل الطاعة عنده يوجب الجنة، بفضل الله تعالى.
الجزء: 2 - الصفحة: 749
واختار بعضهم أن يصلي عند الإِسطوانة المخلقة، وتعرف باسطوانة المهاجرين 67؛ لأن أكابر الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يصلون إِليها، ويجلسون حولها، وتسمى أسطوانة عائشة - رضي الله عنها - للحديث الذي روت فيها "أنها لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسُّهمان" وهي التي أسرَّتْ بها إِلى ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي عنه فكان أكثر نوافله إِليها 68. ويقال: إِن الدعاء عندها مستجاب، وهي التي صلى إِليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المكتوبة بعد تحويل القبلة 69 بضعة عشر يومًا ثم تقدم إِلى مصلاه المعروف اليوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 750
وهذه الأسطوانة هي الثالثة من المنبر والثالثة من القبلة، والثالثة من الأسطوانة التي في شباك الحجرة، وهي الرابعة من الأسطوانة التي في الصندوق عند رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" حمله مالك - رحمه الله - على ظاهره، فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إِلى الجنة وأنها ليست كسائر الأرض تذهب وتفنى 70 ووافقه على ذلك جماعة من العلماء.
ثم تقدم إِلى القبر الشريف من ناحية القبلة، وإِن جعلت طريقك إِلى ذلك من جهة رجلي الصحابة - رضي الله عنهم - فهو أبلغ في الأدب من الإِتيان من جهة رأسه المكرم 71، وتقف قبالة وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك بأن تقف مقابل المسمار الفضة 72 الذي في الحائط، وذلك على نحو ثلاثة أذرع من السارية التي عند رأس القبر، وفي أصلها الصندوق، وإِن شئت وقفت داخل الشباك، وهو أولى من الوقوف خارجه، بدليل عمل السلف الصالح 73.
الجزء: 2 - الصفحة: 751
وقد قال ابن حبيب في الواضحة: واقصد القبر الشريف من تجاه القبلة، وادن منه.
فهذا نص في الأمر بالدنو منه، وإِذا وقف الزائر تحت القنديل المقابل للمسمار كان بينه وبين القبر الشريف الحائط الرخام الذي بناه عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - لما خافوا على حائط بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشرقي، فحفروا الأساس فظهرت قدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فبنى على الحجرة حاجزًا ومن خلفه جدار، ومن خلفه بيته - صلى الله عليه وسلم -، فليس في الوقوف هناك سوء أدب، بل هو موقف الزائرين المشار إِليه في كتب الزيارة.
ففي تحفة الزائر لابن عساكر أنَّ الزائرَ يقف تحت القنديل الكبير الذي من ناحية القبلة، وكذا في تاريخ * جمال الدين المطري 74 وكذا قاله بدر الدين ابن جماعة.
تنبيه: وإِنما أشاروا إِلى القنديل الذي تجاه القبر الشريف مما يلي القبلة، لأنه لم يكن هناك قبل احتراق المسجد 75 إِلا قنديل واحد يقابل وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
الجزء: 2 - الصفحة: 752
ولما جدد المسجد جُعِل هناك عدة قناديل، قاله جمال الدين المطري، ثم قال: إِن علامة الوقوف مقابل الوجه الكريم اليوم مسمار فضة مضروب في رخامة حمراء، إِذا قابلها الإِنسان ونظر إِلى أساس ما قابلته من الأساس كان مواجهًا للوجه الكريم، وموقف الزائرين اليوم هو عرصة بيت حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وكان موقف الزائرين قبل أن تدخل حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد عند السارية التي أسفلها الصندوق، ويستدبرون الروضة ويجعلون إِسطوانة التوبة 76 وراء ظهورهم، وهي التي فيها الشباك في هذا الوقت، وهناك، كان موقف الصحابة والتابعين للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإِذا استدبر الواقف أسطوانة التوبة المذكورة كان موقفه داخل = وتسرَّبتِ النيران إِلى أمتعة بالمخزن وتعذر التغلب عليها، وقد استولى الحريق على سقف المسجد وتلف ما احتوى عليه.
(نزهة الناظرين: 16 نقلًا عن القطب القسطلاني).
وانظر (طبقات الشافعية، للسبكي: 5/ 113).
الجزء: 2 - الصفحة: 753
الشباك قطعًا؛ لأن مالكًا - رحمه الله تعالى - نقل في العتبية أنها الثانية من القبر.
قال جمال الدين المطري: وروي عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب 77 - رضي الله عنه - أنه كان إِذا جاء يسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف عند الإِسطوانة التي تلي الروضة ويستقبل السارية التي فيها الصندوق اليوم.
والشباك الذي حول الحجرة اليوم أحدثه الملك الظاهر 78 في سنة تسع 79 وستين وستمائة.
وقد أنكر ذلك العلماء، لأنه أدخل فيه قطعة من الروضة مما يلي بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان ارتفاعه نحو قامتين، ثم رفعه الملك العادل زين الدين 80
الجزء: 2 - الصفحة: 754
كتبغا 81 حتى أوصله السقف، فالشباك ليس له سلف قديم، ولا عبرة بقول من يحض على أن الزيارة تكون خارجًا عن الشباك، مع نص ابن حبيب وغيره من أئمة المذهب على الأمر بالدنو منه.
فإِذا وقف للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فليقف وعليه الخشية والسكينة والتواضع، غاض البصر في مقام الهيبة، كما تفعل بين يديه في حياته، وتستحضر علمه بوقوفك بين يديه وسماعه لسلامك، وتمثل وجهه الكريم في ذهنك، وتحضر قلبك جلال هيبته 82 وعلو منزلته وعظيم حرمته، وأن أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إِلا كأخي 83 السرار 84، تعظيمًا لما عظم الله من شأنه 85.
قال ابن حبيب: وقد روينا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من أحد يسلمُ عليَّ إِلا ردَّ * الله عليَّ رُوحِي، حتَّى أرد عليه السلامَ" 86.
الجزء: 2 - الصفحة: 755
وتقول - بحضور قلب وغض صوت 87 وسكون جوارح وإِطراق هيبة -: السلامُ عليكَ أيُّهَا النبي، ورحمة الله وبركاته.
تنبيه:
ويقتصر على هذه الكلمة عند بعض العلماء.
قال ابن وهب عن مالك: ويدنو منه - صلى الله عليه وسلم - فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
قال مالك: ولا يمس القبر بيده 88، ويدعو للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ الصلاة.
= قال المنذري: في إِسناده أبو صخر حميد بن زياد، وقد أخرج له مسلم في صحيحه وقد أنكر عليه شيء من حديثه، وضعفه يحيى بن معين مرة ووثقه أخرى.
(مختصر سنن أبي داود: 2/ 447 رقم 1958). كما أخرجه أحمد في (مسنده: 2/ 527) والبيهقي في (السنن الكبرى: 5/ 245).
الجزء: 2 - الصفحة: 756
وقال ابن سعيد الهندي 89 - من أئمة المالكية - فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به ولا يَمسه ولا يقف عنده طويلًا 90.
وصح من رواية نافع أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان إِذا قدِم من سفر دخل المسجد ثم أتى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت 91.
فهذه طريقة ابن عمر- رضي الله عنهما - وتبعه مالك - رحمه الله - في ترك تطويل القيام هناك.
واختار بعضهم التطويل في السلام، وعلى ذلك الأكثرون 92.
قال جمال الدين المَطَري: ومن أكمل 93 ما يُسلم به المسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول:
الجزء: 2 - الصفحة: 757
السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا شفيع المذنبين، السلام عليك يا إِمام المتقين، السلام عليك يا قائد الغُرّ المحجلين، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا مِنَّة الله على المؤمنين، السلام عليك يا طه، السلام عليك يا ياسين، السلام عليك وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل الجزاء، وصلَّى عليك أفضل الصلوات.
وقال ابن حبيب: يقول:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك يا رسول الله أفضل وأزكى وأعلى وأنمى صلاةٍ صلاها على أحدٍ من أنبيائه وأصفيائه، أشهد يا رسول الله أنك قد بلَّغت ما أُرسلت به، ونصحت لأمتك وعبدت ربك حتى أتاك اليقين 94 وكنت كما نعتك الله في كتابه حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 95 فصلوات الله وملائكته وجميع خلقه في سماواته وأرضه عليك يا رسول الله، والسلام عليكما يا صاحبي رسول الله يا أبا بكر ويا عمر، جزاكم الله عن الإِسلام وأهله أفضل ما جزى وزيري نبي على وزارته في حياته
الجزء: 2 - الصفحة: 758
وعلى حسن خلافته إِياه في أمته بعد وفاته، فقد كنتما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزيري صدق في حياته وخلفتماه بالعدل والإِحسان في أمته بعد وفاته، فجزاكما الله عن ذلك * بمرافقته في جنته وإِيانا معكم برحمته 96. قال جمال الدين المطري: إِن كان الوقت مُتَّسِعًا فمن أحسن السلام أن تقول: الصلاة والسلام 97 عليك يا من سفرت لوامع مجده، الصلاة والسلام عليك يا من همرت هوامع رفده، الصلاة والسلام عليك يا من ظهرت أنوار علائه، الصلاة والسلام عليك يا من بهرت أنوار أسنائه، الصلاة والسلام عليك يا نتيجة الشرف الباذخ، الصلاة والسلام عليك يا سلالة المجد الراسخ، الصلاة والسلام عليك يا جوهرة الشرف الأعلى، الصلاة والسلام عليك يا واسطة العقد المحلَّى، الصلاة والسلام عليك يا إِمام الأنبياء، الصلاة والسلام عليك يا صفوة الأصفياء، الصلاة والسلام عليك يا معنى الجود، الصلاة والسلام عليك يا منبع الكرم والجود، الصلاة والسلام عليك يا ذا المحامد، الصلاة والسلام عليك يا أبا القاسم، الصلاة والسلام عليك يا من عظمت هباته، الصلاة والسلام عليك يا من بهرت آياته، الصلاة والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أقر عيني برؤيتك، وأحلني بشريف
الجزء: 2 - الصفحة: 759
روضتك، وقضى لي أن أفوز بحضرتك، وأحرز سابق السعادة بحلول بلدتك.
وقال بعضهم: وصفة السلام أن يقول:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنك قد بلغت 98 الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده، وعبدت ربك حتى أتاك اليقين، وأنزل عليك كتابه النور المبين، وجمع لك فيه علم الأولين والآخرين، ووصفك فيه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 99 وقال عز من قائل وقوله الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ 100. وإِني يا رسول الله قد ظلمت نفسي وجئت مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إِلى ربِّي، راجيًا منه المغفرة بشفاعتك، والممات على ملتك وشريعتك ومحبتك والنجاةَ من النار والفوزَ بالجنة والسلامةَ من كلِّ هول دونها، والمغفرةَ لوالدي 101 وأولادي وأهلي وأئمتنا وإِخواننا ومن سبقنا بالإِيمان مغفرة عزمًا، وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم
الجزء: 2 - الصفحة: 760
والأموات، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد 102 كما صليت على إِبراهيم وبارك على سيدنا محمد وآل محمد كما باركت على إِبراهيم في العالمين إِنك حميد مجيد 103، اللهم وَأجزِهِ عنا أفضل ما جازيت نبيًّا عن أمته، ورسولًا عن قومه، ولا تجعله آخر العهد به، وانفعنا بمحبته والوقوف ببابه ولا تصرفني إِلا بالفوز بالمغفرة وقضاء الطلبة.
وتدعو بما تحب من خير الدنيا والآخرة، ثم تتيامن قليلًا نحو ذراع فتسلم على سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه فتقول:
السلام عليك يا صاحب رسول الله، السلام عليك يا خليفة رسول الله السلام عليك يا سيدي * أبا بكر الصديق، أشهد أنك أخلصت في صحبتك، ونصحت في خلافتك، وعدلت في رعيتك، فرضي الله عنك وجزاك عن المسلمين أفضل ما جزى به الأئمة المقسطين، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، نفعنا الله بمحبتك، وحشرنا في زمرتك مع سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم تتيامن قليلًا نحو ذراع فتسلم على أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتقول.
السلام عليك يا أبا حفص الفاروق، السلام عليك يا صاحب رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، لقد أخلصت في صحبتك ونصحتَ في
الجزء: 2 - الصفحة: 761
خلافتك وعدلت في رعيتك، فرضي الله تعالى عنك، وجزاك عن المسلمين أفضل ما جزى به الأئمة المقسطين، اللهم ارض عن أصحاب رسول الله أجمعين، وعن أهل بيته وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين، وصل وسلم عليهم أجمعين، وانفعنا بمحبتهم، واحشرنا في زمرتهم، ولا تخالف بنا عن طريقهم، بفضلك ورحمتك ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 104 ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ 105 والحمد لله رب العالمين.
وفي مختصر الواضحة قال ابن حبيب: واجعل أكثر شغلك ما كنت بالمدينة الوقوفَ بالقبر والسلام على من فيه، كلما دخلت المسجد وخرجت منه، وأكثر من الصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل والنهار المكتوبة والنافلة، ما أقمت بالمدينة لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ من ألف صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ" وقد تقدم الحديث بطوله أول الباب 106.
ومن أحسن ما تقوله في آخر سلامك:
صلى الله عليك في الأولين والآخرين أفضل وأطيب وأزكى وأكمل ما صلى على أحد من خلقه، كما أنقذنا بك من الضلالة، وبصرنا بك من العماية، وهدانا بك من الجهالة، أشهد أن لا إِله إِلا الله وأشهد أنك عبده
الجزء: 2 - الصفحة: 762
ورسوله وأمينه وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة، كما تقدم.
ثم تقول:
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا كما وعدته وأسعدنا بزيارته، وأدخلنا في شفاعته يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
تنبيه 107: فإِن كان أحد أوصاه بالسلام، قال: السلام عليك يا رسول الله من فلان، ويدعو له كما تقدم، فقد روي أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - كان يوصي بذلك 108. وفي الشفا للقاضي عياض: إِنَّه كان يُبْرِدُ البريد من الشام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - 109.
الجزء: 2 - الصفحة: 763
قال القاضي بدر الدين بن جماعة: ثم ترجع إِلى موقفك الأول قبالة وجهه - صلى الله عليه وسلم - بعد السلام على الأئمة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما * فتحمد الله وتمجده وتصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتتوسل به وتشفع به في حق نفسك ووالديك وأولادك ومن أحببت 110.
وينبغي أن تنشد هناك قول الأعرابي 111: = ويذكر نور الدين القاري أن قائل ذلك هو حاتم بن وردان كما رواه البيهقي في شعب الإِيمان.
وقال السبكي: "استفاض عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كان يبرد البريد من الشام، يقول: "سلم لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" وذكر جماعة ممن رووا ذلك؛ انظر (شفاء السقام: 55 - 56) وانظر (القرى 583).
الجزء: 2 - الصفحة: 764
[البسيط]
يا خير من دُفنت في القاع أعظُمُه ... فطاب مِنْ طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداءُ لقبر أنت ساكنه ... فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكرمُ
قال ابن عساكر: ثم تتقدم إِلى الصندوق قبالة رأسه الكريم، فتقف يمين الصندوق، وبين الأسطوانة التي من غربيه وتستقبل القبلة بحيث يكون الصندوق عن يسارك والأسطوانة عن يمينك واقفًا في الروضة.
قال: وتسمى الإِسطوانة التي عن يمينك أسطوانة التوبة؛ وهذا موافق لما نقله مالك في العتبية.
وقال بعضهم: هي التي تليها في الروضة.
ومالك رحمه الله إِمام دار الهجرة وهو أعلم بذلك من أهل السير.
واختلف أصحابنا في محل الوقوف للدعاء، ففي الشفاء قال مالك في رواية ابن وهب: إِذا سلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم - يقف للدعاء ووجهه إِلى القبر الشريف لا إِلى القبلة 112. = (الأحكام السلطانية للماوردي: 109، الإيضاح للنووي 159 - 160، رحلة القلصادي: 145، القرى: 581 وفيه قال الطبري: أخرجه أبو أحمد بن عساكر - مثير الغرام: 233، المجموع: 8/ 274، المغني: 3/ 557) وهذه الرواية مخالفة لرأي مالك أنه يمضي بعد السلام، وردها المانعون للزيارة بضعف سندها وعدم احتجاج مالك بالآية المذكورة فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 765
وقد سأل الخليفة المنصور مالكًا - رحمه الله - فقال: يا أبا عبد الله أأستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه الصلاة والسلام إِلى الله يوم القيامة؟ 113.
وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند القبر يدعو، ولكن يسلم ويمضي.
ولعل ذلك ليس اختلاف قول، وإِنما أمر المنصور بذلك لأن يعلم بما يدعو ويعلم آداب الدعاء بين يديه - صلى الله عليه وسلم -، فأمِنَ عليه من سوء الأدب فأفتاه بذلك، وَأفتَى العامةَ أن يُسلِّموا وينصرفوا، لئلا يدعوا تلقاء وجهه الكريم ويتوسلوا به في حضرته إِلى الله العظيم، فيما لا ينبغي الدعاء وفيمَا يكره أو يحرم، فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة وأكثرهم لا يقوم بآداب الدعاء ولا يعرفها 114، وقد = ورواية ابن وهب عن مالك هذه يعارضها قوله في كتاب المبسوط للقاضي إِسماعيل البغدادي بعدم الوقوف عند القبر للدعاء وبالمضي بعد السلام مباشرة وسيأتي قوله هذا وشيكًا وهذا ما درج عليه ابن قدامة في (المغني: 3/ 558).
الجزء: 2 - الصفحة: 766
ذكرها القاضي عياض 115، وذكرنا منها في آخر الدعاء يوم عرفة 116 طرفًا، فلذلك أمرهم بالسلام والانصراف.
ويظهر لك من ها هنا أمر مالك 117 أيضًا أن لا يطول السلام عنده ولا الوقوف بين يديه - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن عساكر: والذي بلغنا عن ابن عمر- رضي الله عنهما - وغيره من السلف الأولين الاختصار والإِيجاز في السلام جدًّا.
فعن مالك إِمام أهل المدينة - وناهيك به خبرة بهذا الشأن - أنه قال في رواية ابن وهب عنه: يقول المُسَلِّم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد تقدم ذلك 118.
وقال ابن حبيب في الواضحة بعد ذكر السلام: ثم تتحاشى عن القبر وتستقبل القبلة فتدعو لنفسك * ومن أردت بما استطعت من خيري الدارين، ثم اركع على إِثر ذلك ركعتين أو ما بدا لك.
ويستحب للزائر الإِكثار من الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحضرته الشريفة حيث يسمعه ويرد عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 767
قال ابن عساكر: وروينا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ صَلَّى عليَّ عند قَبْرِي سمعتُه، ومنْ صلَّى عليَّ نائيًا أُبلغتُه" 119 - صلى الله عليه وسلم -. وذكر أيضًا بسنده أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلى علي عند قبري وكل الله عز وجل بها ملكًا يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدًا أو شفيعًا" 120.
مسألة: والصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - كالصلاة والسلام عليه في الصلاة في
الجزء: 2 - الصفحة: 768
التشهد الأخير، والأحاديث الواردة في روايات الصلاة مشهورة، وقد تقدم ذكر طبقة منها (1) في السلام عليه - صلى الله عليه وسلم -.
تنبيهات: [تتعلق ببعض البدع]
الأول: قال في التحفة: وليس من السنة أن يمس جدار القبر بيده، ولا يقبله، ولا يقبل الصندوق، ويبعد عن ذلك كله، ويقف في موقف الزائر كما تقدم بيانه 122 وهذا يقتضي المنع جملة، وهو ظاهر كلام الجميع 123.
وعن نافع ان ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يكره أنْ يكثر من مسِّ قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، رواه ابن عساكر بسنده.
وهذا تقييد لما تقدم، وهو عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في القبر نفسه.
فالجدار الظاهر أخف إِذا لم يكثر مسه، وهذا يدل عن قرب موقف الزائر، ويفسر معنى الدنو الذي أمر به مالك - رحمه الله تعالى -.
الثاني: لا يدور بحجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - 124.
وأطلق النووي على ذلك: أنه لا يجوز 125.121
الجزء: 2 - الصفحة: 769
وفي التحفة: هو مكروه من فعل الجُهَّال.
الثالث: إِلصاقُ البطن أو الظهر بجدار القبر بدعةٌ 126.
الرابع: أن لا ينحني للقبر الشريف عند السلام، فإِنه بدعة يفعله من لا علم عنده، ويظن أنه من شعائر التعظيم.
الخامس 127: قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي في كتاب البدع: ولا يمس المنبَر بيده 128. = وقال مثل ذلك المحبُّ الطبري في (القِرى: 628). وقد ذكر أبو عبد الله بن الحاج أن العالم ينبغي له أن يحذر غيره من البدع التي أحدثها الزائرون.
ومنها طوافهم بالقبر الشريف كما يطاف بالكعبة الحرام، وتمسحهم به وتقبيله قصد التبرك.
وقال: "إِن التبرك إِنما يكون بالاتباع له عليه الصلاة والسلام، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إِلا من هذا الباب ولأجل ذلك كره علماؤنا رحمة الله عليهم التمسح بجدار الكعبة أو بجدران المسجد أو بالمصحف إِلى غير ذلك مما يتبرك به سدًّا لهذا الباب، ولمخالفة السنة".
- (المدخل: 1/ 256 - 256).
الجزء: 2 - الصفحة: 770
تنبيه:
اعلم أن المنبر الذي صُنع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبق له أثر بالكلية 129.
وفي الطراز لسند: أن منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل عليه منبر كالغلاف، وجعل في المنبر الأعلى طاق مما يلي الروضة يدخل الناس منها أيديَهم يمسون منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتبركون بذلك.
ثم إِن ذلك المنبر وما كان في باطنه احترق في جملة حريق المسجد الواقع في سنة أربع وخمسين وستمائة، ثم عمل منبر جديد وعمل فيه طاق مما يلي الروضة يحاكي تلك الطاق الأولى، وتشبيهًا لهذا المنبر بالمنبر الذي احترق.
وذكر جمال الدين المطري عن يعقوب بن أبي بكر المحترق في هذا الحريق *، وأن منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - دثر وأخذ ما بقي من أعواده فعملت أمشاطًا للتبرك 130.
الجزء: 2 - الصفحة: 771
ونقله عمن أدركه من أهل المدينة، والإِمام سند أثبت وأصحُّ في النقل.
ويؤيد ذلك ما نقله ابن عساكر في التحفة: وقد احترقت بقايا منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - القديمة، وفات الزائر لمس رمانة المنبر التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضع يده الكريمة عليها عند جلوسه عليه، ولمس موضع جلوسه وموضع قدميه الشريفتين بركة عامة ونفع عائد.
فثبت بهذا أن عمل الناس من قديم على التبرك بمس منبره - صلى الله عليه وسلم - 131 بخلاف المنبر الموجود الآن فليس له فضيلة منبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإِن كان فضله عظيمًا بكونه في البقعة الشريفة نفع الله ببركتها، لكن ذكر ابن عساكر أنه يستحب أن يدعو عند المنبر لشرف محله.
السادس: كره مالك - رحمه الله - لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج - الوقوف عند القبر الشريف، وقال: إِنما ذلك للغرباء أو لمن سافر من أهل المدينة أو قدم من سفر، فذكر له ما يفعله بعض أهل المدينة من الوقوف على القبر الشريف في كل يوم مرة أو أكثر.
وبعضهم في الجمعة مرة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل العلم ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إِلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن صدر هذه الأمة أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره 132 إِلا لمن أراد منهم سفرًا أو قدم من سفر 133.
الجزء: 2 - الصفحة: 772
السابع: ما يفعله جهلة العوام 134 من أكل التمر الصيحاني وغيره في المسجد 135 وقد كثر هذا وصاروا يمتهنون المسجد الشريف ويأكلون ما يأكلونه في الأسواق من الأطعمة والفواكه والبقْل وغير ذلك، وتكثر زبالة مآكلهم، وذلك بدعة شنيعة.
الثامن: اختلاط الرجال والنساء في الحجرة وهن حاسرات الوجوه والأذرعة، ويقع بينهم من الزحمة في الحجرة الشريفة ما ينتفي معه الأدب والخشوع، ويؤذن بالفساد، وكذلك في صحن المسجد الشريف يوقدون شمعًا لا يُحصَى كثرة ويجلس حوله الرجال والنساء ويأكلون أنواع المآكل والفواكه.
والله تعالى يرحم الجميع ببركته - صلى الله عليه وسلم -.
التاسع: يجب على الحاج والزائر لقبره - صلى الله عليه وسلم - أن يحذر كل الحذر من التندم على سفره أو العزم على عدم عوده إِليه - صلى الله عليه وسلم -، بقوله أو فعل أو نية.
= المدخل 1/ 256، نزهة الناظرين: 111 - البيان والتحصيل: 18/ 444 - 445. وقد استحسن العلامة ابن تيمية كلام الإِمام مالك وقال: "هذا مالك وهو أعلم أهل زمانه ... يكره الوقوف للدعاء بعد السلام عليه، وبين أن المستحب هو الدعاء له ولصاحبيْه وهو المشروع من الصلاة والسلام، وأن ذلك أيضًا لا يستحب لأهل المدينة كل وقت بل عند القدوم من سفر أو إِرادته، لأن ذلك تحية له، والمحيا لا يقصد بيته كل وقت لتحيته بخلاف القادمين من السفر".
(مجموع الفتاوي: 27/ 118) وانظر كلامه في كتابه (قاعدة جليلة: 72 - 73).
الجزء: 2 - الصفحة: 773
ويحذر من توبيخ غيره على سفره للحج أو الزيارة أو المشهورة عليه، فإِن فاعل ذلك متعرض لعظيم المقت، جاهل بمقصود الحج لا يدري فيم ذهب ولا فيم رجع، وربما تعرض لإِحْباط عمله بذلك، والعياذ بالله تعالى.
العاشر: قال ابن حبيب: وأكثر من الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام المكتوبة والنافلة، ما أقمت بها، وذكر بسنده حديث: * "صلاة في مسجدي كألف صلاة فيما سواه 136 وجمعة في مسجدي كألف جمعة فيما سواه 137، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه" 138، من 139 مختصر الواضحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 774
وقال غيره من الشافعية: ينبغي الإِكثارُ من التنفل في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 140، ولا يقطع صلاة الفرض في مسجده - صلى الله عليه وسلم - مدة إِقامته بالمدينة, لما جاء في فضل ذلك.
وينبغي أن يختم في المسجد ختمةً، لحديثٍ ورد في ذلك 141.
وتقدم ذكر الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في مسجده وحضرته 142.
الحادي عشر: ينبغي لمن أراد الخروج من المدينة الشريفة من أهلها ومن الحاج 143 والزوار أن يقصدوا المسجد الشريف عند آخر عهدهم بالمدينة، ويفعلوا من الصلاة والزيارة والدعاء والصلاة بعد الزيارة كما تقدم بيانه، وقد حرض على ذلك أصحابنا وغيرهم من الشافعية 144 فلا يتساهل في ذلك إِلا محروم.
الجزء: 2 - الصفحة: 775
الفصل الثالث
وينبغي أن يقصد المزارات التي بالمدينة النبوية والآثار المباركة والمشاهد الفاضلة
145.
قال القاضي بدر الدين: وهي ثلاثون 146 نذكر منها ما هو مشهور.
الأول منها، ينبغي أن يخرج إِلى البقيع 147 لزيارة من فيه 148 خصوصًا يوم الجمعة بعد أن يسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإِذا انتهى إِلى البقيع قال: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإِنا إِن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ومن يليهم من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، اللهم أَنِّسْ وحشتهم وارحم وحدتهم، وسدد خلل أعمالهم، وانفعهم بجوار نبيك - صلى الله عليه وسلم - وابعثهم مع الآمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإِحسان إِلى يوم الدين.
الجزء: 2 - الصفحة: 776
واعلم أن البقيع أفضل مقابر الدنيا، وجاء في فضله ما لم يأت في غيره، فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ اسْتَطَاع مِنْكُمْ أنْ يَمُوتَ بالمدينَةِ فليَمُتْ بِهَا، فَمَنْ مَاتَ بِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أوْ شَفيعًا يَوْمَ القِيَامةِ" 149. وروى ابن النجار بمسنده إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ دَفَنَّاه فِي مَقْبَرَتِنَا هَذِهِ شَفِعْنَا لَهُ" 150. وروى شيخنا جمال الدين المطري بسنده إِلى أم قيس بنت محصن رضي الله عنها 151 قالت: لو رأيتني ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذ بيدي في سكك 152 المدينة
الجزء: 2 - الصفحة: 777
حتى انتهى إِلى بقيع الغرقد، فقال: يا أم قيس.
قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ترين هذه المقبرة؟ قلت: نعم، قال: "إِنَّ الله تَعالى يَبْعَثُ منهَا يومَ القِيَامَةِ سَبْعينَ ألْفًا علَى صوُرةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ يَدْخُلُون الجَنَّةَ بغَيْرِ حِسَابٍ" 153.
وروى ابن النجار 154 بسنده إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: مقبرتان تضيئان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا: البقيع، بقيع القرقد، ومقبرة بعسقلان 155.
الجزء: 2 - الصفحة: 778
وبسنده إِلى كعب الأحبار 156 - رضي الله عنه - قال كعب الأحبار: نجدها في التوراة - يعني مقبرة المدينة - كقبة محفوفة بالنخيل وموكل بها ملائكة كلما امتلات أخذوا بأطرافها فكفوها في الجنة 157. وأكثر الصحابة - رضي الله عنهم - ممن توفي بالمدينة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته مدفونون بالبقيع 158. وذكر عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: مات بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم عشرة آلاف 159. وذكر القاضي عياض في المدارك عن مالك بن أنس، أنه قال في خبر طويل في فضل المدينة: ومنها - يعني المدينة - تبعث أشراف هذه الأمة يوم القيامة، وهذا لا يقوله مالك عن عنده بل هو محل توقيف 160.
الجزء: 2 - الصفحة: 779
وبالبَقِيع سيدُنا عثمان 161 بن عفان - رضي الله عنه - أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - وولد سيدنا رسول الله 162 - صلى الله عليه وسلم -، وسادات أهل البيت وكبار الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد ثبت في الصحيح: أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يقف على أهل البقيع فيسلم 163 عليهم ويدعو لهم، وأن الله تعالى أمره بذلك 164.
وفي النسائي، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ دَخَلَ مَقْبَرَةً فَقَرأ قلْ هْوَ الله أحَدٌ، أحَدَ
الجزء: 2 - الصفحة: 780
عَشَرَ مَرَّةً وأهْدَى لَهُمْ ثَوَابَهَا كُتِبَ لَهُ مَنَ الحَسَنَاتِ بِعَدَدِهِمْ" هذا معنى الحديث.
وأول المشاهد وأولاها بالتقديم مشهد 165 سيدنا أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو في قبة 166 عالية شرقي البقيع بناها أسامة بن سنان الصالحي أحد أمراء صلاح الدين يوسف بن أيوب 167 سنة إِحدى وستمائة، فتبدأ به رضي الله عنه، لأنه أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
واختار بعضهم البداءَة بقبرِ إِبراهيمَ ابن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإِن بدأت بعثمان - رضي الله عنه - فادخل القبة بخشوعٍ وخضوعٍ وإِجلال وإِكرام، فإِنه في قبره حي 168 بشهادة القرآن العظيم.
الجزء: 2 - الصفحة: 781
وصفة السلام عليه أن تقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين أبا عمرو عثمان، السلام عليك يا جامع القرآن، السلام عليك يا معدن الإِحسان، السلام عليك يا من خصه الله بمصاهرة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ابنتيه 169 السلام عليك يا من بايع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيعة الرضوان بنفسه عنه بإِحدى يديه، وقال: "هذي يدي عن عثمان" 170، السلام عليك يا من احتسب نفسه في سبيل الرضوان، السلام عليك يا من = (تفسير ابن كثير: 1/ 203 - المعارف - بيروت) وهو يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. قال ابن جزي: هذا إِعلامٌ بأنَّ حال الشهداءِ حالُ الأحياءِ من التمتع بأرزاق الجنة، (التسهيل لعلوم التنزيل: 124).
الجزء: 2 - الصفحة: 782
جهز جيش العُسْرةِ 171 بما أقر به عين سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -، السلام عليك يا من شرى بئر رومة 172 فأوقفها على المسلمين، اللَّهُمَّ إِنَّا نشهد أنه كان خليفة صدق وإِمام حق، وأنه نصح للدين 173 وبذل جهده للمسلمين، وأنه قُتل مظلومًا يوم الدار 174، فأنزله اللهم * أكرم منازل الشهداء الأبرار، وانفعنا بزيارته ومحبته، واحشرنا في زمرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وزمرته.
المشهد الثاني: قبر 175 سيدنا إِبراهيم ابن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتقف عنده خارج الشباك وتقول:
السلام عليك يا سيدي إِبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، السلام عليك يا قُرَّةَ عينِ النبوَّةِ، السلام عليك يا أشرف الناس أبوةً، السلام عليك يا نتيجة الشرف
الجزء: 2 - الصفحة: 783
الباذخ وسلالة المجد الراسخ، السلام عليك يا جوهرة الشرف الأعلى ووساطة العقد المحلَّى، السلام عليك، صلى الله على أبيك وعليك، ونفعنا بمحبتك، وحشرنا في زمرة أبيك المصطفى وزمرتك.
ثم تدعو بما شئت.
واعلم أن في قبة قبر 176 سيدنا إِبراهيم عثمان بن مضعون 177 وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - فتسلم عليهما 178 وتدعو.
المشهد الثالث: قبر سيدنا العباس 179 وقبر سيدنا الحسن بن علي بن أبي
الجزء: 2 - الصفحة: 784
طالب - رضي الله عنهم - وهما في قبة عالية في أول البقيع، وهذه القبة بناها الخليفة الناصر أبو العباس أحمد بن المستضيء 180 في أيام خلافته، وكان أولها في سنة سبع وتسعين وخمسمائة وبقي في الخلافة سبعًا وأربعين سنة، ولم أقف على تاريخ بناء 181 القبة.
فتبدأ بزيارة العباس رضي الله عنه فتقول:
السلام عليك يا أبا الفضل العباس، السلام عليك يا عم رسول الله، السلام عليك أيها البر الزكي، السلام عليك أيها العم الحفي، السلام عليك يا ساقي الحجيج بمكة الأمينة، السلام عليك يا من سقى الله بشفاعته أهل المدينة، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، اللهم ارفع منزلته وأعل درجته وزده شرفًا وفضلًا وكرامة، وعرفنا به في عرصات القيامة، وانفعنا بولايته ومحبته، ولا تخالف بنا عن طريقته، ثم تدعو وتتوسل 182 به إِلى الله تعالى.
فقد قدمه عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وهو يومئذ أمير المؤمنين بالمدينة 183 فاستسقى به وتشفع به إِلى الله تعالى فسُقُوا عَاجِلًا - رضي الله عنه - ونفعنا به.
الجزء: 2 - الصفحة: 785
ثم تيامن وتقصد زيارة سيدتنا فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزيارة ابنها الحسن بن علي رضي الله عنهما، فإِنه قد جاء أن الحسن - رضي الله عنه - لما أخذه مرض البطن وعرف 184 من نفسه انقطاع الحياة بعث إِلى عائشة - رضي الله عنها - يستأذنها في أن يُدفن عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأذنت له، فبلغ ذلك جماعة من بني أمية فلبسوا السلاح، وقالوا: لا يدفن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويدفن عثمان في حش كوكب.
ولبس الحُسين بن علي - رضي الله عنهما - السلاح مع جماعته، فأرسل الحسن إِلى أخيه وقال: لا حاجة لي بهذا وادفني عند أمي في البقيع، فهذا الخبر يدل على أن قبرها عند قبره - رضي الله عنهما -.
الجزء: 2 - الصفحة: 786
وذكر الشيخ محب الدين الطبري في "ذخائر العقبي في فضائل ذوي القربى" 185: أن الشيخ أبا العباس * المرسي 186 كان إِذا زار البقيع وقف أمام قبة 187 العباس من داخل القبة، وسلم على فاطمة - رضي الله عنهما - ويذكر أنه كشف له عن قبرها 188 هناك 189. واعلم أن في قبر الحسن - رضي الله عنه - ابن أخيه زين العابدين علي ابن الحسين وأبو جعفر محمد الباقر بن زين العابدين وابنه جعفر الصادق ابن محمد الباقر رضي الله عنهم، فتبتدئ بالسلام عليهم جملة، تسلم على كل واحد منهم فتقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إِنه حميد مجيد {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
الجزء: 2 - الصفحة: 787
أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} 190، والسلام عليكم يا فروع النبوة والرسالة، السلام عليكم يا معادن الشرف والأصالة، السلام عليكم يا من حيَّاهم الروح الأمين، السلام عليكم يا من حلَّاهم الكتاب المبين.
ثم تسلم على فاطمة - رضي الله عنها - فتقول:
السلام عليك يا أم الحسن والحسين، السلام عليك أيتها الزهراء البتول، السلام عليك يا ابنة المصطفى الرسول السلام عليك يا من وصفها النبي بالجلال والكمال والأفضال، السلام عليك يا ذات الشرف العليِّ، السلام عليك يا قرينة أمير المؤمنين عليّ، السلام عليك أيتها الجوهرة المصونة والدرة المكنونة، السلام عليك وعلى أبنائك الطاهرين ورحمة الله وبركاته.
ثم تسلم على الحسن - رضي الله عنه - فتقول:
السلام عليك يا أبا محمد الحسن، السلام عليك يا سبط نبي الهدى، السلام عليك يا قرة عين المصطفى، السلام عليك يا ابن سيف الله المسلول، السلام عليك يا ابن بنت الرسول، السلام عليك يا ابن الزهراء البتول، السلام عليك أيها الإِمام المرتضى الشهيد 191. السلام عليك يا سيد شباب أهل الجنة، السلام عليك يا من أصلح الله به المسلمين وبشر بذلك سيد المرسلين، السلام عليك يا ذا المناقب التي لا تحصى والفضائل التي لا تستقصى، السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 788
ثم تسلم على زين العابدين، فتقول:
السلام عليك يا سيدي علي بن الحسين زين العابدين، السلام عليك يا ابن أمير المؤمنين، السلام عليك يا إِمام العلماء العاملين، السلام عليك يا فخر العابدين، السلام عليك يا حائز الشرف المبين، السلام عليك يا سلالة النبوة، السلام عليك يا شريف الأبوة، السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ثم تسلم على محمد الباقر فتقول:
السلام عليك يا سيدي أبا جعفر محمد الباقر، السلام عليك يا ذا الشرف الأصيل والفضل الجليل، السلام عليك، السلام عليك يا ابن زين العابدين، السلام عليك يا فخر العلماء العاملين، السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ثم تسلم على جعفر الصادق، فتقول:
السلام عليك يا سيدي جعفر الصادق، والسلام عليك * يا من كان علم اهتداء، وبه في العلم والعمل يُقتدَى.
ثم تقول:
السلام عليكم أيتها الفروع الزكية، والذوات العلية، السلام عليكم أيتها النبعات الطاهرة، السلام عليكم أيها النجوم الزاهرة، السلام عليكم، نفعنا الله بمحبتكم في الدنيا والآخرة، اللهم بجاههم عندك وكرامتهم عليك تقبل زيارتنا وارحم ضراعتنا.
ثم تدعو بما تشاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 789
المشهد الرابع: فيه عقيل بن أبي طالب 192 - رضي الله عنه - وعبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب 193 - رضي الله عنه - وعبد الله هذا هو المعروف بالجواد، فتقف عليها وتقول:
السلام عليك يا سيدي عقيل بن أبي طالب، السلام عليك يا سيدي عبد الله بن جعفر الطيار، السلام عليكما يا ابنّي عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، السلام عليكما يا صاحبي القدح المُعَلَّى، السلام عليكما يا أهل بيت النبوة والرسالة، السلام عليكما يا صاحبي السماحة والبسالة، زادكما الله فضلًا كما رفعكما قدرا ومحلا، ونفعنا ببركاتكما 194 وأجزل ثوابنا على محبتكما.
وتدعو بما شئت.
الجزء: 2 - الصفحة: 790
فائدة
:
هذه القبة هي دار عقيل بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
ونقل ابن النجار عن عوسجة قال: كنت أدعو ليلة إِلى زاوية دار عقيل التي تلى باب الدار، فمر بي جعفر بن محمد الجواد فقال: وقفت ها هنا على أثر بلغك؟ فقلت: لا، فقال: هذا موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل إِذ جاء يستغفر لأهل البقيع، فينبغي فيه الدعاء.
واعلم أنَّ الدعاء عند قبر عبد الله بن جعفر من المواضع المشهورة باستجابة الدعاء 195: وقد جرب ذلك.
المشهد الخامس قبر أم علي بن أبي طالب - رضي الله عنها - وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل في قبرها.
وهي فاطمة 196 بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف - رضي الله عنها - فتقول:
السلام عليك يا فاطمة بنت أسد بنت هاشم، السلام عليك يا ذات الشرف
الجزء: 2 - الصفحة: 791
العلي، السلام عليك يا أم أمير المؤمنين علي 197، السلام عليك يا من اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبرها، السلام عليك يا من ألبسها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قميصه بعد موتها، السلام عليك، رفع الله منزلتك ونفعنا بزيارتك، ثم تدعو.
المشهد السادس: الحظيرة التي في قبلة قبة سيدنا عقيل رضي الله عنه وهو حوش محوط بالبناء بالحجارة السوداء يقال: إِن فيه أزواج 198 النبي - صلى الله عليه وسلم - فتقف عليهن وتسلم عليهن، فتقول: السلام عليكن يا أزواج سيد المرسلين، السلام عليكن يا أمهات المؤمنين، السلام عليكُنَّ يا حائزات الشرف الأعلى، السلام عليكن يا من اخترن الله ورسوله على العرض الأدنى 199، السلام عليكنَّ ورحمةُ الله وبركاته، اللهم انفعنا بمحبتهن واحشرنا في زمرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وآله وأزواجه وذريته، ولا تخالف بنا على طريقتهم، وارحمنا ببركتهم.
ثم تدعو بما شئت.
الجزء: 2 - الصفحة: 792
المشهد السابع: الحظيرة التي على يسار الخارج من باب البقيع وهو قبر 200 صفية * في عمة النبي 201 - صلى الله عليه وسلم -، وهي أخت حمضة بن عبد المطلب وأم الزبير بن العوام رضي الله عنهم، فتقف عليها وتقول:
السلام عليك يا صفية بنت عبد المطلب، السلام عليك يا عمة رسول الله، السلام عليك يا أخت أسد الله، السلام عليك يا من جاهدت الأعداء في سبيل الله، السلام عليك يا ذات الشرف العليِّ، السلام عليك يا ذات الأصل = وروي عن عبد الله بن عباس: " ... قالت عائشة رضي الله عنها: أنزلت آية التخيير فبدأ بي أول امرأة فقال: إِني ذاكر أمرًا لا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: قد أعلم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقك، ثم قال: إِن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إِلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28، 29]. قلت: أفي هذا أستأمر أبويَّ؟ فإِنِّي أريد الله ورسوله والدارَ الآخرة، ثم خَيَّر نساءه فقلن مثل ما قالت عائشة".
أخرجه البخاري (الصحيح: 3/ 106 - كتاب المظالم باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة ثم السطوح وغيرها).
الجزء: 2 - الصفحة: 793
الزكي، السلام عليك يا قرة عين المصطفى، السلام عليك يا قدوة الأبرار، السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وصفية هذه - رضي الله عنها - حضرت غزوة أحد، قتلت في غزوة الخندق كافرًا، وفضائلها عديدة - رضي الله عنها -.
المشهد الثامن: قبر مالك بن أنس إِمام دار الهجرة - رحمه الله - فتقف عليه وتقول: السلام يا مالك بن أنس، رحمة الله عليك ورضوانه، السلام عليك يا إِمام دار الهجرة، السلام عليك يا من بشر به النبي صلى الله عليه وسلم الأمة 202، السلام عليك يا من جعله الله على الخلق 203 حُجةً، السلام عليك يا حامل لواء الدين، السلام عليك يا ناشر سنة سيد المرسلين، السلام
الجزء: 2 - الصفحة: 794
عليك يا من شدت إِليه الرحال، وضربت إِليه أكباد الإِبل في طلب السنة والعلم، السلام عليك يا من نشر الله علمه في الآفاق، وجعله إِمامًا يقتدى به إِلى يوم التلاق، نفعنا الله بمحبتك واتباعك وجمعنا وإِياك في دار كرامته.
ثم تدعو بما شئت.
المشهد التاسع: قبر إِسماعيل بن جعفر الصادق 204 وهو في مشهد كبير على ركن سور البلد، وبابه من داخل المدينة بناه بعض ملوك مصر العبيديين، ويقال: إِن هذه العرصة التي فيها هذا المشهد وما حولها كانت دار زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهم أجمعين؛ وبين الباب الأول وبين المشهد بئر منسوبة إِلى زين العابدين بن علي بن الحسين رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك بجانب المشهد مسجد صغير مهجور يقال أيضًا: إِنه مسجد زين العابدين، فتقف عليه وتسلم عليه.
فتقول:
السلام عليك يا سيدي إِسماعيل بن جعفر الصادق، السلام عليك يا ذا الشرف الباذخ والمجد الراسخ، السلام عليك يا سلالة النبوة، السلام عليك يا شريف الأبوة، السلام عليك يا معدن العلم والدين، السلام عليك يا ابن عم سيد المرسلين، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، نفعنا لله بمحبتك وزيارتك، وتدعو بما شئت.
الجزء: 2 - الصفحة: 795
وذكر عن مالك 205 أن في البقيع من الصحابة - رضي الله عنهم - عشرة آلاف صحابي 206 وأما كبار التابعين وتابع التابعين فما يحصيهم إِلا الله تعالى، فينبغي السلام عليهم والدعاء لهم والتوسل بهم إِلى الله تعالى 207.
المشهد العاشر: قبر النفس الزكية، وهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين.
ومشهده خارج باب المدينة على طريق درب الشام شرقي جبل سلع وعليه بناء كبير أرادوا أن يعقدوا عليه قبة فما اتفق، وقبره هناك بسبب أنه مات شهيدًا، قتله أبو جعفر المنصور لما خاف منه أن تعقد البيعة له، وكانت خلافة المنصور في سنة سبع وثلاثين ومائة رحمه الله.
فتسلم عليه، وتقول:
السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن بنت رسول الله، السلام عليك يا سلالة الشرف الأعلى، السلام عليك يا شريف المقام، السلام عليك يا سلالة الحسن بن علي، عليهما السلام.
السلام عليك أيها الإِمام السعيد الشهيد، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، نفعنا الله بمحبتك وزيارتك، ونفعنا بآبائِكَ الطيبين الطاهرين.
ثم تدعو.
الجزء: 2 - الصفحة: 796
واعلم أن في الحجرة الشريفة بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه علامة خطيرة في خشب مربعة، وفيها محراب موضع منخفض يُصلى فيه.
وذكر بعض المؤرخين أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه دفنها في بيتها هذا، وعمي أثر القبر، فينبغي أن يسلم عليها في هذا الموضع أيضًا، لاحتمال صحة هذا النقل.
هذا، واعلم أن بين باب المدينة المعروف بباب السويقة وبين بابها المعروف بالدرب الصغير تحت السور قبة صغيرة، وفيها قبر يقال: إِنه قبر مالك بن سنان الأنصاري 208.
وذكر ابن الجوزي مالك بن سنان في شهداء أحد، فيبعد أنه هو ويحتمل أن يكون نقل - والله أعلم - وأدركت أكابر ممن يشار إِليهم بالعلم يقصدون زيارة ذلك القبر، وقبته اليوم ممتهنة، وربما جعلوها مخزنًا للتبن وغيره.
المشهد الحادي عشر: مشهد سيدنا حَمزة بن عبد المطلب، استشهد - رضي الله عنه - في غزوة أحد، وكانت في السنة الثالثة من الهجرة، وعلى سيدنا حمزة رضي الله عنه قبة عظيمة ومشهد كبير بنته أم الخليفة الناصر لدين الله بن المستضيء في سنة تسعين وخمسمائة 209.
الجزء: 2 - الصفحة: 797
وقال تاج الدين عبد الباقي بن متى 210: إِن ذلك كان سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
وقيل: في قبر سيدنا حمزة ابن أخته عبد الله بن جَحْش 211، قيل: وهو الملقب المجْدُوع فى الله؛ لأنه قاتل في سبيل الله وجُدع أنفُه وهو أول من سمي أمير المؤمنين لما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أميرًا على سرية 212 إِلى نخلة 213.
وليس في القبة من الشهداء أحدٌ سواهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 798
والقبر الذي عند رجلي سيدنا حمزة رجل من الترك، كان متولي عمارة المشهد 214، والذي في الصحن بعض الأشراف من أمراء المدينة 215.
فإِذا وقفت بين يديه - رضي الله عنه - فتقول:
السلام عليك يا سيدي أبا عمارة حمزة بن عبد المطلب، السلام عليك يا سيد الشهداء، السلام عليك يا عم المصطفى * السلام عليك يا أسد الله وأسد رسوله، السلام عليك يا من جاهد في الله حق جهاده، السلام عليك يا من باع نفسه في سبيل الله وبذلها في مراده، السلام عليك يا من استشهد في نصرة الدين وإِعلاء دعوة سيد المرسلين، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين، جزاك الله عن الإِسلام والمسلمين خيرًا.
ثم تقول:
السلام عليك يا سيدي عبد الله بن جحش، السلام عليك يا من استشهد في نصرة الإِسلام ورفع كلمة الدين، رفع الله منزلتكما في عليين، وأنزلكما أعلى منازل الشهداء المقربين، ونفعنا بزيارتكما ومحبتكما، وجمعنا معكما 216 في دار الكرامة.
الجزء: 2 - الصفحة: 799
ثم تدعو بما شئت وتتوسل 217 بهما إِلى الله تعالى في قضاء حوائجك.
المشهد الثاني عشر: زيارة شهداء أحد الذين قُتلوا يوم غزوة أحد، مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم سبعون 218.
أربعة منهم من المهاجرين 219 وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جَحش، ومُصعب بن عُميْر 220، وشماس بن عثمان 221.
وستة وستون من الأنصار، وقبورهم قبلي أحد قد دثرت وليس عليها إِلَّا الحجارة، ولا شك أنها بالقرب من سيدنا حمزة، وذكر: أنها القبور التي شمالي قبة سيدي حمزة على يسار السالك إِلى المهراس الذي في جبل أحد،
الجزء: 2 - الصفحة: 800
وغربي القبة قبور أيضًا، قيل: إِنها من جملة قبور 222 الشهداء، وقيل: إِنها قبورُ النَّاس الذين ماتوا في عام الرمادة 223 في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فينبغي أن تقف بالقرب من تلك القبور 224 كلها، فتتوسطها وتسلم عليهم، وتدعو لهم وتتوسل إِلى الله تعالى بهم 225 في قضاء حوائجك.
وقد ذكر رزين 226 عن عبد الأعلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف عليه وقرأ: {مِنَ
الجزء: 2 - الصفحة: 801
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} 227 الآية، ثم قال:
اللهم إِني عبدك ونبيك، أشهد أن هؤلاء شهداء.
ونظر - صلى الله عليه وسلم - إِلى الصحابة 228 وقال: "ائْتُوهُمْ وَسَلِّمُوا عَلَيْهمْ فَإِنَّهُ لَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ" 229.
ونقل ابن الحاج في مناسكه عن ابن شعبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيهم كل
الجزء: 2 - الصفحة: 802
عام، فيقف عليهم ويرفع صوته، ويقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ 230.
وكذلك فعل الخلفاء 231 الثلاثة بعده.
ويقول ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التلاوة.
ثم يقول:
السلام عليكم يا شهداء أحد، السلام عليكم يا من لا يضاهيهم من الشهداء أحد، السلام عليكم يا من صدقوا ما عاهدوا الله عليه، السلام عليكم يا من تقربوا إِلى الله تعالى بأنفسهم، وذلك أعظم ما يتقرب به إِليه، السلام عليكم يا من أثنى عليهم الرحمن وأنزل مدحهم في القرآن الكريم 232، السلام عليكم يا ذوي السعادة والسيادة، السلام عليكم يا من نالوا من فضل الله غاية الإِرادة، السلام عليكم يا من اشترى الله تعالى منهم أنفسهم * بأن = وقد أورد حماد بن إِسحاق بن إِسماعيل تـ: 267 في كتابه (تركة النبي - صلى الله عليه وسلم -: 54 - 55) حديثًا رواه عقبة بن عامر "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ذات يوم فصلى على أهل أحد صلاته على الميت" قال محققه أكرم ضياء العمري: أخرجه البخاري من طريق ليث بن سعد (كتاب الجنائز: 2/ 93 - 94) وفي عشرة مواضع أخرى من صحيحه، وإسناد المؤلف حماد بن إِسماعيل صحيح أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 803
لهم الجنة، السلام عليكم يا من كانوا عن النبي وعن المسلمين جُنَّةً، جزاكم الله عن الإِسلام خيرًا، ونفعنا بمحبتكم وزيارتكم.
واعلم أنَّ ابن إِسحاق ذكرهم (1) ورتبهم ابن الجوزي على حروف المعجم.
حرف الألف
أنيس بن قتادة، وقيل: أنس 234. أنس بن النضر 235. أوْس بن الأرقم 236.233
الجزء: 2 - الصفحة: 804
أوس بن المنذر (1). إياس بن أوس (2).
حرف الثاء
ثابت بن عمر بن زيد.
ثابت بن وقش.
ثعلبة بن سعد (3).
ثقيف.
حرف الحاء
الحارث بن أنس 240. الحارث بن أوس 241. الحباب بن قصي.237238239
الجزء: 2 - الصفحة: 805
حبيب بن زيد (1).
حسين بن جابر.
حمزة بن عبد المطلب.
حنظلة بن أبي عامر (2)
حرف الخاء
خارجة بن زيد (3).
خلاد بن عمرو بن الجموح.
خيثمة بن سعد بن خيثمة (4)
حرف الذال
ذكوان بن عبد قيس (5).
حرف السين
سعد بن الربيع 247.242243244245246
الجزء: 2 - الصفحة: 806
سعيد بن سويد (1).
سلمة بن ثابت بن وقش.
سليم بن الحارث (2).
سليم بن عمرو بن حديدة (3)
سهل بن قيس (4).
حرف الشين
شماس بن عثمان.
حرف الصاد
صيفي بن قيظي (5).
حرف الضاد
ضمرة الجهني 253.248249250251252
الجزء: 2 - الصفحة: 807
حرف العين
عامر بن قيس النجاري.
عامر بن مخلد النجاري.
العباس بن عبادة 254.
عبادة بن سهل.
عبادة بن الحسحاس.
عبد الله بن جحش، وقد تقدم 255 ذكره مع حمزة رضي الله عنهما.
عبد الله بن جبير 256.
عبد الله بن سلمة 257.
عبد الله بن عمرو بن حرَام 258.
عبد الله بن عمرو بن وهب 259.
عبيد بن المعلى 260.
الجزء: 2 - الصفحة: 808
عتبة بن الربيع (1).
عتيك بن التيهان وقيل: عبيد (2)
عمرو بن وقش.
عمرو بن الجموح (3).
عمرو بن قيس النجاري.
عمرو بن معاذ بن النعمان (4).
عمر بن مطرف (5).
عمارة بن زياد (6).
عنترة مولى سليم بن عمرو (7).
حرف القاف
قيس بن عمرو النجاري.261262263264265266267
الجزء: 2 - الصفحة: 809
قيس بن مخلد (1).
حرف الكاف
كيسان مولى الأنصار (2).
حرف الميم
مالك بن سنان (3).
المجذر بن زياد.
مصعب بن عمير.
المغيرة، ويعرف بأبي سفيان بن الحارث بن هشام.
حرف النون.
النعمان بن مالك بن ثعلبة (4).
حرف الياء
يزيد بن حاطب 272.268269270271
الجزء: 2 - الصفحة: 810
الكُنى:
أبو حذيفة 273.
أبو حبة 274.
أبو النعمان بن عبدو عمرو.
أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة 275.
أبو أيمن مولى عمرو بن الجموح.
وذكر غيرُ ابن إِسحاق أن رافع بن يزيد الأنصاري ومالك بن تميلة قتلا يوم أحد، والله أعلم.
هذا ما وقفت عليه من أسمائهم 276 - رضي الله عنهم - ونفعنا ببركتهم ومحبتهم، وحشرنا في زمرتهم آمين، والحمد لله رب العالمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 811
باب: في فضل المدينة وفضل أهلها وذكر شيء من المواضع المقصودة للزيارة والتبرك بها
*
[فضائل المدينة وأهلها]
:
وفضائل المدينة أكثر من أن تُحصى، وأشهر من أن تُذكَر، وأقول ما قاله أبو محمد البسكري 277 - رحمه الله -: * وكفى بها شرفًا حلول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بفنائها.
وقد جاء في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ أخْرجْتَني مِنّ أحَبِّ البِلَادِ إِلَيَّ فَأسْكِنِّي أحَبَّ 278 البِلَادِ إِلَيْكَ"، فأسكنه الله تعالى المدينة 279. * سبق التعليق على التبرك في ص 729.
الجزء: 2 - الصفحة: 812
والإِجماع على أن ما ضمَّ أعضاءه الشريفة - صلى الله عليه وسلم - أفضَلُ بقاعِ الأرضِ 280، ولهذا كان ما جاورَ تلك البقعة روضة من رياض الجنة.
وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا، وباركْ لَنا في = بثقة".
(التلخيص: 3/ 3). ونقل السخاوي عن ابن عبد البر قوله: لا يختلف أهل العلم في نكارته وضعفه، وعن ابن حزم قوله: هو حديث لا يسند، وإِنما هو مرسل من جهة محمد بن الحسن بن زبالة، وهو هالك.
(المقاصد الحسنة: 89 رقم 170).
الجزء: 2 - الصفحة: 813
مَدِينَتِنَا، وبارك لنا في صَاعِنَا ومُدّنا 281، اللهمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خليلُك وعبدك ونبيُّك، وأنا عبدُك ونبيُّك، وإِنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه" 282. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعبد الله بن عباس: "أنت القائل: مكة خير من المدينة؟ قال عبد الله: قلتُ: حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في بيته وأمنه شيئًا، ثم قال - رضي الله عنه - كما قال له أولًا، فأجابه عبد الله بجوابه الأول وأجابه عمر بمثل الأول ثلاث
الجزء: 2 - الصفحة: 814
مرات، ثم انصرف 283. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصبر أحد على لأواء المدينة 284 وشدتها إِلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة 285 وفي رواية: وشفيعًا، ذكره القاضي عياض في المدارك 286. وقال - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد 287: "إِنهَا طَيّبَةٌ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تنفِي النَّارُ حَبَثَ الفِضَّةِ" 288.
الجزء: 2 - الصفحة: 815
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَخْرُجُ أحَدٌ رغْبَةً عنها إِلَّا أخْلَفَ الله فيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ" 289.
والأحاديث في أنواع فضلها يطول ذكرها.
وذكر القاضي عياض في المدارك 290 وابن الجوزي في مناسكه 291، واللفظ = يقول: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد".
ذهب الخطابي وابن بطال إِلى أن معنى (تأكل القرى) يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم، لأن العرب تقول: أكلنا بلد كذا: إِذا ظهرُوا عليها.
وعند القاضي عبد الوهاب: المعنى رجوح فضلها على القرى.
(فتح الباري: 4/ 87، كتاب فضائل المدينة، باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس الزرقاني على الموطإِ: 4/ 222، الجامع: ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها).
وانظر (جامع الأصول: 9/ 320 - رقم 6936، فضائل المدينة: 25 - 26، رقم 19).
الجزء: 2 - الصفحة: 816
لابن الجوزي، قال: كان مالك بن أنس يقول في فضل المدينة: هي دار الهجرة والسنة وهي محفوفة بالشهداء، واختارها الله عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فجعل قبره - صلى الله عليه وسلم - بها وبها 292 روضة من رياض الجنة، وفيها منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وزاد القاضي عياض: وعلى أنقابها 293 ملائكة يحرسونها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وبها خيار الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس ذلك لشيء 294 من البلاد غيرها.
وفي رواية: ومنها: تُبعثُ أشرافُ هذه الأمةِ يوم القيامة 295.
وهذا كلام لا يقوله مالك عن نفسه 296.
وقيل لمالك: أيما أحب إِليك: المقام هنا - يعني المدينة 297 - أو مكة؟ فقال: ها هنا، وقال: كيف لا أختار المدينة وما بالمدينة طريق إِلا سلكه عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وجبريل عليه السلام نزل عليه من عند ربّ العالمين في أقل من ساعة 298.
الجزء: 2 - الصفحة: 817
قال القاضي عياض: قال محمد بن مسلمة 299: سمعت مالكًا يقول: دخلت على المهدي، فقال؛ أوصني: فقلت: أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجيرانه، فإنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال *: "المدينة مهاجَرِي ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني، وحقيق على أمتي حفظي في جيراني، فمن حفظهم فيّ كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال" 300. انتهى.
وطِينَةُ الحَبَال: عصارةُ أهلِ النَّار، أجارنا الله منها 301.
وقال القاضي عياض في المدارك، قال مصعب 302: لما قدم المهدي المدينة
الجزء: 2 - الصفحة: 818
استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك انحرف المهديُّ إِليه فعانقه وسلم عليه وسايره، فالتفت مالك إِلى المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، إِنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك، وهم أولاد المهاجرين والأنصار، فسلم عليهم، فإِنَّ ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا خير من المدينة، فقال [له] 303: ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ ! فقال: لأنه لا يُعرف قبرُ نبيٍّ، اليومَ على وجه الأرض، غير قبر محمد - صلى الله عليه وسلم - 304، ومن كان قبر محمد عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم.
ففعل المهديُّ ما أمره به مالك 305.
وقال القاضي عياض في المدارك: قيل لمالك: لِمَ صار لأهل المدينة لين القلوب وفي أهل مكة قساوة القلوب؟ 306 فقال: لأن أهل مكة أخرجوا نبيهم وأهل المدينة آووه 307. = القرشي الأسدي، روى عن مالك الموطأ وغيره.
وكان علامة قريش في النسب والشعر، وثقة يحيى بن معين.
ت 236. (المدارك: 3/ 170).
الجزء: 2 - الصفحة: 819
فصل: في المساجد (1) والآثار التي ينبغي زيارتها والتبرك بها
()
فأولها: مسجد قُبَاء 309 والذي جعله مسجدًا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإِنه كان مربدًا 310 لكلثوم بن الهدم 311 فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبناه مسجدًا وأسسه بنفسه 312 هو وأصحابه - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم.
ونقل ابن النجار أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: والذي نفسي بيده، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر في أصحابه ينقلون حجارته على بطونهم، ويؤسسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبريل عليه السلام يؤم به308 () سبق التعليق على التبرك في ص 729.
الجزء: 2 - الصفحة: 820
البيت، ومحلوف عمر بالله: لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إِليه أكباد الإِبل 313.
وفضائله عديدة.
فقد صح في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يزور قُباء راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين 314.
وفي بعض الروايات: كان - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجد قباء كل سبت، وكان ابنُ عمر - رضي الله عنه - يفعله 315.
الجزء: 2 - الصفحة: 821
وروى أبو أمامة عن سهل بن حنيف عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ تَوضَّأ فأسْبَغ الوضُوءَ وَجَاءَ مَسْجِدَ قُبَاء فصَلَّى فيه ركعتَيْنِ كَانَ لَهُ أجْرُ عُمْرَةٍ" 316.
الجزء: 2 - الصفحة: 822
وروي عن سعد بن أبي 317 وقاص - رضي الله عنه - قال: والله لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إِلّي من أن آتي بيت * المقدس مرتين، ولو تعلمون ما فيه لضربتم إِليه أكباد الإِبل 318. وقد أثنى الله عز وجل على أهله في كتابه العزيز 319.
الجزء: 2 - الصفحة: 823
وقد ألف الناس في فضل قباء وزيارته تآليف منفردة (1)، فينبغي أن تتوضأ وتقْصِدَ زيارتَه للحديث السابق (2)، ولا تؤخر الوضوء حتى تأتي المسجد.
فائدة
:
أخبرني الإِمام العلامة المحدث اللغوي مجد الدين الشيرازي 322 من ذرية الشيخ أبي إِسحاق الشيرازي، صاحب التصانيف المفيدة: أن قباء اسْمُ بئر320321 = ويرى الشيخ ابن عاشور الجمع بين هذين الحديثين "بأن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾.
المسجد الذي هذه صفته لا مسجدًا واحدًا معينًا، فيكون هذا الوصف كليًّا انحصر في فردين: المسجد النبوي ومسجد قباء فأيهما صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار كان ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مسجدهم، ومن مطاعنهم أيضًا.
ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين".
(التحرير والتنوير: 11/ 32).
الجزء: 2 - الصفحة: 824
واطئة، قال: كان عليها قبو، فسمي المسجد باسم ما جاوره، ولذلك سمي (1) مسجد قُباء فيعرفونه باسم تلك البئر ليتميز عن غيره من المساجد، ولم أعلم من أين نقله (2). واعلم أن قباء على ثلاثة أميال من المدينة (3)، وقيل غير ذلك، وما ذكرناه أصح لأنه مروي عن مالك، نقله جمال الدين المطري.
تنبيه
: واعلم أن مسجد ضرار 326 لا أثر له، ولا تعرف جهته، وقول من قال: إِنه323324325
الجزء: 2 - الصفحة: 825
موجود، وهم لا أصل له 327، قاله جمال الدين المطري 328. ومنها: مسجد الجمعة 329 وهو على يمين السالك إِلى مسجد قباء وشماليه أطم عتبان بن مالك، وهو الآن خراب، وهو مسجد صغير جدًّا 330 صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة لما ارتحل من قباء قاصدًا إِلى المدينة أول هجرته، فكانت أول جمعة صلاها - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة 331.
الجزء: 2 - الصفحة: 826
ومنها: مسجد الفضيخ 332 ويعرف الآن بمسجد الشمس، وهو شرقي مسجد قباء 333 على شفير الوادي، وهو صغير جدًّا، ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حاصر بني النضير ضرب قبته في موضع المسجد وأقام بها بيتًا، وفي تلك المدة نزل تحريم الخمر فأمر أبو أيوب بِمَزَادَةٍ ففتحت فسال الفضيخ في موضع المسجد فسمي مسجد الفضيخ 334. ومنها: مسجد بني قُريظة، وهو شرقي 335 مسجد الشمس بعيد عنه، بالقرب من الحرة الشرقية، وقد دثر، وكان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بناه على صفة بناء مسجد قباء 336.
الجزء: 2 - الصفحة: 827
وجاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في بيتِ امرأةٍ من بني قُريظة، فأدخل الوليد بن عبد الملك ذلك البيت في المسجد 337.
ومنها: مَشْرَبة أم إبراهيم عليه السلام.
والمشربة: البستان 338.
ولعله كان بستانًا لمارية 339 أمِّ إِبراهيم 340 رضي الله عنهما، وفيها ولدت إِبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وجاء أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فيها 341، وهذا الموضع شمالي مسجد بني قريظة قريب من الحرة 342 في موضع يعرف بالدشت، بالشين المعجمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 828
ومنها: مسجد بني ظَفَر، وهو شرقي البقيع ويعرف اليوم بمسجد البغلة 343 *.
وروى الزبير بن بكار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر 344، وكان زياد بن عبيد الله أمر بقلعه حتى جاءه مشائخ بني ظفر فأعلموه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس عليه، فرده.
قال: وقلَّ أن جلست عليه امرأة تريد الحمل إِلا حملت 345.
وعنده آثار في الحرة يقال: إِنها أثر حافر بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة القبلة، وفي غربيه أثر على حجر كأنه أثر مرفق، وعلى حجر آخر أثر مجلس وأصابع، والناس يتبركون بذلك 346.
الجزء: 2 - الصفحة: 829
ومنها مسجد الإجابة 347 وهو المسجد الذي دعا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث دعوات لأمته، دعا - صلى الله عليه وسلم - أن لا يظهر عليهم عدوّ من غيرهم فأعطيها، وأن لا يهلكهم بالسنين فأعطيها، وأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها صلى الله عليه وسلم 348.
الجزء: 2 - الصفحة: 830
وهذا المسجد صلى فيه - صلى الله عليه وسلم -، وهو شمالي البقيع على يسار السالك 349 إِلى العريض 350. ومنها: مسجد الفتح 351، وجاء أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا في مسجد الفتح يوم الإِثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له، وذلك بين صلاتي الظهر والعصر، فعرف البشر في وجهه - صلى الله عليه وسلم - 352.
الجزء: 2 - الصفحة: 831
ومُصَلّاه في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذي على الجبل 353.
وروي 354 أنه كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -:
اللهم لك الحمد هديتني من الضلالة، فلا مكرم لمن أهنت، ولا مهين لمن أكرمت، ولا معز لمن أذللت، ولا مذل لمن أعززت، ولا ناصر لمن خذلت، ولا خاذل لمن نصرت 355 ولا مُعطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا رازق لمن حرمت، ولا حارم لمن رزقت، ولا رافع لمن خفضت ولا خافض لمن رفعت، ولا خارق لما سترت ولا ساتر لما خرقت، ولا مقرب لما باعدت ولا مبعد لما قربت.
وقد جدده ابن أبي الهيجاء بعد أن خرب، وكان قد بناه عمر بن عبد العزيز، وكذلك قالوا في موضع الأسطوانة الوسطى، وكان تجديده في سنة خمسة وسبعين وخمسمائة.
وبالقرب منه مسجدان، فالذي يلي المدينة معروف بمسجد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والآخر بمسجد سلمان الفارسي - رضي الله عنه -.
الجزء: 2 - الصفحة: 832
ومنها مسجد القبلتين 356 وهو الذي صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بأصحابه، فلما صلَّى ركعتين أمر أن يتوجه إِلى الكعبة 357 فسُمِّي لذلك مسجد القبلتين.
والثابت عند أهل التاريخ أن الصلاة حولت في مسجد القبلتين 358.
وفي هذا المسجد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - النخامة في قبلة المسجد فحكها بعرجون، وخلَّق موضعها بخلوق 359 * فهو أول مسجد خلق في الإِسلام.
ومنها مسجد العيد 360، وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى العيد 361 في سنين
الجزء: 2 - الصفحة: 833
متعددة في أماكن متعددة ومواضع 362 غير معروفة، ولا يعرف منها إِلا المسجد الذي يصلي الناس فيه اليوم 363.
وفي الحديقة المعروفة [بالعريضيّة 364] مسجد يقال: إِنه مسجد أبي بكر - رضي الله عنه -، ومسجد كبير شمالي الحديقة يقال: إِنه مسجد علي - رضي الله عنه - ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيد فيهما لأنه لا يظن أن أبا بكر وعليًّا - رضي الله عنهما - يختصان بمواضع غير المواضع التي صلى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم.
والمسجد الذي في طريق السافلة إِلى جانب النخل المعروف بالبحير يقال: إِنه مسجد أبي ذر الغفاري 365، ولم ير فيه شيء يعتمد.
الجزء: 2 - الصفحة: 834
والمسجد الذي يعرف بمسجد الراية لم يثبت فيه شيء.
وكذلك المسجد الذي في أول البقيع عن يمين الخارج من درب الجمعة (1).
فصل
ومن الآثار المشهورة: جبلُ أُحُد:
وفي البخاري: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في جَبل أُحُدٍ: "هَذَا الجَبَلُ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ" 367.
وقيل: إِن ذلك على ظاهره 368، وإِن الله تعالى خلق له إِدراكا، وذلك موجود في نظائره من الجمادات، ومن ذلك قوله تعالى في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
369 وكحنين الجذع إِلى النبي366
الجزء: 2 - الصفحة: 835
- صلى الله عليه وسلم - 370 وهو خشبة يابسة 371، كما فر الحجر بثوب موسى عليه السلام 372، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِني لأعرف بمكة حجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَّي" 373 ونظائره كثيرة.
= وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
والقول بأن الله خلق في بعض الأحجار خشية وحياة يجعلانها تهبط من علو تواضعًا، ذكره ابن عطية في (المحرر الوجيز: 1/ 266).
الجزء: 2 - الصفحة: 836
وقيل: إِن ذلك من باب حذف المضاف، أي يحبنا أهله، والأول أظهر 374.
قال تاج الدين عبد الباقي في تاريخه: وفي الحديث: "أحد ركن من أركان الجنة" 375.
ويقال: إِن موسى عليه الصلاة والسلام دفن أخاه هارون عليه السلام في جبل أحد 376. = فضل نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة).
وبهذا اللفظ أخرجه أحمد عنه في (المسند: 5/ 89). وأخرجه الترمذي عن جابر بن سمرة بلفظ: "إِن بمكة حجرًا كان يسلم علي ليالي .... إِني لأعرفه الآن" وقال: حديث حسن غريب.
(عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: 13/ 110)، أبواب المناقب، باب: في آيات إِثبات نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما خصه الله عز وجل به).
الجزء: 2 - الصفحة: 837
وروي أنه قطعة من جبل طور سيناء 377.
وفي الحديث: أحد على ترعة من ترع الجنة 378.
والترعة، قيل: إِنها الروضة 379 وقيل: إِنها 380 الدرجة.
وتحت جبل أحد من جهة القبلة مسجد صغير 381 يقال: إِن النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 838
صلِّى فيه الظهر والعصر يوم أحد، بعد انقضاء القتال 382.
وفي جهة القبلة من هذا المسجد موضع منقور في الجبل على قدر رأس الإِنسان، يقال: إِن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس على الصخرة التي تحته، ولم يرد في هذا ولا في الغار الذي في الجبل شمالي المسجد 383 أثر يعتمد عليه 384.
وقبلي مشهد 385 سيدي حمزة جبل صغير يقال له عَينِين بفتح العين وكسر النون الأولى، والوادي بينه وبين القبة كان عليه الرماة يوم أحد.
* وضبطه عبد الكريم في شرح سيرة عبد الغني عينين بفتح النون الأولى تثنية عين وكذلك ضبطه الصاغاني.
والضبط الأول ذكره المطري.
وهناك بالقرب منه مسجدان أحدهما مع ركنه الشرقي يقال: إِنه الموضع الذي طعن فيه سيدنا حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - والآخر بالقرب منه على شفير الوادي، يقال: إِنه مصرع حمزة 386. وأنه مشى بطعنته إِلى هناك، فانصرع - رضي الله عنه -.
الجزء: 2 - الصفحة: 839
واعلم أن بين مشهد سيدي حمزة والمدينة ثلاثة أميال ونصف، وبينها وبين أحد أربعة أميال أو ما يقارب ذلك، ذكره المطري.
ومن المواضع التي يتبرك بها وادي صعيب، فقد روى 387 الزبير بن بكار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أتى الحارث 388 بن الخزرج فإِذا هم رَوْبَى 389 فقال لهم: يا بني الحارث ما لكم رَوْبَى؟ قالوا: نعم يا رسول الله أصابتنا هذه الحمى.
قال: فأين أنتم عن 390 صعيب؟ قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ قال: تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء ثم يتفل فيه 391 أحدُكم ويقول: بسم الله تراب = هو قول مستفيض لدى أهل المدينة.
وتكلم السمهودي عن هذين المسجدين.
انظر (وفاء الوفاء: 3/ 848 - 849).
الجزء: 2 - الصفحة: 840
أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا، بإِذن ربنا، ففعلوه، فتركتهم الحمّى" 392. وصعيب وادي بطحان 393 دون الماجشونية 394، وفيه حفرة، وما زال الناس يأخذون منها التراب للتداوي، إِلى اليوم، إِذا حصل للإِنسان 395 وباء أخذ منه
الجزء: 2 - الصفحة: 841
فجعله في ماء واغتسل به من الحمى 396. قال ابن النجار: وأنا أخذت منه، وقد جرب ذلك فصح 397. ومن المواضع المشهورة البركة وادي العقيق 398. وفي البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتاني الليلة آتٍ من ربي عز وجل قال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة" 399. وفي وادي العقيق الموضع المعروف بالمعرس 400 وقد تقدم ذكره في القدوم
الجزء: 2 - الصفحة: 842
على المدينة الشريفة 401. وفي هذا الوادي من قبور الصحابة ما لا يُحصَى كثرةً 402. ووجد قبر عليه حجر مكتوب 403: أنا عبد الله ورسول رسول الله سليمان
الجزء: 2 - الصفحة: 843
ابن داود إِلى أهل يثرب، ووجد أيضًا حجر على قبر مكتوب عليه: أنا أسود بن سوادة (1) رسول رسول الله عيسى بن مريم إِلى أهل هذه القرية.
فينبغي إِتيانه (2) والصلاة فيه، والسلام على من دفن فيه من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابعي التابعين - رضوان الله عليهم أجمعين -.
فصل
وحول المدينة آبار 406 تردد النبي - صلى الله عليه وسلم - في عرصاتها وشرب من مائها.
وهي سبعة.
مئها بئر أريس 407 بقباء غربي المسجد الشريف، ينزل إِليها بدرج،404405 = وقد روى ابن القاسم عن الإِمام مالك أنه يكره الكتابة على القبر.
انظر (المعيار: 1/ 317 - 319). وممن صرح بكراهة الكتابة على القبر من الفقهاء ابن قدامة في (الشرح الكبير: 1/ 578) وشيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب في (مختصر الإِنصاف والشرح الكبير: 146).
الجزء: 2 - الصفحة: 844
قصدها النبي - صلى الله عليه وسلم - وجلس في وسط قفها 408 * وجلس أبو بكر - رضي الله عنه - على يمينه، وعمر - رضي الله عنه - على يساره، ثم جاء عثمان - رضي الله عنه - فجلس مقابلهم 409، وفيها سقط خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - من يد
الجزء: 2 - الصفحة: 845
عثمان 410 - رضي الله عنه - فنزح البئر وتكرروا لنزحها ثلاثة أيام فلم يجدوه 411.
ومن ذلك الوقت حصل في خلافته - رضي الله عنه - ما حصل من اختلاف الأمر، لفوات بركة الخاتم 412.
ومئها بئر غرس 413 وقد جاء أنه - صلى الله عليه وسلم - جاءها ودعا بدلو من مائها فتوضأ = (الصحيح: 8/ 96 - 97 - كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر).
وأخرجه مسلم عن أبي موسى، وفيه "حتى دخل بئر أريس" كما قال ابن النجار في (الدرة الثمينة: 22 أ).
الجزء: 2 - الصفحة: 846
منه ثم سكبه فيها، فما نزفت 414 بعد 415.
وقال الشيخ عبد الكريم في شرح السيرة فيما ذكره الواقدي بسنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غُسِّل من بئر يقال لها: الغُرس 416 بضم الغين والمعجمة والراء المهملة والسين المهملة.
وجاء أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة" فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق 417 فيها، وغسل منها حين توفي - صلى الله عليه وسلم - 418 ذكره المطري بسنده.
وقال ابن النجار: بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل 419، وكانت قد خربت فجددت بعد السبعمائة.
= على نصف ميل إِلى جهة الشمال، وحولها مقبرة.
(نزهة الناظرين: 114)، وانظر عن هذه البئر (وفاء الوفا: 3/ 978 - 981).
الجزء: 2 - الصفحة: 847
ومنها بئر البُصة 420، وقد جاء أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج مع أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - يوم جمعة 421 فغسل من البئر رأسه الكريم بسِدْر وصب غسالة رأسه - صلى الله عليه وسلم - ومراقة شعره في البُصَّة 422. وهي مشهودة قريبة من البقيع، وفي البصة بئر كبيرة وأخرى صغيرة 423 قال جمال الدين المطري: وسمعت بعض من أدركت من أكابر أهل = وقال ابن النجار: هي في وسط الصحراء، وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر، إِلا أنه عذب طيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 848
المدينة وأكابر الخدَّام يقولون: إِنها الكبرى القبلية وإِن الأولياء مثل سيدي أبي العباس أحمد بن موسى بن عجيل ما كان يقصد إِلا الكبرى.
ومنها بيرحاء 424.
وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب 425.
وتعرف الآن بحديقة تسمى النورية وهي شمالي سور المدينة معروفة عند أهل المدينة 426.
الجزء: 2 - الصفحة: 849
ومنها بئر بُضاعة 427، وجاء أنه - صلى الله عليه وسلم - شرب منها 428.
وذكر ابن النجار بإِسناده أنَّه - صلى الله عليه وسلم - دعا لبئر بضاعة 429؛ وبسنده أيضًا أنه - صلى الله عليه وسلم - بصق في بئر بضاعة 430
وهي باقية على مائها القديم، وموضعها معروف عند أهل المدينة.
ومنها بئر رُومة 431 وجاء أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "نعم الحفيرة حفيرة المزني (يعني
الجزء: 2 - الصفحة: 850
رومة)، فلما سمع بذلك عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ابتاع نصفها بمائة بكرة وتصدق بها، ثم اشترى النصف الآخر وتصدق بها كلها على المسلمين" 432. وصح أنه - صلى الله عليه وسلم - حض على شرائها 433 وقال: "من يشتري رومة ويجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله بها مشرب * في الجنة؟ فأتى عثمان - رضي الله عنه - اليهودي 434 فساومه فيها فأبى أن يبيعها كلها، وكان يبيع ماءها من المسلمين فاشترى عثمان - رضي الله عنه - نصفها باثني عشر ألف درهم، ثم اشترى النصف الآخر بثمانية آلاف درهم 435. وهي مشهورة وسط وادي العقيق، وهي اليوم عامرة - والحمد لله -. والآبار المذكورة سِتٌ، واختلف في السابعة: فقيل: هي بئر العِهن 436
الجزء: 2 - الصفحة: 851
وهي معروفة مشهورة، وقيل: هي بئر الجمل 437. قال المطري: ولم نعلم من ذكرها ولا أين هي؟ ! . وأما بئر السقيا 438 فهي حرة النقاء، ولا يعلم عينها تحقيقًا، والظاهرة أنها التي على الطريق على يسار السالك إِلى العقيق 439، وقد جدد عمارتها بعض مشائخ العجم وجعل لها علمًا تعرف به، وقد شرب منها - صلى الله عليه وسلم -. وأما بئر زمزم 440 فهي على يمين الطريق للسالك إِلى العقيق ولمّا يَزلّ أهل المدينة قديمًا وحديثًا يتبركون بها ويشربون من مائها، وينقل إِلى الآفاق منها كما ينقل ماء زمزم، ويسمونها زمزم أيضًا لبركتها، وقد جددها في هذا
الجزء: 2 - الصفحة: 852
الزمان قاضي القضاة زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن قاضي القضاة نور الدين الزرندي الحنفي 441 - نفعه الله بنيته -.
وقد ذكر ابن النجار وغيره من المساجد والمآثر والآبار 442 التي شملتها بركة النبي - صلى الله عليه وسلم - مواضع كثيرة لا تعرف بأعيانها، وربما عرف جهات بعضها فلا نطول بذكرها.
وبالجملة.
فكل طرف المدينة وفجاجها ودورها وما حولها قد شملته بركته - صلى الله عليه وسلم -، فإِنهم كانوا يتبركون بدخوله - صلى الله عليه وسلم - منازلهم ويدعونه إِليها وإِلى الصلاة في بيوتهم 443، ولذلك امتنع مالك - رحمه الله - من ركوب دابة في المدينة وقال: لا أطأ بحافر دابة في عراص كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي فيها بقدمه 444
الجزء: 2 - الصفحة: 853
الشريفة 445، ثم أصحابه الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - والصحابة البررة الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين -. فينبغي الإِقامة بها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من استطاع منكم أن يموتَ بالمدينة فليمت بها، فمن مات بها كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة" 446. قال - صلى الله عليه وسلم -: "ترابها شفاء من الجذام" 447.
الجزء: 2 - الصفحة: 854
الخاتمة
نسأل 448 الله الكريم بفضله العظيم أن يرزقنا فيها عملًا بارًّا، ورزقًا دارًّا، وعيشا قارًّا، ويحشرنا مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زمرته 449 الآمنين في خير وعافية بلا محنة ولا فتنة، إِنه اللطيف الرحمن الرحيم 450 الكريم الجواد، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله 451 وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا إِلى يوم الدين.
آخر كتاب إِرشاد السالك، إِلى أفعال المناسك، تأليف الإِمام العالم العلامة برهان الدين أبي إِسحاق إِبراهيم ابن الإِمام العالم العلامة نور الدين أبي الحسن علي بن أبي القاسم بن فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي، تغمده الله برحمته آمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = " ... وعلى آله الطيبين، وأصحابه الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، رضي الله عنهم أجمعين.
انتهى على يد العبد الفقير المقر بذنبه، الراجي عفو ربه قاسم بن علي بن محمد التونسي المنشأ والمولد، الأندلسي ثم الغرناطي الأصل والمحتد، عفا الله عنه، وغفر ذنبه ووالديه وأولاده ومشائخه وأحبابه وكل المسلمين أجمعين، أذان العصر يوم الخميس السابع من شهر رمضان سنة اثنتين ومائتين وألف بطيبة الميمونة على مطيبها أفضل الصلاة وأكمل التسليم، وعلى آله الأخيار وأصحابه الأبرار؛ رضي الله عنهم أجمعين، والحمد لله رب العالمين".
الجزء: 2 - الصفحة: 856
فهرس المصادر والمرا
ج
ع
المخطوطا
ت
أ
1 - أ
ح
كام القرآن لابن الفرس: أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم.
د. ك. ت 4928
- ت -
2 - تقييد على المدونة (1 - 2) للصغير: أبي الحسن علي الفاسي.
د. ك. ت. 12096 - 12097. 3 - تكميل التقييد وحل التعقيد، لابن غازي، أبي عبد الله محمد المكناسي د. ك. ك 15570 - 1558 - 1559. 4 - التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة للقاضي عياض أبي الفضل السبتي.
مصورة مركز البحث بجامعة أم القرى رقم 2.
- أصلها من الخزانة العامة بالرباط رقم 333 خ ل. 5 - التوضيح، شرح مختصر ابن الحاجب (1 - 2) لخليل بن إِسحاق الجندي د. ك. ت 127890 - 12790. 6 - توضيح المناسك على مذهب الإِمام مالك، للأزهري: حسين بن إِبراهيم د. ك. ت 80030. - ج - 7 - جامع مسائل الأحكام (النوازل)، للبرزلي: أبي القاسم بن أحمد البلوي القيرواني - د. ك. ت 4851.
الجزء: 2 - الصفحة: 945
ح
8 - حج الم