إرشاد السالك إلى أفعال المناسكمقدمة الطبعة الثانية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حظي هذا الكتاب بتوصية بالنشر من وزارة الثقافة والإِعلام بتونس - تقديرًا لأهميته - فقامت بنشر طبعته الأولى المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات "بيت الحكمة" سنة 1989 م ولقي إِقبال القراء من رواد علوم الشريعة والمقبلين على دراسة مناسك الحج والعمرة، إِذ يعد هذا الكتاب من أهم ما ألف في المناسك التي تتجدد الحاجة إِلى معرفتها بتجدد المواسم.
ورغبة مني في فتح آفاق أرحب لتوزيع الكتاب رأيت إِعادة طبعه فأصلحت الأخطاء المطبعية القليلة المتسربة إِلى الطبعة الأولى، وغيرت الإِحالات على الكتب التي كانت مخطوطة في تاريخ تلك الطبعة ثم نشرت بعدها مثل - المعونة للقاضي عبد الوهاب، والقبس لابن العربي، وهداية السالك لابن جماعة.
والملاحظ أن أصل الكتاب أطروحة دكتوراة في الفقه المقارن بإِشراف فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان الأستاذ في المعهد العالي للقضاء بالرياض - حفظه الله - نوقشت في المعهد المذكور بجامعة الإِمام محمد بن سعود سنة 1407 هـ/ 1987 م، ونالت مرتبة الشرف الأولى.
ولئن تضمن هذا الكتاب نص المناسك محققًا، مع التعليقات كاملًا كما كان عليه في الأطروحة، فإِن القسم الدراسي المقدم به للتحقيق ورد هنا مختصرًا عما

الجزء: 1 - الصفحة: 5

هو عليه في أصلها، إِذ استخرجت منه الترجمة الضافية لابن فرحون وجعلتها في كتاب مستقل نشرته مؤسسة (إِلفا) بمالطة سنة 1997 م. نسأل الله الكريم التوفيق والسداد والنفع بثمرة الجهد المتواضع المبذول في تحقيق هذا الأثر المالكي النفيس.
وندعوه أن لا يحرمنا أجره إِنه سميع مجيب.

مكة في 30 شوال 1420 هـ 6 فيفري 2000 م د. محمد بن الهادي أبو الأجفان التميمي القيرواني أستاذ الدراسات العليا الشرعية بكلية الشريعة جامعة أم القرى - مكة المكرمة

الجزء: 1 - الصفحة: 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تصدير

الحمد لله الذي خلقنا لنعبده، وهدانا بالإِسلام إِلى صراطه المستقيم، وبعث لنا رسولًا بالهدى ودين الحق، أرشدنا إِلى طريق الفلاح، وعرفنا بالعبادات المشروعة، ونهانا عن المنكرات الممنوعة.
والصلاة والسلام على أشرف مخلوقاته، المبعوث رحمة للعالمين، بالكتاب والحكمة، مبلغًا للدعوة الإِسلامية، ناصحًا للأمة المحمدية، مبشرًا المتقين بنعيم الجنة.
أمَّا بعد، فإِن للبلد الأمين فضلًا عند الله: أقسم به في كتابه العزيز، وجعله رمزًا للتوحيد، وجعل فيه البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وفرض الاتجاه إِليه في الصلاة والطواف به في الحج.
والحج إِلى بيت الله الحرام عبادة قديمة معهودة في ملة أبينا إِبراهيم فقد خاطبَه تعالى بقوله الكريم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ 1. وقد شُرِعت شعيرةُ الحج في الإِسلام، فكانت من القواعد الخمس وأركانه

الجزء: 1 - الصفحة: 7

الركينة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 2. وبذلك تتحقق للمسلمين فوائده الكثيرة ومنافعه الجمة، ويشعرون أنهم يقصدون أول بيت وضع للناس بمكة مباركًا، ويستعيدون ما ارتبط به من ذكريات خالدة.
ولما كان لهذه العبادة قيمتُها السامية، ولهذا البيت مكانته الرفيعة في نفوس المؤمنين، فقد اتجه العلماء منهم - منذ صدر الإِسلام - إِلى التأليف في أحكام هذه العبادة وفي تاريخ هذا البيت وأعلام بلده الأمين، وتعددت مؤلفاتهم وتنوعت، وما زال الكثير منها في عداد المخطوطات البعيدة عن متناول عامة القراء.
وقد أتيحت لي فرصة ممارسة جانب من هذا التراث النفيس، عندما عهد إِليَّ مركز أبحاث الحج التابع لجامعة أم القرى بالتنقيب عن الوثائق المتعلقة بالحج وبالحرمين الشريفين، في تونس، والتعريف بها تمهيدًا لتصويرها للمركز المذكور.
وشدتني هذه الوثائق إِليها، وعرفتني بما كان لأسلافنا من عناية بالغة بالوقف على الحرمين، ونظم الشعر فيهما، والتأريخ لهما، والترجمة لرجالهما، والعناية بالحديث عما فيهما من المعالم وما في الطريق إِليهما من المنازل، وبما كان لبعضهم من ولوع بتدوين رحلاتهم إِليهما، وبما بذل الفقهاء منهم من جهود في تصنيف مناسك الحج والعمرة، وآداب الزيارة.
ثم شدَّني أحد مصنفات المناسك وملك إِعجابي، عندما كنت في غمرة

الجزء: 1 - الصفحة: 8

البحث عن مؤلفات الفقيه برهان الدين إِبراهيم بن فرحون استعدادًا للترجمة له ضمن التقديم لتحقيق كتابه "درة الغواص في محاضرة الخواص" الذي كان لي حظ الإِسهام في إِعداده للنشر سنة 1400 هـ. هذا المنسك الذي أعنيه سماه مؤلفه ابن فرحون "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك"؛ ظفرت به أول مرة ضمن المخطوطات التي كانت بمدينة صفاقس، ثم آلت إِلى دار الكتب الوطنية بتونس، وتبينت لي - بعد قراءته - أهميتُه، فدفعني ذلك إِلى البحث عن نسخ أخرى له عسى أن ييسر الله لي تحقيقه اعتمادًا عليها.
وفي بعض رحلاتي العلمية عثرت على نسخة ثانية بالخزانة العامة بالرباط، ثم على نسخة ثالثة بمكتبة اللغات الشرقية بباريس.
وتأكد عندي أن هذه النسخ كفيلة بأن تمدنا بنص كامل سليم لهذه المناسك الفرحونية، التي تحركت في نفسي الرغبة في تحقيقها تدفعني الاعتبارات التالية:

  • أن المناسك عامة، مرجع تتجدد الحاجة إِليه كل عام، ولا غنى لحاج أو معتمر عن تعلمها، ولا غنى لمتعلم عن تذكرها.
  • وأن هذه المناسك الفرحونية تفيد القراء من مختلف المستويات وتعرفهم بما يحتاجون من أحكام المناسك، وتوجههم - أحيانًا - إِلى تطهير الوجدان بأداء هذه المناسك.
  • وأنها من أهم ما ألِّفَ في أدب المناسك على المذهب المالكي الذي بقيت أغلبت نفائسه محجوبة عن الأنظار، تحتاج جهود المحققين لإِعدادها للنشر، ونفض الغبار عنها، فهي ترينا مدى إِسهام بعض المالكية في هذا الفن الفقهي الذي راجت

الجزء: 1 - الصفحة: 9

كثير من مؤلفاته، عندما كان الناس يحرصون، كل الحرص، على تَعلُّمِ أحكامِ الحج قبل الشروع فيه.

  • وأنها لقيت استحسان بعض العلماء السابقين، فنوه بها السخاوي والتمبكتي ونقل عنها مؤلفو المناسك كالحطاب وابن هلال السجلماسي.
  • وأنها لم تغفل الرقائق والترغيب في الحج والعمرة والآداب التي يتحلَّى بها المسافر إِلى الحرمين.
  • وأنها تتضمن بعض الإِفادات التاريخية والجغرافية المتعلقة بالحرمين.
  • وأنها اشتملت على استنكار بعض البدع وبيان حكمها، مثل لمس القبر النبوي وإلصاق الجسم بجداره والدوران بالحجرة، ونحوها مما كان معروفًا في عصر المؤلف.
  • وأن مؤلفها استفاد كثيرًا مما وجده من الثروة الزاخرة من كتب الفقه العامة، وكتب المناسك خاصة، فاستقى ومحص ونقح الروايات وأجاد التنسيق والعرض.
  • وأنه خطط لتأليفه.
    وأحسن توزيع المسائل على أبوابها فقرب المنال، ويسر الاستفادة.
  • وأنه من أعلام فقهاء المالكية، اشتهر بكتابه الذي ألفه في القضاء والدعوى "تبصرة الحكام" وكتابه الذي ترجم فيه لطبقات المالكية "الديباج المذهب" وبألغازه الفقهية "درة الغواص".
    ويكون تحقيق هذا الكتاب مُبرزًا لجانب آخر له فيه اليد الطولي، وهو فن المناسك.

الجزء: 1 - الصفحة: 10

عملي في الدراسة والتحقيق

: جعلت عملي في هذا الكتاب موزعًا على قسمين، مهد أولهما للثاني الذي عُنيت فيه بتحقيق نص المناسك.
فأما القسم التمهيدي فقد اشتمل على فصلين، خصص أولهما للتعريف بالمؤلف برهان الدين إِبراهيم بن فرحون.
وخصص ثانيهما لدراسة كتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك".
وإِبراز ميزاته وما تضمنه من بدع لم تخل منها ثقافة عصره وأما تحقيق النص فاعتمدت فيه على النسخ المخطوطة التي أشرت إِليها، وسأورد وصفًا دقيقًا لها.
لم أجد من هذه النسخ - بعد فحصها وقراءتها - ما تستحق أن تكون أمَّا، تقابل بها النسختان الأخريان، فكلها لم تخل من الأخطاء، وإِن كانت نسخة باريس أقلها أخطاء ونسخة الرباط أكثرها أخطاء، وليس منها نسخة للمؤلف ولا نسخة مقروءة عليه أو مقابلة بنسخته أو مكتوبة في عصره أو قريبة منه، أو ممتازة بميزات تؤهلها أن تفضل الأخريين وتتقدم عليهما.
لهذا اتبعت طريقة النص المختار، فأثبت ما كان صحيحًا في الأصل بعد المقابلة بين جميع النسخ، وأثبت ما خالفه بالهامش، دون أن أحرص على الإِشارة إِلى كل الأخطاء بالهامش، لأن ذلك يثقل التعاليق دون جدوى تفيد القارئ، وفي ما أقتصرت على إِثباته بالهامش من الأخطاء والتصحيف ما يكفي لإِعطاء صورة عن

الجزء: 1 - الصفحة: 11

النسخ وعن مستوى ناسخيها.
واعتنيت بتوزيع النص، وإِقامته سليمًا قدر المستطاع، واهتممت خاصة بما يلي:

  • الإِشارة إِلى السور التي تنتمي إِليها الآيات وإلى أرقامها فيها، وإِتمامها إِذا اقتصر ابن فرحون على الاستشهاد بجزء منها.
  • تخريج الأحاديث النبوية مع الإِشارة إِلى موطنها في كتب الذين خرجوها وذكر رواتها من الصحابة، ونقدها مستعينا بأقوال المحدثين في نقد متنها وسندها، كلما كان ذلك ممكنًا.
    وقد واجهتني صعوبة تمثلت في إِيراد ابن فرحون لبعض الأحاديث بالمعنى، دون حرص على إِيراد المتن كما خرجه المحدثون؛ وقد تلافيت ذلك بإِثبات لفظه كما هو عند المخرجين، أو إِثبات الفرق بين ما أورده ابن فرحون وما أخرجه به رجال الحديث.
  • الحرص على توثيق النقول التي أوردها ابن فرحون من الكتب العديدة التي اعتمدها في مختلف الفنون، وأغلبها فقهي.
    وقد وثقت كل النقول التي توفرت كتبها لي من مخطوطات ومطبوعات.
    وهنا واجهتني صعوبة فقدان بعض المصادر أو عدم توفرها لي، فلجأت بالنسبة إِلى البعض من النصوص إِلى التوثيق من كتب بديلة.
    وقد يسر الله لي أن أحصل على صور من مخطوطات نادرة لتوثيق النقول

الجزء: 1 - الصفحة: 12

منها، مثل: تنبيهات عياض، ومناسك الحطاب.
وقد أثبتت عملية التوثيق أن ابن فرحون ينقل خلاصة الكلام في الغالب، فإِذا بدا لي أن تلخيصه أخلَّ بالمقصود أو طرح معنى مهمًا أُثبت النص كاملًا بالهامش، إِكمالًا للفائدة.
كما ثبت لي أن ابن فرحون لا يشير أحيانًا إِلى نهاية نقله، فيمزج كلامه بما نقل من كتب غيره، وهنا أتدخل للتمييز بين كلامه وكلام غيره.

  • الترجمة الموجزة للأعلام الوارد ذكرها في نص المناسك، مع الإِحالة على المصادر التي ترجمت لهم لمن أراد التوسع، وذلك عند ورود العلم أول مرة.
  • شرح العبارات الغريبة والألفاظ الاصطلاحية، عند ورودها أول مرة، ولا يصرفني عن ذلك كون ابن فرحون يشرح بعضها عندما تتكرر.
  • التعريف بالأماكن التي تُذكر في النص.
  • إِثراء هذه المناسك بما رأيته مناسبًا من التعاليق المفيدة بالتوسع في تفصيل حكم، أو دعم مسألة بدليل أو تعقيب على المؤلف مستعينًا في ذلك بالنصوص الشرعية وأقوال أعلامنا، وكان من أهم الموضوعات التي علقت عليها تلك التي تتعلق ببعض البدع التي ساقها ابن فرحون دون تحقيق وتمحيص.
    وقد اقتضى تنوع هذه التعاليق تنوع فنون مصادرها من تفسير وحديث وفقه ولغة وتاريخ وغير ذلك.
    على أني كنت مؤثرًا منها، في الغالب، المؤلفات القديمة باعتبارها مصادر

الجزء: 1 - الصفحة: 13

أصيلة ذات قيمة، وتتبعت حتى المخطوط الذي أمكن أن تصله يدي.
وكذلك فعلت عند الترجمة للمؤلف، حيث استعملت الوثائق النادرة وفضلت أقرب المصادر إِلى عهده، وكنت ألجأ إِلى غيرها كمصادر ثانوية مساعدة.
هذا وقد ذيلت نص المناسك بفهارس مناسبة كمفاتيح للقارئ تعينه على الظفر ببغيته من الكتاب، وهي تشمل آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآثار، والشعر، والقواعد الفقهية والأصولية، والأعلام، والموضوعات.

الجزء: 1 - الصفحة: 14

شكر وتقدير

وإِنني بعد شكري لله تعالى الذي لا تحصى نعمه، أتوجه إِلى كل من أعانني في هذا العمل بالإِرشاد والتوجيه أو توفير الوثائق النادرة، وأخص بالذكر:

  • شيخي العلامة الدكتور صالح الفوزان الأستاذ في المعهد العالي للقضاء في جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية في الرياض، وهو الذي بفضل إِشرافه على هذه الرسالة، وبفضل توجيهه السديد المتواصل تحققت الفوائد، وخرج الكتاب على هذه الصورة.
  • شيخي المفضال الدكتور محمد الحبيب بلخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإِسلامي بجدة، الذي ما فتئ يشملني بإِرشاده وتشجيعه.
  • شيخيَّ الفاضلين الكريمين: محمد المنوني ومحمد أبو خبزة من المغرب فإِني مدين لهما بما دلاني إِليه من المصادر.
    وأخيرًا، فليس هذا العمل إِلا كسائر الأعمال البشرية، يتسم بالنقص، ولا تبلغ به الجهود المبذولة في إِنجازه درجة الكمال، وإِن كلَّ الناسِ يُخطئُ ويصيب، إِلا صاحب العصمة - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغ عن رب العالمين.
    والله الموفق إِلى سبيل الرشاد، الهادي إِلى طريق السداد، هو حسبنا ونعم الوكيل.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    تونس 10 صفر 1409 هـ د. محمد بن الهادي أبو الأجفان التميمي القيرواني رئيس قسم الفقه بالمعهد الأعلى للشريعة جامعة الزيتونة - تونس

الجزء: 1 - الصفحة: 15

رموز

أ: بعد رقم، يكون الرقم للوحة مخطوط، وهذا الحرف يعني وجهها.
ب: نسخة "إِرشاد السالك" التي تحتفظ بها مكتبة اللغات الشرقية بباريس.
وإِذا جاء بعد رقم، فالرقم للوحة مخطوط، والحرف لظهرها.
مخط: مخطوط: ص نسخة دار الكتب الوطنية بتونس "إِرشاد السالك".
وقد يرمز إِلى صفحة.
ر: نسخة الخزانة العامة بالرباط، من "إِرشاد السالك".
د. ك. ت: دار الكتب الوطنية بتونس.
ط: طبع، أو طبعة.
مط: مطبوع ت: توفي سنة، أو متوفى سنة.
د. ت: بدون تاريخ.
م. ن: المصدر نفسه سالف الذكر قريبًا.
... / ... : إِثر ذكر مصدر، يشير ما قبل الخط إِلى الجزء وما بعده إِلى صفحته.

الجزء: 1 - الصفحة: 17

[ ... ]: لحصر ما أضيف من عبارات مقترحة ليستقيم المعنى، أو ما أضيف من عناوين فرعية، أو لما أصلح في الأصول المعتمدة.
/: تتخلل نص المناسك، تدل على أن ما بعدها بداية صفحة من نسخة باريس.
//: تتخلل نص المناسك، تدل على أن ما بعدها بداية صفحة من نسخة تونس.
*: تتخلل نص المناسك، تدل على أن ما بعدها بداية صفحة من نسخة الرباط.
﴿ ... ﴾: لحصر الآيات القرآنية.
" ... ": لحصر الأحاديث النبوية.
هـ: بعد أرقام الصفحات في الفهارس تدل على الهامش.
ملحوظة: لم يراع في ترتيب فهرس الأعلام المترجم لهم: ابن، أب، أم، آل.

الجزء: 1 - الصفحة: 18

القسم الأول الدّراسَة الفصل الأول: ترجمة المؤلف ابن فرحون الفصل الثَّاني: دراسة كتاب "إرشاد السَّالك"

الجزء: 1 - الصفحة: 19

الفصل الأول

ترجمة المؤلّف ابن فرحون

الجزء: 1 - الصفحة: 21

حياة ابن فرحون وأثره في الحركة العلمية * * وردت ترجمته في:

  • الأعلام، للزركلي: 1/ 133.
  • ألف سنة من الوفيات: 133.
  • إِنباء الغمر بأنباء العمر، لابن حجر: 1/ 531.
  • إِيضاح المكنون، للبغدادي: 1/ 189 - 2/ 368.
  • برنامج المكتبة الصادقية: 4/ 280 و 361.
  • برهان الدين إِبراهيم بن فرحون، لمحمد أبو الأجفان - منشورات الفا مالطا.
  • تاريخ الأدب، لبروكلمان (بالألمانية): 2/ 175، ملحق: 2/ 226.
  • تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش: 3/ 623، ط. دمشق.
  • التحفة اللطيفة، للسخاوي: 1/ 116 - 117.
  • تعريف الخلف برجال السلف، للحفناوي: 1/ 200 - 201.
  • توشيح الديباج، للبدر القرافي: 45 - 46 رقم 1.
  • دائرة المعارف الإِسلامية: 3/ 786، هوبكنز (بالفرنسية).
  • درة الحجال، لابن القاضي: 1/ 182 - 183 رقم 240.
  • الدرر الكامنة، لابن حجر: 1/ 49 رقم 124.
  • شجرة النور، لمخلوف: 222 رقم 789.
  • شذرات الذهب، لابن العماد: 6/ 357.
  • طبقات المالكية، لمجهول: 340 رقم 636.
  • الفتح المبين: 2/ 211.

الجزء: 1 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - القاضي برهان الدين بن فرحون وجهوده في الفقه المالكي.
(رسالة جامعية في كلية الآداب جامعة محمد الخامس في الرباط) للطالبة نجيبة أغرابي.

  • كشف الظنون، لحاجي خليفة: 1/ 339، 762 - 2/ 1106.
  • كفاية المحتاج، للتمبكتي: 19 أ.
  • معجم المؤلفين، لكحالة: 1/ 68.
  • معجم المطبوعات، لسركيس: 202.
  • معلمة الفقه المالكي، لعبد العزيز بن عبد الله: 32.
  • مقدمة تحقيق درة الغواص في محاضرة الخواص: 13 - 29.
  • مقدمة تحقيق الديباج: 1/ ل. م. ن. س.
  • الموسوعة المغربية، لعبد العزيز بن عبد الله: 1/ 15 - 2/ 81.
  • نيل الابتهاج: 30 - 32.

الجزء: 1 - الصفحة: 24

نسبه وأصله

: إِن لآل ابن فرحون المستوطنين بالمدينة المنورة نسبًا عربيًا يرجع إِلى بطن من كِنَانة يُعرف بيَعمَر، ينسبون إِليه فيقال: اليَعمَري 3 (بفتح أوله والميم وسكون المهملة، آخره راء).
كتب مترجمُنَا نسبَهُ بخطه، فجاء كما يلي: إِبراهيم بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي 4. وأضاف في ترجمة أبيه 5 وعمه 6 عبارة التونسي الأصل 7 المدني المولد والمنشأ.
ولخص أحمد بابا التمبكتي ترجمته مما كتبه جده الفقيه أحمد بن عمر، فجاء فيها 8:

الجزء: 1 - الصفحة: 25

اليعمري 9 الأُيَّاني 10 ثم الجياني 11 الأصل 12. ويمكن أن نستنتج من ذلك أن هذه الأسرة عاشت في الأندلس ثم بتونس.
قبل أن تستوطن المدينة المنورة التي ولد فيها أعلام من آل ابن فرحون، نبغوا في فنون علمية وتولوا القضاء خلال القرون السابع والثامن والتاسع، فبنوا مجد هذه الأسرة مما جعل السخاوي يصفها بقوله: (بيت رئاسة وقضاء وعلم) 13 وتابعه في ذلك التمبكتي فقال: (أهل بيت علم) 14.

الجزء: 1 - الصفحة: 26

ولادته ونشأته

: لئن اتفق المترجمون لبرهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن فرحون على أنه توفي سنة 799 هـ، فإِنهم لم يتفقوا على سنة ولادته.
ومنهم من أشار إِليها بصفة تقريبية بذكر عمره عند وفاته، وبعضهم عيَّنَها.
ومنهم من أغفلها.
فابن حجر ذكر في "الدرر الكامنة" 15 أنه توفي عن نحو من السبعين 16، فتكون ولادته حوالي سنة 729 هـ، وذكر في "إِنباء الغمر" 17 أنه جاوز السبعين، فتكون ولادته قبل هذه السنة.
ومال السخاوي 18 إلى أنها كانت بعد 19 730 هـ فيكون عمره أقل من السبعين.

الجزء: 1 - الصفحة: 27

أما ابن العماد 20 فقد ذكر أنه جاوز التسعين عند موته، وهذا بعيد، وانفرد به.
وأبعد منه قول (هوبكينز): إِنَّه ولد حوالي سنة 760 هـ 21 لأن هناك ما يدلنا على أنه عاش قبل هذا التاريخ، ومن ذلك أنه أخذ عن شيوخ ماتوا قبله كما سنرى.
وعين تاريخ الولادة أصحاب برنامج المكتبة الصادقية، فقالوا: (ولد في ذي القعدة سنة 732 هـ) 22 دون ذكر مصدرهم المعتمد في ذلك.
وعيَّن السنة كحالة، فذكر أنها 719 هـ 23. وممن أغفل التعرض لسنة ولادته أحمد بابا التمبكتي.
وعندي أنه لا يستبعد أن يكون مترجمنا ولد قبل سنة 729 هـ وعاش أكثر من سبعين سنة، وذلك لأن شيخه الأقشهري المختلف في سنة وفاته وعلى أبعد الاحتمالات توفي 24 سنة 739 هـ، المتوقع أن يكون ابن فرحون

الجزء: 1 - الصفحة: 28

أخذ عنه متجاوزًا العاشرة من عمره، وكذلك شيخه الجمال المطري الذي احتك به كثيرًا ولازمه وانتفع به، وهو متوفى 25 سنة 741 هـ. وكانت ولادة إِبراهيم بن فرحون في المدينة المنورة 26، موطن أسلافه.
وبها نشأ وترعرع في ظل أسرته العلمية المعتزة بشريف المحتد وكريم النسب، وفي كنف شيوخه الأبرار.
وكان ينعم بعناية والده العالم المحدث الفقيه المتبحر في علوم العربية، ويحظى بتربيته الإِسلامية وتوجيهه في درب الاستقامة والصلاح.
ولئن استأثرت رحمة الله بالوالد أبي الحسن علي 27 قبل أن يتخطى الابن العقد الثاني من عمره، فإِن أحضان العم أبي محمد البدر عبد الله تلقت مترجمنا، فواصل العناية به والإِشراف على دراسته.
ونستشف من ترجمة إِبراهيم لعمه 28 أنه كان يكنُّ الإِعجابَ بشخصيته، ويقدِّر جِدَّه في العبادة وسعيَه لنفع الناس وحرصَه على طلب العلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 29

وكان ذلك بادرة تأثر به (1) واقتداء بسلوكه وأخلاقه.

شيوخه بالمدينة

: كانت المدينة المنورة في القرن الثامن تزخر بأعلام العلماء من أهلها ومن الوافدين عليها في المواسم وغيرها.
وقد كانت لإِبراهيم بن فرحون صلةٌ بعلماء أهل السنة من هؤلاء، أخذ العلم وسمع الحديث عنهم، وحاورهم وشاورهم في بعض المسائل الفقهية.
والمعروفون من شيوخه - زيادة على والده وعمه - هم: 1 - جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خالد بن عيسى الأنصاري السعدي المديني المعروف بالمطري.
كان مؤرخًا مشاركًا في علوم.
ت 741 هـ 30. سمع ابنُ فرحون عنه الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه، وغيرها 31.29

الجزء: 1 - الصفحة: 30

(وتفرد عنه بسماعه منه تاريخ المدينة) 32. 2 - عفيف الدين عبد الله المطري ابن الجمال المذكور، وهو إِمام علامة ت 765 هـ 33. 3 - محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري، ولد في أقشهر بقونية اختلف في سنة وفاته بين 731 هـ و 737 هـ و 739 هـ 34. 4 - الزبير بن علي بن سيد الكل بن أبي صفرة الشرف الأسواني الأزدي المهلبي المصري، نزيل المدينة المنورة.
ت 748 هـ 35. 5 - محمد بن جابر بن محمد الوادي آشي الأصل التونسي الاستيطان المعروف بابن جابر.
كان محدثًا مقرئًا عارفًا بالنحو واللغة وكانت له رحلات وله أسانيدُ كتبِ المالكيةِ يرويها إِلى مؤلفيها، وله تآليف حديثية 36. ولد سنة 673 هـ، ت 749 هـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 31

قال عنه ابن فرحون: (سمعت عليه موطأ مالك بن أنس رواية يحيى بن يحيى في الحرم النبوي في سنة ست وأربعين وسبعمائة، لقي أيمة من العلماء والمحدثين أصبح بهم نسيج وحده انفساح رواية وعلو إِسناد ... إِنه أحد شيوخنا وشيخ كثير من أهل زماننا) 37. 6 - محمد بن عرفة 38 (والد الشيخ أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي الإِمام، كان خيرًا صالحًا متعبدًا، جاور بالمدينة ولازمها حتى توفى، وكان صاحبَ جد) 39. قال عنه ابن فرحون: أقام بالمدينة على منهاج الصالحين والسلف الماضين 40. 7 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الهواري المالكي.
كان نحويًّا ناظمًا، قرأ القرآنَ والنحوَ والفقهَ على شيوخ الأندلس ثم رحل إِلى الشرق وهو أعمى 41، صحبةَ أحمد بن يوسف الرعيني ت 779 هـ. توفي ابن جابر 42 سنة 780 هـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 32

هذا ويذكر الشيخ محمد مخلوف 43 أن مترجمنا أخذ عن أبي الحسن علي بن الجياب الأندلسي ت 749 هـ. وعندي أن ذلك غير صحيح، لأن ابن فرحون ترجم له 44 ولم يشر إِلى ذلك.
فلو أخذ عنه لذكر ذلك في ترجمته، كما فعل عندما ترجم لابن جابر الوادي آشي.
وجدير بالملاحظة أن ابن فرحون كان حريصًا على ربط وثيق الصلة بأقرانه من الأعلام الواردين إِلى المدينة المنورة وعلى مباحثتهم ومشاورتهم في بعض المسائل العلمية، ومن ذلك أنه استضاف الإِمامَ محمد بن عرفة التونسي - ابن شيخه سالف الذكر - فأكرمه وأنزله في بيته، وذلك عندما قدِمَ المدينةَ في رحلة حجه 45. ومن المسائل الفقهية التي باحثه فيها وشاوره في حكمها مسألة صلاة المسافرين في السفينة تحت سقفها غير المرتفع، مع انحناء رؤوسهم 46.

الجزء: 1 - الصفحة: 33

وقد أجاز ابن عرفة جميع مسموعاته ومروياته وتصانيفه لابن فرحون (1).

رحلاته

: لإِبراهيم بن فرحون رحلات إِلى مصر والقدس ودمشق، لم يهتم مترجموه بإِفاضة الكلام عنها ولم يسلطوا عليها ساطع الأضواء، وإِنما اقتصر بعضهم 48 على تعيين تاريخ رحلته إِلى القدس ودمشق، وهو سنة 792 هـ. وبتتبع تراجم تلاميذ ابن فرحون وتراجم العلماء الذين أرخ لهم في "الديباج" تَمَكَّنا من التقاط بعض الإِفادات عن تاريخ زيارته لبعضِ البلدان.
استفدنا أنه كان سنة 775 هـ بحمص يدرس صحيح البخاري 49 وأنه كان في القاهرة سنة 776 هـ أو قبلها، وذلك لقوله في ترجمة خليل بن إِسحاق الجندي المالكي: (اجتمعت به في القاهرة) 50، ولقوله في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي: (اجتمعت به بمصر47

الجزء: 1 - الصفحة: 34

بمنزله بالقاهرة شيخًا فاضلًا حسن السَّمت والوقار كثير المذاكرة ... لزم بيته للإِسماع والإِفادة) 51. والرجلان من الذين توفاهم الله سنة 776 52. واستفدنا أنه كان سنة 792 هـ بدمشق، يصحبه ابنه محمد أبو اليمن، فقد قال في ترجمة أحمد بن عمر بن علي بن هلال الربعي 53 ت 795 هـ

الجزء: 1 - الصفحة: 35

(لقيته بدمشق في سنة اثنتين وتسعين وأخذ عنه ابني محمد أبو اليمن وكان مع مجموع فضائله خامل الذكر كثير العزلة عن أهل المناصب، بل عن الناس ما عدا خواص طلبته) (1). وهذه الرحلة إِلى القدس ودمشق كانت آخر أسفاره (2). ويستنتج من هذا أن ابن فرحون كان في رحلاته يفيد ويستفيد، يسمع الحديث ويدرس العلم ويلاقي الشيوخ ويحضر مجالسهم العلمية، ولقد كانت الرحلة في عصره - لطلب العلوم ولقاء المشيخة - مزيد كمال في التعلم، وبها تحصل الملكات وترسخ، وتكتسب الفوائد الجمة (3).

توليه القضاء

: كان ابن فرحون يعارض المؤلفين الذين يرهبون في تآليفهم من تولي القضاء، ويرى أن هذا المنصب شريف يؤدي صاحبُه أجلَّ الخدمات لمجتمعه الإِسلامي 57.545556

الجزء: 1 - الصفحة: 36

وقد تولى مترجمنا خطة القضاء في ربيع الآخر من سنة 793 هـ واستمر في مباشرتها إِلى وفاته 58. وقد كان مؤهلًا لهذه الخطة علميًّا، فهو واسع المعرفة بإِجراءات التداعي وأحكام القضاء، يبرهن على ذلك ما أودعه كتابَه "تبصرة الحكام" الذي سيأتي ضمن مؤلفاته.
وكان في قضائه مثال العدل والنزاهة وإِقرار الحق والانتصاف من الظالمين.
قال أحمد بابا التمبكتي: (سار فيها (خطة القضاء) سيرة حسنة ولم تأخذه في الله لومة لائم ... فهابته الرعية، وانتصف من الظالم) 59. ومع استمراره في منصب القضاء طيلة السبع سنوات الأخيرة من عمره، فقد قضى هذه السنوات في فقر، يستدين ليأكل وينفق على عياله الذين أرهقت كثرتهم كاهله ويكتري المسكن دون أن يملكه وعندما توفي كانت الديون تثقل ذمته 60.

الجزء: 1 - الصفحة: 37

صفاته الخلقية والخُلقية ومستواه العلمي:

كان جميل الهيئة أبيض اللون حلو المنظر معتدل القامة لا يلبس الثياب المصقولة، ويلازم الطيلسان على العمامة 61. أما صفاته الخُلقية والعلمية فقد نوه بها مترجموه الذين أبرزوا بذلك جوانب النبوغ في شخصيته.
فابن قاضي شهبة يصفه بـ (القاضي العالم الأصيل) 62. والتمبكتي يذكر أنه كان (جامعًا للفضائل فريد وقته ... عالمًا بالفقه والنحو والأصول والفرائض والوثائق وعلم القضاء، عالمًا بالرجال وطبقاتهم مشاركًا في الأسانيد، واسع العلم فصيح القلم، ذا بيان كريم الأخلاق، بعيدًا عن التصنع والرياء، من أرق أهل زمانه طبعًا وألطفهم عبارة) 63. والشيخ مخلوف يحليه بـ (الإِمام العمدة الهمام أحد شيوخ الإِسلام وقدوة العلماء الأعلام، وخاتمة الفضلاء الكرام) 64. ويحليه الزركلي بـ (العالم البحاث) 65.

الجزء: 1 - الصفحة: 38

ويدلنا على روح التقوى التي يتمتع بها كثرة أوراده وذكره وتلاوته وإِحياؤه الليل بالصلاة والعبادة (1) تقربًا لله سبحانه.

وفاته

: ابتلى الله سبحانه وتعالى برهان الدين بن فرحون آخر عمره بداء الفالج الذي أصاب شقَّه الأيسر وأبطل حركته 67. وفي العاشر من ذي الحجة يوم عيد الأضحى سنة 799 هـ (4 سبتمبر 1397 م) فاضت روحه الطاهرة بالمدينة المنورة راجعة إِلى ربّها.
وأجمع مترجموه على تاريخ وفاته، ولم يشذ عنهم إِلا ابن القاضي فحشره ضمن المتوفين في سنة 790 في "لقط الفرائد" 68 وكذلك فعل في "درة الحجال" موردا التاريخ الصحيح بصيغة التضعيف 69: (وقيل: توفي سنة 799 هـ). وما ذهب إِليه ابن القاضي لا يصح، لأنه يخالف ما درج عليه مترجموه 70، وفيهم الأقرب زمنًا إِلى ابن فرحون، الأعرف به منه، ولأنه66

الجزء: 1 - الصفحة: 39

تأكد أن ابن فرحون كان له نشاط معروف بعد سنة 790 هـ، فقد رحل إِلى الشام سنة 792 هـ، واتصل في السنة نفسها بابن عرفة وابن هلال الربعي، كما رأينا، ثم باشر القضاء سنة 793 هـ كما سبق.
وقد دفن البرهان بن فرحون بالبقيع (1) وهي المقبرة التي تضم رفات سائر من مات بالمدينة من أفراد أسرته (2).

أثر ابن فرحون في التيار الثقافي والحركة العلمية

: إِن من المعايير التي تُعرف بها قيمة الأعلام، وتدرك بها مكانتهم، معيار التأثير في حياة مجتمعهم وواقع بيئتهم، ومعيار الإِثراء للرصيد الفكري، ونشر المعرفة الدينية والعقيدة الصحيحة بين الناس.
ومحاولات الإِصلاح التي تصدر عن الأعلام تعارضها نزعات الفساد والباطل والضلال، فيكون الصراع بين الحق والباطل، ويقوى تأثير الإِصلاح تارة ويضعف تارة أخرى.7172 = (التحفة: 1/ 117)، وابن العماد في (الشذرات: 6/ 357)، والتمبكتي في (النيل: 32)، والقرافي في (التوشيح: 45)، ومخلوف في (الشجرة: 222)، وكحالة في (المعجم: 1/ 68)، وبروكلمان في (تاريخه: 2/ 175).

الجزء: 1 - الصفحة: 40

وهذا ما رأيناه ببيئة المدينة في عصر ابن فرحون، حيث كانت للعلماء جهود في مقاومة ضلال فئة الشيعة ومحاولة استئصال شأفة المنكرات.
وكان ابن فرحون ينبهُ إِلى خطر بدعةِ الشيعة وما تجره من عظيم الفساد وبالغ الضرر، ويحمّل الحكام تبعة التصدي إِلى هذه البدعة لحسمها بسلطانهم ودرء مفاسدها الجسيمة.
وفي تقديري أن إِشارة التمبكتي إِلى إِظهار ابن فرحون لمذهب مالك ومناصرته بعد خموله بالمدينة عندما ولي منصب القضاء 73 لا تعني طغيان التعصب المذهبي عليه، لعلاقته الوطيدة بعلماء من المذاهب الفقهية المختلفة إِذ أخذ عن فقهاء من غير المالكية، وسمع عنه وأخذ عنه طلبة من غير المالكية بالمدينة وبحمص.
وإِنما تعني تلك الإِشارة سعيه لخدمة مذهبه المالكي، تدريسًا وتأليفًا وتطبيقًا في مجال القضاء، وإِفتاءً بأحكامه، كما تعني مناصرة الاتجاه السني الذي تمثل المالكية رافدًا من روافده.
وكل انحراف جره سلطان أمراء الشيعة بالمدينة يتصدى له ابن فرحون بالمعارضة، ويكشف للناس خطره، ويدلهم على فساده، مبرهنًا

الجزء: 1 - الصفحة: 41

على صحة رأيه وسلامة العقيدة التي يعلنها أهل السنة، مستدلًا بنصوص من أقوال الأيمة السنيين من مختلف المذاهب التشريعية.
من ذلك قبول شهادة أهل بدعة التشيع، وبناء الأحكام في القضاء عليها.
فقد عارض ابن فرحون ذلك بشدة، قائلًا: (لا خلاف في المذهب أن شهادة أهل البدع غير جائزة، ولا يعتبر منهم الأمثل فالأمثل، ولا تجوز شهادتهم لأهل السنة ولا عليهم، ولا تجوز شهادتهم لبعضهم على بعض، لانتفاء العدالة التي هي شرط في قبول الشهادة ... ) 74. وكان ابن فرحون يؤكد على وجوب تعيين عدول من أهل السنة لخطة الشهادة، لينحسم بذلك خطر شهود أهل البدعة الذين ينبغي أن لا تقبل شهادتهم إِلا فيما يقع بينهم مما لا يحضره أهل السنة، وبذلك يخفّ الأمر وتكون شهادتهم مقصورة على محل الضرورة 75. وهكذا يحاول ابن فرحون أن يحقق إِصلاحًا في الواقع الذي حوله، ويسير في ذلك على ضوء هدي الشريعة الإِسلامية.
أما أثره في الحركة العلمية فهو يتجلى خاصة في مجالات التدريس والتأليف والإِفتاء.
وسنتعرض لجهوده في هذه المجالات.

الجزء: 1 - الصفحة: 42

ففي مجال التدريس وتبليغ العلم لمع نجم ابن فرحون حتى عُدّ من (صدور المدرسين ومن أهل التحقيق) 76. وقد تخرجت على يديه ثلة من الأعلام، منهم: 1 - ابنه أبو اليمن محمد 77 ت حوالي 814 هـ. 2 - حفيد عمه: أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي القاسم فرحون اليعمري 78 ت 822 هـ. 3 - شرف الدين محمد بن أبي بكر بن الحسين القرشي العثماني 79 المراغي المصري المدني نزيل مكة الشافعي، أبو الفتح.
ت 859 هـ. 4 - تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي أبو الطيب المالكي 80 ت 832 هـ. 5 - محمد بن خالد بن موسى الحمصي الحنبلي ابن زَهرة (بفتح الزاي) ت 830 هـ قاضي القضاة، شمس الدين.

الجزء: 1 - الصفحة: 43

حضر سنة 775 هـ بحمص على إِبراهيم بن فرحون قطعة من آخر صحيح البخاري وحدث بها 81. 6 - عبد الرحمن بن زهرة أخو محمد المذكور ت 864 هـ. ولد بحمص سنة 777 هـ ونشأ بها وحفظ القرآن وغالب المنهاج وألفية النحو 82. سمع من ابن فرحون قطعة من صحيح البخاري، وهي باب قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
83 وحدث بها 84. 7 - محمد بن محمد بن محمد الحمصي الصوفي القادري الشافعي سمع من ابن فرحون صحيح البخاري 85. 8 - عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن موسى الحمصي الحنبلي جمال الدين ابن زهرة ت 868 هـ 86.

الجزء: 1 - الصفحة: 44

9 - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن خلف الأنصاري الخزرجي المطري الأصل المدني الشافعي 87 ت 856 هـ. وممن أجازهم ابن فرحون.
10 - حسين بن علي بن يوسف بن سالم بن عطية المكي، الشهير بابن أبي الأصيبع، البدر.
ت 849 هـ بمكة 88. 11 - عبد اللطيف بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الغنُّومي المكي ت 859 هـ بمكة 89. 12 - عبد الرحيم بن إِبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن إِبراهيم اللخمي الأميوطي المكي الشافعي، زين الدين ت 867 هـ بمكة 90. 13 - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الحسيني الإِيجي صفي الدين، ت 864 هـ. كان إِمامًا عالمًا صالحًا زاهدًا ورعًا 91. أما في مجال التأليف فكان لابن فرحون جهدٌ مبذول، قال ابن حجر:

الجزء: 1 - الصفحة: 45

(تفقه وبرع، وصنف وجمع) 92 ووصف أحمد بابا تآليفه بأنها (في غاية الإِفادة لاتساع علمه) 93، وقال عنه مترجم آخر: (فريد وقته ونسيج وحده، ذو التصانيف المفيدة) 94. ولم يطبع من كتبه ويشتهر إِلا أربعة ويتلوها هذا الكتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" فيكون خامس كتاب منشور.
وأملنا أن ينفض الغبار عن كتبه الأخرى وتظهر للناس فينتفعوا بها.

الجزء: 1 - الصفحة: 46

وهذا جدول للتعريف بمؤلفاته في الفقه -- ملاحظات 1 - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام.
-- موضوعه: فقه القضاء طبع عدة مرات 2 - درة الغواص في محاضرة الخواص.
-- موضوعه: ألغاز فقهية وقع تحقيقه وصدر في طبعتين.
3 - إِرشاد السالك في أفعال المناسك.
-- موضوع هذا التقديم والتحقيق.
4 - تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات.
-- في معلمة الفقه المالكي لعبد العزيز بن عبد الله أن منه نسخة بالمتحف البريطاني في لندن برقم 872، وقد شددت الرحلة إِليها للاطلاع عليها، فإِذا بها نسخة من كتابه (كشف النقاب الحاجب)، المطبوع.
5 - بروق الأنوار في سماع الدعوى.
-- لم يكمل - ولا تعرف نسخه 6 - كتاب في الحسبة.
-- لم يكمل - ولا تعرف نسخه 7 - كشف النقاب الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.
-- موضوعه: بيان مصطلحات مختصر ابن الحاجب الفرعي.
منه نسخة بدار الكتب الوطنية بتونس: 15429. حققة الصديقان: الأستاذان عبد السلام الشريف وحمزة أبو فارس من ليبيا، ونشرته دار الغرب الإِسلامي بيروت.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

في التراجم 1 - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب.
-- طبع أكثر من مرة وهو متداول ولا غنى عنه في تراجم علماء المذهب المالكي 2 - طبقات علماء المغرب -- انفرد بذكره الزركلي ولعل نسبته إِلى ابن فرحون غير صحيحة.
في أصول الفقه 1 - إِقليد الأصول -- اختصار لتنقيح القرافي لم يكمل تأليفه في الطب 1 - المنتخب في مفردات ابن البيطار -- موضوعه في الطب لا تعرف نسخه

الجزء: 1 - الصفحة: 48

وأما في مجال الفتوى فقد ضرب ابن فرحون بسهم، بعد أن بلغ مستوى ساميًا في الفقه، شهد ببلوغه بعض مترجميه، كما رأينا، وشهدت به مؤلفاته التي تحدثنا عنها.
وقد جرت العادة أن يقصد الناس بأسئلتهم الفقهية أهل الذكر من العلماء وخاصة منهم الذين يذيع صيتهم وتنتشر شهرتهم.
وكان ابن فرحون من الذين يفتون ويرشدون إِلى طريق الله المستقيم.
ولئن لم يشر مترجموه إِلى فتاويه، ولم يعرف له كتاب جامع لها، فإِن الفقيه أبا العباس أحمد الونشريسي ت 914 هـ أتحفنا ببعض فتاويه في "المعيار المعرب" مثل الفتوى المتعلقة بوصية رجل أن تُدفع غلةُ حانوته بعد موتِه إِلى ابنتِه البكر إِلى أن يدخل بها زوجُها، مع وصيته بثلث ماله للمساكين؟ فقد أفتى ابن فرحون بـ (أنها تحاصص الموصَى لهم بقدر ما ينوبها إِلى أن يُدخلَ بها، كما ذكر الموصي، إِلا أن تمتنع، ويعلم أن امتناعها لأجل الوصية فيسقط حقها من وقت امتناعها) 95.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

الفصل الثاني

دراسة كتاب "إرشاد السّالك إلى أفعال المناسك"

الجزء: 1 - الصفحة: 51

اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه

: إِن كتاب "إِرشاد السالك" ثابت النسبة إِلى برهان الدين إِبراهيم بن فرحون، فقد عزاه له شمس الدين السخاوي ت 902 هـ وهو قريب العهد من عصر ابن فرحون، ويربطه به سند علمي عال، إِذ هو تلميذ أبي الفتح المراغي ت 859 هـ 96 الذي رأيناه من طبقة تلاميذ ابن فرحون.
وأفاد السخاوي أن ابن فرحون سمى كتابه هذا بـ "إِرشاد السالك إِلى المناسك" وقال السخاوي عن هذا الكتاب: (منسك حسن) (2). وتناقل مترجمون آخرون - بعد ذلك - نسبة الكتاب إِلى ابن فرحون ومنهم أحمد بابا التمبكتي الذي سماه "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" وقال عنه: (فيه تنبيهات عزيزة) 97. وفي النسخ المخطوطة التي ظفرت بها واعتمدتها في التحقيق يصرح الناسخون بنسبة الكتاب إِلى ابن فرحون.
ومما يؤكد نسبة "إِرشاد السالك" إِلى ابن فرحون أن ثلة من المؤلفين نقلوا عنه في مؤلفاتهم، فمنهم من نقل عنه في منسكه، ومنهم من نقل عنه في كتابه الفقهي العام أو في مصنفه الجامع للفتاوي، ومنهم الناقل عنه في كتابه عن الحرم المدني.

الجزء: 1 - الصفحة: 53

ولعل أكثرهم أخذًا من "إِرشاد السالك" أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد الحطاب الرعيني في شرحه على مختصر خليل الموسوم بمواهب الجليل، فقد كان تارةً ينقل عنه ليدعم بنصوصه الأحكام، دون أن يعلق على ذلك، كما فعل في مسألة فضل ماء زمزم 98 وفي مسألة خلوة الكافل بمكفولته وسفره معها 99، وتارة ينقل عنه ويتعقبه بالمخالفة 100 وتارة أخرى يتعقبه ملاحظًا أن ما ذهب إِليه اتفق عليه الفقهاء 101. وممن نقل عنه في مناسكه إِبراهيم السجلماسي المغربي 102. وتجد النقل عنه في "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إِفريقية والأندلس والمغرب" عند ذكر البدع في مسألة إِخراج شيء من تراب

الجزء: 1 - الصفحة: 54

الحرم أو حجره إِلى غيره، وهي من المسائل التي كان لابن فرحون فيها رأي يخالف غيره (1). كما نقل عن "إِرشاد السالك" نور الدين السمهودي في كتابه "وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى" (2). فاسم الكتاب لا خلاف فيه ونسبته ثابتة لمؤلفه ابن فرحون.
واعتماد المؤلفين بعد عصر ابن فرحون على كتابه هذا يدل على ما كان له من انتشار، بناءً على ما لُوحظ من أهميته وغزارة الفائدة الحاصلة من دراسته.
وبذلك حصلت شهرة نسبة الكتاب إِليه.

الداعي إلى تأليفه

أشار ابن فرحون إِلى الداعي الذي نهزه إِلى تأليف "إِرشاد السالك" في مقدمته، وهو كون المناسك من الدين، وقد حرض على تعلمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "تَعَلَّمُوا المناسِكَ، فإِنَّهَا منْ دِينِكُمْ" 105 وحكم تعلمها لقاصد الحج هو الوجوب لإِجماع العلماء على (أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على فعل103104

الجزء: 1 - الصفحة: 55

حتى يعلم حكم الله فيه) 106 وهذه قاعدة عامة تتعلق بكل ما يفعله المكلف من عبادة ومعاملة، فلا يقدم عليها جاهلًا بالحكم, لأن ذلك قد يؤدي به إِلى الخروج عن منهج الصواب شرعًا فلا تبرأ ذمته بأداء الواجب، ويقع في الحرام.
وقد أشار ابن فرحون إِلى الخلاف في حكم من يفعل عبادة على وجه الصحة، دون أن يكون مميزًا فرضها من نفلها 107. وليكون الحج متفقًا على صحته، يُؤَدِّيه المكلف غير الجاهل بهذا التمييز، وبأن يتعلم أحكامه ويحذقها قبل الشروع فيه.
وإن لم يحصل منه هذا التعلم، فإِن بعض العلماء يخاف عليه الرجوع بلا حج، خاصة وأن تقليد العوام لا يضمن السلامة والفوز بحج صحيح شرعًا.
وهكذا لاحظ ابن فرحون خطر الجهل بالمناسك وتقليد الجاهلين بها وأراد أن يعين على رفع هذا الجهل، ويرشد سالك سبيل الله تعالى إِلى الطريقة الشرعية في أداء أفعال المناسك كلها، فألَّف هذا الكتاب الذي نتحدث عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 56

موضوعاته وتبويبه

: كتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" ينطق عنوانه أنه من صنف كتب المناسك، وأن موضوعاتِه الأصلية أحكامُ شعيرةِ الحج، فهو يرشد سالك طريق بيت الله الحرام للحج إِلى الأعمال المشروعة لأداء هذا الركن من أركان الدين الإِسلامي الحنيف.
وقد رأى مؤلفه البرهان بن فرحون أن يمهد لهذه الأحكام بموضوعين كبيرين: أحدهما: الترغيب في الحج والعمرة وتوضيح فضلهما؛ وثانيهما: آداب سفر الحج.
وبهذين الموضوعين يحرك وجدان المسلم لأداء النسكين، ويثير حنينه إِلى البيت الحرام، ويرغبه في الثواب الموعود للحاج والمعتمر، كما يعرفه بما يستعد به لرحلة الحج، وما يتأدب به من الآداب الإِسلامية خلال هذه الرحلة.
وأفرد كل موضوع منهما بباب، مدرجًا تحت الباب الأول بابين صغيرين، أولهما: لما جاء في فضل العمرة، وثانيهما: لما جاء في حج الماشي والراكب، وقد ضمَّنه عشرة فصول، جاعلًا تحت الفصل مسألة أو أكثر.
وتحت باب آداب سفر الحج خمسة فصول تتفاوت في طولها، وتدخل تحت بعضها مسائل، أورد كلًا منها تحت عبارة (مسألة) دون ذكر عنوان لها.
وكان هذا شأنه في سائر أبواب كتابه التي ضمنها في الغالب فصولًا، كثيرًا ما تتضمن مسائل وفروعًا وتنبيهات، للفت انتباه القارئ وإبراز الأحكام

الجزء: 1 - الصفحة: 57

بهذا التنظيم الذي يفصل المسائل ويميزها، مع ربطها بالرباط الجامع تحت باب واحد.
وأحيانًا يعطي الفصول والمسائل عناوين، وأحيانًا يغفل ذلك، كما يغفل دومًا عناوين الفروع والتنبيهات.
وانطلاقًا من الباب الثالث، تبدأ الأحكام الشرعية لأعمال الحج كلها وتتواصل إِلى نهاية الباب التاسع عشر.
وبين أبواب الكتاب تفاوتٌ كبيرٌ في الحجم، فقد كان أطولها الثالث الذي ضمنه ابن فرحون أغلب أحكام المناسك للحج والعمرة، وتفصيل الأركان بشروطها وسننها وأوقاتها، وقد رتبها حسب مشروعية فعلها ابتداء بركن الإِحرام، وبلغت الفصول في هذا الباب ثمانية وعشرين.
والأبواب الثلاثة الأخيرة ضمنها ابن فرحون معلومات وإِفادات ليست من الأحكام الشرعية المتعلقة بمناسك الحج، وإِنما هي متعلقة بالحرمين الشريفين وما بهما من المواقع والمعالم والآثار.
والملاحظ أن ابن فرحون لم يصعد بترقيم الأبواب إِلى الباب الأخير، وتوقف عند الباب الحادي والعشرين، وهذا ما يجعلنا نتصور احتمال إِضافة هذا الباب بعد الانتهاء من تأليف الكتاب، خاصة وأنه لم يذكره مع سائر الأبواب في المقدمة مستقلًا، ولعل عنايته بالمدينة وحبه لها، وتأثره بمؤرخيها عمه أبي محمَّد عبد الله وشيخه الجمال المطري، من الحوافز التي دفعته إِلى أن لا يقتصر على ما ذكره عنها في البابين التاسع عشر والحادي والعشرين، وأن

الجزء: 1 - الصفحة: 58

يختم كتابه بباب خاص بها، يتناول ما أثر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف الصالح وعن بعض المؤرخين من فضلها وفضل أهلها، ويتناول مساجدها وآبارها وجبل أحد المجاور لها.
وهو إِذا يسلك هذا المنهج في الحديث عن آثار الحرمين وأشهر المواضع بهما، وعن الزيارة للحرم النبوي وآدابها، فإِنه يقتفي أثر كثير من المؤلفين في المناسك قبله، ممن تطرقوا إِلى عرض جانب من تاريخ الحرمين وإِلى وصف المواقع والآثار والترجمة لبعض من دفن بالبقيع أو أحد، من أعلام الصحابة وشهداء الغزوات.
وذلك مثل المحب الطبري في منسكه الشهير الموسوم بـ "القرى لقاصد أم القرى" وعبد العزيز بن جماعة في منسكه الكبير "هداية السالك".

منهجه وأسلوبه

: في عصر ابن فرحون كان المؤلفون من فقهاء المالكية يتبعون طريقتين في تآليفهم الفقهية، إِحداهما: طريقة التركيز على كتاب يتناولونه بالشرح أو التهذيب أو التعليق أو التقييد أو الاختصار، كما فعلوا بالنسبة لموطإِ الإِمام مالك بن أنس، ومختصر ابن عبد الحكم، ومدونة الإِمام سحنون ورسالة عبد الله بن أبي زيد القيرواني، وتفريع ابن الجلاب، ومختصر ابن الحاجب الفرعي، ومختصر خليل بن إِسحاق الجندي.

الجزء: 1 - الصفحة: 59

وثانيتهما: التصنيف المستقل عن الارتباط بكتاب معين، كما فعل النجم ابن شاس في كتابه "عقد الجواهر الثمينة".
وابن فرحون اتبع الطريقتين في تآليفه الفقهية، ففي كتابه "تسهيل المهمات" كان يدور حول قطب مختصر ابن الحاجب، يشرحه ويعلق عليه ويتعقب من سبقه إِلى شرحه، وفي "تبصرة الحكام" تحرر من الالتزام بالارتباط بكتاب خاص.
وكتابه "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" كان فيه متبعًا الطريقة الثانية، فألفه مستقلًا، وصمم أبوابه التي رأيناها بفصولها التي تتضمن أهم مسائل الباب، ويتولد عنها من الفروع ما يناسب، وما يمكن أن يصوره العقل من الصور المفترضة التي يحتاج المكلف إِلى معرفة حكمها إِن وقعت.
ويبدو لي أن ابن فرحون في طريقة التفريع كان مقتفيًا أثر ابن شاس في "عقد الجواهر" وكثيرًا ما قلده في التعبير بـ "فرع مرتب".
والتحرر من الدوران حول قطب كتاب آخر يعطي الفرصة للمؤلف كي يختار المخطط الذي يراه مناسبًا لكتابه، وينظم مسائله ومعلوماته تنظيمًا يحقق هدفه من التأليف، وبذلك تظهر شخصيته في التخطيط.
وقد كان ابن فرحون مستفيدًا من عدة أصول ومراجع، وكان جامعًا للمسائل مرتبًا لها وموزعًا إِياها على الأبواب الكبرى التي اختارها لكتابه، وبالإِضافة إِلى ذلك فإِنه يتدخل تدخلًا يتجلى خاصة في:

الجزء: 1 - الصفحة: 60

  • شرح الغريب من الألفاظ 108، وبيان المراد من النص المنقول 109.
  • الترجيح بين الآراء المختلفة في المسألة 110.
  • الاستطراد بتقديم بعض الإِفادات عن الأعلام 111 الوارد ذكرهم أو المواضع في الحرمين المقدسين 112.
  • تعقب بعض الأقوال ومناقشة أصحابها 113.

الجزء: 1 - الصفحة: 61

  • ملاحظة بعض البدع واستنكارها 114.
  • ذكر بعض العادات المألوفة الجارية 115. وابن فرحون في هذا الكتاب يكتب بأسلوب واضح، ويستعمل العبارات الاصطلاحية، متجنبًا الاختصار المؤدي إِلى الإِخلال، وهو يخرج أحيانًا لبيان معنى أصولي، وتقديم ملحظ مفيد للقارئ 116. وكان في بعض المواضع يتوخى أسلوب مخاطبة القارئ 117 مبيِّنًا له ما يفعله من المناسك، سالكًا في ذلك طريقة ابن حبيب التي عرفناها من خلال نقل ابن فرحون من الواضحة.
    وهو في بعض المناسبات يقدم قواعد فقهية 118 ونظائر 119 فقهية، ولكنه لم يكثر من ذلك، لقلة اهتمامه بجانب التقعيد فيما يبدو لي.

الجزء: 1 - الصفحة: 62

وأسلوب الفقيه الذي همه تفصيل المسائل تفصيلًا شافيًا وبيان أحكام الفروع بيَانًا واضحًا، يتجلى عنده في الأبواب الفقهية (من 3 إِلى 19) وفي غيرها يتجلى أسلوب الواعظ المرشد إِلى الفضائل والآداب مع مزج بالمعلومات التاريخية في بعض المواطن.
وهذه الأبواب الفقهية لم يكثر فيها ابن فرحون من الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما فعل في غيرها، فكان بذلك منتهجًا مسلك أغلب فقهاء المذهب المالكي الذين ينصرفون عن دعم الأحكام بأدلتها وربطها بمداركها ويقتصرون على نقل أقوال إِمامهم وأصحابه فيها بتقدير بالغ لهذه الأقوال المعتمدة.
وقد كانت هذه الكتب بصبغتها المذكورة تلقى قبول الطلبة فيدرسونها دون أن يتطلع أكثرهم إِلى حجج الأحكام، والذين يشتاقون منهم إِلى ربط المسائل بأدلتها يجدون بغيتهم في تفسير آيات الأحكام وشرح أحاديث الأحكام، وفي بعض الكتب التي اهتم أصحابها بدعم المسائل بأدلتها ومداركها 120. هذا وقد كانت الإِفادات التاريخية التي قدمها ابن فرحون في أبوابه الأخيرة من الكتاب يحتاج بعضها إِلى تدقيق وتمحيص، وقد كان صاحبنا يشير أحيانًا إِلى الثابت منها 121.

الجزء: 1 - الصفحة: 63

وأحيانًا يشير إِلى ما يقال دون ورود شيء معتمد في الموضوع (1). وهكذا كان منهج ابن فرحون في "إِرشاد السالك" منهج الفقيه المهتم بجانب الأحكام يوضحها ويفصلها ويدعمها بالنقول عن أعلام المذهب غالبًا.
دون تركيز على استدلال بالأصول إِلا في النادر منها، وكان الاستطراد واضحًا في بعض المواطن (2)، وكانت له محاولة إِلى سلوك طريق المؤرخين للحرمين جعلته يزود الكتاب ببعض الموضوعات التاريخية دون أن يخرجه ذلك عن هدفه الفقهي الأصلي.

أصوله ومصادره

: إِن ابن فرحون فقيه مالكي واسع الاطلاع على مذهبه، مع مشاركة في المذاهب الأخرى وفي التاريخ والتراجم، وفي الحديث وعلومه.
وقد رأينا أن كتابه "إِرشاد السالك" تناول ثلاثة موضوعات طغى أحدها على قسيميه، وهو أحكام المناسك للحج والعمرة، فقد كان لها الحظ الأوفر من أبواب الكتاب وفصوله، بينما نالت الرقائق المرغبة في الحج والعمرة حظًا قليلًا باعتبارها مدخلًا للموضوع الأصلي المقصود بتأليف الكتاب، وكذلك الأمر بالنسبة للمحات التاريخية المتعلقة بالحرمين والتعريف ببعض أماكن بهما والحث على زيارتها، وقد أرادها المؤلف خاتمة مفيدة للحاج، وما كانت من المناسك المشروعة في شيء.122123

الجزء: 1 - الصفحة: 64

وعلى هذا فإِن أصول ابن فرحون ومصادره في تأليفى هذا الكتاب جاءت من فنون متنوعة، وأغلبها فقهي من المؤلفات التي صنفها أعلام المالكية وضمنوها ما رُوي عن مؤسس المذهب وكبار أصحابه، ومنها ما ينتمي إِلى صنف الكتب الفقهية العامة، ومنها ما ينضم إِلى مجموعة المؤلفات والرسائل الخاصة بموضوع فقهي، وفي مقدمة هذه المجموعة كتب المناسك التي اقتضت طبيعة موضوع "إِرشاد السالك" أن يكون اعتمادها كثيرًا.
على أن مؤلفنا رجع في بعض المسائل إِلى كتب لفقهاء غير مالكيين واستشهد بأقوالهم، وأحال على كتبهم، وكان ذلك نادرًا في الكتاب,.
ويمكننا أن نعتبر مصادره الفقهية أساسية, لأنها ثرية بالنسبة لأحكام أفعال المناسك، وأن نعتبر غيرها مصادر ثانوية مساعدة، وهذه الأخيرة تشمل التفسير والحديث واللغة والتاريخ والرحلات والتراجم.

أهميته

: تبرز أهمية كتاب "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك" في موضوعاته التي تحدثنا عنها، وخاصة موضوع أحكام مناسك الحج والعمرة، فقد قدمها وفصلها بما يحقق غاية الحاج الذي يحتاج إِلى ملء وطابه من معرفة المناسك، وحتى بما يحقق غاية العالم، حيث تساعده "مناسك ابن فرحون" على التذكر والاستيعاب والاستعداد للإِرشاد والفتوى في الموسم.
وبالنسبة إِلى مسائله الخارجة عن إِطار المناسك، فهذا الكتاب يعد

الجزء: 1 - الصفحة: 65

ملخصًا لها تلخيصًا كافيًا قد يُغني عن غيره مما ألف فيها، وذلك إِذا كان القارئ من غير الباحثين والمتخصصين: فقد أحسن تلخيص الرقائق المتصلة بالحج والعمرة ودعمها بالأحاديث والآثار المناسبة، وأجاد تلخيص آداب السفر في باب واحد، ولخص معلومات عن الحرمين وجمعها من كتب تاريخية عديدة، وقدم بعض مشاهداته وملاحظاته كشاهد عيان أمين.
وبذل المؤلف جهدًا ملحوظًا في توزيع المسائل على أبوابها المناسبة، كما حاول أن يقسم المادة في كل باب على فصول ومسائل مناسبة، ومحمد في بعض الأبواب إِلى وضع ترجمة مطولة لها, ليساعد القارئ على معرفة الموضوعات الجزئية المندرجة تحت الباب 124. كما زود الكتاب بمجموعة من الفتاوى الصادرة عن الإِمام مالك 125 وبعض أعلام مذهبه فيما سئلوا عنه 126. وقد كان ابن فرحون حريصًا على تزويد الحاج بما يحتاج إِلى معرفته -

الجزء: 1 - الصفحة: 66

زيادة على أحكام المناسك - مثل: الأدعية 127 التي ساق منها كثيرًا في مناسباتها، ومثل: التعريف بالمواقيت 128 والمشاعر 129. وهكذا تظهر قيمة هذا الكتاب العلمية، وتتضح فيه ميزة تنظيم المسائل المتشعبة وحسن ترتيبها وتيسير تناولها, وليس هذا بالأمر الهيِّن، فقد لاحظ الأقدمون من علماء المذهب المالكي صعوبة هذه المسائل، وعسر ضبطها بدقة، ومن ذلك أن الشيخ "أبا عبد الله القوري 130 - رحمه الله - يقول حاكيًا عن غيره: إِن أحكام الحج على مذهب مالك لا تكاد تنضبط لزمام 131 ". وقد استطاع برهان الدين بن فرحون أن يضبطها بزمام، ويحسن عرضها بتنظيم تجلت فيه شخصيته الفقهية، ومدى اطلاعه على المصادر والأمهات المعتمدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 67

كما أنَّهُ أولى عنايتَه لبعض البدع السائدة في عصره، مما يتشبث به الجاهلون من الزائرين، فنبه إِلى ضلالها وفسادها، حرصًا على إِرجاعهم إِلى جادة الصواب (1).

ملاحظات ومآخذ

: ويمكننا أن نلاحظ أمورًا تتعلق بالمنهج والأسلوب، وأخرى تتعلق بالجانب العلمي والتربوي.
فأمَّا ما يعود إِلى المنهج والأسلوب فنجمله في ما يلي:

  • تكرار بعض المسائل.
  • الأبواب المتوجة بعناوين أعطاها أرقامًا رتبية متصاعدةً وجعلها لموضوعات كبرى في الكتاب، ولكنه خالف منهجه بحشر بابين صغيرين ضمن الباب الأول 133. وبعدم ترقيم الباب الأخير خاتم الكتاب 134. وقد يكون سبب ذلك أنه أضافه بعد الانتهاء من التأليف.
  • عدم المبادرة بشرح الألفاظ الغريبة التي تستدعي الشرح، عند ورودها أول مرة، ثم شرحها بعد ذلك 135 والأفضل أن يقع الشرح عند ذكرها أولًا.132

الجزء: 1 - الصفحة: 68

  • عدم تعيين صاحب القول، والاقتصار على الإِشارة إِليه بـ (بعض العلماء) 136 أو (بعض أصحابنا) 137.
  • عدم التزامه بوضع العناوين للفصول، فقد صاغ عناوين لبعضها وأهمل البعض الآخر.
  • قطع النص المنقول بالتعقيب عليه، ثم مواصلته، وقد وقع هذا في بعض المواطن؛ وهو قد لا يشعر القارئ بنهاية النص المنقول.
    وهذا يلبس على القارئ ويشوش ذهنه.
    وأما ما يتصل بالجانب العلمي والتربوي من ملاحظاتنا فنجمله في:
  • قلة الاهتمام ببيان الحِكم والأسرار التي شرع لها الحج، والتي ترتبط ببعض المناسك وتظهر ما توصلت العقول إِلى إِدراكه من سر اشتراعها.
  • ضعف العناية بجانب تهذيب السلوك وإصلاح الأخلاق وتربية الوجدان بما يستشعره الحاج عند أداء كل منسك، وقد كان لابن فرحون توجه في مواضع قليلة إِلى هذا الجانب، كما في قوله: "ينبغي للحاج استشعار الخضوع والخشوع لله تعالى عند الأخذ في التلبية وإِظهار الاستكانة والإِنابة

الجزء: 1 - الصفحة: 69

إِليه سبحانه وتعالى" 138 وكما في بيانه لآداب الدعاء وحرصه على مراعاتها 139. وإِن تركيز الفقهاء على تفصيل الأحكام كان يصرفهم في الغالب عن هذه الناحية التي توجه إِلى تطهير الباطن واستشعار ما يصلح النفس.

  • عدم الاهتمام الكلي بدعم الأحكام بأدلتها الشرعية وربطها بالنصوص القرآنية والسنية، فالأحكام التي ساق لها أدلتها قليلة إِذا قورنت بغيرها في هذا الكتاب الثري بأحكام المناسك.
    وهذا المنهج يساير فيه ابن فرحون أغلب المؤلفين في مذهبه.
  • عدم اتجاهه إِلى تخريج كل الأحاديث التي أوردها، وعدم نقدها بما يعرف القارئ بقيمتها ودرجة صحتها، وكثيرًا ما كان ينقلها من كتب مناسك لم يهتم أصحابها بتخريجها, ولم يكن لهم سند فيها.
    وهذا ما أدى به إِلى الاستشهاد بأحاديث ضعيفة 140.

الجزء: 1 - الصفحة: 70

  • اكتفائه بالإِشارة إِلى معنى الحديث أحيانًا وعدم حرصه على تقديم متنه بدقة 141.
  • اعتباره كل المساجد والآثار الموجودة بالمدينة مما ينبغي زيارته والتبرك به دون أن يقتصر على المسجد النبوي ومسجد قباء كما جاء به النص 142. مخالفًا بذلك منهج إِمام مذهبه مالك بن أنس الذي لم يقر زيارة مساجد المدينة غير قباء 143. كما يتحدث عن واقع ملحوظ دون أن ينبه عما يتسم به من انحراف عن الصواب، كما في وصفه للمتبركين بتراب وادي صعيب واستشفائهم به 144. أما قوله عن حجر مسجد بني ظفر: "قلَّ أن جلست عليه امرأة تريد الحمل إِلا حملت" 145، فهو غريب، إِذ قاله مسلِّمًا ببركة الحجر، ومثل ذلك في الغرابة والانحراف عن الصراط الشرعي المستقيم ربطه ما حصل في خلافة عثمان من الفتنة الكبرى بضياع بركة الخاتم الذي سقط في بئر أريس بقباء 146.

الجزء: 1 - الصفحة: 71

وقد كانت هذه الأوهام مصدرًا لعادات سيئة انتشرت في عالمنا الإِسلامي واستشرى خطرها، وحجبت الفهم السليم للشريعة الإِسلامية.

نسخه المعتمدة

:

الأولى

: نسخة دار الكتب الوطنية بتونس، رقم 20051 أصلها من المكتبة النورية، ثم آلت إِلى متحف الجلولي بصفاقس برقم 8244، ثم انتقلت إِلى دار الكتب الوطنية سنة 1969 بعد صدور قانون جمع المخطوطات بهذه الدار.
في صدر ورقتها الأولى (أ)، عنوان الكتاب واسم مؤلفه ونص تمليكه النسخة وأدعية وتصلية وأبيات شعر، بخطوط مختلفة.
العنوان جاء بالنص التالي: "إِرشاد السالك إِلى أفعال المناسك: تأليف الشيخ الإِمام العالم العلامة قاضي القضاة برهان الدين الشيخ (كذا، والصواب: ابن الشيخ) الإِمام العلامة المحدث نور الدين أبي الحسن علي بن الشيخ العلامة شمس الدين محمَّد أبي القاسم ابن فرحون اليعمري المدني المالكي تغمده الله تعالى برحمته آمين، آمين، آمين".
والتمليك، هذا نصه:

الجزء: 1 - الصفحة: 72

"هذا كتاب من فوائد الله تعالى لعبده علي النوري 147 عامله الله بحلمه وفضله".
ولا يبعد أن يكون هذا النص بخط المالك نفسه.
والشيخ النوري كان جمَّاعًا للكتب، قال عنه معاصره الوزير السراج المؤرخ: "ما أعلم أحدًا اليومَ جمعَ ما جمعَ هو، بحيث أطلق يد شركائه في بر المشرق مهما رأوا كتابًا بلغت الكراسة منه أربعة نواصر يأخذونه، ولو كان مكررًا، فيمسك الطيب من المكررين" 148.

الجزء: 1 - الصفحة: 73

وتحتفظ دار الكتب الوطنية بتونس اليوم بالكثير من مخطوطاته التي جمعها.
وهذه النسخة خالية من تاريخ النسخ واسم ناسخها.
عدد الأوراق: 127. الخط: مشرقي نسخي واضح سريع حسن.
المداد: أسود والعناوين بعضها بمداد أحمر.
المسطرة: تتراوح بين 24 و 28. المقاس: 12.5 × 20.5. وأوراق هذه النسخة مترهلة، ولم تسلم أغلبها من آثار الأرضة والثقوب.
كما لم تسلم كتابتها من الأخطاء.
وقد اخترت الرمز لها بالحرف الأول من اسم المدينة التي كانت بها، مدينة العالم الذي ملكها: ص.

الثانية

: نسخة الخزانة العامة بالرباط (المغرب) رقم: 470 ك. نص في ورقتها الأولى على مالكها: محمَّد عبد الحي الكتاني.
بدايتها في أول الصفحة الثانية بما يلي: "ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا ... (طمس).

الجزء: 1 - الصفحة: 74

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
قال الشيخ الإِمام العالم العلامة برهان الدين إِبراهيم بن علي بن محمَّد بن فرحون اليعمري رحمه الله تعالى".
وفي الصفحة 174 هذه الخاتمة التي لا تتعلق بنص مناسك ابن فرحون، وهي تفيدنا في معرفة اسم الناسخ ونصها: "الحمد لله وحده، اللهم صل على عبدك ورسولك سيدنا ومولانا محمَّد وعلى آله وأصحابه وذريته، والمقصود أيها السيد المبارك أن تسلم لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا وصلك الله تعالى إلى المدينة الشريفة، وتقول: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته من العبد الفقير الحقير راجي شفاعتك محمَّد بن محمَّد المختار، السلام على خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي يكر الصديق، السلام على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عن الشيخين أبي بكر وعمر، وعن الصحابة أجمعين، وعن تابعيهم بإِحسان إِلى يوم الدين، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين".
تاريخ نسخها مسجل بالهامش الأسفل من الصفحة 173 وهو العام الخامس عشر بعد الألف من الهجرة.
عدد الأوراق: 87 عليها ترقيم يشمل كل صفحة، ويصل إِلى 174. وعليها آثار رطوبة وثقوب قليلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 75

الخط: تونسي سريع، لا بأس به.
المداد: أسود والعناوين ملونة بالأحمر.
المسطرة: 24.
المقاس: 15.5 × 11.5. وبهذه النسخة نقص مقداره ست صفحات، وهي: 88 - 89 - 92 - 93 - 108 - 109. وقد اخترت الرمز لها بالحرف الأول من اسم المدينة التي توجد بها "ر".

الثالثة

: نسخة مكتبة اللغات الشرقية الكائنة بشارع "ليل" باريس رقمها 1888، ولعلها من المخطوطات التي تسربت إِلى فرنسا في عهد احتلالها للمغرب العربي.
وفي صدر الورقة الأولى عنوان الكتاب واسم مؤلفه، وعلى يساره نص ملكية، وتحته يمينًا دعاء، وتحت ذلك أبيات شعر.
أما العنوان فجاء كما يلي: "كتاب إِرشاد السالك، إِلى أفعال المناسك، في مذهب مالك؛ تأليف الإِمام العالم العلامة أبي الحسن علي بن أبي عبد الله محمَّد بن أبي القاسم بن فرحون اليعمري المدني نزيل طيبة المشرفة على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى السلام رحمه الله رحمة واسعة ونفعنا به في الدنيا والآخرة.
آمين والحمد لله رب العالمين.
هـ".

الجزء: 1 - الصفحة: 76

وأما التمليك فنصه: "مما من الله به على كاتبه قاسم بن علي بن محمَّد بزيرو التونسي، عفي عنه".
فالمالك هو الناسخ، وقد عرف بنفسه أكثر آخر النسخة حيث قال: "انتهى على يد العبد الحقير، المقر بذنبه الراجي عفو ربه قاسم بن علي بن محمَّد التونسي المنشأ والمولد الأندلسي، ثم الغرناطي الأصل والمحتد، عفا الله عنه وغفر ذنبه ووالديه وأولاده ومشائخه وأحبابه وكل المسلمين أجمعين".
ولم نظفر بترجمة لهذا الناسخ: ولا يبعد أن تكون أسرته من الأسر الموريسكية التي عاشت فترة بغرناطة بعد سقوطها - وهي آخر المعاقل المفقودة من أيدي المسلمين - ثم هاجرت تحت الظلم القاهر وانتشرت في ربوع الشمال الإِفريقي.
يدلنا على ذلك صيغة لقبه (بزيرو) البعيدة عن العربية، القريبة من صيغ الألقاب الموريسكية التي ما زالت موجودة إِلى الآن ببعض مدن شمال الجمهورية التونسية.
أما تاريخ انتهاء النسخ ومكانه فقد عينهما بقوله الذي ختم به المخطوطة، وهو: "أذان العصر يوم الخميس السابع من شهر رمضان سنة اثنين ومائتين وألف، بطيبة الميمونة، على مطيبها أفضل الصلاة وأكمل التسليم، وعلى آله الأخيار وأصحابه الأبرار رضي الله عنهم أجمعين والحمد لله رب العالمين".

الجزء: 1 - الصفحة: 77

عدد الأوراق: 70 وينتهي نص "المناسك" في منتصف الورقة 69 ب. الخط: مشرقي نسخي دقيق متقن مليح.
المداد: أسود.
المسطرة: 27.
وهذه النسخة قليلة الأخطاء، ولا يبعد أن يكون ناسخها من نبهاء الطلبة.
وقد اخترت الرمز لها بالحروف الأول من اسم المدينة التي توجد بها: (ب).

الجزء: 1 - الصفحة: 78

صفحة العنوان من مخطوطة تونس (ص)

الجزء: 1 - الصفحة: 79

صفحة من نسخة تونس (ص)

الجزء: 1 - الصفحة: 80

الصفحتان الأولى والثانية من مخطوطة باريس (ب)

الجزء: 1 - الصفحة: 81

الصفحة الأخيرة من مخطوط باريس: ب

الجزء: 1 - الصفحة: 82

الصفحة الأولى من نسخة الرباط: ر

الجزء: 1 - الصفحة: 83

الصفحة الأخيرة من نسخة الرباط (ر)

الجزء: 1 - الصفحة: 84

القسم الثاني: التحقيق إرشَادُ السَّالك إلى أفعال المناسك لبرهان الدين بن فرحون

الجزء: 1 - الصفحة: 85

بِسْمِ (1) اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا رب يسر وأعن يا كريم (2) قال الشيخ الإِمام العالم العلامة برهان الدين إِبراهيم بن علي بن محمَّد بن فرحون اليَعمري رحمه الله تعالى (3).

فصول الكتاب · 48 فصل
فصول إرشاد السالك إلى أفعال المناسك
المقدمةمقدمة الطبعة الثانيةمقدمة الكتابالباب الأول: في الترغيب في الحج وفضلهباب ما جاء في فضل العمرةالباب الثاني: في بيان آداب سفر الحج وفيه فصولالباب الثالث: في أحكام الحج وصفتِه وأركانِهالباب الرابع: في التمتعالباب الخامس: في صفة القرآنالباب السادس: في صفة العُمْرة المفردةالباب السابع: في حج الصبي والمرأة والعبد والكافر يسلمالباب الثامن: فيما شُرع للحاج فعله، فإذا تركه تمَّ حجه ووجب عليه الدمالباب التاسع: في محظورات الحجالباب العاشر: في فضائل الحج، وما ندب إلى الإتيان به وإن لم يكن في تركه (1) دمالباب الحادي عشر: في بيان الفدية وأنواعهاالباب الثاني عشر: فيما يُكره للمحرم فعله فإن فعله أطعم شيئًا من طعامالباب الثالث عشر: فيما يكره للمحرم فعله، فإن فعله فلا شيء عليهالباب الرابع عشر: في حكم اصطياد المحرم وجزاء الصيدالباب الخامس عشر: في أحكام الهدي ودماء الحج (*) وذكر أيام الحج, والشعائر في الحجالباب السادس عشر: في نكاح المحرم وحكم الوطء ومقدماتهالباب السابع عشر: في موانع الحج وفوات الوقوف بالإحصار أو بالمرض أو بخطإ الطريقالباب الثامن عشر: في النيابة في الحج والإجارة عليهالباب التاسع عشر: في ذكر حرم مكة شرفها الله تعالى وذكر حرم المدينة النبوية شرفها الله تعالى وحكم الاصطياد في حرميهما وقطع الشجر منهماالباب العشرون: في ذكر آثار شريفة بمكة ينبغي أن تقصد للتبرك (*) بهاردشنمنأددرشسشععفككللممنن
جارٍ التحميل