الباب الثالث: في أحكام الحج وصفتِه وأركانِه
ويجب الحجّ بالإِسلام والحرية والتكليف والاستطاعة.
قال القاضي عبد الوهاب 1: الإِسلامُ شرطٌ في الأداء بناءً على أنَّ الكفارَ مخاطَبُون بالفروعِ 2، وهو المشهور 3.
الجزء: 1 - الصفحة: 215
والحريةُ: شرطٌ 4 بلا خلاف.
والصبي والمجنون: لا يخاطبَان بالحج، حتى يحتلم الصبي ويفيقَ المجنونُ 5.
وأما الاستطاعة: فهي مورد النص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 6.
فالاستطاعة سبب الوجوب، وهيَ معتَبَرةٌ بحال المكلَّفُ 7 في صحة = وقيل: هم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر.
وقيل: هم مخاطبون بما دون الجهاد.
(أحكام الآمدي: 1/ 144 - 147، شرح تنقيح الفصول: 162 - 167).
الجزء: 1 - الصفحة: 216
بدنه وماله وعادته وقدرته من غير تحديد، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمسافات في القرب والبعد وكثرة الجَلَدِ وقِلته، فمن قدر على الوصول إِلى مكة إِما راجلًا وإما راكبًا بشراءٍ أو كراءٍ فقد لزمه فرضُ الحجِّ، فإِن كان 8 الرجلُ ممن لا يقدر على المشي أو يقدر عليه بمشقة تفدحه 9 أو كان عيشُه في بلده * يتعذر عليه في طريقه كالصناعة التي لا يجدها، والسؤال الذي لا يجد له موضعًا في طريقه، فهذا لا يجب عليه الحج، حتي يجدَ الزادَ والراحلةَ 10، ويلزمه أن يبيع في ذلك ما يبيع عليه السلطان في الدَّيْن 11. وسئل ابن القاسم عن الرجل تكون له قرية ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإِسلام ويترك ولدَهُ لا شيء لهم يعيشون به؟ قال: نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة 12. = 4/ 22، التمهيد: 9/ 125 وما بعدها، المحرر الوجيز لابن عطية: 3/ 170، مقدمات ابن رشد: 1/ 380، القبس: 1/ 541).
الجزء: 1 - الصفحة: 217
قال أبو الوليد بن رشد: هذا إِذا أمن عليهم الضيعة ولم يخش عليهم التلف؛ لأن الله تعالى أوجب عليه نفقتهم في ماله، كما أوجب عليه الحج، فهما حقان لله تعالى تعيّنا في ماله، فإِذا ضاق عنهما وجب أن يبدأ بنفقة الولد؛ لأن خشية الهلاك عليهم تُسقط عنه فرض الحج 13.
مسألة: وفي الذخيرة 14 قال مالك: يُقَدِّمُ الحج على زواجه، إِلا أن يخاف العنَت 15 فيتزوج؛ لأن مفاسد الزني عظيمة 16. ولا يجوز له أن يتزوَّجَ الأمةَ مع وجود الطَّوْل لتوفير المال للحج 17.
الجزء: 1 - الصفحة: 218
ويُقَدِّمُه على دَيْن والده 18؛ لأن دَيْن والده لا يجب 19.
مسألة:
إِن وجد النفقة لذهابه فقط وجب عليه الحج.
قال اللخمي: إِلا أن يخشى الضياع هناك فيراعي نفقة العود إِلى أقرب موضع يعيش فيه.
فرع: إِذا لم يكن له مال وبُذِل له مال لم يلزمه قبولُهُ عند الجميعِ؛ لأنَّ أسْبَابَ الوُجُوبِ لا يجبُ تحصيلُهَا على أحد، وكذلك لو بُذل له ذلك على سبيل القرض؛ لأنَّ الدَّيْن يمنع الحج 20.
الجزء: 1 - الصفحة: 219
فصل: في حج الماشي
وله حالاتٌ:
الأولى: إِذا كان ذا حرفة في بلده وهو قادر على المشي بغير مشقة فادحة، وحرفته لا تتعذر عليه في الطريق، سواء كانت صنعة أو كرية، فإِن الحج يجب عليه وإِن لم يجد زادًا ولا مركبًا.
وقيل: لا يلزمه إِذا كانت حرفته السؤال.
الثانية: أن تكون حرفتُه مما تتعذَّرُ عليه في طريقه 21 وهو يقدر على المشي، فالحج واجب عليه إِذا وجد الزاد خاصة.
الثالثة: أن تكون حرفته في بلده مما لا تتعذر عليه في طريقه، وهو لا يقدر على المشي فيعتبر في حقه وجود المركب خاصة.
الرابعة: إِذا كان عيشُه ببلده من غير السؤال، وهو يقدر أن يتوصل إِلى مكة بالسؤال، فلا خلاف في أنه لا يجب عليه الحج.
واختُلِف هل يباح له ذلك أم يُكْرَهُ؟ فقيل: بالإِباحة، وقيل: بالكراهة، والأولُ قولُ مالك في رواية ابن عبد الحكم.
والثاني قوله في سَماع ابن القاسم
الجزء: 1 - الصفحة: 220
من كتاب البضائع والوكالات (1).
مسألة
: وحكم الأعمى إِذا وجد قائدًا حكمُ البصير 23.
مسألة: أفتى أبو الوليد بنُ رشد بأن فرض الحج ساقط عن أهل الأندلس * وأهل المغرب، للمشقة اللاحقة لهم في بلاد المغرب وغيرها 24.22
الجزء: 1 - الصفحة: 221
وقال ابن طلحة الأندلسي 25 في كتابه "المدخل": وقد لقيت في بلاد المغرب وأنا قاصد الحج من المغرب ما اعتقدت معه أن الحج ساقط عن أهل المغرب، بل حرام لما يركبونه من المخاطرات 26. وأفتى الشيخ أبو بكر الطرطوشي 27 بأنه حرام على أهل المغرب، فمن
الجزء: 1 - الصفحة: 222
خاطر وحج فقد سقط فرضه ولكنه أثم بما ارتكب من الغرر (1). وقال القاضي (2) أبو بكر بن العربي: والعجب ممن يقول: إِن الحج ساقط عن أهل المغرب، وهو يسافر من قطر إِلي قطر ويخرق البحار، ويقطع المخاوف في مقاصد دينية ودنيوية، والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإِنفاق المال وإِعطائه في الطريق وغيره (3) لمن لا يرضى.
فرع
: وفي الذخيرة: ويسقط فرض الحج إِذا كان في الطريق عدوٌّ يطلب النفس أو يطلب من المال مَا لَا يَتَحدَّدُ، أو يتحدد ويجحف 31، وفي غير المُجْحِفِ282930
الجزء: 1 - الصفحة: 223
خلافٌ 32. وأفتى الشيخ أبو عِمْرَان الفاسِي 33 جماعةً مشوا للحج فطلب أعرابيٌّ منهم لكل حمل ثُمُنَ درهم، بأن يرجعوا فرجعوا 34.
الجزء: 1 - الصفحة: 224
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إِن طلب منه ظالم في الطريق أو في دخول مكة مالًا، فقال بعض الناس: لا يدخل ولا يعطيه وليرجع، والذي أراه أن يعطيه، ولا ينبغي أن يدخل في ذلك خلاف، فإِنه يجوز للرجل أن يصون عرضه ممن يهتكه بمال يدفعه له، وهذا بإِجمَاع الأمة، وقد جاء: "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة" (1) فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إِياه.
ولو أن ظالمًا قال لرجل: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إِلا بجُعْلٍ لوجب عليه أن يعطيه (2).
مسألة
فإِن كان مع الرجل زاد وراحلة إِلا أنه لا يقدر على المشي من اللصوص3637
الجزء: 1 - الصفحة: 225
وما أشبه ذلك فكان مالك يقول: هو عذر بَيِّن.
ثم رجع بعدما أفتى به زمانًا، وقال: الحذَر لا يُنْجِي من القَدَر، فإِذا وجد الرجلُ الزادَ المبلِّغ والراحلةَ وصحةَ البدن فالحج واجب عليه.
قال ابنُ المواز: ولم يقل مالك ذلك إِلا في مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأمَّا مَا سواها من الأمصار فهو بالخيار، إِن شاء أجاب وإِن شاء ترك، نقله ابن رشد في كتاب جمل من أصول العلم.
مسألة
: والبحرُ لا يمنعُ وجوب الحج إذا لم يكن له طريق إِلَّا منه، إِذا كان يركب وكان غالبُه السلامةَ، فإِن غلب العطب أو علم تعطيل الصلاة بمَيْدٍ 39 أو ضيق ونحوه فإِنه لا يركبه 40.
الجزء: 1 - الصفحة: 226
فصل
والمرأة كالرَّجُلِ في الاستطاعة، وتزيد عليه باستصحاب زوج * أو مَحْرَمٍ، فإِن لم يكن أو أبى المحرم ووجَدت رُفقة مأمونة من رجال أو نساء لزمَهَا الحجُّ 41.
واعتبار الأمْنِ في رُفْقَةِ النساءِ: أن تتحفَّظ معهم من أهْل الشرِّ من الرجال، وهذا هو المشهور 42.
وقال ابنُ عبد الحكم: لا تخرجُ إِلا مع محْرم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بالله والْيَوْمِ الآخرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا" 43، = بالصلاة ليس بكفر على المعروف، وبضدها تتميز الأشياء، والحج مع الصلاة بالعكس إِذ هي أفضل".
(عدة البروق: 125، الفرق: 181).
الجزء: 1 - الصفحة: 227
وإِن الفساد مع الرُّفقَةِ المأمونةِ لا يتعذَّر بالليلِ (1).
وقال ابن حبيب: إِن كانت صَرُورَةً (2) خرجت وإِلا فلا.
قال ابن رشد: ولو كانت متجالة (3) أو ممن لا يؤبه إِليه لم تمنع من الخروج.
تنبيه
واختلف هل يكون عبدُها محرمًا يخلو بها ويسافر معها؟ فيه قولان، وعلى القول بالجواز، فهل يُشترط أن يكون وغْدًا؟ - وبه قال مالك - أو لا يُشترطُ ذلك؟454647 = وقال الشيخ عبد اللطيف آل عبد اللطيف: متفق عليه من حديث ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن عباس رضي الله عنهم بألفاظ مختلفة.
(طريق الرشد: 1/ 222 رقم 690). وانظر: (إِحكام الأحكام: شرح العمدة: 2/ 18 وما بعدها، رقم 4).
مسألة
التاسعة.
مخط.
خاص).
الجزء: 1 - الصفحة: 228
ذهب القاضي إِسماعيل 49 وغيرُه إِلى جواز ذلك.
قال ابن القطّان 50: وهو الصحيح.
وذهب ابنُ القصَّار 51 وابن عبد الحكم إِلى المنع 52 من ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 229
وللشافعية أيضًا قولان.
قال الأسفراييني 53: والصحيح المنع.
من كتاب النظر في أحكام النظر لابن القطان 54.
وأما الكافل 55 فإِنه يخلو بمكفولته ويسافر معها؛ لأنه لها كالأب، من
الجزء: 1 - الصفحة: 230
كتاب الطرر لابن عات 56، نقله من كتاب الاستغناء لابن عبد الغفور 57 وحكاه عن ابن عيشون 58.
الجزء: 1 - الصفحة: 231
مسألة
:
وفي ركوب البحر والمشي البعيد للقادرة قولان 59.
وكره مالك للنساء ركوب البحر ونهى عنه خشية التكشف.
قال ابن رشد: وهذا إِذا كنَّ في معزَل عن مخالطةِ الرجال عند قضاء الحاجة ويقدرْنَ علي الصلاة، وإِلا فَلَا يَحِلُّ لهُنَّ أنْ يحججن فيه.
من البيان 60.
والذي رجحه القاضي عياض وجزم به: أن الحج لا يلزمها ماشية؛ لأن مشيها عورة، إِلا فيما قرب من مكة 61.
الجزء: 1 - الصفحة: 232
قال اللخمي: وهذا يحسن في المرأة الرائعة الحسنة ومن ينظر مثلها عند مشيها 62، وأمَّا المُتَجَالَّةُ ومن لا يُؤْبَه لها 63 من النساء فيجب عليها، كالرجل 64.
الجزء: 1 - الصفحة: 233
فصل
وشرط صحته الإسلام فلا يصح الكافر ويصح ممّن لا يجب عليه كالصبيّ والعبد 65.
فصل وأما حكم أدائه فهو على الفور 66. والقول بالتراخي للمغاربة 67 مستقرأٌ من مسائل مثل قوله فيمن منعه أبواه من الخروج إِلى الحج، فقال: يترضَّاهما العام والعامين 68، فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 234
وليس هذا بالقوي؛ لأن طاعة الأبوين واجبة، فالتأخير لأجل تعارض واجبين 69، والكلام حيث لا تعارض، بل فيه دليل علي الفورية؛ لأن استمرار طاعتهما واجب، وقد قال في آخر السؤال: فإِن أذنا له وإِلا خرج وتركهما.
وكل مسألة استقرئ منها التراخي لا تقوى * كقوله فيمن مات زوجها فأرادت الحج: تقعد في بيتها حتى تخرج من عدتها.
فهذه المسألة 70. استقرأ اللخمي منها التراخي 71، وهو غير قوي لتعارض واجبين أيضًا.
= أبي زيد فقد أفتى بالمبادرة للفرض ونصح بالتلطف في رضا الوالدين دون أن يتوقف الخروج على رضاهما.
(المعيار المعرب: 1/ 437). وانظر: (المحرر الوجيز، لابن عطية: 3/ 172).
الجزء: 1 - الصفحة: 235
قال ابن عبد السلام 72: إِذا تأملت المسائل المأخوذ منها التراخي وجدتها أقرب إِلى دلالتها على الفور منه على التراخي.
والذي يحكيه العراقيون عن مالك أنه على الفور 73، وهو الذي ارتضاه ابن بشير 74 وغيره،
الجزء: 1 - الصفحة: 236
وشهَّره ابنُ بَزِيزَة 75 في شرح التلقين، وابن عسكر 76 في شرح العمدة له، والقرافي في الذخيرة 77، ونصره الطرطوشي في تعليقه الخلاف، وهو أقرب إِلى أصول المذهب وإِلي الاحتياط.
ومن قال بالتراخي قال: إِنه مغيى بخوف الفوات 78.
الجزء: 1 - الصفحة: 237
قال القاضي أبو بكر بن بكير 79: هو شبه وقت الصلاة.
ولا يشبهه؛ لأن لخوف فوات الوقت علاماتٍ تَدُل عليه، بخلاف فواته بالموت أو بعوارض الأمراض 80 وغير ذلك.
قال: واحتج القائل بالتراخي بأن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وغيره من المسلمين حجوا 81 قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مقيم بالمدينة، ونعوذ بالله أن يكون أبو بكر - رضي الله عنه - أدى الفرض أو أحد من المسلمين 82 قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله عز وجل يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ
الجزء: 1 - الصفحة: 238
اللَّهِ وَرَسُولِهِ} 83 فأي تقدم أغْلظُ من أن يؤدَّى فرضُ 84 الحج قبل أن يؤديه هو؟ وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ضحّى قبل أن يضحي أن يعيد أضحيته 85، فكيف بالحج 86 الذي هو أحد دعائم الإِسلام؟
هذا ما لا يجوز أن يظنه ظان ولا يتوهمه متوهم.
وكيف وحج أبي بكر - رضي الله عنه - كان والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم، وهو أن المسلمين والمشركين اجتمعوا في الحج، فهذا أدل دليل علي ما قلناه، وإِنما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - أميرًا علي المسلمين 87، وإِنما كان حجهم تبرّرًا - على ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحضر المشاهد والحج قبل أن يهاجر - لا أداء لأداء فريضة.
وقد قال مجاهد وعكرمة: إِنَّ حَجَّ أبي بكر - رضي الله عنه - وقع في
الجزء: 1 - الصفحة: 239
ذي القعدة وحج النبي - صلى الله عليه وسلم - من العام المقبل وقع في ذي الحجة 88.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: "ألَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ 89، وإِن النَّسِيء زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ" 90.
فزال النَّسِيء بحجّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكنْ زائلًا قبل حجَّه، ولسْنَا نشكُّ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرض عليه الحج * حين أمر أبا بكر - رضي الله عنه - ثم أردفه بعلي - رضي الله عنه - معه براءة قبل السَّنَةِ التي حج فيها، ليخلص الحج لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين، ولا يجامعهم في حجهم مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وهذا إِنما كان بسورة براءة التي بعث بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لتُتْلَى على
الجزء: 1 - الصفحة: 240
مَنْ حجَّ بمنى 91. انتهى.
وللقاضي إِسماعيل والقاضي أبي الفرج 92 مثل ما قاله ابن بكير، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خُذُوا عَنِّي مناسككم" 93.
فدل على أن ما وقع قبل ذلك إِنما كان على وجه التبرر، ولم يتلقوا ما فرض الله تعالى عليهم إِلا من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 1 - الصفحة: 241
فصل
وأما العمرة فسنة مؤكدة مَرَّةً في العمر، وقيل: واجبة 94.
وحكمها في الاستطاعة حكم الحج 95، ويكره تكرارها في السنة عند مالك.
وقال مطرف وابن الماجشون 96: لا يكره تكرارها 97.
فصل وللحج ميقاتان 98: زماني ومكاني.
الجزء: 1 - الصفحة: 242
فالزماني: شهور الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (1).
وقيل: العشر منه.
وقيل: إِلى آخر أيام الرمي، وسيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى.
فرع
: ويكره الإِحرام بالحج قبل أشهره، ويلزم 100 إِن وقع علي المشهور، ولا ينقلب عمرة 101.99
مسألة
ذكر الونشريسي هذا الفرق: "وإِنما قالوا: إِذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج أنه ينعقد على المشهور، وإِذا أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت لم ينعقد؛ لأن أصل الحج مباين للصلاة في أمور شتى، =
الجزء: 1 - الصفحة: 243
وقيل: لا ينعقد الإِحرام بالحج؛ لأنه بمنزلة من قدّم الظّهر قبل الزّوال ويحل بعمرة، قاله مالك أيضًا.
قال اللخمي: وقوله: ويحل بعمرة، استحسان وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر صلاة فإِنه يستحب له أن ينصرف عن شفع.
قال ابن القاسم: فإِن قطع فلا شيء عليه (1)؛ من التبصرة.
مسألة
: ولا ميقات للعمرة من الزمان 103، ويصح الإِحرام بها 104 في كل وقت من السنة من غير كراهة إِلا في أيام منى لمن حج 105. والميقات المكاني 106 للمقيم بمكة من أهلها وغيرهم إِذا أرادوا الحج من 107102 = قاله عبد الحق، وأيضًا: الحج إِذا أحرم به قبل الوقت لا يمكن أن يفرغ قبله؛ لأن وقته عرفة" (عدة البروق: 126، الفرق: 186).
الجزء: 1 - الصفحة: 244
مكة 108.
وفي تعيين المسجد الحرام قولان: بالاستحباب وعدمه.
وعلى تعيينه، فلا يحرم من باب المسجد 109، بل من عند البيت 110.
وقال ابن حبيب: يهل من باب المسجد.
وأما العمرة لمن كان بمكة، فلا بد لمريدها من الجمع بين الحل والحرم 111، ويكفي الخروج إِلى الحل ولو بخطوة، والأفضل أن يحرم من الجعِرَّانة 112 أو
الجزء: 1 - الصفحة: 245
التنعيم 113.
وأما الآفاقي 114، فأهل المدينة: لهم ذو = وإِلى مكة أقرب.
(مشارق الأنوار: 1/ 168). وهي الآن من قرى الشرائع بمنطقة إِمارة مكة المكرمة.
(المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية: 1/ 251). والإِحرام من الجعرانة مستحب لبعدها ولاعتماره - صلى الله عليه وسلم - منها في ذي القعدة، ويليها التنعيم في الفضل، وقيل: هما متساويان.
(ابن الحاج على ميارة: 1/ 105، شرح العزية للزرقاني: 265).
الجزء: 1 - الصفحة: 246
الحليفة 115، ولأهل نجْد قَرَن 116، والجحفة 117 لأهل الشام ومصر والمغرب، ولأهل اليمن يَلَمْلَم 118، ولأهل العراق وخراسان والمشرق ذات عرق 119. وسواء في ذلك الحج والعمرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 247
ومن كان مسكنه بين الميقات ومكة أو بين ميقاتين أحرم من داره أو من مسجده.
فرع
:
ولا يجوز لمريد الإِحرام إِذا مر على بعض هذه المواقيت أن يتجاوزه فيحرم بعده، لا إِلى ميقات سواه ولا إِلى غير ميقات، إِلا أن يتعداه إِلى ميقاتٍ له، كالشَّامي والمصريّ يمر بذي الحليفة فلهم تجاوزُه إِلى الجحفة * بشرط أن يمروا بها 120، فإِن لم يمروا بها فليس لهم أن يتجاوزوا ذا الحليفة بغير إِحرام، قاله ابن حبيب في الواضحة.
وقال اللخمي: يريد إِذا لم يكن سيرهم على موضع يحاذي الجحفة.
فرع: والإِحرام من أول الميقات أفضل 121. ويكره تقديم الإِحرام قبل الوصول إِلى الميقات، ويلزم إِن وقع 122.
فرع: قال ابن الحاج: والحج واجب على من كان في الجزائر مثل: الأندلس،
الجزء: 1 - الصفحة: 248
لأنها بحار مأمونة؛ ولأنهم لا يجدون طريقًا من غيره (1).
ونقل أبو عِمران الفاسي عن ابن شعبان، أنه قال: ليس علي أهل الجزائر حجٌّ.
والأول أصح، وهو عن مالك.
فرع
: ومن لم يكن مروره على الميقات، فيلزمه أن يتحرى محاذاة الميقات الذي يليه، ويُحرم إِذا حاذاه سواء سار في البر أو البحر (2).
تنبيه
:
قولهم: سواء حاذاه في البر أو البحر، أما البر فظاهر، وأما البحر فهذا حكمه مع غلبة الظن أنه يسلم من عوارض التعويق بالريح، وأما إِن خشي فلا ينبغي أن يكون الحكم كما ذكروا، لأنّه يؤدي إِلى التغرير والخطر بفوات الحج وبقائه محرِمًا، وهذا من المشقة.
فيؤخر إِحرامه حتى يصل إِلى البر، هذا حكم123124
الجزء: 1 - الصفحة: 249
بحر القُلْزُم (1)؛ لأنه يأتي علي ساحل الجحفة ويمكنه النزول إِلى البر، والإِحرام من نفس الجحفة.
قال سند: وواسع أن يؤخر إِحرامه حتَّى يصل إِلى جُدة، لما يلحقه من المضرة إِن نزل إِلى البر (2) وفارق رحله، وكذا إِن أحرم في البحر للتغرير، فيؤخر إِحرامه حتى يأمن ويهدي، ويحرم إِذا نزل جدة (3)، وقيل: إِذا رحل منها، وهو الأظهر.
وأما بحر عَيذاب (4)، فلا يلزمه أن يحرم فيه إِذا حاذى الجحفة للتغرير، ولا دم عليه للتأخير، قاله سند.
فرع
: لو أخر المدني الإِحرام من ذي الحليفة إِلى الجحفة من غير مرض ففي الدم قولان، من مناسك التادلي.125126127128
الجزء: 1 - الصفحة: 250
باب: أركان الحج التي لا بد للمحرم من الإتيان بها ولا يجزئ في تركها هدي ولا غيره
وهي: الإِحرام وطواف الإِفاضة والسَّعْيُ والوقوف بعرفة جُزْءًا من ليلة النحر.
زاد ابن الماجشون: ورمي جمرة العقبة 129.
تنبيه: ومراد ابن الماجشون (2) أنه إِذا ترك رمي جمرة العقبة في جميع أيام الرمي حتى انقضت أيام الرمي ولم يرمها، فإِنه يبطل حجه، وليس مراده رمي جمرة العقبة يوم النحر؛ لأن المنقول عنه أنه إِذا لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فليرمها وعليه دم، وإِن ذكرها قبل انقضاء أيام منى رماها وعليه بَدَنة، ذكره عنه ابن حبيب.130
الجزء: 1 - الصفحة: 251
وزاد ابن الماجشون: الوقوف بالمشعر الحرام مع جمرة العقبة 131.
الجزء: 1 - الصفحة: 252
ونقل ابن الحاج عن أبي عُبيد (1) من أصحابنا أنه يقول بذلك أيضًا، واحتج بأن الله تعالى ذكره في القرآن (2).
الركن الأول: الإحرام
أما الإِحرام 134: فهو الدخول في حرمة الشيء، وحرمة الشيء: ما لا يحل انتهاكه، وبهذا التفسير يزول الإِشكال عن قول ابن الحاجب: الإِحرام وينعقد بالنية 135، فظاهر كلامه أن الإِحرام * مبايِنٌ للنية، ذكره الجزولي 136.132133
الجزء: 1 - الصفحة: 253
وقال القاضي عبد الوهاب: هو الاعتقاد 137 بالقلب الدخول في الحج أو العمرة 138.
يعني أن تكون له نية تميز ما دخل فيه عن غيره؛ لأن الإِحرام يكون بالحج الفرض والنفل، ويكون بالعمرة، فلا بد من النية التي تخلص الإِحرام لشيء معين.
وقال ابن شاس: الإِحرام ينعقد بالنيةِ المقترنة بقولٍ أو فعلٍ كالتلبية والتوجه على الطريق، فجعل مالك - رحمه الله - أحَدَ هذين شرطًا في الانعقاد.
واشترط ابن حبيب التلبية عند الإِحرام 139.
وأما مجرد النية فالمنصوصُ أنه لا ينعقد بها.
وخرَّج اللخميُّ الانعقاد على القول بانعقاد الطلاق بالنية 140، وضعّفه ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 254
بشير 141. وفي الذخيرة قال سند: ينعقد بمجرد النية 142. وقال التادلي: وصرح بذلك في الكتاب 143 والمُعلِم 144 والقبس 145 والتلقين 146، وقال به جماعة من الأشياخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 255
وقال سند: وهو المحكي عنا في الخلافيات، فلو نوى وأقام بموضعه كان محرمًا.
ولو نوى وهو يجامع أهله انعقد ولزمه التمادي في الحج والقضاء، ولم يحك خلافًا.
وفي التَّبْصِرَة لابن محرز 147 قال أشهب: لو كبر أو هلل أو سبح، يريد بذلك الإِحرام كان محرمًا.
قال ابن يونس: الاتفاق على أنه إِذا قلَّد 148 الهدي أو أشْعَره 149 ينوي به الإِحرام ولم يُلَبِّ، أن إِحرامَه صحيحٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 256
فرع:
كره مالك التسميةَ في كتاب ابن المواز.
وروى ابنُ وهب 150 عن مالك: التسمية أحب إِليّ.
ورُوي عنه: ذلك واسع.
فرع: لو أحرم مطلقًا لا ينوي حجًّا ولا عمرة، قال أشهب: هو بالخيار في صرفه إِلى أحدهما، وإِلى الحج أفضل، وقال أيضًا: إِلى القِرَانِ 151 أفضل.
فرع: لو اختلف عقْده ونُطْقُه فالاعتبار بالعقْد 152.
الجزء: 1 - الصفحة: 257
فرع: ولو نسيَ ما أحرم به، قال أشهب: يكون قارنًا 153 غير أنه ينبغي أن يقول الآن: لَبَّيْكَ بحجَّة؛ لاحتمال أن يكون الذي نسيه عمرة.
فرع: ولو شكّ هل أفرد 154 أو قرن تمادى على نية القران وحده؛ وإن شك هل أحرم بعمرة أو بحج مفرد طاف 155 وسعى، لإِمكان أن يكون إِحرامه بعمرة مفردة ولا يحلق لاحتمال أن يكون في حج ويتمادى على عمل الحج، ويهدي لتأخير الحلاق ليس للقران؛ لأنه لم يحدث نية، وإِنما تمادى على النية المتقدمة في شيء واحد، فإِن كانت نيته بعمرة فقد تمت بالطوف والسعي، وتماديه بعد ذلك لا يكون به قارنًا، وإِن كانت نيته بالحج كان مفردًا وكان ذلك الطواف له لا للعمرة؛ لأنه لم يحدث نية العمرة 156.
الجزء: 1 - الصفحة: 258
فرع: لو نوى الحج ولم ينو الفرض، ولا النفل، انصرف إِلى الفرض إِن كان صرورة، لقوته 157.
فرع: ولو نوى النفل قبل حجة الفريضة لزم، ولم ينقلب إِلى الفرض.
فرع: ولو أحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلمه، جاز عند أشهب والشافعية 158 لقصة 159 علي 160 - رضي الله عنه -.
الجزء: 1 - الصفحة: 259
قال سند: ولو أحرم في الصلاة بما أحرم به إِمامه قال أشهب: يجزيه، من الذخيرة 161.
مسألة 162: رفض النية في الحج لا يضر 163.
الجزء: 1 - الصفحة: 260
فصل: في سنن الإحرام
وهي أربعة:
الأولى: الغسل 164، فإِذا وصل مريد الحج إِلى الميقات فليغتسل للإِحرام، فإِنه آكد اغتسال الحج، وهو سنة 165 ولا دم في تركه؛ لأنه يفعل قبل التلبس بالإِحرام 166، ولا يترك إِلا من ضرورة مثل قلة الماء وضيق وقت أو سير رفقة أو خوف كشفه أو شبه ذلك.
قال سحنون: ومن تركه 167 فقد أخذ بحظه من الإِساءة ولا شيء عليه 168، وكذلك لو ترك الوضوء وأهلَّ ومضى.
الجزء: 1 - الصفحة: 261
والرجل والمرأة والصغير والحائض والنفساء سواء، يسن لهم الغسل 169.
قال سند: ومن عدم الماء سقط عنه الغسل، ولا يتيمم مكانه.
قال ابن خويز منداد 170: وهو عند مالك آكد من غسل الجمعة 171.
قال ابن الماجشون: ومن تركه جاهلًا أو ناسيًا فلا إِثم عليه.
فرع: فإِن أحرم قبل الغسل، فإِن بُعد تمادي، وإِن قرب فهل يؤمر بإِعادته؟ قولان.
الجزء: 1 - الصفحة: 262
فرع:
قال في الكتاب: إِن اغتسل بالمدينة ومضى لذي الحليفة من فوره أجزاه، فإِن تأخر بياضَ النهار أعاد 172.
وفي كتاب ابن المواز: إِن اغتسل بكرة فتأخر خروجه إِلى الظهر كرهته.
وهذا طويل.
قال ابن حبيب: واستحب عبد الملك أن يغتسل بالمدينة ثم يخرج مكانه فيحرم بذي الحليفة، وذلك أفضل.
وبالمدينة اغتسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتجرد ولبس ثوبي إِحرامه 173.
قال مالك: ولا بأس اذا اغتسل بالمدينة أن يلبس ثيابه إِلى ذي الحليفة، ثم ينزعها إِذا أحرم.
قال سند: وكل من كان منزله عن الميقات بثلاثة أميال جاز أن يغتسل منه، كالمدينة مع ذي الحليفة 174.
الجزء: 1 - الصفحة: 263
ويفهم من هذا أن بين المدينة وذي الحليفة ثلاثة أميال، وهي أزيد من ستة.
فرع: قال ابن حبيب 175: ثم إِذا اغتسلت بالمدينة ولبست ثوبي إِحرامك فأت القبر المكرم فودع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر 176 رضي الله عنهما، ثم اركع ركعتين إِذا كنت في وقت صلاة، تسأل الله تعالى فيهما العون على سفرك وأن يقبلك بالعتق من النار، ثم امض بلا تلبية إِلى الميقات.
فرع:
جملة اغتسال الحج المتفق عليها والمختلف فيها في المذهب سبع: للإِحرام، ولدخول مكة، وللطواف، وفي عرفة عند رواحه إِلى الصلاة 177 ولمزدلفة، ولطواف الإِفاضة، ولرمي الجمار.
ويسن أيضًا لزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - 178.
الجزء: 1 - الصفحة: 264
وآكدها بعد غسل الإِحرام الغسل لدخول مكة 179.
قال بعض المتأخرين: يكتفي بالغسل لدخول مكة 180، عن غسل الطواف؛ لأنه إِنما شرع لأجله؛ لأنه أول مبدوء به عند الدخول.
وبعضهم لم يكتف به، وقال: لا بد من غسل الطواف وإِنما ذلك للدخول فقط.
فرع:
ويكتفي بالغسل للطواف عن الغسل للسعي؛ لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له.
= الحنابلة نص أبو عبد الله محمد السامري على استحبابه لدخول المدينة في كتابه المستوعب.
كما قال السبكي في (شفاء السقام: 65).
ولم يصرحوا بدليل لهذا الحكم.
الجزء: 1 - الصفحة: 265
مسألة: ويغتسل عند مالك - رحمه الله - في الحج 181 في ثلاثة مواضع: للإِحرام 182، ولدخول مكة، ولرواحه إِلى الصلاة بعرفة.
فرع: ولا تغتسل الحائض ولا النفساء 183 لدخول مكة؛ لأنه للطواف ودخول المسجد، وهما ممنوعان منهما 184. ورُوي أن الحائضَ تغتسل لدخول مكة بذي طوَى 185 كغير الحائض، وهذا يُؤَيِّد ما تقدم من القول بعدم الاجتزاء بغسل الدخول عن غسل الطواف.
فرع: ويتدلك ويتنظف في غسل الإِحرام فقط، وفي ما سواه يصب الماء، إِلا أن تصيبه جنابة فيتدلك برفق.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
فرع: ولا بأس أن يقص شاربه وأظفاره ويستحد ويكتحل ويلبد 186 شعره بالغسول والصَّمْغ 187 ويظفره ليقل قمله، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم 188. وجعل ابنُ بشير فعلَ ذلك مستحبًّا.
فرع: وتمتشط المرأة قبل إِحرامها بالحناء وما لا طيب فيه وتختضب.
الجزء: 1 - الصفحة: 267
مسألة:
ومنع مالك الطيبَ المؤنث 189 عند الإِحرام، فإِن فعل: فالمشهور لا شيء عليه، وهو عند مالك مكروه ولا فدية فيه؛ لأنه لم يستعمل طيبًا بعد الإِحرام، وإِن وجد ريحه؛ قاله في الذخيرة 190.
قال ابن بشير: فإِن تطيب بما يبقى ريحه بعد الإِحرام فهل يفتدي أم لا؟ 191 قولان، ولو أحرم في ثوب فيه ريح طيب فقد أتى مكروهًا، ولا فدية عليه.
وفي الذخيرة: وتنزع المحرمة ما صادف الإِحرام من الطيب، ويؤمر المحرم بغسله بصب الماء عليه.
فإِن لم يزل إِلا بالمباشرة باشره بالغسل ولا شيء عليه 192.
الجزء: 1 - الصفحة: 268
الثانية: التجرد من المخيط، ويلبس إِزارًا ورداء ونعلين.
وزاد القاضي عياض في قواعده: مما ليس لهما حارك كنعل التكرور 193 التي لها عقب يستر بعض القدم 194.
وثياب الإِحرام: هي 195 الملاحف والأردية والمئزر وما كان مثل ذلك مما لا يخاط، إِلا العمائم فلا يلبسها المحرم.
وقال أبو عمران 196: إِن كان في عنقه كتاب نزعه قبل أن يحرم.
والبياض أفضل ألوان 197 الثياب، فينبغي له أن يلبس ثوبين أبيضين: يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر لم يمسهما زعفران * ولا ورس ولا شيء من الطيب.
والمصبوغ بغير طيب مكروه لمن يُقتدى به، وجائز لعوام الناس، والمورس حرام باتفاق.
والورس: نبات باليمن صبغه بين الصفرة والحمرة طيب الرائحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 269
ويجوز الثوب الأخضر والأزرق وما أشبه ذلك.
فرع:
ولا بأس أن يحرم في ثوب غير جديد وإن لم يغسله، وقد أحرم مالك - رحمه الله - في ثوب حججًا ما غسله 198.
وسيأتي في باب ما يوجب الفدية ذكر المصبغات.
الثالثة: الركوع للإِحرام، وأقله ركعتان ولا حد لأكثره.
وذكر ابن القاسم الجزيري 199 أنه يقرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد.
ومن كان إِحرامه من ذي الحليفة فينبغي له أن يدخل المسجد الذي بها ويصلي فيه ركعتين، يسأل الله فيهما العون على سفره والرجوع بالعتق من النار، والأفضل أن تكون الصلاة التي يحرم بعدها نافلة مختصة بالإِحرام، فإِن
الجزء: 1 - الصفحة: 270
أحرم عقب فرض جاز 200. وفي التنبيهات، قال بعض الشيوخ: مفهوم المذهب أنَّ سنة الإِحرام أن تكون عقب صلاة لا أن من سنته 201 أن يصلي من أجله 202. قال ابن الحاج: وفي ديوان أشهب يُستحب أن يكون بإِثر فريضة.
فرع: ويحرم من أتى الميقات في أي وقت شاء، فإِن كان في غير وقت صلاة انتظر حل النافلة، إِلا أن يكون مراهقًا 203 أو خائفًا وشبه ذلك من العذر، فيجوز أن يحرم، وإِن لم يصل 204، وإِن صلى فريضة لا يتنفل بعدها ولم
الجزء: 1 - الصفحة: 271
يمكنه انتظار وقت النافلة أحرم عقيب الفريضة، وذلك خير من الإِحرام بغير صلاة 205.
فرع: فإِن نسي الركوع حتى أحرم تخرج على نسيان الغسل، وقد تقدم ذكره.
فرع: ولا يحرم دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، ولكن إِذا خرج منه ركب راحلته، فإِذا استوت به في فناء المسجد لبَّى ولم ينتظر أن تسير، وإِن كان ماشيًا فحين يخرج من المسجد متوجهًا للذهاب 206. وفي مختصر الواضحة: فإِذا خرجت من المسجد فاركب راحلتك وأنت مستقبل الكعبة من فناء المسجد، فإِذا استوت بك قائمة وانبعثت بك سائرة لبِّ، وهذا خلاف لما تقدم من أنه لا ينتظر انبعاثها بالسير.
مسألة: سئل مالك عن الجمَّال يأتي بالقوم إِلى ذي الحليفة، فينيخ بهم عند غير
الجزء: 1 - الصفحة: 272
المسجد، فيقول: اذهبوا فصلوا وارجعوا إِلى أحمالكم أحملكم، وقال المكترون: بل تنيخ عند باب المسجد حتى نصلي ثم نركب ثم نهل 207، فقال مالك: يُجبر الجمَّال على أن ينيخ بهم عند باب المسجد، حتى يصلوا 208 ثم يركبوا ثم يُهلُّوا.
قال ابن رشد: كان ذلك عرفًا وعليه دخل الكريُّ 209.
وعلى هذا لو تغير العرف فهل يجبر الجمَّال على ذلك؟ وظاهر المذهب * يقتضي تغير الحكم بتغير العرف، والله أعلم.
الرابعة:
التلبية - وهي مسنونة في الحج والعمرة غير مفروضة، قاله ابن الجلاب 210.
الجزء: 1 - الصفحة: 273
قال الباجي 211: ومعنى ذلك عندي أنها ليست من أركان الحج، وإِلا فهي واجبة؛ ولذلك يجب الدم بتركها 212.
وفي الموطإِ: إِن تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لبّيك اللهمّ لبيك، لبيك لا = أصحاب الأبهري شيخ المالكية بالعراق، له شرح المدونة وكتاب في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع الذي اشتهر وانتشر، ومنه ينقل ابن فرحون وغيره.
ت 378. (الأعلام: 4/ 193، إِيضاح المكنون: 1/ 301، تاريخ التراث العربي، لسزكين: 3/ 165، دائرة المعارف للبستاني: 2/ 411، الديباج: 1/ 461، طبقات المالكية لمجهول: 172 - 173، الفكر السامي: 3/ 118، كحالة: 3/ 238، هدية العارفين: 1/ 447). وقول ابن الجلاب في التلبية وارد في (التفريع: 1/ 321).
الجزء: 1 - الصفحة: 274
شريك لك لبيك، إِن الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك" 213.
وحكى ابن حبيب عن مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة 214 في تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قوله: لا شريك لك، لبيك إِله الحق 215 لبيك، فهذه تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كان يلبي بها في حجه وعمرته.
وزاد فيها عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه -: لبَّيْك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك 216 مرهوبًا منك ومرغوبًا إِليك 217.
الجزء: 1 - الصفحة: 275
وزاد ابن عمر - رضي الله عنهما - لبيك لبيك وسعديك والخير 218 بيديك والرغباء إِليك والعمل 219.
قال مالك: وأكره أن يُزاد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 220.
وروي عنه: لا بأس أن يزاد فيها.
وفي الذخيرة: وليس في التلبية دعاء ولا صلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 221. = المرفوع، وزاد: لبيك مرغوبًا مرهوبًا إِليك ذا النعماء والفضل الحسن".
(الزرقاني على الموطإِ: 2/ 243).
الجزء: 1 - الصفحة: 276
قال الباجي: ويُروى إِن الحمد بكسر الهمزة في (إِن) 222 وفتحها.
وقال قوم: إِن كسرة الهمزة أبلغ في المدح 223.
وقال الخطابي: الفتح رواية العامة 224.
قال ثعلب 225: والاختيار كسر إِنَّ وهو أجود من الفتح؛ لأن الذي يكسر يذهب إِلى أن معنى لبّيك: الحمد والنعمة لك على كل حال، والذي يفتح
الجزء: 1 - الصفحة: 277
يذهب إِلى أن معنى لبّيك لهذا السبب 226.
ويجوز النُّعمة بضم التاء وفتحها 227.
واختار بعضهم الوقف على قوله: والملك، وليبتدئ: لا شريك لك.
قوله: والرغباء يروى بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر 228، وبفتحها مع القصر 229، ومعناه: الرغبة إِلى من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل.
وينبغي للحاج استشعار الخضوع والخشوع لله تعالى عند الأخذ في التلبية، وإِظهار الاستكانة والإِنابة إِليه 230 سبحانه وتعالى.
وقد ذكر مصعب الزُّبَيْرِي 231 عن مالك - رحمه الله تعالى - قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 278
اختلفت إِلى جعفر بن محمد الصادق 232 زمانًا، وما كنت أراه إِلا على إِحدى ثلاث خصال: إِما مصل، وإِما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلا على طهارة، وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله تعالى، ولقد حججت معه سنة، فلما أتى الشجرة أحرم، فكلما أراد أن يُهلَّ كان يُغشى عليه، فقلت له: لا بد لك من ذلك؟ فقال: يا ابن أبي عامر إِني أخشى أن أقول: لبّيك اللهمّ، فيقول: لا 233 لبيك ولا سعديك.
قال مالك *: ولقد أحرم جده علي بن الحسين زين العابدين 234، فلما أراد أن يقول: لبّيك اللهمّ - أو قالها - غُشي عليه وسقط عن ناقته فهشم وجهه = الزبيري المدني، أبو عبد الله.
سكن بغداد.
وروى عن أبيه وعن مالك وغيرهما.
يقول أحمد: مصعب الزبيرى ثقة.
ت 236 وهو ابن ثمانين سنة.
(تهذيب التهذيب: 10/ 162 - 164 رقم 309، ميزان الاعتدال: 4/ 120 رقم 8564).
الجزء: 1 - الصفحة: 279
- رضي الله عنهم أجمعين 235 -.
فرع:
وليرفع المحرم صوته بالتلبية ولا يسرف ولا يلح ولا يسكت، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا 236.
ولا ترفع المحرمة صوتها بالتلبية كرفع الرجل، ولكن تسمع نفسها 237.
قال مالك: والعجمي يُلبِّي بلسانِه.
ومن سنَّتِهَا: المُوَالاة.
قال مالك: ولا يرد سلامًا حتى يفرغَ، ويكررها بإِثر الصلوات المكتوبات والنوافل، وحين يلقى الرفاق، وعند انضمام الرفاق، وعلى كل شرَف من
الجزء: 1 - الصفحة: 280
الأرض يشرف عليه 238 أو يهبط منه وفي بطون الأودية 239، وفيما بين ذلك راكبًا كنت أو نازلًا أو قائمًا أو قاعدًا 240.
ولا ترفع صوتك بالتلبية في مسجد الجماعات، فأما في المسجد الحرام أو مسجد منى فارفع ما استطعت 241.
وإِذا قلنا: لا يرفع صوته في المساجد، فإِنه يسمع نفسه ومن يليه.
قال سند: وروي عنه الرفع في المساجد التي بين مكة والمدينة؛ لأنها غير معمورة.
فرع: ولا تُكرهُ التلبية للجُنُب والحائض 242.
الجزء: 1 - الصفحة: 281
مسألة:
ومن أراد الإِحرام ومعه هديٌ فليقلده ثم يشعره ثم يجلله 243، وكل ذلك واسع، ثم يدخل المسجد ويركع ويحرم.
والسنَّة اتصال ذلك كله.
مسألة:
اختلف في زمن قطع التلبية الأولى، وفي معاودتها بعده، وفي قطعها بعد معاودتها.
الموضوع الأول: قطعها الأول.
الجزء: 1 - الصفحة: 282
قال مالك: وإذا دخل المحرم المسجد الحرام أول ما يدخل، وهو مفرد بالحج أو قارن، فلا يلبي، ويقطع التلبية من حين يبتدئ الطواف إِلى أن يفرغ من سعيه بين الصفا والمروة، فإِن لبَّى في الطواف فهو في سعة، وكذلك بين الصفا والمروة.
وروى ابن الموَّاز أن المحرم بالحج من الميقات يقطعها عند دخول الحرم 244.
والأول مذهب المدونة 245.
الموضوع الثاني: معاودتها بعد القطع الأول.
الجزء: 1 - الصفحة: 283
فروى أشهب عن مالك: يعاودها بَعْد الطواف.
وروى ابن المواز: يعاودها بعد السعي.
الوضع الثالث: قطعها بعد معاوتها.
فقيل: يقطعها إِذا زالت الشمس وراح إِلى الصلاة، وهو المشهور.
وقيل: إِذا زالت الشمس.
وقيل: إِذا راح إِلى الموقف.
وعلى القول الآخر: يلبي بين ظهراني خطبته؛ لأن رواحه إِلى الموقف بعد الصلاة 246.
وفرَّق ابن الجلاب 247 بين من يأتي عرفة محرمًا فيقطع يوم عرفة، وبين من يحرم بعرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة 248.
وإِذا قطع التلبية بعرفة لم يعاودها 249.
الجزء: 1 - الصفحة: 284
مسألة: وسئل سحنون عن المحرم: هل له أن يسافر اليوم واليومين والثلاثة؟ قال: نعم، لا بأس بذلك، وليس هو مثل المعتكف، ذكره ابن رشد في البيان 250.
الجزء: 1 - الصفحة: 285
فصل: في دخول مكة
وإِذا وصلتَ إِلى حرم مكة فيستحبُّ لك أن تقول: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا 251 حَرَمُكَ وأمْنُكَ، فحرِّمْنِي علَى النَّارِ، وأمِّنِّي مِنْ عَذَابِكَ يومَ تبعثُ عِبَادَكَ، واجْعَلْنِي منْ أوْلِيَائِكَ وَأهْلِ طَاعَتِكَ 252، وتدعو بما تحبّ.
ويستحبّ لمن كان حاجًّا أو معتمرًا أن لا يدخل مكة حتى يغتسل بذي طوى ويأمر من معه بذلك، وإِن اغتسل بعد دخوله فواسع، وقد تقدم ذكر هذا عند ذكر الغسل للإِحرام 253.
وذو طوى: هو الوادي الذي بعد الثّنية التي يصعد إِليها من الوادي المعروف الآن بالزّاهر، على يسارك وأنت قادم إِلى مكة من طريق التّنعيم، فهناك بات النّبي - صلى الله عليه وسلم - 254 واغتسل لدخولها 255.
الجزء: 1 - الصفحة: 286
وطَوى بفتح الطّاء مقصورة.
والذي بطريق الطائف طَواء بالمدّ.
فرع:
واستحب مالك أن يدخل مكة نهارًا 256، ومن أتاها ليلًا فواسع أن يدخل 257.
ويستحب لمن أتى من طريق المدينة أن يدخل مكة من كَدَاء الثنية 258 التي بأعلى مكة 259، ومن دخل من غيرها فذلك واسع، ثم يهبط من الثنية = ثم بيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك.
أخرجه البخاري (الصحيح: 2/ 154)، كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة).
الجزء: 1 - الصفحة: 287
العليا 260 المذكورة على الأبطح والمقبرة على يساره وهو نازل منها، ثم يأخذ كما هو إِلى المسجد الحرام، ولا يعرج على شيء دونه إِلا لحطِّ رحله.
ويستحبّ له أن يدخل من باب بني شيبة 261، وهو باب بني عبد مناف؛ لأنه قبالة البيت، ويقدم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.
فإِذا رأى البيت المكرَّم كبّر ثلاث تكبيرات ورفع يديه وقال: اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام فحيّنا ربّنا بالسّلام 262، اللهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممّن حجّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلَّغني بيته ورآني لذلك أهلًا، اللهمّ إِنك دعوت إِلى حجّ بيتك وقد جئت لذلك، اللهمّ تقبل مني واعف عنّي وأصلح لي شأني كله، لا إِله إِلا أنت، اللهمّ إِني جئتك من شقة بعيدة مؤمّلًا لمعروفك فأنلني 263 معروفًا من معروفك يغنني عن معروف من سواك * يا أرحم الراحمين.
الجزء: 1 - الصفحة: 288
ثم تدعو بما شئت من خيري الدّنيا والآخرة، فإِذا وقع بصرك على البيت في انحدارك من العقبة فارفع يديك، وقل ما تقدم.
وأول ما تبدأ به بعد دخول المسجد الحرام استلام الحجر (1) الأسود بعد أن تنوي الطّواف، وهذا هو طواف القدوم، ولا تبدأ بالركوع، بل بالطواف كفعله - صلى الله عليه وسلم - (2)، إِلا أن تجد الإِمام في فرض فتصلي معه، ثم تطوف، أو تخاف فوات مكتوبة فتقدمها حينئذ على الطواف.
الركن الثاني: الطواف
فأمَّا طوافُ القدوم فإِنه سنة لغير المكي، وأوقع عليه مالك اسم الوجوب.
قالوا: معناه وجوب السنن، ولا رجوع لتركه.
واختلف: هل على تاركه دم أم لا؟
قال مالك مرة: إِن كان غير مراهق 266 فعليه الدم.264265
الجزء: 1 - الصفحة: 289
وقال أيضًا: إِنه يجزئ عنه طواف الإِفاضة.
وهو ساقط عن المراهق 267.
والمراهق: هو الذي يضيق وقته عن إِيقاع طواف القدوم والسعي وما لا بدّ له من أحواله، ويخشى فوات الحج إِن تشاغل بذلك كله، فله تأخير الطواف.
ولمالك في المختصر: إِن قدم يوم عرفة فليؤخر، إِن شاء طاف وسعى، وإِن قدم يوم التروية 268 ومعه أهله فليؤخر إِن شاء، وإِن لم يكن معه أهله فليطف ويسع، يريد: لأنه بأهله في شغل، وحال المنفرد أخف.
فرع:
خمسةٌ يسقط عنهم الطواف الأول والسعي؛ وهم: المراهق، والمكي المحرم بالحج من مكة، والمتمتع، والقارن من أهل 269 مكة على اختلاف فيه، والمردف في أثناء طوافه.
فهؤلاء الخمسة لا يطوفون ويسعون، إِلا في يوم النحر.
الجزء: 1 - الصفحة: 290
فصل
فإِذا تقدمت للطواف فاستقبل الحجر والركن اليماني على يسارك وكبر، ثم قبّله بفيك من غير صوت إِن قدرتَ، وإِلّا فضع يدك عليه وضعها على فيك من غير تقبيل، فإِن لم تدركه بيدك لازدحام الناس فكبر عند محاذاتك له ولا تشر إِليه بيدك.
قال في المدونة: وليس عليه أن يستلم الحجر في ابتداء الطواف إِلّا في الواجب 270، يعني: إِلّا في الطواف الواجب، وهذا يدل على أنه واجب في الطواف الواجب.
وللطواف شروط:
الأوّل: طهارة الحدث: وهي معتبرة في جميع الطواف.
وفي الذخيرة 271: قال أبو حنيفة والمغيرة 272 من أصحابنا: لا تشترط
الجزء: 1 - الصفحة: 291
الطهارة قياسًا على الوقوف، بل هي سنة 273، فإِن طاف محدثًا فعليه شاة، أو جُنبًا فعليه بَدنة 274.
وفي الجواهر: إِن طاف غير متطهر أعاد، فإِن رجع إِلى بلده قبل أن يعيد رجع من بلده على إِحرامه فطاف 275.
وقال المغيرة: يعيد ما دام بمكة، فإِن أصاب * النساء وخرج إِلى بلده أجزأه 276.
وهذا في طواف الإِفاضة.
= بعد مالك.
ولد 124. ت 188 وقيل 186. (الانتقاء: 53، تهذيب التهذيب: 10/ 264، الديباج: 3/ 343 رقم 163، شجرة النور: 56 رقم 5، شذرات الذهب: 1/ 310، لسان الميزان: 6/ 726، المدارك: 3/ 2، وفيات ابن قنفذ: 148).
الجزء: 1 - الصفحة: 292
فإِن كان قد طاف بعده تطوعًا لم يعد من بلده؛ لأن طواف التطوع هنا يجزؤه عن الواجب، وهذا قوله في المدونة.
ولا دم عليه عند ابن القاسم.
وإِن لم يكن طاف بعده تطوعًا فيرجع حلالًا، إِلا من النساء والصيّد والطيب؛ لأن حكمه باق على ما كان في منى، وقد كان بمنى قبل طواف الإِفاضة ممنوعًا من ذلك، ثم يعتمر ويهدي.
وقيل: لا عمرة عليه إِلا أن يطأ.
وجل الناس يقولون: لا عمرة عليه، وإِنما عليه الهدي، ولا حلق عليه، لأنه حلق بمنى.
وأما لو كان هذ الطواف طواف القدوم لم يركع له من بلده إِلا أن يكون سعى بعده، فهو حينئذ بمنزلة طواف الإِفاضة في جميع ذلك، إِلا أن يكون سعى بعد طواف الإِفاضة؛ لأن السعي ركن، ومن شرط صحته أن يكون بعد طواف صحيح، فإِذا بطل الطواف لعدم الوضوء صار سعيًا بغير طواف.
فرع: ونسيان بعض الطواف كجميعه 277.
الجزء: 1 - الصفحة: 293
قال في المدونة: إِن كان قريبًا بنى وطاف شوطًا وركع وأعاد السعي، وإِن ذكره بعد أن انتقض وضوؤه أو في طريق بلده رجع فابتدأ الطواف وركع وسعى 278، ولو انتقض وضوؤه في أثنائه تطهر واستأنف الطواف إِن كان واجبًا، ولو أحدث بعد فراغه من الطواف وقبل أن يركع فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلًا حتى رجع إِلى بلده، فليركع بموضعه، ويبعث بهدي.
قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأوليان ولو بنى بعد وضوئه على ما مضى من طوافه لم يجزه كالصلاة.
وروى ابن حبيب أنه يُجزئه ولا وجه لهذه الرواية.
الثاني: طهارة الخبث 279:
ومن طاف بنجاسة طرحها حين ذكر، وبنى 280، فإِن ذكر بعد ركعتي الطواف ففي استحباب إِعادتهما قولان.
فإِن ذكر قبل الركوع أجزأه الطواف 281 عند ابن القاسم، وأعاد عند أشهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
وقال ابن رشد: حكم الطواف بالبيت حكم الصلاة، فعلى هذا يجري فيه الخلاف الجاري هناك 282، وكذلك قال ابن الحاجب 283.
الثالث: ستر العورة 284:
وحكمها أيضًا في الطواف حكم الصلاة، وحكم من صلى بثوب نجس أو طاف به.
وكره مالك أن يطوف بمغطى الفم، أو تطوف المرأة مُنْتَقِبَة 285 كالصلاة.
قال أشهب: ومن فعل ذلك أجزأه.
الرابع: الموالاة.
ولا يفرق بين أجزاء طوافه، فإِن فعل ابتدأ، ويجوز أن يفرق لصلاة الفرض تقام عليه وهو في الطواف 286.
واستُخِفَّ أن يترك طوافه النافلة لصلاة النافلة، وإِن كان الاختيار أن لا يفعل *.
الجزء: 1 - الصفحة: 295
ولا ينبغي للرجل أن يدخل في الطواف إِذا خشي أن تقام عليه الصلاة، قبل أن يفرغ من طوافه؛ ولا أن يدخل في طواف التطوع إِذا خشي أن تفوته ركعتا الفجر إِن أكمل طوافه.
ولو خرج لصلاة الجنازة، فهل يبتدئ أو يبني؟ قولان.
ولو خرج لنسيان نفقة 287 فالمنصوص أنه يبتدئ.
وإِذا خرج للفريضة فإِنه يبني قبل أن يتنفل، فإِن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، والمستحب أن يخرج على كمال شوط عند الحجر.
فإِن خرج من غيره، فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج.
فإِن بقي من الطواف شوطان أتمهما إِلى أن تعتدل الصفوف.
تنبيه: فإِن قلت: إِذا تقرر أنه يقطعُ الطوافَ إِذا أقيمت عليه الفريضة، فهل يقطع إِذا أقيمت عليه صلاة أحدِ الأئمة الأربعة، وهم الشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي المرتبون لإِقامة الصلاة في مقاماتهم المشهورة اليوم، أو المعتبر صلاة إِمام المقام دون غيره؟ فالجواب، - والله أعلم - أن ذلك مبني على أصل، وهو: هل تعد هذه المقامات الأربعة كمساجد مستقلة بأئمة راتبين، أو الإِمام الراتب في
الجزء: 1 - الصفحة: 296
المسجد الحرام هو إِمام المقام، وهو الأول، وما عداه كجماعة بعد جماعة في مسجد واحد له إِمام راتب؟
فعلى الأول: يقطع إِذا أقيمت عليه صلاة أحدهم.
وعلى الثاني: لا يقطع لغير صلاة الأوّل.
ويكون الثاني أو الثالث أو الرابع كرجل صلى بجماعة في المسجد بعد صلاة الإِمام، فلا يجب قطع الطواف لأجله.
وقد استُفْتِيَ 288 بعض شيوخ المذهب في حكم الأئمة المتجددين في المسجد الحرام في أوائل المائة السادسة بأمر بعض خلفاء بني العباس.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
وصور الاستفتاء: ما تقول السادة الفقهاء - أئمة الإِسلام، وأمناء الله على الأحكام - في الأئمة المقامين في المسجد الحرام، بمكة - زادها الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا - وهم: إِمام الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، الذين أقامهم 289 الإِمام الخليفة - أعلى الله قدره - على ما هم عليه الآن، وكون بعضهم يتقدم بالصلاة أول الوقت ثم يليه الآخر ثم الآخر، ثم الآخر، كل واحد يصلي بجماعة في مقامه المعين له، هل يجوز ذلك في المسجد الحرام ويُعدُّ مقام كل واحد كأنه مسجد مستقلٌّ بنفسه، ولا يُكرهُ الصلاة فيه، والحال هذه، خلف واحد منهم سواء كان أولًا أو ثانيًا أو ثالثًا أو رابعًا، وأن من سبق منهم أولًا بالصلاة بعد الزوال ثم تلاه الآخر منتظرًا بجماعته، وصلى في أوائل الوقت المعتبر في الفضيلة عنده.
هل يكون السابق أفضل، أو كل واحد منهم أوقع الصلاة في وقته، أو يعدّ المسجد الحرام * كالمسجد الواحد؟ وأن المقامات المنسوبة إِلى كل إِمام من الأئمة كالأئمة في المسجد الواحد، فتكره الصلاة خلف الثاني منهم، ويعدّ الثاني والثالث والرابع كأنهم جماعة بعد جماعة في مسجد واحد فيكره ذلك، ويكون الإِمام الراتب هو السابق بالصلاة.
وإِذا كان الخليفة قد عيَّنَ إِمامًا منهم بالسبقية بالصلاة أولًا، ثم عيَّن الثاني والثالث والرابع على الترتيب، هل يتعين هذا المعيَّن السابق ويكون هو الإِمام الراتب، ومن بعده لا يعتبر 290 بتعيين الخليفة له، ويكون كالجماعة
الجزء: 1 - الصفحة: 298
الثانية في المسجد الواحد فتكره الصلاة خلفه أم لا؟ ، وهل تكون الصلاة خلف الإِمام السابق المصلي في مقام إِبراهيم عليه السلام فى مقابلة باب الكعبة أفضل ممن صلّى خلف غيره من الأئمة في موضع إِمامته من المسجد الحرام أم لا؟ . الجواب عن كل فصل من ذلك شافيًا مبينًا - رحمكم الله تعالى - فأجاب عن ذلك جماعة.
أولهم الإِمام العلامة أبو محمد عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله 291 المالكي مؤلف البيان والتقريب في شرح التهذيب وله اختصار التهذيب، وغير ذلك، وهو رفيقُ الإِمام أبي عمرو بن الحاجب في الاشتغال في القراءة على الشيخ أبي الحسن الأبياري - 292.
الجزء: 1 - الصفحة: 299
ونص جوابه: الصلاة خلف كل الأئمة الذين أمر بترتيبهم إِمام المسلمين - خليفة الله في الأرض- أعز الله نصره وأعلى أبدًا كلمته - في مقاماتهم المذكورة تامة لا كراهة فيها، إِذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإِمام بذلك، وسواء في ذلك الا ول ومن بعده.
وإِذا كان الإِمام الأول يصلي في أول الوقت فالصلاة خلف غيره ممن يؤخر إِلى ربع القامة أفضل في غير الصبح والمغرب، والمصلِّي خلفَ غيره - والله أعلم -، وكتبه عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله المالكي.
وأجاب بعده الإِمام العلامة جامع الفضائل أبو العباس أحمد بن عمر بن إِبراهيم الأندلسي ثم القرطبي الأنصاري الملقب ضياء الدين 293، كان من أعيان فقهاء المالكية، ومن الأئمة المشهورين.
وهو مؤلف كتاب المُفهم في شرح صحيح مسلم، واختصر صحيحي البخاري ومسلم، وتآليفه مشهورة، توفي بالإِسكندرية في سنة ست وعشرين وستمائة، وقال بعضهم: توفي سنة ست وخمسين وستمائة 294 فانظره.
الجزء: 1 - الصفحة: 300
ونص جوابه: كذلك أقول، غير أن 295 ترتيب الأئمة في الوقت إِن كان بإِذن الإِمام فلا سبيل إِلى مخالفته، وإن كان بغير إِذنه فكل إِمام يحافظ على ما هو الأفضل عند إِمامه، ولا يجوز لمتبع إِمام أن يخالف مذهب إِمامه بغير موجب شرعي - والله أعلم - وكتبه أحمد بن عمر القرطبي *.
وأجاب بعده الإِمام العلامة أبو محمد عبد الله بن سعيد الربعي الإِمام الفاضل المؤلف، وهو جدّ قضاة الإِسكندرية، وبيت الربعي بيت قضاء وعلم وصلاح وجلالة، وقضاء الإِسكندرية متوارث فيهم إِلى الآن.
ونص جوابه: إِذا كان الإِمام - أعزه الله تعالى ونصره وأدام خلافته - قد أمر الأئمة بذلك لم يكن في الصلاة خلف أحد منهم كراهة لزوال المعنى الذي كره أن يصلي جماعة بعد جماعة في مسجد له إِمام راتب، وإِذا صلَّوْا في مقدار ربع القامة إِلى ثلثها بعد الزوال فقد صلّوا في أول الوقت - والله أعلم -، قاله عبد الله بن سعيد بن إِبراهيم الربعي.
وأجاب بعده الإِمام العلامة قاضي القضاة محمد بن الحسين بن رشيق 296
الجزء: 1 - الصفحة: 301
قاضي الإِسكندرية، وكان شيخ المالكية هو وأبوه 297 وجده، وبيته بيت علم، كان من سادات المشائخ، جمع بين العلم والعمل والورع والتقوى.
ومولده سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة ثمانين وستمائة - رحمه الله تعالى -.
ونص جوابه: يقول الفقير إِلى رحمة ربه محمد بن الحسين بن رشيق بجواب الإِمام جمال الدين أبي محمد عبد الله بن سعيد الربعي.
وأجاب غيره بما نصه: كذلك أقول، والصلاة خلف إِمام المقام كالصلاة خلف غيره من الأئمة في الفضيلة، - والله أعلم - كتبه أحمد بن سليمان المرجاني 298 عفا الله تعالى عنه.
وأجاب غيره: أقول كذلك، وبالله التوفيق، كتبه حسن بن عثمان بن علي رحمه الله 299.
الجزء: 1 - الصفحة: 302
وأجاب غيره: كذلك أقول، وكتبه عبد الرحيم بن يوسف بن المخيلي وأحال على جواب الربعي.
ووقفت بثغر الإِسكندرية على تأليف يخالف ما أفتى به الجماعة، وأن الإِمام الراتب هو إِمام المقام، ولا أثر لأمر الخليفة في رفع الكراهة الحاصلة في جمع جماعة بعد جماعة، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة وألّف في ذلك تأليفًا، ولم يحضرني الآن اسم مؤلفه 300 - رحمة الله عليه -.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
فصل
وأما الكلام في الطواف الواجب فكرهه مالك، وأما في التطوع فلا بأس به ذكره الباجي 301.
وفي المدونة: كان مالك يوسع في الأمر الخفيف من الحديث في الطواف 302.
قال ابن حبيب: والكلام في السعي بغير ما أنت فيه أخف منه في الطواف.
وأما القراءة فيه ففي المدونة كان يكره القراءة في الطواف فكيف بإِنشاد الشعر 303.
وروى ابن المواز عن مالك أن القراءة في الطواف لم تكن من عمل الناس * ولا بأس بها إِذا أخفاها، ولا يكثر من ذلك، وفي التكثير 304 قولان: الجواز والكراهة.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
وكذلك التلبية فيه فيها قولان: الجواز والكراهة.
قال ابن حبيب: والوقوف للحديث في الطواف أشد منه بغير وقوف، وهو في الطواف الواجب أشد 305.
الخامس: أن يجعل البيت عن يساره ولو جعل البيت عن يمينه لم يصح ولزمته الإِعادة 306، وقيل: إِن رجع إِلى بلده لم تلزمه الإِعادة.
فرع: وأما البداءة بالحجر الأسود، فقال سند: هو سنة، فإِن ترك البداءة به عامدًا ابتدأ 307، من الذخيرة للقرافي.
الجزء: 1 - الصفحة: 305
وفي كتاب محمد: قلت: فمَنْ بَدَأ في طوافه بالركن اليماني؟ قال: إِذا فرغ من طوافه أتم ذلك فتمادى من الركن اليماني إِلى الركن الأسود، فإِن لم يذكر حتى خرج من مكة وتباعد أو انتقض وضوؤه أجزأه، ويبعث بهدي.
ولو ابتدأ الطواف من باب البيت؟ قال: يلغي ما مشى من باب البيت إِلى أن يبلغ الركن.
قيل: فلو ابتدأ طوافه من بين الحجر الأسود وبين الباب بالشيء اليسير ثم ذكر؟ قال: هذا يجزئه ولا شيء عليه.
السادس: أن يخرج بجملته عن البيت.
وفي الكتاب 308: ولا يعتد بما طاف بداخل الحِجْر ويبني على ما طاف خارجًا منه 309. = بالركن اليماني فإِذا فرغ من سعيه أتم ذلك وتمادى من اليماني إِلى الأسود، فإِن لم يذكر حتى طال أو انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي، فإِن خرج من مكة أجزأه وأهدى، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وهذا قد طاف، فإِن تركه عامدًا ابتدأ".
(الذخيرة: 3/ 240).
الجزء: 1 - الصفحة: 306
وإِن لم يذكر حتى رجع إِلى بلده، فليرجع، وهو كمن لم يطف.
وقوله: ويبني على ما طاف خارجًا منه 310، يعني الأشواط الكاملة، وأما بعض الشوط فلا، قاله أبو إِبراهيم الأعرج 311 في طرره على التهذيب، وذكره التادلي في مناسكه.
تنبيه مهم 312: قال ابن شاس في شروط الطواف: الثالث: أن يطوف خارج البيت ولا يمشي على شَاذِروان 313. وتبعه ابن الحاجب 314 وابن عبد السلام وابن المعلى في مناسكه وابن
الجزء: 1 - الصفحة: 307
جماعة التونسي والتادلي في مناسكه، وجعلوه من التنبيهات المهمات وعولوا على ما قاله النووي - رحمه الله - 315.
قال أبو العباس التادلي - رحمه الله - قال النووي: الشاذروان والحِجْر من البيت، فأما الشاذِروان: فهو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجًا عن عرض الجدار مرتفعًا على وجه 316 الأرض قدر ثلثي ذراع.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هذا الشَّاذِرْوَان نقضته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت، وهو ظاهر في جوانب البيت، فلو طاف أحد خارج الشَّاذِرْوان وكان بعضُ إِحدَى رجليه عليه أحيانًا لم يصح طوافه.
ثم قال: وينبغي أن يتنبه هنا لدقيقة، وهي أن من قبّل الحجر الأسود فرأسه في حالة التقبيل في جزء من البيت، فليثبت قدميه في موضِعِهمَا، حتى يفرغ من التقبيل، ويعتدل قائمًا، لأنه * لو زالت 317 قدماه عن موضعهما = محوط الحِجْر ولا شاذروانه داخل المسجد، لا من ورائه ولا من وراء زمزم وشبهه على الأشْهَر إِلا من زحام".
(جامع الأمهات: 193).
الجزء: 1 - الصفحة: 308
إِلى جهة الباب قليلًا، ولو قدر شبر في حال تقبيله، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل في الموضع الذي زالتا 318 إِليه ومضى من هناك 319 في طوافه لكان قد قطع جزءًا من طوافه، وبدنه في هذا الشَّاذِرْوَان فيبطل طوافه 320.
وقال غيره من فضلاء 321 الشافعية: يجب على الطائف أن يكون بجميع بدنه خارج الشاذروان والحجر.
فينبغي للطائف أن يحترز في حال استلام الحَجَر والركن اليماني من هذا الشاذروان 322؛ لأنه إِنْ طاف وبدنه 323 أو رأسه في هذا الشاذروان أو وطأه برجله لم يصح طوافه، فالواجب على الطائف أن يثبت قدميه في مطافه 324 مخافة مزاحمة الناس حتى يفرغ من تقبيله ويعتدل قائمًا ثم يمشي 325.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
قال: وهذا من الدقائق النفيسة، وكثير من الناس يرجعون بلا حج بسبب الجهل بما قلناه.
قال التادلي: وقد نبه المتأخرون من المالكية على التحفظ من الشاذروان، كابن الحاجب وغيره، كما نبهت عليه الشافعية.
وأما هذه الدقيقة التي حذَّرتِ الشافعيةُ منها عند التقبيل وبلغت في الإِيضاح على التنبيه عليها، فلم أر أحدًا من المالكية نبَّه عليها غير شيخنا المحقق أبي يحيى بن جماعة، فقال في كتابه المسمَّى بتذكرة المبتدئ: وإِذا قبّل الطائف الحجر وقف حتى يعتدل قائمًا، وحينئذ يأخذ في المشي 326، انتهى.
واعلم أن ابن شاس - رحمه الله - هو المتبوع في ذكر هذه المسألة، ولم يذكرها أحد من المالكية قبله 327 - فيما علمت - وأظنه أخذها من كلام
الجزء: 1 - الصفحة: 310
الغزالي، ففي كلامه ما يقتضي ذلك 328. وقد قال الشيخ الإِمام العلامة الخطيب أبو عبد الله بن رُشيد 329 - بضم الراء وفتح الشين المعجمة - في رحلته، وهو كتاب حسن مفيد 330: اعلم أنه نشأ في الطواف مسألة الله أعلم بوقت نشأة الكلام فيها، وهو ما 331 أحاط بالبيت ملتصقًا به أسفل الجدار ما بين الركنين اليمانيين، وهو الذي يُسمى
الجزء: 1 - الصفحة: 311
بالشَّاذِرْوَان، وكان بسيطًا ثم زهق في هذا الوقت الأخير حتى صار كأنه مثلث احتياطًا - فيما زعموا - على الطائفين أن لا يفسدوا طوافهم بكونهم إِذا طافوا ماشين عليه حيث كان بسيطًا يكون طوافهم في جزء من البيت، وكان منتهاه إِلى قريب من الركن، ولم يكن من هذه الزيادة الظاهرة تحت الحَجر الأسود شيء، ثم زيدت بمقدار سائره في المدة الأخيرة.
وهذا الاسم - أعني الشَّاذِرْوَان - لفظة عجمية * وهي بلسان الفرس بكسر الذال، لا توجد هذه التسمية في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن صحابي، ولا عن أحد من السلف فيما علمت، ولا لها ذكر عند فقهاء المالكية المتقدمين والمتأخرين إِلا ما وقع في الجواهر لابن شاس 332 وتبعه أبو عمرو بن الحاجب 333 ولا شك أن ذلك منقول من كتب الشافعية، وأقدم من ذكر ذلك منهم - فيما وقفت عليه - المُزني 334 حسبما نقله صاحب
الجزء: 1 - الصفحة: 312
الشامل 335.
وذكره من أصحابنا القاضي أبو بكر بن العربي من غير تعرض لبيان حكم، بل ذكر أنه شاهدها سنة تسع وثمانين وأربعمائة، قال: وقست خارجَها والحِجر والشاذِروان.
ولنرجع إِلى الكلام في هذه المسألة فنقول: انعقد إِجماع أهل العلم قبل طرو هذا الاسم الفارسي على أن البيت متمم على قواعد إِبراهيم عليه السلام من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - دون الآخرين 336، وأن ابن الزبير 337 لما = 1/ 239، وفيات الأعيان: 1/ 217 رقم 93).
وذكر المزني للشاذروان ورد في قوله: "إِن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة لم يعتد به في الطواف".
(مختصر المزني: 2/ 78).
الجزء: 1 - الصفحة: 313
نقضه 338 وبناه إِنما زاد فيه من جهة الحجر وأقامه على الأسس الظاهرة التي عاينها العدول من الصحابة وكبار التابعين 339.
وكذلك وقع الاتفاق على أن الحَجَّاج 340 لما نقض البيت بأمر عبد الملك 341 لم ينقض إِلا جهة الحِجْر خاصة وأقام فرش داخل الكعبة إِلى ما كان عليه من الارتفاع، وغلق الباب الغربي وهو باق مسدود إِلى الآن ظاهر لكل أحد.
وكان ابن الزبير فتح للبيت بابًا غربيًا وترك الحجاج أيضًا ما زاده ابن الزبير في ارتفاع = بنت أبي بكر، وهو أول مولود في الإِسلام بالمدينة، كان فصيحًا شريفًا شجاعًا لسنا بويع بالخلافة بعد موت يزيد، وقتله الحَجَّاج سنة 72 أو 73.
(خلاصة تذهيب التهذيب: 197، مشاهير علماء الأمصار: 30 رقم 154).
الجزء: 1 - الصفحة: 314
البيت على حاله 342، وليس للشاذروان في هذا العمل كله ذكر.
ولنذكر كلام بعض أئمة الشافعية في ذلك:
قال أبو نصر بن الصباغ الشافعي 343 محتجًا في ذلك على أبي حنيفة - رحمه الله - حيث قال في الركن اليماني: لا يستلمه 344 لأنه لا يقبل فلا تستلمه كالركنين الآخرين 345.
قال ابن الصباغ: أما قياسهم على الركنين الآخرين، فالجواب أن الركن
الجزء: 1 - الصفحة: 315
اليماني بني على قواعد إِبراهيم عليه السلام، بخلاف الركن الآخر فإِنه لم يبن 346 على قواعد إِبراهيم عليه السلام، فافترقا.
فانظر كيف أقر ابن الصباغ في التفرقة بين اليمانيين وغيرهما أن اليمانيين على قواعد إِبراهيم عليه السلام، فلو كان الشاذروان من البيت لكان الركن الأسود داخلًا في البيت ولم يكن متممًّا على قواعد إِبراهيم عليه السلام.
وقال محيي الدين النووي: الركن الأسود فيه فضيلتان، إِحداهما: كونه على قواعد إِبراهيم عليه السلام، والثانية كونه فيه الحجر الأسود.
وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إِبراهيم عليه السلام.
وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هذين الفضيلتين، فلهذا خص الحَجر الأسود بشيئين *: الاستلام والتقبيل للفضيلتين.
وأما اليماني فيستلمه ولا يقبله؛ لأن 347 فيه فضيلة واحدة.
وأما الركنان الآخران فلا يقبلان ولا يستلمان 348.
فهذا النووي صرح بأن اليمانيين متممان على قواعد إِبراهيم - عليه السلام - فمن أين نشأ الشاذروان؟ !
قال القاضي عياض 349 - رحمه الله - في "الإِكمال": وقوله: "لم أر
الجزء: 1 - الصفحة: 316
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح إِلا الركن الأسود والذي يليه" 350؛ لأن اليمانيين على أسّ البيت وركنان له، والآخرين بعض الحائط وليسا ركنين صحيحين؛ لأن الحجر وراءهما.
وما حُكي 351 عن ابن الزبير - رضي الله عنهما - من استلام الأربعة، قال القابسي 352: لأنه كان بنى البيت على قواعده الأربع، وكانت أركانًا كلها.
الجزء: 1 - الصفحة: 317
قال القاضي: ولو بُني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستُلِمتْ كلُّهَا، كما فعل ابنُ الزبير 353 رضي الله عنهما.
فهذان الإِمامان أبو الحسن القابسي 354 والقاضي عياض نصَّا على أنَّ اليمانيين على قواعد إِبراهيم عليه السلام.
قال ابن رُشَيد: وهذا عندي أمر لا يحتاج إِلى نقل، والمتشكك فيه كمن يتشكك في قاعدة من قواعد الشريعة المعروفة عند جميع الأمة 355.
واعلم أنه وقع في كلام أبي عمرو بن الصلاح 356 الشافعي أنَّ قريشًا لما
الجزء: 1 - الصفحة: 318
رفعوا الأساسَ بمقدار ثلاث أصابع من وجه الأرض، قال: وهو القدر الظاهر الآن من الشاذِروان الأصلي قبل تزليقه، نقضوا 357 عرض الجدار من عرض الأساس الأول.
وهذا الذي قاله لم يأت به حديث صحيح ولا ورد في قول صاحب يصح سنده، ولعل ذلك من نقل 358 التاريخيين ولو صح هذا لاشتهر ونقل.
وهدم عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - الكعبة حتى بلغ بها الأرض، وأتمها على قواعد إِبراهيم - عليه السلام -، وكون الحجّاج لم يهدم مما بناه ابن الزبير إِلا ناحية الحجر، لكونه أدخله في البيت أمر معلوم مقطوع به مجمع عليه، منقول بالسند الصحيح في الكتب المعتمدة لا يشك فيه أحد.
فإِذا ثبت هذا فكيف يقال: إِن هذا القدر الظاهر الآن مما نقضته قريش من عرض الجدار؟ وهل بقي لبناء قريش أثر؟ = الوسيط في فقه الشافعية.
ولد سنة 577. ت 643 بدمشق.
(الأعلام: 4/ 369، الأنس الجليل: 2/ 449، شذرات الذهب: 5/ 221، طبقات الشافعية للحسيني: 220، طبقات الشافعية لابن السبكي: 5/ 137، كحالة: 6/ 257، مفتاح السعادة: 1/ 397 و 2/ 214، وفيات الأعيان: 3/ 243 رقم 411).
الجزء: 1 - الصفحة: 319
فالسهو والغلط فيما نقله ابن الصلاح مقطوع به والعصمة للأنبياء.
والذي نقله أبو عبيد 359 في كتابه "المسالك والممالك": "أن ابن الزبير لما هدم الكعبة كلها 360 وألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعًا وظهرت أسسها وأشهد الناس عليها، فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم وضع البناء على ذلك الأساس 361 ".
فهذا الذي يسميه الناس اليوم الشاذروان اسم حادث على شيء * وُضع 362 ليصان به الجدار خيفة إِجحاف السيول.
وذكر ابن عبد ربه 363 في كتابه "العقد" في صفة الكعبة ما فيه إِشارة إِلى
الجزء: 1 - الصفحة: 320
أنه جعل حول البيت ما يقيه من السيول 364.
وقال تقي الدين بن تيمية 365 في مناسكه الجديد: وليس الشاذروان من البيت، بل جعل عمادًا للبيت.
ومما يؤيد ذلك أن داخل الحجر تحت حائط الكعبة شاذروان نظير الشاذروان الذي خارج البيت، ولم يقل أحد: إِن هذا الذي في الحجر له حكم الشاذروان الخارج، ولا أنه عماد وأن الخارج شاذروان، فكون هذا الشاذروان مراعى في الطواف لا دليل عليه، ومثل هذا لا يثبت إِلّا بالإِجماع الصحيح المتواتر النقل.
= بأخبار الأدباء، وجمعها وكتابه العقد الفريد من أشهد كتب الأدب.
ولد سنة 246. ت 328. (الأعلام: 1/ 197، بغية الملتمس: 137).
الجزء: 1 - الصفحة: 321
وقد ذكر أبو العباس القباب 366 أحد علماء الأعلام بمدينة فاس هذه المسألة في شرحه لقواعد القاضي عياض، واستبعد صحةَ ما حذَّروا منه في الشاذروان 367. وقول بعض المتأخرين من الشافعية: ينبغي أن يتفطن لدقيقة 368، من
الجزء: 1 - الصفحة: 322
العجب فإِن 369 هذه الدقيقة كيف يمكن أن تغيب عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم، فلا يتنبه أحد لها مع تكرر الحج في كل عام، إِن هذا لمن الأمر البعيد لا تسكن إِليه نفس عاقل 370، والمصنف لا يحتاج إِلى جميع ما ذكرناه من الإِيضاح والبيان 371. والله تعالى هو الموفق للصواب.
الشرط السابع: أن يكون طوافه داخل المسجد لا من ورائه ولا من وراء زمزم.
قال في التهذيب: من طاف من وراء زمزم أو في سقائف الحرم من زحام فلا بأس به، وإِن كان لِحَرٍّ لا لزحام أعاد الطواف 372.
قال سحنون: لا يمكن أن ينتهي الزحام إِلى السقائف.
وحكي عن أبي محمد 373 أن: من طاف في السقائف لا يرجع
الجزء: 1 - الصفحة: 323
لذلك من بلده 374. قال ابن شبلون 375: يرجع من بلده 376. قال سند: يستحب الدنو من البيت كالصف الأول 377. الثامن: إِكمال العدد 378. فمن طاف أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي السابع وصلى الركعتين وسعى، فإِن كان قريبًا طاف شوطًا واحدًا وركع وسعى، وإِن طال ذلك أو انتقض وضوؤه، أو ذكر ذلك في طريقه أو بلده رجع فابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى، وإِن كان قد جامع النساء فليرجع وليعمل كما وصفنا في الذي طاف على غير وضوء.
الجزء: 1 - الصفحة: 324
فائدة: نقل ابن حبيب عن مجاهد أنه كره أن يقال: شَوْط أو دَور، ولكن يقال: طوف 379.
فرع: والشك في الإِتمام كتيقّن 380 النقص 381.
فرع:
ولو أخبره أحد بالإِكمال أجزأه.
وسئل مالك عن الرجل يطوف بالبيت فيشك في طوافه ورجلان معه فيقولان له: قد أتممتَ طوافك؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا 382.
الجزء: 1 - الصفحة: 325
مسألة:
من تمام الطواف أن يمر بجميع بدنه على الحجر.
وذكر ابن المعلّى عن بعض الشافعية أن كيفية ذلك أن يستقبل البيت ويقف إِلى جانب الحجر الأسود الذي إِلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر الأسود عن يمينه ويصير منكبه عند طرف الحجر، ثم ينوي الطواف ثم يمشي مستقبل الحجر مارًّا إِلى جهة يمينه، حتى يجاوز الحجر بجميع بدنه، فإِذا جاوزه انفتل 383 وجعل يساره إِلى البيت ويمينه إِلى خارج، لو فعل هذا وترك استقبال الحجر أولًا أجزأه 384.
وهذا من الحرج الذي لا يلزم والمذهب مبنيٌّ على عدم هذا التحديد ومراعاة هذه الكيفيات، والمراعى أن يبتدئ من الحجر الأسود ويحتاط في ابتداء الشوط الأول بحيث يكون ابتداؤه من أول الحجر الأسود.
التاسع: اتصال ركعتين، ويصليهما عند المَقَام إِن قدر على ذلك تأسيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - 385.
الجزء: 1 - الصفحة: 326
قال ابن الحاج: وإِن شاء صلاهما حيث شاء من المسجد ما خلا الحِجْر.
وقال الشارمساحي: يصليهما حيث شاء، إِلا في ثلاثة مواضع داخل البيت، وعلى ظهره، وما بين الحجر والبيت 386.
يعني: أنه إِذا صلى تحت ميزاب الرحمة صار مستقبل الكعبة مستدبرًا بعضها؛ ولهذا منع من الصلاة داخل الكعبة وعلى ظهرها؛ لأنه مستقبل البعض مستدبر البعض.
وإِن 387 صلاهما في الحجر فهل يكتفي بهما؟
قال ابن بشير: في المذهب قولان.
= مقام إِبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فجعل المقام بينه وبين البيت، قال: فكان أبي يقول: قال ابن نفيل وعثمان، ولا أعلمه ذكره إِلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال سليمان: ولا أعلمه إِلا قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.
أخرجه أبو داود: كتاب المناسك باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -. (السنن: 2/ 459 رقم 1905). وانظر (حجة المصطفى للمحب الطبري: 28 - 39).
الجزء: 1 - الصفحة: 327
وسئل مالك عن الذي يتنفل بالطَّوَافِ، أترى أن يركع ركوع الطواف في الحجر؟ قال: ما يعجبني، ثم قال بعد ذلك: لا أرى بأسًا أن يركع لطواف النافلة.
ولما كان الركوعُ للطواف الواجب واجبًا منع من إِيقاعه في الحجر كالفرض، والركوع للطواف النفل، لما أوجبه على نفسه بدخوله في الطواف كره أن يفعله 388 في الحِجر.
فرع: ويستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الأولى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثانية مع أم القرآن 389.
مسألة: وإِن ترك حاج أو معتمر الركعتين أعاد الطواف، ثم أتى بهما عقيب الطواف 390 وسعى 391؛ لأن ذلك من سننهما مع التمكن، وقيل: يركعهما ولا يعيد الطواف.
الجزء: 1 - الصفحة: 328
فرع:
وإِن ذكرهما في سَعْيهِ رجع، فركع ليقع السعي بعدهما، وهو السنَّةُ في ذلك، إِن كان على وضوء، وإِلا أعاد الطواف بعد الوضوء 392، وإِن قرب، قاله مالك.
وقال ابن حبيب: إِن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف، إِن كان واجبًا، وهو مخيَّرٌ في التطوع 393.
مسألة: قال الباجي: ومن حكم الطواف وركعتيه أن يؤتى بهما بطهارة واحدة 394.
الجزء: 1 - الصفحة: 329
نظائر 395:
قال التادلي: أربع مسائل من شرطها الطهارة الواحدة: سجود السهو قبل السلام، إِذا أخّره بعد السلام ثم أحدث أعاد الصلاة على قول * لأنه يلزم أن يكون بوضوء الصلاة، والطواف مع ركعتيه، والوتر مع ركعتيه.
وزاد اللخمي بعد هذا: الطواف مع السعي، إِذا طاف ليلًا وسعى صُبحًا 396 بطهارة واحدة فإِنه يجزئه، وإِلا أعاد ما دام بمكة، فإِن خرج أهدى ويجزئه.
ويزاد خامس: وهو خطبة الجمعة إِذا ذكر أنه جنب.
قال صاحب الحلل: ينزل ويغتسل ويبني إِن قرب ذلك، فإِن طال ابتدأ الخطبة، وقيل: يتمادى ويستخلف من يصلي بهم.
فرع:
قال القرافي 397: وإِن ذكرهما بعد السعي، قال مالك: يركعهما ويعيد = واحدة منهما، فاقتضى ذلك أن تكونا بطهارة واحدة، ومثل هذا يلزم في الوتر وركعتيه".
(م.
ن: 2/ 291).
الجزء: 1 - الصفحة: 330
السعي، فإِن لم يذكر حتى طال ذلك أيامًا أو رجع إِلى بلده قال ابن القاسم: يركعهما مكانه في سائر الطرقات في الحج والعمرة ويهدي وطئ أم لا، فإِن ذكرهما بمكة أو قريبًا منها ولم يطأ، فإِن كانتا من طواف القدوم وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة طاف ولا دم عليه؛ لأن طواف القدوم متعيّن الوقت بخلاف الإِفاضة.
وقوله: إِن طوافَ الإِفاضة غيرُ متعيّن الوقتِ، فيه نظر.
بل هو متعيِّنُ الوقتِ، وهو من يوم النحر إِلى آخر شهر ذي الحجة.
قال: وإِن كانتا من طواف القدوم الذي أخّره وهو مراهق أو أحرم من مكة أو كانتا من عمرة طاف وسعى ولا دم عليه.
وإِن وطئ، وهما من أيّ طواف كانتا، فتذكر بمكة أو قريبًا منها طاف وركع وسعى لما فيه سعي وأهدى واعتمر، وإن رجع إِلى بلده ركعهما مكانه وأهدى 398.
ويختلف في جعل النسيان عذرًا كالمراهقة فيسقط الدم، وإِذا قلنا تختصُّ الإِفاضةُ بوقت معين، وجب الدم.
وعلى رأي أشهب: يجب الدم في العمرة للتفريق.
الجزء: 1 - الصفحة: 331
وقال مالك في الكتاب: إِن كانتا من عمرة لم يجب عليه شيء، إِلا أن يلبس الثياب ويتطيب، فالدم ينوب عنهما 399. وقال المغيرة: يرجع لهما لأن فعلهما لا يفوت، والأول أحسن لأنهما ليستا بركن ولا يختصان بمكان معين، من الذخيرة 400.
مسألة: لو طاف أسبوعًا كاملًا ونسي أن يركع بعده وطاف شوطًا ثامنًا أو أكثر من ذلك ثم ذكر ذلك ولم يكن قصد أن يجمع بين أسبوعين فإِنه يقطع ويركع ركعتين للسبع الكامل، ويلغي ما زاد عليه، ولا يعتد به إِن أراد أن يطوف أسبوعًا آخر، وهذا حكم العامد أيضًا، فأمّا إِذا أكمل أسبوعين عامدًا أو ناسيًا صلَّى لكلِّ واحد منهما ركعتين 401، قاله الباجي.
فرع: لا خلاف في جواز الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، والأفضلُ: أن يكون بعد طلوع الشمس وبعد غروبها، لتتصل الركعتان
الجزء: 1 - الصفحة: 332
بالطواف 402.
وفي الذخيرة: ولو 403 ركعهما بعد العصر أعادهما استحبابًا، والقياس الإِجزاء؛ لأن الوقت يقبل الصحة بدليل فعل المفروضات، والمشهور: أن لا يركعهما بعد الصبح، حتى تطلع الشمس.
وقال مطرف: يركع إِن كان بغلس * والمستحب فعلهما في المسجد أو بمكة، فإِن فعلهما في طريقه بوضوء واحد فلا رجوع عليه، وِإن انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي.
فرع: وإِذا أخرهما إِلى المغرب قدّم المغرب عليهما، قاله ابن القاسم 404. وقيل: هو مخير في تقديم أيهما شاء.
مسألة: قال ابن رشد: قال ابن نافع 405: وإذا طاف قبل الصبح فخشي الإِقامة، فليبدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
تنبيه:
يقال: سَبعْ بضم السين وفتحها، فمن فتح جعله جمعًا، ومن ضمّ جعله اسمًا مفردًا بمعنى الأسبوع، والأسبوع: اسم مفرد يراد به الجمع وليس بجمع، والسبوع: جمع سَبع بفتح السين كفلس وفلوس.
= مالك وغيره، ثقة صدوق، خرّج عنه مسلم.
ت 216 على ما قال ابن فرحون ومخلوف.
(تهذيب التهذيب: 6/ 50 رقم 96، الجرح والتعديل: 5/ 184 رقم 857، الديباج: 1/ 411، الشجرة: 56 رقم 12، المدارك: 3/ 128، ميزان الاعتدال: 2/ 514).
الجزء: 1 - الصفحة: 334
فصل: في سنن الطواف
وهي أربع:
الأولى: الرَّمَل، وهو سنة، وقيل: مستحب، وعلى هذا يأتي اختلاف قول مالك - رحمه الله تعالى - في وجوب الإِعادة على من تركه، وفي وجوب الدم على من ترك الإِعادة.
ومعنى الرَّمَل: الإِسراع في الطواف بالخَبب، ولا يَحْسر عن منكبيه ولا يحركهما 406.
قال ابن رشد: والخَبب في طواف القدوم في الحج والعمرة سنة لمن أحرم من الميقات باتفاق، ولمن أحرم من التنعيم أو الجعرانة على اختلاف، ولا يخب في طواف الإِفاضة ولا في التطوع، ولا على أهل مكة خببٌ 407.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
فرع:
واختُلِف فيمن قدِم مراهقًا، فلم يطفْ حتى رجع من منى لطواف الإِفاضة.
فروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان لا يرمل.
وفي كتاب ابن المواز: أنه يرمل.
مسألة:
واختلف في أهل مكة إِذا حجوا هل عليهم رمل؟ فكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يرى عليهم رمَلًا.
وقال ابن وهب: استحب مالك أن يرملوا
وقال الباجي: قال مالك: يرمل المعتمر المكي وغيره؛ لأنه قادم من الحل على وجه يتعقب طوافَه السعيُ 408، ولا رمل في طواف الوداع باتفاق.
مسألة: وفي الرمَل بالصبيِّ يُطاف به قولانِ، وأجراهما اللخمي في المريض 409.
الجزء: 1 - الصفحة: 336
فرع: ولا رمَل على النّساء في طوافٍ ولا سعي 410
مسألة: ومحله الثلاثة أشواط الأول فإِن زُوحِم في الرَّمَل ولم يجد مسلكًا رمل بقدر طاقته 411.
مسألة: وفي الذخيرة: يستحب الدنو من البيت في الطواف 412، إِذ هو المقصود، فإِن لم يجد فرجة فيها يرمل تأخر إِلى حاشية الناس؛ لأن الرمل أفضل من الدنو.
مسألة: فإِن لم يرمل في الطواف الواجب، فإِن بعُد فلا إِعادة عليه، وهل يهدي أم لا؟ قولان 413.
الجزء: 1 - الصفحة: 337
وآخر قولي مالك: أنه ليس عليه دم، وإِن قرب ففي الإِعادة قولان.
وفي المدونة، قال مالك: وإِن ذكر في الشوط الرابع أنه لم يرمل مضى ولا شيء عليه 414 *.
قال ابن يونس: وهذا مبنيٌّ على أنه لا إِعادة عليه، وأما على قوله: إِن قرب أعاد، فينبغي أن يبتدئ ويلغي ما مضى.
الثانية: أن يطوف 415 ماشيًا، فإِن طاف محمولًا أو راكبًا لعذر أجزأه وإِلا أعاد الطواف إِلا أن يكون رجع إِلى بلده فليهرق دمًا.
الثالثة: الدعاء، وليس بمحدود 416، وقد تقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين 417 = في تارك الخبب: إِنه يعيد طوافه، وإِن فات أهدى، وقال عبد الملك: لا يعيد الرمل وعليه دم.
وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن ذلك خفيف ولا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 338
الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 418. وكان عبد الرحمن بن عوف 419 - رضي الله عنه - يقول في الطواف: ربّ قني شح نفسي 420. وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
الجزء: 1 - الصفحة: 339
قال سنَد: ويُستحب إِذا فرغ من طوافه أن يقف بالملتزَم للدعاء ويعتنق ويلح بالدعاء.
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يضع صدره ووجهه وذراعيه وكتفيه على الحائط ويبسطهما ثم يقول: هكذا رأيته - صلى الله عليه وسلم - يفعل 421.
فائدة:
وقال الحسن بن أبي الحسن 422: يستحب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعًا: عند الملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام 423، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي جمع وهو المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات، وعند الصفا، وعند المروة، وفي زمزم وفي السعي، وعند المشعر 424. انتهى.
ويستحب أيضًا عند الحلاق.
والملتزم: يسمى الحَطِيم، لأنه يدعى فيه على الظالم فيحطم.
الجزء: 1 - الصفحة: 340
الرابعة: استلام 425 الحجر الأسود بفيه في أول كل شوط لمن قدر عليه، فإِن لم يقدر وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل.
وجمهورهم على أنه يقبل يده، إِلا مالكًا في أحد قوليه، والرواية 426 الأخرى عنه أنه يقبل يده 427 فإِن لم يقدر بيده لمسه بعود ووضعه على فيه 428، وفي تقبيله روايتان 429، فإِن لم يقدر قام بحذائه وكبّر ومضى 430 ولا يشير إِليه بيده، ويضعها على فيه، فإِن لم يفعل فلا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 341
ولا يسجد عليه عند مالك، قال: وهو بدعة 431.
وجمهورهم على جواز فعل ذلك 432.
قال ابن حبيب: وما أرى كراهة مالك للسجود إِلا في الفتوى، ولا بأس به للرجل في خاصة نفسه 433.
ولا يقبل الركن اليماني ولكن يستلمه باليد 434.
واختلف عنه في تقبيل اليد.
وليس ذلك بلازم للنساء عند جميعهم.
فرع: وإِذا فرغ من الطواف فأراد الركوع، فليس عليه أن يعودَ إِلى الاستلام، فإِذا ركع وأراد الخروج إِلى السعي عاد فاستلم، فإِن طاف بعد ذلك تطوعًا ابتدأ بالاستلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 342
فرع: وليس عليه أن يستلم الركن في ابتداء طوافه، إِلا في طوافه 435 الواجب، إِلا أن يشاء *.
مسألة:
قال ابن وضاح 436: واستلام الحجر الأسود بغير صوت، وإِنما يكون بالصوت في قبلة الشهوة.
قال أبو عمران: وهذا تضييق، ومن قبّل مصحفًا أو خبزًا أو رأس عالم، هل يقال له هذا 437؟ وإنما هو صوت يتولَّدُ 438 مع التقاء الأعضاء 439.
الجزء: 1 - الصفحة: 343
فكأنه يقول: ذلك واسع صوّت في استلامه أم لا؟
مسألة: ولا تستلم الركنين اللذين يليان الحجر ولا يقبلان 440، ولا يكبر إِذا حاذاهما لأنهما ليس بركني البيت، بل هما بعض الجدار.
مسألة:
وأما استلام الركن لغير طوافٍ فلا بأس به، وليس من شأنِ الناس، ومن سُنن 441 استلام الركن: الطهارة.
قال مالك: ولا يستلم الركنَ إِلا طاهرًا.
مسألة: ولا يستلم الركن اليماني عند الخروج، ولكن يستلم الحجر الأسود، ولا يزيد على التكبير عند استلام الحجر والركن اليماني، في قول مالك - رحمه الله -.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
وعن مالك في "المجموعة": إِذا استقبل الركن 442 حمد الله وكبر 443.
قال ابن الحاج: وليزاحم على الحجر الأسود ما لم يكن أذى.
ومكروهات الطواف الإحدى عشرة:
السجود على الركن، واستلام الركنين اللذين يليان الحجر، وقراءة القرآن 444 وكثرة الكلام فيه، وإنشاد الشعر 445، وشرب الماء لغير (المضطر والبيع والشراء) 446 مختلطًا بالنساء 447، وتغطية (الرجل فمه وطواف) 448 المرأة متنقبة، والركوب لغير عذر.
وفي بعضها خلاف، من ابن راشد 449.
الجزء: 1 - الصفحة: 345
وزاد غيره الحسر عن المنكبين، والطواف عن صبي قبل أن يطوف عن نفسه.
الركن الثالث: السعي
:
وهو (من الواجبات التي) 450 لا تنجبر بالدم عند مالك - رحمه الله تعالى -.
وصفة الخروج إِلى السعى أن يسلّم من ركعتي الطواف ثم يستلم الحجر الأسود، (ثم يخرج إِلى السعي) (1).
ولم يحدد مالك لمن أراد الخروج إِلى الصفا بابًا يخرج منه، غير أن باب الصفا أقرب إِلى الخروج إِليه 451. = وهو محمد بن عبد الله بن راشد البكري نسبًا القفصي بلدًا، نزيل تونس، أبو عبد الله المالكي، له رحلة مشرقية وحج سنة 680، وولي قضاء قفصة.
من تآليفه الشهاب الثاقب في شرح مختصر ابن الحاجب، والفائق في الأحكام والوثائق.
ت 736 بتونس.
وقد حققنا من كتبه "المذهَب في ضبط مسائل المذهب".
(الأعلام: 7/ 111، إِيضاح المكنون: 2/ 399، تاريخ الدولتين: 60، تراجم المؤلفين التونسيين: 2/ 329 رقم 193، درة الحجال: 2/ 112 رقم 558، الديباج: 2/ 328، كحالة: 10/ 213، نيل الابتهاج: 235، وفيات ابن قنفذ: 346).
الجزء: 1 - الصفحة: 346
وقد استحب الدخول إِلى مكة من كَدَاء الثنية 452 ودخول المسجد من باب بني شيبة 453، والخروج من مكة من كُدًى 454؛ لأنه أسمح ولم يقل ذلك في الخروج من باب الصفا للسعي لكونه أسمح.
وله شروط:
الأول: الترتيب، وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف، فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى، انظر الموطأ 455.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
فلو طاف ولم يخرج للسعي حتى طاف سبعًا أو سُبُعَيْن تطوعًا، فأحبُّ إِلي أن يعيدَ الطواف ثم يَسعى، وإن لم يعد رجوتُ أن يكونَ في سعةٍ.
قال الباجي: ومن طاف فلا ينصرفُ إِلى بيته حتى يسعى إِلا من ضرورة يخاف فواتها، كخوفه على منزله أو كالحقن 456.
ويبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يبدو له البيت، وإن لم يصعد فلا شيء عليه.
ولا يجب إِلصاق العَقِبَين بالصفا على المذهب *، بل مبلغه من غير تحديد، وهذا إِذا لم يصعد.
قال ابن المعلى عن بعض أهل المذهب: والاحتياط أن يصعد؛ للخروج من الخلاف.
قال: واشترط بعض العلماء أن يلصق عقبيه بالصفا، ويلصق أصابع رجليه بالمروة 457. = قال: ليرجع فليطف بالبيت، ثم ليسع بين الصفا والمروة، وإن جهل ذلك حتى يخرج من مكة ويستبعد، فإِنه يرجع إِلى مكة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة".
(كتاب الحج، جامع السعي، من الموطإِ)، (تنوير الحوالك: 1/ 268، الزرقاني على الموطإِ: 2/ 318).
الجزء: 1 - الصفحة: 348
وقال بعض أصحابنا: يجب أن يرقى بقدر قامةٍ.
والصحيح: أنه لا يجب.
وقصدهم استيعاب ما بين الصفا والمروة 458.
تنبيه: قال الشيخ محب الدين الطبري 459 الشافعي - إِمام المقام بمكة، وكان من الأئمة المقتدى بهم وتصانيفه دالّة على تمكنه في العلم وسعة اطلاعه - في منسكه: والمقصود باشتراط الرقي عند من يشترطه ليس إِلا طلبَ حصول استيعاب ما بين الصفا والمروة، وذلك يحصل بغير رقي، فمن دخل بنفسه أو بدايته تحت العقد المشرف على المروة فقد استوعب ما بينهما، وكذا من وقف بنفسه أو بدابته على الأرض ملاصقًا لسفل ما ظهر من الدرج أو قريبًا
الجزء: 1 - الصفحة: 349
من ذلك يصدق عليه أنه راق على الصفا؛ لأن اليوم بعض درج الصفا، وهي خمس أو ست منها، قد اندفن 460 في التراب وربت عليهن الأرض، فلا حاجة إِلى اشتراط الرقي 461.
قال: ثم إِنه لا خلاف عندنا في جواز السعي راكبًا، والراكب يتعذر عليه الرقي بمركوبه، لا سيما المحايز 462 والمحامل وشبهها، وتكليفه النزول عن مركوبه كلما وصل إِلى الصفا والمروة لأجل الرقي 463 مشقة شديدة، وقد أجمع الناس على خلافها.
انتهى.
وهو إِمام عظيم يُرجع إِليه في صحة النقل، وما ذكره من دفن درج الصفا صحيح؛ لأن أصحابنا قالوا: يرقى على الصفا حتى يبدو له البيت، والبيت في زماننا يظهر للواقف على الأرض من غير رقي، وارتفاع الأرض ظاهر فاعلمه.
الجزء: 1 - الصفحة: 350
فإِذا رقى على الصفا قام مستقبل البيت وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 464 الآية، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - 465.
وفي الموطإِ 466 عن جابر بنُ عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إِذا وقف على الصفا يكبر ثلاثًا ويقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
لا إِله إِلا الله أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".
يفعل ذلك ثلاث مرات ويدعو.
واستحسن بعضُهُم أن يقول: الله أكبر، الله أكبر 467 ولله الحمد، الله أكبر على ما هدَانَا، والحمد لله على ما أولانا، لا إِله إِلا الله وحده لا شريك
الجزء: 1 - الصفحة: 351
له، له الملك، وله الحمد، يُحْيِي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير 468، لا إِله إِلا الله، ولا نعبد إِلا إِياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون 469.
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: اللهم إِنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 470 وإِنك لا تخلف الميعاد، وإِني أسألك كما هديتني للإِسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم 471 *.
ثم تدعو بما أحببت، ولا تلبِّي، ولا تدع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن حبيب: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، ثم تقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ثم تدعو بما استطعت، ثم تعيد التكبير والتهليل، ثم تدعو، تفعل ذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 352
سبع مرات، فتكون إِحدى وعشرين تكبيرة وسبع تهليلات 472. وتدعو بين ذلك، ثم تفعل على المروة كما فعلت على الصفا، هكذا تفعل في كل وقفة حتى تتم سبعة أشواط فتصير أربع وقفات على الصفا، وأربع على المروة.
مسألة: وتقف النساء أيضًا على الصفا إِلا من بها علّة أو ضعف، وليس عليهن أن يصعدن إِلى أعلاه إِلا أن يخلو فيصعدن 473 وذلك أفضل 474 لهن 475.
مسألة: والسنة: القيامُ على الصَّفَا والمروة، ولا يجلس إِلا من عذر، وإِن جلس في أعلا الصفا فلا شيء عليه.
فرع: قال ابن حبيب: وإن زوحمت على الارتقاء على الصفا إِلى حيث ترى البيت فلا حرج إِن شاء الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 353
فرع
:
وهل يرفع يديه في الدعاء (1) هناك؟ هُنالك قولان، وبالرفع قال ابن حبيب.
قال: يرفعهما إِلى حذو المنكبين وظهورهما إِلى السماء وبطونهما إِلى الأرض (2).
الشرط الثاني: الموالاة
:
فإِن جلس بين ظهراني سعيه 478 جلوسًا خفيفًا، فلا شيء عليه.
وإِن تطاول ذلك حتى صار كالتارك لما كان فيه ابتدأ 479.
قال أَبو محمد بنُ أبي زيد 480: يريد أن يبتدئ الطواف476477
الجزء: 1 - الصفحة: 354
والسعي (1). قال ابن القاسم: وكذلك إِن تحدث مع أحد، أو باع أو اشترى أو صلَّى على جنازة: فيبني فيما خف من ذلك (2) ولم يتطاول، بخلاف الطواف، وإِن كثر ذلك ابتدأ سعيه، قاله ابن حبيب.
فرع
:
وإِن أقيمت عليه الصلاة في السعي فليتماد، إِلا أن يضيق وقت تلك الصلاة، فليصل ثم يبني على ما مضى له، وإِن أصابه حقْنٌ في سعيه توضأ ولا يستأنف 483 بخلاف الطواف، وكذلك لو رعف غسل الدم وبنى.481482 = النوادر والزيادات، والرسالة الفقهية، وتهذيب العتبية، ومختصر المدونة، والمناسك.
ولد بالقيروان سنة 310 على الراجح وبها نشأ وتوفي 386. (الأعلام: 4/ 230، تراجم المؤلفين التونسيين: 2/ 443 رقم 228، شذرات الذهب: 3/ 131، طبقات الفقهاء للشيرازي: 160، عنوان الأريب: 1/ 34، الفكر السامي: 3/ 120، مرآة الجنان: 2/ 441، مقدمتنا لكتاب الجامع في السنن لابن أبي زيد: 15 وما بعدها، هدية العارفين: 1/ 447، وفيات ابن القنفذ: 33).
الجزء: 1 - الصفحة: 355
فرع
:
وأما الجلوس لغير علّة فممنوع، فإِن فعل وكان شيئًا خفيفًا فلا شيء عليه وبئس ما صنع.
وإِن طال استأنف، فإِن لم يستأنف وأتم سعيه على ما تقدم منه، فقال أشهب: لا شيء عليه.
ووجهه: أن اتصاله ليس بشرط في صحته، وإِنما هو من فضائله.
الشرط الثالث: إكمال العدد
:
فإِن ترك شوطًا منه في حجة (1) أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده (2).
ومن ترك من السعي ذراعًا لم يُجزِه.
ومن ابتدأ بالمروة ألغي ذلك الشوط وزاد شوطًا، ليكون باديًا بالصفا *.
الشرط الرابع: أن يتقدمه طوافٌ صحيحٌ
486.484485
الجزء: 1 - الصفحة: 356
ويسعى الحاج عقيب طواف القدوم، فإِن كان مراهقًا فعقيب طواف الإِفاضة.
وإِن أخَّره غير المراهق حتى فعله عقيب طواف الإِفاضة لزمه الدم عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب (1).
ولو أخّره حتى فعله عقيب طواف الوداع أجزأه عند مالك؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
فرع
:
ولو دخل مكة فطاف ولم ينو الفرض فلا أحب له أن يسعى إِلا بعد طواف ينوي به الفرض.
وقد تقدم أن مالكًا - رحمه الله - أطلق على طواف القدوم أنه واجب، ومعناه وجوب السنن المؤكدة.
وأما سننه فخمس:
الأولى: اتصاله بالطواف
488 إِلا الشيء اليسير، وله أن يطوف بعد الصبح487
الجزء: 1 - الصفحة: 357
ويسعى بعد طلوع الشمس، وكذلك بعد العصر، فإِن طاف ليلًا وأخّر السعي حتى أصبح أجزأه إِذا كان بوضوء واحد، وإِلا أعاد الطواف والسعي والحلاق، فإِن خرج من مكة أهدى وأجزأه (1).
الثانية: الطهارة
:
قال الحفيد 490 في "البداية": اتفقوا على أن من شروطه الطهارة من الحيض كما في الطواف.
وما قاله الحفيد مخالف لنصوص المذهب 491.
ولا خلاف بينهم أن الطهارة من الحدث ليست من شرطه إِلا الحسَن، فإِنه اشترطها 492.489
الجزء: 1 - الصفحة: 358
فإِن احتاج إِلى قضاء الحاجة وهو يسعى قطع وقضى حاجته وبنى، قاله مالك، يريد: ويستحب له أن يجدّد الوضوء (1).
قال مالك: وإِن انتقض وضوؤه في السعي أو ذكر أنه على غير وضوء فأحب إِليّ أن يقطع ويتوضأ ويبني، وإِن أتمه على غير وضوء أجزأه.
قال مالك: ولا أحب لأحد أن يفعله، من مختصر الواضحة (2).
الثالثة: المشي
:
قال مالك: ولا يسعى أحد بين الصفا والمروة راكبًا إِلا من عذر، ونهى عن ذلك أشد النهي 495.
قال عنه ابن المواز: وإن ركب من غير عذر أعاد سعيه إِن كان قريبًا، وإِن بعد ذلك وطال أجزأه وأهدى 496.493494 = - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة: افعلي كل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تسعي بن الصفا والمروة.
انفرد بهذه الزيادة يحيى عن مالك دون من روى عنه هذا الحديث، ولا خلاف بينهم أن الطهارة ليست من شرطه إِلا الحسن فإِنه شبهه بالطواف".
(بداية المجتهد: 1/ 275).
الجزء: 1 - الصفحة: 359
الرابعة: أن يتقدمه طواف واجب
(1).
الخامسة: الرَّمَل:
والرَّمَل في السبعة الأشواط (2) كلها في بطن المسيل خاصة، وهو ما بين الميلين الأخضرين (3).
وفي مناسك التادلي مما نقله من كتاب التدريب (4) لابن القاسم الحريري (5) ما نصه: ويبدأ بالصفا ويختم المروة ثلاثة خببًا وأربعة مشيًا.
وهو نقل غريب.
فرع
: والرَّمل في السعي أشد من الرَّمل حول البيت، ولا رَمَلَ على النساء 502،497498499500501
الجزء: 1 - الصفحة: 360
ومن رمَل في جميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه، وقد أساء 503.
قال مالك: وإِن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه 504.
وفي كتاب أبي إِسحاق التونسي 505: الرَّمل في السعي واجب على من حج أو اعتمر من المواقيت أو من مكة أو من دون المواقيت.
وإِن ترك الرَّمل فقد اختلف في ذلك.
فقال مرة: لا شيء عليه من إِعادة ولا دم *.
وقال مرة 506: يعيد، فإِن طال، فلا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 361
فرع
: زاد ابن الحاجب في سنن السعي: تقبيل الحجر عند الخروج إِلى السعي والرقي في الصفا والدعاء (1). وغيرُه ذكره في الفضائل.
الركن الرابع: الوقوف بعرفة
فإِذا كان اليوم السابع من ذي الحجة وهو اليوم 510 المسمى يوم الزينة أتى الناس الذين وصلوا إِلى مكة وغيرهم وقت الظهر إِلى المسجد الحرام، ويخطب الإِمام بعد صلاة الظهر خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.
وهذه الخطبة هي الأولى من خُطبِ الحج 511 يذكر فيها فضل الحج ويعلم الناس فيها مناسكهم وما يصنعون من خروجهم إِلى مِنى يوم التروية 512،508
الجزء: 1 - الصفحة: 362
ويلبي في أثناء خطبته هذه، وحسن أن يفتتحها 513 بالتلبية، ولا يلبي في الخطبتين اللتين بعدها في يوم عرفة وفي ثاني يوم النحر، ولكنه يكبر فيهما، ويفتتحهما بالتكبير كسائر الخطب 514.
مسألة:
فإِذا زالت الشمس من يوم التروية فطف بالبيت سبعًا، واركع واخرج إِلى مِنى، فإِن خرجت قبل ذلك لا حرج.
وروى ابن المواز عن مالك: يخرج من مكة يوم التروية إِلى مِنى، قدر ما يصلون بها الظهر، فإِذا وصل إِلى منى صلى بها الصلوات لوقتها قصرًا 515 ويبيت بها، إِلى أن يصبح، فيصلي بها الصبح، وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 516.
الجزء: 1 - الصفحة: 363
وسيأتي وقت السير منها إِلى عرفة قريبًا.
فرع:
وكره مالك المقام بمكة يوم التروية حتى يمسي إِلا من شغل أو يدركه وقت الجمعة قبل أن يخرج إِلى منى، فإِنه يصلي الجمعة قبل أن يخرج.
وقال في موضع آخر: من 517 أقام بها أربعة أيام فهؤلاء عليهم حضور الجمعة 518.
قال أصبغ 519: فأما المسافر فإِن شاء خرج وإِن شاء حضرها، وأحبُّ إِليّ أن = بشيء عقلته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمِنى" أخرجه البخاري.
(الصحيح: 2/ 173) كتاب الحج، باب أين يصلي الظهر يوم التروية.
الجزء: 1 - الصفحة: 364
يصليها لفضيلة المسجد الحرام.
وقال محمد: وأحب إِليّ خروجُه إِلى مِنى ليصلِّي بها الظهر 520.
وإِنما تكلم مالك على من غفل حتى أخذه الوقت.
وفي مَنْسَكِ ابنِ الحاج، قال مالك: وإذا 521 كان يوم التروية يوم الجمعة فليصلِّ 522 الإِمام بمِنى ركعتين بغير خطبة ويسرّ القراءة.
فرع:
وكره مالك أن يتقدم الناس إِلى مِنى قبل يوم التروية 523، وإلى عرفة قبل يوم عرفة.
واختلف في تقديم الأثقال.
فكره مالك ذلك حماية أن يتقدم الناس بأنفسهم؛ ولأنه لا بد أن يكون معها من يصونها.
وأجازه أشهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 365
مسألة: ثم يغدو الإِمام والناس إِلى عرفة بعد طلوع الشمس، ومن غدا قبل ذلك فلا شيء عليه، ولا يجاوز بطنَ مُحَسِّر حتى تطلع الشمس على ثبير 524؛ وهو جبل بمِنى؛ لأن ما قبل محسر 525 في حكم مِنى، وتقول في مسيرك إِلى عرفة: اللهمّ إِليك توجهت ووجهك الكريم أردت، ونحوك قصدت، وما عندك طلبت، وإِياك رجوت، وبك وثقت، أسألك أن تبارك لي في سفري، وأن تغفر لي ذنوبي، وأن تقضي حوائجي، وأن تجعلني ممَّنْ تُباهِي به من هُوَ أفضلُ مني *، إِنك على كل شيء قدير، اللهمّ اجعلْ ذنبي مغفورًا، وحجّي مبرورًا، وارحمني ولا تخيبني، إِنك على كل شيء قدير 526. وتلبي وتقرأ القرآن وتكثر من سائر الأذكار والدعوات وتكثر من قوله عزّ وجلّ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 527.
الجزء: 1 - الصفحة: 366
فرع: وكره مالك أن يمر إِلى عرفة من غير طريق المأزمين 528 فإِن فعل فلا شيء عليه 529، والاختيار لذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه 530 وسلم، وليس ذلك من المناسك، ذكره ابن زرقون 531 في شرح الموطإِ، وإِنما يذكر أهل المذهب ذلك في الدفع من عرفات ولم أره لغيره فانظره.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
فرع: وفي الذخيرة قال مالك: ويُستَحب الذهاب راكبًا 532 لفعله - صلى الله عليه وسلم - 533
مسألة: فإِذا وصل الإِمام إِلى عرفة فلينزل بنَمِرة 534 وهو الموضع الذي يُقال له: الأراك 535 وهو أفضل منازل عرفة، وفيه نزل رسول
الجزء: 1 - الصفحة: 368
الله - صلى الله عليه وسلم - 536.
وينزل الناسُ حيث شاؤُوا من عرَفَة، وما قرب من مواضع منافعهم وكان أخف وأسهل.
فإِذا قرب الزوال، فيُستحب 537 أن تغتسل كغسلك عند دخول مكة، وكذلك تفعل المرأة وإِن كانت حائضًا أو نفساء.
فإِذا زالت الشمس رُحْتَ مع الناس إِلى مسجد عرفة غير ملب على المشهور 538 ثم صليت مع الإِمام الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بأذان وإِقامة لكل صلاة 539. = ونقل نصوصًا ونظمًا متعلقا به.
وانظر (ملء العيبة: 5/ 89 - 91، اللسان: الل، الصحاح: 4/ 1672، النهاية: 1/ 62، معالم مكة: 31).
الجزء: 1 - الصفحة: 369
وسنة خطبة عرفة قبل الصلاة، ويبدأ بالخطبة إِذا زالت الشمس 540.
قال ابن حبيب: أو قبل الزوال بيسير قدر ما يفرغ من الخطبة وقد زالت الشمس، فإِن عجزت فصلها في رحلك جمعًا وقصرًا بإِقامة لكل صلاة، ومع الإِمام أفضل.
قال ابن حبيب: ولا أحب لأحد أن يترك جمع الصلاتين بعرفة مع الإِمام، فإِن صليت وحدك فلا تتنفل بينهما، فإِذا سلّم الإِمام من صلاة العصر وكنت معه أو وحدك، فاذهب مع الإِمام إِلى موقف عرفات وهي جبال الرحمة.
وعرفة كلها وجبالها وسهلها وطرقها كلها موقف، وليس لموضع منها فضل على غيره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَرَفة كلُّهَا مَوْقِفٌ" 541.
وإِن وقفت عند الصخرات من سفح 542 الجبل حيث يقف الإِمام فهو أفضل 543؛ لأنه موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - 544 [في جبال] عرفة، ولكنى مع الناس، ولم
الجزء: 1 - الصفحة: 370
يصب من وقف بمسجد عرفة 545.
وقال أصبغ: لا يجزئ الوقوف فيه 546.
واتفقوا أنه لا يجزئ الوقوف ببطن عُرَنَة 547. (الصحيح: 1/ 890 كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، رقم 147). والصخرات: مفترشات في أسفل جبل الرحمة الواقع بوسط أرض عرفات.
(تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم: 1/ 890).
الجزء: 1 - الصفحة: 371
وتأخذ في التهليل والتكبير في مسيرك إِلى الموقف 548.
فرع: فإِذا وقفت فاستقبل البيت راكبًا كنت أو ماشيًا ولا تقف على الأرض إِلا أن تكون بك علة تمنعك الركوب * أو تكون بدابّتك علة فلا بأس بذلك 549. قال مالك: الوقوف على ظهور الدواب سنة، والوقوف على الأرض رخصة 550. ووقوفك طاهرًا متوضئًا أفضل 551، وإِن كنت جُنُبًا من احتلام أو على غير وضوء فقد أسأت ولا شيء عليك 552، ولا تجلسْ إِلا لكلالٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 372
فصل
وليكن وقوفك بسكينة ووقار، وأكثر من الدعاء لوالديك وأقاربك ومشائخك وأصحابك وأصدقائك وسائر من أحسن إِليك وجميع المسلمين، وأخلص التوبة واترك الإِصرار، وأكثر من الاستغفار والزم الندمَ على سالف الذنوب، والتزم 553 الإِقلاع عنها والعزم على أن لا تعود إِليها، والاستعانة بالله تعالى على ذلك، واجتهد في ذلك الزمن في الذكر والدعاء والابتهال، فهو أفضل أيام السنة للدعاء، وهو معظم الحج ومقصوده والمعول عليه، فينبغي أن تستفرغ جهدك في ذلك واحذر كل الحذر من التقصير في ذلك كله، فإِن ذلك اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره، ويكون للمسلمين من دعائك نصيب وافر، فإِن ذلك يزيدك ولا ينقصك، ولا تتكلف السجع في الدعاء، فإِنه يذهب الانكسار والخضوع والافتقار والمسكنة والذلة والخشوع، إِلا أن يَدعُوَ بدعوات محفوظة له أو لغيره مسجوعة لا يشغل قلبه بترتيبها.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إِذا دعا أحدكم فليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإِن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مقبولة، والله تعالى أكرم من أن يقبل 554 بعض دعائك ويرد بعضه 555.
الجزء: 1 - الصفحة: 373
وهذه أدعية القرآن الكريم، والبداية بها أحسن:
ويبدأ بالفاتحة لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ 556، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ 557، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 558، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 559، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 560، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ = الصلاة على رسول الله، وكذلك يختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة معروفة.
وقد أورد منها حديثًا أخرجه الترمذي: وقال: حسن صحيح وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه سبحانه والثناء عليه ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يدعو بما شاء".
(الأذكار: 108).
الجزء: 1 - الصفحة: 374
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} 561، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا * ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 562، ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ 563، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ 564، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 565، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ 566، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ 567 فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ 568، {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ
الجزء: 1 - الصفحة: 375
لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 569، ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالمِينَ﴾ 570، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَنَا مُسْلِمِينَ﴾ 571، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ 572، ﴿عَلَى اللهِ تَوَكلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالمينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 573، ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالْصَّالحِينَ﴾ 574، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ 575، ﴿وَقُل رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ 576، ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ 577، {رَبِّ لَا تَذَرْنِي
الجزء: 1 - الصفحة: 376
فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} 578، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ 579، ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ 580، ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ 581 الظَّالمِينَ﴾ 582، ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ 583، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ 584، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ 585، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالحِينَ (83) وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ 586، {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
الجزء: 1 - الصفحة: 377
تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالحينَ} 587، ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ 588، ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ 589، ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ 590، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِح لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ * 591، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ 592، ﴿رَّبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 593، ﴿رَبَّنَا أَتْمِم لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 594، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمِنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ 595، {قُل أَعَوْذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرَّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ
الجزء: 1 - الصفحة: 378
غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} 596، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ 597 إِلَهِ النَّاسِ 598 مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ 599 الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ 600 مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (2)، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأفْضَلُ مَا قُلْتُ أنَا وَالنَّبِيِوُّنَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحيِي وَيمِيتُ (3) وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ" (4).
فيستحب الإِكثار من ذلك.
وفي الترمذي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة في الموقف: اللَّهمّ لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول، اللهمّ لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإِليك مآبي، ولك يا ربّ (5) تراثي، اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر 601 وشتات الأمر، اللهمّ
الجزء: 1 - الصفحة: 379
إِني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح 602. اللهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهمّ إِني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإِنه لا يغفر الذنوب إِلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إِنك أنت الغفور الرحيم، اللهمّ اغفر لي مغفرة تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين، وتب عليّ توبة نصوحًا لا أنكثها أبدًا، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبدًا، اللهمّ انقلني من ذل المعصية إِلى عز الطاعة وأغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، اللهمّ نوّر قلبي وقبري وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله 603. اللهم إِني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إِثم، ربِّ 604 أسألك أن لا تدع لي ذنبًا إِلا غفرته، ولا همًّا إِلا فرجته، ولا دينا إِلا قضيته ولا مرضًا إِلا شفيته ولا مريضًا إِلا عافيته 605، ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 380
عدوًّا إِلا كفيته، ولا عيبًا إِلا سترته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى إِلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين *، اللهم اجعل في سمعي نورًا وفي بصري نورًا، اللهمّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهمّ إِني أعوذ بك من شرّ ما يلج بالليل وشر ما يلج بالنهار، وشرّ ما تهب به الريح 606 وشرّ بوائق الدّهر 607، اللهمّ اجعلها حجة لا رياء فيها ولا سمعة، اللهمّ صلّ على سيّدنا 608 محمّد وعلى آل محمد كما صلّيت على إِبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم 609 في العالمين إِنّك حميد مجيد، اللهم اجعلنا ممن صدقه بتوفيقك، واتبعه بإِرشادك وتسديدك، وأمتنا على ملته بنعمتك، واحشرنا في زمرته برحمتك، اللهمّ بنورك اهتدينا وبفضلك استغنينا وفي كنفك أصبحنا وأمسينا، أنت الأول فلا شيء قبلك، أنت الآخر فلا شيء بعدك، نعوذ بك من الفشل
الجزء: 1 - الصفحة: 381
وآلائك، وأن تجعل لنا نورًا في حياتنا، ونورًا في مماتنا، ونورًا في قبورنا، ونورًا في حشرنا، ونورًا نتوسّل به إِليك * ونورًا نفوز به لديك، فإِنّنا ببابك سائلون، ولنوالك متعرضون ولأفضالك راجون، اللهمّ اهدنا إِلى الحق.
واجعلنا من أهله، وانصرنا به، اللهمّ اجعل شغل قلوبنا بذكر عظمتك، وفراغ أبداننا في شكر نعمتك، وأنطق ألسنتنا بوصف منتك، وقنا نوائب الزّمان وصولة السلطان، ووساوس الشيطان، واكفنا مؤنة الاكتساب، وارزقنا بغير حساب، اللهمّ اختم بالخير آجالنا، وحقق بفضلك آمالنا، وسهّل في بلوغ رضاك سبيلنا، وحسن في جميع الأحوال أعمالنا، اللهمّ اغفر لنا ولآبائنا كما ربّونا صغارًا، واغفر لهم ما ضيعوا من حقك، واغفر لنا ما ضيّعنا من حقِّك وحقوقهم، واغفر لخاصتنا وعامتنا، وللمسلمين والمسلمات، فإِنك جواد بالخيرات، يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى يا شاهد كل نجوى، يا منتهى كل شكوى، يا من يسمع ويرى 610، يا حسن العطايا، يا قديم الإِحسان، يا دائم المعروف، يا من لا غِنى لشيء عنه، ولا بد لكل شيء منه، يا من رزق كل شيء عليه ومصير كل شيء إِليه، إِليك ارتفعت أيدي السائلين، وامتدَّتْ أعناق العابدين، نسألك اللهمّ أن تجعلنا في كنفك، وجوارك وحرزك وعياذك، وسترك، وأمانك، اللهمّ إِنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك 611 واقسم لنا من فضلك ما تعصمنا
الجزء: 1 - الصفحة: 382
والكسل، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى والفقر، اللهمّ نبهنا لذكرك في أوقات الغفلة 612 واستعملنا في طاعتك 613 في أيام المهلة، واسلك بنا إِلى جنّتك طريقًا سهلة، اللهمّ اجعلنا ممن آمن بك فهديته، وتوكّل عليك فكفيته وسألك فأعطيته، وتضرع إِليك فرحمته، نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إِثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النّار، اللهمّ يا عالم الخفيات، يا سامع الأصوات، يا باعث الأموات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا خالق الأرض والسماوات، أنت الذي لا إِله إِلَّا أنت الواحد الذي لا يبخل، والحليم الذي لا يُعجّلُ، لا رادّ لأمرك ولا معقّب لحكمك ربّ كل شيء، وخالق كل شيء، ومالك كل شيء، ومقدر كل شيء، أسألك اللهمّ أن ترزقني علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعملًا زاكيًا، وإِيمانًا خالصًا، وهب لنا إِنابة المخلصين، وخضوع المخبتين، وأعمال الصالحين، ويقين الصادقين، وسعادة المتقين، ودرجات الفائزين، يا أفضلَ من قُصد، وأكرمَ من سُئل، وأحلمَ من عُصي، ما أحلمك على من عصاك، وأقربك ممن دعاك، وأعطفك على من سألك، لك الخلق والأمر، إِن أطعناك فبفضلك، وإِن عصيناك فبعلمك، لا مهتدي إِلا من هديت، ولا ضال إِلا من أضللت، ولا غني إِلا من أغنيتَ، ولا فقير إِلا من أفقرت، ولا معصوم إِلا من عصمت، ولا مستور إِلا من سترت، نسألك 614 أن تهب لنا جزيل عطائك، والسعادة بلقائك، والفوز بجوارك، والمزيد من نِعَمك
الجزء: 1 - الصفحة: 383
به من فتنة الدنيا وتغنينا به عن أهلها، واجعل في قلوبنا من السلوّ عنها والمقت لها والبصر بعيوبها مثل ما جعلت في قلوب من فارقها زهدًا فيها ورغبة عنها من أولئك المخلصين المعصومين، يا أرحم الراحمين، اللهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إِلا غفرته، ولا عيبًا إِلا سترته، ولا همًّا إِلا فرجته، ولا كربًا إِلا كشفته، ولا دينًا إِلا قضيته، ولا عدوًّا إِلا كفيته، ولا فسادًا إِلا أصلحته، ولا مريضًا إِلا عافيته، ولا غائبًا إِلا أدنيته 615، ولا خُلةً إِلا سددتها، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضى ولنا فيها صلاح إِلا قضيتها فإِنك تهدي السبيل، وتجبر الكسير، وتغني الفقير، اللهم ما كان منا من تقصير فاجبره بسعة عفوك، وتجاوز عنه بفضلك ورحمتك، واقبل منّا ما كان صالحًا، وأصلح منّا ما كان فاسدًا، فإِنه لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا مقدم لما أخّرت، ولا مؤخرًا لما قدمت، ولا مضل لمن هديت، ولا مذل لمن واليت، ولا ناصر لمن عاديت، ولا ملجأ ولا منجى منك إِلا إِليك، قولك حق، ووعدك حق، وحكمك عدل، وقضاؤك فصل، ذلّ كل شيء لعزتك، وتواضع كل شيء لعظمتك * لا يحول دونك شيء، ولا يعجزك شيء، إِليك نشكو قساوة قلوبنا، وجمود أعيننا، وطول آمالنا مع اقتراب آجالنا وكثرة ذنوبنا، فنعم المشكو إِليه أنت، فارحم ضعفنا، وأعطنا لمسكنتنا، ولا تحرمنا لقلة شكرنا، فما لنا إِليك شافع أرجى في أنفسنا منك، فارحم تضرّعنا، واجعل خوفنا كلّه منك، ورجاءنا كله فيك، وتوكّلنا كله عليك، يا من علمه بنا محيط، وقضاؤه فينا سابق، أعذنا من وجوب سخطك، ونزول نقمتك، وزوال نعمتك، فإِنه لا طاقة لنا بالجهد، ولا صبر لنا على البلاء،
الجزء: 1 - الصفحة: 384
اللهمّ إِنّا نسألك النجاة يوم الحساب، والمغفرة والرحمة يوم العذاب، والرضى يوم الثواب، والنّور يوم الظلمة، والري يوم العطش، والفرج يوم الكرب، وقرة عين لا تنفد، ومصاحبة نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، اللهمّ إِنه لا بد لنا من لقائك، فاجعل عند ذلك عذرنا مقبولًا، وذنبنا مغفورًا، وعملنا موفورًا، وسعينا مشكورًا، اللهمّ أصبح ذلي مستجيرًا بعزّك، وفقري مستجيرًا بغناك 616، وخوفي مستجيرًا بحلمك، وأصبح وجهي الفاني مستجيرًا بوجهك الكريم الباقي الدائم 617. اللهمّ إِني أصبحت لا يمنعني منك أحد إِن أردتني، ولا يعطيني أحد إِن حرمتني، إِلهي لا تحرمني لقلة شكري، ولا تخذلني لقلّة صبري، : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ 618 اللهمّ اجعل الموت خير غائب ننتظره، والقبر خير بيت نعمره، واجعل ما بعده خيرًا لنا منه 619، رب اغفر لي ولوالدي 620 ولآبائي ولإِخواني وأهل بيتي، وذريتي والمؤمنين، والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهمّ من مات منهم فاغفر له ذنبه ونوّر له قبره، وأنس وحشته، وأمّن روعته، وابعثه آمنًا من عقابك، وقنا بثوابك مع الذين
الجزء: 1 - الصفحة: 385
أنعمتَ عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، ومن بقي منا فاهده فيمن هديت، وعافه فيمن عافيت، وتولّه فيمن تولّيت، وبارك له فيما أعطيت، وقه برحمتك شرّ ما قضيت، فإِنك 621 تقضي ولا يقضى عليك، وحبب إِليه طاعتك، وارزقه العون على عبادتك، والحفظ بكفايتك، والعزّ بولايتك، اللهمّ إِنّا نسألك العصمة والرحمة والنعمة 622 ونعوذ بك من الفتنة والمحنة، اللهمّ ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إِلى النّور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا 623 في أسماعنا وأبصارنا، وأزواجنا وذرياتنا 624 واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، وأتمها علينا، اللهمّ اجعلنا هداة * في مهتدين، واجعلنا أهل بيت صالحين، وفقنا للدين، واجعلنا من أئمة المتقين يا ذا الفضل العظيم، اللهم إِني أعوذ بك من الكسل والهرم، والغرم والمأثم، اللهمّ إِني أعوذ بك من عذاب النّار، وفتنة القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، وشر فتنة المسيح الدجال، اللهمّ اغسل خطاياي بالماء والثلج والبَرَد، ونقّ قلبي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهمّ إِني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ
الجزء: 1 - الصفحة: 386
بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من ضَلَع الديْن 625، وقهر الرجال، اللهمّ فالق الإِصباح جاعل اللّيل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، اقض عنّي الدَّيْن، وأغنني من الفقر، ومتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك، اللهمّ يسّرني لفعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وإِذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إِليك غير مفتون، ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهمّ اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي وكل ذلك مني، اللهمّ فارج الهمّ، كاشف الغمّ، مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ربّي رحماني 626، فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك، اللهمّ إِنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي، اللهمّ إِني 627 أسألك إِيمانًا يباشر قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إِلا ما كتب الله لي، ورضني بقضائك وبما قسمت لي 628. اللهمّ أعنّي على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالطاعة، اللهمّ أغنني بالافتقار إِليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك، اللهمّ إِني لا أملك لنفسي نفع ما
الجزء: 1 - الصفحة: 387
أرجو، ولا أستطيع دفع ما أكره، وأصبح الخير كله بيدك، وأصبحت فقيرًا إِلى رحمتك، فلا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي 629، ولا تسلط علي بذنوبي من لا يرحمني، اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، اللهمّ إِني أسألك كلمة الإِخلاص في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك الرضا بالقدر، ونعيمًا لا ينفد، وقرّة عين لا تنقطع، ولذّة العيش بعد الموت، وشوقًا إِلى لقائك، ولذة النظر إِلى وجهك الكريم *، وأعوذ بك من ضرّاء مضرة ومن فتنة مضلة، اللهمّ زينّا بزينة الإِيمان، وألبسنا لباس التقوى، اللهمّ يا من لا تخفى عليه خافية اغفر لي ما خفي على الناس من خطيئتي، إِلهي سترت عليّ ذنوبًا في الدنيا أنا إِلى سترها يوم القيامة أحوج، إِلهي لا تظهر خطيئتي إِلى المخلوقين 630 ولا تفضحني بها على رؤوس العالمين، اللهمّ طهّر لساني من الكذب، وقلبي من النفاق، وعلمي من الرياء، وبصري من الخيانة، فإِنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إِليك هربت بأوزاري وذنوبي أحملها على ظهري عالمًا بأن لا منجى ولا ملجأ منك إِلا إِليك، فاغفر لي فإِنك أنت الغفور الرّحيم، اللهمّ إِنك خلقتني ورزقتني وأمرتني ونهيتني وخوفتني من عذاب ما نهيتني عنه،
الجزء: 1 - الصفحة: 388
ورغبتني في ثواب ما أمرتني به، وسلطت علي عدوًّا وأسكنته صدري وأجريته مجرى دمي، إِن هممت بفاحشة شجعني، وإِن هممت بصالحة بطأني، ولا ينساني إِن نسيت، ولا يغفل عني إِن غفلت، ينتصب لي عند الشهوات، ويتعرض لي عند الشبهات، لا يصرف عني كيده إِلا أنت، اللهمّ أقهر سلطانه علي بسلطانك عليه حتى تشغله عني فأكون من المعصومين فلا حول ولا قوة إِلا بك، اللهمّ رضني بقضائك، وأسعدني بقدرتك حتى لا أحب تأخير شيء عجلته، ولا تعجيل شيء أخّرته، ولا تهتك ستري، ولا تبد عورتي وأمِّن روعتي، واكفني شر عدوي، واقض ديني، وأنعم علي بفكاك رقبتي من النار، اللهمّ ارحم غربتي في الدنيا ومصرعي عند الموت ووحشتي في قبري ومقامي بين يديك، اللهمّ إِن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهمّ امح بقليل عفوك عظيم ذنوبي، اللهمّ فرغني لما خلقتني ولا تشغلني بما تكفلت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك، اللهمّ إِني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أذل في عزّك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهد 631 والأمر إِليك، اللهمّ إِنّا نحب طاعتك وإن قصرنا عنها، ونكره معصيتك وإِن ركبناها، اللهمّ إِنّا نعوذ بك من نزول سخطك، وزوال نعمتك، فإِنه لا طاقة لنا بالجهد ولا صبر لنا على البلاء، اللهمّ إِنك عفو تحب العفو ولولا العفو أحب الأشياء إِليك ما ابتليت بالذنب أحبَّ الخلق إِليك، فارحمنا واعفُ عنّا وأدخِلْنا الجنّة وإِن لم نكن من أهلها، وخلّصنا من النار وإِن كنا قد استوجبناها، اللهمّ إِني عليك قدمت وأنت
الجزء: 1 - الصفحة: 389
أقدمتني، وإِني إِليك جئت وأنت حملتني، أطعتك بأمرك فلك المنّة، وعصيتك بعلمك فلك الحجة، فبوجوب حجتك وانقطاع حجتي إِلا ما قبلتني ورددتني مغفورًا لي، ، اللهمّ إِن لك عندي حقوقًا فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني، وأنا ضيفك فاجعل قراي الجنّة، اللهمّ وسّع علينا في الدنيا، وزهدنا فيها، ولا تقترها علينا وترغبنا فيها * برحمتك يا أرحم الراحمين 632 [كامل] يَا مَن 633 يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ ... أنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا ... يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالْمَفْزَعُ يَا مَنْ خَزَائِنُ مُلْكِهِ فِي قَوْلِ (كُنْ) ... امْنُنْ فَإِنَّ الْخَيْرَ عِنْدَكَ أجْمَعُ مالِي سِوى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ ... وَبالاْفتِقَارِ 634 إِلَيْكَ فَقْرِي أدْفَعُ مَالِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ ... فَإِذَا رَدَدْتَ 635 فأيَّ بَابٍ أقْرَعُ
الجزء: 1 - الصفحة: 390
وَمَنِ الَّذِي أدْعُو وَأهْتِفُ بِاسْمِهِ ... إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ حَاشا لِفَضْلِكَ 636 أنْ يُقَنِّطَ عاصيًا ... الْفَضْلُ أجْزَلُ وَالْمَوَاهِبُ أوْسَعُ اللهمّ إِنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بِرّ، والسلامة من كل إِثم، وأسألك الفوز بالجنّة والنجاة من النار، اللهمّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إِليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في 637 كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شرّ، اللهمّ إِني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم لا تدع لي ذنبًا إِلا غفرته، ولا همًّا إِلا فرجته، ولا عيبًا إِلا سترته، ولا حاجة إِلا قضيتها، اللهمّ إِني أعوذ بك من كل عمل يخزيني، وأعوذ بك من كل صاحب يرديني، وأعوذ بك من كل أمل يلهيني، اللهمّ اجعلني من أعظم عبادك عندك حظًّا ونصيبًا في هذا اليوم وفيما بعده، من كل خير تقسمه، ونور تهدي به، ورحمة تنشرها، ورزق تبسطه، وضر تكشفه، وصبر تلبسه، وبلاء تدفعه، وفتنة تصرفها، اللهمّ إِني أسألك من الخير كلّه ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرّ كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهمّ إِني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شرّ ما استعاذك منه عبادك الصالحون، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيّنا ربّنا بالسلام وأدخلنا
الجزء: 1 - الصفحة: 391
دار السلام تباركت يا ذا الجلال والإِكرام، اللهمّ اغفر لنا وارحمنا وعافنا وارض عنّا 638 وتقبل منا، وأدْخِلنا الجنّة، ونجّنا من النار، وأصلح لنا شأننا كلّه، اللهم إِني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا وعملًا مُتقبَّلًا، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، ويا ذا النعم التي لا تحصى عددًا 639 اجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا، اللهمّ إِنك ندبتنا ورغبتنا في أن نعفو عمن ظلمنا، اللهمّ إِنّا ظلمنا أنفسنا فاعف عنّا، اللهمّ إِنّك أمرتنا بالرفق والإِحسان إِلى المساكين، اللهمّ إِنّا مساكينك، وقفنا ببابك فلا تردنا خائبين يا أرحم الراحمين *.
الجزء: 1 - الصفحة: 392
فصل
وللدعاء آداب يجب على العبد أن يستعملها حين دعائه، فإِن ذلك أرجى للإِجابة وأنجح للطلبة.
منها: تقديم التوبة من الذنوب 640 والاستغفار مما يذكر منها وما لا يذكر.
منها: إِخلاص العبد وإقباله على دعائه، فإِن الله عزّ وجلّ لا يسمع دعاء 641 من قلبه لاهٍ 642.
الجزء: 1 - الصفحة: 393
ومنها الإِخلاص لله تعالى، فإِن الله عزّ وجلّ لا يقبل من مُسمَع.
ومنها: أن يكون راغبًا، راهبًا، متذللًا، لقوله تعالى: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ 643، ولا يقنط من رحمة الله تعالى، وإِن تأخرت الإِجابة، فقد روي عن رسول الله أنه قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي" 644 وقال عليه السلام: "لقد بارك الله لرجل أكثر الدعاء في حاجة أعطيها أو منعها" 645.
نقلته من خط والدي، ولم يرفعه.
ومنها: أنه لا يرفع صوته بالدعاء جدًّا 646، لما روي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ فَإِنّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا" 647.
الجزء: 1 - الصفحة: 394
ومنها: أنه يقوي رجاءه في الله تعالى، وقد قال سفيان بن عيينة: لا يمنع أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإِن الله عز وجل قد أجاب شرّ الخلق وهو إِبليس لما قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ 648.
ومنها: أن يسأل غيره أن يدعو له، ويتمادى هو على الإِصرار وترك الدعاء، بل ينبغي له أن يساعد الداعي له بالإِخلاص في الإِنابة، وطلب الإِجابة له وللداعي له 649، فإِنه قد جاء في الآثار أن الله تعالى لا ينظر إِلى قلبٍ 650 لاهٍ 651.
وقال يحيى بن معاذ 652: من كان قلبه مع السيئات لم تنفعه = أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإِنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إِنه معكم إِنه سميع قريب.
أخرجه البخاري (الصحيح: 4/ 16، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير).
وقال العراقي: متفق عليه مع اختلاف اللفظ، ورواه أبو داود.
(المغني عن حمل الأسفار: 1/ 313).
الجزء: 1 - الصفحة: 395
الحسنات 653، فالقلب المصر على المعصية واللّاهي عن التوجه والالتجاء إِلى الله تعالى في قضاء حاجته متلاعب مَمْقُوت، والآيات الكريمة دالّةٌ على ذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ 654.
ومعنى فليستجيبوا لي، أي: فليجيبوني بالطاعة.
والقلب المصر أو اللاهي غير مجيب، والفاء في قوله ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ جواب الشرط.
وقال عزّ من قائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ 655 أي يستكبرون عن دعائي ومسألتي، وقيل: عن توحيدي.
وقال عزّ من قال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 656 *.
وقال عزّ من قائل: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 657.
الجزء: 1 - الصفحة: 396
ورُوي عن زيد بن أسلم 658 أنه قال: ما من دَاعٍ يدعُو إِلا كان بين إِحدى ثلاث: إِما أن يُستجاب له، وإِما أن يدخر له، وإِما أن يكفر عنه 659. ومنها: أن يبتدئ بالصلاة على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في أول دعائه وفي أوسطه، ويختم بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - 660.
الجزء: 1 - الصفحة: 397
ومنها: أن يكون في جلوسه على هيئة التشهد، فإِنها الحالة المشروعة في أشرف العبادات، وهي الصلاة.
وأنشد بعضهم 661:
وَإِنِّي لأدْعُو الله وَالأمْرُ ضَيقٌ ... عَلَيَّ فَمَا يَنْفَكُّ أنْ يَتَفَرَّجَا
ورُبَّ فَتى ضَاقَتْ عَلَيْهِ أمُورُهُ ... أصَابَ لَهَا فِي دَعْوَةِ الله مَخْرَجَا
فخذ نفسك بالاجتهاد في ذلك الزمن، فإِنه موقف عظيمٌ تُسكب فيه العبراتُ، وتُقَالُ فيه العثرات، وتُرجَى فيه الطلبات وهو أعظم مجامع الدنيا، فيه يجتمع عباد الله الصالحون، والأولياء المخلصون، فلا تُضيِعْ ذلك الوقتَ بما = والثناء على الله بما هو أهله، ثم ليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ليدع بعد، فإِنه أجدر أن ينجح".
أخرجه عبد الرزاق في (المصنف: 10/ 441 رقم 19642). وذكر نور الدين القاري أن سنده صحيح (شرح الشفا: 3/ 746). وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث علي: "كل الدعاء محجوب حتى يصلي على محمد وعلى آل محمد".
قال المنذري: إِنه موقوف عليه ورواته ثقات.
(عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين: 28).
وانظر (الإِحياء: 1/ 315).
الجزء: 1 - الصفحة: 398
لا يعود عليك نفعُهُ وتُرجَى 662 بركته، فإِنه إِذا فات لا يستدرك.
مسألة:
وقد تقدم أن أول الوقوف زوال الشمس؛ وأما آخره فطلوع الفجر من اليوم العاشر، ولا يجب استيعابُ الوقت إِجماعًا، وأجمعت الأمة على إِجزاء جزء من الليل 663 فإِن وقف 664 بها نهارًا دون الليل لم يجزه عند مالك 665. ويجزئه عند الشافعي 666 والحنفي 667 وعليه دم.
فلو دفع قبل الليل مغلوبًا عليه، فهل يجزؤه أم لا؟ قولان، ونفي الإِجزاء هو أصل المذهب، وثبوته مراعاة للخلاف 668.
الجزء: 1 - الصفحة: 399
ولو دفع حين الغروب أجزأه عند ابن القاسم.
ولو دفع قبل الغروب ولم يخرج من عرفة حتى غربت الشمس، قال مالك: أجزأه وعليه دمٌ، لعزمه على ترك الليل 669.
فرع: ومن جاء ليلًا، وقد دفع الإِمام، أجزأه أن يقف قبل طلوع الفجر 670. وأما من تعمد ترك الوقوف مع الإِمام نهارًا، أو وقف ليلًا وهو غير مراهق فعليه الهدي.
تنبيه: واجتماع الناس يوم عرفة في مساجد الأمصار وقت الوقوف بعرفة يذكرون ويدعون، تشبهًا بالحجاج، نص عليه الشيخ أبو بكر الطرطوشي: أنه من البدع 671.
الجزء: 1 - الصفحة: 400
وقد قال ابن الجوزي: أجازه ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يفعله 672.
وسُئل عنه أحمد بن حنبل فقال: أرجو أن يكون خفيفًا، وقد فعله جماعة من السلف 673 رحمهم الله تعالى.
= العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء فيتداعى الأمر إِلى أن يدخل في الدين ما ليس منه".
(الحوادث والبدع: 115 - 117).
الجزء: 1 - الصفحة: 401
فصل: فى الدَّفع من عَرَفة
قال القرافي: والسنة الدفع مع الإِمام *، فإِن تقدمه في السير أجزأه 674.
قال ابن حبيب: وإِذا دفع الإِمام فارفع يديك إِلى الله عزّ وجلّ، وسله المغفرة والعفو عنك، وعن والديك وأولادك، وقضاء الحوائج، وادفعْ وعليك السكينةُ والوقارُ، سواءً كنت راكبًا أو ماشيًا، وإِذا كنت ماشيًا فامش الهوينا، وإِن كنت راكبًا فاعنق 675 ولا تهرول.
ولا بأس إِن وجدت فرجةً أن تحرِّك شيئًا 676.
ويكون طريقك بين المأزمَيْن 677، وهما الجبلان بين عرفة والمزدلفة، ومن مرّ على غير المأزمين أو سلك وراءهما 678 فلا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 402
والمَأزَم: بالهمزة، المضيق، سمّيا مأزمين للضيق الذي بينهما.
فرع: ويستحب الإكثار من الذكر وتلاوة القرآن في مسيره إِلى المُزْدَلِفَة 679. ويقول: اللهمّ إِليْكَ أرْغَبُ، وَإِيَّاكَ أرْجُو، فتقبَّلْ نُسْكِي ووفقني وارزقني من الخير أكثر مما أطلب، ولا تخيّبني إِنّك أنت الله الجواد الكريم 680. ويكثر من قوله: لا إِله إِلا الله، والله أكبر.
فرع: قال سند: ومن دفع فلا ينزل ببعض تلك المياه لعشاء أو استراحة 681
مسألة: فإِذا وصلت إِلى المزدلفة فابدأ بالصلاة قبل أن تحط رحلك 682، فتصلي بها المغرب والعشاء جمعًا 683 وقصرًا، بأذانين وإِقامتين في رواية ابن القاسم، وقيل:
الجزء: 1 - الصفحة: 403
بأذان وإِقامتين، ولا بأس أن تحط رحلك قبل الصلاة مثل: الرحل الخفيف، ما لم تضطر إِلى رحلك لثقل دابتك فلا بأس بذلك.
فرع:
قال ابن الحاج: ولا تتعش قبل صلاة المغرب، وإِن كان خفيفًا.
وافعل ذلك بين صلاة المغرب والعشاء إِن كان خفيفًا، وإِن كان فيه طول فأخّره 684 إِلى بعد العشاء، فهو أولى.
فرع:
ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق، فقد قال ابن حبيب: لا يصلي حتى يغيب الشفق، وسواء في ذلك الإِمام وغيره.
وقال أشهب: يصلّون حينئذ، وخالفه ابنُ القاسم في هذا.
مسألة:
واختلف فيمن صلّى المغرب والعشاء قبل أن يأتي المزدلفة.
فقال ابن حبيب: لا يجزئه ذلك ويعيدهما، وإِن صلاهما بعد مغيب الشفق.
وقال أشهب: لا يعيدهما 685.
الجزء: 1 - الصفحة: 404
وقيل: يعيد العشاء الأخيرة فقط.
وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إِلا من به عذر أو بدابّته، ولا يجمع بينهما إِلا بعد مغيب الشفق 686.
وقال محمد: يصلي كل صلاة لوقتها.
فرع:
والصلاةُ مع الإِمام في المزدلفة أفضلُ 687، فإِن لم يدرك الإِمام أو لم يقدر على الوصول إِليه صلى في رحله.
ولا يتنفل بينهما 688، ويتنفل بعدهما ما بدا له ولا بد له 689 من الوتر.
الجزء: 1 - الصفحة: 405
فرع:
والنزول بالمزدلفة المشهور وجوبه، قال القرافي 690
وإِطلاق الوجوب فيه تسامح، وإِنما هو سنة يجب بتركها الدم.
قال أبو إِبراهيم: ومن تركه لعذر كالمراهق ونحوه فلا دم عليه، ومن تركه من غير عذر فعليه دم؛ خلافًا لعبد الملك 691.
قال أبو إِبراهيم الأعرج: ومن ترك النزول والوقوف معًا فعليه دم، كان له عذر أو لم يكن 692.
والفرق بين النزول والمبيت أن المبيت الاستراحة * بغير شك، والنزول الواجب يحصل بحط الرحل والتمكن من المبيت 693.
ولا يشترط استغراق النصف الأول من الليل، خلافًا للشافعي 694.
الجزء: 1 - الصفحة: 406
واختلف عن مالك في القدر المستحق من الزمان بالمزدلفة هل هو الليل كله أو جله أو أقل زمان، حكى ذلك ابن خويز منداد.
فرع: ويستحب كثرة التنفل والذكر في ليلة المزدلفة فهي من الليالي المشهورة، وقد انضم إِلى شرف الليلة شرف المكان، وكونه في الحرم والإِحرام 695 ومجمع الحجيج، وليلة العيد عقب ذلك الموقف العظيم 696.
مسألة:
فإِذا صلّيت الصبح بالمزدلفة وقفت عند المشعر الحرام تستقبل الكعبة ثم تكبر وتهلل وتحمد الله وتدعو 697 فتقول:
اللهمّ إِني أسألك أن ترزقني في هذا المكان جوامع الخير كله، وأن تصلح لي شأني كله، وأن تصرف عني الشرّ كله، فإِنه لا يفعل ذلك غيرك ولا يجود = أجزأه وحصل المبيت ولا يترتب عن ذلك دم، سواء كان الدفع بعد نصف الليل لعذر أم لغيره واتفقوا على أنه لو دفع قبل نصف الليل بيسير ولم يعد إِلى المزدلفة فقد ترك المبيت، أما لو دفع قبل نصف الليل وعاد إِليها قبل طلوع الفجر أجزأه المبيت ولا شيء عليه.
(المجموع: 8/ 135). وانظر (فتح العزيز: 7/ 387 - 388).
الجزء: 1 - الصفحة: 407
به إِلا أنت، اللهمّ كما أوقفتنا 698 فيه وأريتنا إِياه فوفقنا لذكرك، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 699. ويكثر من قوله: ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار 700، اللهمّ لك الحمد كلّه، ولك الكمال كلّه، ولك الجلال كلّه، ولك التقديس كله، اللهمّ اغفر لي جميع ما أسلفته، واعصمني فيما بقي، وارزقني عملًا صالحًا ترضى به عني يا ذا الفضل العظيم، اللهمّ إِني أتشفع إِليك بخواص عبادك، وأتوسل إِليك بك وأسألك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأنْ تَمُنَّ عليّ بما منَنْتَ به على أوليائك الصالحين 701، وأن تُصلِحَ حالي في الدنيا والآخرة، يا أرْحَمَ الرَّاحمين 702.
الجزء: 1 - الصفحة: 408
مسألة: قال ابن الحاج: المزدلفة والمشعر وجمع 703 وقزح 704 أسماء مترادفة، وعلى هذا فيقف في أي موضع شاء من المزدلفة، والمعروف أن المشعر - موضع خاص في المزدلفة - 705 ودليل الأول قول سعيد بن جبير: ما بين الجبلين موقف 706. وقال ابن حبيب: المشعر ما بين جبلي المزدلفة، ويقف الإِمام حيث المنارة التي على قزح، ويكون وجهك في وقوفك بالمشعر قبالة البيت، وجاء أنه عليه السلام وقف على قزح، وقال: "هذا قزح وهو موقف، وجمع كلها موقف" 707 نقله ابن الحاج.
الجزء: 1 - الصفحة: 409
مسألة: قال ابن القاسم: والوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح 708. قال ابن الحاج: والشأن أن تصلي الصبح حين يتصدع الفجر، ومن وقف بعد الفجر، وقبل أن يصلي الصبح، فهو كمن لم يقف.
فرع: ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى دفع الإِمام، فلا يقف بعده ولا يتخلف عنه.
فرع: لو أتى بعد الفجر ونزل بالمزدلفة، فقال ابن القاسم: لا دم عليه، وقال أشهب: عليه الدم 709 قاله * اللخمي.
فرع: = أخرجه الترمذي وقال: حديث علي حديث حسن صحيح.
(السنن: 3/ 232 رقم 885، كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف).
الجزء: 1 - الصفحة: 410
قال اللخمي: وإن كان قد وقف بعرفة ليلًا وأتى بعد طلوع الشمس، فلا يقف بالمشعر؛ لأن وقت الوقوف قد ذهب.
فرع:
إِذا دفع من عرفة إِلى مِنى ولم ينزل بالمزدلفة، فقال مالك: عليه دم، خلافًا لابن الماجشون، فإِنه قال: لا دم عليه، قاله اللخمي.
وقال ابن رشد في المقدمات: وذهب ابن الماجشون إِلى أن الوقوف بالمشعر فريضة 710.
قال أبو إِبراهيم الأعرج: ولعل له قولين 711.
وإِن نزل بها ثم دفع إِلى مِنى أول الليل أو وسطه فلا دم عليه.
فرع: وإِذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر الحرام، فقال مالك وابن القاسم: لا دم عليه 712، وإِن وقف بالمشعر ولم ينزل بالمزدلفة فعليه الدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 411
فرع:
ولا يقف أحد بالمشعر إِلى طلوع الشمس، ولا إِلى الإِسفار جدًّا، ولكن يدفع قبل ذلك، فإِذا أسفر ولم يدفع الإِمام دفع الناس وتركوه، ومن تأخر إِلى طلوع الشمس فقد أساء، ولا شيء عليه 713.
قال ابن الحاج: ووقت دفع الإِمام من المشعر الإِسفار الذي يجوز تأخير الصلاة إِليه.
وفي طرر التهذيب لأبي الحسن 714: هو الإِسفار الأول لا الثاني 715.
الجزء: 1 - الصفحة: 412
وقاله اللخمي في التبصرة.
فرع: ويستحب الدفع من المشعر بدفع الإِمام، وواسع للنساء والصبيان أن يتقدموا أو يتأخروا، وإِن قُدِّموا فيكون تقديمهم في آخر الليل قبل صلاة الصبح، فيصلون الصبح بمِنى 716. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يقدم ضَعَفَةَ أهْلِه، فيقفون عند المشعر الحرام بالليل 717 فيذكرون الله تعالى ما بدا لهم؛ ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام 718. وعلى هذا فينبغي لمن رحل ليلًا أن يفعل فعلهم ويقتدي بهم في ذلك، ولا يحرم نفسه الوقوف إِذا فاته الوقوف على سنته.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
فرع:
وفي الحاوي لأبي الفرج 719: إِذا أخر الدافع مجيئه من عرفة إِلى المزدلفة حتى فاته المبيت والصلاة بها لم يقف بالمشعر.
قال ابن القاسم: وأرى أن يقف.
وقال مالك: إِن فاته البيت بالمشعر وأراد الصلاة مع الإِمام وقف معه.
انتهى.
ومراده: وأدرك معه صلاة الصبح، لقوله: وفاته المبيت.
فرع: قال ابن حبيب: وتفعل في الدفع من المشعر من الذكر والسكينة مثل فعلك في الدفع من عرفة، وتهرول في بطن مُحَسِّر 720 اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - 721 وأصحابه - رضي الله عنهم - والأئمة بعده، وهي السنة، ومقدار ما تهرول
الجزء: 1 - الصفحة: 414
في بطن محسر هو 722 قدر رمية حجر؛ لأنه ورد ذلك في حديث جابر 723. قال مالك: وأحب للمحرم الماشي إِذا هبط من محسر أن يسعى على قدميه مثل ما يصنع الراكب، ومن ترك الإِسراع فلا شيء عليه - راكبًا كان أو ماشيًا - فإِذا خرجت من بطن محسر رجعت إِلى السكينة والوقار.
الجزء: 1 - الصفحة: 415
فصل واختلف من أين ينبغي له أخذ الجمرات؟ والذهب أن له أخذَهَا من حيث شاء، واستحب الجمهور أن يأخذها من المُزْدَلِفَة ليلةَ مبيته بها 724 ويلتقطها لقطًا * وهو أفضل من كسرهَا 725. وفي الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأخذها من وادي محسر 726.
تنبيه 727:
والقدر المستحب لقطه من المزدلفة هي السبع التي يرميها في جمرة العقبة، وليس مراده جميع الجمار، قاله ابن حبيب في مختصر الواضحة.
قال: ووجه ذلك أنه مأمور بالمبادرة برميها عند وصوله إِلى مِنى كما سنذكره.
وقدرها قدر البندقة كما قاله ابن جماعة التونسي.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
وقال ابن عطاء الله الإِسكندري: ينبغي أن تكون فوق الفستقة ودون البندقة، ولا تكون من حصى المسجد الحرام ولا مما رمي به، فإِن ذلك مكروه، وتكون الجمار طاهرة.
وهي سبعون حصاة لمن لا يتعجل، وتسع وأربعون لمن يتعجل.
قال ابن الحاج: ورمي الجمار بالحجارة، وما عدا الحجارة من حجارة الكُحْل والزرنيخ وشبهها من المعادن أو الذهب.
فإِذا وصلت إِلى مِنى فترمي جمرة العقبة بسبع حصيات على الهيئة التي جئت عليها من ركوب أو مشي، قبل أن تحط رحلك.
قال سند: لأنها تحية الحرم، وذلك ضحى يوم النحر فتكبر مع كل حصاة رافعًا صوتك 728.
فرع: وفي الذخيرة قال سند: اختلف في تحديد أول وقت 729 رميها، هل هو نصف الليل أو طلوع الفجر أو طلوع الشمس 730. قوله: نصف الليل، لم أره، والمعروف في المذهب أن أوله طلوع الفجر.
الجزء: 1 - الصفحة: 417
وقال ابن رشد في البيان: إِنه إِن رمى قبل طلوع الفجر لم يجزه بلا خلاف 731. وفي التهذيب: الشأن أن يرميها ضحوة، فإِن رميت بعد الطلوع 732، وقبل طلوع الشمس أجزأك، وأما قبل الفجر فيلزم الإِعادة، والرجال والنساء سواء 733. قال ابن عطاء الله: قال بعض أصحابنا: ويقول مع كل حصاة: الله أكبر في طاعة الرحمَن وغضب الشيطان 734. وقال ابن الحاج: تكبر ثلاثًا وتقول: على رغم الشيطان وطاعة الرحمن.
الجزء: 1 - الصفحة: 418
تنبيه:
وخُصَّ التكبير دون سائر الذكر للسنة 735، فإِن سبح ولم يكبّر فقال ابن القاسم: ما سمعت فيه شيئًا 736.
وقال أبو الوليد الباجي: لا شيء عليه عندي؛ لأنه لو ترك التكبير فلا شيء عليه، قاله ابن القاسم 737.
وتقف للرمي من أسفل الجمرة من بطن الوادي وأنت مستقبل القبلة والعقبة 738 عن يمينك.
قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه.
وقال القاضي عياض: ويرمي جمرة العقبة من حيث تيسر عليه من أعلى العقبة أو أسفلها أو وسطها، كل ذلك يجزئ، والمستحب من بطن الوادي من
الجزء: 1 - الصفحة: 419
أسفلها 739 كما جاء في الحديث 740، هذا كله قول كافة العلماء.
وقال الباجي: من رمى جمرة العقبة من أسفلها فليجعل مِنى عن يمينه ومكة عن يساره، ويستقبل العقبة 741.
فرع:
قال اللخمي: وتوالي الرمي مع التكبير برفع الصوت، ولا تقف عندها للدعاء * ولا لغيره.
قال ابن الحاج: وقل: اللهمّ اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 420
مسألة:
ووقت أدائها يوم النحر من طلوع الفجر إِلى الغروب وقيل: الأفضل في أدائها من طلوع الشمس إِلى الزوال وما بعده لأهل الأعذار كالمريض والناسي.
ووقع لابن القاسم في العتبية: إِذا زالت الشمس يوم النحر فقد فات الرمي إِلا لمريض أو ناسٍ 742.
وحمل على فوات وقت الفضيلة.
وسيأتي ذكر وقت قضائها في بيان وقت الرمي.
قال ابن المعلى: واستحب بعض المتأخرين من المالكية أن يرجع إِلى مِنى بعد رميه من فوق الجمرة، ولا يرجع على طريقه لئلا يضر الناس بالمزاحمة.
فصل ثم تنزل في منزلك من مِنى، وتقول: الحمد لله الذي بلغنيها 743 سالمًا معافى، اللهمّ هذه مِنى قد أتيتها وأنا
الجزء: 1 - الصفحة: 421
عبدك، وفي قبضتك، أسألك أن تَمُنَّ عليَّ بِمَا مننتَ به على أوليائك، اللهمّ إِني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني، يَا أرحم الراحمين 744.
فصل
فإِذا نزلت بمِنًى بعد رمي جمرة العقبة، فإِن كان معك هدي بدأت به قبل الحلق فتنحره؛ لأن سائق الهدي لا يحلّ من شيء حتى ينحر هديه.
وتقول عند نحره: بسم الله، اللهمّ منك وإِليك فأسألك أن تتقبل مني كما تقبلت من إِبراهيم خَليلك ونبيك عليه السلام 745.
ولا تذبح حتى ترمي الجمرة، ومن ذبح قبل الرمي أو حلق بعد الرمي وقبل الذبح أجزأه ولا شيء عليه.
فصل ووقت نحر الهدايا وذبحها بعد الفجر، والأفضل ضحوة، ومن ذبح قبل الفجر أعاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 422
والهدي: جزاء الصيد، وما وجب لأجل نقص في حج أو عمرة كدم القِران والتمتع والفساد والفوات وغيرهما، ومن ذلك ما نوى به الهدي من النسك، وإِن لم ينو به هديًا فهو نُسك وليس بهدي.
والنُّسُك: ما وجب لإِلقاء التفث وطلب الرفاهية من اللباس، والدهن والطِّيب ونحو ذلك 746، ودم النسك لا يختص بزمان ولا مكان 747.
فرع:
وكره مالك أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، فإِن استناب أجزأه 748 إِلا أن يكون النائب غير مسلم فلا يجزئه.
وسيأتي بيان أيام النحر.
الجزء: 1 - الصفحة: 423
فصل ثم تحلق رأسك 749، فإِذا نحرت وحلقت فقد حل لك كل شيء إِلا النساء والصيد والطيب 750. فإِن تطيبت قبل طواف الإِفاضة فلا شيء عليك 751 على المشهور.
فرع: قال اللخمي: الناس في الحلق والتقصير على ثلاثة أوجه: حلاق وتقصير، وتخيير بينهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 424
فالحِلاق: لمن لا وَفْرة 752 له، وللأقرع ولمن لبّد 753 أو عقص أو ظفر من الرجال، إِذا لم يمكن تقصيره كذلك.
والتقصير: فرض النساء، فلا يجوز لهنّ أن يحلقن إِلا لضرر 754 برؤوسهنّ 755؛ لأن حلْقَهُنَّ مُثلةٌ 756، وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق، وإِن كانت * صغيرةً جازَ أن تحلقَ أو تقصرَ.
والخِيَار بينهما: لمن له وَفْرَةٌ من الرَّجَال، ولم يلبِّد ولا ظفر ولا عقص.
الجزء: 1 - الصفحة: 425
قال الشيخ أبو محمد البلنسي 757 في شرح الرسالة: الحِلاق ثلاثة: فرض وسنة ومكروه.
فالفرض: لمن لبّد أو عقص.
والسنة: لمن لم يلبد ولم يعقص.
والمكروه: للنساء لأنه مثله.
قال ابن حبيب: والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإِحرام، ليمنعه من الشعث.
والعقص: أن يجمع شعره في قفاه إِذا كان مجممًا لئلا يشعث.
والعقد مثله.
والظفر: أن يظفر رأسه إِذا كان مُجَمَّمًا، لئلا يشعث.
الجزء: 1 - الصفحة: 426
فصل: في موضع الحلاق 758 وصفته ووقته
فأما موضعه فقال الباجي: موضع الحلاق في الحج مِنى وفي العمرة مكة وذلك على وجه الاستحباب، فلو حلق في الحج بمكة أو مِنى أو في الحل فلا شيء عليه إِذا حلق في أيام مِنى 759.
قال ابن الحاج: قال مالك: موضع الحلاق أو التقصير في الحج عند الجمرة أو حيث شاء من مِنًى.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا ينبغي لأحد أن يحلق خلف العقبة، ذكره في النوادر 760.
وأما وقته فبعد طلوع الفجر ورمي جمرة العقبة ونحر الهدي إِن كان، وأما آخر وقته فآخر أيام الرمي، فإِن لم يحلق فيها حلق وأهدى سواء كان بمكة أو رجع إِلى بلده.
فرع: فلو توجه للإِفاضة قبل الحلق فذكر وهو بمكة قبل الطواف، فليرجع حتى يحلق ثم يفيض.
الجزء: 1 - الصفحة: 427
فرع لو قدم الإِفاضة على الرمي والنحر والحلق، فعن مالك: الإِجزاء مع الهدي، وقيل لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقيل: يعيد الحلق مع الإِفاضة 761. وقال الباجي: ومن أفاض قبل الحلق فاختلف فيه 762. وفي المختصر: أنه يرجع فيحلق ثم يفيض، فإِن لم يفض فلا شيء عليه، وقيل: ينحر ثم يحلق ولا شيء عليه.
فرع:
ومن حلق قبل النحر فلا فدية عليه على الأصح 763، ومن نحر قبل الرمي فلا فدية عليه.
وأما من حلق قبل أن يرمي فعليه فدية الأذى 764.
الجزء: 1 - الصفحة: 428
وهذا فيمن أفرد الحج، وسواء كان قدّم السعي أو أخّره كالمراهق أو المحرم بالحج من مكة، وأما القارن فمشهور مذهب مالك أنَّ حكمَه في ذلك حكم المفرد.
وذكر أبو بكر بن الجهم 765 أن القارن لا يحلق بعد الرمي حتى يطوف ويسعى 766.
تنبيه:
ومعنى هذه الرواية: أن هذا القارن أخر الطواف الأول والسعي إِلى يوم النحر؛ لأن الذي لم يؤخرهما قد طاف وسعى لعمرته، ولم يبق له إِلا = بعض، إِلا الحلق قبل الرمي، ففيه الدم".
(كليات المقري: 113، الكلية رقم 150).
الجزء: 1 - الصفحة: 429
طواف الإِفاضة، ولا شركة للعمرة فيه، وحكمه أن يحلق كما يحلق الحاج، هكذا فسره اللخمي.
فرع: ومن ضلَّتْ 767 بدنته يوم النحر أخر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإِن وجدها وإِلا حلق * وأفاض، وفعل ما يفعله من ليس معه هَدْيٌ، من وطءِ النساءِ وغيره كان ذلك الهدي مما عليه بدلُه أم لا.
فرع: والحِلَاق يجمع أمريْن: كونه نسكًا من مناسك الحج كالرمي، وكونه تحللًا يبيح بعض ما كان ممنوعًا منه.
فرع:
لو وطئ قبل الحلق حلق بعد ذلك وأهدى، ولو كان قد طاف طواف الإِفاضة 768، وسواء كان ذلك في أيام مِنى أو بعد أن وصل بلده، وذلك بخلاف الصيد.
فلو صاد 769 بعد طواف الإِفاضة وقبل الحق فلا يلزمه جزاء؛ لأن الصيد
الجزء: 1 - الصفحة: 430
حل له بالإِفاضة، وتأخير الحلق لا يمنع من الصيد.
وأما صفته، فقال الباجي: نقل ابن المواز عن مالك، أن من الشأن أن يغسل رأسه بالخطميّ 770 والغاسول، حين يريد أن يحلق 771.
ومعناه: إِن كان قد لبّد رأسه؛ لأن ذلك أيسر عليه ولا يلزمه بما تساقط من شعره وإِزالة الشعث شيء.
وأما المعتمر فيكره أن يغسل رأسه قبل حلقه أو يقتل شيئًا من الدواب أو يقص شاربه أو أظفاره أو يلبس مخيطًا، بعد تمام السعي وقبل الحلق 772.
قال ابن حبيب: فإِن فعل فلا شيء عليه.
والفرق بينهما: أن الحاج قد وجد منه قبل الحلاق تحلل وهو الرمي، والمعتمر لم يوجد منه قبل الحلاق تحلل 773.
ويبدأ الحالق بالشق الأيمن 774 ويستقبل القبلة، ويستحب أن يكثر من
الجزء: 1 - الصفحة: 431
الدعاء وقت الحلاق، فإِن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، فيما ذكر أهل العلم.
ولتقل في دعائك: اللهمّ لك وضَعْتُ شعري، فحطُّ عني وزري وزكِّ لي عملي، واغفِرْ لي ذُنُوبي، اللَّهمَّ اكتُبْ لِي بكل شعرةٍ حسنة، وامْحُ بها عني سيئةً، وامح عنِّي بها سيئة، وارفع لي بها درجةً، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين يا أرحم الراحمين يا واسع المغفرة 775.
فإِذا فرغت من حلاقك كبَّرْتَ وقلتَ: الحمد لله الذي قضى عنا نسكنا، اللهمّ زدْنَا إِيمَانًا وتوفيقًا ويقينًا وعونًا، واغفر لنا ولآبَائِنَا ولأمّهَاتِنَا وللمسلمين أجمعين 776.
فرع:
ولا يتم نسك الحلق إِلا بحلاق جميع الرأس والشعر الذي على الأذنين.
= الأيمن، لأنه نسك، اقتداء، فإِن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيمن في أمره كله.
قال المحب الطبري: أخرجه الشافعي.
(القِرى: 415).
الجزء: 1 - الصفحة: 432
قال ابن الحاج: قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما على أذنيه من الشعر.
قال التادلي في منسكه: وينبغي أن يكون النظر في كونها من الرأس أو من الوجه كما ذكر في الوضوء.
قال الباجي: ويبلغ في الحلق إِلى العظمين اللذين في الصدغين 777. قال ابن حبيب: ولا يجزئ حلق بعض الرأس.
حكاه الشيخ أبو بكر وغيره عن مالك 778.
قال سند: الخلاف في استيعاب الرأس حلقًا كالخلاف في استيعابه مسحًا في الوضوء 779.
وأما التقصير فلا يخلو أن يكون المقصر رجلًا أو امرأة، فإِن كان رجلًا
الجزء: 1 - الصفحة: 433
قصر من جميع شعر رأسه 780 واستوعبه بالتقصير ويجز ذلك جزا من قرب أصوله، فإِن لم يجزه * من قرب أصوله وأخذ منه فقد أخطأ ويجزئه.
قاله الباجي 781.
قال الطرطوشي: ومعنى ذلك أن يأخذ منه ما يقع عليه اسم التقصير، وليس ذلك بأن يأخذ الشيء اليسير، وهو ممنوع أن يفعل من ذلك ما تفعله المرأة فتأخذ 782 قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا وتجمع أطراف قرونها ليعم التقصير جميع شعرها.
قال مالك: ليس لذلك عندنا حد معلوم، وما أخذَتْهُ منه أجزأها، ولا بد أن تعم الشعر كله طويله وقصيره.
نقله الباجي 783.
تنبيه: قال أبو عمرو 784 بن القطان في كتاب النظر في أحكام النظر: لا
الجزء: 1 - الصفحة: 434
يقصر للمرأة رجل سواء كانت شابة أو عجوزًا، بل هي أو امرأة أو محرم 785.
فرع: ويمر الأقرع الموسى على رأسه 786 لأنها عبادة تتعلق بالشعر، فينتقل إِلى البشرة كالمسح في الوضوء، والدليل فعل عمر رضي الله عنه لذلك.
فرع: ولا بأس للحاج بعد رمي جمرة العقبة أن يحلق عانته ويقص أظفاره ويأخذ من شاربه 787 ولحيته قبل أن يحلق رأسه 788 بخلاف المعتمر، وقد تقدم
الجزء: 1 - الصفحة: 435
الفرق بينهما 789. قاله الباجي.
ومراده بالأخذ من اللحية: أن يأخذ من طولها 790.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقصر ما زاد على القبضة 791.
وقال ابن حبيب في الواضحة: وبالغ في الأخْذِ من اللحية عند حلاقك رأسك، فإِنه مستحب في ذلك الوقت، ما لا يستحب في غيره 792.
الجزء: 1 - الصفحة: 436
فرع: والحلاق بالموسى؛ فمن حلق بالنورة، فقال ابن القاسم في المدونة: يجزئه 793. وقال أشهب: لا يجزئه، ورآه تعبدًا فيقتصر 794 فيه على السنة.
فرع: ومن حل من عمرته في أشهر الحج فالحلاق له 795 أفضل إِلا أن تقرب 796 أيام الحج، ويريد الحج، فليقصر لمكان حلاقه في الحج قاله ابن المواز 797.
الجزء: 1 - الصفحة: 437
فصل: في طواف الإفاضة
وينبغي أن لا يؤخر طواف الإِفاضة بعد الحلق إِلا بقدر ما يقضي حوائجه التي لا بد له منها، فيذهب إِلى مكة فيطوف طواف الإِفاضة.
ويُسمَّى طوافَ الزيارةِ، وطواف الصَّدَر (بفتح الصاد والدال) وطواف الفرض، وطواف الركن 798، قاله النووي في منسكه 799.
وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، أو يقال: زرنا قبره عليه الصلاة والسلام 800.
الجزء: 1 - الصفحة: 438
قال ابن رشد في جامعه: قيل: إِنما كره ذلك لما للزائر من فضل على المزور في صلته 801 بزيارته إِياه، وإِنما تفعل الزيارة تأدية لما يلزم من فعله 802 ورغبته في الثواب عليه 803.
وهذا الطواف ركن من أركان الحج بالإِجماع 804.
قال القرافي في الذخيرة: وتحديد أول وقته مبني على تحديد أول وقت = الصلاة والسلام: "اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعبَدُ".
(شرح الشفا، للقاري: 3/ 843 - 847). وعند ابن رشد: أن الكراهة من وجه أن كلمة أعلى من كلمة، فعبارة الزيارة تستعمل في الموتى.
فكره أن يذكر مثلها في النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأورد ابن رشد قولًا آخر، وهو ما تدل عليه الزيارة من الفضل على المزور في صلته بالزيارة، بينما لا يكون في زيارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلة ولا نفع.
(البيان والتحصيل: 18/ 118 - 119). أما الإِمام ابن تيمية فقد علل هذه الكراهة بأن لفظ زيارة الرسول عليه السلام لم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن معروفًا عند علماء المدينة.
(مجموع الفتاوي: 27/ 35).
الجزء: 1 - الصفحة: 439
الرمي هل هو بعد طلوع الشمس يوم النحر أو طلوع الفجر أو نصف الليل 805. ولعله يريد بعد نصف الليل * على مذهب الشافعي 806. ولا يجوز قبل يوم عرفة إِجماعًا.
تنبيه:
قال القاضي عياض: واختلف فيمن طاف غيرَه من طواف قدوم أو وداع أو تطوع ونسي طواف الإِفاضة حتى رجع إِلى بلده؟
وعن مالك وأصحابه: في إِجزاء طواف القدوم عنه روايتان.
وأكثر العلماء ومشهور قولي مالك: أنه لا يجزئه 807.
واختلف أيضًا عندنا: هل يجزئ طواف الوداع عن طواف 808 الإِفاضة؟ والأشهر أنه يجزئ 809.
الجزء: 1 - الصفحة: 440
وكذلك طواف التطوع.
يريد: إِذا تطوع يوم النحر وأما قبله فلا يجزئه 810.
وأما تحديد آخر وقته، فالمشهور تمام الشهر، وعليه دم بدخول المحرَّم.
والخلاف في آخر وقته مبني على الخلاف في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وقيل: العشر منه.
وقيل: إِن أشهر الحج تنقضي بفراغ أيام الرَّمْي.
وفائدة هذا الخلاف تظهر في تأخير طواف الإِفاضة، فعلى المشهور: لا يلزم الدم إِلا من أخره إِلى المحرم 811. وعلى القول الثاني: من أخره إِلى الحادي عشر لزمه الدم.
ذكره أبو بكر الطرطوشي في تعليقه الخلاف.
وعلى القول الثالث: إِن أوقعه في اليوم الرابع عشر لزمه الدم.
وفي المدونة: إِن أخره حتى مضت أيام التشريق، فانصرف من مِنى إِلى مكة فلا بأس 812. وإِن أخره أيامًا حتى تطاول طاف وأهدى.
وهذ اخارج عن الأقوال الثلاثة، فيكون رابعًا.
قاله ابن عبد السلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 441
فرع: فإِذا طفت طواف الإِفاضة فلا تسع بعده إِن كنت قد سعيت عقيب طواف القدوم، وإِن كنت لم تسع سعيت عقيب طواف الإِفاضة 813. هذا 814 حكم المفرد والقارن، وأما المتمتع الذي طاف وسعى قبل عرفة ثم أحرم بالحج فإِنه يطوف طواف الإِفاضة ويسعى.
فرع:
فلو أخر غير المتمتع طواف القدوم والسعي عامدًا، حتى خرج إِلى مِنى، فليطف وليسع إِذا رجع من مِنى ويهدي.
وإِن كان ناسيًا أو مراهقًا فلا دم عليه.
قال ابن الجلاب: والقياس عندي في الناسي أن عليه الدم بخلاف المراهق 815.
الجزء: 1 - الصفحة: 442
وقاله الأبهري 816.
فرع: فإِذا طفت طواف الإِفاضة فقد حل لك 817 النساء والصيد والطيب، بشرط تقدم الحلاق.
فرع: فإِن حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الإِفاضة لم تبرح حتى تفيض، ويحبس عليها كريُّها 818 أقصى جلوس النساء في الحيض والاستظهار 819، ويحبس في النفاس ستين يومًا 820.
الجزء: 1 - الصفحة: 443
واستحسن في سماع أشهب أن تعينه في العلف 821.
قال القرافي: وحيث قلنا بحبسه فلا يزاد على الكراء الأول.
وأما المحْرَم فيحبس عليها حتى يمكنها النفر.
وأما الرفقة فإِن كان حبسها لهم اليومين والثلاثة حبسوا مع الكري، وإِن كان أكثر من ذلك لم يُحبسْ إِلا الكري والمحرم *.
تنبيه:
قال القرافي وغيره: إِنما يُحبَسُ عليها كَرِيُّها إِذا كان يمكنه الانفراد في السفر، كالقرى التي حول مكة شرفها الله تعالى.
وأما أهل الآفاق البعيدة الذين لا يسيرون إِلا جملة فلا يحبس عليها الكري، ويفسخ الكراء بينهما، وكراؤه محمول على زمن الحج 822 عادة؛ لأنها لو صرحت له بذلك عند العقد لم يرض، وهي كالمحصر بالعدو، وللكري عليها حق الفسخ 823. = النفساء أكثر ما يحبس النساء دمها.
قال الباجي: يحبس الكري في مذهب مالك سواء علم بحملها أو لم يعلم، وليس عليها أن تخبره بذلك.
(المنتقى: 3/ 63).
الجزء: 1 - الصفحة: 444
فرع: ولا يلزمها إِذا فاسخها 824 الكري جميع الأجرة، ويحتمل أن يقال بلزومها، لأن الامتناع منها، قاله في الذخيرة 825.
فرع:
وفي الذخيرة: وروي عن سحنون أن من حبسها الحيض عن طواف الإِفاضة فإِنها تطوف، للخلاف في اشتراط الطهارة في الطواف؛ ولأنه يستباح للضرورة كقراءة القرآن للحائض لضرورة النسيان 826 وما هنا أعظم 827.
قال التادلي: وعلى ما قاله سحنون من أنها تطوف كذلك فتؤخر الركوع حتى تطهر وتهدي.
قال التادلي: وخرّج بعض فضلاء الشافعية من أهل عصرنا على أحد قولي مالك، فيمن نسي طواف الإِفاضة، وقد كان طاف للقدوم ولم يذكر حتى رجع إِلى بلده: أنه يجزئه عن طواف الإِفاضة، فكذلك 828 ينبغي قضاء
الجزء: 1 - الصفحة: 445
الصلاة بالحيض بخلاف النسيان، فإِذا طافت للقدوم ثم طرأ عليها الحيض قبل الإِفاضة انصرفت وتركت الطواف للضرورة، وكانت بمنزلة من رجع إِلى بلده ناسيًا للطواف وقد كان طاف للقدوم.
قال: وهو تخريج لا بأس به.
انتهى.
تنبيه:
واعلم أن التخريج ليس بقول، ولا يجوز أن ينسب لمن خُرِّج على قوله أنه يقول به.
نقله التادلي في شرح الرسالة عن الشيخ أبي إِسحاق الشيرازي 829.
وقال ابن عبد السلام من أصحابنا: القول المُخَرَّجُ لا يقلده العامي ولا ينصره الفقيه ولا يختاره المجتهد.
يريد: ولا يجوز الحكم ولا الفتيا به.
فهذا التخريج، وإِن كان ظاهرًا، لا بأس به كما قاله التادلي فلا يجوز أن يقلده العامي ولا يفتي به الفقيه، ولا يخرج عن المذهب بمثل 830 هذا التخريج.
الجزء: 1 - الصفحة: 446
تنبيه:
وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر، وإن علمت أنه إِنما يقطع الدم اليوم ونحوه، فلا يجوز لها ذلك، وحكمها حكم الحائض.
وإِن استدام انقطاعه نحو ثمانية أيام أو عشرة فقد صَحَّ طوافها إِذا طافت في ذلك الطهر، وإِن عاودها الدم في اليومين والثلاثة إِلى الخمسة فقد طافت وهي محكوم بها حكم 831 الحيض، فكأنها طافت مع وجود الدم.
ولم أر نصًا في جواز الإِقدام على ذلك، إِذا كانت جاهلة بتأثيره في الدوام.
وقد سئل الشيخ الإِمام أبو محمد عبد الله المنوفي 832 عن امرأة عالجت استعجال دم الحيض لقصد الخروج من العدة فجاءتها الحيضة فهل تخرج * من العدة؟ فقال: الظاهر أنها لا تخرج من العدة بذلك.
وتوقف عن ترك الصلاة والصيام.
قال صاحب التوضيح 833: وإِنما قال: الظاهر، لاحتمال أن استعجاله لا
الجزء: 1 - الصفحة: 447
يخرجه عن الحيض، فعلى بحثه في أن استعجاله لا يؤثر فينبغي أن رفعه لا يؤثر، لا سيما إِذا عاودها بقرب ذلك، والله أعلم.
وقال ابن رشد: وسئل مالك عن المرأة تخاف تعجيل الحيض فيوصف لها شراب تشربه لتأخير الحيض؟ قال: ليس ذلك بصواب وكرهه.
قال ابن رشد: إِنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها الضرر 834 في جسمها 835. انتهى.
فانظر هل هذا مثل 836 الأدوية التي تقطع الدم بعد وجوده أم لا؟ وهو الظاهر فإِن المرأة بعد إِتيان الدم محكوم عليها بأنها حائض ولا يزول حكمه إِلا بدوام انقطاعه 837 أقل مدة ما بين الدمين، فتأمله.
= (التوضيح) شرح جامع الأمهات لابن الحاجب، وهو صاحب (المختصر الفقهي) الذي لقي إِقبالًا، وألف منسكًا، اختلف في تاريخ وفاته والراجح أنه 776. (حسن المحاضرة: 1/ 460، درة الحجال: 1/ 257، الدرر الكامنة: 2/ 86، الديباج: 1/ 357، نيل الابتهاج: 112).
الجزء: 1 - الصفحة: 448
فصل
فإِذا فرغت من الإِفاضة فينبغي التعجيل بالعود إِلى مِنى 838، ولا تقيم بمكة للتنفل بالطواف، وخفف 839 أن تقيم لأجل الصلاة إِذا أذن وأنت بمكة.
فإِذا رجعت إِلى مِنى فصل الظهر ثم كبّر، فإِنه يُستحب التكبير عقب خمس عشرة مكتوبة أولها ظهر يوم النحر وآخرها صلاة الصبح من اليوم الرابع وهو آخر أيام التشريق.
ويفعل ذلك أهل سائر 840 الآفاق تشبهًا بأهل مِنى، وبيان ذلك: أن أول صلاة يكبر بعدها أهل مِنى هي صلاة الظهر من يوم النحر؛ وآخر ذلك صلاة الصبح يوم الرابع.
وأما صلاة الظهر فإِنهم ينفرون بعد الزوال وقبل الصلاة فيصلون الظهر في المحصب، بهذا وردت السنة 841.
الجزء: 1 - الصفحة: 449
وصفة التكبير 842: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إِله إِلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، الحمد لله على ما هدانا، اللهمّ اجعلنا لك من الشاكرين.
فرع:
قال ابن حبيب: ينبغي لأهل مِنى وغيرهم أن يكبروا أول النهار، ثم إِذا ارتفع، ثم إِذا زالت الشمس بعد الصلاة والرمي، ثم بالعشي، وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه 843.
يريد: ويجهرون 844 بالتكبير.
= أقرب من منى، ويقال له: الأبطح والبطحاء.
(الزرقاني على الموطإِ: 2/ 367). وقد سمي النفر من مِنى إِلى مكة للتوديع والإِقامة بالشِّعب الذي يخرجه إِلى الأبطح للهجوع ساعة من الليل قبل الدخول إِلى مكة، سمي بالتحصيب كما قال الخطابي (مختصر سنن أبي داود: 2/ 431). وانظر (إِكمال الإِكمال: 3/ 406).
الجزء: 1 - الصفحة: 450
فرع:
ومن نسي التكبير عقيب الصلاة كبّر إِن كان قريبًا، فإِن تباعد فلا شيء عليه.
وقد قال مالك: يكبر ما دام في مجلسه، فإِذا قام فلا شيء عليه 845.
فرع: وإن نسي الإِمام التكبير فإِن كان قريبًا قعد وكبر، وإِن تباعد فلا شيء عليه، فإِن 846 ذهب ولم يكبر والقوم جلوس كبروا.
فرع:
ويكبر النساء والمسافرون وأهل البوادي ومن صلى وحده والعبيد وغيرهم.
وفي المختصر: لا تكبر النساء دبر الصلوات.
فرع:
قال الباجي: وأهل الآفاق لا يجهرون بالتكبير في خروجهم إِلى المصلى ولا دبر الصلوات، والحجاج يجهرون به.
في كل * الساعات إِلى الزوال من
الجزء: 1 - الصفحة: 451
اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر في المحصب 847.
فرع: وفي التكبير خلف النوافل قولان: المشهور عدم التكبير 848.
الجزء: 1 - الصفحة: 452
فصل: في أحكام الرمي 849 فإِذا زالت الشمس في ثاني يوم النحر فيسن للحاج أن يتوضأ، ويذهب قبل الصلاة ماشيًا، فيرمي الجمار الثلاث يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد 850 مِنى فيرميها من فوقها 851 مما يلي مسجد مِنى بسبع حصيات متواليات 852 مع التكبير، يرفع به صوته، ثم يتقدم أمامها مما يلي الجمرة الوسطى ويجعلها خلف ظهره فيدعو ويهلل ويكبر، ويصلِّي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدر إِسراع سورة البقرة 853.
الجزء: 1 - الصفحة: 453
وفي رفع يديه في الدعاء قولان.
قال ابن حبيب: وإِذا دعا راغبًا بسط يديه فجعل بطونهما إِلى السماء، وإِذا دعا راهبًا جعل بطونهما مما يلي الأرض، وذلك في كل دعاء.
فإِن رمى عن غيره وقف ودعا عنه.
ثم يُثَنِّي بالجمرة الوسطى فيرميها من فوقها كما تقدم، ويتقدم للدعاء 854 أمامها، إِلا أنّه لا يجعلها خلف ظهره، بل يقف يسارها، وهو السنة في ذلك.
ولعل ذلك توسعة على الناس في المرور إِلى الجمرة الثالثة.
ويستقبل الكعبة في وقوفه للدعاء كالأولى 855 ومن ترك الوقوف للدعاء 856 فلا شيء عليه.
ثم يثلث برمي جمرة العقبة فيرميها من أسفلها، وقد تقدم بيان ذلك 857 في رمي جمرة العقبة يوم النحر.
ولا يقف للدعاء عندها فتلك السنة.
ثم يذهب الإِمام إِلى مسجد مِنى في هذا اليوم بعد تمام الرمي، فيصلي الظهر بالناس، ثم يخطب خطبة واحدة لا يجلس فيها على المشهور.
الجزء: 1 - الصفحة: 454
وقال ابن حبيب: يجلس في وسطها 858. فيعلم الناس حكم الرمي والمبيت والتكبير وحكم التعجيل وغير ذلك من الأحكام.
وهذه هي الخطبة الثالثة.
أما أهل مِنى فيتمون الصلاة كما يتم أهل عرفة الصلاة لو كان بها أهل مقيمون.
ومن لم يحضر مع الإِمام الصلاة والخطبة فإِنه يبدأ بالرمي، ثم يصلّي في رحله أو حيث شاء، والأوْلى الصلاة في المسجد في أيام مِنى لمن قدر.
فصل
قال القرافي: والجمار اسم للحصى لا للمكان، جمعُ جَمرة، والجمرة اسم للحصاة 859.
وإِنما سُمِّيَ الموضعُ جمرةً 860 باسم ما جاوره، وهو اجتماع الحصى فيه.
وقد تقدم في حكم نزوله بالمزدلفة ذكر الموضع الذي تؤخذ منه الجمار،
الجزء: 1 - الصفحة: 455
وحكم الرمي بغير الحجارة وحكم طهارتها وعددها 861.
وقد تقدم 862 أيضًا حكم رمي جمرة العقبة يوم النحر، وأنه لا يرمي فيه غيرها.
وقد تقرر أن الرمي في أيام 863 مِنى بعد الزوال وقبل الصلاة.
ومن رمى بعد الصلاة، فقد ترك الأولى، ولا شيء عليه.
فرع: والقادر على الرمي يباشر ذلك بنفسه، والعاجز عن الرمي يستنيب وعليه دم، ويتحرى وقت رمي نائبه 864 فيدعو ثم يصلي *.
فرع:
وإِذا قدر على حمل المريض، وهو يقوى على الرمي، حمل في محمل أو على ظهر إِنسان أو دابة، ورمى بيده.
وإِن لم يجد من يحمله أو لا يستطيع الرمي رمى عنه غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 456
فإِن صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه، وعليه دم سواء رمى عن نفسه بعد أن صح أو اكتفى برمي غيره عنه.
فرع: ويبدأ النائب بالرمي عن نفسه، فإِن قدَّم الصبيَّ أو المريضَ أجزأه.
فرع:
والصبي الذي لا يحسن الرمي يُرمى عنه، ولا دم، ولا يجزئ رمى واحد عن الصبي وعن نفسه ويعيد الرمي عن نفسه وعن غيره.
فإِن لم يرم الصبي القادر أو لم يرم عن الصغير فالدم على من أحجهما.
وأما تحديد وقت الرمي، فأوله كما تقدم إِذا زالت الشمس.
وتقدم ذكر أول وقت رمي جمرة العقبة 865، وأما آخر وقت رمي جمرة العقبه يوم النحر فهو 866 الغروب 867.
واختلف في ليلة الحادي عشر، فقيل: الرمي فيها أداء، وقيل: قضاء، وقضاؤها في ثاني يومها، وقيل: آخر الرابع.
الجزء: 1 - الصفحة: 457
وأداء الثلاث من الزوال إِلى الغروب، وقيل: إِلى الاصفرار، ويجزئ بعده فإِن رمى بالليل، فقيل: قضاء، وقيل: أداء 868. وقضاء الثاني في الثالث وقضاء الثالث في الرابع من يوم النحر، فإِذا خرج الرابع فات الرمي، ولزم الدم 869. وقال أبو مصعب 870: من نسي جمرة من الجمار فليرم متى ما ذكر، بمنزلة الصلاة.
فرع: قال محمد: ولا أُحب لأحد أن يرمي إِلا متوضئًا، وهو قول مالك، ولا يعيد إِن كان غير متوضئًا، ولكن لا يتعمد ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 458
فرع:
ومن نكس الجمار فرمى الأخيرة ثم الوسطى ثم الأولى، أعاد الوسطى ثم الأخيرة.
وكذلك لو رمى الوسطى ثم الأخيرة ثم الأولى أعاد الوسطى والأخيرة.
ولو رمى الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى أعاد الأخيرة فقط.
فإِن لم يذكر حتى تباعد أعاد الرمي كله.
وهذا مبني على أن الترتيب واجب 871.
وقال ابن بشر: اختلف في الترتيب هل هو من باب الأوجب أو من باب الأوْلى؟
وتستحب الإِعادة على القول بالاستحباب.
فرع: فلو ترك جمرةً ثم ذكرهَا في يومها أتى بها ولا شيء عليه إِن كانت الأخيرة، وإن كانت الأولى أو الوسطى أتى بها وأعاد ما بعدها، وقيل: يعيد 872.
الجزء: 1 - الصفحة: 459
وإِن ذكرها بعد مضيِّ يومها أتى بها وأعاد ما بعدها في يومها، وأعاد الجمرة الحاضرة في يوم ذكرها 873 بناء على ما تقدم.
فرع: واختلف أيضًا في الموالاة في حصى الجمرة الواحدة: هل هي واجبة أو مستحبة؟ وقال القرافي: قيل: الفور شرط مطلقًا، وقيل: مع الذكر.
فرع: وفي الذخيرة: ومن رمى بسبع 874 حصيات في مرة لم يجزه وهو كواحدة، وكذلك لو رمى في مرة 875 بحصاتين اعتدَّ بواحدة * منهما، والأخرى لغو لا حكم لها.
فرع: ومن شك في رميه في جمرة واحدة أو في الجمار كلّها، فليبن على يقينه.
الجزء: 1 - الصفحة: 460
فرع: ومن بقيت حصاة في يده لا يدري من أي الجمار هي فليرم بها الجمرة الأولى ثم يعيد الوسطى والأخيرة 876، وقيل: يستأنف الجمار الثلاث 877.
فرع:
ومن رمى حصاةً فوقعت قرب الجمرة فإِن وقعت في موضع حصى الجمرة أجزأه 878 وإن لم تبلغ رأس الموضع 879.
وإِن سقطت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة، لم يجزه؛ لأنها لم تقع في الجمرة من فعله.
ولو أصابتِ المحملَ ثم سقطتْ في الجمرةِ أجزأه 880.
ولو شك في وصولها الجمرة فالظاهر عدم الإِجزاء.
ولو رمى الجمرة فتعدتها لم يجزه لعدم الاتصال.
الجزء: 1 - الصفحة: 461
فرع: ولو أصابت البناء القائم وسقطت في المرْمَى أجزأه، كما إِذا أصابت المحمل ثم سقطت بنفسها في الجمرة.
فرع:
ولو ثبتت في شقوق البناء القائم فأفتى الشيخ خليل صاحب التوضيح بعدم الإِجزاء.
وكان شيخه أبو محمد عبد الله المنوفي يميل إِلى الإِجزاء 881.
فرع:
ولو وضع الحصاة وضعًا لم تجزه.
وعن أشهب: إِن نوى بالطرح الرمي أجزأه 882، فانظر هل يأتي ذلك في الموضع؟
فرع: فلو رمى الجمار بخمس خمس فذكر قبل غروب الشمس، رمى الأولى بحصاتين وأعاد الثانية والثالثة، وإِن ذكر بعد غروب الشمس فعل ما ذكرنا
الجزء: 1 - الصفحة: 462
وكان عليه دم، وإن لم يذكر إِلا في الغد، وقد رمى، فإِنه يفعل ما ذكرنا، ويعيد رمي يومه.
فرع:
قال ابن رشد: ومن نسي الرمي يومًا أو يومين ثم ذكر 883، فقال ابن وهب عن مالك: يرمي لما فاته في اليوم الثالث لليومين الماضيين، ويهدي.
قال ابن وهب: إِن كان عامدًا قضى وأهدى، وإِن كان ناسيًا قضى ولا هدي عليه، وإن لم يذكر حتى خرجت أيام الرمي فعليه الهدي وفاته القضاء، خلافًا لأبي مصعب.
تنبيه 884:
الأولى في الهدي في ترك الجمرة الواحدة أو الجمار بدنة، وقيل: في الجمرة الواحدة بقرة وفي الجمار بدنة، فإِن لم يجد البدنة فبقرة وإِلا فشاة.
وأما الحصاة الواحدة فالهدي فيها شاة، ومن لم يقدر على الهدي صام عشرة أيام.
الجزء: 1 - الصفحة: 463
فصل ومن أراد أن يتعجل 885 فليرم في اليوم الثاني من أيام الرمي، وهو ثالث يوم النحر، ثم ينفرد ولا يقيم بمنى، ويصلي الظهر بالمحصب 886. أو في الطريق.
الجزء: 1 - الصفحة: 464
ومن كان له ثقل وعيال فله أن يؤخر، ما لم تصفرَّ الشمس، ولا يصلي يومَ النفر بمسجد مِنى غير صلاة الصبح، قاله عبد الحق في تهذيب الطالب، ونقله عن مالك في الموَّازية.
فرع:
وإِذا تعجل سقط عنه رمي اليوم الثالث من أيام الرمي.
وقال ابن حبيب: سنة المتعجل أن يرمي جمار اليوم الثاني بعد الزوال قبل الصلاة ثم يعود من فوره * فيرمي لليوم الثالث، كما كان يفعل لو أقام، ثم ينفر صادرًا إِلى مكة، وليس عليه أن ينزل المحصب.
وكذلك قال ابن شهاب.
والأول 887 هو قول مالك وأصحابه أعني في سقوط الرمي.
وأما نزول المصحب فليس هو محل الخلاف بل حكمهم 888 القصد إِلى مكة لطواف الوداع.
ونقل مكي 889 من أصحابنا في منسكه أن يدفن حصى اليوم الثالث.
الجزء: 1 - الصفحة: 465
فرع: وأما حكم الرعاة في الرمي فقد رخص لهم أن ينصرفوا لرعي الإِبل، إِذا رموا جمرة العقبة، وأن يخرجوا عن منى في رعيهم، ويقيموا ليلتهم وغدهم، وهو اليوم الثاني، وليلة اليوم الثالث من أيام الرمي 890 ويأتون إِلى منى يوم النفر الأول فيرمون اليومين ثم يتعجلون إِن شاؤوا أو يقيمون 891.
فصل
وأهل مكة في التعجيل حكمهم كأهل الآفاق، على الأصح.
وروى ابن القاسم عن مالك: ليس ذلك لهم، إِلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو مرض 892. = (الأعلام: 8/ 214، إِنباه الرواة للقفطي: 3/ 313، إِيضاح المكنون: 1/ 85 - 2/ 544، بغية الملتمس: 455، بغية الوعاة: 2/ 298، جذوة المقتبس: 351، الديباج: 2/ 342، شذرات الذهب: 3/ 260، وفيات ابن قنفذ: 242، معجم الأدباء: 19/ 167، كحالة: 13/ 3).
الجزء: 1 - الصفحة: 466
فرع:
وهل لمن تعجل من أهل الآفاق أن يبيتوا بمكة ويمضوا على تعجيلهم؟ المذهب أن لهم ذلك.
وقال ابن الماجشون وابن حبيب: لا يصح لهم التعجيل إِلا بشرط أن لا يبيتوا في مكة، وذلك خاص بمن تعجل من أهل مكة، فمن بات من أهل الآفاق بمكة وجب عليه أن يرجع إِلى منى حتى يرمي مع الناس في اليوم الثالث.
وعلى قولهما إِن لم يرجع لزمه الدم.
فرع: ومن نوى أن يتعجل وغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليس له أن يتعجل فإِن تعجل لزمه الدم بترك المبيت والرمي.
تنبيه: ويُستثنَى من ذلك من تعجل وطاف للوداع، وخرج مسافرًا، فكان ممره على منى، فغربت عليه الشمس، وهو بمنى، فليمض ولا دم عليه 893.
الجزء: 1 - الصفحة: 467
فرع: أما إِن أقام المتعجل بمكة حتى أمسى، فقال مالك: لا أرى عليه شيئًا.
تنبيه: التعجيل لا يحتاج إِلى نية يحدثها في منى، فلو أفاض من منى إِلى مكة في اليوم الثاني من أيام الرمي، ثم بدا له أن يتعجل ويسافر من مكة قبل أن تغرب الشمس، فذلك له، فإِن غربت عليه الشمس بمكة قبل أن يبدو له فليرجع إِلى منى حتى يرمي من الغد، حكاه ابن رشد عن مالك.
فرع:
ويلزم الحاج المبيت بمنى ليالي منى ثلاث ليال والمتعجل 894 ليلتين.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك وابن حبيب عن ابن الماجشون: من أقام بمكة أكثر ليلة ثم أتى منى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إِلا أن يبيت ليلة كاملة فيلزمه الدم، ولو كان له عذر من مرض أو غيره لم يسقط عنه الدم حكاه الباجي 895. = عرفة.
فغابت عليه الشمس وهو بمنى، فليس عليه شيء ويمضي في سفره، قاله ابن رشد".
(درة الغواص: 172 رقم 232).
الجزء: 1 - الصفحة: 468
وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيب خلاف ما في المدونة 896.
والمشهور: لزوم الدم إِذا بات بغير منى جل ليلته.
ومن بات وراء العقبة التي * عندها الجمرة ليلة أو جلها فليهد.
رواه ابن المواز عن مالك 897.
والجل ما زاد على النصف.
فصل
قال مالك: لا ينبغي لإِمام الحاج أن يتعجل؛ وذلك لأنه يقتدى به، فيقتدي به في التعجيل من لم تكن له نية فيه، وإِقامة شعائر الحج مطلوبة وهو أولى من إِقامها.
وأما تقديم الأثقال إِلى مكة فلا بأس به في حق كل أحد من الحجاج، كتقديم الأثقال إِلى عرفة قبل يومها.
الجزء: 1 - الصفحة: 469
فصل: في الرجوع من منى للسفر إلى بلده
ويستحب لمن رجع من منى ممن لم يتعجل أن ينزل بأبطح مكة حيث المقبرة، وهو المحصب أيضًا، فيصلي فيه أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يدخل مكة بعد العشاء للسنة 898.
ووسع مالك لمن لا يقتدى به في تركه، وكان يفتي بالترك سرًّا 899 لئلا يشتهر ذلك، فتترك السنة، وكان هذا شيء يفعل ثم ترك.
قاله ابن الحاج.
قال القرافي: وليس بنسك 900.
والجمهور 901 على أن النزول به ليلة الرابع غير مستحب 902، واستحبه مالك لمن يُقتَدَى به.
الجزء: 1 - الصفحة: 470
فصل 903 فإِذا دخلت مكة وقد كنت طفت للإِفاضة وأنت تريد الرحيل فطف للوداع، وإن كنت تريد الإِقامة فأنت في الطواف بالخيار.
فصل: في طواف الوداع
ويسمى طواف الصَّدَر 904.
وطواف الوداع مندوب إِليه ولا دم في تركه، وهو آخر نسك يفعله الحاج 905، والنسك: العبادة.
وحكمه أن يتصل بالخروج؛ لأن هذا حكم الوداع، ولو اشتغل بعده بشراء أو بيع أو شغل 906 بجهاز السفر ساعة من نهاره فذلك مغتفر له، وإِنما
الجزء: 1 - الصفحة: 471
يعد فصلًا طويلًا إِذا أقام يومًا وليلة على ما في المدونة 907.
وقال سند: وروي عن مالك أن من ودع وأقام إِلى الغد فهو في سعَةٍ.
وقال ابن القاسم: إِن أقام يومًا أو بعض يوم أعاد 908.
وقال ابن الماجشون: إِن بات لتجديد كراء أو يعد مريضًا لم يُعِدْ.
فرع: وإِذا طاف للوداع وخرج من المسجد لم يمش إِلى خلفه.
فرع: ومن طاف للإِفاضة وخرج من فوره، أو أتى بالعمرة بعد الحج فطاف لها وسعى وحلق وأراد السفر، فالطواف في هاتين الصورتين بجزئ عن طواف الوداع إِذا خرج من فوره على ما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 472
فرع: قال الباجي: ويجزئ من الخروج في ذلك الخروج إِلى ذي 909 طوى أو إِلى الأبطح، فمن ودع وأقام بها يومًا وليلة لم يلزمه الرجوع؛ لأنه قد انفصل 910.
فرع: ومن نسي أو جهل فسافر ولم يطف، ثم ذكر أو علم بما جهل، فإِن كان قريبًا رجع، وإِن كان ممن تلحقه المشقة بالرجوع فلا شيء عليه.
فرع: ومن خرج من مكة ليعتمر من نحو الجحفة ودع، وإن كان من نحو التنعيم أو الجعرانة لم يودع، وإِذا فرغ من عمرته * فإِن خرج بإِثر فراغه فلا وداع عليه، وإِن أقام بعد عمرته اليوم أو اليومين ودع، والمكي إِذا أراد سفرًا فعليه أن يودع.
فرع: قال مالك: وطواف الوداع مستحب للنساء والصبيان والعبيد 911.
الجزء: 1 - الصفحة: 473
تنبيه:
إِذا طاف طواف الإِفاضة قبل يوم النفر، ونوى أن لا يعود إِلى مكة لأجل ما يلحقه من المشقة بمفارقة الجمال، إِذا كان ممن لا ينزل بمكة ولا بالقرب منها بل ينزل في التنعيم أو قريبًا منه 912، ثم عاد إِلى منى فرمى الجمار ونفر من منى مع الكري وخشي فوات الرفقة إِن طاف للوداع، أو خشي على رحله، فالظاهر أن ذلك يجزئ على الخلاف في طواف الوداع: هل هو نسك يختم به أفعال الحج أو هو نسك مستقل لوداع البيت خاصة؟ وهو ظاهر كلام ابن القاسم أنه لوداع البيت.
وكلام أشهب يدل على أنه نسك، يختم به أفعال الحج.
انظر كلام التادلي في منسكه.
فرع:
ولطواف الوداع ركعتان، ومن نسيهما حتى تباعد أو بلغ بلده ركعهما ولا شيء عليه.
وإِن كان بالقرب وهو على طهارته رجع فركعهما، وإِن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف وركعتيه.
وإِن كان توديعه بعد العصر فله أن يركع الركعتين إِذا حلت النافلة في الحرم أو خارجًا عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 474
فرع:
وإِذا حاضت المرأة بعد الإِفاضة تركت طواف الوداع 913.
قال سند: فلو طهرت بالقرب رجعت كناسي الطواف 914.
ويستحب له إِذا فرغ من طواف الوداع أن يقف بالملتزم بين الركن والباب أو حيث أمكنه، فيحمد الله تعالى ويشكره على ما منّ به عليه وهداه إِليه، ويكثر من الدعاء فيما شاء من خيري الدنيا والآخرة، فإِنه موضعُ رغبة ومكان إِجابة.
وليقل إِن شاء:
اللهُمَّ إِنِّي عبدُكَ حملتني على ما سخَّرت بنعمتك حتى بلغتني بيتك الحرام، وقضيت عني المناسك، فإِن كنت يا ربّ قبلتَ مني ورضيت عني فازدد عني رضًا وإلا فأسألك أن ترضى عني الآن برحمتِك قبل مفارقة بيتك ومحل أمنك، اللهم قني شرَّ نفسي وشر كل ذي شر وكل ما ينقص أجري أو يحبط عملي، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة، واطو لي بعد السفر، وأصلح لي الرفيق، وهوّن علي الطريق، وأقدمني سالمًا مع المسلمين يا أرحم الراحمين 915.
الجزء: 1 - الصفحة: 475
ثم تصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنصرف.
تنبيه:
تقدم أنه إِذا أراد الخروج من المسجد للسعي قبّل الحجر الأسود ثم يخرج، ولم يذكروا أنه يقبل الحجر بعد طواف الوداع وقبل الخروج من المسجد، وهو حسن فتأمله.
وإِذا أخذ في السفر فيستحب له التكبير على كل شرف.
ففي الموطإِ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - * كان إِذا قفل من حج أو غزو يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربّنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده 916 وهزم الأحزاب وحده 917.
الجزء: 1 - الصفحة: 476