مسألة [فعلية أفعل في التعجب]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، أبو البقاء
- الكتاب
- التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين
- المؤلف
- أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن العثيمين
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي
- الطبعة
- الأولى، 1406هـ - 1986م
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
((أَفعل)) في التَّعجّب فعلٌ ماضٍ.
وقالَ الكوفيون: هو اسمٌ.
وحجّةُ الأولين من أوجهٍ ثلاثةِ:
أحدُهما: أن نون الوقايةِ تَلحق هذا البناء كقولك: ما أَعلمني وهذه النُّون لا تلحقُ الأسماءَ، إذ لا يُستنكر كَسر آخرَ الاسمِ وإنّما يُستنكَرُ كسر آخر الفعل أو الحرف، فأتى بالنون لتقع الكسرة عليها، ويبقى آخر الفعل على ما كان عليه.
ونُحرّر من هذا عبارة فنقولُ: لفظٌ تلزمه نون الِوقاية عندَ الإِضافة إلى الياءِ، فلم يكن اسماً كما لو جاء في غير التعجب، ولا يلزمُ عليه الحرف نحو مني وعني، لأنَّ الخلافَ ما وقع في كونِ هذا اللفظ اسماً أو فعلاً فلم يكن له هُنا مدخل فلا يناقض به.
وإن شئت ذكرت دليلَ التَّقسيم فقلتَ ليس بحرفٍ بالاتفاق، ولا يجوزُ أن يكونَ اسماً، لأنّ الاسمَ لا تَلحقه نونُ الوقاية فلا تقولُ فلانٌ ضاربني، وهذه النُّون تَلحق لفظَ التَّعجُّب كقولك:
ما أعلمني، وهي من خَصائص الأفعال فثَبت أنَّه فعلٌ.
فإن قيل: قد دخلت هذه النُّون على الاسمِ في نحو قول الشاعر:
وليسَ حامِلُني إلا ابنُ حَمّالِ
وقالوا: قَطني، وقَدني وهما اسمان.
قيلَ: أمّا ((حامِلُني)) فمن الشَّاذِّ الذي لا يُعرّجُ عليه، وكأنّه حملَ اسمَ الفاعلِ على الفعلِ المضارع لما بَينهما من الشَّبه، ومثل ذلك يُحتمل في ضَرورة الشّعر.
وأمَّا ((قَدني)) و ((قَطني)) فقد يقال: ((قَدِي)) و ((قَطِي)) ولا يجوزُ مثلُ ذلك في فعلِ التَّعجب.
وأمّا مَنْ قال: ((قَدني)) فالوجه فيه عنده أن ((قَد)) بمعنى اكفُفْ فلما أشبَه فِعلَ الأمرِ لحقَه حكمٌ من أَحكامه، كما قالَ: حسبُك يَنَمِ النّاس، بجزمِ الجَواب، لأنه حَمله على اكفُف ينمِ النّاس.
والوَجْهُ الثَّاني: أن هذا البِناء ينصبُ المعرفة والنّكرة وأفعل الذي هو اسم لا يعَمل ذلك وإنما هو يختصُّ بالنكرات.
فإن قيلَ: فقد عمل في المعارفِ كقولِ العَبّاس بن مِرداس:
وأضربُ مِنّا بالسُّيوف القَوَانِسا
فنَصب القَوانِسَ بأضرب، وقالَ النَّابغة:
فإن يَهلك أَبو قابوس يَهلك ... رَبيْعُ النّاسِ والشَّهرِ الحَرامِ
ونَأخذ بعدهم بِذِنابِ عَيْشٍ ... أَجبَّ الظَّهرَ لَيس لَه سَنامِ
فنصَب الظّهر بأحبّ، وقالَ آخر:
ولقد أغتدي وما صَقَعَ الدّيْ ... ـــــك على أدهمٍ أجشّ الصَهِيلا
فنصب بأفعل.
فالجوابُ: أن هذه المواضعَ مَخرجها غيرُ ما ادعوا، وذلك أن مَنْ نصب ما بعدها إمّا يكون فعل محذوف يفسره أَفعل كما قال تعالى: ﴿إنّ ربَّك هو أعلمُ بمَنْ ضَلَّ عن سَبِيْلِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿الله أعلمُ حَيْثُ يَجعل رِسالاَته﴾ ف ((حيثُ)) و ((مَنْ)) لا يجوز أن يكونا مَجرورين بالإِضافة، لأنَّ أفعلَ تُضاف إلى ما هي بعض له وذلك محالٌ هنا، وأمَّا ((أجبَّ الظَّهر)) فروي بالإٍضافة، ولا حُجّة فيه على هذا، وقد رُوي بالرّفع على تَقديرِ أجبّ الظهرَ منه، أمَّا النَّصب فعلى التَّشبيه بالمفعول به كباب الحَسن الوجه، وقيل الأَلف واللاّمُ زائِدتان كما قالَ الآخر:
خلّص أمّ العَمرو من أَسيرها ... حُرّاسُ أبوابٍ على قُصُورها
وعلى مذهبهم يجوزُ أن يكونَ بدلاً من الضَّمير، وعلى كل حال لا يبقى لهم فيه حجة وكذلك القول في ((أجشَّ الصهيلا)).
والوجه الثالث: أن هذا البناء مبنيّ على الفتح ولو كان اسماً لم يكن مبنياً، إذ لا علة للبناء خصوصاً على الفتح، فإِنْ قيل: علة بنائه شيئان:
أحدُهما: تَضَمُّن معنى هَمزة الاستفهامِ، لأنَّ قولَك: ما أَحسن زيداً أي شيءٌ أوجبَ ذلك؟.
والثاني: تَضَمُّنهُ حرفُ التَّعجب، لأنّ التَّعجُّب معنى، والأصلُ في كلِّ معنى أن يوضعَ له حرفٌ فيُعتَقَد ذلك وإن لم يُنطق به، كما في بناءِ هذا وهؤلاء.
والجوابُ أمّا الاستفهامُ فعنه جوابان:
أحدهما: أنَّ التّعجُّب خبرٌ يَحتمل الصّدقَ والكَذِبَ وبين الخبرِ والاستفهامِ بونٌ بَعيدٌ.
والثاني: أنَّ الاستفهامَ لو كان لكانت ((ما)) هي المُتضمنة له لا الفعل الذي بعدها.
وأمّا حرفُ التَّعجب فلا حاجةَ إلى تقديره، لأنَّ الصيغَة دالةٌ على التَّعجب فلم يَحتج معها إلى حرفٍ، كما أنَّ ((نعم)) و ((بئس)) موضوعتان على المَدح والذّم ولم تحتَج مع ذلِكَ إلى تقديرِ حرفٍ يدلُّ عليهما وكذلك عسى وحبذا.
والوجهُ الرابعُ: أن أحكامَ الفِعلية موجودةٌ فيه منها لحقوق نون الوقاية به على تقدّم، ومنها أنّك إذا أتيت بفعلٍ آخر والمفعول واحد أَجريته مجرى أكل وشرب مثاله قولك ما أَحسن زيداً وأجملَ.
وأما حُجَّةُ الكوفيين: فإنهم احتجوا بثلاثةِ أشياء:
أحدُها: أنه يصغر، يقال ما أُحَيْسِنَهُ قال الشَّاعرُ:
يا ما أُمَيْلِحَ غزلاناً شَدَنَّ لنا ... من هَؤليائِكُنَّ الضَّالِ والسّمرِ
والتَّصغيرُ من خَصائص الأسماء.
والوجهُ الثاني: أن عينَ هذه الكلمةِ تَصِحُّ إذا كانت واواً أو ياءً نحو ما أَخوف زيداً وما أَسيره ولو كان فِعلاً لاعتُلت لأن الاعتلال من خَصائص الأفعالِ.
والثَّالثُ: أنّه جامدٌ لا يَتَصَرّف فلا يكونُ منه مُستقبل ولو كان فِعْلاً لتَصَرّف، ويدلُّ على أنَّه ليس بفعلٍ أنَّك تَقولُ ما أَعظمَ الله قالَ الشاعرُ:
ما أَقَدَرَ الله أن يَدني على شَحَطٍ ... مَن دارُهُ الحَزن ممن دارُه صُولُ
ولو كان فِعلاً لكان التّقدير شيئاً عظُّمَ اللَّهَ، وعظمةُ اللَّهِ من صفاتِ الذّات لا تَحصل بجعلِ جاعلٍ.
والجوابُ: أما التَّصغيرُ فإنّه يتناول لفظ الفعلِ هنا والمراد تَصغير مَصدره وكأنَّه قالَ فيه حُسنٌ قليل، وهذا كما يضاف إلى الفعل في نَحو قوله: ﴿هذا يومُ ينفعُ الصَّادقين صِدْقُهُم﴾ وهو كثيرٌ، والمعنى إضافة الزّمان إلى مصدر الفعل، وحسن ذلك في فعل التَّعجب أنه لجمودِهِ أشبهَ الاسمَ، ومن هاهُنا صحّت فيه الياءُ، والواو نحو ما أَقَومه وما أَخَوفه، لأنَّه
لما لَزِمَ طريقةً واحدةً كان كالاسم وهذا هو الجَواب عن الوَجه الثَّاني على أن صِحّة الواو لا يقَطع بها على الاسم أَلا تراهم قالوا: ((استَحْوَذَ))، و ((استَنْوَقَ الجَمَلُ)) و ((استَتْيَسَتِ الشّاة)) ونحو ذلك.
أمّا عدمُ تصَرفه فلا يدلُّ على كونه اسماً ألا تَرى أن ((نعم)) و ((بئس)) و ((عسى)) أفعال ولا تتصّرف وكان السّببُ في ذلك أنّ فعلَ التّعجب ماضٍ أبداً؛ إذ لا يُتَعَجَّبُ إلا من أمرٍ متحقق، موجودٍ كما أن نِعم وبِئس كذلك.
فإن قيلَ فأنتَ تقولُ: ما أطولَ ما يخرج هذا الصّبي فتحكم على المعنى المستقبل قيل: التَّعجب هنا لأماراتٍ دالة على وجود الأمر في المستقبل، فكأنَّ ذلك موجود الآن، وهذا مثل قوله تَعالى ﴿رُبَّما يَوَدُّ الذين كَفروا﴾ و ((رُبّ)) إنما تَدخل على المَاضِي ولكنْ لما كان خَبرُ الله حَقاً وصِدْقاً جَرى مَجرى المَوجود وأمَّا قولهم: ما أعظمَ الله فالمُراد به شيءٌ عظم الله عندي: ولم يوجب له في نفسه سبحانه تعظيماً لم يكن: وإنما هو دالُّ على أمر ظهرَ للمَخلوق ثمّ إن هذا لازمٌ لهم، كما يَلزمنا فإنّ المَعنى لا يَختلفُ بينَ أن يكونَ اللّفظُ فعلاً أو اسماً ... والله أعلمُ بالصّواب ...
43 -