مسألة [إبراز الضّمير في اسم الفاعل والصفة المشبهة]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، أبو البقاء
- الكتاب
- التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين
- المؤلف
- أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن العثيمين
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي
- الطبعة
- الأولى، 1406هـ - 1986م
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اسمُ الفاعلِ والصّفةُ المشبهة به إذا جَريا على غيرِ من همالة وَجَبَ إبرازُ الضميرِ فيهما.
وقالَ الكوفيون لا يجبُ ذلك.
وصورتُهُ قولك: ((هندٌ زيدٌ ضاربتهُ هِيَ)) لابدّ من ((هِيَ)) عندنا، وعندهم لا يلزمُ.
لنا فيه طريقان:
أحدُهما: أن اسمَ الفاعلِ والصّفة المشبهَة به فَرعان على الفعلِ في العملِ وَتَحمُّلِ الضَّميرِ، وقد انضمّ إلى ذلك هُنا جريانُه على غيرِ من هو له فقد انضمّ فرعٌ إلى فرعٍ، والفرعُ يقصرُ عن الأصلِ، فيجبُ أن يبرزَ الضَّميرُ ليظهرَ أثَر القُصور، ويمتاز الفرعُ عن الأصلِ.
والطريقُ الثَّاني: أن تركَ إبرازِ الضَّميرِ يُفضي إلى اللَّبس في بعضِ المَواضع واللَّبسُ يزولُ بإِبْراز الضَّميرِ، فيجبُ أن يبرزَ نفياً لِلّبس، ثم يطردُ البابُ فيما لا يلبس كما فعلوا ذلك في كثير من المواضع نحو نعد وتعد، وأعد فإنهم حذفوا منها الواو كما حذفوها في يَعد، وكذلك يُكرم وتُكرم، ونُكرم محمول على أَكرم، ومثال ذلك قولك: ((زيدٌ أخوه ضاربه)) فإن ((ضاربه)) يجوزُ ان يكونَ للأخِ فيكون جارياً على من هو له، لأنَّ ((أخوه)) مبتدأ، ((ضاربُه)) خبره، والضَّربُ لزيدٍ ولا يحصلُ الفصل بينهما إلا بإبراز الضمير.
واحتج الكوفيون بالسماع والقياس، فمن السماع قراءةُ بعضهم {إِلَيْ
طَعَامٍ غَيرِ نَاظِرِيْنَ إِنَاه} بالجر في غير، وهو جار على طعام ولم يقل ناظرين أنتم، ومن السَّماع قولُ الشَّاعِرِ:
تَرى أَرباقَهم مُتَقَلّديْهَا ... كما صَدِيَ الحَديدُ على الكُماةِ
وقال آخر:
وإنَّ امرءاً أفَضَى إليكَ ودونَه ... من الأرضَ موماةٌ وبَيداءَ سَمْلَقُ
لَمحقوقةٌ أن تَستَجِيْبي دَعاءَة ... وأن تَعلمي أنّ المعانَ المُوفَّقُ
ولم يقل: مُتقلديها هم، ولا محقوقة أَنت.
ومن القياس أن اسمَ الفاعلِ والصفةَ يعملان عملَ الفعلِ، والفعلُ لا يجب فيه إبراز الضمير، كذلك ما يعمل عمله، وكذلك إذا جرى على من هو له يبرز ضميره، كذلك ها هنا.
والجوابُ: أمَّا الآيةُ فالقراءةُ المذكورةُ فيها بعيدةٌ [عن] الصّحة، وإنّما جوَّزها من هو على مذهبهم في ذلك، فلا تكونُ حُجَّةً على مُخالِفيهم.
وأما الشّعرُ فليس على حكم مسألتنا بل فيه حذف مضاف تقديره: ترى أصحاب أَرباقها فحذَف المُضاف وأَبقى المُضاف إليه وشَواهده كثيرةٌ.
وأمَّا البيتُ الآخرُ فلا حُجَّة لهم فيه أيضاً؛ لأنَّ قولَه: ((أنَ تَستَجِيْبي)) هو الفاعِلُ والتقدير: لمحقوقه استجابته، والهاء في ((دعاءَه)) عائدةٌ عليه.
أمَّا القياسُ على الفعلِ فغيرُ مستقيمٍ لوجهين:
أحدُهما: أنَّ الفعلَ هو الأصل في العمل وفي استحقاق الفاعل واسم الفاعل ليس كذلك.
والثاني: أن الضمائرَ في اسم الفاعل والمَفعول غيرُ مستحكمة ولذلك لا يظهر الضمير فيها لفظاً، بل هي على صورةٍ واحدةٍ في كلِّ حالٍ وإنّما يُقْضَى بالضمائر فيها حُكماً بخلافِ الفعلِ فإن ضميرَ التَّثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ يظهرُ فيها لفظاً نحو ضربا وضربوا وضربن، فعندَ ذلك يُستغنى عن إظهارها في مسألتنا.
والله أعلمُ بالصَّواب ..
36 -