التبيين عن مذاهب النحويينمسألة: [تقديم معمول خبر (ما) عليها]

مسألة: [تقديم معمول خبر (ما) عليها]

عن هذه الطبعة
عَلَم
العكبري، أبو البقاء
الكتاب
التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين
المؤلف
أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
المحقق
د. عبد الرحمن العثيمين
الناشر
دار الغرب الإسلامي
الطبعة
الأولى، 1406هـ - 1986م
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تَقولُ: طعامك ما زيدٌ آكلاً إيّاه، أو آكِله نصبت الخَبر أو رَفعته فإن نصبت الطعام بآكل لم يجر.
وقالَ الكوفيون: يَجوزُ.
وفرَّق ثَعْلَبٌ فقالَ: إنْ كان ذلِكَ في القَسَمِ لَم يَجُزْ، وإن كانَ في خَبَرٍ محضٍ جازَ.
وحُجَّةُ الأولين أن المانِعَ من النَّصب موجودٌ فيمتنعُ النَّصب، وبيانُ المانِع أنَّك لَو نَصَيْتَ الطَّعام لَنَصَبْتَه بآكلٍ، وآكلٌ في حيّز النفي ب ((ما))، والنَّفيُ له صَدْرُ الكلامِ، ألا تَرى أنَّك لَو قُلْتَ: زيداً ما ضربَ عَمْروُ لم يَجُزْ كما أنَّ الاستفهامَ لا يَعْمَلُ فيما قَبْلَهُ كذلِكَ النَّفي والجامِعُ بَيْنَهما أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لَه صدرُ الكَلامِ، وتقديمُ معمولِ المُتأخّر على الاسمِ ممتنعٌ كذلِكَ هاهنا.
فإِنْ قِيلَ: لا نُسَلّمُ وجودَ المانِعِ، قولكم: إنّ النَّفيَ مانعٌ.
لا نسلّمُ أنّ مُطلقَ النَّفي مانعٌ ألا تَرى أنَّه لو كانَ في موضعِ ((ما)) ((لَم)) أو ((لَن)) أو ((لاَ)) لم يَمتنع التَّقديمُ، و ((ما)) في هذا المَعنى كهذه الحُروف.

فالجوابُ أنَّ وجهَ المَنعِ ما ذكرنا وهو معنى مُتَّفَقٌ عليه في الاستفهام فيلزمُ مثله في النَّفي، وأما بقيةُ حروفِ النَّفيِ فسنُجيبُ عنها في جوابِ شُبهتِهِمْ.
واحتجَّ الآخرون بأن المُقتضى للنفي موجودٌ والمانع مفقودٌ فلم يبقَ من النَّصب مانعٌ، أما المُقتضى فقوله آكل كما تقولُ: يأكلُ وأما ((ما)) فغيرُ مانعةٍ لما ذكرنا من أن ((لَمْ)) و ((لَنْ)) و ((لا)) لا يَمتَنِعُ مع مشاركتها ((ما)) في النَّفي.
والجوابُ: أمَّا المقتضي فمسلّمٌ وجودُه، ولكن المانع موجودٌ وهو أرجحُ من المُقْتَضِي، ألا تَرى لو قلتَ: زيداً أَتضربُ؟ لم يَجزْ مع أنَّ ((تَضْرِب)) مُقْتَضٍ للنَّصب، ولكن حرفَ الاستفهامِ منعَ من ذلِكَ؛ لأنَّ له صدرَ الكَلامِ ولذلك لَو قُلت: أَزيداً تَضْرِبُ؟ جازَ النَّصبُ لما تَقَدّمَ الاستِفهامُ فبانَ أنّه هو المانِعُ، و ((ما)) في ذلِك كهمزة الاستفهامِ.
فأما ((لَم))، و ((لَن)) فالفرق بينهما، وبين ((ما)) أنَّهما مُختصَّانِ بالفعلِ والمُختَصُّ بالشّيء كالجزءِ منه، ولما جازَ تقديمُ معمولِ عليه جازَ تَقديمه على ما هُو كالجُزْءِ منه، وليسَ كذلك ((ما))؛ لأنَّها لا تختصُّ بالفعلِ بلْ تَدخُلُ على الأسماءِ والأفعالِ فكانت قائمةً بنفسِها، لا كالجزءِ مما بعدَها كالاستفهامِ.
وأمَّا ((لا)) فإنَّها وإن دَخلت على الأسماءِ والأفعالِ فهي مُختصَّةٌ بنفي ما في الحالِ، هذا هو الأَصلُ فيها، ودخولُها لغير ذلك مجازٌ وتَوَسُّعٌ، ويدلُّ على ذلك أنَّ ((لا)) تَقَعُ على مَعَانٍ كالنَّهِي، والنَّفْيِ والعَطْفِ كقولِكَ:

قامَ زيدٌ لا عمرُّو، ولو قلتَ: قامَ زيدٌ ما عمرو لم يَجز، ومنها أنَّك تُلغِيْها في العَمَلِ وتُعدّى العامِلَ فتقولُ: ((جئتُ بلا شيءٍ))، ولو قلتَ جئت بما شيءِ لم يجز، وهذا يُجريها الجُزءِ مما دَخَلَتْ عليه فبانَ الفَرقُ بينهما.
وأمَّا تفريقُ ثَعْلبٍ بينَ القسمِ والخبرِ، ففرقٌ لا طائلَ تحته، بل المانعُ إذا ثَبَتَ في القَسَمِ كان في الخبرِ؛ لأنّ القَسَمَ خبرٌ أيضاً؛ ولأنَّ النفيَ فيهما لا يَخْتَلِفُ والله أعلمُ بالصَّواب.

50 -

جارٍ التحميل