التبيين عن مذاهب النحويينمسألة [الاسم الواقع بعد لولا]

مسألة [الاسم الواقع بعد لولا]

عن هذه الطبعة
عَلَم
العكبري، أبو البقاء
الكتاب
التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين
المؤلف
أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
المحقق
د. عبد الرحمن العثيمين
الناشر
دار الغرب الإسلامي
الطبعة
الأولى، 1406هـ - 1986م
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الاسمُ الواقعُ بعد ((لولا)) التي يَمْتَنِعُ بها الشَّيءُ لوجودِ غيرهِ يرتفعُ بالابتداءِ وقالَ الكوفيون فيه قولين: أحدُهما: يَرتفع بنفسِ ((لولا)) كارتِفاعِ الفَاعِلِ بالفِعْلِ.
والثَّاني: يَرتَفِعُ بِفِعْلٍ مَحذوفٍ.
وحجةُ الأولين من أَربعةِ أوجهٍ:

الوجه [الأوَّل]: أنَّ ((لو)) ((ولا)) قبلَ التَّركيب لا يَعملان في الاسم الرفعَ فكذلك بعدَ التركيب، لأنَّ الأصلَ عدمُ التَّغَيُّير والتَّغْيِير.
والوجهُ الثاني: أنَّ الأصلَ في العملِ للأفعالِ، وإنَّما يقامُ الحرفُ مقامها إذا كانَ فيه مَعنى الفعلِ أو شبهه، و ((لولا)) ليستْ كذلك.
والوجهُ الثَّالثُ: أنَّ الاسمَ لو ارتفعَ بها لكانَ معه منصوبٌ، إذ كلُّ حرفٍ ينصبُ، مثل ((ما))، و ((لاتَ)) وهذا لا منصوبَ له فلا يصحُّ قياسه ولا هو مسموعٌ من العربِ فدعوى ارتفاعه به مَحضُ تَحكُّمٍ.
والوجهُ الرَّابعُ: أنَّك لو وضعت مكانه فعلاً في معناه لم يَكُنْ للجملةِ مَعنى، أَلاَ تَرى أنَّك لو قُلتَ: ((امتنعَ زيدٌ أو وُجد زيدٌ فهلكَ عَمرو)) كان الكلامُ فاسداً وضدَّ المعنى، لأنَّ المعنى وجد زيد هلاك عَمروٍ، وإذا لم يصح أن يوضعَ مكانَه فعلٌ يعملُ لم يَعْمَلْ هو نيابةً عنه.
فإن قيلَ أمَّا عملُها قبلَ التَّركيبِ فلا يلزمُ مثله بعدَ التركيبِ [لأنَّ] التركيبَ يُغيِّر معنى الحروف، كما قالَ الخليلُ في قوله لَن يضربَ زيدٌ أصله لا أن يضربَ زيدٌ ولما رُكِّبت تغيّر المعنى والحكم كذلك ها هنا.
قيلَ: يُلغي في التَّغيير المعنى، أمَّا تَغييرُ اللَّفظ والإِعرابِ فلا دليلَ يدلُّ عليه و ((لن)) فيها كلامٌ يذكر في موضعه.

واحتجَّ الآخرون من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أن ((لولا)) هذه حرفٌ يختصُّ بالاسمِ فكانَ عاملاً فيه كسائرِ الحُروفِ المُختصَّةِ، وإنَّما عَمل الرَّفع ولم [يعمل] النَّصب والجرَّ، لأنَّه يستقلُّ بالاسم فأشبه الفعل و [الفاعل] وأمَّا ما يأتي بعدَ ذلك فجوابٌ للحرف وليسَ هو من تمامِ الاسمِ [وأما] ((لَن)) فإنَّها تقتضي اسمين.
[و] الوجهُ الثاني: أن ((لولا)) معناه معنى الفِعل فكانت عاملةً ك ((إنَّ)) وأخواتها وبيان ذلك أن قولَك: لولا زيدٌ لأتيتك معناه زيدٌ من إتيانك و [الحرفُ] يعملُ إذا كان معناه معنى الفِعل ك ((إنَّ)) وأخواتها.
والوجه الثالث: أن ((أن)) تفتح بعد لولا كقوله تعالى: ﴿فلولا أنَّه كانَ من المُسَبَّحيْنَ﴾ والمَفتوحةُ وما عملتْ فيه لا يكونُ مبتدأ بل يكونُ معمولاً لما قَبله وهذا يفسد القول بكونه مبتدأ.
والجوابُ عن الأول من وجهين: أحدُهما: لا نُسلِّمٌ أنَّها مختصةٌ بالاسمِ، بل قد يَقع الفِعل بَعدها.
قال الشَّاعرُ الهُذلي:

أَلاَ زَعَمَتْ أَسماءُ ألاَّ أُحِبُّها ... فَقُلْتُ بَلَى لَوْلاَ يُنَازِعُنِي شُغْلِي أي لولا ذلك لظهرَ لها حُبِّي، وقال آخر: قالَت أُميمة لما جئتُ زائِرُها ... هلاَّ رَمَيْتَ بِبَعْضِ الأَسْهِمِ السُّودِ لا درّ درّكِ إني قد رَمَيْتُهُمُ ... لولاَ حُدِدتُ ولا عُذرَى لِمَحْدُودِ

الوَجْهُ الثاني: نُسلّم أنَّها مختصةٌ، ولكن ليس كل مختصٍّ عاملاً، ألاَ تَرَى أنَّ الألفَ واللاَّمَ مختصةٌ بالاسم ولا تَعمل وإنَّما العاملُ يفتقرُ إلى معنىً غيرِ الاختصاص وهو قوةُ شَبهه بالفعل، و ((لولا)) لَيْسَتْ كذلك، لأنَّ معناها يَرتبط بالجوابِ، فهي ك ((لو)) تَخْتَصُّ بالأفعالِ ولا يعملُ فيها والسِين وسوفَ كذلك، وإذا وقع الاسمُ بعد ((لو)) قدر له فعل بعد ((لو)) يعملُ في الاسمِ ولا يصحُّ مثل ذلك في قولهم أن ((لولا)) معناها مَنَعَنِيْ، لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَوَّلهُمَا: أنَّ هذا التَّقدير يُبْطِلُ معنى ((لَولا))، لأنَّ معناها تَعليقُ شيءٍ بشيءٍ فلها جوابٌ والفعلُ لا يعلّق ولا جوابَ له.
والثَّاني أنَّ الحروفَ لو عملتْ بمعناها لعملتْ ((ما)) النَّافية النَّصبَ وكذلك حروف الاستفهام، لأنَّ معناها أَنفى واستفهم وليسَ الأمرُ على ذلكَ وكان السببُ فيه أنَّ الحُروف وُضِعَتْ للاختصار، فلو عملتْ عمل الأفعالِ لبطلَ هذا المعنى، ولأنَّ الإِجماع منعقدٌ على أنَّ معنى [الحرف] في غيرهِ لا في نَفسِهِ، والفِعلُ معناه في نَفس، فلم تكن له قوَّةٌ العملِ في غَيره كعملِ ما له معنى في نَفسِهِ ووجب أن يُقتَصَر به على إثباتِ المَعنى في غيرهِ.
وأمَّا وقوعُ أنَّ المَفتوحة بعد ((لَولا)) فلا يمنعُ من كونِها مبتدأ، وإنَّما كان كذلك، لأنَّ إن وما عملت فيه يصح الإِخبار عنه بالفعل الواقع قبلها وكلُّ ما صحَّ الإِخبارُ عنه بما قَبله وجبَ أن يصحَّ الإِخبارُ عنه بما بعده؛ لأنَّ صحةَ الإِخبار لا تَختلف بالتَّقديمِ والتَّأخيرِ، وإنَّما امتنعَ كونُ المفتوحةِ مبتدأ في موضِع يصحُّ دخول ((إنَّ)) المكسورة عليها كقولك: إنَّ زيداً منطلقٌ

يُعجبني فإنَّك لو أدخلتَ إنَّ المكسورة عليها ها هنا صَحَّ، فامتنَع من ذلك لئلاَّ يتوالي حرفَا توكيدٍ، ففي المَوضع الذي لا يَصِحُّ دخولُ المكسورةِ عَليها يصحُّ أن يكونَ مبتدأ يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألاَّ تَجُوْعَ فِيْهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّك لاَ تَظْمَؤُ﴾ فأجازوا في ((أنَّ)) الثانية الفتحَ والكسرَ بلا خلافٍ، وإنَّما جازَ الفتحُ، لأنَّ ((إنّ)) المكسورة لا تدخلُ عليها ها هنا، وهي في موضع الابتداء لأنَّ ((إنَّ)) الأولى قد ولِيَها الجار، و ﴿ألاَّ تَجُوْعَ﴾ في موضع نصب ب ((أن))، فعطفت المفتوحة على موضع ﴿ألا تجوعَ﴾ ونقول على هذا إنَّ لك أنَّك مكرمٌ، لأنَّك حُلتَ بين المفتوحة والمكسورة بالجارِّ فكذلك المَفتوحة بعدَ ((لولاَ)) لا يصحُّ أن تدخل عليها ((إن)) المكسورة فجاز أن يكونَ مبتدأً والذي يَدُلُّ على أنَّ ((لولا)) لا تعمل أنَّك لو عَطَفْتَ على اسمها اسماً لم تُؤكِّده ب ((لا)) النَّافية كقولك: لَولاَ زيدٌ وعمروُ لأَتيْتُكَ، ولا تقولُ: لولاَ زيدٌ ولا عمرو، وهم إنَّما حملوا الكلام على ((لم)) كأنَّه قالَ: لو لم يمنعني زيدٌ أَتيتك فجعلوا ((لا)) موضع لم كقولِه تَعالى: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ أي لم يَقْتَحِمْ، ولو كانَ الأمرُ كما ذكرنا لجازَ توكيدُ المعطوفِ بلا، كما تقول: لَم يَقُمْ زَيدٌ ولا عَمْرو.
واللَّه أعلمُ بالصَّوابِ.

32 -

جارٍ التحميل