التبيين عن مذاهب النحويينمسألة [التعجب من الألوان]

مسألة [التعجب من الألوان]

عن هذه الطبعة
عَلَم
العكبري، أبو البقاء
الكتاب
التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين
المؤلف
أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
المحقق
د. عبد الرحمن العثيمين
الناشر
دار الغرب الإسلامي
الطبعة
الأولى، 1406هـ - 1986م
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لا يُبنى فعل التَّعجب من الألوان.
وقال الكوفيون: يُبنى من البَياض والسَّواد فقط.
وحجةُ الأولين أنّه فعلُ مأخوذٌ من اللَّون فلم يُبن منه فعل التَّعجب كالحُمرة وغيرها، وإنما كان كذلك لوجهين: أحدهما: أن الأصل في فعل اللون أفعل نحو أبيض وأحمر، وفعل التعجب لا يبنى إلا من الثلاثي.
والثاني: أن الألوان للزومها المحل تجري مجرى العيوب الظاهرة والأعضاء ولذلك لا يبنى منها فعل التعجب، فلا يقال في العظيم الرجل ما أرجله ولا في عور العين ما أعوره كذلك الألوان.

واحتج الآخرون بالسماع والقياس.
فمن السماع قول الشاعر: جارِيةٌ في دِرعِها الفِضفاضِ ... تُقطّعُ الحَديثَ بالإِيماضِ أبيضُ من أُختِ بني أَباضِ وكذلك قولُ الآخر: إذا الرجالُ شَتَوا واشتَدّ أزمُهُمُ ... فأنتَ أَبيَضُهُم سِربال طَبَّاخِ وأَفعل في حكمِ فعلِ التَّعجبِ فيما يجوزُ ويمتنعُ.
وأمَّا القياسُ فهو أن البَياض والسَّواد أصلان لكلِّ لونٍ، إذ كانَ بقيّةُ الألوانِ يتركب منها، وأحكامُ الأصولِ أعمُّ من أحكامِ الفروع وأقوى.
والجوابُ عن الشّعر من وَجهين: أحدُها أن أفعلَ فيه ليس للمبالغةِ وإنّما هو اسمٌ بمنزلة قولك شيءٌ أسود وأبيض أي مبيضّ ومسودٌ، والخلافُ فيما يراد به المبالغة.
والثّاني: أن هذا من الشُّذوذ الذي لا تناقض به الأصول قولهم: ((إن البياض والسواد أصلان للألوان)) جوابه من وجهين:

أحدُهما: ليس كذلك بل كل لونٍ أصل بنفسه وليس بمركب ولو قدر أنّه مركب، ولكن هذا لا يمنعُ من أن يكونَ أصلاً؛ لأن حقيقتَه واسمه تغيرا فهو، بمثابة الأدوية المركبة فإن طَبائعها وأسماءَها تُخالف أحكامَ مفرداتها وكذلك ما رُكب من الكلمات نحو ((لولا)) و ((لن)) على قول الخليل.
والجوابُ الثاني: نُقدر أنهما أصلان ولكن لم يُجَوِّزْ ذلك بناءَها على هذه الصّيغة، وبيانُه من وجهين: أحدُهما: أن العلةَ في امتناعِ بناءِ فعل التّعجب من غيرهما موجودةٌ فيهما وهو كونه على أكثر من أربعةِ أحرفٍ والأصلُ ألاَّ يُخالِفَ مقتضى العِلّة.
والثاني: أن الأصولَ أولى بمراعاةِ أحكامِها، وأبعد من التّغيير بخلافِ الفروع، فإن الفرعَ مغيرٌ عن الأصلِ والتَّغيير يُؤنس بالتَّغيير، ألا تَرى أن النَّسب إلى حَنيفة وإلى ثَقيف ثَقيفي ولم يكن الفَرق بينهما إلا أن حنيفةَ حُذفت منها التّاء، فحُذفت منها الياء أيضاً وثقيف لم يُحذف منه شيءٌ فلم تُحذف منه الياء، والله أعلمُ بالصّواب ..

مسائل باب كان وأخواتها

44 -

جارٍ التحميل