مسألة [تقديم خبر (ليس) عليها]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، أبو البقاء
- الكتاب
- التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين
- المؤلف
- أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن العثيمين
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي
- الطبعة
- الأولى، 1406هـ - 1986م
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يجوزُ تقديمُ خبرِ ((لَيس)) عليها عند جمهور البصريين.
وقال الكوفيون، وبعض البصريين: لا يجوز.
وحجة الأولين من أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذابَ إلى أمةٍ معدودةٍ ليقولن ما يَحْبِسُهُ﴾، ثم قال: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُم﴾ فنصب ((يومَ)) ب ((مصروف)) و ((مصروف)) خبر ((ليس)) وتقديم معمول الخبرِ كتقديم الخبرِ نفسِهِ؛ لأن المعمولَ تابعٌ للعامِلِ ولا يقعُ التابعُ في موضعٍ لا يقعُ فيه المتبوع.
فإن قيل: في الآية وجوه خيرٌ مما ذكرتم.
أحدها: أن ((يومَ)) في موضع رفع وبني على الفتحِ لإضافته إلى الفعل كما قرأ نافعٌ: ﴿هذا يومَ ينفع الصادقين صدقهم﴾ بفتح الميم وعلى هذا لا يَبقى لكم فيه حُجَّة.
والثاني: نقدر أنه منصوب ولكن لا ب ((مصروف))، بل بفعل دل الكلام عليه تقديره: يلازمُهُم يومَ يأتيهم، أو يَهجِمُ عليهم ومثلُ ذلك لا ب ((مَصْروف)) كقولك: زيداً ضربته، هو منصوب بفعل محذوف.
والثالث: سلّمنا أنه منصوب ب ((مصروف)) ولكن هو ظرف له والظروف يُتساهل في نَصبها فلا يَلزمُ من ذلك جوازُ النَّصبِ في غيرها.
والجواب: أما الأول فجوابه من وجهين:
أحدُهما: أنه لو كان من هذا الموضع لكان مبتدأ والجملة بعده خبر عنه فيلزم من ذلك أن يكونَ فيه ضمير يعود على المبتدأ فيكون الأصل ليس مصروفاً عنهم فيه، وحذفُ العائدِ على المبتدأ من مواضِعِ الضَّرورة.
والثاني: أن ((يومَ)) مضافٌ إلى فعل معرب، والجيد في مثل ذلك إعراب المضاف، ولم يقرأ أحدٌ من القراء ((يومٌ)) بالرفع بخلافِ قوله:
﴿يومُ ينفع الصادقين﴾ على أن ((يوم ينفع)) معرب بالنّصب وهو ظرفٌ لما دل عليه هذا؛ أي هذا واقعٌ في يوم نفع الصادقين.
وأمَّا نصبُهُ بفعلٍ مُضمَرٍ فلا حاجةَ إليه مع صحَّة عمل مصروفٍ فيه؛ لأن الإضمار على خلاف القياس.
أمَّا كونُه ظرفاً فليس بعلّةٍ لجوازِ إعمال الخبرِ المتأخرِ فيه فإنَّ أحداً لم يفرق بين عمل خبرِ ((ليس)) فيما تقدم عليها بين الظرف وغيره.
والدليل الثاني: أنه فعلٌ جازَ تقديمُ منصوبِهِ على مرفوعِهِ فجازَ تقديمُه عليه ك ((كان)) وأخواتها مثالُ ذلك أن تقولَ: ليس قائماً زيدٌ فتنصب قائماً ب ((ليس)) وهو مقدّم على المرفوع فكذلك إذا تقدّم المنصوب عليها، والجامع بينهما أنَّ تقديمَ المنصوبِ على المرفوع تصرُّفٌ، والتَّصرُّفُ للأفعالِ بحقِّ الأَصلِ، ألا ترى أن ((ما)) الحجازِيَّة لما لم تَكن متصرّفَةً أو
لما كانت حرفاً لم يتقدَّم منصوبُها على مرفوعِها لعدمِ الفِعْلِيّة، بخلافِ ((ليس)).
فإن قيلَ الجوابُ عنه من وجهين:
أحدُهما: لا نُسلّم أنها فعلٌ، بل هي حرفٌ على ما ذُكر في المسألة قَبلها.
والثاني: نُسلّمُ أنَّها فعلٌ ولكن غيرُ متصرّفٍ ولا حَقيقي بل هو أشبَهُ بالحرفِ، وقد ذكرناه في المسألة السابقة، ثمَّ هو منقوض في المعنى ب ((نعم)) و ((بئس)) و ((عسى)) وفعل التعجب فإنَّ تقديمَ المَنصوبِ فيها غيرُ حائزٍ فلو قلتَ: رجلاً نعمَ زيدٌ لم يَجز، وما زيداً أحسنُ لم يَجز، وعسى أن يقومَ زيدٌ على أن تَجعلَ أن يقومَ في موضعِ نَصْبٍ لم يَجز، وخرج على ما ذكرناه ((كان)) فإنّها متصرفة تكون للماضي والحال والاستقبال بخلاف ((لَيْسَ)).
فالجوابُ: أما الأول فلا يصح لوجهين:
أحدهما: أنه ليس مذهباً لهم.
والثاني: ما سَبق من الدّلالةِ على كونها فعلاً.
قولهم: هي غير متصرّفة عنه جوابان:
أحدُهما: لا نُسلم، فإن وجوهَ التَّصرُّفِ اختلافُ الضَّمائرِ المتصلة بالفعل و ((ليس)) قد اتَّصلتْ بها الضَّمائِر على ما ذكرناه من ضمائِرِ التَّثْنِيَةِ والجَمع والتاء ومن تاءِ التأنيث.
والثاني: نُسلّم أنها غير مُتصرّفة ولكن هي فعل لما ذكرناه في موضعه والفعل بحق الأصل عامل قوي وإن ضعف في بعض المواضع لم يَسلبه عمله الأَصلي، وعمل الفعل يَقتضي أن يكونَ معمولُهُ متأخراً ومتوسطاً ومتقدّماً، وقد ظهرَ أثرُ ذلك في ((ليس))، وهو تقدّم مَنصوبِها على مَرفوعِها ومخالَفَتِها في ذلك ((ما)) لمّا لم تكن متصرفةً، ولم تَكنْ فعلاً، فكذلك يجوزُ تقديمُ منصوبِها عَلَيْها إذ لا فرق في التقديم بين القَريب والبَعيد يدل عليه أن منصوبها إذا تقدم على مرفوعها كانت ليس إلى جنبه وإذا تقدم عليها كانت إلى جنبه أيضًا، ولا فرق بين أن تليَه أو يليَها.
أما النقض بالمسائِل التي ذكروها فلا يَردُ؛ لأن كلِّ واحدٍ منها اقترن به ما يمنع من التقديم، والمانع قد يرجّح على المُقتضى، و ((ليس)) مقتضية ولم يقترن بها مانع من التقديم بخلاف تلك المسائِل فإن المانِعَ مقترنٌ بها.
وبيانه: أمَّا نعَمَ رجلاً ((زيدٌ)) فالمانع فيه من التقديم شيئان:
أحدهما: أن رجلاً هاهنا فاعل في الأصل، إذ التقدير نعم الرّجل، ثم نُكّر وجعل تمييزاً للمبالغة، وهو مثل قولهم: ((طبتُ به نفساً)) أي طابت نفسي به وإذا كان واقعاً موقع الفاعل لم يجز تقديمه لأن الفاعل لا يتقدم على الفعل.
والوجه الثاني: أن فاعل نعم مضمر فيها على شريطة التفسير وهو ((رجلاً)) مفسر للضمير فلو قُدّم لقدم المفسَّر على المفسِّر، وهذا خلاف الأصل، والمميَّز على المميِّز ونظير ذلك قولك: عندي عشرون درهماً، ولو قلت عندي درهماً عشرون لم يجز.
أمَّا ((عسى)) فالجواب عنها من خمسةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنّ وُضعت لتقريب الخَبر من الحالِ، وتضمَّنت معنى التَّقريب فجمُدت لذلك، فالمانعُ جمودها وإفادتها لمعنى مستقبل وهو وقوع الخبر.
والوجه الثاني: أن خبرَ ((عسى)) أن والفعل، و ((أن)) موصولة وما في حيز الصلة لا يتقدم على ما يعمل فيه.
الوجه الثالث: أن خبر ((عسى)) يجوز أن يقع بدلاً من اسمها كقولك: عسى زيدٌ أن يقوم أي عسى زيدٌ قيامه فعند ذلك هو في حكم الفاعل، والفاعل لا يتقدمُ على الفعلِ.
والرَّابع: أن في خَبر ((عسى)) ضميراً يرجعُ إلى اسمها والمُضمر لا يتقدَّم على المُظهر هذا هو الأَصل، وإنما يتقدم إذا كان في نيَّة التأخير ولو صحّ التقديم لما جازَ غيره؛ لأنه هو المقصود في حكم ((عسى)).
والخامس: أنَّ فيه إضماراً قبلَ العاملِ والمَعمول فيه، وليس كذلك باب ((ليس)).
وأمَّا فعلُ التَّعجب فالجوابُ عنه من وجهين:
أحدُهما: أنَّ المانعَ من جوازِ تقديمِ المنصوبِ أنَّ المنصوبَ هو فاعِلٌ في الأصلِ، ألا تَرى أن قولَك: ((ما أحسنَ زيداً)) في معنى حَسن زيدٌ جدّاً، وإنَّما أخّر ليسبق معنى التعجب على المتعجب منه، فهو كسبق أداة الاستفهام على المستفهم عنه.
والوجه الثاني: أن فعل التعجب مع ((ما)) بمنزلة الموصول والصلة وقد
ذهب الأخفش إلى أنه موصول حقيقة، وتقديم الصلة على الموصول لا يجوز.
أما حُجَّة الآخرين فقد تمسَّكوا بأشياءَ:
أحدُها: أنّها لَفظٌ يَنفي الخبرَ فلم يَجُزْ تقديمُ مَنصوبه عليه ك ((ما)) وبيانه: أن قولَك: ليسَ زيدٌ قائماً ينفي قيامه في الحال كما أن قولك: ما زيد قائماً كذلك، وإذا أشبهت ((ما)) في النَّفي وَجَبَ أن تُحمل عليها في منع التَّقديم، ألا تَرى أنَّها لما أشْبَهَت ((لَيس)) أعملها أهلُ الحجازِ عملَ ((ليسَ)) فكذلك إذا أشبهتها في النفي مُنعت من التّقديم وهذا أَولى وذلك أن ((لَيس)) القياسُ ألاَّ تعمل كما أن القِياس في ((ما)) كذلك فإذا مُنِعت من التقديم كانت حملاً على الأصلِ، وكان تَأخُّر المنصوبِ عنها جارياً على خلافِ القِيَاس.
والوجهُ الثاني: أن ((لَيس)) قد تَوَهَّنت ونَقَصَتْ عن الفعلِ الحَقِيْقِيّ من وجوه.
أحدُها: أنَّ بعضَ النَّحويين جَعَلَها حرفاً مَحْضاً، ولَيس كذلك كانَ وأَخواتها.
والثاني: ما حَكى سيبويه: عن بَعضهم أنّه أَلغاها عن العَمَلِ فقالَ: ليسَ زيدٌ قائمٌ.
والثالث: أن بعضَ العَرَبِ أَدخل عَليها ياءَ المُتَكَلّمِ من غيرِ نونِ الوقايةِ فقالَ: عليه رجل ليسي، ولو كانت فعلاً حقيقةً لقالَ: لَيْسَنِي.
والرابعُ: أن بعضَ العربِ لم يُحَمِّلْها ضَميراً فقالَ: ليس الطيبُ إلا المِسْكُ.
والخامسُ: أنَّه لا يكون منها مُستقبلٌ ولا أَمرٌ فخالَفت بذلك بَقِيّةَ أَخواتها.
والسادسُ: أنَّ ضميرَ المُخاطبِ والمُتكلِّم إذا اتّصلَ بها لا يُكسر أَولها ولَيس كذلك باعَ، لأنَّك تقول فيه بِعْتُ، ولا تقول هنا لِست.
وكلّ هذه الوُجوه تدلُّ على انحطاط رُتْبتها عن رُتْبَةِ ((كان)) وشبهها ب ((ما)) فتكونُ فرعاً عليها، والفروعُ عن الأُصولِ ولا يَبين أثرُ النُّقصان إلا بمنعِ التَّقديمِ.
والجوابُ: قولُهم: إنّه لفظٌ ينفي ما في الحالِ.
قُلنا: كونها لفظاً، اللّفظ العامُّ الذي هو الجِنْسُ، وذلك يَدْخُلُ الاسم والفعل والحرف والعملُ لا يَنْتَسْبُ إليها بكونِها لَفظاً، بل بكونِها فعلاً، وهو وَضعها الخَاصُّ، وبذلك تَنْفَصِلُ عن ((ما)) فَيَنقَطِعُ إلحاقُها بها، بل هي أصلٌ ل ((ما)) والأَصلُ لا ينعَكِسُ ويَصِيْرُ فرعاً لِفَرْعِهِ.
قولُهم: القياسُ في ((لَيس)) ألاَّ تَعمَلَ لا نُسلم بل القِياسُ أن تعملَ؛ لأنَّ ((ليسَ)) فعلٌ تَتّصِلُ به الضَّمائِرُ المَرفُوعَةُ والمَنْصُوبَةُ فهي في ذلك ك ((كانَ))، ويلزمُ من ذلِكَ جوازُ التَّقدِيْم.
قَولهم: إِنَّها قُصُرَتْ عن ((كانَ)) قُلْنا: لا نُسَلِّمُ قُصُورها عنها في العملِ؛ لأنَّ عَمَلَهَا منسوبٌ إلى كَونها فِعلاً فهي في ذلك ك ((كان))، وإنّما لم تَتَصَرّف لما أرادوا بها نَفْي ما في الحالِ فَجُمودها كَجُمودِ ((نِعْم)) و ((بِئْس)) وفِعْلِ التَّعجُّب، و ((عَسى)) وأما كونُها حرفًا فقد أبطَلناه فيما سَلَف، وأما إلغاؤُها فلا يصحّ والحكايةُ محمولةٌ على أنَّه جَعل فيها ضميرَ الشأنِ، فلذلك رفع الجملةَ بعدها، وكذلك قولهم: ((ليسَ الطيبُ إلا المِسْكُ)) وقد سبق ذكره، وقولهم في الحكاية ((ليسي)) فمن الشُّذوذِ الذي لا يُعَوَّلُ عليه، كما أنّه جَعَلَ الإِغراءَ للغائبِ في قوله: ((علَيه)) وبابُ ذلك أن تقولَ: عليَّ كذا أو عَلَيْكَ.
وأمّا عدمُ تصرُّفها في الزّمان فلأنَّهم وَضَعُوها على مَعنى واحدٍ وهو نَفْيُ ما في الحالِ كما أن نِعم وعَسى وفِعل التَّعجب كذلك، وأما قَولهم: لست _ بفتح اللام_ على خِلافِ بِعْتُ فالوجه فيه أن أَصلها ((لَيسَ)) _ بكسر الياء _ كما قالوا: صَيدَ البَعير: إذا أَصابُه الصَّيدُ وهو داءُ وتقولُ بعدَ التَّسكين صَيْد البَعير بفتح الصّاد وسكون الياءِ تَنْبِيْهاً على الأَصلِ فكذلك ((لَيس)) في أن أَصلها ((لَيِسَ)) ثم سكنت ولما اتّصل بها السَّاكِنُ حُذفَ الساكن الأَوَّلُ وبَقِيَ الأَوَّلُ على فَتْحِهِ تَنْبِيْهاً على الأَصْلِ .... والله أعلمُ بالصَّوابِ.
38 -