وَلَا ريب أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبرأ من فعله ببني جذيمة وَلَكِن مَا عَزله وَلَا ريب أَن عليا من سيوف الله فَمن نازعك فِي ذَا وَهُوَ أفضل من خَالِد فَإِن لَهُ من الْعلم وَالْبَيَان والسابقة وَالْإِيمَان والمشاهد مَا لَا يخفى ثمَّ السَّيْف خاصيته الْقِتَال وَعلي كَانَ الْقِتَال بعض فضائله وخَالِد كَانَ أخص نعوته الْقِتَال وَبِه تقدم فَلهَذَا عبر عَنهُ بِأَنَّهُ سيف من سيوف الله وَهَذَا الْبَراء بن مَالك قتل مائَة رجل مبارزة سوى من شرك فِي قَتله وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَوت أبي طَلْحَة فِي الْجَيْش خير من فِئَة وَقَالَ إِن لكل نَبِي حواريا وحواري الزبير والرافضة متناقضون فَإِنَّهُم يَقُولُونَ عَليّ النَّاصِر لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي لولاه لما قَامَ دينه ثمَّ يصفونه بِالْعَجزِ والتقية الْمنَافِي لذَلِك وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل خَالِدا بعد الْفَتْح إِلَى بني جذيمة فَلم يحسنوا أَن يَقُولُوا أسلمنَا فَقَالُوا صبأنا صبأنا فَلم يقبل ذَلِك وَقَالَ لَيْسَ ذَلِك بِإِسْلَام فَقَتلهُمْ فَأَخْطَأَ فِي إجتهاده ثمَّ أرسل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا بِمَال فَأَعْطَاهُمْ نصف الدِّيات وَضمن لَهُم مَا تلف حَتَّى ميلغة الْكَلْب وحاشا خَالِدا أَن يكون معاندا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل كَانَ مُطيعًا لَهُ وَإِن أَخطَأ فِي هَذِه الْمرة كَمَا أَخطَأ أُسَامَة بن زيد فِي قتل ذَلِك الرجل الَّذِي قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَقتل السّريَّة لصَاحب الْغَنِيمَة الَّذِي قَالَ أَنا مُسلم فَنزلت فيهم (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا) الْآيَة قَالَ وَلما سَار لقِتَال أهل الْيَمَامَة قتل مِنْهُم ألفا وَمِائَتَيْنِ مَعَ تظاهرهم بِالْإِسْلَامِ
وَقتل مَالك بن نُوَيْرَة وَهُوَ مُسلم وعرس بإمرأته وَسموا بني حنيفَة أهل الرِّدَّة لأَنهم منعُوا الزَّكَاة أَبَا بكر إِذا لم يعتقدوا إِمَامَته فسموا مَانع الزَّكَاة مُرْتَدا وَلم يسموا من اسْتحلَّ دِمَاء الْمُسلمين ومحاربة أَمِير الْمُؤمنِينَ مُرْتَدا مَعَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا عَليّ حربك حَرْبِيّ فمحارب الرَّسُول كَافِر بِالْإِجْمَاع فَيُقَال الله أكبر على هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدين المفترين أَتبَاع أهل الرِّدَّة الَّذين برزوا بمعاداة الله وَرَسُوله وَكتابه وَدينه ومرقوا من الْإِسْلَام ونبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ وشاقوا الله وَرَسُوله وعباده الْمُؤمنِينَ وتولوا أهل الرِّدَّة والشقاق فَإِن هَذَا الْفَصْل وَأَمْثَاله مِمَّا يُحَقّق أَن الرافضة المتعصبين على أبي بكر كالمرتدين الَّذين قَاتلهم الصّديق وَذَلِكَ أَن أهل الْيَمَامَة آمنُوا بمسيلمة الْكذَّاب الَّذِي صنف قُرْآنًا وَفعل العظائم فَبعث أَبُو بكر الصّديق الَّذِي من أفضل أَعماله عِنْد الله تَعَالَى قِتَاله هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة جَيْشًا من أفضل الصَّحَابَة وَعَلَيْهِم خَالِد سيف الله على رغم أَنْفك يُقَاتلُون مُسَيْلمَة بعد أَن قَاتلُوا طليحة الْأَسدي الَّذِي تنبأ أَيْضا وَأتبعهُ أهل نجد ثمَّ أسلم طليحة وَصلح أمره وَاسْتشْهدَ فِي حَرْب مُسَيْلمَة مثل زيد بن الْخطاب وثابت بن قيس وَأسيد بن حضير وَسَالم ومولاه أَبُو حُذَيْفَة وَأَبُو دُجَانَة وَقُرْآن مُسَيْلمَة ضحكة مثل يَا ضفدع بنت ضفدعين نقي كم تنقين لَا المَاء تكدرين وَلَا الشَّارِب تمنعين رَأسك فِي المَاء وذنبك فِي الطين إِن الأَرْض بَيْننَا
وَبَين قُرَيْش وَلَكِن نِصْفَيْنِ وَلَكِن قُريْشًا قوم لَا يعدلُونَ وَمثل قَوْله والطاحنات طحنا والعاجنات عَجنا والخابزات خبْزًا واللاقمات لقما وَمثل والفيل وَمَا أَدْرَاك مَا الْفِيل لَهُ زلوم طَوِيل إِن ذَلِك من خلق رَبنَا الْجَلِيل وَلما سمع أَبُو بكر هَذَا الْكَلَام قَالَ وَيْلكُمْ أَيْن يذهب بكم إِن هَذَا كَلَام لم يخرج من إل وَفِي الْجُمْلَة فَأمر مُسَيْلمَة الْكذَّاب وإدعاؤه النُّبُوَّة وَاتِّبَاع بني حنيفَة لَهُ بِالْيَمَامَةِ وقتال الصّديق لَهُم على ذَلِك أَمر متواتر مَشْهُور قد علمه الْخَاص وَالْعَام كتواتر أَمْثَاله وَلَيْسَ هَذَا من الْعلم الَّذِي تفرد بِهِ الْخَاصَّة بل علم النَّاس بذلك أظهر من علمهمْ بِقِتَال الْجمل وصفين فقد ذكر عَن بعض أهل الْكَلَام أَنه أنكر الْجمل وصفين وَهَذَا الْإِنْكَار وَإِن كَانَ بَاطِلا فَلم نعلم أحدا أنكر قتال أهل الْيَمَامَة وَأَن مُسَيْلمَة الْكذَّاب إدعى النُّبُوَّة وَأَنَّهُمْ قَاتلُوهُ على ذَلِك لَكِن هَؤُلَاءِ الرافضة لجحدهم هَذَا وجهلهم بِهِ بِمَنْزِلَة إنكارهم كَون أبي بكر وَعمر دفنا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنكارهم مُوالَاة أبي بكر وَعمر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ودعواهم أَنه نَص على عَليّ بالخلافة بل مِنْهُم من يُنكر أَن تكون زَيْنَب ورقية وَأم كُلْثُوم من بَنَات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمِنْهُم من
يَقُول إِن الصَّحَابَة بعجوا بطن فَاطِمَة حَتَّى طرحت وهدموا سقف بَيتهَا على من فِيهِ فهم يَعْمِدُونَ إِلَى الْأُمُور الثَّابِتَة المتواترة فينكرونها وَإِلَى الْأُمُور المعدومة أَو المختلقة فيثبتونها فَلهم أوفر نصيب من قَوْله تَعَالَى (وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ) فتراهم يُؤمنُونَ وَالله بِالْكَذِبِ ويكذبون بِالْحَقِّ وَهَذَا حَال الْمُرْتَدين وهم يدعونَ أَن أَبَا بكر وَعمر وَمن اتبعهما ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَقد علم الْخَاص وَالْعَام أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي قَاتل الْمُرْتَدين فيالله كَيفَ نخاطب من يزْعم أَن أهل الْيَمَامَة مظلومون مُسلمُونَ وَقَوله إِنَّهُم سموا بني حنيفَة مرتدين لأَنهم لم يحملوا الزَّكَاة إِلَى أبي بكر فَهَذَا من أظهر الْكَذِب وأبينه فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَاتل بني حنيفَة لكَوْنهم آمنُوا بمسيلمة الْكذَّاب وإعتقدوا نبوته وَأما مانعو الزَّكَاة فَكَانُوا قوما آخَرين غير بني حنيفَة وَهَؤُلَاء كَانَ قد وَقع لبَعض الصَّحَابَة شُبْهَة فِي جَوَاز قِتَالهمْ واما بَنو حنيفَة فَلم يتَوَقَّف أحد فِي وجوب قِتَالهمْ وَأما قَوْلك وَلم يسموا من اسْتحلَّ دِمَاء الْمُسلمين ومحاربة أَمِير الْمُؤمنِينَ مُرْتَدا مَعَ أَنهم سمعُوا قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا عَليّ حَرْبِيّ حربك وسلمي سلمك ومحارب رَسُول الله
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَافِر بِالْإِجْمَاع فَيُقَال دَعوَاهُم أَنهم سمعُوا هَذَا الحَدِيث من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو عَنهُ كذب عَلَيْهِم فَمن الَّذِي نقل عَنْهُم أَنهم سمعُوا ذَلِك وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي شَيْء من كتب الحَدِيث الْمَعْرُوفَة وَلَا روى بِإِسْنَاد مَعْرُوف بل هُوَ كذب مَوْضُوع على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإتفاق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ثمَّ عَليّ لم يكن قِتَاله يَوْم الْجمل وصفين بِأَمْر من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل بإجتهاده قَالَ يُونُس عَن الْحسن عَن قيس بن عباد قَالَ قلت لعَلي أخبرنَا عَن مسيرك هَذَا أَعهد عهد إِلَيْك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم رأى رَأَيْته قَالَ مَا عهد إِلَيّ شَيْئا وَلَكِن رأى رَأَيْته فَلَو كَانَ محَارب عَليّ مُحَاربًا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُرْتَدا لَكَانَ عَليّ حكم فيهم بسيرة الْمُرْتَدين بل تَوَاتر عَنهُ يَوْم الْجمل أَنه مَا اتبع مدبرهم وَلم يُجهز على جريحهم وَلَا غنم أَمْوَالهم وَلَا سبى ذَرَارِيهمْ وَهَذَا مِمَّا أنكرهُ عَلَيْهِ الْخَوَارِج وقاوا إِن كَانُوا مُؤمنين فَلم قاتلتهم وَإِن كَانُوا كفَّارًا فَلم حرمت نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فَبعث ابْن عَمه ابْن الْعَبَّاس يناظرهم فَقَالَ لَهُم قد كَانَت عَائِشَة فيهم فَإِن قُلْتُمْ إِنَّهَا لَيست أمنا كَذبْتُمْ الْقُرْآن وَإِن قُلْتُمْ هِيَ أمنا واستحللتم سبيهَا وَوَطئهَا كَفرْتُمْ وَكَانَ يَقُول فِي أَصْحَاب الْجمل إِخْوَاننَا بغوا علينا طهرهم السَّيْف وَنقل عَنهُ أَنه صلى على قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ ثمَّ إِن كَانَ أهل صفّين مرتدين كَيفَ جَازَ للْإِمَام الْمَعْصُوم عنْدكُمْ وَهُوَ الْحسن أَن ينزل عَن الْخلَافَة ويسلمها إِلَى مُرْتَد ثمَّ الله قد سماهم مُؤمنين فِي قَوْله (وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا) وَقَالَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح
الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فَلَو قَالَت لَهُم النواصب أخزاهم الله فعلي اسْتحلَّ الدِّمَاء وَقَاتل بِرَأْيهِ على رياسته وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَقَالَ لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض فَمَاذَا تردون عَلَيْهِم وَأعلم أَن طَائِفَة من الْفُقَهَاء الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية جعلُوا قتال مانعي الزَّكَاة وقتال الْخَوَارِج من قتال الْبُغَاة وَجعلُوا قتال الْجمل وصفين من ذَلِك وَهَذَا القَوْل خطأ وَخلاف نَص أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَغَيرهم ومخالف للسّنة فَإِن الْخَوَارِج أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقتالهم
وَاتفقَ على ذَلِك الصَّحَابَة وَأما قتال الْجمل وصفين فَهُوَ قتال فتْنَة لَيْسَ فِيهِ أَمر الرَّسُول وَلَا إِجْمَاع من الصَّحَابَة وَأهل صفّين لم يبدأوا عليا بِقِتَال ثمَّ أَبُو حنيفَة وَغَيره لَا يجوزون قتال الْبُغَاة إِلَّا أَن يبدأوا الإِمَام وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَمَالك لَا يجوزون للْإِمَام قتال من قَامَ بِالْوَاجِبِ إِذا كَانَت طَائِفَة ممتنعة وَقَالَت لَا نُؤَدِّي زكاتنا إِلَى فلَان فَيجب الْفرق بَين قتال الْمُرْتَدين وقتال الْخَوَارِج المارقين أما قتال مانعى الزَّكَاة فآكد من قتال الْخَوَارِج إِذا كَانُوا لم يخرجوها بِالْكُلِّيَّةِ وَلم يقرُّوا بهَا وَأما قتال الْبُغَاة الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فنوع ثَالِث غير هَذَا وَهَذَا فَإِنَّهُ تَعَالَى لم يَأْمُرنَا بِقِتَال الْبُغَاة ابْتِدَاء بل بالإصلاح وَلَيْسَ هَذَا حكم الْمُرْتَدين وَلَا الْخَوَارِج وقتال الْجمل وصفين هَل هُوَ من قتال الْبُغَاة أَو من قتال الْفِتْنَة الَّتِي الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم فَمن قعد من الصَّحَابَة وَجُمْهُور أهل الحَدِيث يَقُولُونَ هُوَ قتال فتْنَة
وَقَوله تَعَالَى (فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا) يَعْنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ المقتتلتين لَا طَائِفَة مُؤمنَة لم تقَاتل فَإِن هَذِه لَيْسَ فِي الْآيَة أَمر بقتالها فَإِن كَانَ قَوْله (فَإِن بَغت) بعد الْإِصْلَاح فَهُوَ أوكد وَإِن كَانَ بعد الإقتتال حصل الْمَقْصُود فأصحاب مُعَاوِيَة إِن كَانُوا قد بغوا إِذْ لم يبايعوا عليا فَمَا فِي الْآيَة أَمر بقتالهم وَلَو قَدرنَا أَنهم بغوا بعد الْقِتَال فَمَا وجد أحد يصلح بَين الطَّائِفَتَيْنِ قلت لَكِن سماهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بغاة فِي قَوْله لعمَّار تقتلك الفئة الباغية وَهَذِه مبَاحث لَا ترجع إِلَى تفكيرهم بِوَجْه وَمِمَّا يبين كذب هَذَا القَوْل أَنه لَو كَانَ حَرْب عَليّ حَربًا للرسول وَالله قد تكفل بنصر رَسُوله كَمَا قَالَ (إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا) (وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون) لوَجَبَ
أَن يغلب محَارب الرَّسُول وَمَا كَانَ الْأَمر كَذَلِك بِخِلَاف الْخَوَارِج فَإِنَّهُم من جنس الْمُحَاربين لله وَرَسُوله فاقتصر عَلَيْهِم وَقد قَالَ تَعَالَى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله) يَعْنِي قطاع الطَّرِيق وَمَعَ هَذَا فَلَا نكفرهم بذلك وَلَو كفرناهم لقتلناهم وَلَا بُد قَالَ وَقد أحسن بعض الْفُضَلَاء حَيْثُ يَقُول شَرّ من إِبْلِيس من لم يسْبقهُ فِي سالف طَاعَة وَجرى مَعَه فِي ميدان مَعْصِيّة قَالَ وَلَا شكّ بَين الْعلمَاء أَن إِبْلِيس كَانَ أعبد الْمَلَائِكَة وَكَانَ يحمل الْعَرْش وَحده سِتَّة آلَاف سنة ثمَّ استكبر وَلعن وَمُعَاوِيَة لم يزل فِي الْإِشْرَاك وَعبادَة الْأَصْنَام إِلَى أَن أسلم ثمَّ استكبر عَن طَاعَة الله فِي نصب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ إِمَامًا فَكَانَ شرا من إِبْلِيس فَنَقُول هَذَا الْكَلَام فِيهِ من الْجَهْل والضلال وَالْخُرُوج عَن دين الْإِسْلَام وكل دين بل وَعَن الْعقل الَّذِي يكون لكثير من الْكفَّار مَا لَا يخفى على من تدبره فَإِن إِبْلِيس أكفر الْكَفَرَة وَمن كفر فَإِنَّمَا هُوَ من أَتْبَاعه وقتلاه فَكيف يكون أحد شرا مِنْهُ وَقَول الْقَائِل شَرّ من إِبْلِيس من لم يسْبقهُ إِلَى طَاعَة هَذَا يَقْتَضِي أَن كل من عصى الله فَهُوَ شَرّ من إِبْلِيس ثمَّ نقُول إِن أحدا من الْبشر لَا يجْرِي مَعَ إِبْلِيس فِي ميدان مَعْصِيَته كلهَا وَلَا يتَصَوَّر أَن بشرا يُسَاوِيه فِي مَعْصِيَته لِأَنَّهُ عاند ربه كفاحا ثمَّ تفرغ لإغواء الْخلق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ عِبَادَته الْمُتَقَدّمَة حبطت بِكُفْرِهِ وَأَيْضًا فَمن الَّذين قَالَ إِن إِبْلِيس كَانَ أعبد الْمَلَائِكَة وَأَنه حمل الْعَرْش وَحده وَأَنه كَانَ طَاوس الْمَلَائِكَة وَأَنه مَا ترك فِي السَّمَاء رقْعَة وَلَا فِي الأَرْض بقْعَة إِلَّا وَله فِيهَا سَجْدَة وركعة هَذَا مبناه على النَّقْل وَلم تأت آيَة وَلَا حَدِيث بذلك ثمَّ يفترى ويكذب وَيَقُول لَا شكّ بَين الْعلمَاء فَهَذَا إِن كَانَ قَالَه بعض الوعاظ أَو المصنفين فِي الرَّقَائِق أَو بعض من ينْقل فِي التَّفْسِير من الْإسْرَائِيلِيات مَا لَا أصل لَهُ
فَمثل هَذَا لَا يحْتَج بِهِ فِي جرزة بقل فَكيف يحْتَج بِهِ فِي جعل إِبْلِيس خيرا من كل من عصى الله من بني آدم وَيجْعَل الصَّحَابَة من هَؤُلَاءِ الَّذين إِبْلِيس خير مِنْهُم فَمَا وصف الله وَلَا رَسُوله إِبْلِيس بِخَير قطّ وَلَا كَانَ من حَملَة الْعَرْش فضلا عَن أَن يحملهُ وَحده هَذِه خرافة وهذيان ثمَّ إِبْلِيس حَبط عمله وَمُعَاوِيَة مُحي كفره بإيمانه كَغَيْرِهِ من الصَّحَابَة فَمَا خطأك فِي زعمك ارتداد مُعَاوِيَة وَعُثْمَان وصفوة الصَّحَابَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ إِلَّا كخطأ الْخَوَارِج فِي تكفيرهم عليا وعَلى زعمك يكون مَا زَالَ عَليّ مَغْلُوبًا مَعَ الْمُرْتَدين وَيكون الْحسن قد خلع نَفسه وَسلم الْأَمر لمرتد وعَلى زعمك يكون نصر الله لخَالِد أعظم من نَصره عليا وَمَا كل من عصى الله يكون مستكبرا عَن طَاعَته قَالَ وَتَمَادَى بَعضهم فِي التعصب حَتَّى إعتقد إِمَامَة يزِيد وَمَعَ مَا صدر عَنهُ من قتل الْحُسَيْن وسبى نِسَائِهِ فِي الْبِلَاد على الْجمال بِغَيْر قتب وزين العابدين مغلول فَيُقَال لم نعتقد أَنه من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كَمَا قَالَه بعض الجهلة من الأكراد وكما قيل هُوَ نَبِي فَهَؤُلَاءِ نظراء من إدعى نبوة عَليّ أَو إلهيته
وَحكي عَن بعض أَتبَاع بني أُميَّة أَن الْخَلِيفَة تقبل مِنْهُ الْحَسَنَات ويتجاوز لَهُ عَن السَّيِّئَات فَهَؤُلَاءِ مَعَ ضلالهم أقل ضلالا مِمَّن يعْتَقد عصمَة المنتظر الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّه فِي السرداب من أَرْبَعمِائَة وَخمسين سنة وَهُوَ مَعْدُوم
وَقد ذهبت المرجئة وهم خلائق إِلَى أَن التَّوْحِيد لَا يضر مَعَه شَيْء وَنحن نقُول خلَافَة النُّبُوَّة ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ صَارَت ملكا كَمَا ورد فِي الحَدِيث وَإِن عنيت بإعتقاد إِمَامَة يزِيد أَنه كَانَ ملك وقته وَصَاحب السَّيْف كأمثاله من المروانية والعباسية فَهَذَا أَمر مُتَيَقن وَحكم يزِيد على حوزة الْإِسْلَام سوى مَكَّة فَإِنَّهُ غلب عَلَيْهَا ابْن الزبير وَامْتنع عَن بيعَة يزِيد وَلم يدع إِلَى نَفسه حَتَّى بلغه موت يزِيد
فكون الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ إِمَامًا بِمَعْنى أَنه كَانَ سُلْطَانا وَمَعَهُ السَّيْف يُولى
ويعزل وَيُعْطِي وَيحرم وَيحكم وَينفذ وَيُقِيم الْحُدُود ويجاهد الْكفَّار وَيقسم الْأَمْوَال
أَمر مَشْهُور متواتر لَا يُمكن جَحده وَهَذَا معنى كَونه إِمَامًا وَخَلِيفَة وسلطانا كَمَا أَن إِمَام الصَّلَاة هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَإِذا رَأينَا رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ كَانَ القَوْل بِأَنَّهُ إِمَام أمرا مشهودا محسوسا لَا تمكن المكابرة فِيهِ وَأما كَونه برا أَو فَاجِرًا مُطيعًا أَو عَاصِيا فَذَاك أَمر آخر فَأهل السّنة إِذا اعتقدوا إِمَامَة الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ يزِيد أَو عبد الْملك أَو الْمَنْصُور أَو غَيرهم كَانَ بِهَذَا الإعتبار وَمن نَازع فِي هَذَا فَهُوَ شَبيه بِمن نَازع فِي ولَايَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَفِي ملك كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي وَغَيرهم وَأما كَون الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعْصُوما فَلَيْسَ هَذَا إعتقاد أحد من الْعلمَاء وَكَذَلِكَ كَونه عادلا لَهُ كل أُمُوره مُطيعًا فِي جَمِيع أَفعاله لَيْسَ هَذَا إعتقاد أحد من الْمُسلمين وَكَذَلِكَ وجوب طَاعَته فِي كل مَا يَأْمر بِهِ وَإِن كَانَ مَعْصِيّة لله لَيْسَ هُوَ إعتقاد أحد من الْمُسلمين وَلَكِن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن هَؤُلَاءِ يشاركون فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِم فِيهِ من طَاعَة الله فنصلي خَلفهم الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَغَيرهمَا من الصَّلَوَات الَّتِي يقيمونها هم لِأَنَّهَا لَو لم تصل خَلفهم أفْضى إِلَى تعطليها ونجاهد مَعَهم الْكفَّار ونحج مَعَهم الْبَيْت الْعَتِيق ويستعان بهم فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإِقَامَة الْحُدُود فَإِن الْإِنْسَان لَو قدر أَن يحجّ فِي رفقه لَهُم ذنُوب وَقد جَاءُوا يحجون لم يضرّهُ هَذَا شَيْئا وَكَذَلِكَ الْغَزْو وَغَيره من الإعمال الصَّالِحَة إِذا فعلهَا الْبر وشاركه فِي ذَلِك الْفَاجِر لم يضرّهُ ذَلِك شَيْئا فَكيف إِذا لم يُمكن فعلهَا إِلَّا على هَذَا الْوَجْه ويستعان بهم أَيْضا فِي الْعدْل فِي الحكم وَالْقسم فَإِنَّهُ لَا يُمكن عَاقِلا أَن يُنَازع فِي أَنهم كثيرا مَا يعدلُونَ فِي حكمهم وقسمهم ويعاونون على الْبر وَالتَّقوى
وَلَا يعاونون على الْإِثْم والعدوان فَإِذا غلب على الْأَمر خَليفَة كيزيد وَعبد الْملك والمنصور فإمَّا أَن يُقَال يجب مَنعه من الْأَمر وقتاله وَهَذَا رَأْي فَاسد يُؤَدِّي إِلَى سفك الدِّمَاء وَإِن كَانَ الْخَارِج دينا وَقل من خرج على إِمَام ذِي سُلْطَان إِلَّا كَانَ مَا تولد على فعله من الشَّرّ أعظم مِمَّا تولد من الْخَيْر كَالَّذِين خَرجُوا على يزِيد فِي الْمَدِينَة وكإبن
الْأَشْعَث الَّذِي خرج على عبد الْملك فِي الْعرَاق وكإبن الْمُهلب الَّذِي خرج على أَبِيه بخراسان وكأبي مُسلم صَاحب الدعْوَة الَّذِي خرج عَلَيْهِم بخراسان أَيْضا وكالذين خَرجُوا على الْمَنْصُور بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة وَغَايَة هَؤُلَاءِ إِمَّا أَن يغلبوا وَإِمَّا أَن يغلبوا ثمَّ يَزُول ملكهم فَلَا يكون لَهُم عَاقِبَة فَإِن عبد الله بن عَليّ العباسي وَأَبا مُسلم قتلا خلقا كثيرا وَكِلَاهُمَا قَتله أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَأما أهل الْحرَّة وَابْن الْأَشْعَث وَابْن الْمُهلب فهزموا وَهزمَ أَصْحَابهم فَلَا أَقَامُوا دينا وَلَا أَبقوا دنيا وَالله تَعَالَى لَا يَأْمر بِأَمْر لَا يحصل بِهِ صَلَاح الدّين وَصَلَاح الدُّنْيَا وَإِن كَانَ فَاعل ذَلِك من عباد الله الْمُتَّقِينَ وَمن أهل الْجنَّة فليسوا أفضل من عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَغَيرهم وَمَعَ هَذَا لم يحْمَدُوا مَا فَعَلُوهُ من الْقِتَال وهم أعظم قدرا عِنْد الله وَأحسن نِيَّة من غَيرهم وَكَذَلِكَ أهل الْحرَّة كَانَ فيهم من أهل الْعلم وَالدّين خلق وَكَذَلِكَ أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث كَانَ فيهم خلق من أهل الْعلم وَالدّين وَالله يغْفر لَهُم كلهم وَقد قيل لِلشَّعْبِيِّ فِي فتْنَة ابْن الْأَشْعَث أَيْن كنت يَا عَامر قَالَ كنت حَيْثُ يَقُول الشَّاعِر (عوى الذِّئْب فاستأنست بالذئب إِذْ عوى... وَصَوت إِنْسَان فكدت أطير) أصابتنا فتْنَة لم نَكُنْ فِيهَا بررة أتقياء وَلَا فجرة أقوياء وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول إِن الْحجَّاج عَذَاب الله فَلَا تدافعوا عَذَاب الله بِأَيْدِيكُمْ وَلَكِن عَلَيْكُم بالإستكانة والتضرع فَإِن الله يَقُول (وَلَقَد أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لرَبهم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) وَكَانَ طلق بن حبيب يَقُول اتَّقوا الْفِتْنَة بالتقوى فَقيل لَهُ أجمل لنا التَّقْوَى فَقَالَ أَن تعْمل بِطَاعَة الله على نور من الله ترجو رَحْمَة الله وَأَن تتْرك مَعْصِيّة الله على نور من الله تخَاف عَذَاب الله رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَكَانَ أفاضل
الْمُسلمين ينهون عَن الْخُرُوج والقتال فِي الْفِتْنَة كَمَا كَانَ عبد الله بن عمر وَسَعِيد بن الْمسيب وَعلي بن الْحُسَيْن وَغَيرهم ينهون عَام الْحرَّة عَن الْخُرُوج على يزِيد وكما كَانَ الْحسن وَمُجاهد وَغَيرهمَا ينهون عَن الْخُرُوج فِي فتْنَة ابْن الْأَشْعَث وَلِهَذَا اسْتَقر أَمر أهل السّنة على ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة للأحاديث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصاروا يذكرُونَ هَذَا فِي عقائدهم ويأمرون بِالصبرِ على جور الْأَئِمَّة وَترك قِتَالهمْ وَإِن كَانَ قد قَاتلهم فِي الْفِتْنَة خلق كثير من أهل الْعلم وَالدّين وَبَاب قتال أهل الْبَغي وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر يشْتَبه بِالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَة وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بَسطه وَمن تَأمل الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْبَاب واعتبرا أَيْضا أولي الْأَبْصَار علم أَن الَّذِي جَاءَت بِهِ النُّصُوص النَّبَوِيَّة خير الْأُمُور وَلِهَذَا لما أَرَادَ الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ أَن يخرج إِلَى أهل الْعرَاق لما كاتبوه كتبا كَثِيرَة أَشَارَ عَلَيْهِ أفاضل أهل الْعلم وَالدّين كإبن عمر وَابْن عَبَّاس عَبَّاس وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أَن لَا يخرج وَغلب على ظنهم أَنه يقتل حَتَّى أَن بَعضهم قَالَ أستودعك الله من قَتِيل وَقَالَ بَعضهم لَوْلَا الشناعة لأمسكتك ومنعتك من الْخُرُوج وهم بذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة الْمُسلمين وَالله وَرَسُوله إِنَّمَا يَأْمر بالصلاح لَا بِالْفَسَادِ لَكِن الرَّأْي يُصِيب تَارَة ويخطيء أُخْرَى فَتبين أَن الْأَمر على مَا قَالَه أُولَئِكَ إِذْ لم يكن فِي الْخُرُوج مصلحَة لَا فِي دين وَلَا فِي دنيا بل تمكن أُولَئِكَ الظلمَة الطغاة من سبط رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى قَتَلُوهُ مَظْلُوما شَهِيدا وَكَانَ فِي خُرُوجه وَقَتله من الْفساد مَا لم يحصل لَو قعد فِي بَلَده فَإِن مَا قَصده من تَحْصِيل الْخَيْر وَدفع الشَّرّ لم يحصل مِنْهُ شَيْء بل زَاد الشَّرّ بِخُرُوجِهِ وَقَتله وَنقص الْخَيْر
بذلك وَصَارَ سَببا لشر عَظِيم وَكَانَ قتل الْحُسَيْن مِمَّا أوجب الْفِتَن كَمَا كَانَ قتل عُثْمَان مِمَّا أوجب الْفِتَن وَهَذَا كُله مِمَّا يبين أَن مَا أَمر بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصَّبْر على جور الْأَئِمَّة وَترك قِتَالهمْ وَالْخُرُوج عَلَيْهِم هُوَ أصلح الْأُمُور للعباد فِي المعاش والمعاد وَأَن من خَالف ذَلِك مُتَعَمدا أَو مخطئا لم يحصل بِفِعْلِهِ صَلَاح بل فَسَاد وَلِهَذَا أثنى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْحسن بقوله إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين وَلم يثن على أحد لَا بِقِتَال فِي فتْنَة وَلَا بِخُرُوج على الْأَئِمَّة وَلَا نزع يَد من طَاعَة وَلَا بمفارقة الْجَمَاعَة وَقد ثَبت فِي البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول جَيش يغزون الْقُسْطَنْطِينِيَّة مغْفُور لَهُم فَأول من غزا الْقُسْطَنْطِينِيَّة جَيش بَعثهمْ مُعَاوِيَة وَعَلَيْهِم ابْنه يزِيد وَفِيهِمْ من سَادَات الصَّحَابَة أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ فحاصروها ثمَّ الْفِتَن كَالْجمَلِ وصفين والحرة ومقتل الْحُسَيْن ووقعة مرج راهط وقتلة التوابين بِعَين الْورْد وفتنة ابْن الْأَشْعَث وأضعاف ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَأعظم من ذَلِك فتْنَة عُثْمَان وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث الْمَرْفُوع الَّذِي رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند وَغَيره ثَلَاث من نجا مِنْهُنَّ فقد نجا موتى وَقتل خَليفَة مضطهد بِغَيْر حق والدجال وَأما قَوْله السَّبي وَالْحمل على الْجمال بِلَا أقتاب فَهَذَا من الْكَذِب الْوَاضِح مَا استحلت أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سبي هاشمية وَإِنَّمَا قَاتلُوا الْحُسَيْن خوفًا مِنْهُ وَمن أَن يزِيل عَنْهُم الْملك فَلَمَّا اسْتشْهد فرغ الْأَمر وَبعث بآله إِلَى الْمَدِينَة وَلَكِن جهل الرافضة إِلَيْهِ الْمُنْتَهى وَلَا ريب أَن قتل الْحُسَيْن من أعظم الذُّنُوب وفاعله والراضي بِهِ مُسْتَحقّ للعقاب لَكِن لَيْسَ قَتله بأعظم من قتل أَبِيه وَقتل زوج أُخْته عمر وَقتل زوج خَالَته عُثْمَان
قَالَ وَأنزل فِي الْحسن وَالْحُسَيْن (قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى) فَهَذَا بَاطِل فَإِن الْآيَة مَكِّيَّة بِلَا ريب نزلت قبل أَن يتَزَوَّج عَليّ بفاطمة رَضِي الله عَنْهُمَا وَقبل أَن يُولد لَهُ الْحسن وَالْحُسَيْن فَإِن عليا إِنَّمَا تزوج فَاطِمَة بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة فِي الْعَام الثَّانِي وَلم يدْخل بهَا إِلَّا بعد غَزْوَة بدر فِي شهر رَمَضَان سنة إثنتين وَقد تقدم الْكَلَام على الْآيَة الْكَرِيمَة وَأَن المُرَاد بهَا مَا بَينه ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهَا من أَنه لم تكن قَبيلَة من قُرَيْش إِلَّا وَبَينهَا وَبَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قرَابَة فَقَالَ (لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى) إِلَّا أَن تودوني فِي الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَيْنكُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره قَالَ وَتوقف جمَاعَة فِي لعنته يَعْنِي يزِيد مَعَ أَنه عِنْدهم ظَالِم وَقد قَالَ تَعَالَى (أَلا لعنة الله على الظَّالِمين) وَقد سَأَلَ مهنا أَحْمد بن حَنْبَل عَن يزِيد فَقَالَ هُوَ الَّذِي فعل مَا فعل وَقَالَ لَهُ وَلَده صَالح إِن قوما ينسبوننا إِلَى تولي يزِيد فَقَالَ يَا بني وَهل يوالي يزِيد أحد يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَقَالَ لم لَا تلعنه قَالَ وَكَيف لَا ألعن من لَعنه الله قَالَ تَعَالَى (فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم) فَهَل يكون فَسَاد أعظم من نهب الْمَدِينَة وَسبي أَهلهَا وَقتل سَبْعمِائة من قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَقتل عشرَة آلَاف مِمَّن لم يعرف من عبد أَو حر حَتَّى وصلت الدِّمَاء إِلَى قبر
رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وامتلأت الرَّوْضَة ثمَّ ضرب الْكَعْبَة بالمنجنيق وهدمها وأحرقها وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن قَاتل الْحُسَيْن فِي تَابُوت من نَار عَلَيْهِ نصف عَذَاب أهل النَّار وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إشتد غضب الله وغضبي على من أراق دم أَهلِي وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي فَيُقَال القَوْل فِي لعنة يزِيد كالقول فِي لعنة أَمْثَاله من الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء وَغَيرهم وَيزِيد خير من غَيره كالمختار الَّذِي انتقم من قتلة الْحُسَيْن فَإِنَّهُ ادّعى أَن جِبْرِيل ينزل عَلَيْهِ وَخير من الْحجَّاج وَمَعَ هَذَا فَيُقَال غَايَة يزِيد وَأَمْثَاله من الْمُلُوك أَن يَكُونُوا فساقا فلعنة الْفَاسِق الْمعِين لَيست مَأْمُورا بهَا إِنَّمَا جَاءَت السّنة بلعنة الْأَنْوَاع مثل لعن الله السَّارِق يسرق الْبَيْضَة فتقطع يَده لعن الله آكل الرِّبَا وموكله لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ لعن الله الْخمر وعاصرها وَغير ذَلِك وَذهب طَائِفَة من الْفُقَهَاء إِلَى جَوَاز لعنة الْمعِين وَقيل إِنَّه لَا يجوز كَمَا قَالَ ذَلِك طَائِفَة أُخْرَى وَالْمَعْرُوف عَن أَحْمد كَرَاهِيَة لعن الْمعِين وَأَنه يَقُول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (أَلا لعنة الله على الظَّالِمين) وَفِي البُخَارِيّ أَن رجلا كَانَ يَدعِي خمارا وَكَانَ يشرب الْخمر وَكَانَ يُؤْتِي بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيضربه فَقَالَ رجل لَعنه الله مَا أَكثر مَا يُؤْتى بِهِ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تلعنه فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله فَنهى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن لعنة هَذَا الْمعِين مَعَ كَونه لعن شَارِب الْخمر مُطلقًا وَمن الْمَعْلُوم أَن كل مُسلم لَا بُد أَن يحب الله وَرَسُوله إِلَّا أَن يكون منافقا فَذَاك مَلْعُون وَمن جوز لعنة الْمعِين لفسقه يَقُول ألعنه وأصلي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحقّ للعقاب فيلعن ومستحق للثَّواب من وَجه الْإِسْلَام فَيصَلي عَلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَب الصَّحَابَة وَسَائِر أهل السّنة والكرامية والمرجئة وَمذهب كثير من الشِّيعَة الَّذين يَقُولُونَ إِن الْفَاسِق لَا يخلد فِي النَّار وَقَالَت الْخَوَارِج والمعتزلة وَبَعض الشِّيعَة يخلد وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا تَابَ لم يخلد وَالَّذِي يلعن يزِيد وَنَحْوه يحْتَاج إِلَى ثُبُوت أَنه فَاسق ظَالِم وَأَن لعنة الْفَاسِق الظَّالِم الْمعِين جَائِزَة وَإِلَى أَن يزِيد مَاتَ وَلم يتب مِمَّا اجترم ثمَّ الْعَذَاب قد يرْتَفع مُوجبه لمعارض رَاجِح كحسنات
ماحية ومصائب مكفرة وَقد قَالَ تَعَالَى (إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء) وَقد صَحَّ أَن أول جَيش يَغْزُو الْقُسْطَنْطِينِيَّة مغْفُور لَهُم وَأول جَيش غَزَاهَا كَانَ أَمِيرهمْ يزِيد وَنحن نعلم أَن أَكثر الْمُسلمين لَا بُد لَهُم من ظلم فَإِن فتح هَذَا الْبَاب سَاغَ أَن يلعن أَكثر موتى الْمُسلمين وَالله تَعَالَى أَمر بِالصَّلَاةِ على موتى الْمُسلمين لم يَأْمر بلعنتهم ثمَّ الْكَلَام فِي لعنة الْأَمْوَات أعظم من لعنة الْحَيّ وَقد صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا وَأما نقلك عَن أَحْمد فالثابت عَنهُ من رِوَايَة ابْنه صَالح أَنه قَالَ وَمَتى رَأَيْت أَبَاك يلعن أحدا وَنقل عَنهُ لعنته من رِوَايَة مُنْقَطِعَة لَيست ثَابِتَة عَنهُ وَقَوله تَعَالَى (أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله) لَا يدل على لعن معِين وَلَو كَانَ كل ذَنْب لعن فَاعله يلعن الْمعِين الَّذِي فعله للعن جُمْهُور النَّاس وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْوَعيد الْمُطلق لَا يسْتَلْزم ثُبُوته فِي حق الْمعِين إِلَّا إِذا وجدت شُرُوطه وانتفت موانعه وَهَكَذَا اللَّعْن هَذَا بِتَقْدِير أَن يكون يزِيد فعل مَا يقطع بِهِ الرَّحِم ثمَّ إِن هَذَا تحقق فِي كثير من بني هَاشم الَّذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين فَهَل يلعن هَؤُلَاءِ كلهم وَكَذَلِكَ من ظلم قرَابَة لَهُ لَا سِيمَا وَبَينه وَبَينه عدَّة آبَاء أيلعنه بِعَيْنِه ثمَّ إِذا لعن هَؤُلَاءِ لعن كل من شَمله أَلْفَاظه وَحِينَئِذٍ فيلعن جُمْهُور الْمُسلمين وَقَوله تَعَالَى (فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم) وَعِيد عَام فِي كل من فعل ذَلِك فقد فعل بَنو هَاشم بَعضهم بِبَعْض أعظم مِمَّا فعل يزِيد فَإِن قلت بِمُوجبِه لعنت مَا شَاءَ الله من العباسيين والعلويين وَغَيرهم
من الْمُؤمنِينَ ولإبن الْجَوْزِيّ كتاب فِي إِبَاحَة لعن يزِيد يرد فِيهِ على عبد المغيث الْحَرْبِيّ فَإِنَّهُ كَانَ ينْهَى عَن ذَلِك وَقيل إِن الْخَلِيفَة النَّاصِر لما بلغه نهي الشَّيْخ عبد المغيث عَن ذَلِك قَصده وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك وَعرف عبد المغيث أَنه الْخَلِيفَة وَلم يظْهر أَنه يُعلمهُ فَقَالَ أَنا قصدي كف الْأَلْسِنَة عَن لعن خلفاء الْمُسلمين وولاتهم وَإِلَّا لَو فتحنا هَذَا الْبَاب لَكَانَ خليفتنا أَحَق باللعن لفعله العظائم وَجعل يعدد مظالم الْخَلِيفَة حَتَّى قَالَ لَهُ ادْع لي يَا شيخ وَذهب وَأما فعله بِأَهْل الْحرَّة فَإِنَّهُم لما خلعوه وأخرجوا نوابه وحاصروا
عشيرته أرسل إِلَيْهِم مرّة بعد مرّة يطْلب الطَّاعَة فامتنعوا وصمموا فَجهز
إِلَيْهِم مُسلم بن عقبَة المري وَأمره أَن ينذرهم ويهددهم فَإِن أَبَوا قَاتلهم فَإِذا ظهر عَلَيْهِم
أنهب الْمَدِينَة ثَلَاثًا وَهَذِه من كبائره وَلِهَذَا قيل لِأَحْمَد أنكتب الحَدِيث عَن يزِيد فَقَالَ لَا وَلَا كَرَامَة أَو لَيْسَ هُوَ الَّذِي فعل بِأَهْل الْمَدِينَة مَا فعل لَكِن لم يقتل جَمِيع الْأَشْرَاف وَلَا بلغ الْقَتْلَى عشرَة آلَاف وَلَا وصلت الدِّمَاء إِلَى الْمَسْجِد بل وَلَا كَانَ الْقَتْل فِي الْمَسْجِد بل بِظَاهِر الْمَدِينَة وَلَكِن ديدنكم أَنكُمْ لَا تنقلون صدقا وَإِن كَانَ صدقا طرزتموه بكذب وَأما الْكَعْبَة فَلم تقصد بإهانة وَإِنَّمَا قصدُوا ابْن الزبير وَلم يهدم يزِيد الْكَعْبَة وَلَا أحرقها بإتفاق الْمُسلمين وَلَكِن طارت إِلَى الأستار شرارة من نَار من امْرَأَة فاحترقت الْكَعْبَة
فَهَدمهَا ابْن الزبير وأعادها أحسن مِمَّا كَانَت على الْوَجْه الَّذِي وَصفه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأما خبر قَاتل الْحُسَيْن فِي تَابُوت من نَار فَهُوَ من كذب من لَا يستحي من المجازفة فَهَل يكون على وَاحِد نصف عَذَاب أهل النَّار مَا بَقِي لإبليس ولفرعون ولقتلة الْأَنْبِيَاء وَلأبي جهل فقاتل عمر وَعُثْمَان وَعلي أعظم جرما من قَاتل الْحُسَيْن بل هَذَا الغلو الزَّائِد يُقَابل بغلو الناصبة الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْحُسَيْن من الْخَوَارِج الَّذين شَقوا الْعَصَا وَأَنه يجوز قَتله لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَتَاكُم وأمركم على رجل وَاحِد يُرِيد أَن يفرق جماعتكم فاضربوا عُنُقه كَائِنا من كَانَ أخرجه مُسلم وَأهل السّنة يَقُولُونَ قتل مَظْلُوما شَهِيدا وقاتلوه ظلمَة معتدون وَأَحَادِيث قتل الْخَارِج لم تتناوله فَإِنَّهُ لم يفرق الْجَمَاعَة وَلم يقتل إِلَّا وَهُوَ طَالب للرُّجُوع أم الْمُضِيّ إِلَى يزِيد دَاخِلا فِيمَا دخل فِيهِ سَائِر النَّاس معرضًا عَن تَفْرِيق الْكَلِمَة وَكَذَلِكَ الحَدِيث لم يَصح وَلَا ينْسبهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا جَاهِل فَإِن العاصم لدم الْحُسَيْن من الْإِيمَان وَالتَّقوى أعظم من مُجَرّد الْقَرَابَة فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو أَن فَاطِمَة سرقت لَقطعت يَدهَا فقد أخبر عَن أعز أَهله عَلَيْهِ بِحكم الله الَّذِي لَا فرق فِيهِ بَين الشريف والدني فَلَو زنا الْعلوِي الْمُحصن رجم وَلَو قتل قتل قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُسلمُونَ تتكفأ دِمَاؤُهُمْ وَكَذَلِكَ إِيذَاء الرَّسُول فِي عترته وصحابته وسنته من العظائم
قَالَ فَلْينْظر الْعَاقِل أَي الْفَرِيقَيْنِ احق بالأمن الَّذِي نزه الله وَمَلَائِكَته وأنبياءه وأئمته ونزه الشَّرْع عَن الْمسَائِل الرَّديئَة وَمن يبطل الصَّلَاة بإهمال الصَّلَاة على أئمتهم وَيذكر أَئِمَّة غَيرهم أم الَّذِي فعل ضد ذَلِك فَنَقُول مَا ذكرته من التَّنْزِيه إِنَّمَا هُوَ تَعْطِيل وتنقيص لله وَلِرَسُولِهِ وَذَلِكَ قَول نفاة الصِّفَات يتَضَمَّن وَصفه تَعَالَى بسلب صِفَات الْكَمَال الَّتِي يشابه فِيهَا الجمادات والمعدومات فَإِذا قَالُوا لَا تقوم بِهِ حَيَاة وَلَا علم وَلَا قدرَة وَلَا كَلَام وَلَا مَشِيئَة وَلَا حب وَلَا بغض وَلَا رضَا وَلَا سخط وَلَا يرى وَلَا يفعل بِنَفسِهِ فعلا وَلَا يقدر أَن يتَصَرَّف بِنَفسِهِ كَانُوا قد شبهوه بالجمادات المنقوصات فَكَانَ تنقصيا وتعطيلا وَإِنَّمَا التَّنْزِيه أَن ينزه عَن النقائص المنافية للكمال فينزه عَن الْمَوْت وَالنَّوْم وَالسّنة وَالْعجز وَالْجهل وَالْحَاجة كَمَا نزه نَفسه فِي كِتَابه وتنزه عَن أَن يكون لَهُ فِيهَا مثل وَأما الْأَنْبِيَاء فَإِنَّكُم سلبتم مَا لَهُم من الْكَمَال وعلو الدَّرَجَات بِحَقِيقَة التَّوْبَة والإستغفار والإنتقال من كَمَال إِلَى مَا هُوَ أكمل مِنْهُ وكذبتم بِمَا أخبر الله بِهِ من ذَلِك وحرفتم الْآيَات وظننتم أَن إنتقال الْآدَمِيّ من الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الضلال إِلَى الْهدى وَمن الغي إِلَى الرشد نقص وَلم تعلمُوا أَن الَّذِي يَذُوق الْخَيْر وَالشَّر ويعرفهما يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم مِمَّن لَا يعرف إِلَّا الْخَيْر كَمَا قَالَ عمر إِنَّمَا تنقض عرى
الْإِسْلَام عُرْوَة عُرْوَة إِذا نَشأ فِي الْإِسْلَام من لَا يعرف الْجَاهِلِيَّة وَأما تَنْزِيه الْأَئِمَّة فَمن الفضائح الَّتِي يستحي من ذكرهَا لَا سِيمَا إِمَام لَا ينْتَفع بِهِ فِي دين وَلَا دنيا أَو هُوَ شَيْء مَعْدُوم فَأَما تَنْزِيه الشَّرْع فقد مر أَن أهل السّنة مَا اتَّفقُوا على مَسْأَلَة رَدِيئَة بِخِلَاف الرافضة ثمَّ بِالضَّرُورَةِ يعلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمر بِالصَّلَاةِ على عَليّ وَلَا على الإثني عشر لَا فِي صَلَاة وَلَا فِي خَارِجهَا معينا وَأَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَا فعلوا ذَلِك فِي صَلَاة قطّ فَمن أوجب الصَّلَاة على الإثني عشر فِي صلَاته أَو أبطل الصَّلَاة بإهمال الصَّلَاة عَلَيْهِم فقد بدل الدّين فَإِن قيل المُرَاد أَن يُصَلِّي على آل مُحَمَّد قيل فَيدْخل فيهم بَنو هَاشم وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ والإمامية يذمون بني الْعَبَّاس وَالْعجب من هَؤُلَاءِ الرافضة يدعونَ تعيظم آل مُحَمَّد وهم سعوا فِي مَجِيء التتار حَتَّى قتلوا خلقا من آل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بني على وَبني الْعَبَّاس وَسبوا نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ وَقتلُوا ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَفِي الصَّحِيح
قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ نصلي عَلَيْك قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صلي على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وأزواجه وَذريته الحَدِيث وَاتفقَ الْمُسلمُونَ على أَن آل الْعَبَّاس من ذَوي القربي وَكَذَا بني الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَأَنَّهُمْ من آل مُحَمَّد الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَعند بعض الْمَالِكِيَّة والحنبلية آل مُحَمَّد أمته وَعند طَائِفَة من الصُّوفِيَّة هم الأتقياء من أمته ثمَّ جُمْهُور الْفُقَهَاء لَا يوجبون الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله فِي الصَّلَاة وَمن أوجب الصَّلَاة على آل عُمُوما لم يجوز الإقتصار على بعض الْآل وَكَذَلِكَ إبطا الصَّلَاة بِالصَّلَاةِ على خَليفَة من الْخُلَفَاء معِين قَول بَاطِل فَلَو دَعَا لمُعين أَو عَلَيْهِ لم تبطل صلَاته عِنْد أَكثر الْعلمَاء فقد قنت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدْعُو لقوم ويلعن آخَرين بِأَسْمَائِهِمْ