فَصَبر وَلم يُقَاتل دفعا عَن نَفسه حَتَّى قتل وَلَا ريب أَن هَذَا أعظم أجرا وقتلته أعظم إِنَّمَا مِمَّن لم يكن مُتَوَلِّيًا فَخرج يطْلب الْولَايَة وَلم يتَمَكَّن حَتَّى قَاتله أعوان الَّذين طلب أَخذ الْأَمر مِنْهُم فقاتل عَن نَفسه حَتَّى قتل وَلَا ريب أَن قتال الدَّافِع عَن نَفسه وولايته أقرب من قتال الطَّالِب لِأَن يَأْخُذ الْأَمر من غَيره وَعُثْمَان ترك الْقِتَال دفعا عَن ولَايَته فَكَانَ حَاله أفضل من حَال الْحُسَيْن وَقَتله أشنع من قتل الْحُسَيْن كَمَا أَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ لم يُقَاتل على الْأَمر بل أصلح بَين الْأمة بترك الْقِتَال مدحه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك فَقَالَ إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين والمنتصرون لعُثْمَان مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام والمنتصرون من قتلة الْحُسَيْن
الْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ وأعوانه وَلَا يشك عَاقل أَن مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ خير من الْمُخْتَار فَإِن الْمُخْتَار كَذَّاب ادّعى النُّبُوَّة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
يكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير فالكذاب هُوَ الْمُخْتَار والمبير هُوَ الْحجَّاج بن يُوسُف
وَهَذَا الْمُخْتَار كَانَ أَبوهُ رجلا صَالحا وَهُوَ أَبُو عبيد الثَّقَفِيّ الَّذِي قتل شَهِيدا فِي حَرْب الْمَجُوس وَأُخْته صَفِيَّة بنت أبي عبيد امْرَأَة عبد الله بن عمر امْرَأَة صَالِحَة وَكَانَ الْمُخْتَار رجل سوء
وَأما قَوْله إِن عَائِشَة كَانَت فِي كل وَقت تامر بقتل عُثْمَان وَتقول فِي كل وَقت اقْتُلُوا نعثلا قتل الله نعثلا وَلما بلغَهَا قَتله فرحت بذلك فَيُقَال أَولا أَيْن النَّقْل الثَّابِت عَن عَائِشَة بذلك وَيُقَال ثَانِيًا إِن الْمَنْقُول عَن عَائِشَة يكذب ذَلِك وَيبين أَنَّهَا أنْكرت قَتله وذمت من قَتله ودعت على أَخِيهَا مُحَمَّد وَغَيره لمشاركتهم فِي ذَلِك وَيُقَال ثَالِثا هَب أَن وَاحِدًا من الصَّحَابَة عَائِشَة أَو غَيرهَا قَالَ فِي ذَلِك كلمة على وَجه الْغَضَب
لإنكاره بعض مَا يُنكر فَلَيْسَ قَوْله حجَّة وَلَا يقْدَح فِي إِيمَان الْقَائِل وَلَا الْمَقُول لَهُ بل قد يكون كِلَاهُمَا وليا لله تَعَالَى من أهل الْجنَّة ويظن أَحدهمَا جَوَاز قتل الآخر بل و \ يظنّ كفره وَهُوَ مخطيء فِي هَذَا الظَّن كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ وَغَيره فِي قصَّة حَاطِب ابْن أبي بلتعة وَكَانَ من أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة وَفِي حَدِيث عَليّ أَن حَاطِبًا كتب إِلَى الْمُشْركين بِمَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ غَزْوَة الْفَتْح فَاطلع الله نبيه على ذَلِك فَقَالَ لعَلي وَالزُّبَيْر إذهبا حَتَّى تأتيا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة مَعهَا كتاب فَلَمَّا أَتَيَا بِالْكتاب قَالَ مَا هَذَا يَا حَاطِب فَقَالَ وَالله يَا رَسُول الله مَا فعلت هَذَا إرتدادا وَلَا رضَا بالْكفْر وَلَكِن كنت امْرَءًا مُلْصقًا فِي قُرَيْش وَلم أكن من أنفسهم وَكَانَ من مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُم بِمَكَّة قَرَابَات يحْمُونَ بهَا أَهْليهمْ فَأَحْبَبْت إِذْ فَاتَنِي ذَلِك أَن أَتَّخِذ عِنْدهم يدا يحْمُونَ بهَا قَرَابَتي فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ إِنَّه شهد بَدْرًا وَمَا يدْريك أَن الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وأنزال الله تَعَالَى فِي أول سُورَة الممتحنة (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم إِن كُنْتُم خَرجْتُمْ جهادا فِي سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إِلَيْهِم بالمودة وَأَنا أعلم بِمَا أخفيتم وَمَا أعلنتم وَمن يَفْعَله مِنْكُم فقد ضل سَوَاء السَّبِيل) الْآيَات وَهَذِه الْقِصَّة مِمَّا اتّفق أهل الْعلم على صِحَّتهَا وَهِي متواترة عِنْدهم مَعْرُوفَة عِنْد عُلَمَاء التَّفْسِير وعلماء الْمَغَازِي وَالسير والتواريخ وعلماء الْفِقْه وَغير هَؤُلَاءِ وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ يحدث بِهَذَا الحَدِيث فِي خِلَافَته بعد الْفِتْنَة وروى ذَلِك عَنهُ كَاتبه عبيد الله بن أبي رَافع ليبين لَهُم أَن السَّابِقين مغْفُور لَهُم وَلَو جرى مِنْهُم مَا جرى وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر أفضل
بإتفاق الْمُسلمين من حَاطِب بن أبي بلتعة وَكَانَ حَاطِب مسيئا إِلَى مماليكه وَكَانَ ذَنبه فِي مكَاتبه الْمُشْركين وإعانتهم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه أعظم من الذُّنُوب الَّتِي تُضَاف إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَعَ هَذَا فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن قَتله وَكذب من قَالَ إِنَّه يدْخل النَّار لِأَنَّهُ شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة وَأخْبر بمغفرة الله لأهل بدر وَمَعَ هَذَا فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَسَماهُ منافقا واستحل قَتله وَلم يقْدَح ذَلِك فِي إِيمَان وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا فِي كَونه من أهل الْجنَّة وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فِي حَدِيث الْإِفْك لما قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبًا على الْمِنْبَر يعْتَذر من رَأس الْمُنَافِقين عبد الله بن أبي ابْن سلول فَقَالَ من يعذرني من رجل بَلغنِي أَذَاهُ فِي أَهلِي وَالله مَا علمت على أَهلِي إِلَّا خيرا وَلَقَد ذكرُوا رجلا مَا علمت عَلَيْهِ إِلَّا خيرا فَقَامَ سعد بن معَاذ سيد الْأَوْس وَهُوَ الَّذِي اهتز لمَوْته عرش الرَّحْمَن وَهُوَ الَّذِي كَانَ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم بل حكم فِي حلفائه من بني قُرَيْظَة بِأَن يقتل مقاتلهم وتسبى ذَرَارِيهمْ وتغنم أَمْوَالهم حَتَّى قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقد حكمت فيهم بِحكم الله من فَوق سَبْعَة أَرقعَة فَقَالَ يَا رَسُول الله نَحن نعذرك مِنْهُ إِن كَانَ من الْأَوْس ضربنا عُنُقه وَإِن كَانَ من أَصْحَابنَا من الْخَزْرَج أمرتنا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمرك فَقَامَ سعد بن عبَادَة فَقَالَ كذبت لعَمْرو الله لَا تقتله وَلَا تقدر على قَتله فَقَالَ أسيد بن حضير فَقَالَ كذبت لعَمْرو الله لنقتلنه فَإنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين وكادت تثور فتْنَة بَين الْأَوْس والخزرج حَتَّى نزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخفضهم وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة من خِيَار السَّابِقين الْأَوَّلين وَقد قَالَ أسيد بن حضير لسعد بن عبَادَة إِنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين وَهَذَا مُؤمن ولي لله من أهل الْجنَّة وَذَاكَ مُؤمن ولي لله من أهل الْجنَّة فَدلَّ على أَن الرجل قد يكفر أَخَاهُ بالتأويل وَلَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا كَافِرًا
وَقَول بعض الصَّحَابَة فِي مَالك بن الدخشم وودوا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا عَلَيْهِ فَيهْلك فَقضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلَاته وَقَالَ أَلَيْسَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله وَلَيْسَ من شَرط الرجل الْكَبِير أَن لَا يُذنب وَلَا يخطيء بإجتهاد وَلَا نَحن ادعينا الْعِصْمَة فِي عُثْمَان وَالْكَلَام فِي النَّاس يجب أَن يكون بِعلم وَعدل لَا بِجَهْل وظلم كَحال أهل الْبدع فَإِن الرافضة يَعْمِدُونَ إِلَى أَقوام متقاربين فِي الْفَضِيلَة يُرِيدُونَ أَن يجْعَلُوا أحدهم مَعْصُوما من الذُّنُوب والخطايا وَالْآخر مأثوما فَاسِقًا أَو كَافِرًا فَيظْهر جهلهم وتناقضهم كاليهودي أَو النَّصْرَانِي إِذا أَرَادَ أَن يثبت نبوة مُوسَى أَو عِيسَى مَعَ قدحه فِي نبوة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ يظْهر عَجزه وجهله وتناقضه فَإِنَّهُ مَا من طَرِيق يثبت بهَا نبوة مُوسَى وَعِيسَى إِلَّا وَتثبت نبوة مُحَمَّد بِمِثْلِهَا أَو بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا وَلَا من شُبْهَة تعرض فِي نبوة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا وَتعرض فِي نبوة مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام بِمَا هُوَ مثلهَا أَو أقوى مِنْهَا وكل من عمد إِلَى التَّفْرِيق بَين المتماثلين أَو مدح الشَّيْء وذم مَا هُوَ من جنسه أَو مَا هُوَ أولى بالمدح مِنْهُ أَو بِالْعَكْسِ أَصَابَهُ مثل هَذَا التَّنَاقُض وَالْعجز وَالْجهل وَهَكَذَا أَتبَاع الْعلمَاء والمشايخ إِذا أَرَادَ أحدهم أَن يمدح متبوعه ويذم نَظِيره أَو يفضل أحدهم على الآخر بِمثل هَذَا الطَّرِيق وَأما قَوْله إِنَّهَا سَأَلت من تولى الْخلَافَة فَقَالُوا عَليّ فَخرجت لقتاله على دم عُثْمَان وَأي ذَنْب كَانَ لعَلي فِي ذَلِك يُقَال لَهُ أَولا قَول الْقَائِل إِن عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر إتهموا عليا بِأَنَّهُ قتل عُثْمَان وقاتلوه على ذَلِك كذب بل إِنَّمَا طلبُوا القتلة الَّذين كَانُوا تحيزوا إِلَى عَليّ وهم يعلمُونَ أَن بَرَاءَة عَليّ من دم عُثْمَان كبراءتهم وَأعظم لَكِن
القتلة كَانُوا قد أووا إِلَيْهِ فطلبوا قتل القتلة وَلَكِن كَانُوا عاجزين عَن ذَلِك هم وَعلي لِأَن الْقَوْم كَانَت لَهُم قبائل يَذبُّونَ عَنْهُم والفتنة إِذا وَقعت عجز الْعُقَلَاء فِيهَا عَن دفع السُّفَهَاء فَصَارَ الأكابر رَضِي الله عَنْهُم عاجزين عَن إطفاء الْفِتْنَة وكف أَهلهَا وَهَذَا شَأْن الْفِتَن كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة) وَإِذا وَقعت الْفِتْنَة لم يسلم من التلوث بهَا إِلَّا من عصمه الله وَأَيْضًا فَقَوله أَي ذَنْب كَانَ لعَلي فِي قَتله تنَاقض مِنْهُ فَإِنَّهُ يزْعم أَن عليا مِمَّن يسْتَحل قَتله وقتاله وَمِمَّنْ ألب عَلَيْهِ وَقَامَ بذلك فَإِن عليا قد نسبه إِلَى قتل عُثْمَان كثير من شيعته وشيعة عُثْمَان هَؤُلَاءِ لتعصبهم لعُثْمَان وَهَؤُلَاء لتعصبهم لعَلي وَأما جَمَاهِير الْإِسْلَام فيعلمون كذب الطَّائِفَتَيْنِ على عَليّ والرافضة تَقول إِن عليا كَانَ مِمَّن يسْتَحل قتل عُثْمَان بل وَقتل أبي بكر وَعمر وَترى أَن الْإِعَانَة على قَتله من الطَّاعَات والقربات
فَكيف يَقُول من هَذَا إعتقاده أَي ذَنْب كَانَ لعَلي فِي ذَلِك وَإِنَّمَا يَلِيق هَذَا التَّنْزِيه لعَلي بأقوال أهل السّنة لَكِن الرافضة من أعظم النَّاس تناقضا وَأما قَوْله وَكَيف إستجاز طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَغَيرهمَا مطاوعتها على ذَلِك وَبِأَيِّ وَجه يلقون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَن الْوَاحِد منا لَو تحدث مَعَ امْرَأَة غَيره أَو أخرجهَا من منزلهَا أَو سَافر بهَا كَانَ أَشد النَّاس عَدَاوَة لَهُ فَيُقَال هَذَا من تنَاقض الرافضة وجهلهم فَإِنَّهُم يعظمون عَائِشَة فِي هَذَا الْمقَام طَعنا فِي طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَلَا يعلمُونَ أَن هَذَا إِن كَانَ مُتَوَجها فالطعن فِي عَليّ بذلك أوجه فَإِن طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا معظمين عَائِشَة موافقين لَهَا مؤتمرين بأمرها وهما وَهِي من أبعد النَّاس عَن الْفَوَاحِش والمعاونة عَلَيْهَا فَإِن جَازَ للرافضي أَن يقْدَح فيهمَا بقوله بِأَيّ وَجه يلقون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَن الْوَاحِد منا لَو تحدث مَعَ امْرَأَة غَيره حَتَّى أخرجهَا من منزلهَا وسافر بهَا إِلَخ كَانَ للناصبي أَن يَقُول بِأَيّ وَجه يلقى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَاتل امْرَأَته وسلط عَلَيْهَا أعوانه حَتَّى عقروا بهَا بَعِيرهَا وَسَقَطت من هودجها وأعداؤها حولهَا يطوفون بهَا كالمسبية الَّتِي أحَاط بهَا من يقْصد سباءها وَمَعْلُوم أَن هَذَا فِي مظنه الإهانة لأهل الرجل وَذَلِكَ أعظم من إخْرَاجهَا من منزلهَا وَهِي بِمَنْزِلَة الملكة المبجلة المعطمة الَّتِي لَا يَأْتِي إِلَيْهَا أحد إِلَّا بِإِذْنِهَا وَلم يكن طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَلَا غَيرهمَا من الْأَجَانِب يحملونها بل كَانَ فِي المعسكر من محارمها مثل عبد الله بن الزبير ابْن أُخْتهَا وخلوته بهَا ومسه لَهَا جَائِز بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ سفر الْمَرْأَة مَعَ ذِي محرمها جائظ بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَهِي لم تُسَافِر إِلَّا مَعَ ذِي محرمها وَأما الْعَسْكَر الَّذين قاتلوها فلولا أَنه كَانَ فِي الْعَسْكَر مُحَمَّد بن أبي بكر مد يَده إِلَيْهَا لمد يَده إِلَيْهَا الْأَجَانِب وَلِهَذَا دعت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا على من مد يَده إِلَيْهَا وَقَالَت يَد من هَذِه
أحرقها الله بالنَّار فَقَالَ أَي أُخْت فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة فَقَالَت فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة فاحرق بالنَّار بِمصْر وَلَو قَالَ المشنع أَنْتُم تَقولُونَ إِن آل الْحُسَيْن سبوا لما قتل الْحُسَيْن وَلم يفعل بهم إِلَّا من جنس مَا فعل بعائشة حَيْثُ استولى عَلَيْهَا وَردت إِلَى بَيتهَا وَأعْطيت نَفَقَتهَا وَكَذَلِكَ آل الْحُسَيْن إستولى عَلَيْهِم وردوا إِلَى أَهْليهمْ وأعطوا نَفَقَتهم فَإِن كَانَ هَذَا سبيا وإستحلالا للْحُرْمَة النَّبَوِيَّة فعائشة قد سبيت واستحلت حُرْمَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم يشنعون ويزعمون أَن بعض أهل الشَّام طلب أَن يسترق فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن وَأَنَّهَا قَالَت لَاها لله حَتَّى نكفر بديننا وَهَذَا إِن كَانَ وَقع فَالَّذِينَ طلبُوا من عَليّ أَن يسبوا من قاتهلم من أهل الْجمل وصفين ويغنموا أَمْوَالهم أعظم جرما وَكَانَ فِي ذَلِك لَو سبوا عَائِشَة وَغَيرهَا ثمَّ إِن هَؤُلَاءِ الَّذين طلبُوا ذَلِك من عَليّ كَانُوا متدينين بِهِ مصرين عَلَيْهِ إِلَى أَن خَرجُوا على عَليّ وَقَاتلهمْ على ذَلِك وَذَلِكَ الَّذِي طلب إسترقاق فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن وَاحِد مَجْهُول لَا شَوْكَة لَهُ وَلَا حجَّة وَلَا فعل هَذَا تدينا وَلما مَنعه سُلْطَانه من ذَلِك إمتنع فَكَانَ المستحلون لدماء الْمُسلمين وحرمهم وَأَمْوَالهمْ وَحُرْمَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عَسْكَر عَليّ أعظم مِنْهُم فِي عَسْكَر بني أُميَّة وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين النَّاس فَإِن الْخَوَارِج الَّذين مرقوا من عَسْكَر عَليّ رَضِي الله عَنهُ هم شَرّ من شرار عَسْكَر مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ وَلِهَذَا أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقتالهم وَأجْمع الصَّحَابَة على قِتَالهمْ والرافضة أكذب مِنْهُم وأظلم وأجهل وَأقرب إِلَى الْكفْر والنفاق لكِنهمْ أعجز مِنْهُم وأذل وكلا الطَّائِفَتَيْنِ عَن عَسْكَر عَليّ وَبِهَذَا وَأَمْثَاله ضعف عَليّ وَعجز عَن مقاومة من كَانَ بإزائه وَالْمَقْصُود هُنَا أَن مَا يذكرُونَهُ من الْقدح فِي طَلْحَة وَالزُّبَيْر يَنْقَلِب مَا هُوَ أعظم
مِنْهُ فِي حق عَليّ فَإِن أجابوا عَن ذَلِك بِأَن عليا كَانَ مُجْتَهدا فِيمَا فعل وَأَنه أولى بِالْحَقِّ من طَلْحَة وَالزُّبَيْر قيل نعم وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا مجتهدين وَعلي وَإِن كَانَ أفضل مِنْهُمَا وَلَكِن إِن كَانَ فعل طَلْحَة وَالزُّبَيْر مَعَهُمَا ذَنبا فَفعل عَليّ أعظم ذَنبا فَإِن قَالُوا هما أحوجا عليا إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بهَا فَمَا فعله عَليّ مُضَاف إِلَيْهِمَا لَا إِلَى عَليّ قيل وَهَكَذَا مُعَاوِيَة قيل لَهُ قتلت عمارا وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تقتلك الفئة الباغية قَالَ أَو نَحن قَتَلْنَاهُ إِنَّمَا قَتله الَّذين جَاءُوا بِهِ حَتَّى جَعَلُوهُ تَحت سُيُوفنَا فَإِن كَانَت هَذِه الْحجَّة مَرْدُودَة فحجة من احْتج بِأَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر فعلا بعائشة مَا جرى عَلَيْهَا من إهانة عَسْكَر عَليّ لَهَا وإستيلائهم عَلَيْهَا مَرْدُودَة أَيْضا وَإِن قبلت هَذِه الْحجَّة قبلت حجَّة مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ والرافضة وأمثالهم من أهل الْجَهْل وَالظُّلم يحتجون بِالْحجَّةِ الَّتِي تَسْتَلْزِم فَسَاد قَوْلهم وتناقضهم فَإِنَّهُ إِن احْتج بنظيرها عَلَيْهِم فسد قَوْلهم المنقوض بنظيرها وَإِن لم تحتج بنظيرها بطلت هِيَ فِي نَفسهَا لِأَنَّهُ لَا بُد من التَّسْوِيَة بَين المتماثلين وَلَكِن منتهاهم مُجَرّد الْهوى الَّذِي لَا علم مَعَه (وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين) وَأما قَوْله كَيفَ أطاعها عشرَة آلَاف من الْمُسلمين وساعدوها على حَرْب أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم ينصر أحد مِنْهُم فَاطِمَة لما طلبت حَقّهَا من أبي بكر وَلَا شخص وَاحِد كَلمه بِكَلِمَة فَهَذَا من أعظم الْحجَج عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يشك عَاقل أَن الْقَوْم كَانُوا يحبونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويعظمونه ويعظمون قرَابَته وبنته أَكثر وَأعظم مِمَّا يعظمون أَبَا بكر وَعمر وَلَا يرتاب
عَاقل أَن الْعَرَب كَانَت تدين لبني عبد منَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام أعظم مِمَّا تدين لبني تيم وَبني عدي وَلِهَذَا لما تولى أَبُو بكر قَالَ أَبوهُ أَو قُحَافَة أرضيت بَنو مَخْزُوم وَبَنُو عبد شمس قَالُوا نعم قَالَ ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَلِهَذَا جَاءَ أَبُو سُفْيَان إِلَى عَليّ فَقَالَ أرضيتم أَن يكون هَذَا الْأَمر فِي بني تيم فَقَالَ عَليّ يَا أَبَا سُفْيَان إِن الْإِسْلَام لَيْسَ كأمر الْجَاهِلِيَّة أَو كَمَا قَالَ فَإِذا كَانَ الْمُسلمُونَ كلهم فيهم من قَالَ إِن فَاطِمَة مظلومة وَلَا إِن أَبَا بكر ظلمها وَلَو فَرضنَا أَنهم عاجزون عَن نصرها كَمَا زعمت فَلَا أقل من الْمقَال فَإِذا لم يَقع شَيْء من النُّصْرَة وَلَا القَوْل قَطعنَا بِأَنَّهَا لم تظلم هَذَا وَأَبُو بكر لم يكن مُمْتَنعا من سَماع كَلَام أحد وَلَا كَانَ مَعْرُوفا بالجبروت وإتفاق الْكل مَعَ توفر دواعيهم عَليّ بغض فَاطِمَة مَعَ قيام الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لمحبتها مِمَّا يعلم إمتناعه بِالضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ عَليّ وَلَا سِيمَا وَجُمْهُور قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَالْعرب لم يكن إِلَى عَليّ مِنْهُم وَلَا مِنْهُ إِلَيْهِم إساءة لَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام وَأما عمر فَكَانَ أَشد على الْأَعْرَاب وَأكْثر عَدَاوَة لَهُم من عَليّ وَكَلَامهم فِيهِ وَفِي حِدته مَعْرُوفَة وَمَعَ هَذَا تولى عَلَيْهِم فَمَا مَاتَ إِلَّا وَكلهمْ يثنى عَلَيْهِ وتوجع الْكل لمصرعه وَهَذَا مَا يبين أَن الْأَمر على نقيض مَا تَقوله الرافضة وَأَن الْقَوْم كَانُوا يعلمُونَ أَن فَاطِمَة لم تكن مظلومة أصلا ثمَّ كَيفَ يقْتَصّ الْقَوْم لعُثْمَان حَتَّى سفكت دِمَاؤُهُمْ وَلَا ينتصرون للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأهل بَيته وَكَيف يُقَاتلُون مَعَ مُعَاوِيَة حَتَّى سفكت دِمَاؤُهُمْ مَعَه وَقد اخْتلف عَلَيْهِ بَنو عبد منَاف وَلَا يُقَاتلُون مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ حَتَّى تسفك دِمَاؤُهُمْ وَبَنُو عبد منَاف مَعَه فالعباس بن عبد الْمطلب أكبر بني هَاشم وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب أكبر بني أُميَّة وَكِلَاهُمَا
كَانَا يميلان إِلَى عَليّ فَلم لَا قَاتل النَّاس مَعَه إِذْ ذَاك وَالْأَمر فِي أَوله والقتال إِذْ ذَاك لَو كَانَ حَقًا مَعَ عَليّ أولى وَولَايَة عَليّ أسهل فَإِنَّهُ لَو عرض نفر قَلِيل مِنْهُم وَقَالُوا عَليّ هُوَ الْوَصِيّ كَمَا ادَّعَت الرافضة وَنحن لَا نُبَايِع إِلَّا لَهُ وَلَا نعصي نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا نقدم الظَّالِمين أَو الْمُنَافِقين من بني تيم على بني هَاشم لأستجاب جُمْهُور النَّاس بل عامتهم لَا سِيمَا وَأَبُو بكر لَيْسَ عِنْده رَغْبَة وَلَا رهبة ثمَّ هَب أَن عمر وَجَمَاعَة كَانُوا مَعَه فَمَا هم بِأَكْثَرَ وَلَا أعز من الَّذين كَانُوا مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَمُعَاوِيَة وَمَعَ هَذَا فقد قَاتلهم عَليّ إِنَّه لَو كَانَ الْحق كَمَا تَقوله الرافضة لَكَانَ أَبُو بكر وَعمر وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من شرار أهل الأَرْض وأعظمهم جهلا وظلما حَيْثُ عَمدُوا بعد موت نَبِيّهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبدلوا وظلموا وكل هَذَا مِمَّا يعلم بالإضطرار فَسَاده من دين الْإِسْلَام وَهُوَ مِمَّا يبين أَن الَّذِي ابتدع مَذْهَب الرافضة كَانَ زنديقا ملحدا عدوا لدين الْإِسْلَام وَأَهله وَلم يكن من أهل الْبدع المتأولين كالخوارج والقدرية وَإِن كَانَ قَول الرافضة راج بعد ذَلِك على قوم فيهم إِيمَان لفرط جهلهم
ثمَّ يُقَال وَأي دَاع كَانَ للْقَوْم حَتَّى نصروا عَائِشَة على عَليّ وَلَا ينْصرُونَ فَاطِمَة على أبي بكر وَلَو كَانَ قيامهم للرئاسة وَالدُّنْيَا لَكَانَ قيامهم مَعَ أشرف الْعَرَب وهم بَنو هَاشم أولى وَلِهَذَا قَالَ صَفْوَان بن أُميَّة الجُمَحِي يَوْم حنين وَالله لِأَن يربنِي رجل من قُرَيْش أحب إِلَيّ من أَن يربنِي رجل من ثَقِيف فصفوان رَأس الطُّلَقَاء لِأَن يربه رجل من بني عبد منَاف أحب إِلَيْهِ من أَن يربه رجل من بني تيم وهلا قدمُوا الْعَبَّاس فَإِنَّهُ كَانَ أقرب إِلَى أغراضهم من أبي بكر إِذا فرضتم أَن قيامهم للدنيا فَدلَّ ذَلِك على أَنهم وضعُوا الْحق فِي نصابه وأقروه فِي إهابه وَأتوا إِلَيْهِ من بَابه قَالَ وسموها أم الْمُؤمنِينَ وَلم يسموا غَيرهَا بذلك قُلْنَا هَذَا بهتان وَاضح لكل أحد وَجَهل مِنْك بل مَا زَالَت الْأمة قَدِيما وحديثا يسمون أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ اتبَاعا لنَصّ تسميتهم بِالْقُرْآنِ سوى الرافضة وَمَا يُنكر هَذَا إِلَّا من يَقُول الْحُسَيْن لَيْسَ بإبن فَاطِمَة كَمَا قَالَ بعض النصيرية وَمَا كَانَ الْحسن وَالْحُسَيْن أَوْلَاد عَليّ بل أَوْلَاد سُلَيْمَان الْفَارِسِي وَمِنْهُم من قَالَ لَيْسَ أَبُو بكر وَعمر مدفونين عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن ورقية وَأم كُلْثُوم ليستا بِنْتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل بِنْتا خَدِيجَة
من غَيره قَالَ وَلم يسموا أخاها مُحَمَّد بن أبي بكر خَال الْمُؤمنِينَ وَسموا مُعَاوِيَة خَال الْمُؤمنِينَ قُلْنَا هَذَا إِنَّمَا يَقُوله جهلة السّنة نكاية فِيكُم وَإِلَّا فَلَا فرق وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي إخوتهن هَل يُقَال لأَحَدهم خَال الْمُؤمنِينَ فجوز ذَلِك بَعضهم وَلَو جَوَّزنَا ذَلِك لاتسع الْخرق ولكثر أخوال الْمُؤمنِينَ وخالاتهم ولقيل فِي أبي بكر وَعمر جد الْمُؤمنِينَ ولحرم التَّزَوُّج بخالات الْمُؤمنِينَ وَهَذَا لَا يَقُوله بشر وَذَلِكَ أَنه لم يثبت لأزواجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحْكَام النّسَب وَإِنَّمَا ثَبت لَهُنَّ الْحُرْمَة والإسم وَتَحْرِيم نِكَاحهنَّ دون الْمَحْرَمِيَّة وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بعض السّنة فِي مُعَاوِيَة خَاصَّة لما رَأَوْا من إستحلال الرافضة لَعنه وتكفيره فَهَلا ذكرت من هُوَ أفضل من مُعَاوِيَة وَمُحَمّد بن أبي بكر وَهُوَ عبد الله بن عمر وَكَانَ سَبَب إختصاص مُحَمَّد بن أبي بكر بعلي لِأَنَّهُ ربيبه وَابْن زَوجته فَإِن عليا تزوج بِأُمِّهِ أَسمَاء بنت عُمَيْس بعد أبي بكر ثمَّ إِنَّه جلده عُثْمَان فِي حد فَبَقيَ فِي نَفسه عَلَيْهِ حَتَّى خرج عَلَيْهِ ثمَّ إِنَّه ولي مصر من جِهَة عَليّ فَذهب إِلَيْهَا فحاربوه ثمَّ قتل وأحرق فَحصل لَهُ
خير وتكفير رَحمَه الله تَعَالَى والرافضة تغلو فِي تَعْظِيمه على عَادَتهم الْفَاسِدَة فِي أَنهم يمدحون رجال الْفِتْنَة الَّذين قَامُوا على عُثْمَان ويبالغون فِي مدح من قَاتل مَعَ عَليّ حَتَّى يفضلون مُحَمَّد بن أبي بكر على أَبِيه أبي بكر فيلعنون أفضل الْأمة بعد نبيها ويمدحون ابْنه الَّذِي لَيْسَ لَهُ صُحْبَة وَلَا سَابِقَة وَلَا فَضِيلَة ويتناقضون بذلك فِي تَعْظِيم الْأَنْسَاب فَإِن كَانَ الرجل لَا يضرّهُ كفر أَبِيه أَو فسقه لم يضر نَبينَا وَلَا إِبْرَاهِيم وَلَا عليا كفر آبَائِهِم وَإِن ضرهم لَزِمَهُم أَن يقدحوا فِي مُحَمَّد بن أبي بكر بِأَبِيهِ وهم يعظمونه وَابْنه الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَابْن ابْنه عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم خير عِنْد الْمُسلمين مِنْهُ وَلَا يذكرونهما بِخَير لِكَوْنِهِمَا ليسَا من رجال الْفِتْنَة وَأما قَوْله وَعظم شَأْنه فَإِن أَرَادَ عظم نسبه فالنسب عِنْدهم لَا حُرْمَة لَهُ لقدحهم فِي أَبِيه وَأُخْته وَأما أهل السّنة فَإِنَّمَا يعظمون النَّاس بالتقوي لَا بِمُجَرَّد النّسَب قَالَ تَعَالَى (إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم) وَإِن أَرَادَ عظم شَأْنه بسابقيته وهجرته ونصرته فَهُوَ لَيْسَ من الصَّحَابَة لَا من الْمُهَاجِرين وَلَا من الْأَنْصَار وَإِن أَرَادَ بِعظم شَأْنه أَنه كَانَ من أعظم النَّاس وأدينهم فَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلَيْسَ هُوَ معدودا من أَعْيَان الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ الَّذين فِي طبقته وَإِن أَرَادَ بذلك شرفة فِي الْمنزلَة
لكَونه كَانَ لَهُ جاه ومنزلة ورياسة فمعاوية كَانَ أعظم جاها ورياسة ومنزلة مِنْهُ بل مُعَاوِيَة خير مِنْهُ وأدين وأحلم وَأكْرم فَإِن مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ روى الحَدِيث وَتكلم فِي الْفِقْه وَقد روى أهل الحَدِيث حَدِيثه فِي الصِّحَاح والمساند وَغَيرهَا وَذكر بعض الْعلمَاء فَتَاوِيهِ وأقضيته وَأما مُحَمَّد بن أبي بكر فَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَأما قَوْله وَأُخْت مُحَمَّد وَأَبوهُ أعظم من أُخْت مُعَاوِيَة وأبيها فَيُقَال هَذِه الْحجَّة بَاطِلَة على الْأَصْلَيْنِ وَذَلِكَ أَن أهل السّنة يفضلون الرجل إِلَّا بِنَفسِهِ فَلَا ينفع مُحَمَّدًا قربه من أبي بكر وَعَائِشَة وَلَا يضر مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ أَن يكون ذَلِك أفضل نسبا مِنْهُ وَهَذَا أصل مَعْرُوف لأهل السّنة كَمَا لَا يضر السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار الَّذين أَنْفقُوا من قبل الْفَتْح وقاتلوا كبلال وصهيب وخباب وأمثالهم أَن يكون من تَأَخّر عَنْهُم من الطُّلَقَاء وَغَيرهم كَأبي سُفْيَان بن حَرْب وابنيه مُعَاوِيَة وَيزِيد وَأبي سُفْيَان ابْن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَرَبِيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب وَنَحْوهم أعظم نسبا مِنْهُم فَإِن هَؤُلَاءِ من بني عبد منَاف أشرف قُرَيْش بَيْتا وَأُولَئِكَ لَيْسَ لَهُم نسب شرِيف وَلَكِن فَضلهمْ بِمَا فضل الله بِهِ من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل على الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا فَكيف على من بعد هَؤُلَاءِ وَأما الرافضة فَإِنَّهُم إِن اعتبروا النّسَب لَزِمَهُم أَن يكون مُحَمَّد بن أبي بكر عِنْدهم شَرّ النَّاس نسبا لقبح قَوْلهم فِي أَبِيه وَأُخْته فعلي أصلهم لَا يجوز تفضيله بِقُرْبِهِ مِنْهُمَا وَإِن ذكرُوا ذَلِك من طَرِيق الْإِلْزَام
لأهل السّنة فهم يفضلون من فَضله الله حَيْثُ قَالَ (إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم) ثمَّ قَالَ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن مُعَاوِيَة الطليق ابْن الطليق وَقَالَ إِذا رَأَيْتُمُوهُ على منبري فَاقْتُلُوهُ وسموه كَاتب الْوَحْي وَلم يكْتب لَهُ كلمة من الْوَحْي بل كَانَ يكْتب لَهُ رسائل قُلْنَا هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِي شَيْء من كتب الْإِسْلَام وَهُوَ عِنْد الْحفاظ كذب وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات ثمَّ قد صعد الْمِنْبَر من هُوَ شَرّ من مُعَاوِيَة وَمَا أَمر بقتْله وَأما قَوْلك الطليق بن الطليق فَمَا هَذَا بِصفة ذمّ فَإِن الطُّلَقَاء غالبهم حسن إسْلَامهمْ كالحارث بن هِشَام وَابْن أَخِيه عِكْرِمَة وَسُهيْل بن عَمْرو وَصَفوَان بن أُميَّة
وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وَحَكِيم بن حزَام وأمثالهم وَكَانُوا من خِيَار الْمُسلمين وَمُعَاوِيَة مِمَّن حسن إِسْلَامه وولاه عمر بعد أَخِيه يزِيد وَلم يكن عمر وَالله مِمَّن يحابي وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَلَا كَانَ يحب أَبَا سُفْيَان وَقد حرص على قَتله لما جَاءَ بِهِ الْعَبَّاس وَلَو كَانَ مِمَّن يحابي لوَلِيّ أَقَاربه من بني عدي ثمَّ إِن مُعَاوِيَة بَقِي على دمشق وَغَيرهَا عشْرين سنة أَمِير وَعشْرين سنة خَليفَة ورعيته يحبونه لإحسانه وَحسن سياسته وتأليفه لقُلُوبِهِمْ حَتَّى إِنَّهُم قَاتلُوا مَعَه عليا وَعلي أفضل من أَمْثَاله وَأولى بِالْحَقِّ مِنْهُ وَهَذَا يعْتَرف بِهِ غَالب جند مُعَاوِيَة وَلَكنهُمْ قَاتلُوا مَعَ مُعَاوِيَة لظنهم أَن عَسْكَر عَليّ فِيهِ قتلة عُثْمَان وَفِيه ظلمَة وَلِهَذَا لم يبدأوا بِالْقِتَالِ حَتَّى بدأهم أُولَئِكَ فقاتلوهم دفعا لصيالهم عَلَيْهِم وقتال الصَّائِل جَائِز وَلِهَذَا قَالَ الأشتر النَّخعِيّ إِنَّهُم ينْصرُونَ علينا لأَنا نَحن بدأناهم بِالْقِتَالِ وَعلي كَانَ عَاجِزا عَن قهر الظلمَة من العسكرين وَلم يكن أمراؤه وأعوانه يوافقونه على كثير مِمَّا يامر بِهِ وَأَعْوَان مُعَاوِيَة يوافقونه قَالَ وَقَاتل عليا وَعلي عِنْدهم رَابِع الْخُلَفَاء إِمَام حق وكل من قَاتل إِمَام حق فَهُوَ بَاغ ظَالِم قُلْنَا نعم والباغي قد يكون متأولا مُعْتَقدًا أَنه على حق وَقد يكون بغيه مركبا من تَأْوِيل وشهوة وشبهة وَهُوَ الْغَالِب وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا لَا يرد وَإِنَّا لَا ننزه هَذَا الرجل وَلَا من هُوَ أفضل مِنْهُ عَن الذُّنُوب والحكاية مَشْهُورَة عَن الْمسور بن مخرمَة أَنه خلا بِمُعَاوِيَة فَطلب مِنْهُ مُعَاوِيَة أَن يُخبرهُ بِمَا ينقمه عَلَيْهِ فَذكر الْمسور أمورا فَقَالَ يَا مسور أَلَك سيئات قَالَ نعم قَالَ أترجو أَن
يغفرها الله قَالَ نعم قَالَ فَمَا جعلك أَرْجَى لرحمة الله مني وَإِنِّي مَعَ ذَلِك وَالله مَا خيرت بَين الله وَبَين سواهُ إِلَّا اخْتَرْت الله على مَا سواهُ وَوَاللَّه لما أليه من الْجِهَاد وَإِقَامَة الْحُدُود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر أفضل من عَمَلك وَأَنا على دين يقبل الله من أَهله الْحَسَنَات ويتجاوز لَهُم عَن السَّيِّئَات ثمَّ إِن قَالَت لكم الْخَوَارِج والنواصب مَا الدَّلِيل على عَدَالَة عَليّ وإيمانه مالكم حجَّة إِلَّا مَا تَوَاتر من إِسْلَامه وعبادته فَإِن قَالُوا لكم فقد تَوَاتر ذَلِك من أبي بكر وَعمر أَيْضا وَطَائِفَة مِمَّن تقدحون فِي إِيمَانهم فَمَا الْفرق بَيْننَا وَبَيْنكُم فَإِن احتججتم بالظواهر القرآنية فَهِيَ متناولة لهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء وَأَنْتُم أخرجتم جمَاعَة كَبِيرَة وَنحن أخرجنَا وَاحِدًا وَإِن قَالُوا بِمَا جَاءَ عَن الصَّحَابَة من فضائله قُلْنَا فقد ورد أَيْضا فَضَائِل أُولَئِكَ فاقبلوا الْكل وَإِن طعنتم فِي الصَّحَابَة فَردُّوا الْكل فَإِن احتججتم بمبايعة النَّاس لَهُ قُلْنَا من الْمَعْلُوم أَن مبايعة النَّاس للثَّلَاثَة قبله أعظم وَأكْثر فَإِن أهل الشَّام مَا بَايعُوهُ وَلَا أَكثر أهل مصر ثمَّ النواصب يَقُولُونَ بل عَليّ الْبَاغِي قَاتل على الْأمان وَبَدَأَ بِالْقِتَالِ وَسَفك دِمَاء الْأمة وَكَانَ السَّيْف فِي دولته مسلولا على الْأمة مكفوفا عَن الْمُشْركين ثمَّ الْخَوَارِج تقدح فِي الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا وَعَمْرو بن عبيد وَجَمَاعَة من الْمُعْتَزلَة يَقُولُونَ فسق أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه قلت يَعْنِي يَوْم الْجمل وَأما يَوْم صفّين فَقَالَ عَمْرو بن عبيد وواصل ابْن عَطاء وَأَبُو الْهُذيْل العلاف أصَاب فِي قتال مُعَاوِيَة نَقله ابْن حزم وَخلق من الْخَوَارِج قَالُوا كَانَ الْحق مَعَ عَليّ فَلَمَّا حكم الْحكمَيْنِ كفر فَإِن قيل هَؤُلَاءِ بغاة لِأَن النَّبِي
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لعمَّار تقتلك الفئة الباغية قُلْنَا الْخَيْر صَحِيح وَقد تكلم فِيهِ بَعضهم وَبَعْضهمْ تَأَوَّلَه على أَن الْبَاغِي الطَّالِب وَهَذَا لَا شَيْء وَأما السّلف كَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَغَيرهم فَيَقُولُونَ لم يُوجد شَرط قتال الطَّائِفَة الباغية فَإِن الله يَأْمر بقتالها إبتداء بل أَمر إِذا اقْتتلَتْ طَائِفَتَانِ أَن يصلح بَينهمَا ثمَّ إِن بَغت إِحْدَاهمَا قوتلت وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقِتَال عِنْد أَحْمد وَمَالك قتال فتْنَة وَأَبُو حنيفَة يَقُول لَا يجوز قتال الْبُغَاة حَتَّى يبدأوا بِقِتَال الإِمَام وَهَؤُلَاء لم يبدأوه ثمَّ أهل السّنة تَقول الإِمَام الْحق لَيْسَ مَعْصُوما وَلَا يجب على الْإِنْسَان أَن يُقَاتل مَعَه كل من خرج عَن طَاعَته وَلَا أَن يُعْطِيهِ الْإِنْسَان فِيمَا يعلم أَن مَعْصِيّة وَأَن يتْركهُ أولى
وعَلى هَذَا ترك جمَاعَة من الصَّحَابَة الْقِتَال مَعَ عَليّ لأهل الشَّام وَالَّذين قَاتلُوهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونُوا عصاة أَو مجتهدين مخطئين أَو مصيبين وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا لَا يقْدَح فِي إِيمَانهم وَلَا يمنعهُم الْجنَّة بقوله تَعَالَى (وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم) فسماهم إخْوَة وَأما قَوْلك لم يكْتب لَهُ كلمة من الْوَحْي فدعوى كنظائرها قَالَ وَكَانَ بِالْيمن يَوْم الْفَتْح يطعن على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكتب إِلَى أَبِيه أبي سُفْيَان يعيره بِالْإِسْلَامِ وَيَقُول أَصَبَوْت إِلَى دين مُحَمَّد وَكتب إِلَيْهِ هَذِه الأبيات (يَا صَخْر لَا تسلمن طَوْعًا فتفضحنا... بعد الَّذين ببدر أَصْبحُوا فرقا) (جدي وخالي وَعم الْأُم يالهم... قوما وحَنْظَلَة المهندي لنا أرقا) (فالموت أَهْون من قَول الوشاة لنا... خلى ابْن هِنْد عَن الْعُزَّى لقد فرقا) وأهدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَمه فَلَمَّا لم يجد مأوى صَار إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مضطربا فأظهر الْإِسْلَام قبل موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخَمْسَة أشهر وَطرح نَفسه على الْعَبَّاس إِلَى أَن قَالَ وَعَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يطلع عَلَيْكُم رجل يَمُوت على غير سنتي فطلع مُعَاوِيَة وَقَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبًا فَأخذ مُعَاوِيَة بيد ابْنه يزِيد وَخرج فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن الله الْقَائِد والمقود إِلَى أَن قَالَ وَبَالغ فِي محاربة على وَقتل جمعا من خِيَار الصَّحَابَة
وَلعن عَليّ على الْمِنْبَر وَاسْتمرّ ثَمَانِينَ سنة حَتَّى قطعه عمر بن عبد الْعَزِيز وسم الْحسن وَقتل ابْنه مولَايَ الْحُسَيْن وَنهب وسبى وَكسر أَبوهُ ثنية النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأكلت أمه كبد حَمْزَة فَيُقَال سُبْحَانَ من خلق الْكَذِب وَسلمهُ إِلَى الرافضة فَأَما أَبُو سُفْيَان فَإِنَّهُ أسلم قبل دُخُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّة بمر الظهْرَان لَيْلَة نزل بهَا وَقَالَ الْعَبَّاس إِن أَبَا سُفْيَان يحب الشّرف فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ آمن وَمن ألْقى السِّلَاح فَهُوَ آمن وَأَبُو سُفْيَان كَانَ عِنْده من دَلَائِل النُّبُوَّة مَا سَمعه
من هر قل قبل إِسْلَامه بأشهر وَمَا كَانَ عِنْده من أُميَّة بن أبي الصَّلْت لَكِن الْحَسَد
مَنعه من الْإِيمَان حَتَّى أدخلهُ الله عَلَيْهِ وَهُوَ كَارِه بِخِلَاف مُعَاوِيَة فَإِنَّهُ لم يعرف عَنهُ شَيْء من ذَلِك وَلَا عَن أَخِيه يزِيد وَهَذَا الشّعْر كذب عَلَيْهِ قطعا ثمَّ لَا يجوز الطعْن على من تَأَخّر إِسْلَامه كصفوان بن أُميَّة
والْحَارث بن هِشَام
ثمَّ نفس هَذَا الشّعْر يدل على وَضعه فَإِنَّهُ لَا يشبه نفس الصَّحَابَة وَإِسْلَام مُعَاوِيَة عَام الْفَتْح بإتفاق النَّاس ثمَّ قد تقدم قَوْلك إِنَّه من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم والمؤلفة إِنَّمَا أَعْطَاهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غَنَائِم حنين وَكَانَت بعد الْفَتْح بأيام فَلَو كَانَ هَارِبا لم يكن من الْمُؤَلّفَة وَقد قَالَ قصرت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمَرْوَة بمشقص وَهَذَا وَالله أعلم كَانَ فِي عمرته عَلَيْهِ السَّلَام من الْجِعِرَّانَة فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَأما قَوْله وَقد روى عبد الله بن عمر قَالَ أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسمتعه يَقُول
يطلع عَلَيْكُم رجل يَمُوت على غير سنتي فطلع مُعَاوِيَة وَقَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبًا فَأخذ مُعَاوِيَة بيد ابْنه يزِيد وَخرج وَلم يسمع الْخطْبَة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن الله الْقَائِد والمقود أَي يَوْم يكون للْأمة مَعَ مُعَاوِيَة ذِي الْإِسَاءَة فَالْجَوَاب عَلَيْهِ أَولا نَحن نطالب بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث فَإِن الإحتجاج بِالْحَدِيثِ لَا يجوز إِلَّا بعد ثُبُوته وَيُقَال ثَانِيًا هَذَا الحَدِيث من الْكَذِب الْمَوْضُوع بإتفاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَا يُوجد فِي شَيْء من دواوين الحَدِيث الَّتِي يرجع إِلَيْهَا فِي معرفَة الحَدِيث وَلَا لَهُ إِسْنَاد مَعْرُوف وَهَذَا المحتج بِهِ لم يذكر لَهُ إِسْنَادًا ثمَّ من جَهله أَن يرْوى مثل هَذَا عَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عمر من أبعد النَّاس عَن ثلب الصَّحَابَة وأروى النَّاس لمناقبهم وَقَوله فِي مدح مُعَاوِيَة مَعْرُوف ثَابت عَنهُ حَيْثُ يَقُول مَا رَأَيْت بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسود من مُعَاوِيَة قيل لَهُ وَلَا أَبُو بكر وَعمر فَقَالَ كَانَ أَبُو بكر وَعمر خيرا مِنْهُ وَمَا رَأَيْت بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسود من مُعَاوِيَة قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل السَّيِّد الْحَلِيم يَعْنِي مُعَاوِيَة وَكَانَ مُعَاوِيَة كَرِيمًا حَلِيمًا ثمَّ إِن خطب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تكن وَاحِدَة بل كَانَ يخْطب فِي الْجمع والأعياد وَالْحج وَغير ذَلِك وَمُعَاوِيَة وَأَبوهُ يَشْهَدَانِ الْخطب كَمَا يشهدها الْمُسلمُونَ كلهم أفتراهما فِي كل خطْبَة كَانَا يقومان ويمكنان من ذَلِك هَذَا قدح فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي سَائِر الْمُسلمين إِذْ يمكنون إثنين دَائِما يقومان وَلَا يحْضرَانِ الْخطْبَة وَلَا الْجُمُعَة وَإِن كَانَا يَشْهَدَانِ كل خطْبَة فَمَا بالهما يمتنعان عَن سَماع خطية وَاحِدَة قبل أَن يتلكم بهَا ثمَّ من الْمَعْلُوم من سيرة مُعَاوِيَة أَنه كَانَ من أحلم النَّاس وأصبرهم على من يُؤْذِيه وَأعظم النَّاس تأليفا لمن يعاديه فَكيف ينفر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَنه أعظم الْخلق مرتبَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي كل أُمُوره فَكيف لَا يصبر على سَماع كَلَامه وَهُوَ بعد الْملك يسمع كَلَام من
يشتمه فِي وَجهه فلماذا لم يسمع كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَيف يتَّخذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَاتبا من هُوَ فِي هَذِه الْحَالة وَقَوله إِنَّه أَخذ بيد ابْنه يزِيد فمعاوية لم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ ابْن اسْمه يزِيد وَأما ابْنه يزِيد الَّذِي تولى الْملك وَجرى فِي خِلَافَته مَا جرى فَإِنَّمَا ولد فِي خلَافَة عُثْمَان بإتفاق أهل الْعلم وَلم يكن لمعاوية ولد على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن نَاصِر خطب مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يُزَوّج لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيرا وَإِنَّمَا تزوج فِي زمن عمر رَضِي الله عَنهُ وَولد لَهُ فِي يزِيد فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ سنة سبع وَعشْرين من الْهِجْرَة ثمَّ نقُول ثَالِثا هَذَا الحَدِيث يُمكن معارضته بِمثلِهِ من جنسه بِمَا يدل ع لى فضل مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات قد تعصب قوم مِمَّن يَدعِي السّنة فوضعوا فِي فضل مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ أَحَادِيث ليغيظوا الرافضة وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا فِي ذمه أَحَادِيث وكلا الْفَرِيقَيْنِ على الْخَطَأ الْقَبِيح
وَأما محاربته عليا فلأمور لَا تخرجه عَن الْإِسْلَام وَإِن كَانَ عَليّ أقرب إِلَى الْحق وَأولى بِهِ مِنْهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تمرق مارقة على حِين فرقة من الْمُسلمين تقتلهم أولى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فَهَؤُلَاءِ المارقة هم الَّذين خَرجُوا على عَليّ وقاتلوه يَوْم النهروان فَدلَّ الحَدِيث على أَن عليا وطائفته أقرب إِلَى الْحق من طَائِفَة مُعَاوِيَة وَفِي البُخَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي الْحسن إِن ابْني هَذَا سيد وَإِن الله سيصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُؤمنِينَ فمدح الْحسن بالإصلاح الَّذِي جرى على الْجَمَاعَة من الفئتين وسماهما مُؤمنين وَهَذَا يدل أَيْضا على أَن الْإِصْلَاح بَينهمَا هُوَ الْمَحْمُود لَا الْقِتَال الَّذِي جرى وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم الحَدِيث وَقَالَ يُوشك أَن يكون خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شعف الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن وَالَّذين رووا أَحَادِيث الْقعُود فِي الْفِتْنَة والتحذير مِنْهَا كسعد بن أبي وَقاص وَمُحَمّد بن مسلمة وَأُسَامَة لم يقاتلوا إِلَّا مَعَ عَليّ وَلَا مَعَ مُعَاوِيَة ثمَّ الَّذين قَاتلُوا مَعَ عَليّ أخف جرما من الَّذين قتلوا عُثْمَان صبرا وَأَنت تمدحهم وترضى فعلهم يَا جَاهِل فَإِن قلت إِن عُثْمَان فعل أَشْيَاء أنْكرت عَلَيْهِ قيل فعل عَليّ أَشْيَاء أخرت هَؤُلَاءِ عَن مبايعته فَرضِي الله عَن الرجلَيْن ثمَّ إِن عليا بَادر بعزل مُعَاوِيَة وَكَانَ لَا بَأْس بِهِ فِي ولَايَته محببا إِلَى رَعيته وَقد
اسْتعْمل عَليّ من هُوَ دون مُعَاوِيَة كزياد بن أَبِيه وَقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل من عَليّ وَاسْتعْمل أَبَا سُفْيَان على نَجْرَان وَمَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو سُفْيَان أَمِير عَلَيْهَا وَكَانَ كثير من أُمَرَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْأَعْمَال من بني أُميَّة فَإِنَّهُ اسْتعْمل على مَكَّة عتاب بن أسيد بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة وَاسْتعْمل خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَأَبَان بن سعيد بن الْعَاصِ وولاه عمر رَضِي الله عَنهُ وَلَا يتهم لَا فِي دينه وَلَا فِي سياسته وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ خِيَار أئمتكم الَّذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عَلَيْهِم وَيصلونَ عَلَيْكُم وشرار أئمتكم الَّذين تبغضونهم ويبغضونكم وتعلنونهم ويلعنونكم قَالُوا وَمُعَاوِيَة كَانَت رَعيته يحبونه وَهُوَ يُحِبهُمْ وَيصلونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهِم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خالفهم وَلَا من خذلهم قَالَ مَالك بن يخَامر سَمِعت معَاذًا يَقُول هم بِالشَّام قَالُوا وَهَؤُلَاء كَانُوا عَسْكَر مُعَاوِيَة وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا يزَال أهل الغرب ظَاهِرين حَتَّى تقوم السَّاعَة قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل أهل الغرب
هُوَ أهل الشَّام وَقد بسطنا هَذَا فِي مَوضِع آخر وَهَذَا النَّص يتَنَاوَل عَسْكَر مُعَاوِيَة قَالُوا وَمُعَاوِيَة أَيْضا كَانَ خيرا من كثير مِمَّن استنابه عَليّ فَلم يكن يسْتَحق أَن يعْزل ويولي من هُوَ دونه فِي السياسة فليت عليا تألف مُعَاوِيَة وَأقرهُ على الشَّام وحقن الدِّمَاء فَإِذا قيل إِن عليا كَانَ مُجْتَهدا فِي ذَلِك قيل وَعُثْمَان كَانَ مُجْتَهدا فِيمَا فعل وَأَيْنَ الإجتهاد فِي تَخْصِيص بعض النَّاس بِولَايَة أَو إِمَارَة أَو مَال من الإجتهاد فِي سفك الْمُسلمين بَعضهم دِمَاء بعض حَتَّى ذل الْمُؤْمِنُونَ وعجزوا عَن مقاومة الْكفَّار حَتَّى طمعوا فيهم وَفِي الإستيلاء عَلَيْهِم وَلَا ريب أَنه لَو لم يكن قتال بل كَانَ مُعَاوِيَة مُقيما على سياسة رَعيته وَعلي مُقيما على سياسة رَعيته لم يكن فِي ذَلِك من الشَّرّ أَكثر مِمَّا حصل بالإقتتال فَإِنَّهُ بالإقتتال لم تزل هَذِه الْفرْقَة وَلم يجتمعوا على إِمَام بل سفكت الدِّمَاء وقويت الْعَدَاوَة والبغضاء وضعفت الطَّائِفَة الَّتِي كَانَت أقرب إِلَى الْحق وَهِي طَائِفَة عَليّ وصاروا يطْلبُونَ من الطَّائِفَة الْأُخْرَى من المسالمة مَا كَانَت تِلْكَ تطلبه إبتداء وَمَعْلُوم أَن الْفِعْل الَّذِي تكون مصْلحَته راجحة على مفسدته يحصل بِهِ من الْخَيْر أعظم مِمَّا يحصل بِعَدَمِهِ وَهنا لم يحصل بالإقتتال مصلحَة بل كَانَ الْأَمر مَعَ عدم الْقِتَال خيرا وَأصْلح مِنْهُ بعد الْقِتَال وَكَانَ عَليّ وَعَسْكَره أَكثر وَأقوى وَمُعَاوِيَة وَأَصْحَابه أقرب إِلَى مُوَافَقَته ومسالمته ومصالحته فَإِذا كَانَ مثل هَذَا الإجتهاد مغفورا لصَاحبه فإجتهاد عُثْمَان أَن يكون مغفورا أولى وَأَحْرَى وَأما مُعَاوِيَة وأعوانه فَيَقُولُونَ إِنَّمَا قاتلنا عليا قتال دفع عَن أَنْفُسنَا وبلادنا
فَإِنَّهُ بدأنا بِالْقِتَالِ فدفعناه بِالْقِتَالِ وَلم نبتدئه بذلك وَلَا اعتدينا عَلَيْهِ فَإِذا قيل لَهُم هُوَ الإِمَام الَّذِي كَانَت تجب طَاعَته عَلَيْكُم ومبايعته وَأَن لَا تشقوا عَصا الْمُسلمين قَالُوا مَا نعلم أَنه إِمَام تجب طَاعَته لِأَن ذَلِك عِنْد الشِّيعَة إِنَّمَا يعلم بِالنَّصِّ وَلم يبلغنَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَص بإمامته وَوُجُوب طَاعَته وَلَا ريب أَن عذرهمْ فِي هَذَا ظَاهر فَإِنَّهُ لَو قدر أَن النَّص الْجَلِيّ الَّذِي تدعيه الإمامية حق فَإِن هَذَا قد كتم وأخفي فِي زمن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم فَلم يجب أَن يعلم مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه مثل ذَلِك لَو كَانَ حَقًا فَكيف إِذا كَانَ بَاطِلا وَأما قَوْله إِن مُعَاوِيَة قتل جمعا كثيرا من خِيَار الصَّحَابَة فَيُقَال الَّذين قتلوا من الطَّائِفَتَيْنِ قتل هَؤُلَاءِ من هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء من هَؤُلَاءِ وَأكْثر الَّذين كَانُوا يختارون الْقِتَال من الطَّائِفَتَيْنِ لم يَكُونُوا يطيعون عليا وَلَا مُعَاوِيَة وَكَانَ عَليّ وَمُعَاوِيَة رَضِي الله عَنْهُمَا أطلب لكف الدِّمَاء من أَكثر المقتتلين لَكِن غلبا فِيمَا وَقع والفتنة إِذا ثارت عجز الْحُكَمَاء عَن إطفاء نارها وَكَانَ فِي العسكرين مثل الأشتر النَّخعِيّ وهَاشِم بن عتبَة المرقال وَعبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد وَأبي الْأَعْوَر
السّلمِيّ وَنَحْوهم من المحرضين على الْقِتَال قوم ينتصرون لعُثْمَان غَايَة الإنتصار وَقوم
ينفرون عَنهُ وَقوم ينتصرون لعَلي وَقوم ينفرون عَنهُ ثمَّ قتال أَصْحَاب مُعَاوِيَة مَعَه لم يكن لخُصُوص مُعَاوِيَة بل كَانَ لأسباب أُخْرَى وقتال الْفِتْنَة مثل قتال الْجَاهِلِيَّة لَا تنضبط مَقَاصِد أَهله وإعتقاداتهم كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ وَقعت الْفِتْنَة وَأَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متوافرون فَأَجْمعُوا أَن كل دم أَو مَال أَو فرج أُصِيب بِتَأْوِيل الْقُرْآن فَإِنَّهُ هدر أنزلوهم منزلَة الْجَاهِلِيَّة وَأما مَا وَقع من لعن عَليّ فَإِن التلاعن وَقع من الطَّائِفَتَيْنِ فَكَانَ هَؤُلَاءِ يلعنون رُءُوس هَؤُلَاءِ فِي دُعَائِهِمْ وَهَؤُلَاء يلعنون رُءُوس هَؤُلَاءِ والقتال بِالْيَدِ أعظم من التلاعن وَهَذَا كُله سَوَاء كَانَ ذَنبا أَو إجتهادا مخطئا أَو مصيبا فَإِن مغْفرَة الله وَرَحمته تتَنَاوَل ذَلِك بِالتَّوْبَةِ والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وَغير ذَلِك وَمن العجيب أَن الرافضة تنكرسب عَليّ وتسب الثَّلَاثَة قبله أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وتكفرهم وَمُعَاوِيَة وَحزبه مَا كفرُوا عليا إِنَّمَا كفرته الْخَوَارِج المارقون من الدّين وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه
قَالَ وسم مُعَاوِيَة الْحسن فَهَذَا قيقل وَلم يثبت فَيُقَال إِن امْرَأَته سمته وَكَانَ مطلاقا رَضِي الله عَنهُ فلعلها سمته لغَرَض وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَقد قيل إِن أَبَاهَا الْأَشْعَث بن قيس أمرهَا بذلك فَإِنَّهُ كَانَ يتهم بالإنحراف فِي الْبَاطِن عَن عَليّ وَابْنه الْحسن وَإِذا قيل إِن مُعَاوِيَة أَمر أَبَاهَا كَانَ هَذَا ظنا مَحْضا وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَبِالْجُمْلَةِ فَمثل هَذَا لَا يحكم بِهِ فِي الشَّرْع بإتفاق الْمُسلمين فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَمر ظَاهر لَا مدح وَلَا ذمّ ثمَّ إِن الْأَشْعَث بن قيس مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَقيل سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَلِهَذَا لم يذكر فِي الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَين مُعَاوِيَة وَالْحسن بن عَليّ فِي الْعَام الَّذِي كَانَ يُسمى عَام الْجَمَاعَة وَهُوَ عَام أحد وَأَرْبَعين وَكَانَ الْأَشْعَث حما الْحسن بن عَليّ فَلَو كَانَ شَاهدا لَكَانَ يكون لَهُ ذكر فِي ذَلِك وَإِذا كَانَ قد مَاتَ قبل الْحسن بِنَحْوِ عشر سِنِين فَكيف يكون هُوَ الَّذِي أَمر ابْنَته وَأما يزِيد فَلم يَأْمر بقتل الْحُسَيْن بإتفاق أهل النَّقْل وَلَكِن كتب إِلَى ابْن زِيَاد أَن يمنعهُ عَن ولَايَة الْعرَاق وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ كَانَ يظنّ أَن أهل الْعرَاق ينصرونه
ويوفون لَهُ بِمَا كتبُوا إِلَيْهِ فَأرْسل إِلَيْهِم ابْن عَمه مُسلم بن عقيل فَلَمَّا قتلوا مُسلما وغدروا
بِهِ وَبَايَعُوا ابْن زِيَاد أَرَادَ الرُّجُوع فَأَدْرَكته السّريَّة الظالمة فَطلب أَن يذهب إِلَى يزِيد أَو يذهب إِلَى الثغر أَو يرجع إِلَى بَلَده فَلم يمكنوه من ذَلِك حَتَّى يستأسر لَهُم وَلَكِن هُوَ رَضِي الله عَنهُ أَبى أَن يسلم نَفسه وَأَن ينزل على حكم عبيد الله بن زِيَاد وَقَاتل حَتَّى قتل شَهِيدا مَظْلُوما رَضِي الله عَنهُ وَلما بلغ ذَلِك يزِيد أظهر التوجع وَظهر الْبكاء فِي دَاره وَلم يسب لَهُم حريما أصلا بل جهزهم وَأَعْطَاهُمْ وبعثهم إِلَى وطنهم وَكَانَ مُعَاوِيَة وصّى يزِيد برعاية حق الْحُسَيْن وإجلاله وَقَوله إِن أَبَا سُفْيَان كسر ثنية النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّمَا كسرهَا عتبَة بن أبي وَقاص ولاكت هِنْد كبد حَمْزَة ولفظتها ثمَّ من الله عَلَيْهَا بِالْإِسْلَامِ وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكرمها أَنَّهَا حماته قَالَ الله تَعَالَى (قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف) وَفِي مُسلم من حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ الْإِسْلَام
يهدم مَا كَانَ قبله وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ لما أسلمت هِنْد أم مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَت وَالله يَا رَسُول الله مَا كَانَ على ظهر الأَرْض أهل خباء أحب إِلَيّ أَن يذلوا من أهل خبائك ثمَّ مَا أصبح الْيَوْم على ظهر الأَرْض أهل خباء أحب إِلَى أَن يعزوا من أهل خبائك قَالَ الرافضي وَسموا خَالِدا سيف الله عنادا لأمير الْمُؤمنِينَ الَّذِي هُوَ أَحَق بِهَذَا مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَليّ سيف الله وَسَهْم الله وَقَالَ عَليّ على الْمِنْبَر أَنا سيف الله على أعدائه وخَالِد لم يزل عدوا للرسول مُكَذبا لَهُ وَهُوَ كَانَ السَّبَب فِي قتل الْمُسلمين يَوْم أحد وَلما تظاهر بِالْإِسْلَامِ بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى بني جذيمة فخانه وَخَالف أمره وَقتل الْمُسلمين فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع خَالِد فَأَما تَسْمِيَة عَليّ سيف الله فَلم يَصح وَلَا عَرفْنَاهُ فِي كتاب وَأما تَسْمِيَة خَالِد سيف الله فَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِهِ بل هُوَ سيف من سيوف الله سَله على الله الْمُشْركين كَمَا صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِيهِ ذَلِك من حَدِيث حميد بن هِلَال عَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعى زيدا وجعفرا وَابْن رَوَاحَة وَعَيناهُ تَذْرِفَانِ قَالَ ثمَّ أَخذ الرَّايَة سيف من سيوف الله حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يمْنَع أَن يكون غَيره سَيْفا لله بل هُوَ يتَضَمَّن أَن سيوف الله مُتعَدِّدَة وَلَا ريب أَن خَالِدا قتل من الْكفَّار أَكثر مِمَّا قتل غَيره وَكَانَ سعيدا فِي حروبه وَأسلم قبل الْفَتْح وَهَاجَر وَمن حِين أسلم كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يؤمره وَلَقَد انْقَطع فِي يَده يَوْم مُؤْتَة تِسْعَة أسياف أخرجه البُخَارِيّ