قيل نعم وَهَؤُلَاء أعلم مِنْكُم بِمَا روى جدكم عَن جِبْرَائِيل وَأَنْتُم ترجعون فِي ذَلِك إِلَيْهِم وَإِذا كَانَ كل من الْأَوَّلين والآخرين من بني هَاشم قد يتَعَلَّم بعض مَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كعلم أمثالهم فبمن يأتم النَّاس وَعَمن يَأْخُذُونَ أيأخذون عَمَّن يعرف مَا جَاءَ بِهِ جدهم أَو عَمَّن لَا يعرف ذَلِك وَالْعُلَمَاء هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء فَإِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا درهما وَلَا دِينَارا وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بِخَط وافر
وَإِن قَالَ مرادي بهؤلاء الْأَئِمَّة الإثنا عشر قيل لَهُ مَا رَوَاهُ عَليّ بن الْحُسَيْن وَأَبُو جَعْفَر وأمثالهما من حَدِيث جدهم فمقبول مِنْهُم كَمَا يرويهِ أمثالهم وَلَوْلَا أَن النَّاس وجدوا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَكثر مِمَّا وجدوه عِنْد مُوسَى بن جَعْفَر وَعلي بن مُوسَى وَمُحَمّد بن عَليّ لما عدلوا عَن هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ وَإِلَّا فَأَي غَرَض لأهل الْعلم وَالدّين أَن يعدلُوا عَن مُوسَى بن جَعْفَر إِلَى مَالك بن أنس وَكِلَاهُمَا من بلد وَاحِد فِي عصر وَاحِد وجدوا عِنْد مُوسَى بن جَعْفَر من علم الرَّسُول مَا وجدوه عِنْد مَالك مَعَ كَمَال رَغْبَة الْمُسلمين فِي معرفَة علم الرَّسُول وَنَفس بني هَاشم كَانُوا يستفيدون علم الرَّسُول من مَالك بن أنس أَكثر مِمَّا يستفيدونه من ابْن عمهم مُوسَى بن جَعْفَر ثمَّ الشَّافِعِي جَاءَ بعد مَالك وَقد خَالفه فِي أَشْيَاء وردهَا عَلَيْهِ حَتَّى وَقع بَينه وَبَين أَصْحَاب مَالك مَا وَقع وَهُوَ أقرب نسبا من بني هَاشم من مَالك وَمن أحرص النَّاس على مَا يستفيده من علم الرَّسُول من بني عَمه وَغير بني عَمه وَلَو وجد عِنْد أحد من بني هَاشم أعظم من الْعلم الَّذِي وجده عِنْد مَالك لَكَانَ أَشد النَّاس مسارعة إِلَى ذَلِك فَلَمَّا كَانَ يعْتَرف بِأَنَّهُ لم يَأْخُذ عَن أحد أعلم من مَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَكَانَت كتبه مشحونة بِالْأَخْذِ عَن هذَيْن الْإِثْنَيْنِ وَغَيرهمَا وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء عَن مُوسَى بن جَعْفَر وَأَمْثَاله من بني هَاشم علم أَن مَطْلُوبه من علم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ عِنْد مَالك أَكثر مِمَّا هُوَ عِنْد هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ أَحْمد بن جنبل قد علم كَمَال محبته لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولحديثه ومعرفته بأقواله وأفعاله وموالاته لمن يُوَافقهُ ومعاداته لمن يُخَالِفهُ ومحبته لبني هَاشم وتصنيفه فِي فضائلهم حَتَّى صنف فَضَائِل عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن كَمَا صنف فَضَائِل الصَّحَابَة وَمَعَ هَذَا فَكَتبهُ مَمْلُوءَة عَن مثل مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد ووكيع بن الْجراح وَيحيى
ابْن سعيد الْقطَّان وهشيم بن بشير وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وأمثالهم دون مُوسَى بن جَعْفَر وَعلي بن مُوسَى وَمُحَمّد بن عَليّ وأمثالهم فَلَو وجد مَطْلُوبه عِنْد مثل هَؤُلَاءِ لَكَانَ أَشد النَّاس رَغْبَة فِي ذَلِك فَإِن زعم زاعم أَنه كَانَ عِنْدهم من الْعلم المخزون مَا لَيْسَ عِنْد أُولَئِكَ لَكِن كَانُوا يكتمونه فَأَي فَائِدَة للنَّاس من علم مَكْتُوم فَعلم لَا يُقَال بِهِ ككنز لَا ينْفق مِنْهُ فَكيف يأتم النَّاس بِمن لَا يبين لَهُم وَالْعلم المكتوم كَالْإِمَامِ الْمَعْدُوم وَكِلَاهُمَا لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يحصل بِهِ لطف وَلَا مصلحَة وَإِن قَالُوا بل كَانُوا يثبتون ذَلِك لخواصهم دون هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قيل أَولا هَذَا كذب عَلَيْهِم فَإِن جَعْفَر بن مُحَمَّد لم يَجِيء بعده مثله وَقد أَخذ الْعلم عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة كمالك وَابْن عُيَيْنَة وَشعْبَة وَالثَّوْري وَابْن جريج وَيحيى بن سعيد وأمثالهم من الْعلمَاء والمشاهير الْأَعْيَان ثمَّ من ظن بهؤلاء السَّادة أَنهم يكتمون الْعلم عَن مثل هَؤُلَاءِ ويخصون بِهِ قوما مجهولين لَيْسَ لَهُم فِي الْأمة لِسَان صدق فقد أَسَاءَ الظَّن بهم فَإِن فِي هَؤُلَاءِ من الْمحبَّة لله وَلِرَسُولِهِ وَالطَّاعَة لَهُ وَالرَّغْبَة فِي حفظ دينه وتبليغه وموالاة من وَالَاهُ ومعاداة من عَادَاهُ وصيانته عَن الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان مَالا يُوجد قريب مِنْهُ لأحد من شُيُوخ الشِّيعَة وَهَذَا أَمر مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لمن عرف وَهَؤُلَاء هَؤُلَاءِ وَاعْتبر هَذَا مِمَّا
تَجدهُ فِي كل زمَان من شُيُوخ السّنة وشيوخ الرافضة كمصنف هَذَا الْكتاب فَإِنَّهُ عِنْد الإمامية أفضلهم فِي زَمَانه بل يَقُول بعض النَّاس لَيْسَ فِي بِلَاد الْمشرق أفضل مِنْهُ فِي جنس الْعُلُوم مُطلقًا وَمَعَ هَذَا فَكَلَامه يدل على أَنه من اجهل خلق الله تَعَالَى بِحَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وأقواله وأعماله فيروى الْكَذِب الَّذِي يظْهر أَنه كذب من وُجُوه كَثِيرَة فَإِن كَانَ عَالما بِأَنَّهُ كذب فقد ثَبت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من حدث عني بِحَدِيث وَهُوَ يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَذَّابين وَإِن كَانَ جَاهِلا بذلك دلّ على أَنه من أَجْهَل النَّاس بأحوال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا قيل (فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة... وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم) وَأما الأبيات الَّتِي أنشدها فقد قيل فِي معارضتها (إِذا شِئْت أَن ترْضى لنَفسك مذهبا... تنَال بِهِ الزلفى وتنجو من النَّار) (فدن بِكِتَاب الله وَالسّنة الَّتِي... أَنْت عَن رَسُول الله من نقل أخيار) (ودع عَنْك دَاعِي الرَّفْض والبدع الَّتِي... يقودك داعيها إِلَى النَّار والعار) (وسر خلف أَصْحَاب الرَّسُول فَإِنَّهُم... نُجُوم هدى فِي ضوئها يَهْتَدِي الساري) (وعج عَن طَرِيق الرَّفْض فَهُوَ مؤسس... على الْكفْر تأسيسا على جرف هار) (هما خطتان إِمَّا هدى وسعادة... وَإِمَّا شقاء مَعَ ضَلَالَة كفار) (فَأَي فريقينا أَحَق بأمنه... وَأهْدى سَبِيلا عِنْدَمَا يحكم الْبَارِي) (أَمن سبّ أَصْحَاب الرَّسُول وَخَالف الْكتاب... وَلم يعبأ بِثَابِت الْأَخْبَار) (أم الْمُقْتَدِي بِالْوَحْي يسْلك مَنْهَج الصَّحَابَة... مَعَ حب الْقَرَابَة الْأَطْهَار)
إِلَى أَن قَالَ وَمنع أَبُو بكر فَاطِمَة إرثها والتجأ إِلَى رِوَايَة إنفرد بهَا وَكَانَ هُوَ الْغَرِيم لَهَا لِأَن الصَّدَقَة تحل لَهُ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة على مَا رَوَوْهُ عَنهُ وَالْقُرْآن يُخَالف ذَلِك لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ (يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم) وَهَذَا عَام وَكذب روايتهم فَقَالَ (وَورث سُلَيْمَان دَاوُد) وَقَالَ (فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي) وَالْجَوَاب عَن قَوْله رِوَايَة إنفرد بهَا بِأَنَّهُ كذب رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسَعِيد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالْعَبَّاس وَأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُم وأرضاهم أَجْمَعِينَ وَقَوله كَانَ الْغَرِيم لَهَا كذب فَإِن أَبَا بكر لم يدع التَّرِكَة لنَفسِهِ وَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَة لمستحقها وَأَيْضًا فتيقن الصَّحَابَة وأولهم عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُورث وَلِهَذَا لما ولي عَليّ الْخلَافَة لم يقسم تَرِكَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا غَيرهَا عَن مصرفها
وَعُمُوم آيَة الْمِيرَاث قد خص مِنْهُ هَذَا وَأَنه لَا يَرث الْكَافِر وَلَا الْقَاتِل عمدا وَلَا العَبْد وَغير ذَلِك ثمَّ إِن أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا قد أعطيا عليا وبنيه رَضِي الله عَنْهُم من المَال أَضْعَاف مَا خَلفه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا خَلفه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد سلمه عمر إِلَى عَليّ وَالْعَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم يليانه ويفعلان فِيهِ مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَفْعَله وَهَذَا مِمَّا يَنْفِي التُّهْمَة عَن أبي بكر وَعمر ثمَّ لَو قدر أَن أَبَا بكر وَعمر متغلبان موثبان على الْأَمر لكَانَتْ الْعَادة تقضي بِأَن لَا يزاحما الْوَرَثَة الْمُسْتَحقّين للولاية والتركة فِي ذَلِك المَال بل يعطيانهم ذَلِك وأضعافه ليكفوا عَن الْمُنَازعَة فِي الْولَايَة ثمَّ قَوْله تَعَالَى (وَورث سُلَيْمَان دَاوُد) لَا يدل إِذْ الْإِرْث اسْم جنس تَحْتَهُ أَنْوَاع وَالدَّال على مَا بِهِ الإشتراك لَا يدل على مَا بِهِ الإمتياز فَإِذا قيل هُنَا حَيَوَان لم يدل على إِنْسَان أَو فرس فَإِن لفظ الْإِرْث يسْتَعْمل فِي لفظ إِرْث الْعلم وَالْملك وَغير ذَلِك قَالَ تَعَالَى (ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا) وَقَالَ تَعَالَى (وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها) (وأورثكم أَرضهم) (إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء) (وأورثنا الْقَوْم الَّذين كَانُوا يستضعفون) وَأخرج أَبُو دَاوُد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا ودرهما وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم ثمَّ يُقَال بل المُرَاد إِرْث الْعلم والنبوة لَا المَال إِذْ مَعْلُوم أَنه كَانَ لداود أَوْلَاد كَثِيرَة غير سُلَيْمَان فَلَا يخْتَص سُلَيْمَان بِمَالِه وَلَيْسَ فِي كَونه ورث مَاله صفة مدح لَهما فَإِن الْبر والفاجر يَرث أَبَاهُ وَالْآيَة سيقت فِي بَيَان مدح سُلَيْمَان وَمَا خص بِهِ وإرث المَال من الْأُمُور العادية الْمُشْتَركَة بَين النَّاس وَمثل ذَلِك لَا يقص علينا لعدم فَائِدَته وَكَذَلِكَ قَوْله
(يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب) لِأَنَّهُ لَا يَرث من آل يَعْقُوب أَمْوَالهم إِنَّمَا يرثهم أَوْلَادهم وذريتهم ثمَّ زَكَرِيَّا لم يكن ذَا مَال إِنَّمَا كَانَ نجارا وَيحيى كَانَ من أزهد النَّاس قَالَ وَلما ذكرت أَن أَبَاهَا وَهبهَا فدك قَالَ هَاتِي شَاهدا فَجَاءَت بِأم أَيمن فَقَالَ امْرَأَة لَا يقبل قَوْلهَا وَقد رووا جَمِيعًا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أم أَيمن امْرَأَة من أهل الْجنَّة فَجَاءَت بعلي فَشهد لَهَا فَقَالَ هَذَا بعلك يجره إِلَى نَفسه وَقد رووا جَمِيعًا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ عَليّ مَعَ الْحق وَالْحق مَعَه يَدُور حَيْثُمَا دَار لن يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض فَغضِبت فَاطِمَة وانصرفت وَحلفت أَن لَا تكَلمه حَتَّى تلقى أَبَاهَا وتشكو إِلَيْهِ وَقد رووا جَمِيعًا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا فَاطِمَة إِن الله يغْضب لغضبك ويرضى لرضاك وَرووا إِن فَاطِمَة بضعَة مني الحَدِيث وَلَو كَانَ حَدِيث لَا نورث صَحِيحا لما جَازَ لَهُ ترك البغلة الَّتِي خلفهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسيفه وعمامته عِنْد عَليّ وَلما حكم لَهُ بهَا
إِذا ادَّعَاهَا الْعَبَّاس وَبعد ذَلِك جَاءَ مَال الْبَحْرين وَعِنْده جَابر فَأعْطَاهُ بقوله عدَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَا بَيِّنَة وَالْجَوَاب أَن مَا هَذَا بِأول إفتراء الرافضة وَلَا بهتهم ثمَّ إِن فَاطِمَة إِن كَانَت طلبت فدك بِالْإِرْثِ بطلت الْهِبَة وَإِن كَانَت هبة بَطل الْإِرْث ثمَّ إِذا كَانَت هَذِه هبة فِي مرض الْمَوْت فَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منزه إِن كَانَ يُورث كَمَا يُورث غَيره أَن يُوصي لوَارث أَو يَخُصُّهُ فِي مرض مَوته بِأَكْثَرَ من حَقه وَإِن كَانَ فِي صِحَّته فَلَا بُد أَن تكون هَذِه هبة مَقْبُوضَة وَإِلَّا فَإِذا وهب الْوَاهِب بِكَلَام وَلم يقبض الْمَوْهُوب إِلَيْهِ شَيْئا حَتَّى مَاتَ كَانَ ذَلِك بَاطِلا عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء فَكيف يهب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فدك لفاطمة وَلَا يكون ذَلِك أمرا مَشْهُورا عِنْد أهل بَيته وَالْمُسْلِمين حَتَّى تخْتَص بمعرفته أم أَيمن أَو عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا بل ذَلِك كذب على فَاطِمَة فِي إدعائها ذَلِك وَإِن كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُورث فالخصم فِي ذَلِك أَزوَاجه وَعَمه وَلَا تقبل عَلَيْهِم شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة وَلَا رجل وَاحِد بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإتفاق الْمُسلمين وَإِن كَانَ لَا يُورث فالخصم فِي ذَلِك الْمُسلمُونَ فَكَذَلِك لَا تقبل عَلَيْهِم شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة وَلَا رجل وَاحِد بإتفاق الْمُسلمين وَلَا رجل وَامْرَأَة نعم يحكم فِي مثل ذَلِك بِشَهَادَة وَيَمِين الطَّالِب عِنْد فُقَهَاء الْحجاز وفقهاء أهل الحَدِيث وَشَهَادَة الزَّوْج لزوجته فِيهَا قَولَانِ مشهوران أَن للْعُلَمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد إِحْدَاهمَا لَا تقبل وَهِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَاللَّيْث بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَغَيرهم رَضِي الله عَنْهُم وَالثَّانيَِة تقبل وَهِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر وَابْن الْمُنْذر فعلى هَذَا لَو قدر صِحَة هَذِه الْقَضِيَّة لما جَازَ للْإِمَام أَن يحكم بِشَهَادَة رجل وَاحِد اَوْ امْرَأَة بالإتفاق لَا سِيمَا وَأَكْثَرهم لَا يجيزون شَهَادَة الزَّوْج وَقَوله وَقد رووا جَمِيعًا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أم أَيمن امْرَأَة من أهل الْجنَّة
فَهَذَا إحتجاج جَاهِل يُرِيد أَن يحْتَج لنَفسِهِ فيحتج عَلَيْهَا فَإِن هَذَا القَوْل لَو قَالَه الْحجَّاج ابْن يُوسُف أَو الْمُخْتَار بن أبي عبيد وأمثالهما لَكَانَ قد قَالَ حَقًا فَإِن امْرَأَة وَاحِدَة لَا يقبل قَوْلهَا فِي الحكم بِالْمَالِ لمدع يُرِيد أَن يَأْخُذ مَا هُوَ فِي الظَّاهِر لغيره فَكيف إِذا حُكيَ مثل هَذَا عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَأما الحَدِيث الَّذِي ذكره وَزعم أَنهم رَوَوْهُ جَمِيعًا فَهَذَا الْخَبَر لَا يعرف فِي شَيْء من دواوين الْإِسْلَام وَلَا نَعْرِف عَالما من الْعلمَاء رَوَاهُ وَأما أَيمن هِيَ أم أُسَامَة بن زيد وَهِي حاضنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي من الْمُهَاجِرَات وَلها حق حُرْمَة لَكِن الرِّوَايَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تكون بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ وعَلى أهل الْعلم وَقَول الْقَائِل رووا جَمِيعًا لَا يكون إِلَّا فِي خبر متواتر فَمن يُنكر حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لَا يُورث وَقد رَوَاهُ أكَابِر الصَّحَابَة ثمَّ يَقُول إِنَّهُم جَمِيعًا رووا هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يكون من أَجْهَل النَّاس وأعظمهم جحدا للحق وَبِتَقْدِير أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أخبر أَنَّهَا من أهل الْجنَّة فَهُوَ كإخباره عَن غَيرهَا أَنه من أهل الْجنَّة وَقد أخبر عَن كل وَاحِد من الْعشْرَة أَنه فِي الْجنَّة وَقَالَ لَا يدْخل أحد النَّار مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة وَهَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيح ثَابت عَن أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَحَدِيث الشَّهَادَة لَهُم بِالْجنَّةِ رَوَاهُ أهل السّنَن من غير وَجه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسَعِيد بن زيد فَهَذِهِ الْأَحَادِيث هِيَ الْمَعْرُوفَة عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ثمَّ هَؤُلَاءِ يكذبُون من علم أَن الرَّسُول شهد لَهُم بِالْجنَّةِ وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهِم كَونهم لم يقبلُوا شَهَادَة امْرَأَة زَعَمُوا أَنه شهد لَهَا بِالْجنَّةِ فَهَل يكون أعظم من جهل هَؤُلَاءِ وعنادهم ثمَّ يُقَال كَون الرجل من أهل الْجنَّة لَا يُوجب قبُول شَهَادَته لجَوَاز أَن يغلط فِي الشَّهَادَة وَلِهَذَا لَو شهِدت خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَعَائِشَة ونحوهن مِمَّن يعلم أَنَّهُنَّ من أهل الْجنَّة لكَانَتْ شَهَادَة إِحْدَاهُنَّ نصف شَهَادَة رجل كَمَا حكم بذلك الْقُرْآن كَمَا أَن مِيرَاث إِحْدَاهُنَّ نصف مِيرَاث رجل وديتها نصف دِيَة رجل وَهَذَا كُله بإتفاق الْمُسلمين فكون الْمَرْأَة من أهل الْجنَّة لَا يُوجب قبُول شهادتها لجَوَاز الْغَلَط عَلَيْهَا فَكيف وَقد يكون الْإِنْسَان مِمَّن يكذب
وَيَتُوب من الْكَذِب ثمَّ يدْخل الْجنَّة وَقَوله إِن عليا شهد لَهَا فَرد شَهَادَته لكَونه زَوجهَا فَهَذَا مَعَ كَونه كذبا لَو صَحَّ لم يقْدَح إِذْ كَانَت شَهَادَة الزَّوْج مَرْدُودَة عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَمن قبلهَا مِنْهُم لم يقبلهَا حتة يتم النّصاب إِمَّا بِرَجُل آخر أَو بإمرأة مَعَ امْرَأَة وَأما الحكم بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَة مَعَ عدم يَمِين الْمُدَّعِي فَهَذَا لَا يسوغ وَقَوله إِنَّهُم رووا جَمِيعًا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ عَليّ مَعَ الْحق وَالْحق يَدُور مَعَه حَيْثُ دَار وَلنْ يفترقا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض من أعظم الْكَلَام كذبا وجهلا فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يروه أحد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا ضَعِيف فَكيف يُقَال أَنهم جَمِيعًا رووا هَذَا الحَدِيث وَهل يكون أكذب مِمَّن يرْوى عَن الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء أَنهم رووا حَدِيثا والْحَدِيث لَا يعرف عَن أحد مِنْهُم أصلا بل هَذَا من أظهر الْكَذِب وَلَو قيل رَوَاهُ بَعضهم وَكَانَ يُمكن صِحَّته لَكَانَ مُمكنا وَهُوَ كذب قطعا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وينزه عَنهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما أَولا فَلِأَن الْحَوْض إِنَّمَا يردهُ عَلَيْهِ أشخاص أما الْحق فَلَيْسَ من الْأَشْخَاص الَّذين يردون الْحَوْض وَالْحق الَّذِي يَدُور مَعَ الشَّخْص ويدور الشَّخْص مَعَه فَهُوَ صفة لذَلِك الشَّخْص لَا يتعداه وَأَيْضًا فَالْحق لَا يَدُور مَعَ شخص غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَو دَار الْحق مَعَ عَليّ حَيْثُمَا دَار لوَجَبَ أَن يكون مَعْصُوما كالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم من جهلهم يدعونَ ذَلِك وَلَكِن من علم أَنه لم يكن بِأولى بالعصمة من أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَغَيرهم وَلَيْسَ فيهم من هُوَ مَعْصُوم علم كذبهمْ وفتاويه من جنس فتاو ي أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان لَيْسَ هُوَ أولى بِالصَّوَابِ مِنْهُم وَلَا فِي أَقْوَالهم من الْأَقْوَال المرجوحة
أَكثر مِمَّا قَالَه وَلَا كَانَ ثَنَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرضَاهُ عَنهُ بأعظم من ثنائه عَلَيْهِم ورضائه عَنْهُم بل لَو قَالَ الْقَائِل إِنَّه لَا يعرف من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه عتب على عُثْمَان فِي شَيْء وَقد عتب على عَليّ فِي غير مَوضِع لما أبعد فَإِنَّهُ لما أَرَادَ أَن يتَزَوَّج بنت أبي جهل واشتكته فَاطِمَة لأَبِيهَا وَقَالَت إِن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّك لَا تغْضب لبناتك فَقَامَ خَطِيبًا وَقَالَ إِن بني هِشَام بن الْمُغيرَة استأذنوني أَن يزوجوا بنتهم عَليّ بن أبي طَالب وَإِنِّي لَا آذن ثمَّ لَا آذن ثمَّ لَا آذن إِلَّا أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب أَن يُطلق ابْنَتي ويتزوج ابنتهم فَإِنَّمَا فَاطِمَة بضعَة مني يريبني مَا رابها وَيُؤْذِينِي مَا آذاها ثمَّ ذكر صهرا لَهُ من بني عبد شمس فَقَالَ حَدثنِي فصدقني ووعدني فوفي لي وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَخْرجَاهُ فِي
الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَلِكَ لما طرقه وَفَاطِمَة لَيْلًا فَقَالَ أَلا تصليان فَقَالَ لَهُ عَليّ إِنَّمَا أَنْفُسنَا بيد الله إِن شَاءَ أَن يبعثنا بعثنَا فَانْطَلق وَهُوَ يضْرب فَخذه وَيَقُول (وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلا) وَأما الفتاوي قد أفتى أَن المتوفي عَنْهَا زَوجهَا وَهِي حَامِل تَعْتَد أبعد الْأَجَليْنِ وَهَذِه الْفتيا كَانَ قد أفتى بهَا أَبُو السنابل بن بعكك على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كذب أَبُو السنابل وأمثال ذَلِك كَثِيرَة ثمَّ بِكُل حَال لَا يجوز أَن يحكم بِشَهَادَتِهِ وَحده كَمَا لَا يجوز لَهُ أَن يحكم لنَفسِهِ وَإِن مَا ذكره عَن فَاطِمَة أَمر لَا يَلِيق بهَا وَلَا يحْتَج بذلك إِلَّا رجل جَاهِل يحْسب أَنه يمدحها وَهُوَ يجرحها فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذكر مَا يُوجب الْغَضَب عَلَيْهِ إِذا لم يحكم لَو كَانَ ذَلِك صَحِيحا إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي لَا يحل لمُسلم أَن يحكم بِخِلَافِهِ وَمن طلب أَن يحكم لَهُ بِغَيْر حكم الله وَرَسُوله فَامْتنعَ فَغَضب وَحلف أَن لَا يكلم الْحَاكِم وَلَا صَاحب الْحَاكِم لم يكن هَذَا مِمَّا يحمد عَلَيْهِ وَلَا مِمَّا يذم بِهِ الْحَاكِم بل هَذَا إِلَى أَن يكون جرحا
أقرب مِنْهُ إِلَى أَن يكون مدحا وَنحن نعلم أَن مَا يحْكى عَن فَاطِمَة وَغَيرهَا من الصَّحَابَة من القوادح كثير مِنْهَا كذب وَبَعضهَا كَانُوا فِيهِ متأولين وَإِذا كَانَ بَعْضهَا ذَنبا فَلَيْسَ الْقَوْم معصومين بل هم مَعَ كَونهم أَوْلِيَاء الله من أهل الْجنَّة لَهُم ذنُوب يغفرها الله لَهُم وَكَذَلِكَ مَا ذكره من حَلفهَا أَنَّهَا لَا تكَلمه وَلَا صَاحبه حَتَّى تلقى أَبَاهَا وتشتكي إِلَيْهِ أَمر لَا يَلِيق أَن يذكر عَن فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا فَإِن الشكوى إِنَّمَا تكون إِلَى الله تَعَالَى كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح (إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله) وَفِي دُعَاء مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام اللَّهُمَّ لَك الْحَمد وَإِلَيْك المشتكى وَأَنت الْمُسْتَعَان وَبِك المستغاث وَعَلَيْك التكلان وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لإبن عَبَّاس إِذا سَأَلت فاسأل الله وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه وَلم يقل سلني واستعن بِي وَقد قَالَ تَعَالَى (فَإِذا فرغت فانصب وَإِلَى رَبك فارغب) وَمن الْمَعْلُوم أَن طَالبا إِذا طلب مَالا من ولي الْآمِر فَلم يُعْطه إِيَّاه لكَونه لَا يسْتَحقّهُ عِنْده وَهُوَ بِأَخْذِهِ لم يُعْطه لأحد من أَهله وَلَا أصدقائه بل أعطَاهُ لجَمِيع الْمُسلمين وَقيل إِن الطَّالِب غضب على الْحَاكِم كَانَ غَايَة ذَلِك أَنه غضب لكَونه لم يُعْطه مَالا وَقَالَ الْحَاكِم إِنَّه لغيرك لَا لَك فَأَي مدح للطَّالِب فِي هَذَا الْغَضَب وَلَو كَانَ مَظْلُوما مَحْضا لم يكن غَضَبه إِلَّا للدنيا وَكَيف والتهمة عِنْد الْحَاكِم الَّذِي لَا يَأْخُذ لنَفسِهِ أبعد من التُّهْمَة عِنْد الطَّالِب الَّذِي يُرِيد أَن يَأْخُذ لنَفسِهِ فَكيف تحال التُّهْمَة على من لَا يَأْخُذ لنَفسِهِ مَالا وَلَا تحال على من يطْلب لنَفسِهِ المَال وَكَذَلِكَ الْحَاكِم يَقُول إِنَّمَا أمنع لله لِأَنِّي لَا يحل لي أَن آخذ المَال من مُسْتَحقّه فأدفعه إِلَى غير مُسْتَحقّه والطالب
يَقُول إِنَّمَا أغضب لحظ قَلِيل من المَال أَلَيْسَ من يذكر مثل هَذَا عَن فَاطِمَة ويجعله من مناقبها جَاهِلا اَوْ لَيْسَ الله قد ذمّ الْمُنَافِقين الَّذين قَالَ فيهم (وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون) فَذكر قوما رَضوا أَن أعْطوا وغضبوا أَن لم يُعْطوا فذمهم بذلك فَمن مدح فَاطِمَة بِمَا فِيهِ شبه من هَؤُلَاءِ إفلا يكون قادحا فِيهَا فقاتل الله الرافضة وانتصف لأهل الْبَيْت مِنْهُم فَإِنَّهُم ألصقوا فيهم من الْعَيْب والشين مَا لَا يخفى على ذِي عين وَلَو قَالَ قَائِل فَاطِمَة لَا تطلب إِلَّا حَقّهَا لم يكن هَذَا بِأولى من قَول الْقَائِل أَبُو بكر لَا يمْنَع يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا حَقه فَكيف يمْنَع سيدة نسَاء الْعَالمين حَقّهَا فَإِن الله تَعَالَى وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد شهد لأبي بكر أَنه ينْفق مَاله لله فَكيف يمْنَع النَّاس أَمْوَالهم وَفَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا قد طلبت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَالا فَلم يُعْطهَا إِيَّاه كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي حَدِيث الْخَادِم لما ذهبت فَاطِمَة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تسأله خَادِمًا فَلم يُعْطهَا خَادِمًا وَعلمهَا التَّسْبِيح وَإِذا جَازَ أَن تطلب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا يمْنَعهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه وَلَا يجب أَن يُعْطِيهَا إِيَّاه جَازَ أَن تطلب ذَلِك من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلم أَنَّهَا لَيست معصومة أَن تطلب مَالا يجب إعطاؤها إِيَّاه وَإِذا لم يجب عَلَيْهِ الْإِعْطَاء لم يكن مذموما بترك مَا لَيْسَ بِوَاجِب وَأَن كَانَ مُبَاحا أما إِذا قَدرنَا أَن الْإِعْطَاء لَيْسَ بمباح فَإِنَّهُ يسْتَحق أَن يحمد على الْمَنْع وَأما أَبُو بكر فَلم يعلم أَنه منع أحدا حَقه لَا فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا بعد مَوته
وَكَذَلِكَ مَا ذكره من إيصائها أَن تدفن لَيْلًا وَلَا يصلى عَلَيْهَا أحد مِنْهُم لَا يحكيه عَن فَاطِمَة ويحتج بِهِ إِلَّا رجل جَاهِل يطْرق على فَاطِمَة مَا لَا يَلِيق بهَا وَهَذَا لَو صَحَّ لَكَانَ بالذنب المغفور أولى مِنْهُ بالسعي المشكور فَإِن صَلَاة الْمُسلم على غَيره زِيَادَة خير يصل إِلَيْهِ وَلَا يضر أفضل الْخلق أَن يصلى عَلَيْهِ شَرّ الْخلق وَهَذَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي عَلَيْهِ الْأَبْرَار والفجار والمنافقون وَهَذَا إِن لم يَنْفَعهُ لم يضرّهُ وَهُوَ يعلم أَن فِي أمته منافقين وَلم ينْه أحدا من أمته عَن الصَّلَاة عَلَيْهِ بل قَالَ وَأمر النَّاس كلهم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَام عَلَيْهِ مَعَ أَن فيهم الْمُؤمن وَالْمُنَافِق فَكيف يذكر فِي معرض الثَّنَاء عَلَيْهَا والإحتجاج لَهَا مثل هَذَا الَّذِي لَا يحكيه وَلَا يحْتَج بِهِ إِلَّا مفرط فِي الْجَهْل وَلَو أوصى موص بِأَن الْمُسلمين لَا يصلونَ عَلَيْهِ لم تنفذ وَصيته فَإِن صلَاتهم عَلَيْهِ خير لَهُ بِكُل حَال وَمن الْمَعْلُوم أَن إنْسَانا لَو ظلمه ظَالِم فأوصى بِأَن لَا يصلى عَلَيْهِ ذَلِك الظَّالِم لمن يكن هَذَا من الْحَسَنَات الَّتِي يحمد عَلَيْهَا وَلَا ذَلِك مِمَّا أَمر الله بِهِ رَسُوله فَمن يقْصد مدح فَاطِمَة وتعظيمها كَيفَ يذكر مثل هَذَا الَّذِي لَا مدح فِيهِ بل الْمَدْح فِي خِلَافه كَمَا دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَأما قَوْله رووا جَمِيعًا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا فَاطِمَة إِن الله يغْضب لغضبك ويرضى لرضاك فَهَذَا كذب مِنْهُ مَا رووا هَذَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يعرف هَذَا فِي شَيْء من كتب الحَدِيث الْمَعْرُوفَة وَلَا الْإِسْنَاد مَعْرُوف عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا صَحِيح وَلَا حسن وَنحن إِذا شَهِدنَا لفاطمة بِالْجنَّةِ وَبِأَن الله يرضى عَنْهَا فَنحْن لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسَعِيد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف بذلك نشْهد ونشهد بِأَن الله تَعَالَى أخبر بِرِضَاهُ عَنْهُم فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه تَعَالَى (وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ) وَقَوله تَعَالَى
(لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة) وَقد ثَبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي وَهُوَ عَنْهُم رَاض وَمن رَضِي الله عَنهُ وَرَسُوله لَا يضرّهُ غضب أحد من خلقه كَائِنا من كَانَ وَلِأَن من رَضِي الله عَنهُ يكون رِضَاهُ مُوَافقا لرضا الله فَهُوَ رَاض عَن الله بِحكم الله وَحكم الله مُوَافق لرضاه وَإِذا رَضوا بِحكمِهِ غضبوا لغضبه فَإِن من رَضِي بغضب غَيره لزم أَن يغْضب لغضبه فَإِن الْغَضَب إِذا كَانَ مرضيا لَك فعلت مَا هُوَ مرضِي لَك وَكَذَلِكَ الرب تَعَالَى وَله الْمثل الْأَعْلَى إِذا رَضِي عَنْهُم غضب لغضبهم إِذْ هُوَ رَاض بغضبهم وَأما قَوْله رووا جَمِيعًا أَن فَاطِمَة بضعَة مني من آذاها آذَانِي وَمن آذَانِي آذَى الله فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يرو بِهَذَا اللَّفْظ بل رُوِيَ بِغَيْرِهِ كَمَا ذكر فِي حَدِيث خطْبَة عَليّ لإبنة أبي جهل لما قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبًا فَقَالَ إِن بني هِشَام بن الْمُغيرَة استأذنوني أَن ينكحوا ابنتهم عَليّ بن أبي طَالب وَإِنِّي لَا آذن ثمَّ لَا آذن ثمَّ لَا آذن إِنَّمَا فَاطِمَة بضعَة مني يريبني مَا رابها وَيُؤْذِينِي مَا آذاها إِلَّا أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب أَن يُطلق ابْنَتي وينكح ابنتهم وَفِي رِوَايَة إِنِّي أَخَاف أَن تفتتن فِي دينهَا ثمَّ ذكر صهرا لَهُ من بني عبد شمس فَأثْنى عَلَيْهِ فِي مصاهرته إِيَّاه فَقَالَ حَدثنِي فصدقني ووعدني فوفى لي وَإِنِّي لست أحل حَرَامًا وَلَا أحرم حَلَالا وَلَكِن وَالله لَا تَجْتَمِع بنت رَسُول الله وَبنت عَدو الله عِنْد رجل وَاحِد أبدا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين والمسور بن مخرمَة فسبب الحَدِيث خطْبَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ لإبنة أبي جهل وَالسَّبَب دَاخل فِي اللَّفْظ قطعا إِذْ اللَّفْظ الْوَارِد على السَّبَب لَا يجوز إِخْرَاج سَببه بل السَّبَب يجب دُخُوله بالإتفاق وَقد قَالَ فِي الحَدِيث يريبني مَا رابها وَيُؤْذِينِي مَا آذاها وَمَعْلُوم قطعا أَن خطْبَة إبنة أبي جهل عَلَيْهَا رابها وآذاها وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رابه ذَلِك وآذاه فَإِن كَانَ هَذَا وعيدا لاحقا بفاعله لزم أَن يلْحق هَذَا الْوَعيد عَليّ بن أبي طَالب
وَإِن لم يكن وعيدا لاحقا بفاعله كَانَ أَبُو بكر أبعد عَن الْوَعيد من عَليّ وَإِن قيل إِن عليا تَابَ من تِلْكَ الْخطْبَة وَرجع عَنْهَا قيل فَهَذَا يَقْتَضِي أَنه غير مَعْصُوم وَإِذا جَازَ أَن من راب فَاطِمَة وآذاها يذهب ذَلِك بتوبته جَازَ أَن يذهب بِغَيْر ذَلِك من الْحَسَنَات الماحية فَإِن مَا هُوَ أعظم من ذَلِك الذَّنب تذْهب بِهِ الْحَسَنَات الماحية وَالتَّوْبَة والمصائب المكفرة وَذَلِكَ أَن هَذَا الذَّنب لَيْسَ من الْكفْر الَّذِي لَا يغفره الله إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ عَليّ وَالْعِيَاذ بِاللَّه قد ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْلُوم أَن الله تَعَالَى نزه عليا من ذَلِك والخوارج الَّذين قَالُوا إِنَّه ارْتَدَّ بعد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَقُولُوا أَنه ارْتَدَّ فِي حَيَاته إِذْ من ارْتَدَّ فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا بُد أَن يعود إِلَى الْإِسْلَام أَو يقْتله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا لم يَقع وَإِذا كَانَ هَذَا الذَّنب هُوَ مِمَّا دون الشّرك فقد قَالَ تَعَالَى (إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء) وَإِن قَالُوا بجهلهم إِن هَذَا الذَّنب كفر ليكفروا بذلك أَبَا بكر لَزِمَهُم تَكْفِير عَليّ وَاللَّازِم بَاطِل فالملزوم مثله وهم دَائِما يعيبون أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان ويكفرونهم بِأُمُور قد صدر من عَليّ مَا هُوَ مثلهَا أَو أبعد عَن الْعذر مِنْهَا فَإِن كَانَ مأجورا أَو مَعْذُورًا فهم أولى بِالْأَجْرِ والعذر وَإِن قيل بإستلزام الْأَمر الأخف فسقا أَو كفرا كَانَ إستلزام الأغلظ لذَلِك أولى وَأَيْضًا فَيُقَال إِن فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا إِنَّمَا عظم أذاها لما فِي ذَلِك من أَذَى أَبِيهَا فَإِذا دَار الْأَمر بَين أَذَى أَبِيهَا وأذاها كَانَ الإحتراز عَن أَذَى أَبِيهَا أوجب وَهَذَا حَال أبي بكر وَعمر فَإِنَّهُمَا إحترزا أَن يؤذيا أَبَاهَا أَو يريباه بِشَيْء فَإِنَّهُ عهد عهدا وَأمر أمرا فخافا إِن غيرا عَهده وَأمره أَن يغْضب لمُخَالفَة أمره وَعَهده ويتأذى بذلك وكل عَاقل يعلم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا حكم بِحكم وَطلبت فَاطِمَة أَو غَيرهَا مَا يُخَالف ذَلِك الحكم
كَانَ مُرَاعَاة حكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولى فَإِن طَاعَته وَاجِبَة ومعصيته مُحرمَة وَمن تأذى لطاعته كَانَ مخطئا لتأذيه بذلك وَكَانَ الْمُوَافق لطاعته مصيبا فِي طَاعَته وَهَذَا بِخِلَاف من آذاها لغَرَض بِعَيْنِه لَا لأجل طَاعَة الله وَرَسُوله وَمن تدبر حَال أبي بكر فِي رعايته لأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنه إِنَّمَا قصد طَاعَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا لأمر آخر علم أَن حَاله أكمل وَأفضل وَأَعْلَى من حَال عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَكِلَاهُمَا سيد كَبِير من أكَابِر أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ وحزب الله المفلحين وَعباد الله الصَّالِحين وَمن السَّابِقين الْأَوَّلين وَمن أكَابِر المقربين الَّذين يشربون بالتسنيم وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ يَقُول وَالله لقرابة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب إِلَيّ من أَن أصل قَرَابَتي وَقَالَ ارقبوا مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أهل بَيته رَوَاهُ البُخَارِيّ عَنهُ لَكِن الْمَقْصُود أَنه لَو قدر أَن أَبَا بكر آذاها فَلم يؤذها لغَرَض نَفسه بل ليطيع الله وَرَسُوله ويوصل الْحق إِلَى مُسْتَحقّه وَعلي رَضِي الله عَنهُ كَانَ قَصده أَن يتَزَوَّج عَلَيْهَا فَلهُ فِي أذاها غَرَض بِخِلَاف أبي بكر فَعلم أَن أَبَا بكر كَانَ أبعد أَن
يذم بأذاها من عَليّ وَأَنه إِنَّمَا قصد طَاعَة الله وَرَسُوله بِمَا لَا حَظّ لَهُ فِيهِ بِخِلَاف عَليّ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ حَظّ فِيمَا رابها بِهِ وَأَبُو بكر كَانَ من جنس من هَاجر إِلَى الله وَرَسُوله وَهَذَا لَا يشبه من كَانَ مَقْصُوده امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤْذِيه مَا يُؤْذِي فَاطِمَة إِذا لم يُعَارض ذَلِك أَمر الله تَعَالَى فَإِذا أَمر الله تَعَالَى بِشَيْء فعله وَإِن تأذى من تأذى من أَهله وَغَيرهم فَهُوَ فِي حَال طَاعَة الله يُؤْذِي مَا يُعَارض طَاعَة الله وَرَسُوله وَهَذَا الْإِطْلَاق كَقَوْلِه من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله وَمن أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي وَمن عَصَانِي فقد عصى الله وَمن عصى أَمِيري فقد عَصَانِي ثمَّ قد بَين ذَلِك بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا الطَّاعَة الأولى فِي الْمَعْرُوف فَقَوله من آذاها فقد آذَانِي يحمل على الآذى فِي الْمَعْرُوف بطرِيق الأولى وَالْأُخْرَى لِأَن طَاعَة أمرأئه فرض وضدها مَعْصِيّة كَبِيرَة وَأما فعل مَا يُؤْذِي فَاطِمَة فَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَة مَعْصِيّة أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَّا لزم أَن يكون عَليّ فعل مَا هُوَ من مَعْصِيّة الله وَرَسُوله فَإِن مَعْصِيّة أمرائه مَعْصِيَته ومعصيته مَعْصِيّة الله أما قَوْله لَو كَانَ هَذَا الْخَبَر صَحِيحا لما جَازَ لَهُ أَن يتْرك البغلة وَالسيف والعمامة عِنْد عَليّ حِين حكم لَهُ بهَا لما إدعاها الْعَبَّاس فَيُقَال وَمن نقل أَن أَبَا بكر وَعمر حكما بذلك لأحد أَو تركا ذَلِك عِنْد أحد على أَن يكون ملكا لَهُ فَهَذَا من أبين الْكَذِب عَلَيْهِمَا بل غَايَة هَذَا أَن يتْرك عِنْد من ترك عِنْده كَمَا تركا صدقته عِنْد عَليّ وَالْعَبَّاس ليصرفاها فِي مصارفها الشَّرْعِيَّة وَأما قَوْله ولكان أهل الْبَيْت الَّذين طهرهم الله فِي كِتَابه مرتكبين مَا لَا يجوز
فَيُقَال لَهُ أَولا إِن الله تَعَالَى لم يخبر أَنه طهر جَمِيع أهل الْبَيْت وإذهب عَنْهُم الرجس فَإِن هَذَا كذب على الله كَيفَ وَنحن نعلم أَن من بني هَاشم من لَيْسَ بمطهر من الذُّنُوب وَلَا أذهب عَنْهُم الرجس لَا سِيمَا عِنْد الرافضة لِأَن عِنْدهم كل من كَانَ من بني هَاشم يحب أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُم لَيْسَ بمطهر وَلِأَن إِنَّمَا قَالَ فِيهَا (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت) وَقد تقدم أَن هَذَا مثل قَوْله (مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وَيتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون) وَقَوله (يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم) وَنَحْو ذَلِك مِمَّا فِيهِ أَن الله يحب ذَلِك لكم ويرضاه لكم ويأمركم بِهِ فَمن فعله حصل لَهُ هَذَا المُرَاد المحبوب وَمن لم يَفْعَله لم يحصل لَهُ ذَلِك وَقد بسط هَذَا فِي غير الْموضع وَبَين أَن هَذَا ألزم لهَؤُلَاء الرافضة الْقَدَرِيَّة فَإِن عِنْدهم أَن إرداة الله بِمَعْنى أمره لَا بِمَعْنى أَنه يفعل مَا أَرَادَ فَلَا يلْزم إِذا أَرَادَ الله تَطْهِير أحد أَن يكون ذَلِك قد تطهر وَلَا يجوز عِنْدهم أَن يطهر أحد أحدا بل من أَرَادَ الله تَطْهِيره فَإِن شَاءَ طهر نَفسه وَإِن شَاءَ لم يطهرها وَلَا يقدر الله عِنْدهم على تَطْهِير أحد وَأما قَوْله إِن الصَّدَقَة مُحرمَة عَلَيْهِم فَيُقَال لَهُ أَولا الْمحرم عَلَيْهِم صَدَقَة الْفَرْض وَأما صَدَقَة التَّطَوُّع فقد كَانُوا يشربون من الْمِيَاه المسبلة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَيَقُولُونَ إِنَّمَا حرم علينا الْفَرْض وَلم يحرم علينا التَّطَوُّع وَإِذا جَازَ أَن ينتفعوا بصدقات الْأَجَانِب الَّتِي هِيَ تطوع فإنتفاعهم بِصَدقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولى وَأَحْرَى فَإِن هَذِه الْأَمْوَال لم تكن زَكَاة مَفْرُوضَة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي أوساخ النَّاس الَّتِي حرمت عَلَيْهِم وَإِنَّمَا هِيَ من الْفَيْء الَّذِي أفاءه الله على رَسُوله والفيء لَهُم وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل مَا جعله الله لَهُ من الْفَيْء صَدَقَة وغايته أَن يكون ملكا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تصدق بِهِ على الْمُسلمين وَأهل بَيته أَحَق بِصَدَقَتِهِ فَإِن الصَّدَقَة على الْمُسلمين صَدَقَة وَالصَّدَََقَة على الْقَرَابَة صَدَقَة وصلَة
وَأما معارضته لحَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ فَيُقَال جَابر لم يدع حَقًا لغير ينتزع من ذَلِك الْغَيْر وَيجْعَل لَهُ وَإِنَّمَا طلب شَيْئا من بَيت المَال يجوز للْإِمَام أَن يُعْطِيهِ إِيَّاه وَلَو لم يعده بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِذا وعده بِهِ كَانَ أولى بِالْجَوَازِ فَلهَذَا لم يفْتَقر إِلَى بَيته وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بكر وَعمر يعطيان عليا وَالْعَبَّاس وَبني هَاشم كَمَا أعطي جَابِرا من بَيت المَال قَالَ الرافضي وسموه خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا اسْتَخْلَفَهُ فِي حَيَاته وَلَا بعد وَفَاته وَلم يسموا عليا خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَنه إستخلفه على الْمَدِينَة وَقَالَ لَهُ إِن الْمَدِينَة لَا تصلح إِلَّا بِي أَو بك وَأمر أُسَامَة على جَيش فِيهِ أَبُو بكر وَعمر وَلم يعزله وَلم يسموه خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلما تولى أَبُو بكر غضب أُسَامَة وَقَالَ إِنِّي أمرت عَلَيْك فَمن إستخلفك عَليّ فَمشى إِلَيْهِ هُوَ وَعمر حَتَّى إسترضياه وَالْجَوَاب أَن الْخَلِيفَة مَعْنَاهُ الَّذِي يخلف غَيره كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَو أَن يكون من إستخلفه غَيره كَقَوْل الشِّيعَة وَبَعض الظَّاهِرِيَّة فعلى الأول أَبُو بكر خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَلفه بعد مَوته وَقَامَ مقَامه وَكَانَ أَحَق بهَا وَأَهْلهَا فَكَانَ هُوَ الْخَلِيفَة دون غَيره ضَرُورَة فَإِن الشِّيعَة وَغَيرهم لَا ينازعون فِي أَنه هُوَ صَار ولي الْأَمر بعده وَصَارَ خَليفَة لَهُ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمين وَيُقِيم فيهم الْحُدُود وَيقسم عَلَيْهِم الْفَيْء ويغزو بهم
ويولي عَلَيْهِم الْعمَّال والأمراء وَغير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي يَفْعَلهَا وُلَاة الْأُمُور فَهَذِهِ بإتفاق إِنَّمَا بَاشَرَهَا بعد مَوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو بكر فَكَانَ هُوَ الْخَلِيفَة للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهَا قطعا وعَلى الثَّانِي إِن بعض أهل السّنة يَقُولُونَ إستخلفه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِنَصّ جلي أَو خَفِي وَدَعوى أُولَئِكَ للنَّص الْجَلِيّ أَو الْخَفي على أبي بكر أقوى وَأظْهر بِكَثِير من دَعْوَى الشِّيعَة للنَّص على عَليّ لِكَثْرَة النُّصُوص الثَّابِتَة الدَّالَّة على خلَافَة أبي بكر وَإِن عليا لم يدل على خِلَافَته إِلَّا مَا يعلم أَنه كذب أَو يعلم أَنه لَا دلَالَة فِيهِ وعَلى هَذَا التَّقْدِير فَلم يسْتَخْلف بعد مَوته أحدا إِلَّا أَبَا بكر فَلهَذَا كَانَ هُوَ الْخَلِيفَة فَإِن الْخَلِيفَة الْمُطلق هُوَ من خَلفه بعد مَوته أَو إستخلفه بعد مَوته وَهَذَانِ الوصفان لم يثبتا إِلَّا لأبي بكر فَلهَذَا كَانَ الْخَلِيفَة وَأما إستخلافه عليا على الْمَدِينَة فَلَيْسَ خَاصّا بِهِ فقد إستخلف عَلَيْهَا ابْن أم مَكْتُوم وَعُثْمَان بن عَفَّان وَأَبا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر وَهَذَا لَيْسَ هُوَ إستخلافا مُطلقًا وَلِهَذَا لم يقل فِي أحد من هَؤُلَاءِ إِنَّه خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا مَعَ التَّقْيِيد وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
إِنَّمَا شبه عليا بهَارُون فِي أصل الإستخلاف لَا فِي كَمَاله وَإِلَّا فإستخلاف مُوسَى لهارون كَانَ على بني إِسْرَائِيل إِذْ ذهب إِلَى الْمُنَاجَاة بِخِلَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَالب النَّاس وَأما قَوْله إِن الْمَدِينَة لَا تصلح إِلَّا بِي أَو بك فَهَذَا كذب مَوْضُوع فقد كَانَ عَليّ مَعَه فِي بدر وخيبر وحنين وَغير ذَلِك وَاسْتعْمل غَيره عَلَيْهَا
وَلم يكن أَبُو بكر فِي جَيش أُسَامَة بل كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إستخلفه فِي الصَّلَاة من أول مَرضه وامراء السَّرَايَا كأسامة وَغَيره لم يسموا خلفاء لأَنهم لَا خلفوا الرَّسُول بعد مَوته وَلَا خلفوه فِي كل شَيْء فِي حَيَاته وَأما غضب أُسَامَة فكذب بَارِد لِأَن أُسَامَة كَانَ أبعد شَيْء عَن الْفرْقَة وَالْخلاف وَقد اعتزل الْقِتَال مَعَ عَليّ وَمَعَ مُعَاوِيَة ثمَّ لم يكن قرشيا وَلَا مِمَّن يصلح للخلافة بِوَجْه ثمَّ لَو قدر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمره على أبي بكر ثمَّ مَاتَ واستخلف أَبُو بكر فَإلَى الْخَلِيفَة إِنْفَاذ الْجَيْش وحبسه وتأمير أُسَامَة وعزله وَهَذَا لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل وَالْعجب من هَؤُلَاءِ المفترين وَمن قَوْلهم إِن أَبَا بكر وَعمر مشيا إِلَيْهِ واسترضياه مَعَ قَوْلهم إنَّهُمَا قهرا عليا وَالْعَبَّاس وَبني هَاشم وَبني عبد منَاف وَلم يسترضوهم وَأي حَاجَة بِمن قهروا أَشْرَاف قُرَيْش أَن يسترضوا ضَعِيفا ابْن تسع عشرَة سنة لَا مَال لَهُ وَلَا رجال فَإِن قَالُوا إسترضياه لحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه وتوليته لَهُ قيل فَأنْتم تدعون أَنَّهُمَا بَدَلا عَهده ووصيته
قَالَ وَسموا عمر الْفَارُوق وَلم يسموا عليا بذلك مَعَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ هَذَا فاروق أمتِي قُلْنَا مَا هَذَا بِأول حَدِيث كذبتموه وَلَا نَعْرِف لَهُ إِسْنَادًا الْبَتَّةَ فَمَا محبتكم عليا إِلَّا من جنس محبَّة النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَم أطروه وبالغوا وَلم يرْضوا لَهُ بالمنزلة الَّتِي جعلهَا الله لَهُ وَبِهَذَا يتَبَيَّن الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم عَن عَليّ أَنه قَالَ لعهد النَّبِي الْأُمِّي إِلَى أَن لَا يحبني إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضني إِلَّا مُنَافِق فَإِن الرافضة لَا تحبه على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَتبْغض نَعته من وَجه كَمَا كَانَ النَّصَارَى وَالْيَهُود يبغضون من صدق بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأقر بِهِ فموسى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام مقران بذلك وكما أَن عليا يحب أَبَا بكر وَعمر قطعا والرافضة يبغضون من أحبهما فهم داخلون فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق وَهَكَذَا نجد كل من أحب شَيخا على صفة مَا هُوَ قَائِم بهما فِي نفس الْأَمر كمن إعتقد أَن شَيْخه يشفع فِي كل مريديه وَأَنه يرزقه وينصره ويفرج كربته ويعينه فِي الضرورات أَو أَنه يعلم المغيبات وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يبغض الْأَنْصَار رجل يُؤمن بِاللَّه الْيَوْم الآخر ودعا لأبي هُرَيْرَة وَأمه أَن يحببهما الله إِلَى عباده الْمُؤمنِينَ وَقَالَ روى ابْن عمر قَالَ مَا كُنَّا نَعْرِف الْمُنَافِقين إِلَّا ببغضهم عليا فَهَذَا يعلم كل عَالم أَنه كذب إِذْ للنفاق عَلَامَات كَثِيرَة وَقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام آيَة النِّفَاق بغض الْأَنْصَار وَقَالَ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث وَقد قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآن فِي صفة الْمُنَافِقين (وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا) (وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَمِنْهُم من يَقُول أئذن لي وَلَا تفتني) وَمِنْهُم من يَقُول (أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا) وَذكر لَهُم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَة بَرَاءَة وَغَيرهَا من العلامات وَالصِّفَات مَا لَا يسع هَذَا
الْموضع بَسطه بل لَو قَالَ كُنَّا نَعْرِف الْمُنَافِقين ببغض عَليّ لَكَانَ متجها كَمَا أَنهم يعْرفُونَ أَيْضا ببغض الْأَنْصَار بل وببغض أبي بكر وَعمر وببغض غير هَؤُلَاءِ فَإِن كل من أبْغض مَا يعلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُحِبهُ ويواليه وَأَنه كَانَ يحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويواليه كَانَ بغضه شُعْبَة من شعب النِّفَاق وَالدَّلِيل يطرد وَلَا ينعكس وَلِهَذَا كَانَ أعظم الطوائف نفَاقًا المبغضين لأبي بكر لِأَنَّهُ لم يكن فِي الصَّحَابَة أحب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُ وَلَا كَانَ فيهم أعظم حبا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُ فبغضه من أعظم آيَات النِّفَاق وَلِهَذَا لَا يُوجد المُنَافِقُونَ فِي طَائِفَة أعظم مِنْهَا فِي مبغضيه كالنصيرية والإسماعيلية وَنَحْوهم قَالَ وعظموا أَمر عَائِشَة على بَاقِي نسوانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد كَانَ يكثر من ذكر خَدِيجَة قُلْنَا أهل السّنة لم يجمعوا على أَن عَائِشَة أفضلهن وَحجَّة من فَضلهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد يَعْنِي اللَّحْم وَالْخبْز على سَائِر الطَّعَام وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ قلت يَا رَسُول الله أَي النِّسَاء أحب إِلَيْك قَالَ عَائِشَة قلت وَمن الرِّجَال قَالَ أَبوهَا قلت ثمَّ من قَالَ عمر وسمى رجَالًا وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ قَوْله لِخَدِيجَة مَا أبدلني الله خيرا مِنْهَا إِن صَحَّ فَمَعْنَاه مَا أبدلني خيرا لي مِنْهَا فَإِن خَدِيجَة نفعته فِي أول الْإِسْلَام نفعا لم يقم غَيرهَا فِيهِ مقَامهَا فَكَانَت خيرا لَهُ من هَذَا الْوَجْه لكَونهَا نفعته وَقت الْحَاجة وَعَائِشَة صحبته فِي آخر
النُّبُوَّة وَكَمَال الدّين فَحصل لَهَا من الْعلم وَالْإِيمَان مَا لم يحصل لمن يدْرك إِلَّا أول النُّبُوَّة فَكَانَت أفضل لهَذِهِ الزِّيَادَة فَإِن الْأمة إنتفعت بهَا أَكثر مِمَّا إنتفعت بغَيْرهَا وَبَلغت من الْعلم وَالسّن مَا لم يبلغهُ غَيرهَا فخديجة كَانَ خَيرهَا مَقْصُورا على نفس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم تبلغ عَنهُ شَيْئا وَلم تنْتَفع بهَا الْأمة كَمَا إنتفعت بعائشة وَلِأَن الدّين لم يكن قد كمل حَتَّى تعلمه وَيحصل لَهَا من كمالاته مَا حصل لمن علم وآمن بِهِ بعد كَمَاله وَمَعْلُوم أَن من إجتمع همه على شَيْء وَاحِد كَانَ أبلغ مِمَّن تفرق همه فِي أَعمال متنوعه فخديجة رَضِي الله عَنْهَا خير لَهُ من هَذَا الْوَجْه لَكِن أَنْوَاع الْبر لم تَنْحَصِر فِي ذَلِك أَلا ترى إِن من كَانَ من الصَّحَابَة أعظم إِيمَانًا وَأكْثر جهادا بِنَفسِهِ وَمَاله كحمزة وَعلي وَسعد بن معَاذ وَأسيد بن حضير وَغَيرهم وهم أفضل مِمَّن كَانَ يخْدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وينفعه فِي نَفسه أَكثر مِنْهُم كَأبي رَافع وَأنس بن مَالك وَغَيرهمَا وَفِي الْجُمْلَة الْكَلَام فِي تَفْضِيل عَائِشَة وَخَدِيجَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع إستقصائه لَكِن الْمَقْصُود هُنَا أَن أهل السّنة مجمعون على تَعْظِيم عَائِشَة ومحبتها وَأَن نِسَاءَهُ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ اللواتي مَاتَ عَنْهُن كَانَت عَائِشَة أحبهنَّ إِلَيْهِ وأعظمهن حُرْمَة عِنْد الْمُسلمين
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّاس كَانُوا يتحرون بهداياهم يَوْم عَائِشَة لما يعلمُونَ من محبته إِيَّاهَا حَتَّى إِن نِسَاءَهُ غرن من ذَلِك وأرسلن إِلَيْهِ فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا تَقول لَهُ نساؤك يسألنك الْعدْل فِي ابْنة أبي قُحَافَة فَقَالَ لفاطمة أَي بنية أما تحبين مَا أحب قَالَت بلَى قَالَ فأحبي هَذِه الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا عَائِشَة هَذَا جبرئيل يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام قَالَت وَعَلِيهِ السَّلَام وَرَحْمَة الله ترى مَالا نرى وَلما أَرَادَ فِرَاق سوده بنت زَمعَة وهبت يَوْمهَا لعَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا بِإِذْنِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَت فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُول أَيْن أَنا الْيَوْم إستبطاء ليَوْم عَائِشَة ثمَّ اسْتَأْذن نِسَاءَهُ أَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَمَرض فِيهِ وَفِي بَيتهَا توفّي بَين سحرها ونحرها وَفِي حجرها وَجمع بَين رِيقهَا وريقه وَكَانَت رَضِي الله عَنْهَا مباركة على أمته حَتَّى قَالَ أسيد بن حضير لما أنزل الله آيَة التَّيَمُّم بِسَبَبِهَا مَا هِيَ بِأول بركتكم يَا آل أبي بكر مَا نزل بك أَمر تكرهينه إِلَّا جعل الله فِيهِ للْمُسلمين بركَة وَقد كَانَت نزلت آيَة براءتها قبل ذَلِك لما رَمَاهَا أهل الْإِفْك فبرأها الله من فَوق سبع سموات وَجعلهَا من الصينات وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ وأذاعت سر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي قَوْله تَعَالَى (وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا) وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنَّهَا عَائِشَة وَحَفْصَة قَالَ وَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّك تقاتلين عليا وَأَنت ظالمة لَهُ فخالفت أَمر الله (وَقرن فِي بيوتكن) وَخرجت فِي مَلأ تقَاتل عليا لِأَن الْمُسلمين أَجمعُوا على قتل عُثْمَان وَكَانَت هِيَ كل وَقت تَأمر بقتْله وَتقول اقْتُلُوا نعثلا وَكَيف إستجاز طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعشرَة آلَاف من الْمُسلمين مطاوعتها على قتال عَليّ وَبِأَيِّ وَجه يلقون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْوَاحد منا لَو تحدث مَعَ امْرَأَة غَيره واخرجها من بَيتهَا وسافر بهَا كَانَ أَشد النَّاس عَدَاوَة لَهُ وَكَيف طاوعوها وَلم ينصر أحد مِنْهُم بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أبي بكر لما طلبت حَقّهَا قُلْنَا أما أهل السّنة فَإِنَّهُم قائمون بِالْقِسْطِ وَقَوْلهمْ عدل لَا يتناقض وَأما الرافضة وَأهل الْبدع فذوو أهواء وتناقض فَمن ذَلِك أَن أهل السّنة عِنْدهم أَن اهل بدر فِي الْجنَّة وَكَذَلِكَ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَيَقُولُونَ لَيْسَ من شرطهم سلامتهم عَن الْخَطَأ بل وَلَا عَن الذَّنب بل يجوزون أَن يُذنب الرجل مِنْهُم ذَنبا صَغِيرا أَو كَبِيرا وَيَتُوب مِنْهُ وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين وَلَو لم يتب مِنْهُ فالصغائر تمحي باجتباب الْكَبَائِر عِنْد جماهيرهم بل وَعند الْأَكْثَرين مِنْهُم أَن الْكَبَائِر تمحي بِالْحَسَنَاتِ الَّتِي هِيَ أعظم مِنْهَا وبالمصائب المكفرة وَغير ذَلِك وَإِذ كَانَ هَذ أصلهم فَيَقُولُونَ مَا ذكر عَن الصَّحَابَة من السَّيِّئَات كثير مِنْهُ كذب وَكثير مِنْهُ كَانُوا مجتهدين فِيهِ وَلَكِن لَا يعرف كثير من النَّاس وَجه إجتهادهم وَمَا قدر أَنه كَانَ فِيهِ ذَنْب من الذُّنُوب لَهُم فَهُوَ مغْفُور لَهُم إِمَّا بتوبة وَإِمَّا بحسنات ماحية وَإِمَّا بمصائب مكفرة وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك فَإِنَّهُ قد قَامَ الدَّلِيل الَّذِي يجب القَوْل بِمُوجبِه أَنهم
من أهل الْجنَّة فَامْتنعَ أَن يَفْعَلُوا مَا يُوجب النَّار لَا محَالة وَإِذا لم يمت أحدهم على مُوجب النَّار لم يقْدَح ذَلِك فِي إستحقاقهم للجنة وَنحن قد علمنَا أَنهم من اهل الْجنَّة وَلَو لم يعلم أَن أُولَئِكَ المعينين فِي الْجنَّة لم يجز لنا أَن نقدح فِي إستحقاقهم للجنة بِأُمُور لَا نعلم أَنَّهَا توجب النَّار فَإِن هَذَا لَا يجوز فِي آحَاد الْمُؤمنِينَ الَّذين لم يعلم أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَيْسَ لنا أَن نشْهد لأحد مِنْهُم بالنَّار لأمور مُحْتَملَة لَا تدل على ذَلِك فَكيف يجوز ذَلِك فِي خِيَار الْمُؤمنِينَ وَالْعلم بتفاصيل أَحْوَال كل وَاحِد مِنْهُم بَاطِنا وظاهرا وحسناته وسيئاته وإجتهاداته أَمر يتَعَذَّر علينا مَعْرفَته فَكَانَ كلامنا فِي ذَلِك كلَاما فِيمَا لَا نعلمهُ وَالْكَلَام بِلَا علم حرَام فَلهَذَا كَانَ الْإِمْسَاك عَمَّا شجر بَين الصَّحَابَة خيرا من الْخَوْض فِي ذَلِك بِغَيْر علم بِحَقِيقَة الْأَحْوَال إِذْ كَانَ كثير من الْخَوْض فِي ذَلِك أَو أَكْثَره كلَاما بِلَا علم وَهَذَا حرَام لَو لم يكن فِيهِ هوى ومعارضة الْحق الْمَعْلُوم فَكيف إِذا كَانَ كلَاما لهوى يطْلب فِيهِ دفع الْحق الْمَعْلُوم وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُضَاة ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاض فِي الْجنَّة رجل علم الْحق وَقضى بِهِ فَهُوَ فِي الْجنَّة وَرجل علم الْحق وَقضى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّار وَرجل قضى للنَّاس على جهل فَهُوَ فِي النَّار فَإِذا كَانَ هَذَا فِي قَضَاء بَين إثنين فِي قَلِيل المَال أَو كَثِيره فَكيف الْقَضَاء بَين الصَّحَابَة فِي أُمُور كَثِيرَة فَمن تكلم فِي هَذَا الْبَاب بِجَهْل أَو بِخِلَاف مَا يعلم كَانَ مستوجبا للوعيد وَلَو تكلم بِحَق بِقصد الْهوى لَا لوجه الله تَعَالَى أَو يُعَارض بِهِ حَقًا آخر لَكَانَ أَيْضا مستوجبا للذم وَالْعِقَاب وَمن علم مَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالسّنة من الثَّنَاء على الْقَوْم ورضا الله عَنْهُم وإستحقاقهم الْجنَّة وَأَنَّهُمْ خير هَذِه الْأمة الَّتِي هِيَ خير أمة أخرجت للنَّاس لم يُعَارض هَذَا الْمُتَيَقن الْمَعْلُوم بِأُمُور مشتبهة مِنْهَا مَا لَا يعلم صِحَّته وَمِنْهَا مَا يتَبَيَّن كذبه وَمِنْهَا مَا لَا يعلم كَيفَ وَقع وَمِنْهَا مَا يعلم عذر الْقَوْم فِيهِ وَمِنْهَا مَا يعلم تَوْبَتهمْ مِنْهُ وَمِنْهَا مَا يعلم أَن لَهُم من الْحَسَنَات مَا يغمره فَمن سلك سَبِيل أهل السّنة إستقام قَوْله وَكَانَ من أهل الْحق والإستقامة والإعتدال وَإِلَّا حصل فِي جهل وَنقص وتناقض كَحال هَؤُلَاءِ الضلال
وَأما قَوْله وأذاعت سر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا ريب أَن الله تَعَالَى يَقُول (وَإِذا أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا فَلَمَّا نبأت بِهِ وأظهره الله عَلَيْهِ عرف بعضه وَأعْرض عَن بعض فَلَمَّا نبأها بِهِ قَالَت من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير) وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن عمر أَنَّهَا عَائِشَة وَحَفْصَة فَيُقَال أَولا هَؤُلَاءِ عَمدُوا إِلَى نُصُوص الْقُرْآن الَّتِي فِيهَا ذكر ذنُوب يتأولون النُّصُوص بأنواع التأويلات وَأهل السّنة يَقُولُونَ بل أَصْحَاب الذُّنُوب تَابُوا مِنْهَا وَرفع الله درجاتهم بِالتَّوْبَةِ وَهَذِه الْآيَة لَيست بِأولى فِي دلالتها على الذَّنب من تِلْكَ الْآيَات فَإِن كَانَ تَأْوِيل ذَلِك سائغا كَانَ تَأْوِيل هَذِه كَذَلِك وَإِن كَانَ تاويل هَذِه بَاطِلا فَتَأْوِيل تِلْكَ أبطل وَيُقَال ثَانِيًا بِتَقْدِير أَن يكون هُنَاكَ ذَنْب لعَائِشَة وَحَفْصَة فتكونان قد تابتا مِنْهُ وَهَذَا ظَاهر لقَوْله تَعَالَى (أَن تَتُوبَا إِلَى الله فقد صغت قُلُوبكُمَا) فدعاهما الله تَعَالَى إِلَى التَّوْبَة فَلَا يظنّ بهما أَنَّهُمَا لم تَتُوبَا مَعَ مَا ثَبت من علو درجتها وأنهما زوجتا نَبينَا فِي الْجنَّة وَأَن الله خيرهن بَين الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا وَبَين الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فاختزن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة وَلذَلِك حرم عَلَيْهِ أَن يسْتَبْدل بِهن غَيْرهنَّ وَحرم عَلَيْهِ أَن يتَزَوَّج عَلَيْهِنَّ وَاخْتلف فِي إِبَاحَة ذَلِك لَهُ بعد ذَلِك وَمَات عَنْهُن وَهن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بِنَصّ الْقُرْآن ثمَّ قد تقدم أَن الذَّنب يَزُول عِقَابه بِالتَّوْبَةِ والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وَيُقَال ثَالِثا الْمَذْكُور عَن أَزوَاجه كالمذكور عَمَّن شهد لَهُ بِالْجنَّةِ من أهل بَيته وَغَيرهم من أَصْحَابه فَإِن عليا لما خطب إبنة أبي جهل على فَاطِمَة وَقَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَطِيبًا فَقَالَ إِن بني هِشَام بن الْمُغيرَة استأذنوني أَن ينكحوا عليا إبنتهم وَإِنِّي لَا آذن ثمَّ لَا آذن ثمَّ لَا آذن إِلَّا أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب أَن يُطلق إبنتي ويتزوج إبنتهم فَإِن فَاطِمَة بضعَة مني يريبني مَا رابها وَيُؤْذِينِي مَا آذاها فَلَا يظنّ بعلى أَنه ترك الْخطْبَة فِي الظَّاهِر فَقَط بل تَركهَا بِقَلْبِه وَتَابَ
بِقَلْبِه عَمَّا كَانَ طلبه وسعى فِيهِ وَكَذَلِكَ لما صَالح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُشْركين يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقَالَ لأَصْحَابه انحروا واحلقوا رءؤسكم فَلم يقم أحد فَدخل مغضبا على أم سَلمَة فَقَالَت من أغضبك أغضبهُ الله فَقَالَ مَالِي لَا أغضب وَأَنا آمُر بِالْأَمر فَلَا يطاع فَقَالَت يَا رَسُول الله ادْع بهديك فانحره وَأمر الحلاق فليحلق رَأسك وَأمر عليا أَن يمحو اسْمه فَقَالَ وَالله لَا أمحوك فَأخذ الْكتاب من يَده ومحاه وَمَعْلُوم أَن تَأَخّر عَليّ وَغَيره من الصَّحَابَة عَمَّا أمروا بِهِ حَتَّى غضب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا قَالَ الْقَائِل هَذَا ذَنْب كَانَ جَوَابه كجواب الْقَائِل إِن عَائِشَة أذنبت فِي ذَلِك فَمن النَّاس من يتَأَوَّل وَيَقُول إِنَّمَا تَأَخَّرُوا متأولين لكَوْنهم كَانُوا يرجون تَغْيِير الْحَال بِأَن يدخلُوا مَكَّة وَآخر يَقُول لَو كَانَ لَهُم تَأْوِيل مَقْبُول لم يغْضب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل تَابُوا من ذَلِك التَّأَخُّر وَرَجَعُوا عَنهُ مَعَ أَن حسناتهم تمحو مثل هَذَا الذَّنب وَعلي دَاخل فِي هَؤُلَاءِ رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَأما قَوْله تقاتلين عليا فكذب فَإِن عَائِشَة لم تقَاتل وَلم تخرج لقِتَال وَإِنَّمَا خرجت بِقصد الْإِصْلَاح بَين الْمُسلمين وظنت أَن فِي خُرُوجهَا مصلحَة للْمُسلمين ثمَّ
تبين لَهَا فِيمَا بعد أَن ترك الْخُرُوج كَانَ أولى فَكَانَت إِذا ذكرت خُرُوجهَا تبْكي حَتَّى تبل خمارها وَهَكَذَا عَامَّة السَّابِقين ندموا على مَا دخلُوا فِيهِ من الْقِتَال فندم طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعلي رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَلم يكن يَوْم الْجمل لهَؤُلَاء قصد فِي الْقِتَال وَلَكِن وَقع الإقتتال بِغَيْر إختيارهم
وَأما قَوْله وخالفت أَمر الله فِي قَوْله تَعَالَى (وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى) فَهِيَ رَضِي الله عَنْهَا لم تتبرج تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى وَالْأَمر بالإستقرار فِي الْبيُوت لَا يُنَافِي الْخُرُوج لمصْلحَة مَأْمُور بهَا كَمَا لَو خرجت لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة اَوْ خرجت مَعَ زَوجهَا فِي سفر فَإِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد سَافر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهن بعد ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع سَافر بعائشة رَضِي الله عَنْهَا وَغَيرهَا وأرسلها مَعَ عبد الرَّحْمَن أَخِيهَا فأردفها خَلفه وأعمرها من التَّنْعِيم وَحجَّة الْوَدَاع كَانَت قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أشهر بعد نزُول هَذِه الْآيَة وَلِهَذَا كن أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحججن كَمَا حججن فِي خلَافَة عمر رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ عمر يُوكل بقطارهن عُثْمَان أَو عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَإِذا كَانَ سفرهن لمصْلحَة جَائِزا فعائشة اعتقدت أَن ذَلِك السّفر مصلحَة للْمُسلمين فتأولت فِي هَذَا وَهَذَا كَمَا أَن قَول الله تَعَالَى (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ) وَقَوله (وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم) يتَضَمَّن قتل الْمُؤمنِينَ بَعضهم بَعْضًا كَمَا فِي قَوْله (وَلَا تلمزوا أَنفسكُم) وَقَوله (لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا) وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار قيل يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول قَالَ كَانَ حريضا عَليّ قتل صَاحبه فَلَو قَالَ قَائِل إِن عليا وَمن قَاتله قد التقيا بسيفيهما وَقد إستحلوا دِمَاء الْمُسلمين فَيجب أَن يلحقهم الْوَعيد
فَجَوَابه أَن الْوَعيد لَا يتَنَاوَل الْمُجْتَهد المتأول وَإِن كَانَ مخطئا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول فِي دُعَاء الْمُؤمنِينَ (رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا) قد فعلت وَقد عَفا للْمُؤْمِنين عَن النسْيَان وَالْخَطَأ والمجتهد المخطيء مغْفُور لَهُ خطأه وَإِذا غفر خطأ هَؤُلَاءِ فِي قتال الْمُؤمنِينَ فالمغفرة لعَائِشَة لكَونهَا لم تقر فِي بَيتهَا إِذْ كَانَت مجتهدة أولى وَأَيْضًا لَو قَالَ قَائِل إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْمَدِينَة تَنْفِي خبثها وتنصع طيبها وَقَالَ لَا يخرج أحد من الْمَدِينَة رَغْبَة عَنْهَا إِلَّا أبدلها الله خيرا مِنْهُ أخرجه فِي الْمُوَطَّأ وَقَالَ إِن عليا خرج مِنْهَا وَلم يقم بهَا كَمَا أَقَامَ الْخُلَفَاء قبله وَلِهَذَا لم تَجْتَمِع عَلَيْهِ الْكَلِمَة لَكَانَ الْجَواب إِن الْمُجْتَهد إِذا كَانَ دون عَليّ لم يتَنَاوَلهُ الْوَعيد فعلي أولى أَن لَا يتَنَاوَلهُ الْوَعيد لإجتهاده وَبِهَذَا يُجَاب عَن خُرُوج عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَإِذا كَانَ الْمُجْتَهد مخطئا فالخطأ مغْفُور بِالْكتاب وَالسّنة وَأما قَوْله خرجت تقَاتل عليا على غير ذَنْب فَهَذَا إفتراء عَلَيْهَا وَلَو قدر أَن الطَّائِفَتَيْنِ قصدتا الْقِتَال لَكَانَ هُوَ الْقِتَال الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى (وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم) فجعلهم مُؤمنين إخْوَة مَعَ الإقتتال وَأما قَوْله أَجمعُوا على قتل عُثْمَان فَهَذَا كذب سمج فَإِن الْجُمْهُور لم يأمروا بقتْله وَلَا رضوه وَلم يكن أَكثر الْمُسلمين بِالْمَدِينَةِ بل كَانُوا بالأمصار من بلد الْمغرب إِلَى خُرَاسَان وَلم يدْخل خِيَار الْمُسلمين فِي ذَلِك وَإِنَّمَا قَتله طَائِفَة من المفسدين فِي الأَرْض من أوباش الْقَبَائِل ورءوس الشَّرّ وَعَن عَليّ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَن قَتله عُثْمَان فِي الْبر وَالْبَحْر والسهل والجبل غَايَة مَا يُقَال إِنَّهُم لم ينصروه وفتروا عَن إعانته بِمَا
رَأَوْهُ وَمَا ظنُّوا أَن الْأَمر يبلغ إِلَى قَتله وَمن الْمَعْلُوم أَن الْمُسلمين أَجمعُوا على بيعَة عُثْمَان
وَمَا أَجمعُوا على قَتله فَهَلا كَانَ الْإِجْمَاع على بيعَته يَا معشر الرافضة حَقًا لتيقن الْإِجْمَاع عَلَيْهَا وَأَيْضًا فإجماع النَّاس على بيعَة أبي بكر أعظم من إِجْمَاعهم على بيعَة عَليّ وعَلى قتل عُثْمَان فَإِنَّهُ مَا تخلف عَن أبي بكر إِلَّا جمَاعَة كسعد بن عبَادَة وَالله يغْفر لَهُ وَقد قدمنَا أَن الرجل الْمَشْهُود لَهُ بِالْجنَّةِ قد يُذنب لإنتفاء الْعِصْمَة وَمَا قَوْلك يَا جَاهِل إِن عُثْمَان قتل بِالْإِجْمَاع إِلَّا كَمَا قَالَ ناصبي قتل الْحُسَيْن بِإِجْمَاع الْمُسلمين لِأَن الَّذين قَاتلُوهُ وقتلوه لم يدفعهم أحد عَن ذَلِك فَلم يكن كذبه بأظهر من كذب الْمُدَّعِي الْإِجْمَاع على
قتل عُثْمَان فَإِن الْحُسَيْن لم يعظم إِنْكَار الْأمة لقَتله كَمَا عظم إنكارهم لقتل عُثْمَان وَلَا انتصر لَهُ جيوش كالجيوش الَّذين انتصروا لعُثْمَان وَلَا انتقم أعوانه من أعدائه كَمَا انتقم أعوان عُثْمَان من أعدائه وَلَا حصل بقتْله من الْفِتْنَة وَالشَّر وَالْفساد مَا حصل بقتل عُثْمَان
وَلَا كَانَ قَتله أعظم إنكارا عِنْد الله وَعند رَسُوله وَعند الْمُؤمنِينَ من قتل عُثْمَان فَإِن عُثْمَان من أَعْيَان السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين من طبقَة عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَهُوَ خَليفَة للْمُسلمين أَجمعُوا على بيعَته بل لم يشهر فِي الْأمة سَيْفا وَلَا قتل على ولَايَته أحدا وَكَانَ بغزو بِالْمُسْلِمين الْكفَّار بِالسَّيْفِ وَكَانَ السَّيْف فِي خِلَافَته كَمَا كَانَ فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر مسلولا على الْكفَّار مكفوفا عَن أهل الْقبْلَة ثمَّ إِنَّه طلب قَتله وَهُوَ خَليفَة