المنتقى من منهاج الاعتدالصفحات 200-339

الْفَصْل الثَّالِث فِي إِمَامَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ

صفحات 200-339

قَالَ الرافضي إِن الإمامية لما رَأَوْا فَضَائِل أَمِير الْمُؤمنِينَ وكمالاته لَا تحصى قد رَوَاهَا الْمُوَافق والمخالف وَرَأَوا الْجُمْهُور قد نقلوا عَن غَيره مطاعن وَلم ينقلوا فِي عَليّ طَعنا اتَّبعُوهُ وجعلوه إِمَامًا لَهُم وَتركُوا غَيره فَنَذْكُر مِنْهَا شَيْئا يَسِيرا مِمَّا هُوَ صَحِيح عِنْدهم ليَكُون حجَّة عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو الْحسن الأندلسي فِي الْجمع بَين الصِّحَاح السِّتَّة عَن أم سَلمَة أَن قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت) نزلت فِي بَيتهَا وَهِي جالسة عِنْد الْبَاب فَقلت يَا رَسُول الله أَلَسْت من أهل الْبَيْت فَقَالَ إِنَّك إِلَى خير إِنَّك من أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت وَفِي الْبَيْت عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فجللهم بكساء وَقَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي فَأذْهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا فَنَقُول الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي الْفَضَائِل لأبي بكر وَعمر أَكثر وَأعظم من الْفَضَائِل الثَّابِتَة لعَلي ثمَّ أَكثر الْأَحَادِيث الَّتِي أوردهَا وَذكر أَنَّهَا فِي مُعْتَمد قَول الْجُمْهُور من أبين الْكَذِب على عُلَمَاء الْجُمْهُور وَمَا صَحَّ مِنْهَا لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على فضل عَليّ على أبي بكر وَغير عَليّ فِيهَا مشارك وَأما فَضَائِل الشَّيْخَيْنِ فخصائص لَهما وَلَا سِيمَا فَضَائِل أبي بكر فَإِن عامتها خَصَائِص لم يشركهُ فِيهَا غَيره وَأما مَا ذكره من المطاعن فَلَا يُمكنهُ أَن يُوَجه على الثَّلَاثَة من مطْعن إِلَّا وَجه الناصبي على عَليّ مثله وَأما قَوْله إِنَّهُم جَعَلُوهُ إِمَامًا لَهُم حَيْثُ نزهه الْمُخَالف والموافق وَتركُوا غَيره حَيْثُ يرْوى فِيهِ من يعْتَقد إِمَامَته من المطاعن مَا يطعن فِي إِمَامَته فَيُقَال هَذَا كذب بَين فَإِن عليا رَضِي الله عَنهُ لم ينزهه المخالفون بل القادحون فِي عَليّ طوائف مُتعَدِّدَة وهم أفضل

من القادحين فِي أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان والقادحون فِيهِ أفضل من الغلاة فِيهِ فَإِن الْخَوَارِج متفقون على كفره وهم عِنْد الْمُسلمين كلهم خير من الغلاة الَّذين يَعْتَقِدُونَ إلهيته أَو نبوته بل هم وَالَّذين قَاتلُوهُ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ خير عِنْد جَمَاهِير الْمُسلمين من الرافضة الإثني عشرِيَّة الَّذين اعتقدوه إِمَامًا مَعْصُوما وَأَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَيْسَ فِي الْأمة من يقْدَح فيهمَا إِلَّا الرافضة والخوارج المكفرون لعَلي يوالون أَبَا بكر وَعمر ويترضون عَنْهُمَا والمروانية الَّذين ينسبون عليا إِلَى الظُّلم وَيَقُولُونَ إِنَّه لم يكن خَليفَة يوالون أَبَا بكر وَعمر مَعَ أَنَّهُمَا ليسَا من أقاربهما فَكيف يُقَال مَعَ هَذَا إِن عليا نزهه الْمُوَافق والمخالف بِخِلَاف الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة وَمن الْمَعْلُوم أَن المنزهين لهَؤُلَاء أعظم وَأكْثر وَأفضل وَأَن القادحين فِي عَليّ حَتَّى بالْكفْر والفسوق والعصيان طوائف مَعْرُوفَة وهم أعلم من الرافضة وأدين والرافضة عاجزون مَعَهم علما ويدا فَلَا يُمكن الرافضة أَن تقيم عَلَيْهِم حجَّة تقطعهم بهَا وَلَا كَانُوا مَعَهم فِي الْقِتَال منصورين عَلَيْهِم وَالَّذين قَدَحُوا فِي عَليّ رَضِي الله عَنهُ جَعَلُوهُ كَافِرًا وظالما لَيْسَ فيهم طَائِفَة مَعْرُوفَة بِالرّدَّةِ عَن الْإِسْلَام بِخِلَاف الَّذين يمدحونه ويقدحون فِي الثَّلَاثَة كالغالية الَّذين يدعونَ إلهيته من النصيرية

وَغَيرهم وكالإسماعيلية الْمَلَاحِدَة الَّذين هم شَرّ من النصيرية وكالغالية الَّذين يدعونَ نبوته فَإِن هَؤُلَاءِ كفار مرتدون كفرهم بِاللَّه وَرَسُوله ظَاهر لَا يخفى على عَالم بدين الْإِسْلَام فَمن اعْتقد فِي بشر الإلهية أَو اعْتقد بعد مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبيا فَهَذِهِ المقالات

وَنَحْوهَا مِمَّا يظْهر كفر أَهلهَا لمن يعرف الْإِسْلَام أدنى معرفَة بِخِلَاف من يكفر عليا ويلعنه من الْخَوَارِج وَمِمَّنْ قَاتله ولعنه من أَصْحَاب مُعَاوِيَة وَبني مَرْوَان وَغَيرهم فَإِن هَؤُلَاءِ كَانُوا مقرين بِالْإِسْلَامِ وشرائعه يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَيَصُومُونَ رَمَضَان ويحجون الْبَيْت الْعَتِيق ويحرمون مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَيْسَ فيهم كفر ظَاهر بل شَعَائِر الْإِسْلَام وشرائعه ظَاهِرَة فيهم معظمة عِنْدهم وَهَذَا أَمر يعرفهُ كل من عرف أَحْوَال الْإِسْلَام فَكيف يَدعِي مَعَ هَذَا أَن جَمِيع الْمُخَالفين نزهوه دون الثَّلَاثَة بل إِذا اعْتبر الَّذين كَانُوا يبغضونه ويوالون عُثْمَان وَالَّذين كَانُوا يبغضون عُثْمَان وَيُحِبُّونَ عليا وجد هَؤُلَاءِ خيرا من أُولَئِكَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَلَو تخلى أهل السّنة عَن مُوالَاة عَليّ رَضِي الله عَنهُ لم يكن فِي المتولين لَهُ من يقدر أَن يُقَاوم المبغضين لَهُ من الْخَوَارِج والأموية والمروانية فَإِن هَؤُلَاءِ طوائف كَثِيرَة وَمَعْلُوم أَن شَرّ الَّذين يبغضونه هم الْخَوَارِج الَّذين كفروه واعتقدوا أَنه مُرْتَد عَن الْإِسْلَام وَاسْتَحَلُّوا قَتله تقربا إِلَى الله تَعَالَى حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ عمرَان بن حطَّان (يَا ضَرْبَة من تقى مَا أَرَادَ بهَا... إِلَّا ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا) (إِنِّي لأذكره يَوْمًا فأحسبه... أوفى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا) فعارضه شَاعِر أهل السّنة فَقَالَ (يَا ضَرْبَة من شقي مَا أَرَادَ بهَا... إِلَّا ليبلغ من ذِي الْعَرْش خسرانا) (إِنِّي لأذكره يَوْمًا فألعنه... لعنا وألعن عمرَان بن حطانا) وَهَؤُلَاء الْخَوَارِج كَانُوا موجودين فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يناظرونهم ويقاتلونهم وَالصَّحَابَة اتَّفقُوا على وجوب قِتَالهمْ وَمَعَ هَذَا فَلم يكفروهم وَلَا كفرهم عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ

وَأما الغالية فِي عَليّ رَضِي الله عَنهُ فقد اتّفق الصَّحَابَة وَسَائِر الْمُسلمين على كفرهم وكفرهم عَليّ بن أبي طَالب نَفسه وحرقهم بالنَّار وَأما الْخَوَارِج فَلم يقاتلهم عَليّ حَتَّى قتلوا وَاحِدًا من الْمُسلمين وأغاروا على أَمْوَال النَّاس فَأَخَذُوهَا فَأُولَئِك حكم فيهم عَليّ وَسَائِر الصَّحَابَة بِحكم الْمُرْتَدين وَهَؤُلَاء لم يحكموا فيهم الْمُرْتَدين وَهَذَا مِمَّا يبين أَن الَّذين زَعَمُوا أَنهم والوه دون أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان يُوجد فيهم من الشَّرّ وَالْكفْر بإتفاق على وَجَمِيع الصَّحَابَة مَا لَا يُوجد فِي الَّذين عادوه وكفروه وَتبين أَن جنس المبغضين لأبي بكر وَعمر شَرّ عِنْد عَليّ وَجَمِيع الصَّحَابَة من جنس المبغضين لعَلي وَحَدِيث الكساء صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَأما مُسلم فَأخْرجهُ من حَدِيث عَائِشَة قَالَت خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات غَدَاة وَعَلِيهِ مرط مرحل من شعر أسود فجَاء الْحسن وَالْحُسَيْن فأدخلهما مَعَه ثمَّ جَاءَت فَاطِمَة فَأدْخلهَا ثمَّ جَاءَ عَليّ فَأدْخلهُ ثمَّ قَالَ (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس) الْآيَة وَهَذَا الحَدِيث قد شركه فِيهِ فَاطِمَة وَحسن وحسين رَضِي الله عَنْهُم فَلَيْسَ هُوَ من خَصَائِصه وَمَعْلُوم أَن الْمَرْأَة لَا تصلح للْإِمَامَة فَعلم أَن هَذِه الْفَضِيلَة لَا تخْتَص بالأئمة بل يشركهم فِيهَا غَيرهم ومضمونه الدعْوَة بِأَن يذهب الله عَنْهُم الرجس ويطهرهم تَطْهِيرا وَالصديق قد أخبر الله عَنهُ بِأَنَّهُ (الأتقى الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى) وَمَا دخل عَليّ فِي الأتقى حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ مَال حِينَئِذٍ بل دخل فِيهَا إِذْ فتحت خَيْبَر وَصَارَ ذَا مَال قَالَ وَفِي قَوْله تَعَالَى (إِذْ نَاجَيْتُم الرَّسُول فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة) قَالَ عَليّ مَا عمل بِهَذِهِ الْآيَة غَيْرِي فَيُقَال الْأَمر بِالصَّدَقَةِ لم يكن وَاجِبا على الْمُسلمين حَتَّى يَكُونُوا عصاة بِتَرْكِهِ وَإِنَّمَا أَمر بهَا من أَرَادَ النَّجْوَى فاتفق أَنه لم يرد النَّجْوَى حِينَئِذٍ إِلَّا عَليّ فَتصدق لأَجلهَا وَهَذَا كوجوب الْهَدْي لمن أَرَادَ الْمُتْعَة

ووجوبه على من أحْصر وَوُجُوب الْفِدْيَة على من بِهِ أَذَى وَوُجُوب الْكَفَّارَة على من حنث ثمَّ لم تطل مُدَّة الْأَمر بِالصَّدَقَةِ عِنْد النَّجْوَى فَمَا اتّفق ذَلِك إِلَّا لعَلي رَضِي الله عَنهُ فَتصدق بِدِرْهَمَيْنِ أَو نَحْوهمَا وَهَذَا أَبُو بكر قد تصدق مرّة بِمَالِه كُله وأتى بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ مَا أبقيت لأهْلك قَالَ الله وَرَسُوله قَالَ وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ افتخر طَلْحَة بن شيبَة من بني عبد الدَّار وَالْعَبَّاس وَعلي فَقَالَ طَلْحَة معي مَفَاتِيح الْبَيْت وَلَو أَشَاء بت فِيهِ وَقَالَ الْعَبَّاس أَنا صَاحب السِّقَايَة وَلَو أَشَاء لبت فِي الْمَسْجِد وَقَالَ عَليّ لقد صليت إِلَى الْقبْلَة سِتّ أشهر قبل النَّاس وَأَنا صَاحب الْجِهَاد فَنزلت (أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله) فَيُقَال هَذَا اللَّفْظ لَا يعرف فِي شَيْء من كتب الحَدِيث الْمُعْتَمدَة بل دلالات الْكَذِب عَلَيْهِ ظَاهِرَة مِنْهَا أَن طَلْحَة بن شيبَة لَا وجود لَهُ وَإِنَّمَا خَادِم الْكَعْبَة هُوَ شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة وَهَذَا مِمَّا يبين لَك أَن الحَدِيث لم يَصح ثمَّ فِيهِ قَول الْعَبَّاس لَو أَشَاء بت فِي الْمَسْجِد فَأَي كَبِير أَمر فِي مبيته فِي الْمَسْجِد حَتَّى يتبجح بِهِ ثمَّ فِيهِ قَول عَليّ

صليت سِتَّة أشهر قبل النَّاس فَهَذَا مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالضَّرُورَةِ فَإِن بَين إِسْلَامه وَإِسْلَام زيد وَأبي بكر وَخَدِيجَة يَوْم أَو نَحوه فَكيف يُصَلِّي قبل النَّاس بِسِتَّة أشهر وَأَيْضًا فَلَا يَقُول أَنا صَاحب الْجِهَاد وَقد شَاركهُ فِيهِ عدد كثيرا جدا فَهَذَا الحَدِيث مَوْضُوع وَيرد عَلَيْهِ مَا فِي صَحِيح مُسلم عَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ كنت عِنْد مِنْبَر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رجل لَا أُبَالِي أَن لَا أعمل عملا بعد الْإِسْلَام إِلَّا أَن أَسْقِي الْحَاج وَقَالَ آخر مَا أُبَالِي أَن لَا أعمل عملا فِي الْإِسْلَام إِلَّا أَن أعمر الْمَسْجِد الْحَرَام وَذكر آخر الْجِهَاد وَقَالَ هُوَ أفضل مِمَّا قُلْتُمْ فزجرهم عمر وَقَالَ لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم عِنْد مِنْبَر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة وَلَكِن إِذا صليت الْجُمُعَة دخلت فاستفتيته فِيمَا اختلفتم فِيهِ فَأنْزل الله تَعَالَى (أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله) فَهَذَا لَيْسَ من خَصَائِص عَليّ إِذْ الَّذين آمنُوا وَجَاهدُوا كثير وَقد قَالَ تَعَالَى (الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله) وَلَا ريب أَن جِهَاد أبي بكر بِمَالِه وَنَفسه أبلغ من جِهَاد عَليّ غَيره كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِن أَمن النَّاس علينا فِي صحبته وَذَات يَده أَبُو بكر وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر وَأَبُو بكر كَانَ مُجَاهدًا بِلِسَانِهِ وَيَده وَهُوَ أول من دَعَا إِلَى الله وَأول من أوذي فِي الله بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأول من دَافع عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ مشاركا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هجرته وجهاده حَتَّى كَانَ هُوَ وَحده مَعَه فِي الْعَريش يَوْم بدر وَحَتَّى إِن أَبَا سُفْيَان يَوْم أحد لم يسْأَل إِلَّا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر لما قَالَ أفيكم مُحَمَّد فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تجيبوه فَقَالَ أفيكم ابْن أبي قُحَافَة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تجيبوه فَقَالَ أفيكم ابْن الْخطاب فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تجيبوه فَقَالَ أما هَؤُلَاءِ فقد كفيتموهم فَلم يملك عمر نَفسه فَقَالَ كذبت يَا عَدو الله إِن الَّذِي عددت أَحيَاء وَقد أبقى الله لَك مَا يحزنك

ذكره البُخَارِيّ وَغَيره قَالَ الرافضي وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل أَن أنسا قَالَ لسلمان سل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وَصِيَّة فَسَأَلَهُ فَقَالَ يَا سلمَان من كَانَ وصّى مُوسَى قَالَ يُوشَع قَالَ فَإِن وصيي ووارثى عَليّ قُلْنَا هَذَا الحَدِيث كذب مَوْضُوع بإتفاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَأحمد قد صنف كتابا فِي فَضَائِل الصَّحَابَة ذكر فِيهِ فضل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة وَذكر فِيهِ مَا روى فِي ذَلِك من صَحِيح وَضَعِيف للتعريف بذلك وَلَيْسَ كل مَا رَوَاهُ يكون صَحِيحا ثمَّ إِن فِي هَذَا

الْكتاب زيادات من رِوَايَة ابْن عبد الله وزيادات من رِوَايَة الْقطيعِي عَن شُيُوخه وَهَذِه الزِّيَادَات الَّتِي زَادهَا الْقطيعِي غالبها كذب كَمَا سَيَأْتِي ذكر بَعْضهَا وشيوخ الْقطيعِي يروون عَمَّن فِي طبقَة أَحْمد وَهَؤُلَاء الرافضة جهال إِذا رَأَوْا فِيهِ حَدِيثا ظنُّوا أَن الْقَائِل لذَلِك أَحْمد بن حَنْبَل وَيكون الْقَائِل لذَلِك هُوَ الْقطيعِي وشيوخ الْقطيعِي الَّذين يروون عَمَّن فِي طبقَة أَحْمد وَكَذَلِكَ فِي الْمسند زيادات زَادهَا ابْنه عبد الله لَا سِيمَا فِي مُسْند عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ زَاد زيادات كَثِيرَة فَالْحَدِيث من كذب الدجاجلة وَلَا حدث بِهِ وَالله أَحْمد فَهَذَا مُسْنده بل وَهَذَا الْكتاب الَّذِي صنفه فِي فَضَائِل الصَّحَابَة قَالَ وَعَن يزِيد بن أبي مَرْيَم عَن عَليّ قَالَ انْطَلَقت أَنا وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَة فَصَعدَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَنْكِبي فَذَهَبت لأنهض فَرَأى منى ضعفا فَنزل وَجلسَ لي فَصَعدت على مَنْكِبه فَنَهَضَ بِي حَتَّى صعدت على الْبَيْت وَعَلِيهِ تِمْثَال نُحَاس فَجعلت أزاوله ثمَّ قذفت بِهِ فتكسر وانطلقنا نَسْتَبِق حَتَّى تَوَارَيْنَا قُلْنَا إِن صَحَّ هَذَا فَمَا فِيهِ شَيْء من خَصَائِص الْأَئِمَّة فقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي وَهُوَ حَامِل أُمَامَة بنت

أبي الْعَاصِ على مَنْكِبَيْه وَسجد مرّة فجَاء الْحسن فارتحله فَإِذا كَانَ يحمل الطفلة والطفل لم يكن فِي حمله لعَلي مَا يُوجب أَن يكون ذَلِك من خَصَائِصه وَإِنَّمَا حمله لعجز عَليّ عَن حمله فَهَذَا يدْخل فِي مَنَاقِب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفضيلة من يحمل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعظم من فَضِيلَة من يحملهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا حمله يَوْم أحد من حمله من الصَّحَابَة مثل طَلْحَة بن عبيد الله فَإِن هَذَا نفع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَاكَ نَفعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْلُوم أَن نَفعه بِالنَّفسِ وَالْمَال أعظم من إنتفاع الْإِنْسَان بِنَفس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَاله قَالَ وَعَن ابْن أبي ليلى قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصديقون ثَلَاثَة حبيب النجار وَمُؤمن آل فِرْعَوْن وَعلي وَهُوَ أفضلهم قُلْنَا وَهَذَا كذب وَقد ثَبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصف أَبَا بكر بِأَنَّهُ صديق وَصَحَّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا لَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا فالصديقون بِهَذَا كثير وَقَالَ تَعَالَى فِي مَرْيَم وَهِي امْرَأَة (وَأمه صديقَة) قَالَ وَعَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لعَلي أَنْت مني وَأَنا مِنْك قُلْنَا نعم أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْبَراء لما تنَازع عَليّ وجعفر وَزيد فِي ابْنة حَمْزَة فَقضى بهَا لخالتها وَكَانَت تَحت جَعْفَر وَقَالَ أَنْت مني وَأَنا مِنْك وَقَالَ لجَعْفَر اشبهت خلقي وَخلقِي وَقَالَ لزيد أَنْت أخونا ومولانا لَكِن هَذَا اللَّفْظ قد قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لطائفة من أَصْحَابه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي مُوسَى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْأَشْعَرِيين هم مني وَأَنا مِنْهُم قَالَ وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ لعَلي عشر فَضَائِل لَيست لغيره قَالَ لَهُ النَّبِي

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَأَبْعَثَن رجلا لَا يخزيه الله أبدا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فاستشرف لَهَا من استشرف فَقَالَ أَيْن عَليّ بن أبي طَالب قَالُوا هُوَ أرمد فِي الرَّحَى يطحن وَمَا كَانَ أحد يطحن فجَاء وَهُوَ أرمد لَا يكَاد أَن يبصر قَالَ فنفث فِي عَيْنَيْهِ ثمَّ هز الرَّايَة ثَلَاثًا وَأَعْطَاهَا إِيَّاه فجَاء بصفية بنت حييّ قَالَ ثمَّ بعث أَبَا بكر بِسُورَة بَرَاءَة فَبعث عليا خَلفه وَقَالَ لَا يذهب بهَا إِلَّا رجل هُوَ مني وَأَنا مِنْهُ وَقَالَ لبني عَمه أَيّكُم يواليني فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ وَعلي جَالس مَعَهم فَأَبَوا فَقَالَ عَليّ أَنا أواليك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ فَتَركه ثمَّ أقبل على رجل رجل مِنْهُم فَقَالَ أَيّكُم يواليني فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَأَبَوا فَقَالَ عَليّ أَنا أواليك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ أَنْت ولي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ وَكَانَ عَليّ أول من أسلم من النَّاس بعد خَدِيجَة قَالَ وَأخذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَوْبه فَوَضعه على عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فَقَالَ (إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا) قَالَ وشرى عَليّ نَفسه وَلبس ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ نَام مَكَانَهُ وَكَانَ الْمُشْركُونَ يرمونه بِالْحِجَارَةِ وَخرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّاسِ فِي غزَاة تَبُوك فَقَالَ لَهُ عَليّ أخرج مَعَك فَقَالَ لَا فَبكى عَليّ فَقَالَ لَهُ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنَّك لست بِنَبِي لَا يَنْبَغِي أَن أذهب إِلَّا وَأَنت خليفتي وَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنْت وليي فِي كل مُؤمن بعدِي قَالَ وسد أَبْوَاب الْمَسْجِد إِلَّا بَاب عَليّ قَالَ وَكَانَ يدْخل الْمَسْجِد جنبا وَهُوَ طَرِيقه لَيْسَ لَهُ طَرِيق غَيره وَقَالَ لَهُ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ وَعَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرْفُوعا أَنه بعث أَبَا بكر فِي بَرَاءَة إِلَى مَكَّة فَسَار لَهَا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ لعَلي الْحَقْهُ فَرده وَبَلغهَا أَنْت فَفعل فَلَمَّا قدم أَبُو بكر على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَكَى وَقَالَ يَا رَسُول الله حدث فِي شَيْء قَالَ لَا وَلَكِن أمرت أَن لَا يبلغهَا إِلَّا أَنا أَو رجل مني قُلْنَا هَذَا الْخَبَر مُرْسل لَو ثَبت عَن عَمْرو بن مَيْمُون وَمِنْه أَلْفَاظ مُنكرَة مِنْهَا

لَا يَنْبَغِي أَن أذهب إِلَّا وَأَنت خليفتي فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتخْلف غَيره غير مرّة وَكَذَلِكَ قَوْله سدوا الْأَبْوَاب إِلَّا بَاب عَليّ فَإِنَّهُ من وضع الشِّيعَة فَإِن فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ إِن أَمن النَّاس عَليّ فِي مَاله وصحبته أَبُو بكر وَلَو كنت متخذا خَلِيلًا لأتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام ومودته لَا يبْقين فِي الْمَسْجِد خوخة إِلَّا سدت إِلَّا خوخة أبي بكر وَرَوَاهُ ابْن عَبَّاس فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِنْه قَالَ أَنْت وليي فِي كل مُؤمن بعدِي فَهَذَا مَوْضُوع بإتفاق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ وَبَاقِي الحَدِيث لَيْسَ هُوَ من خَصَائِصه مثل كَونه يحب الله وَرَسُوله وإستخلافه على الْمَدِينَة وَكَونه بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى وَمثل كَون بَرَاءَة لَا يبلغهَا إِلَّا هاشمي إِذا كَانَت الْعَادة جَارِيَة بِأَنَّهُ لَا ينْقض العهود إِلَّا رجل من قَبيلَة المطاع

قَالَ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَخطب خوارزم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَا عَليّ لَو أَن عبدا عبد الله مثل مَا قَامَ نوح فِي قومه وَكَانَ لَهُ مثل أحد ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله وَحج ألف مرّة على قَدَمَيْهِ ثمَّ قتل بَين الصفاة والمروة مَظْلُوما ثمَّ لم يوالك لم يشم رَائِحَة الْجنَّة وَلم يدخلهَا فَيُقَال أَخطب خوارزم هَذَا لَهُ مُصَنف فِي هَذَا الْبَاب فِيهِ من المكذوبات مَا لَا يُوصف وَهَذَا وَالله مِنْهَا قَالَ وَقَالَ رجل لسلمان مَا أَشد حبك لعَلي قَالَ سَمِعت نَبِي الله يَقُول من أحبه فقد أَحبَّنِي وَعَن أنس مَرْفُوعا خلق الله من نور وَجه عَليّ سبعين ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ولمحبيه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَعَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أحب عليا قبل الله مِنْهُ صلَاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه أَلا وَمن أحب عليا أعطَاهُ الله بِكُل عرق من بدنه مَدِينَة فِي الْجنَّة أَلا وَمن أحب آل مُحَمَّد أَمن الْحساب وَالْمِيزَان والصراط أَلا وَمن مَاتَ على حب آل مُحَمَّد فَأَنا كفيله فِي الْجنَّة مَعَ الْأَنْبِيَاء وَمن

أبْغض آل مُحَمَّد جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله وَعَن ابْن عمر سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد سُئِلَ بِأَيّ لُغَة خاطبك رَبك لَيْلَة الْمِعْرَاج قَالَ خاطبني بلغَة عَليّ فألهمني أَن قلت يَا رب أَنْت خاطبتني أم عَليّ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَنا شَيْء لَيْسَ كالأشياء لَا أقاس بِالنَّاسِ وَلَا أوصف بالأشياء خلقتك من نوري وخلقت عليا من نورك فاطلعت على سرائر قَلْبك فَلم أجد إِلَى قَلْبك أحب من عَليّ خاطبتك بِلِسَانِهِ كَيْمَا يطمئن قَلْبك وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو أَن الرياض أَقْلَام وَالْبَحْر مداد وَالْجِنّ حِسَاب وَالْإِنْس كتاب مَا أحصوا فَضَائِل عَليّ وَقَالَ إِن الله جعل الْأجر على فَضَائِل عَليّ لَا يُحْصى فَمن ذكر فَضِيلَة من فضائله فقرأها غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَالنَّظَر إِلَى وَجهه عبَادَة وَذكره عبَادَة لَا يقبل الله إِيمَان عبد إِلَّا بولايته والبراءة من أعدائه وَعَن حَكِيم بن حزَام مَرْفُوعا لمبارزة على عَمْرو بن ود يَوْم الخَنْدَق أفضل من عمل أمتِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قُلْنَا هَذِه الْأَحَادِيث وَالله الْعَظِيم كذب يلعن الله من افتراها وَلعن من لَا يحب عليا وَأَنت قد قدمت أَنَّك لَا تذكر إِلَّا مَا هُوَ صَحِيح عندنَا فَمن أَيْن جِئْت بِهَذِهِ الخرافات وَلَكنَّا تَيَقنا بِأَن الرافضة أَجْهَل الطوائف وأكذبهم وَأَنت زعيمهم وعالمهم وَهَذَا حالك قَالَ وَعَن سعد بن أبي وَقاص أَن مُعَاوِيَة أمره بسب على فَأبى فَقَالَ مَا يمنعك قَالَ ثَلَاث قالهن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن تكون لي وَاحِدَة مِنْهُنَّ أحب إِلَى من حمر النعم سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لعَلي وَقد خَلفه فِي بعض مغازيه فَقَالَ تخلفني مَعَ النِّسَاء وَالصبيان فَقَالَ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وسمعته يَقُول لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فتطاول لَهَا النَّاس فَقَالَ ادعوا لي عليا فَأَتَاهُ وَبِه رمد فبصق فِي عَيْنَيْهِ وَدفع إِلَيْهِ الرَّايَة

فَفتح الله عَلَيْهِ وأنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة (فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم) فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهلِي قُلْنَا أما هَذَا فَصَحِيح رَوَاهُ مُسلم وسقته بجهلك بَين الموضوعات كمن نظم درة بَين بعر وَلَكِن هَذِه المناقب لَيست من خَصَائِصه فَإِنَّهُ اسْتخْلف جمَاعَة على الْمَدِينَة وتشبيهه بهَارُون لَيْسَ بأعظم من تَشْبِيه أبي بكر بإبراهيم وَعِيسَى وتشبيه عمر بِنوح ومُوسَى فَإِن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أفضل من هَارُون وكل من أبي بكر وَعمر شبه بإثنين لَا بِوَاحِد فَكَانَ هَذَا التَّشْبِيه أعظم من تَشْبِيه عَليّ مَعَ أَن إستخلاف عَليّ لَهُ فِيهِ أشباه وأمثال من الصَّحَابَة وَهَذَا التَّشْبِيه لَيْسَ لهذين فِيهِ شَبيه فَلم يكن الإستخلاف من الخصائص وَلَا

التَّشْبِيه بِنَبِي فِي بعض أَحْوَاله من الخصائص وَفِي الحَدِيث رد على النواصب الَّذين لَا يتولونه وَلَا يحبونه وعَلى الْخَوَارِج الَّذين كفروه لَكِن هَذَا لَا يتم على قَول الرافضة الَّذين جعلُوا النُّصُوص الدَّالَّة على فضل الصَّحَابَة كَانَت قبل ردتهم فَإِن الْخَوَارِج كَذَا تَقول فِي عَليّ وَهَذَا بَاطِل لِأَن الله لَا يحب وَلَا يرضى عَمَّن يعلم أَنه يَمُوت كَافِرًا وَكَذَا المباهلة شَاركهُ فِيهَا ولداه فَإِن قيل فَلم تمنى سعد وَاحِدَة مِنْهُنَّ قيل لِأَن شَهَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَلي ظَاهرا وَبَاطنا بِالْإِيمَان وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا شهد لمُعين بِشَهَادَة كَانَت من أعظم مناقبه كَمَا صلى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ميت فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وعافه واعف عَنهُ إِلَخ قَالَ عَوْف بن مَالك فتمنيت أَن أكون أَنا ذَلِك الْمَيِّت وَهَذَا الدُّعَاء لم يكن مُخْتَصًّا بذلك الْمَيِّت قَالَ وَعَن عَامر بن وَاثِلَة قَالَ قَالَ عَليّ يَوْم الشورى لأحتجن عَلَيْكُم بِمَا لَا يَسْتَطِيع أحد تَغْيِير ذَلِك ثمَّ قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه أفيكم أحد وحد الله قبلي قَالُوا اللَّهُمَّ لَا وَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيه فأنشدكم بِاللَّه هَل فِيكُم أحد سلم عَلَيْهِ فِي سَاعَة وَاحِدَة ثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة وَجِبْرِيل وميكال وإسرافيل حَيْثُ جِئْت بِالْمَاءِ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من القليب غَيْرِي قَالُوا اللَّهُمَّ لَا وَمِنْه مَا رَوَاهُ أَبُو عمر الزَّاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لعَلي أَربع خِصَال لَيست لأحد من النَّاس غَيره هُوَ أول من صلى مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَعَه لِوَاؤُهُ فِي كل زحف وَهُوَ الَّذِي صَبر مَعَه يَوْم حنين وَهُوَ الَّذِي غسله وَأدْخلهُ قَبره وَعَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَرَرْت لَيْلَة الْمِعْرَاج بِقوم تشرشر

أشداقهم فَقلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ قوم يقطعون النَّاس بالغيبة قَالَ ومررت بِقوم قد ضوضوا فَقلت لجبريل من هَؤُلَاءِ قَالَ الْكفَّار ثمَّ عدلنا عَن الطَّرِيق فَلَمَّا انتهينا إِلَى السَّمَاء الرَّابِعَة رَأَيْت عليا يُصَلِّي فَقلت يَا جِبْرِيل من هَذَا عَليّ قد سبقنَا قَالَ لَا لَيْسَ هَذَا عليا بل إشتاقت الْمَلَائِكَة إِلَى رُؤْيَته لما سمعُوا مناقبه وخاصة قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى فخلق الله ملكا على صورته وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الْمُصْطَفى قَالَ ذَات يَوْم أَنا الْفَتى ابْن الْفَتى أَخُو الْفَتى يَعْنِي عليا وَهُوَ معنى قَول جِبْرِيل فِي يَوْم بدر وَقد عرج إِلَى السَّمَاء وَهُوَ فَرح وَهُوَ يَقُول لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا عَليّ وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ رَأَيْت أَبَا ذَر وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول من عرفني فقد عرفني أَنا أَبُو ذَر وَلَو صمتم حَتَّى تَكُونُوا كالأوتار وصليتم حَتَّى تَكُونُوا كالحنايا مَا نفعكم ذَلِك حَتَّى تحبوا عليا فَيُقَال حَدِيث وَاثِلَة كذب بإتفاق الْحفاظ وَمَا قَالَ عَليّ يَوْم الشورى شَيْئا من ذَلِك بل قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لَئِن أَمرتك لتعدلن قَالَ نعم قَالَ وَإِن بَايَعت عُثْمَان لتسمعن وتطيعن قَالَ نعم وَقَالَ مثل ذَلِك لعُثْمَان وَمكث ثَلَاثَة أَيَّام يشاور الْمُسلمين وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَبَاطِل فلواء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد كَانَ مَعَ مُصعب بن عُمَيْر بإتفاق وَلِوَاؤُهُ يَوْم الْفَتْح كَانَ مَعَ الزبير أخرجه البُخَارِيّ وَيَوْم حنين لم يكن أحد أقرب إِلَى بغلة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَمه الْعَبَّاس وَأبي سُفْيَان بن الْحَارِث وَالْعَبَّاس آخذ بركابه وَأما مَا ذكره عَن الْمِعْرَاج فكذب سمج وَفِيه مَا يبين وَضعه وَهُوَ أَن الكروبيين لما سمعُوا مناقبه وخاصة قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى اشتاقت إِلَى عَليّ فخلق لَهَا ملكا على صُورَة عَليّ

فالمعراج كَانَ بِمَكَّة من الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَوله أما ترْضى قَالَه لَهُ فِي غَزْوَة تَبُوك وَهِي آخر الْغَزَوَات سنة تسع وَكَذَا خبر لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا عَليّ كذب والفتى لَيْسَ من أَسمَاء الْمَدْح وَلَا الذَّم بل هُوَ كَقَوْلِك الشَّاب والكهل وَقَول الْمُشْركين (سمعنَا فَتى يذكرهم) لم يقصدوا مدحه بذلك وَحَدِيث مواخاة النَّبِي لعَلي وَأبي بكر لعمر من الأكاذيب وَإِنَّمَا آخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَذُو الفقار سيف كَانَ لأبي جهل غنمه الْمُسلمُونَ يَوْم بدر فَلم يكن ذُو الفقار يَوْم بدر من سيوف الْمُسلمين روى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نقل سَيْفه ذَا الفقار يَوْم بدر ثمَّ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بعد النُّبُوَّة كهلا وَقَول أبي ذَر لم يَصح مَعَ أَن حب عَليّ فرض كَمَا أَن حب أبي بكر فرض وَحب الْأَنْصَار فرض قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آيَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَليّ أَنه لعهد النَّبِي الْأُمِّي إِلَى أَنه لَا يحبني إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضني إِلَّا مُنَافِق قَالَ وَمِنْهَا مَا نَقله صَاحب الفردوس عَن معَاذ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حب عَليّ حَسَنَة لَا تضر مَعهَا سَيِّئَة وبغضه سَيِّئَة لَا تَنْفَع مَعهَا حَسَنَة قُلْنَا كتاب الفردوس مُصَنفه شيرويه بن شهريار الديلمي الْمُحدث فِيهِ مَوْضُوعَات جمة هَذَا مِنْهَا وَلَا بقوله الْمُصْطَفى الْمَعْصُوم بل هَذَا الْمُؤمن الَّذِي يحب الله وَرَسُوله وَمَعَ ذَلِك تضره السَّيِّئَات وَيحد فِي الْخمر وَقد أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَرْب حمَار فِي الْخمر فَسَبهُ رجل فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعه فَإِنَّهُ يحب الله

وَرَسُوله وَأَيْضًا فقد كَانَ أَبُو طَالب يحب ابْنه عليا وضره الشّرك حَتَّى دخل النَّار وَهَؤُلَاء الغلاة يَزْعمُونَ أَنهم يحبونه وهم من أهل النَّار وَحب الرَّسُول أعظم من حب عَليّ وَيدخل خلق من محبيه النَّار ثمَّ يخرجُون بِشَفَاعَتِهِ وَكَذَلِكَ الحَدِيث الَّذِي أوردهُ عَن ابْن مَسْعُود حب آل مُحَمَّد يَوْمًا خير من عبَادَة سنة مَوْضُوع وَحَدِيث أَنا وَعلي حجَّة الله على خلقه كذب أَيْضا وَالله تَعَالَى يَقُول (لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل) وَكَذَلِكَ قَوْله لَو اجْتمع النَّاس على حب عَليّ لم تخلق النَّار فقد رَأينَا من محبيه من الإسماعيلية وَغَيرهم خلقا من طَعَام النَّار وَنحن نحبه ونخاف النَّار ثمَّ خلق مِمَّن صدق الرُّسُل يدْخلُونَ الْجنَّة وَمَا عرفُوا عليا وَكَذَلِكَ الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي الْعَهْد الَّذِي عَهده الله فِي عَليّ وَأَنه راية الْهدى وَإِمَام الْأَوْلِيَاء والكلمة الَّتِي ألزمها لِلْمُتقين فَصَاحب الْحِلْية قد روى فِي فَضَائِل الْأَرْبَعَة عدَّة مَوْضُوعَات وَإِنَّمَا كلمة التَّقْوَى لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ الرافضي وَأما المطاعن فِي الْجَمَاعَة فقد نقل أتباعهم مِنْهَا كثيرا حَتَّى صنف الْكَلْبِيّ كتابا فِي مثالب الصَّحَابَة قُلْنَا الْكَلْبِيّ وَابْنه هِشَام كذابان رافضيان

وَإِن مَا ينْقل عَن الصَّحَابَة من المثالب نَوْعَانِ أَحدهمَا إِمَّا كذب كُله وَإِمَّا محرف قد دخله من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان مَا يُخرجهُ إِلَى الذَّم والطعن وَأكْثر الْمَنْقُول من المطاعن الصَّرِيحَة هُوَ من هَذَا الْبَاب يَرْوِيهَا الكذابون المعروفون بِالْكَذِبِ مثل أبي مخنف لوط بن يحيى وَمثل هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ وَلِهَذَا اسْتشْهد هَذَا الرافضي بِمَا صنفه هِشَام الْكَلْبِيّ فِي ذَلِك وَهُوَ من أكذب النَّاس وَهُوَ شيعي يرْوى عَن أَبِيه وَعَن أبي مخنف وَكِلَاهُمَا مَتْرُوك كَذَّاب وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي هَذَا الْكَلْبِيّ مَا ظنت أَن أحدا يحدث عَنهُ إِنَّمَا هُوَ صَاحب سمر وَنسب وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك وَقَالَ ابْن عدي هِشَام الْكَلْبِيّ الْغَالِب عَلَيْهِ الأسمار وَلَا أعرف لَهُ فِي الْمسند شَيْئا وَأَبُو أَيْضا كَذَّاب وَقَالَ زَائِدَة وَاللَّيْث وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ كَذَّاب وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِشَيْء

كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ ابْن حبَان وضوح الْكَذِب فِيهِ أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى الإغراق فِي وَصفه النَّوْع الثَّانِي مَا هُوَ صدق وَأكْثر هَذِه الْأُمُور لَهُم فِيهَا معاذير تخرجها عَن أَن تكون ذنوبا وتجعلها من موارد الإجتهاد الَّتِي إِن أصَاب الْمُجْتَهد فِيهَا فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر وَعَامة الْمَنْقُول الثَّابِت عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من هَذَا الْبَاب وَمَا قدر من هَذِه الْأُمُور ذَنبا محققا فَإِن ذَلِك لَا يقْدَح فِيمَا علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الْجنَّة لِأَن الذَّنب الْمُحَقق يرْتَفع عِقَابه فِي الْآخِرَة بِأَسْبَاب مُتعَدِّدَة مِنْهَا التَّوْبَة الماحية وَقد ثَبت عَن أَئِمَّة الإمامية أَنهم تَابُوا من الذُّنُوب الْمَعْرُوفَة عَنْهُم وَمِنْهَا الْحَسَنَات الماحية للذنوب فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات وَقد قَالَ تَعَالَى (إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ) وَمِنْهَا المصائب المكفرة وَمِنْهَا دُعَاء الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض وشفاعة نَبِيّهم فَمَا من ذَنْب يسْقط بِهِ الذَّم وَالْعِقَاب عَن أحد من الْأمة إِلَّا وَالصَّحَابَة أَحَق بذلك فهم أَحَق بِكُل مدح وَنفي كل ذمّ مِمَّن بعدهمْ من الْأمة وَنحن نذْكر قَاعِدَة جَامِعَة فِي هَذَا الْبَاب لَهُم ولسائر الْأمة فَنَقُول لَا بُد أَن يكون مَعَ الْإِنْسَان أصُول كُلية يرد إِلَيْهَا الجزئيات ليَتَكَلَّم بِعلم وَعدل ثمَّ يعرف الجزئيات كَيفَ وَقعت وَإِلَّا فَيبقى فِي كذب وَجَهل بالجزئيات وَجَهل وظلم فِي الكليات فيتولد فَسَاد عَظِيم وَالنَّاس قد تكلمُوا فِي تصويب الْمُجْتَهدين وتخطئتهم وتأثيمهم وَعدم تأثيمهم فِي مسَائِل الْفُرُوع وَالْأُصُول وَنحن نذْكر أصولا جَامِعَة نافعة الأَصْل الأول أَنه هَل يُمكن كل أحد أَن يعرف بإجتهاده الْحق فِي كل مَسْأَلَة فِيهَا نزاع وَإِذا لم يُمكنهُ فاجتهد واستفرغ وَسعه فَلم يصل إِلَى الْحق بل قَالَ مَا اعْتقد أَنه هُوَ الْحق فِي نفس الْأَمر وَلم يكن هُوَ الْحق فِي نفس الْأَمر هَل يسْتَحق أَن يُعَاقب أم لَا هَذَا أصل هَذِه الْمسَائِل وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الأَصْل ثَلَاثَة أَقْوَال كل قَول عَلَيْهِ طَائِفَة من النظار الأول قَول من يَقُول إِن الله قد نصب على الْحق فِي كل مَسْأَلَة دَلِيلا يعرف بِهِ يُمكن كل من اجْتهد واستفرغ وَسعه أَن يعرف الْحق وكل من لم يعرف

الْحق فِي مَسْأَلَة أصولية أَو فروعية فَإِنَّمَا هُوَ لتَفْرِيطه فِيمَا يجب عَلَيْهِ لَا لعَجزه وَهَذَا القَوْل هُوَ الْمَشْهُور عَن الْقَدَرِيَّة والمعتزلة وَهُوَ قَول طَائِفَة من أهل الْكَلَام غير هَؤُلَاءِ وَالْقَوْل الثَّانِي فِي أصل الْمَسْأَلَة أَن الْمُجْتَهد الْمُسْتَدلّ قد يُمكنهُ أَن يعرف الْحق وَقد يعجز عَن ذَلِك لَكِن إِن عجز عَن ذَلِك فقد يُعَاقِبهُ الله وَقد لَا يُعَاقِبهُ وَهَذَا قَول الْجَهْمِية والأشعرية وَكثير من الْفُقَهَاء أَتبَاع الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَالْقَوْل الثَّالِث فِي هَذَا الأَصْل أَنه لَيْسَ كل من اجْتهد وَاسْتدلَّ يتَمَكَّن من معرفَة الْحق وَلَا يسْتَحق الْوَعيد إِلَّا من ترك مَأْمُورا أَو فعل مَحْظُورًا وَهَذَا قَول الْفُقَهَاء وَالْأَئِمَّة وَهُوَ القَوْل الْمَعْرُوف عَن سلف الْأمة وَقَول جُمْهُور الْمُسلمين وَهَذَا القَوْل يجمع الصَّوَاب من الْقَوْلَيْنِ الأَصْل الثَّانِي قَول من يَقُول إِن الله لَا يعذب فِي الْآخِرَة إِلَّا من عَصَاهُ بترك الْمَأْمُور أَو فعل الْمَحْظُور وَالْأَصْل الَّذِي عَلَيْهِ السّلف وَالْجُمْهُور أَن الله لَا يُكَلف نفسا إِلَّا وسعهَا فالوجوب مَشْرُوط بِالْقُدْرَةِ والعقوبة لَا تكون إِلَّا على ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور بعد قيام الْحجَّة وَقد ذكرنَا فِي غير هَذَا الْموضع حكم النَّاس فِي الْوَعْد والوعيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَأَن فَاعل السَّيِّئَات تسْقط عَنهُ عُقُوبَة جَهَنَّم بِنَحْوِ عشرَة أَسبَاب فَإِذا كَانَ هَذَا الحكم فِي الْمُجْتَهدين وَهَذَا الحكم فِي المذنبين حكما عَاما فِي جَمِيع الْأمة فَكيف فِي أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِذا كَانَ الْمُتَأَخّرُونَ من الْمُجْتَهدين والمذنبين ينْدَفع عَنْهُم الذَّم وَالْعِقَاب بِمَا ذكر من الْأَسْبَاب فَكيف بالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَنحن نبسط هَذَا وننبه بالأدنى على الْأَعْلَى فَنَقُول كَلَام الذام للخلفاء ولغيرهم من الصَّحَابَة من رَافِضِي وَغَيره هُوَ من بَاب الْكَلَام فِي الْأَعْرَاض وَفِيه حق لله تَعَالَى لما يتَعَلَّق بِهِ من الْولَايَة والعداوة وَالْحب والبغض وَفِيه حق للآدميين أَيْضا وَمَعْلُوم أَنا إِذا تكلمنا فِيمَن هُوَ دون الصَّحَابَة مثل الْمُلُوك الْمُخْتَلِفين على الْملك وَالْعُلَمَاء والمشايخ الْمُخْتَلِفين

فِي الْعلم وَالدّين وَجب أَن يكون الْكَلَام بِعلم وَعدل وَلَا بِجَهْل وظلم فَإِن الْعدْل وَاجِب لكل أحد على كل أحد فِي كل حَال وَالظُّلم محرم مُطلقًا لَا يُبَاح قطّ بِحَال قَالَ تَعَالَى (وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى) فَإِذا كَانَ البغض الَّذِي أَمر الله بِهِ قد نهى صَاحبه أَن يظلم من يبغضه فَكيف فِي بغض مُسلم بِتَأْوِيل وشبهة أَو بهوى نفس فَهُوَ أَحَق أَن لَا يظلم بل يعدل عَلَيْهِ وَأَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحَق من عدل عَلَيْهِم فِي القَوْل وَالْعَمَل وَالْعدْل مِمَّا اتّفق أهل الأَرْض على مدحه ومحبته وَالثنَاء على أَهله ومحبتهم وَالظُّلم مِمَّا اتّفق على ذمه وتقبيحه وذم أَهله وبغضهم وَالْمَقْصُود أَن الحكم بِالْعَدْلِ وَاجِب مُطلقًا فِي كل زمَان وَمَكَان على كل أحد وَلكُل أحد وَالْحكم بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ عدل خَاص وَهُوَ أكمل أَنْوَاع الْعدْل وأحسنها وَالْحكم بِهِ وَاجِب على النَّبِي وكل من اتبعهُ وَمن لم يلْتَزم حكم الله وَرَسُوله فَهُوَ كَافِر وَهَذَا وَاجِب على الْأمة فِي كل مَا تنازعت فِيهِ من الْأُمُور الإعتقادية والعملية قَالَ تَعَالَى (فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول) فالأمور الْمُشْتَركَة بَين الْأمة لَا يحكم فِيهَا إِلَّا الْكتاب وَالسّنة لَيْسَ لأحد أَن يلْزم النَّاس بقول عَالم وَلَا أَمِير وَلَا شيخ وَلَا ملك وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُضَاة ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاضيان فِي الْجنَّة فَمن علم الْحق وَقضى بِهِ فَهُوَ فِي الْجنَّة وَمن علم الْحق وَقضى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّار وَمن قضى للنَّاس على جهل فَهُوَ فِي النَّار وَإِذا حكم بِعلم وَعدل فَإِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وَجْهَيْن وَإِذا وَجب فِيمَا شجر بَين الْمُؤمنِينَ أَن لَا يتَكَلَّم إِلَّا بِعلم وَعدل وَيرد ذَلِك إِلَى الله وَالرَّسُول فَذَاك فِي أَمر الصَّحَابَة أظهر والرافضة سلكوا فِي الصَّحَابَة مَسْلَك التَّفَرُّق فوالوا بَعضهم وغلوا فِيهِ وعادوا بَعضهم وغلوا فِي معاداته وَهَذَا كُله من التَّفَرُّق والتشيع الَّذِي نهى الله عَنهُ وَرَسُوله فَقَالَ تَعَالَى (إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء) وَقَالَ تَعَالَى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد

مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ) قَالَ ابْن عَبَّاس تبيض وُجُوه أهل السّنة وَتسود وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن الله يرضى لكم ثَلَاثًا أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَن تعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا وَأَن تناصحوا من ولاه الله أُمُوركُم وَالله تَعَالَى قد حرم ظلم الْمُسلمين أحيائهم وأمواتهم وَحرم دِمَاءَهُمْ واموالهم وأعراضهم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا أَلا هَل بلغت أَلا ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فَرب مبلغ أوعى من سامع وَقد قَالَ تَعَالَى (وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا) فَمن آذَى مُؤمنا حَيا أَو مَيتا بِغَيْر ذَنْب يُوجب ذَلِك فقد دخل فِي هَذِه الْآيَة وَمن كَانَ مُجْتَهدا لَا إِثْم عَلَيْهِ فَإِذا آذاه مؤذ فقد آذاه بِغَيْر مَا اكْتسب وَمن كَانَ مذنبا وَقد تَابَ من ذَنبه أَو غفر لَهُ بِسَبَب آخر بِحَيْثُ لم يبْق عَلَيْهِ عُقُوبَة فآذاه مؤذ فقد آذاه بِغَيْر مَا اكْتسب وَقد قَالَ تَعَالَى (وَلَا يغتب بَعْضكُم بَعْضًا) وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الْغَيْبَة ذكرك أَخَاك بِمَا يكره قيل أَرَأَيْت إِن كَانَ فِي أخي مَا أَقُول قَالَ إِن كَانَ فِيهِ مَا تَقول فقد إغتبته وَإِن لم يكن فِيهِ فقد بَهته فَمن رمى أحدا بِمَا لَيْسَ فِيهِ فقد بَهته فَكيف إِذا كَانَ ذَلِك فِي الصَّحَابَة وَمن قَالَ عَن مُجْتَهد إِنَّه تعمد الظُّلم أَو تعمد مَعْصِيّة الله وَرَسُوله وَمُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة وَلم يكن كَذَلِك فقد بَهته وَإِذا كَانَ فِيهِ ذَلِك فقد إغتابه لَكِن يُبَاح من ذَلِك مَا أَبَاحَهُ الله وَرَسُوله وَهُوَ مَا يكون على وَجه الْقصاص وَالْعدْل وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لمصْلحَة الدّين ونصيحة الْمُسلمين فَالْأول قَول المشتكي الْمَظْلُوم فلَان ضَرَبَنِي

وَأخذ مَالِي وَمَنَعَنِي وَنَحْو ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى (لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم) وَقد نزلت فِيمَن ضاف قوما فَلم يقروه لِأَن قرى الضَّيْف وَاجِب كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فَلَمَّا منعُوهُ حَقه كَانَ لَهُ ذكر ذَلِك وَأما الْحَاجة مثل إستفتاء هِنْد بنت عتبَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح لَا يعطيني وَبنى مَا يَكْفِينِي بِالْمَعْرُوفِ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة فَلم يُنكر عَلَيْهَا قَوْلهَا وَهُوَ من جنس قَول الْمَظْلُوم وَأما النَّصِيحَة فَمثل قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لفاطمة بنت قيس لما استشارته فِيمَن خطبهَا فَقَالَت خطبني أَبُو جهم وَمُعَاوِيَة فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما مُعَاوِيَة فصعلوك لَا مَال لَهُ وَأما أَبُو جهم فَلَا يضع عَصَاهُ عَن عَاتِقه وَفِي لفظ يضْرب النِّسَاء إنكحي أُسَامَة فَلَمَّا إستشارته فِيمَن تتَزَوَّج ذكر مَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ من إستشار رجلا فِيمَن يعامله والنصيحة مَأْمُور بهَا وَلَو لم يشاوره فقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح الدّين النَّصِيحَة الدّين النَّصِيحَة ثَلَاثًا قَالُوا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم وَكَذَلِكَ بَيَان أهل الْعلم لمن غلط فِي رِوَايَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو تعمد الْكَذِب عَلَيْهِ أَو على من ينْقل عَنهُ الْعلم وَكَذَلِكَ بَيَان من غلط فِي رَأْي رَآهُ فِي أَمر الدّين من الْمسَائِل العلمية والعملية فَهَذَا إِذا تكلم فِيهِ الْإِنْسَان بِعلم وَعدل وَقصد النَّصِيحَة فَالله تَعَالَى يثيبه على ذَلِك لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمُتَكَلّم فِيهِ دَاعيا إِلَى بِدعَة فَهَذَا يجب بَيَان أمره للنَّاس فَإِن دفع شَره عَنْهُم أعظم من دفع شَرّ قَاطع الطَّرِيق وَحكم الْمُتَكَلّم بإجتهاده فِي الْعلم وَالدّين حكم أَمْثَاله من الْمُجْتَهدين ثمَّ قد يكون مُجْتَهدا مخطئا أَو مصيبا وَقد يكون كل من الرجلَيْن الْمُخْتَلِفين بِاللِّسَانِ أَو الْيَد مُجْتَهدا يعْتَقد الصَّوَاب مَعَه وَقد يكونَانِ جَمِيعًا مخطئين مغفورا لَهما كَمَا ذكرنَا نَظِير ذَلِك مِمَّا كَانَ يجْرِي بَين الصَّحَابَة وَلِهَذَا ينْهَى عَمَّا شجر بَين هَؤُلَاءِ سَوَاء كَانُوا من الصَّحَابَة أَو من

بعدهمْ فَإِذا تشاجر مسلمان فِي قَضِيَّة وَمَضَت وَلَا تعلق للنَّاس بهَا وَلَا يعْرفُونَ حَقِيقَتهَا كَانَ كَلَامهم فِيهَا كلَاما بِلَا علم وَلَا عدل يتَضَمَّن أذاهم بِغَيْر حق وَلَو عرفُوا أَنَّهُمَا مذنبان أَو مخطئان لَكَانَ ذكر ذَلِك من غير مصلحَة راجحة من بَاب الْغَيْبَة المذمومة لَكِن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أعظم حُرْمَة وَأجل قدرا وأنزه أعراضا وَقد ثَبت من فضائلهم خُصُوصا وعموما مَا لم يثبت لغَيرهم فَلهَذَا كَانَ الْكَلَام الَّذِي فِيهِ ذمهم على مَا شجر بَينهم أعظم إِثْمًا من الْكَلَام فِي غَيرهم فَإِن قيل فَأنْتم فِي هَذَا الْمقَام تسبون الرافضة وتذمونهم وتذكرون عيوبهم قيل ذكر الْأَنْوَاع المذمومة غير ذكر الْأَشْخَاص الْمعينَة فَإِنَّهُ قد ثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن أَنْوَاع كَثِيرَة وَقَالَ الله تَعَالَى (أَن لعنة الله على الظَّالِمين الَّذين يصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا) فالقرآن وَالسّنة مملوءان من ذمّ الْأَنْوَاع المذمومة وذم أَهلهَا ولعنهم تحذيرا من ذَلِك الْفِعْل وإخبارا بِمَا يلْحق أَهله من الْوَعيد ثمَّ الْمعاصِي الَّتِي يعرف صَاحبهَا أَنه عَاص يَتُوب مِنْهَا والمبتدع الَّذِي يظنّ أَنه على حق كالخوارج والنواصب الَّذين نصبوا الْعَدَاوَة وَالْحَرب لجَماعَة الْمُسلمين ابتدعوا بِدعَة وَكَفرُوا من لم يوافقهم عَلَيْهَا فَصَارَ بذلك ضررهم على الْمُسلمين أعظم من ضَرَر الظلمَة الَّذين يعلمُونَ أَن الظُّلم محرم والرافضة أَشد بِدعَة من الْخَوَارِج وهم يكفرون من لم تكن الْخَوَارِج تكفره كَأبي بكر وَعمر ويكذبون على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة كذبا مَا كذب أحد مثله والخوارج لَا يكذبُون لَكِن الْخَوَارِج كَانُوا أصدق وَأَشْجَع وأوفى بالعهد مِنْهُم فَكَانُوا أَكثر قتالا مِنْهُم وَهَؤُلَاء أكذب وأجبن وأعذر وأذل وهم يستعينون بالكفار على الْمُسلمين كَمَا جرى لجنكز خَان ملك التّرْك الْكفَّار فَإِن الرافضة أعانته على الْمُسلمين وَأما إعانتهم لهولاكو ابْن ابْنه لما جَاءَ إِلَى خُرَاسَان وَالْعراق وَالشَّام فَهَذَا أظهر وَأشهر من أَن يخفى على أحد فَكَانُوا بالعراق وخراسان من أعظم أنصار

بَاطِنا وظاهرا وَكَانَ وَزِير الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن العلقمي مِنْهُم فَلم يزل

يمكر بالخليفة وَالْمُسْلِمين وَيسْعَى فِي قطع أرزاق عَسْكَر الْمُسلمين وضعفتهم وَينْهى الْعَامَّة عَن قِتَالهمْ ويكيد أنواعا من الكيد حَتَّى دخلُوا فَقتلُوا من الْمُسلمين مَا يُقَال إِنَّه بضعَة عشر ألف ألف إِنْسَان أَو أَكثر أَو أقل وَلم ير فِي الْإِسْلَام مثل ملحمة التّرْك الْكفَّار

المسمين بالتتر وَقتلُوا الهاشميين وَسبوا نِسَاءَهُمْ من العباسيين وَغير العباسيين فَهَل يكون مواليا لآل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من يُسَلط الْكفَّار على قَتلهمْ وَسَبْيهمْ وعَلى سَائِر الْمُسلمين وهم يكذبُون على الْحجَّاج وَغَيره أَنه قتل الْأَشْرَاف وَلم يقتل الْحجَّاج هاشميا قطّ مَعَ ظلمه وغشمه فَإِن عبد الْملك نَهَاهُ عَن ذَلِك وَإِنَّمَا قتل نَاسا من أَشْرَاف الْعَرَب غير بني هَاشم وَقد تزوج هاشمية وَهِي بنت عبد الله بن جَعْفَر فَمَا مكنه بَنو أُميَّة من ذَلِك وَفرقُوا بَينه وَبَينهَا وَقَالُوا لَيْسَ الْحجَّاج كفئا لشريفة هاشمية والرافضة فيهم من هُوَ متعبد متورع زاهد لَكِن لَيْسُوا فِي ذَلِك مثل غَيرهم من أهل الْأَهْوَاء فالمعتزلة أَعقل مِنْهُم وَأعلم وأدين وَالْكذب والفجور فيهم أقل مِنْهُ فِي الرافضة والزيدية من الشِّيعَة خير مِنْهُم وَأقرب إِلَى الصدْق وَالْعدْل وَالْعلم وَلَيْسَ فِي أهل الْأَهْوَاء أصدق وَلَا أعبد من الْخَوَارِج وَمَعَ هَذَا فَأهل السّنة يستعملون مَعَهم الْعدْل والإنصاف وَلَا يظلمونهم فَإِن الظُّلم حرَام مُطلقًا كَمَا تقدم بل أهل السّنة لكل طَائِفَة من هَؤُلَاءِ خير من بَعضهم لبَعض بل هم للرافضة خير وَأَعْدل من بعض الرافضة لبَعض وَهَذَا مِمَّا يعترفون هم بِهِ وَيَقُولُونَ أَنْتُم تنصفوننا مَا لَا ينصف بَعْضنَا بَعْضًا وَهَذَا لِأَن الأَصْل الَّذِي اشْتَركُوا فِيهِ أصل فَاسد مَبْنِيّ على جهل وظلم وهم مشتركون فِي ظلم سَائِر الْمُسلمين فصاروا بِمَنْزِلَة قطاع الطَّرِيق المشتركين فِي ظلم النَّاس وَلَا ريب أَن الْمُسلم الْعَالم الْعَادِل أعدل عَلَيْهِم وعَلى بَعضهم من بعض والخوارج تكفر أهل الْجَمَاعَة وَكَذَلِكَ أَكثر الْمُعْتَزلَة يكفرون من خالفهم وَكَذَلِكَ أَكثر الرافضة وَمن لم يكفر فسق وَكَذَلِكَ أَكثر أهل الْأَهْوَاء يبتدعون رَأيا ويكفرون من خالفهم فِيهِ وَأهل السّنة يتبعُون الْحق من رَبهم الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَلَا يكفرون من خالفهم فِيهِ بل هم أعلم بِالْحَقِّ وأرحم بالخلق كَمَا وصف الله بِهِ الْمُسلمين بقوله (كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس) قَالَ أَبُو هُرَيْرَة كُنْتُم خير النَّاس للنَّاس وَأهل السّنة نقاوة الْمُسلمين

فهم خير النَّاس للنَّاس وَقد علم أَنه كَانَ بساحل الشَّام جبل كَبِير فِيهِ أُلُوف من الرافضة يسفكون دِمَاء النَّاس وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالهم وَلما انْكَسَرَ الْمُسلمُونَ سنة غازان أخذُوا الْخَيل وَالسِّلَاح

وَالْأسَارَى وباعوهم للْكفَّار وَالنَّصَارَى بقبرص وَأخذُوا من مر بهم من الْجند وَكَانُوا أضرّ

على الْمُسلمين من جَمِيع الْأَعْدَاء وَحمل بعض أمرائهم راية النَّصَارَى وَقَالُوا لَهُ أَيّمَا خير

الْمُسلمُونَ أَو النَّصَارَى فَقَالَ بل النَّصَارَى فَقَالُوا لَهُ مَعَ من تحْشر يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ مَعَ النَّصَارَى وسلموا إِلَيْهِم بعض بِلَاد الْمُسلمين وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا إستشار بعض وُلَاة الْأَمر فِي غزوهم وكتبت جَوَابا مَبْسُوطا فِي غزوهم وذهبنا إِلَى ناحيتهم وَحضر عِنْدِي جمَاعَة مِنْهُم وَجَرت بيني وَبينهمْ مناظرات ومفاوضات يطول وصفهَا فَلَمَّا فتح الْمُسلمُونَ بلدهم وَتمكن الْمُسلمُونَ مِنْهُم نهيتهم عَن قَتلهمْ وَعَن سَبْيهمْ وأنزلناهم فِي بِلَاد الْمُسلمين مُتَفَرّقين لِئَلَّا يجتمعوا فَمَا أذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب فِي ذمّ الرافضة وَبَيَان كذبهمْ وجهلهم قَلِيل من كثير مِمَّا أعرفهُ مِنْهُم وَلَهُم شَرّ كثير لَا أعرف تَفْصِيله ومصنف هَذَا الْكتاب وَأَمْثَاله من الرافضة إِنَّمَا نقابلهم بِبَعْض مَا فَعَلُوهُ بِأمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سلفها وَخَلفهَا فَإِنَّهُم عَمدُوا إِلَى خِيَار أهل الأَرْض من الْأَوَّلين والآخرين بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَإِلَى خير أمة أخرجت للنَّاس فافتروا عَلَيْهِم العظائم وَجعلُوا حسناتهم سيئات وَجَاءُوا إِلَى شَرّ من انتسب إِلَى الْإِسْلَام من أهل الْأَهْوَاء وهم الرافضة بأصنافها غاليها وإماميها وزيديها وَالله يعلم وَكفى بِاللَّه عليما لَيْسَ فِي جَمِيع الطوائف المنتسبة إِلَى الْإِسْلَام مَعَ بِدعَة وضلالة شَرّ مِنْهُم لَا أَجْهَل وَلَا أكذب وَلَا أظلم وَلَا أقرب إِلَى الْكفْر والفسوق والعصيان وَأبْعد عَن حقائق الْإِيمَان مِنْهُم فزعموا أَن هَؤُلَاءِ هم صفوة

الله من عباده فَإِن مَا سوى أمة مُحَمَّد كفار وَهَؤُلَاء كفرُوا الْأمة كلهَا أَو ضللوها سوى طائفتهم الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا الطَّائِفَة المحقة وَأَنَّهَا لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة فجعلوهم صفوة بني آدم فَكَانَ مثلهم كمن جَاءَ إِلَى غنم كَثِيرَة فَقيل لَهُ أعطنا خير هَذِه الْغنم لنضحي بهَا فَعمد إِلَى شَرّ تِلْكَ الْغنم إِلَى شَاة عوراء عجفاء عرجاء مَهْزُولَة لَا نقى لَهَا فَقل هَذِه خِيَار هَذِه الْغنم لَا تجوز الْأُضْحِية إِلَّا بهَا وَسَائِر هَذِه الْغنم لَيست غنما وَإِنَّمَا هِيَ خنازير يجب قَتلهَا وَلَا تجوز الْأُضْحِية بهَا وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من حمى مُؤمنا من مُنَافِق حمى الله لَحْمه من نَار جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة وَهَؤُلَاء الرافضة إِمَّا مُنَافِق وَإِمَّا جَاهِل فَلَا يكون رَافِضِي وَلَا جهمي إِلَّا منافقا أَو جَاهِلا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يكون فيهم أحد عَالما بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ الْإِيمَان بِهِ فَإِن مخالفتهم لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول وكذبهم عَلَيْهِ لَا يخفى قطّ إِلَّا على مفرط فِي الْجَهْل والهوى وشيوخهم المصنفون فيهم طوائف يعلمُونَ أَن كثيرا مِمَّا يَقُولُونَهُ كذب وَلَكِن يصنفون لَهُم رياستهم عَلَيْهِم وَهَذَا المُصَنّف يتهمه النَّاس بِهَذَا وَلَكِن صنف لأجل أَتْبَاعه فَإِن كَانَ أحدهم يعلم أَن مَا يَقُوله بَاطِل ويظهره وَيَقُول إِنَّه حق من عِنْد الله فَهُوَ من جنس عُلَمَاء الْيَهُود الَّذين (يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ) وَإِن كَانَ يعْتَقد أَنه حق دلّ ذَلِك على نِهَايَة جَهله وضلاله وَلما قَالَ السّلف إِن الله أَمر بالإستغفار لأَصْحَاب مُحَمَّد فسبهم الرافضة كَانَ هَذَا كلَاما حَقًا وَكَذَلِكَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح لَا تسبوا أَصْحَابِي يَقْتَضِي تَحْرِيم سبهم مَعَ أَن الْأَمر بالإستغفار للْمُؤْمِنين وَالنَّهْي عَن سبهم عَام فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن

مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَقد قَالَ تَعَالَى (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم عَسى أَن يَكُونُوا خيرا مِنْهُم وَلَا نسَاء من نسَاء عَسى أَن يكن خيرا مِنْهُنَّ وَلَا تلمزوا أَنفسكُم وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ بئس الِاسْم الفسوق بعد الْإِيمَان وَمن لم يتب فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ) فقد نهى عَن السخرية واللمز والتنابز بِالْأَلْقَابِ واللمز الْعَيْب والطعن وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات) أَي يعيبك ويطعن عَلَيْك وَقَالَ تَعَالَى (ويل لكل همزَة لُمزَة) وَإِذا قَالَ الْمُسلم (رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان) يقْصد كل من سبقه من قُرُون الْأمة بِالْإِيمَان وَإِن كَانَ قد أَخطَأ فِي تَأْوِيل تَأَوَّلَه فَخَالف السّنة أَو أذْنب ذَنبا فَإِنَّهُ من إخوانه الَّذين سَبَقُوهُ بِالْإِيمَان فَيدْخل فِي الْعُمُوم وَإِن كَانَ من الثِّنْتَيْنِ وَالسبْعين فرقة فَإِنَّهُ مَا من فرقة إِلَّا وفيهَا خلق كثير لَيْسُوا كفَّارًا بل مُؤمنين فيهم ضلال وذنب يسْتَحقُّونَ بِهِ الْوَعيد كَمَا يسْتَحقّهُ عصاة الْمُؤمنِينَ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يخرجهم من الْإِسْلَام بل جعلهم من أمته وَلم يقل أَنهم يخلدُونَ فِي النَّار فَهَذَا أصل عَظِيم يَنْبَغِي مراعاته فَإِن كثيرا من المنتسبين إِلَى السّنة فيهم بِدعَة من جنس بدع الرافضة والخوارج وَأَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره لم يكفروا الْخَوَارِج الَّذين قاتلوهم بل أول مَا خَرجُوا عَلَيْهِ وتحيزوا بحروراء وَخَرجُوا

عَن الطَّاعَة وَالْجَمَاعَة قَالَ لَهُم عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ إِن لكم علينا أَن لَا نمنعكم من مَسَاجِدنَا وَلَا حقكم من الْفَيْء ثمَّ أرسل إِلَيْهِم ابْن عَبَّاس فناظرهم فَرجع نَحْو نصفهم ثمَّ قَاتل الْبَاقِي وغلبهم وَمَعَ هَذَا لم يسب لَهُم ذُرِّيَّة وَلَا غنم لَهُم مَالا وَلَا سَار فيهم سيرة الصَّحَابَة فِي الْمُرْتَدين كمسيلمة وَأَمْثَاله وَعَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب قَالَ كنت عِنْد عَليّ حِين فرغ من قتال أهل النهروان فَقيل لَهُ أمشركون هم قَالَ من الشّرك فروا فَقيل أمنافقون قَالَ المُنَافِقُونَ لَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا قيل فَمَا هم قَالَ قوم بغوا علينا فقاتلناهم فقد صرح عَليّ رَضِي الله عَنهُ بِأَنَّهُم مُؤمنُونَ لَيْسُوا كفَّارًا وَلَا منافقين وَهَذَا بِخِلَاف مَا كَانَ يَقُوله بعض النَّاس كَأبي إِسْحَاق الإسفرايني وَمن اتبعهُ يَقُولُونَ لَا نكفر إِلَّا من يكفرنا فَإِن الْكفْر لَيْسَ حَقًا لَهُم بل هُوَ حق لله وَلَيْسَ للْإنْسَان أَن يكذب على من يكذب عَلَيْهِ وَلَا أَن يفعل الْفَاحِشَة بِأَهْل من فعل الْفَاحِشَة بأَهْله لِأَن هَذَا حرَام لحق الله وَلَو سبّ النَّصَارَى نَبينَا لم يكن لنا أَن نسب الْمَسِيح والرافضة إِذا كفرُوا أَبَا بكر وَعمر فَلَيْسَ لنا أَن نكفر عليا روى سُفْيَان عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه الباقر قَالَ سمع على يَوْم الْجمل أَو يَوْم صفّين رجلا يغلو فِي القَوْل فَقَالَ لَا تَقولُوا إِلَّا خيرا إِنَّمَا هم قوم زَعَمُوا أَنا بغينا عَلَيْهِم وزعمنا أَنهم بغوا علينا فقاتلناهم وَعَن مَكْحُول أَن أَصْحَاب عَليّ سَأَلُوهُ عَمَّن قتل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة مَا هم قَالَ هم الْمُؤْمِنُونَ وَعَن عبد الْوَاحِد بن أبي عون قَالَ مر عَليّ وَهُوَ متكيء على الأشتر على قَتْلَى صفّين فَإِذا حَابِس الْيَمَانِيّ مقتول فَقَالَ الأشتر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون هَذَا حَابِس الْيَمَانِيّ مَعَهم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ عَلامَة مُعَاوِيَة أما وَالله لقد عهدته

مُؤمنا قَالَ عَليّ والآن هُوَ مُؤمن قَالَ رووا عَن أبي بكر أَنه قَالَ على الْمِنْبَر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعتصم بِالْوَحْي وَإِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فَإِن اسْتَقَمْت فإعينوني وَإِن زِغْت فقوموني فَكيف تجوز إِمَامَة من يَسْتَعِين بالرعية على تقويمه قُلْنَا هَذَا من أكبر فضائله وأدلها على أَنه لم يكن طَالب رياسة وَلَا كَانَ ظَالِما فَقَالَ إِن اسْتَقَمْت على الطَّاعَة فَأَعِينُونِي عَلَيْهَا وَإِن زِغْت عَنْهَا فقوموني كَمَا قَالَ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فالشيطان الَّذِي يَعْتَرِيه يعتري غَيره فَإِنَّهُ مَا من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ وقرينه من الْمَلَائِكَة والشيطان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم فمقصوده بذلك أَنِّي لست مَعْصُوما وَصدق رَضِي الله عَنهُ وَالْإِمَام لَيْسَ رَبًّا لرعيته حَتَّى يسْتَغْنى عَنْهُم بل يتعاونون على الْبر وَالتَّقوى كإمام الصَّلَاة إِن استقام تبعوه وَإِن سَهَا سبحوا بِهِ وقوموه ثمَّ يُقَال إستعانة عَليّ برعيته وَحَاجته إِلَيْهِم كَانَت أَكثر من إستعانة أبي بكر وَكَانَ تَقْوِيم أبي بكر لرعيته وطاعتهم لَهُ

أعظم من تَقْوِيم عَليّ لرعيته وطاعتهم لَهُ فَإِن أَبَا بكر كَانَ إِذا نازعوه أَقَامَ عَلَيْهِم الْحجَّة حَتَّى يرجِعوا إِلَيْهِ كَمَا أَقَامَ الْحجَّة على عمر فِي قتال مانعي الزَّكَاة وَغير ذَلِك وَكَانُوا إِذا أَمرهم أطاعوه وَعلي رَضِي الله عَنهُ لما ذكر قَوْله فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأَنه اتّفق رَأْيه ورأي عمر على أَن لَا يبعن ثمَّ رأى أَن يبعن قَالَ لَهُ قاضيه عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ عمر فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحده فِي الْفرْقَة وَكَانَ عَليّ يَقُول اقضوا كَمَا كُنْتُم تقضون فَإِنِّي أكره الْخلاف جتى يكون النَّاس جمَاعَة أَو أَمُوت كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي وَكَانَت رَعيته كَثِيرَة الْمُخَالفَة لَهُ ويشيرون عَلَيْهِ فيخالفهم ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ أَن الصَّوَاب قَوْلهم وَكَانَ الْحسن أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن لَا يخرج من الْمَدِينَة وَأَن لَا يعْزل مُعَاوِيَة وَلَا يشك عَاقل أَن السياسة انتظمت لأبي بكر وَعمر مَا لم تنتظم لعَلي رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ قَالَ وَقَالَ أقيلوني فلست بِخَيْرِكُمْ وَعلي فِيكُم فَإِن كَانَت إِمَامَته حَقًا فإستقالته مَعْصِيّة وَإِن كَانَت بَاطِلَة لزم الطعْن قُلْنَا هَذَا كذب وَلَا لَهُ إِسْنَاد بل ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ يَوْم السَّقِيفَة بَايعُوا أحد هذَيْن الرجلَيْن أَبَا عُبَيْدَة أَو عمر بن الْخطاب فَقَالَ لَهُ عمر بل أَنْت سيدنَا وخيرنا وأحبنا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يُقَال فَهَلا اسْتخْلف عليا عِنْد الْمَوْت وَللْإِمَام أَن يقتال لطلب الرَّاحَة من أعباء الإمرة وتواضع الْمَرْء لَا يسْقط رتبته

قَالَ وَقَالَ عمر كَانَت بيعَة أبي بكر فلته وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ قُلْنَا هَذَا القَوْل الْأَخير إفتراء وَكذب وَإِنَّمَا قَالَ وَلَيْسَ فِيكُم من تقطع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر وَمَعْنَاهُ أَن بيعَة الصّديق بودر إِلَيْهَا من غير إنتظار وتريث لكَونه كَانَ مُتَعَيّنا قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر لَيْتَني كنت سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل للْأَنْصَار فِي هَذَا الْأَمر حق قُلْنَا هَذَا كذب ثمَّ نقُول هَذَا يقْدَح فِيمَا تَدعُونَهُ من النَّص على عَليّ إِذْ لَو كَانَ نَص صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على عَليّ لبطل حق الْأَنْصَار وَغَيرهم قَالَ وَقَالَ عِنْد إحتضاره لَيْت أُمِّي لم تلدني يَا لَيْتَني كنت تبنة فِي لبنة مَعَ أَنهم رووا أَنه مَا من محتضر إِلَّا وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة وَالنَّار قُلْنَا وَهَذَا عَنهُ بَاطِل بل قَالَ لما إحتضر وتمثلت عَائِشَة بقول الشَّاعِر (لعمرك مَا يُغني الثراء عَن الْفَتى... إِذا حشرجت يَوْمًا وضاق بهَا الصَّدْر) فكشف عَن وَجهه فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِك وَلَكِن قولي (وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ ذَلِك مَا كنت مِنْهُ تحيد) وَأما قَول لَيْت أُمِّي لم تلدني فَنقل عَنهُ أَنه قَالَه فِي صِحَّته وَمثل هَذَا نقل عَن جمَاعَة من السّلف قَالُوهُ خوفًا وهيبة وفرقا من الله وروى الإِمَام أَحْمد عَن أبي ذَر أَنه قَالَ وَالله لَوَدِدْت أَنِّي شَجَرَة تعضد وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود لَو وقفت بَين الْجنَّة وَالنَّار فَقيل لي أختر فِي أَيهمَا تكون أَو تكون رَمَادا لأخترت أَن أكون رَمَادا

قلت وَقد جَاءَ عَن عَليّ إِلَى الله أَشْكُو عجرى وبجري قَالَ وَقَالَ لَيْتَني يَوْم بني سَاعِدَة ضربت بيَدي على يَد أحد الرجلَيْن فَكَانَ الْأَمِير وَكنت الْوَزير قُلْنَا قَائِل هَذَا يَقُوله هضما لنَفسِهِ وتواضعا وخوفا من الله فَلَو كَانَ عِنْده نَص من الرَّسُول بعلي لَكَانَ فِي حَال خَوفه وإنابته ينقس بعلي وَلما ذكر الرجلَيْن إِذْ توليتهما مَعَ علمه بِالنَّصِّ على عَليّ كَمَا تَزْعُمُونَ إِضَاعَة للْإِمَامَة مِنْهُ وَكَانَ يكون وزيرا لظَالِم غَيره وَيبِيع آخرته بدنيا غَيره وَلَا يفعل هَذَا من يخَاف الله وينيب إِلَيْهِ قَالَ وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مرض مَوته مَرَّات أنفذوا جَيش أُسَامَة لعن الله المتخلف عَن جَيش أُسَامَة وَكَانَت الثَّلَاثَة مَعَه وَمنع أَبُو بكر عمر من ذَلِك قيل هَذَا كذب عِنْد كل عَارِف بالسيرة فَكيف يُرْسل أَبَا بكر فِي جَيش أُسَامَة وَقد إستخلفه على الصَّلَاة فصلى بهم إثني عشر يَوْمًا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر وَقد كشف الستارة يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَقت الصُّبْح وهم يصلونَ خلف أبي بكر وَوَجهه كَأَنَّهُ ورقة مصحف وسر بذلك لما رَآهُمْ بِالصَّلَاةِ فَكيف يتَصَوَّر أَن يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ وَهُوَ يَأْمُرهُ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَإِنَّمَا أنفذ جَيش أُسَامَة بعد موت الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو بكر غير أَنه استأذنه فِي أَن يَأْذَن لعمر بن الْخطاب فِي الْإِقَامَة لِأَنَّهُ ذُو رَأْي نَاصح لِلْإِسْلَامِ فَأذن لَهُ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعضهم بترك الْغُزَاة فَإِنَّهُم خَافُوا أَن يطْمع النَّاس فِي الْجَيْش بِمَوْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَامْتنعَ أَبُو بكر وَقَالَ لَا أحل لِوَاء عقده النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

جارٍ التحميل