أَو رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل بل إِثْبَات بِلَا تَمْثِيل وتنزيه بِلَا تَعْطِيل قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ يرد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ يرد على المعطلة وينزهون الله عَن صِفَات النَّقْص مُطلقًا كالنوم وَالسّنة وَالنِّسْيَان وَالْعجز وَالْجهل وَنَحْو ذَلِك ويصفونه بِصِفَات الْكَمَال الْوَارِدَة فِي الْكتاب وَالسّنة وَلَكِن نفاة الصِّفَات يسمون كل من أثبت صفة مشبها حَتَّى إِن الباطنية يَقُولُونَ من سمى الله بأسمائه الْحسنى فَهُوَ مشبه وَيَقُولُونَ من قَالَ حَيّ عليم فقد شبهه بالأحياء الْعَالمين وَمن وَصفه بِأَنَّهُ سميع بَصِير فقد شبهه بالآدمي وَإِذا قَالَ هُوَ رؤوف رَحِيم فقد شبهه بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى قَالُوا لَا نقُول هُوَ مَوْجُود حَتَّى لَا نُشبههُ بِسَائِر الموجودات لاشتراكها فِي مُسَمّى الْوُجُود وَقَالُوا لَا نقُول مَعْدُوم وَلَا حَيّ وَلَا ميت فَقيل لَهُم فقد شبهوه بالممتنع بل جَعَلُوهُ فِي نَفسه مُمْتَنعا فَإِنَّهُ كَمَا يمْتَنع إجتماع النقيضين يمْتَنع إرتفاعهما فَرجع الْوَاجِب الْوُجُود إِلَى أَنه مُمْتَنع الْوُجُود وَيُقَال للَّذين يَقُولُونَ لَا نقُول هَذَا وَلَا هَذَا عدم قَوْلكُم لَا يبطل الْحَقَائِق فِي أَنْفسهَا بل هَذَا نوع من السفسطة وَمن قَالَ لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم فقد جزم بعد الْجَزْم فالسفسطة أَنْوَاع ثَلَاثَة نفي الْحَقَائِق أَو الْوَقْف فِيهَا أَو جعلهَا تَابِعَة لظنون النَّاس وَقد قيل بِنَوْع رَابِع وَهُوَ القَوْل بِأَن الْعَالم فِي سيلان فَلَا يثبت وأصل ضلال هَؤُلَاءِ أَن لفظ التَّشْبِيه فِيهِ إِجْمَال فَمَا من شَيْئَيْنِ إِلَّا وَبَينهمَا قدر مُشْتَرك يتَّفق فِيهِ الشيئان فِي الذِّهْن وَلَا يجب تماثلهما فِيهِ بل الْغَالِب تفاضل الْأَشْيَاء فِي ذَلِك الْقدر الْمُشْتَرك فَإِذا قيل فِي الْمَخْلُوقَات حَيّ وَحي وَعَلِيم وَعَلِيم لم يلْزم تماثلهما فِي
الْحَيَاة وَالْعلم وَلَا أَن يكون نفس حَيَاة هَذَا وَعلمه حَيَاة الآخر وَعلمه وَلَا يَكُونَا مشتركين فِي مَوْجُود فِي الْخَارِج عَن الذِّهْن وَكَانَ جهم لَا يُسَمِّي الله بإسم يتسمى بِهِ الْخلق إِلَّا بالقادر والخالق لِأَنَّهُ كَانَ جبريا يرى أَن العَبْد لَا قدرَة لَهُ وَرُبمَا قَالُوا لَيْسَ بِشَيْء كالأشياء فقصدوا أَن حَقِيقَة التَّشْبِيه منتفية عَنهُ وَتَحْقِيق هَذَا الْموضع بالْكلَام فِي معنى التَّشْبِيه والتمثيل والتمثيل قد نطق الْكتاب بنفيه فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ ﴿فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا﴾ ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾ وَأما الْجِسْم والجوهر والتحيز والجهة فَلَا نطق بهَا كتاب وَلَا سنة نفيا وَلَا إِثْبَاتًا وَلَا الصَّحَابَة والتابعون فَأول من تكلم بذلك نفيا وإثباتا الْجَهْمِية والمعتزلة ومجسمة الرافضة والمبتدعة فالنفاة نفوا هَذِه الْأَسْمَاء وأدخلوا فِي النَّفْي مَا أثْبته الله وَرَسُوله من صِفَاته كعلمه وَقدرته ومشيئته ومحبته وَرضَاهُ وغضبه وعلوه وَقَالُوا إِنَّه لَا يرى وَلَا يتَكَلَّم بِالْقُرْآنِ وَلَا غَيره والمثبتة أدخلُوا فِي ذَاك مَا نَفَاهُ الله وَرَسُوله حَتَّى أثبتوا رُؤْيَته فِي الدُّنْيَا بالأبصار وَأَنه يُصَافح ويعانق وَينزل عَشِيَّة عَرَفَة على جمل وَقَالَ بَعضهم إِنَّه ينْدَم ويبكي ويحزن وَذَلِكَ وصف للرب بِصِفَات يخْتَص بهَا الآدميون فَكل مَا اخْتصَّ بِهِ الْمَخْلُوق فَهُوَ صفة نقص تَعَالَى الله عَن النَّقْص أحد صَمد فالأحد يتَضَمَّن نفي الْمثل والصمد يتَضَمَّن جَمِيع صِفَات الْكَمَال فالجسم فِي اللُّغَة الْجَسَد كَمَا ذكره الْأَصْمَعِي وَأَبُو زيد وَغَيرهمَا وَهُوَ الْبدن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم﴾ وَقَالَ ﴿وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم﴾ وَقَالَ ﴿عجلا جسدا لَهُ خوار﴾ وَقد يُرَاد بِهِ الكثافة تَقول هَذَا أجسم من هَذَا ثمَّ صَار الْجِسْم فِي إصطلاح أهل الْكَلَام أَعم من ذَلِك فسموا الْهَوَاء جسما وَإِن كَانَت الْعَرَب لَا تسمي
ذَلِك جسما ثمَّ بَينهم نزاع فِيمَا يُسمى جسما وَهُوَ مركب من جَوَاهِر مُنْفَرِدَة متناهية كَمَا يَقُوله أَكثر الْقَائِلين بالجوهر الْفَرد وَإِمَّا متناهية كَمَا يَقُوله النظام وَالْتزم الطفرة الْمَعْرُوفَة بِهِ أَو هُوَ مركب من مَادَّة وَصُورَة كَقَوْل بعض المتفلسفة أَو لَيْسَ مركبا لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا كَمَا يَقُوله الهشامية والكلابية والنجارية والضرارية وَكثير من الكرامية وَكثير من الْكتب لَيْسَ فِيهَا هَذَا القَوْل الثَّالِث وَالصَّوَاب أَنه لَيْسَ مركبا من هَذَا وَلَا من هَذَا وَيَنْبَنِي على هَذَا أَن مَا يحدثه الله من الْحَيَوَان والنبات والمعادن فَهِيَ أَعْيَان مخلوقة على قَول نفاة الْجَوْهَر الْفَرد فَأَما على قَول من يُثبتهُ فَإِنَّمَا يحدث أعراضا وصفات وَإِلَّا فالجواهر بَاقِيَة وَلَكِن اخْتلف تركيبها وَيَقُولُونَ لَا تستحيل حَقِيقَة إِلَى حَقِيقَة أُخْرَى وَلَا تنْقَلب الْأَجْنَاس بل الْجَوَاهِر يُغير الله تركيبها وَهِي بَاقِيَة وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ بإستحالة بعض الْأَجْسَام إِلَى بعض وإنقلاب جنس إِلَى جنس كَمَا تنْقَلب النُّطْفَة إِلَى علقَة والعلقة إِلَى مُضْغَة ثمَّ إِلَى عِظَام وَهَذَا قَول الْفُقَهَاء والأطباء فالنظار كلهم متفقون فِيمَا أعلم على أَن الْجِسْم يشار إِلَيْهِ وَإِن اخْتلفُوا فِي كَونه مركبا من الْأَجْزَاء المنفردة أَو من الْمَادَّة وَالصُّورَة أَو لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا وَقد تنَازع الْعُقَلَاء أَيْضا هَل يُمكن وجود مَوْجُود قَائِم بِنَفسِهِ لَا يشار إِلَيْهِ وَلَا يُمكن أَن يرى على ثَلَاثَة أَقْوَال فَقيل لَا يُمكن ذَلِك بل هُوَ مُمْتَنع وَقيل هُوَ مُمْتَنع فِي المحدثات الممكنة الَّتِي تقبل الْوُجُود والعدم وَقيل بل ذَلِك مُمكن فِي الْمُمكن وَالْوَاجِب وَهَذَا قَول بعض الفلاسفة مَا علمت قَالَه أحد من أهل الْملَل ومثبتو ذَلِك يسمونها المجردات والمفارقات وَأكْثر الْعُقَلَاء يَقُولُونَ وجود هَذِه فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك من وجود نفس الْإِنْسَان
الَّتِي تفارق بدنه أما الْمَلَائِكَة فالمتفلسفة يَقُولُونَ هِيَ الْعُقُول والنفوس المجردات وَهِي الْجَوَاهِر الْعَقْلِيَّة وَأما الْمُسلمُونَ وَغَيرهم من أهل الْملَل فيثبتون الْمَلَائِكَة وَأَنَّهُمْ مخلوقون من نور كَمَا صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث وهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون﴾ وَقد ذكر الْمَلَائِكَة فِي غير مَوضِع وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن جِبْرِيل هُوَ الْعقل الفعال أَو هُوَ مَا يتخيل فِي نفس النَّبِي من الصُّور الخيالية وَكَلَام الله كَمَا يُوجد فِي نفس النَّائِم وَمن عرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول علم ضلال هَؤُلَاءِ وَأَنَّهُمْ أبعد عَن الْإِيمَان من الْمُشْركين فَإِذا عرف تنَازع النظام فِي حَقِيقَة الْجِسْم فَلَا ريب أَن الله سُبْحَانَهُ لَيْسَ مركبا من الْأَجْزَاء المنفردة وَلَا من الْمَادَّة وَالصُّورَة وَلَا يقبل الإنقسام وَلَا التَّفْرِيق وَلَا الإنفصال وَلَا كَانَ مفرقا فَاجْتمع بل هُوَ أحد صَمد والمعاني المعقولة من التَّرْكِيب كلهَا منتفية عَن الله تَعَالَى لَكِن المتفلسفة وَمن وافقهم يزِيدُونَ على ذَلِك وَيَقُولُونَ إِذا كَانَ مَوْصُوفا بِالصِّفَاتِ كَانَ مركبا وَإِذا كَانَت لَهُ حَقِيقَة لَيست هِيَ مُجَرّد الْوُجُود كَانَ مركبا فَقَالَ لَهُم الْمُسلمُونَ المثبتون للصفات النزاع لَيْسَ فِي لفظ الْمركب فَإِن هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي أَن غَيره رَكبه وَلَا يَقُول عَاقل إِن الله مركب لهَذَا الإعتبار أما كَونه ذاتا مستلزمة لصفات الْكَمَال من الْعلم وَالْقُدْرَة والحياة فَهَذَا لَا يُسمى مركبا فِيمَا نعلم وَلَا عرف ذَلِك فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا الْمركب مَا كَانَت أجزاؤه مُتَفَرِّقَة فَجمع جمع إمتزاج أَو غير جمع إمتزاج كتركيب الْأَطْعِمَة والأشربة والأدوية والأبنية واللباس والحلية ثمَّ إِن جَمِيع الْعُقَلَاء مضطرون إِلَى إِثْبَات مَعَاني مُتعَدِّدَة لله فالمعتزلي يسلم أَنه حَيّ عَالم قَادر فكونه حَيا غير كَونه قَادِرًا والفلسفي يَقُول إِنَّه عَاقل ومعقول وعقل ولذيذ ومتلذذ وَلَذَّة وَقَالَ الطوسي
فِي شرح الإشارات الْعلم هُوَ الْمَعْلُوم وَمَعْلُوم فَسَاد هَذَا بِصَرِيح الْعقل وبمجرد تصَوره التَّام وَلَيْسَ فرارهم إِلَّا من معنى التَّرْكِيب وَلَيْسَ لَهُم قطّ حجَّة على نفي مُسَمّى التَّرْكِيب بِجَمِيعِ هَذِه الْمعَانِي بل عمدتهم أَن الْمركب يفْتَقر إِلَى أَجْزَائِهِ وأجزاؤه غَيره والمفتقر إِلَى غَيره لَا يكون وَاجِبا بِنَفسِهِ بل يكون معلولا وَهَذِه الْحجَّة جَمِيع ألفاظها معلولة فَلفظ الْوَاجِب بِنَفسِهِ يُرَاد بِهِ الَّذِي لَا فَاعل لَهُ وَلَا لَهُ عِلّة فاعلة وَيُرَاد بِهِ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء مباين لَهُ وَيُرَاد بِهِ الْقَائِم بِنَفسِهِ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى مباين لَهُ فعلى الأول وَالثَّانِي فالصفات وَاجِبَة الْوُجُود وعَلى الثَّالِث فالذات الموصوفة هِيَ الْوَاجِبَة وَالصّفة وَحدهَا لَا يُقَال إِنَّهَا وَاجِبَة الْوُجُود وَلَا تنفك عَن الذَّات فَقَوْلهم إِذا كَانَ لَهُ ذَات وصفات كَانَ مركبا والمركب مفتقر إِلَى أَجْزَائِهِ وأجزاؤه غَيره فَلفظ الْغَيْر مُجمل يُرَاد بِهِ المباين فالغيران مَا جَازَ مُفَارقَة أَحدهمَا الآخر بِزَمَان أَو مَكَان أَو وجود وَيُرَاد بالغيرين مَا لَيْسَ أَحدهمَا الآخر أَو مَا جَازَ الْعلم بِأَحَدِهِمَا مَعَ الْجَهْل بِالْآخرِ وَهَذَا إصطلاح أَكثر الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَأما السّلف كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره فَلفظ الْغَيْر عِنْدهم يُرَاد بِهِ هَذَا وَيُرَاد بِهِ هَذَا وَلِهَذَا لم يطلقوا القَوْل بِأَن علم الله غَيره وَلَا أَنه لَيْسَ بِغَيْرِهِ فَلَا يَقُولُونَ هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيره لِأَن الْجَهْمِية يَقُولُونَ مَا سوى الله مَخْلُوق وَكَلَامه سواهُ فَيكون مخلوقا وَقد ثَبت فِي السّنة جَوَاز الْحلف بِالصِّفَاتِ كعزته وعظمته مَعَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك فَعلم أَن الصِّفَات لَا تدخل فِي مُسَمّى الْغَيْر عِنْد الْإِطْلَاق وَإِذا أُرِيد بِالْغَيْر أَنه لَيْسَ هُوَ إِيَّاه فَلَا ريب أَن الْعلم غير الْعَالم وَالْكَلَام غير الْمُتَكَلّم وَيُرَاد بالإفتقار التلازم بِمَعْنى أَنه لَا يُوجد أَحدهمَا إِلَّا مَعَ الآخر وَإِن لم يكن أَحدهمَا مؤثرا فِي الآخر مثل الْأُبُوَّة والبنوة
والمركب قد عرف مَا فِيهِ من الإشتراك فَإِذا قيل لَو كَانَ عَالما لَكَانَ مركبا من ذَات وَعلم فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ أَن الذَّات وَالْعلم كَانَا مفترقين فاجتمعا وتركبا وَلَا أَنه يجوز مُفَارقَة أَحدهمَا الآخر بل المُرَاد أَنه إِذا كَانَ عَالما فهناك ذَات وَعلم قَائِم بهَا وَقَوله والمركب مفتقر إِلَى أَجْزَائِهِ فمعلوم أَن إفتقار الْمَجْمُوع إِلَى أَبْعَاضه لَيْسَ بِمَعْنى أَن أَبْعَاضه فعلته أَو وجدت دونه أَو أثرت فِيهِ بل بِمَعْنى أَنه لَا يُوجد إِلَّا بِوُجُود الْمَجْمُوع فَإِذا قيل الشَّيْء مفتقر إِلَى نَفسه بِهَذَا الْمَعْنى لم يكن هَذَا مُمْتَنعا بل هَذَا هُوَ الْحق فَإِن نفس الْوَاجِب لَا يَسْتَغْنِي عَن نَفسه وَإِذا قيل هُوَ وَاجِب بِنَفسِهِ فَلَيْسَ المُرَاد أَن نَفسه أبدعت وُجُوبه بل المُرَاد أَن نَفسه مَوْجُودَة بِنَفسِهَا لم تفْتَقر إِلَى غير وَإِذا قيل الْعشْرَة مفتقرة إِلَى الْعشْرَة لم يكن فِي هَذَا إفتقار لَهَا إِلَى غَيرهَا وَإِذا قيل هِيَ مفتقرة إِلَى الْوَاحِد الَّذِي هُوَ جزؤها لم يكن إفتقارها إِلَى بَعْضهَا بأعظم من إفتقارها إِلَى الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ هِيَ فكون الْمُبْدع مستلزما لصفاته فَهَذَا لم ينف حجَّة أصلا وَلَا هَذَا التلازم يَنْبَغِي أَن يُسمى فقرا وَأَيْضًا فتسمية الصِّفَات الْقَائِمَة بالموصوف جُزْءا لَيْسَ هُوَ من اللُّغَة الْمَعْرُوفَة إِنَّمَا ذَا إصطلاح لَهُم وَلَو تنزلنا وسميناه بإصطلاحهم لم يكن فِيهِ مَحْذُور فَلَا عِبْرَة بتهويل الفلاسفة وأتباعهم فَالَّذِينَ نفوا علمه بالأشياء قَالُوا لِئَلَّا يلْزم التكثير وَالَّذين نفوا علمه بالجزئيات قَالُوا لِئَلَّا يلْزم التَّغَيُّر فيهولون بِلَفْظ التكثير والتغير وهما لفظان مجملان منكران يوهمان أَنه يتكثر الْآلهَة وَأَن الرب يتَغَيَّر كَمَا يتَغَيَّر الْإِنْسَان وكما تَتَغَيَّر الشَّمْس إِذا اصفر لَوْنهَا وَلَا يدْرِي السَّامع أَنه عِنْدهم إِذا أحدث مَا لم يكن مُحدثا سموهُ تغيرا وَإِذا سمع دُعَاء عباده سموهُ تغيرا وَإِذا رأى مَا خلقه سموهُ تغيرا وَإِذا كلم مُوسَى سموهُ تغيرا وَإِذا رَضِي عَن الطائع سموهُ تغيرا ثمَّ إِنَّهُم ينفون ذَلِك بِغَيْر دَلِيل أصلا كَمَا اعْترف بِهِ غير وَاحِد والأدلة الشَّرْعِيَّة والعقلية توجب ثُبُوت ذَلِك فدعوى الْمُدَّعِي على اللُّغَة أَن مَا يشار إِلَيْهِ جسم مركب غير صَحِيح وَجُمْهُور الْمُسلمين الْقَائِلين لَيْسَ بجسم يَقُولُونَ من قَالَ إِنَّه جسم وَأَرَادَ بذلك أَنه مَوْجُود أَو قَائِم بِنَفسِهِ وَنَحْو
ذَلِك أَو قَالَ إِنَّه جَوْهَر وَأَرَادَ بذلك أَنه قَائِم بِنَفسِهِ فَهُوَ مخطيء فِي اللَّفْظ لَا الْمَعْنى أما إِذا قَالَ إِنَّه مركب من جَوَاهِر مُنْفَرِدَة فَفِي كفره تردد ثمَّ الْقَائِلُونَ بِأَن الْجِسْم مركب من جَوَاهِر قد تنازعوا فِي مُسَمَّاهُ فَقيل الْجَوْهَر الْوَاحِد بِشَرْط إنضمام غَيره إِلَيْهِ يكون جسما كَقَوْل ابْن الباقلاني وَأبي يعلى وَغَيرهمَا وَقيل بل الجوهران فَصَاعِدا وَقيل بل أَرْبَعَة فَصَاعِدا وَقيل بل سِتَّة فَصَاعِدا وَقيل بل ثَمَانِيَة فَصَاعِدا وَقيل سِتَّة عشر وَقيل بل إثنان وَثَلَاثُونَ فقد تبين أَن فِي هَذَا اللَّفْظ من المنازعات اللُّغَوِيَّة والإصطلاحية والعقلية والشرعية مَا يبين أَن الْوَاجِب الإعتصام بِالْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس تكفل الله لمن قَرَأَ الْقُرْآن وَعمل بِهِ أَن لَا يضل فِي الدُّنْيَا وَلَا يشقى فِي الْآخِرَة ثمَّ قَرَأَ ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ الْآيَات فَمَا أثْبته الله وَرَسُوله أَثْبَتْنَاهُ وَمَا نَفَاهُ الله وَرَسُوله نفيناه فالنصوص نعتصم بهَا فِي الْإِثْبَات وَالنَّفْي لفظا وَمعنى أما أَلْفَاظ تنَازع فِيهَا من ابتدعها كالجسم والجوهر والتحيز والجهة والتركيب والتعين فَلَا تطلق نفيا وَلَا إِثْبَاتًا حَتَّى ينظر فِي مَقْصُود قَائِلهَا فَإِن أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَو الْإِثْبَات معنى صَحِيحا مُوَافقا للنصوص صوب الْمَعْنى الَّذِي قَصده بِلَفْظِهِ وزجر عَن اللَّفْظ المبتدع الْمُجْمل إِلَّا عِنْد الْحَاجة فِي محاورة الْخصم مَعَ قَرَائِن تبين المُرَاد بهَا مثل أَن يكون الْخطاب مَعَ من لَا يتم الْمَقْصُود مَعَه إِن لم يُخَاطب بهَا وَأما أَن يُرَاد بهَا معنى بَاطِل فَهَذَا ضلال وَإِن أُرِيد بهَا حق وباطل عرف الْخصم وَفسّر لَهُ هَذَا من هَذَا وَإِن اتّفق شخصان على معنى وتنازعا فِي دلائله فأقربهما إِلَى الصَّوَاب من وَافق اللُّغَة المنقولة
وَأما المتحيز فَفِي اللُّغَة مَا تحيز إِلَى غَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو متحيزا إِلَى فِئَة﴾ وَهَذَا لَا بُد أَن يُحِيط بِهِ حيّز وجودي فالباري تَعَالَى لَا يُحِيط بِهِ شَيْء من مخلوقاته فَلَا يكون متحيزا فِي اللُّغَة وَأما أهل الْكَلَام فإصطلاحهم فِي المتحيز أَعم من هَذَا يجْعَلُونَ كل جسم متحيزا والجسم عِنْدهم مَا يشار إِلَيْهِ فَتكون السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فيهمَا متحيزا على إصطلاحهم لَا فِي اللُّغَة ويريدون بالحيز أمرا مَعْدُوما وَالْمَكَان أمرا مَوْجُودا يُخَالف الحيز العدمي فمجموع الْأَجْسَام لَيست فِي شَيْء مَوْجُود فَلَيْسَتْ فِي مَكَان وَالْفَخْر الرَّازِيّ يَجْعَل الحيز تَارَة مَوْجُودا وَتارَة مَعْدُوما وَقد علم بِالْعقلِ وَالنَّقْل أَن الله بَائِن من خلقه لِأَنَّهُ كَانَ قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَلَمَّا خلقهَا إِمَّا أَن يكون قد دخل فِيهَا أَو دخلت فِيهِ وَكِلَاهُمَا مُمْتَنع فَتعين أَنه بَائِن عَنْهَا والنفاة يدعونَ أَنه لَيْسَ مباينا لخلقه وَلَا مداخلا لَهُ وَهَذَا مُمْتَنع فِي الْعُقُول لَكِن يدعونَ أَن القَوْل بإمتناع ذَلِك هُوَ من حكم الْوَهم لَا من حكم الْعقل ثمَّ إِنَّهُم تناقضوا فَقَالُوا لَو كَانَ فَوق الْعَرْش لَكَانَ جسما لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يتَمَيَّز مِمَّا يَلِي هَذَا الْجَانِب فَقيل لَهُم مَعْلُوم بضرورة الْعقل أَن إِثْبَات مَوْجُود فَوق الْعَالم لَيْسَ بجسم أقرب إِلَى الْعقل من إِثْبَات قَائِم بِنَفسِهِ لَيْسَ بمباين للْعَالم وَلَا بمداخل لَهُ وَكَذَلِكَ لفظ الْجِهَة يُرَاد بِهِ أَمر مَوْجُود كالفلك الْأَعْلَى وَيُرَاد بِهِ أَمر عدمي كَمَا وَرَاء الْعَالم فَإِذا أُرِيد بِهِ الثَّانِي أمكن أَن يُقَال كل جسم فِي جِهَة وَإِذا أُرِيد الأول إمتنع أَن يكون كل جسم فِي جسم آخر فَمن قَالَ الْبَارِي فِي جِهَة وَأَرَادَ بهَا أمرا مَوْجُودا فَكل مَا سواهُ مَخْلُوق لَهُ فِي جِهَة بِهَذَا التَّفْسِير فَهَذَا مخطيء وَإِن أَرَادَ بالجهة أمرا عدميا وَهُوَ مَا فَوق الْعَالم وَقَالَ إِن الله فَوق الْعَالم فقد أصَاب وَلَيْسَ فَوق الْعَالم
مَوْجُود غَيره فَلَا يكون سُبْحَانَهُ فِي شَيْء من الموجودات وَقد تنَازع المتكلمون فِي الْأَسْمَاء الَّتِي تسمى الله بهَا وَتسَمى بهَا عباده كالموجود والحي والعليم والقدير فَقَالَ بَعضهم هِيَ مقولة بالإشتراك اللَّفْظِيّ حذرا من إِثْبَات قدر مُشْتَرك بَينهمَا لِأَنَّهُمَا إِذا اشْتَركَا فِي مُسَمّى الْوُجُود لزم أَن يمتاز الْوَاجِب عَن الْمُمكن بِشَيْء آخر فَيكون مركبا وَهَذَا قَول بعض الْمُتَأَخِّرين كالشهرستاني والرازي فِي أحد قوليهما وكالآمدي مَعَ توقفه أَحْيَانًا وَنقل ذَلِك عَن الْأَشْعَرِيّ وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَهُوَ غلط عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا ذكرُوا ذَلِك عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بالأحوال ويقولان وجود الشَّيْء عين حقيقتة فظنوا أَن من قَالَ ذَلِك يلْزمه أَن يَقُول إِن لفظ الْمُشْتَرك الْمَوْجُود يُقَال بالإشتراك اللَّفْظِيّ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ متواطئا لَكَانَ بَينهمَا قدر مُشْتَرك فيمتاز أَحدهمَا عَن الآخر بِخُصُوص حَقِيقَته والمشترك لَيْسَ هُوَ الْمُمَيز فَلَا يكون الْوُجُود الْمُشْتَرك هُوَ الْحَقِيقَة المميزة والرازي والآمدي وَنَحْوهمَا ظنُّوا أَنه لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا هَذَا القَوْل وَقَول من يَقُول بِأَن اللَّفْظ متواطيء وَيَقُول وجوده زَائِد على حَقِيقَته كَمَا هُوَ قَول أبي هَاشم وَأَتْبَاعه من الْمُعْتَزلَة والشيعة أَو قَول ابْن سينا بِأَنَّهُ متواطيء مَعَ أَنه الْوُجُود الْمُفِيد لسلب الْأُمُور الثبوتية وَذهب بعض الباطنية وغلاة الْجَهْمِية إِلَى أَن هَذِه الْأَسْمَاء حَقِيقَة فِي العَبْد مجَاز فِي الرب قَالُوا هَذَا فِي الْحَيّ وَنَحْوه وَذهب أَبُو الْعَبَّاس الناشيء إِلَى ضد ذَلِك وَزعم ابْن حزم أَن أَسمَاء الله لَا تدل على الْمعَانِي فَلَا يدل عليم على علم وَلَا قدير على قدرَة بل هِيَ أَعْلَام مَحْضَة وكل هَذَا غلو فِي نفي التَّشْبِيه لزم مِنْهُ نفي صِفَات الرب وظنوا أَن ثُبُوت الكليات الْمُشْتَركَة بني فِي الْخَارِج كَمَا غلط الرَّازِيّ فَظن أَنه إِذا كَانَ
هَذَا مَوْجُودا وَهَذَا مَوْجُودا والوجود شَامِل لَهما كَانَ بَينهمَا مَوْجُود مُشْتَرك كلى فِي الْخَارِج فَلَا بُد من مُمَيّز يُمَيّز هَذَا عَن هَذَا والمميز إِنَّمَا هُوَ الْحَقِيقَة فَيجب أَن يكون هُنَاكَ وجود مُشْتَرك وَحَقِيقَة مُمَيزَة ثمَّ إِن هَؤُلَاءِ يتناقضون فيجعلون الْوُجُود يَنْقَسِم إِلَى وَاجِب وممكن كَمَا تَنْقَسِم سَائِر الْأَسْمَاء الْعَامَّة الْكُلية لَا كَمَا تَنْقَسِم الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة كَلَفْظِ سُهَيْل الْمَقُول على الْكَوْكَب وعَلى ابْن عَمْرو إِذْ لَا يُقَال فِيهَا تَنْقَسِم إِلَى كَذَا وَكَذَا لَكِن يُقَال إِن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على هَذَا وَهَذَا على هَذَا وَهَذَا أَمر لغَوِيّ لَا تَقْسِيم عَقْلِي وَهُنَاكَ تَقْسِيم عَقْلِي تَقْسِيم الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ الْعَام وَظن بعض النَّاس أَنه يخلص من هَذَا بِأَن جعل لفظ الْوُجُود مشككا لكَون الْوُجُود الْوَاجِب أكمل كَمَا يُقَال فِي لفظ السوَاد وَالْبَيَاض الْمَقُول على سَواد القار وَسَوَاد الحدقة وَبَيَاض الثَّلج وَبَيَاض العاج وَلَا ريب أَن الْمعَانِي الْكُلية قد تكون متفاضلة فِي مواردها وَتَخْصِيص هَذَا الْقسم بِلَفْظ المشكك أَمر إصطلاحي وَلِهَذَا كَانَ من النَّاس من قَالَ هُوَ نوع من المتواطيء لِأَن وَاضع اللُّغَة لم يضع اللَّفْظ بِإِزَاءِ التَّفَاوُت الْحَاصِل لأَحَدهمَا بل بِإِزَاءِ الْقدر الْمُشْتَرك وَبِالْجُمْلَةِ فالنزاع فِي هَذَا لَفْظِي فالمتواطئة الْعَامَّة تتَنَاوَل المشككة فَأَما المتواطئة الَّتِي تتساوى مَعَانِيهَا فَهِيَ قسيم المشككة فالجمهور على أَن هَذِه الْأَسْمَاء عَامَّة كُلية سَوَاء سميت متواطئة ومشككة لَيست ألفاظا مُشْتَركَة إشتراكا لفظيا فَقَط وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة والمعتزلة والأشعرية والكرامية وَلَقَد طول شَيخنَا ابْن تَيْمِية هُنَا وَمَا أبقى مُمكنا إِلَى أَن قَالَ وَإِذا تبين هَذَا فَقَوْل هَذَا المُصَنّف وأشباهه قَول المشبهة إِن أَرَادَ بالمشبهة
من أثبت من الْأَسْمَاء مَا يُسمى بِهِ الرب وَالْعَبْد فطائفتة وَجَمِيع النَّاس مشبهة وَإِن أَرَادَ بِهِ من جعل صِفَات الرب مثل صِفَات العَبْد فَهَؤُلَاءِ مبطلون ضالون وهم فيهم أَكثر مِنْهُم فِي غَيرهم وَأَنت تَتَكَلَّم بِأَلْفَاظ لَا تفهم مَعَانِيهَا وَلَا موارد إستعمالها وَإِنَّمَا تقوم بِنَفْسِك صُورَة تبنى عَلَيْهَا وكأنك وَالله أعلم عنيت بالحشوية المشبهة من بِبَغْدَاد وَالْعراق من الحنبلية دون غَيرهم وَهَذَا من جهلك فَإِنَّهُ لَيْسَ للحنبلية قَول إنفردوا بِهِ عَن غَيرهم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بل كل مَا يَقُولُونَهُ قد قَالَه غَيرهم من طوائف أهل السّنة وَمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مَذْهَب قديم مَعْرُوف قبل أَن يخلق الله أَبَا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فَإِنَّهُ مَذْهَب الصَّحَابَة الَّذِي تلقوهُ عَن نَبِيّهم وَمن خَالف ذَلِك كَانَ مبتدعا عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَإِنَّهُم متفقون على أَن إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة ومتنازعون فِي إِجْمَاع من بعدهمْ وَأحمد بن حَنْبَل إِن كَانَ قد إشتهر بإمامة السّنة وَالصَّبْر فِي المحنة فَلَيْسَ ذَلِك لِأَنَّهُ إنفرد بقول أَو ابتدع قولا بل لِأَن السّنة الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة مَعْرُوفَة قبله علمهَا ودعا إِلَيْهَا وصبر على مَا امتحن بِهِ ليفارقها وَكَانَ الْأَئِمَّة قبل قد مَاتُوا قبل المحنة فَلَمَّا وَقعت محنة الْجَهْمِية نفاة الصِّفَات فِي أَوَائِل الْمِائَة الثَّالِثَة على عهد الْمَأْمُون وأخيه المعتصم ثمَّ الواثق ودعوا النَّاس إِلَى التجهم وَإِبْطَال صِفَات الله وَهُوَ الْمَذْهَب الَّذِي ذهب إِلَيْهِ متأخروا الرافضة وَكَانُوا قد أدخلُوا مَعَهم من أدخلوه من وُلَاة الْأَمر فَلم يوافقهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة حَتَّى هددوا بَعضهم بِالْقَتْلِ وقيدوا بَعضهم وعاقبوهم بالرهبة وَالرَّغْبَة وَثَبت أَحْمد بن حَنْبَل على ذَلِك الْأَمر حَتَّى حبسوه مُدَّة ثمَّ طلبُوا أَصْحَابهم لمناظرته فانقطعوا مَعَه فِي المناظرة يَوْمًا بعد يَوْم وَلما لم يَأْتُوا بِمَا يُوجب مُوَافَقَته لَهُم وَبَين خطأهم فِيمَا ذكرُوا من الْأَدِلَّة وَكَانُوا قد طلبُوا أَئِمَّة الْكَلَام من أهل الْبَصْرَة وَغَيرهم مثل أبي عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى برغوث صَاحب حُسَيْن النجار وَأَمْثَاله وَلم تكن المناظرة مَعَ الْمُعْتَزلَة فَقَط بل كَانَت مَعَ جنس الْجَهْمِية من
الْمُعْتَزلَة والنجارية والضرارية وأنواع المرجئة فَكل معتزلي جهمي وَلَيْسَ كل جهمي معتزليا لَكِن جهم أَشد تعطيلا لِأَنَّهُ يَنْفِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات والمعتزلة تَنْفِي الصِّفَات وَبشر المريسي كَانَ من كبار الْجَهْمِية وَكَانَ مرجئا لم يكن معتزليا وبسبب محنة الإِمَام أَحْمد كثر الْكَلَام والتدقيق والبحث فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَرفع الله قدر الإِمَام أَحْمد وَأَتْبَاعه وَلَكِن الرافضي أَخذ ينكت على كل طَائِفَة بِمَا ظن أَنه يُخرجهَا بِهِ من الْأُصُول وَالْفُرُوع وَظن أَن طائفته هِيَ السليمة من الْقدح وَقد اتّفق عقلاء الْمُسلمين على أَنه لَيْسَ فِي طوائف أهل الْقبْلَة أَكثر جهلا وضلالا وكذبا وبدعا وَأقرب إِلَى كل شَرّ وَأبْعد من كل خير من طائفته وَلِهَذَا لما صنف الْأَشْعَرِيّ كِتَابه فِي المقالات ذكر أَولا مقالتهم وَختم بمقالة أهل السّنة والْحَدِيث وَذكر أَنه بِكُل مَا ذكر من أَقْوَال أهل السّنة والْحَدِيث يَقُول وَإِلَيْهِ يذهب فتسميته لأهل الْآثَار وَالْإِثْبَات مشبهة كتسميتهم لمن أثبت خلَافَة الثَّلَاثَة ناصبيا بِنَاء على إعتقادهم أَنه لَا ولَايَة لعَلي إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ من الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا النصب هُوَ بغض أهل الْبَيْت ومعاداتهم والتشبيه هُوَ جعل صِفَات الرب مثل صِفَات العَبْد
وَمن أَرَادَ أَن يمدح أَو يذم فَعَلَيهِ أَن يبين دُخُول الممدوح والمذموم فِي تِلْكَ الْأَسْمَاء الَّتِي علق الله وَرَسُوله بهَا الْمَدْح والذم أما إِذا كَانَ الإسم لَيْسَ لَهُ أصل فِي الشَّرْع وَدخُول الدَّاخِل فِيهِ مِمَّا يُنَازع فِيهِ الْمدْخل بطلت كل من المقدمتين وَالْكتاب وَالسّنة لَيْسَ فيهمَا لَفْظَة ناصبة وَلَا مشبهة وَلَا حشوية بل وَلَا فيهمَا لفظ رَافِضِي فَنحْن إِذا قُلْنَا رافضة نذكرهُ للتعريف لدُخُول أَنْوَاع مذمومة بِالنَّصِّ فِيهِ فَبَقيَ علما على هَؤُلَاءِ الجهلة الَّذين عدموا الصدْق والتوفيق وقولك دَاوُد الطَّائِي فجهل وَإِنَّمَا هُوَ الجواربي فقد قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَقَالَ دَاوُد الجواربي وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان أَن الله جسم وَأَنه جثة وأعضاء على صُورَة الْإِنْسَان لحم وَدم وَشعر وَعظم لَهُ جوارح وأعضاء وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يُشبههُ شَيْء وَقَالَ هِشَام بن سَالم الجواليقي أَنه على صُورَة الْإِنْسَان وَأنكر أَن يكون لَحْمًا ودما وَأَنه نور يتلألأ وَأَنه ذُو حواس خمس سَمعه غير بَصَره وَكَذَلِكَ سَائِر حواسه وَله يَد وَرجل وَعين وفم وأنف وَأَن لَهُ وفرة سَوْدَاء قلت الْأَشْعَرِيّ ينْقل هَذِه المقالات من كتب الْمُعْتَزلَة وَفِيهِمْ إنحراف عَن مقَاتل
فلعلهم زادوا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمَا أَظُنهُ يصل إِلَى هَذَا الْحَد وَقد قَالَ الشَّافِعِي من أَرَادَ التَّفْسِير فَهُوَ عِيَال على مقَاتل وَمن أَرَادَ الْفِقْه فَهُوَ عِيَال على أبي حنيفَة وَأما دَاوُد الطَّائِي فَكَانَ فَقِيها زاهد عابدا مَا قَالَ شَيْئا من هَذَا الْبَاطِل وَلَا دخل فِي هَذَا قَالَ وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الله ينزل كل لَيْلَة جُمُعَة بشكل أَمْرَد رَاكِبًا على حمَار حَتَّى أَن بَعضهم بِبَغْدَاد وضع على سطحه معلفا يضع فِيهِ شَعِيرًا كل لَيْلَة جُمُعَة الْجَوَاز أَن ينزل الله على سطحه فيشتغل الْحمار بِالْأَكْلِ ويشتغل الرب بالنداء هَل من تائب قُلْنَا هَذَا وَأَمْثَاله إِمَّا كذب أَو وَقع لجَاهِل مغمور لَيْسَ بقول عَالم وَلَا مَعْرُوف وَقد صان الله عُلَمَاء السّنة بل وعامتهم من قَول هَذَا الهذيان الَّذِي لَا ينطلي على الصّبيان ثمَّ لم يرو فِي ذَلِك شَيْء لَا بِإِسْنَاد ضَعِيف وَلَا بِإِسْنَاد مَكْذُوب وَلَا قَالَ أحد إِنَّه تَعَالَى ينزل لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَى الأَرْض وَلَا أَنه فِي شكل أَمْرَد وَهَذَا مثل حَدِيث الْجمل الأورق وَأَنه تَعَالَى ينزل عَشِيَّة عَرَفَة فيعانق المشاة ويصافح الركْبَان قبح الله من وَضعه وَمَا أَكثر الْكَذِب فِي الْعَالم وَلَكِن تِسْعَة أعشاره أَو أقل أَو أَكثر بأيدي الرافضة وَأما أَحَادِيث النُّزُول إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فمتواترة وَحَدِيث دنوه عَشِيَّة عَرَفَة فَأخْرجهُ مُسلم وَلَا نعلم كَيفَ ينزل وَلَا كَيفَ اسْتَوَى
قَالَ وَقَالَت الكرامية إِن الله فِي جِهَة فَوق وَلم يعلمُوا أَن كل مَا هُوَ فِي جِهَة فَهُوَ مُحدث مُحْتَاج إِلَى تِلْكَ الْجِهَة فَيُقَال لَهُ نعم هَذَا مَذْهَبهم وَمذهب كبار الشِّيعَة الْمُتَقَدِّمين وَأَنت لم تذكر حجَّة على إِبْطَاله وَجُمْهُور الْخلق على أَن الله فَوق الْعَالم وَإِن كَانَ أحدهم لَا يلفظ بِلَفْظ الْجِهَة فهم مفطورون مجبولون على أَن معبودهم فَوق كَمَا قَالَ أَبُو جَعْفَر الْهَمدَانِي لأبي الْمَعَالِي مَا مَعْنَاهُ إِن الإستواء علم بِالسَّمْعِ وَلَو لم يرد بِهِ
لم نعرفه وَأَنت قد تتأوله فَدَعْنَا من هَذَا وَأخْبرنَا عَن هَذِه الضَّرُورَة الَّتِي نجدها فِي قُلُوبنَا فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِف قطّ يَا الله إِلَّا وَقبل أَن ينْطق لِسَانه يجد فِي قلبه معنى يطْلب الْعُلُوّ لَا يلْتَفت يمنة وَلَا يسرة فَهَل عنْدك من حِيلَة فِي دفع هَذِه الضَّرُورَة عَن قُلُوبنَا فلطم الْمُتَكَلّم رَأَيْته صَوَابه رَأسه وَقَالَ حيرني الْهَمدَانِي يَعْنِي أَن الدَّلِيل على نفي الْفَوْقِيَّة نَظَرِي فَكيف يُعَارض ضَرُورَة الْفطر بل وتواتر النُّصُوص فَإِن دفع الضروريات بالنظريات غير مُمكن وَلَو قدح فِي الضروريات لَكَانَ ذَلِك قدحا فِي أساس النظريات وَهُوَ من بَاب قدح الْفَرْع فِي أَصله فَتبْطل الضروريات والنظريات وَأَيْضًا فَإِن هَؤُلَاءِ قرروا ذَلِك بأدلة عقلية كَقَوْلِهِم كل موجودين إِمَّا متباينان وَإِمَّا متداخلان وَقَالُوا إِن الْعلم بذلك بضروري وَقَالُوا إِثْبَات مَوْجُود لَا يشار إِلَيْهِ مُكَابَرَة للحس وَالْعقل وَهَذَا الْقُرْآن ينْطق بالعلو فِي مَوَاضِع كَثِيرَة جدا حَتَّى قيل
إِنَّهَا نَحْو ثَلَاثمِائَة مَوضِع وَالسّنَن ملأى بذلك وَكَلَام السّلف يَقْتَضِي إتفاقهم على ذَلِك فَمن يُرِيد التشنيع على النَّاس وَدفع الدَّلَائِل القاطعة لَا بُد أَن يذكر حجَّة فقولك إِن كل مَا هُوَ فِي جِهَة فَهُوَ مُحدث ومحتاج إِلَيْهَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا كَانَت الْجِهَة أمرا ثبوتيا وجوديا وَكَانَت لَازِمَة لَهُ فَلَا ريب أَن من قَالَ إِن الْبَارِي لَا يقوم إِلَّا بِمحل يحل فِيهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فقد جعله مُحْتَاجا وَهَذَا لم يقلهُ أحد وَلَا علمنَا أحدا قَالَ إِنَّه مُحْتَاج إِلَى شَيْء من مخلوقاته لِأَنَّهُ خلق الْعَرْش فَدلَّ على أَنه غَنِي عَنهُ قبل وَبعد وَإِذا كَانَ فَوْقه لم يجب أَن يكون مُحْتَاجا إِلَيْهِ بل الله قد خلق الْعَالم بعضه فَوق بعض وَلم يَجْعَل عاليه مُحْتَاجا إِلَى سافله فالأرض فَوْقهَا الْهَوَاء والسحاب ثمَّ السَّمَاوَات ثمَّ الْعَرْش وَنحن نعلم أَنه لَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأَن الْقُوَّة الَّتِي فِي حَملَة الْعَرْش هُوَ خَالِقهَا وَلَو احْتج عَلَيْك سلفك مثل عَليّ بن يُونُس القمي الرافضي الْقَائِل بِأَن الْعَرْش يحملهُ لم يكن عنْدك حجَّة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لم نقل إِنَّه مُحْتَاج إِلَيْهِ وَلَكِن قُلْنَا إِنَّه على كل شَيْء قدير وَإِذا جَعَلْنَاهُ قَادِرًا على أَن خلق شَيْئا يحملهُ كَانَ ذَلِك وَصفا لَهُ بِكَمَال الإقتدار لَا بِالْحَاجةِ وَقد قدمنَا أَن لفظ الْجِهَة يُرَاد بِهِ أَمر مَوْجُود مَخْلُوق وَأمر مَعْدُوم فَمن قَالَ إِنَّه تَعَالَى فَوق الْعَالم جَمِيعه لم يقل إِنَّه فِي جِهَة مَوْجُودَة إِلَّا أَن يُرَاد بالجهة الْعَرْش وَيُرَاد بِكَوْنِهِ فِيهَا أَنه عَلَيْهَا كَمَا جَاءَ أَنه فِي السَّمَاء أَي على السَّمَاء وَهَؤُلَاء أخذُوا لفظ الْجِهَة بالإشتراك وأوهموا أَنه إِذا كَانَ فِي جِهَة كَانَ فِي شَيْء غَيره كَمَا يكون الْإِنْسَان فِي بَيته ثمَّ رتبوا على ذَلِك أَن يكون مُحْتَاجا إِلَى غَيره وَهَذِه مُقَدمَات بَاطِلَة وَقَالُوا إِنَّه لَو كَانَ فِي جِهَة لَكَانَ جسما وكل جسم مُحدث لِأَن الْجِسْم لَا يَخْلُو من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث وكل هَذِه مُقَدمَات متنازع فِيهَا فَمن النَّاس من يَقُول قد يكون فِي الْجِهَة من لَيْسَ بجسم فَإِذا قيل لَهُ هَذَا خلاف الْمَعْقُول قَالَ هَذَا أقرب إِلَى الْعُقُول من مَوْجُود لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَمن النَّاس من لَا يسلم أَن كل جسم مُحدث كالكرامية وقدماء الشِّيعَة وَلَا يسلمُونَ أَن الْجِسْم لَا يَخْلُو من الْحَوَادِث وَكثير من أهل الحَدِيث وَالْكَلَام والفلسفة
ينازعون فِي قَوْلهم إِن مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث قَالَ وَذهب الْأَكْثَر مِنْهُم إِلَى أَن الرب يفعل القبائح وَالْكفْر وَأَن جَمِيع ذَلِك وَاقع بِقَضَاء الله وَقدره وَأَن العَبْد لَا تَأْثِير لَهُ فِي ذَلِك وَأَن الله يُرِيد الْمعاصِي من الْكَافِر وَلَا يُرِيد مِنْهُ طَاعَة قُلْنَا قد تقدم أَن مسَائِل الْقدر وَالتَّعْدِيل والتجوير لَيست ملزومة لمسائل الْإِمَامَة وَلَا لَازِمَة لَهَا وَأَنت تعيدها وتبدئها فَإِن خلقا مِمَّن يقر بإمامة أبي بكر وَعمر قدرية وخلقا من الرافضة بعكس ذَلِك فَلَيْسَ أحد الْبَابَيْنِ مرتبطا بِالْآخرِ أصلا وَالْمَنْقُول عَن أهل الْبَيْت فِي إِثْبَات الْقدر وَالصِّفَات لَا ينْحَصر وَلَكِن متأخرو الرافضة جمعُوا إِلَى رفضهم التجهم وَالْقدر كصاحب هَذَا الْكتاب وقولك عَنْهُم إِن العَبْد لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْكفْر والمعاصي فَنقل بَاطِل بل جُمْهُور من أثبت الْقدر يَقُول إِن العَبْد فَاعل لفعله حَقِيقَة وَإِن لَهُ قدرَة واستطاعة وَلَا يُنكرُونَ تَأْثِير الْأَسْبَاب الطبيعية بل يقرونَ بِمَا دلّ عَلَيْهِ الشَّرْع وَالْعقل من أَن الله يخلق السَّحَاب بالرياح وَينزل المَاء بالسحاب وينبت النَّبَات بِالْمَاءِ وَالله خَالق السَّبَب والمسبب وَمَعَ أَنه خَالق السَّبَب فَلَا بُد لَهُ من سَبَب آخر يُشَارِكهُ وَلَا بُد لَهُ من معَارض يمانعه فَلَا يتم أَثَره مَعَ خلق الله لَهُ إِلَّا بِأَن يخلق الله السَّبَب الآخر ويزيل الْمَوَانِع وَلَكِن مَا قلته هُوَ قَول الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه لَا يثبتون فِي الْمَخْلُوقَات قوى وَلَا طبائع وَيَقُولُونَ إِن الله فعل عِنْدهَا لَا بهَا وَيَقُولُونَ قدرَة العَبْد لَا تَأْثِير لَهَا فِي الْفِعْل وأبلغ من ذَلِك قَول الْأَشْعَرِيّ إِن الله فَاعل فعل العَبْد وَإِن فعل العَبْد لَيْسَ فعله بل كسب لَهُ
وَإِنَّمَا هُوَ فعل الله فَقَط وَجُمْهُور النَّاس وَالسّنة على خلاف قَوْله وعَلى أَن العَبْد فَاعل لفعله حَقِيقَة وقولك يُرِيد الْمعاصِي من الْكَافِر هُوَ قَول طَائِفَة وهم الَّذين يجْعَلُونَ الْإِرَادَة نوعا وَاحِدًا ويجعلون المحنة وَالرِّضَا وَالْغَضَب بِمَعْنى الْإِرَادَة وَهُوَ أشهر قولي الْأَشْعَرِيّ وَقَول أَكثر أَصْحَابه وَأما جُمْهُور السّنة فيفرقون بَين الْإِرَادَة والمحبة وَالرِّضَا وَيَقُولُونَ إِنَّه وَإِن كَانَ يُرِيد الْمعاصِي فَهُوَ لَا يُحِبهَا وَلَا يرضاها بل يبغضها والمحققون يَقُولُونَ الْإِرَادَة فِي الْقُرْآن نَوْعَانِ إِرَادَة قدرية كونية وَإِرَادَة شَرْعِيَّة دينية فالشرعية هِيَ المتضمنة للمحبة وَالرِّضَا والقدرية هِيَ الشاملة لجَمِيع الْحَوَادِث فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ وَقَالَ ﴿إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم﴾ فَهَذِهِ الْإِرَادَة تعلّقت بالإضلال والإغواء وَأما الشَّرْعِيَّة فكقوله ﴿يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ﴾ وَقَوله ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج﴾ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ فَهَذِهِ غير تيك قَالَ وَهَذَا يسْتَلْزم أَشْيَاء شنيعة مِنْهَا أَن يكون الله أظلم من كل ظَالِم لِأَنَّهُ يُعَاقب الْكَافِر على كفره وَهُوَ قدره عَلَيْهِ وَلم يخلق فِيهِ قدرَة على الْإِيمَان فَكَمَا أَنه يلْزم الظُّلم لَو عذبه على كَونه طوله وقصره يلْزم أَن يكون ظَالِما لَو عذبه على الْمعْصِيَة الَّتِي جعلهَا فِيهِ فَيُقَال قد مر أَن الْجُمْهُور فِي تَفْسِير الظُّلم على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَن الظُّلم مُمْتَنع لذاته غير مَقْدُور كَمَا صرح بِهِ الْأَشْعَرِيّ وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَأَبُو الْمَعَالِي وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَابْن الزَّاغُونِيّ وَيَقُولُونَ إِنَّه غير قَادر على الْكَذِب وَالظُّلم والقبيح وَلَا يَصح وَصفه
بِشَيْء من ذَلِك ودلالتهم على إستحالة وُقُوع ذَلِك مِنْهُ أَن الظُّلم والقبيح مَا شرع الله وجوب ذمّ فَاعله وذم الْفَاعِل لما لَيْسَ لَهُ فعله وَلنْ يكون كَذَلِك حَتَّى يكون متصرفا فِيمَا غَيره أملك بِهِ وبالتصرف فِيهِ مِنْهُ فَوَجَبَ إستحالة ذَلِك فِي حَقه من حَيْثُ لم يكن أَمر النَّاس بذمه وَلَا كَانَ مِمَّن يجوز دُخُول أَفعاله تَحت تَكْلِيف من نَفسه لنَفسِهِ وَلَا يكون فعله تَصرفا فِي شَيْء غَيره أملك بِهِ فَثَبت بذلك اسْتِحَالَة تصَوره فِي حَقه وَحَقِيقَة قَول هَؤُلَاءِ أَن الذَّم إِنَّمَا يكون لمن تصرف فِي ملك غَيره وَمن عصى الْأَمر وَالله يمْتَنع أَن يَأْمُرهُ أحد وَيمْتَنع أَن يتَصَرَّف فِي ملك غَيره فَإِن الْأَشْيَاء لَهُ وَهَذَا القَوْل يرْوى عَن إِيَاس ابْن مُعَاوِيَة قَالَ مَا خَاصَمت بعقلي كُله إِلَّا الْقَدَرِيَّة قلت أخبروني مَا الظُّلم قَالُوا أَن يتَصَرَّف الْإِنْسَان فِيمَا لَيْسَ لَهُ قلت فَللَّه كل شَيْء ثمَّ هَؤُلَاءِ يجوزون التعذيب لَا لجرم فَلَا يرد عَلَيْهِ الْمُعَارضَة بتعذيب الْقصير لقصره وَلَا الْأسود للونه لأَنهم يجوزون ذَلِك لمحض الْمَشِيئَة القَوْل الثَّانِي أَن الظُّلم مَقْدُور لله منزه عَنهُ كتعذيب الْإِنْسَان بذنب غَيره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾ وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ الْفرق بَين تَعْذِيب الْإِنْسَان على فعله الإختياري وَغير فعله الإختياري مُسْتَقر فِي فطر الْعُقُول وَيَقُولُونَ الإحتجاج بِالْقدرِ على الذُّنُوب مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالْعقلِ فَإِن الظَّالِم لغيره لَو احْتج بِالْقدرِ لاحتج ظالمه بِالْقدرِ أَيْضا فالإحتجاج على فعل الْمعاصِي بِالْقدرِ بَاطِل بإتفاق الْملَل والعقلاء وَإِنَّمَا يحْتَج بِهِ من اتبع هَوَاهُ كَمَا قيل أَنْت عِنْد الطَّاعَة
قدري وَعند الْمعْصِيَة جبري أَي مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لفاعل الْفَوَاحِش لم يحسن أَن يلوم أحد أحدا وَلَا أَن يُعَاقب أحد أحدا وَقد يعرض ذَلِك لكثير من المدعين الْحَقِيقَة من الْفُقَرَاء والصوفية والعامة وَغَيرهم فَيَشْهَدُونَ الْقدر ويعرضون عَن الْأَمر وَالنَّهْي فَلَا عذر لأحد فِي ترك مَأْمُور وَلَا فعل مَحْظُور بِكَوْن ذَلِك مُقَدرا عَلَيْهِ بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة على خلقه فالمحتجون بِالْقدرِ على الْمعاصِي شَرّ من الْقَدَرِيَّة المكذبين بِالْقدرِ وَمن ثمَّ اتهمَ بِالْقدرِ جمَاعَة لم يَكُونُوا قدرية لَكِن كَانُوا لَا يقبلُونَ الإحتجاج على الْمعاصِي بِالْقدرِ كَمَا قيل للْإِمَام أَحْمد كَانَ ابْن أبي ذِئْب قدريا فَقَالَ النَّاس كل من شدد عَلَيْهِم الْمعاصِي قَالُوا هُوَ قدري وَلِهَذَا تَجِد الَّذين يشْهدُونَ الْقدر يُنكرُونَ على من أنكر الْمُنكر وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ قدر عَلَيْهِم فَيُقَال لهَذَا وإنكار الْمُنكر أَيْضا بِقدر الله فنقضت قَوْلك بِقَوْلِك وَمن جهلة مشايخهم من يَقُول أَنا كَافِر بِرَبّ يعْصى وَلَو قتلت سبعين نَبيا مَا كنت مخطئا وَيَقُول آخر (أَصبَحت منفعلا لما يختاره... مني ففعلي كُله طاعات) وَمن النَّاس من يظنّ أَن إحتجاج آدم على مُوسَى بِالْقدرِ كَانَ من هَذَا الْبَاب وَهَذَا جهل فَإِن الْأَنْبِيَاء من أعظم النَّاس أمرا بِمَا أَمر الله بِهِ ونهيا عَمَّا نهى عَنهُ فَكيف يسوغ لأجد مِنْهُم أَن يَعْصِي الله بِالْقدرِ وَأَيْضًا فَإِن آدم كَانَ قد تَابَ من الذَّنب وتيب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لَكَانَ حجَّة لإبليس وَفرْعَوْن وَغَيرهمَا وَلَكِن كَانَ ملام مُوسَى لآدَم لأجل الْمُصِيبَة الَّتِي لحقتهم بِسَبَب أكله وَلِهَذَا قَالَ لَهُ لماذا أخرجتنا وبنيك من
الْجنَّة وَالْعَبْد مَأْمُور أَن يرجع إِلَى الْقدر عِنْد المصائب لَا عِنْد الذُّنُوب والمعايب فيصبر على المصائب وَيَتُوب من الذُّنُوب قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ وَمَعْلُوم أَن الْأَفْعَال الإختيارية تكسب نفس الْإِنْسَان صِفَات محمودة وصفات مذمومة بِخِلَاف لَونه وقصره فَإِنَّهَا لَا تكسبه ذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس إِن للحسنة نورا فِي الْقلب وضياء فِي الْوَجْه وسعة فِي الرزق وَقُوَّة فِي الْبدن ومحبة فِي قُلُوب الْخلق فَالله تَعَالَى جعل أَفعَال العَبْد سَببا لهَذَا وَهَذَا كَمَا جعل أكل السم سَببا للمرض وَالْمَوْت لَكِن قد يدْفع ذَلِك بالترياق كَمَا أَن السَّيِّئَات قد يدْفع مقتضاها بِالتَّوْبَةِ والأعمال الصَّالِحَة الماحية والمصائب المكفرة وَإِذا قيل خلق الْفِعْل مَعَ حُصُول الْعقُوبَة عَلَيْهِ ظلم كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْلك خلق السم ثمَّ حُصُول التّلف بِهِ ظلم وَقد دلّت الدَّلَائِل اليقينية على أَن كل حَادث فَالله خالقه وَفعل العَبْد من جملَة الْحَوَادِث فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَإِذا قيل حدث الْفِعْل بِإِرَادَة العَبْد قُلْنَا الْإِرَادَة أَيْضا حَادِثَة فَلَا بُد لَهَا من سَبَب وَإِن شِئْت قلت الْفِعْل مُمكن فَلَا تَرْجِيح لوُجُوده على عَدمه إِلَّا بمرجح وَكَون العَبْد فَاعِلا لَهُ حَادث مُمكن فَلَا بُد لَهُ من مُحدث مُرَجّح وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين حَادث وحادث وَمن الْمَخْلُوقَات مَا قد يحصل بِهِ ضَرَر للْبَعْض كالأمراض والآلام وَفِي ذَلِك حِكْمَة لله فَإِذا كَانَ الْعقَاب على فعل العَبْد الإختياري لم يكن ظلما فالحادث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرب لَهُ فِيهِ حِكْمَة يحسن لأجل تِلْكَ الْحِكْمَة وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد عدل لِأَنَّهُ عُوقِبَ على فعله فَمَا ظلمه الله وَلَكِن هُوَ الظَّالِم وَلَو عاقبه الْوَالِي وَقطع يَده ورد إِلَى رب المَال سَرقته لعد حَاكما بِالْعَدْلِ وَلَو قَالَ لَهُ السَّارِق أَنا قدر على لم يكن هَذَا حجَّة لَهُ وَلَا مَانِعا لحكم الْوَالِي فَإِذا اقْتصّ الله من الظَّالِم يَوْم الْقِيَامَة كَانَ عادلا وَلَا ينفع الظَّالِم قَوْله أَنْت
قدرت عَليّ وَلَيْسَ الْقدر بِعُذْر لَهُ وَإِذا كَانَ الله هُوَ الْخَالِق لكل شَيْء فَذَاك لحكمة أُخْرَى لَهُ فِي الْفِعْل فخلقه حسن بِالنِّسْبَةِ لما فِيهِ من الْحِكْمَة وَلَقَد أنكر الْأَئِمَّة على من قَالَ جبر الله الْعباد كالثوري وَالْأَوْزَاعِيّ والزبيدي وَأحمد بن حَنْبَل وَقَالُوا الْجَبْر لَا يكون إِلَّا من عَاجز كَمَا يجْبر الْأَب ابْنَته على خلاف مرادها وَالله تَعَالَى خَالق الْإِرَادَة وَالْمرَاد فَيُقَال جبل الله الْعباد كَمَا جَاءَت بِهِ السّنة وَلَا يُقَال جبر قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأشج عبد الْقَيْس إِن فِيك لخلتين يحبهما الله الْحلم والأناة فَقَالَ أخلقين تخلقت بهما أم جبلت عَلَيْهِمَا قَالَ بل جبلت عَلَيْهِمَا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جبلني على خلتين يحبهما الله فجهة خلق الله وَتَقْدِيره غير جِهَة أمره وتشريعه فَإِن أمره وتشريعه مَقْصُوده بَيَان مَا ينفع الْعباد إِذا فَعَلُوهُ وَمَا يضرهم بِمَنْزِلَة أَمر الطَّبِيب الْمَرِيض بِمَا يَنْفَعهُ وحميته مِمَّا يضرّهُ فَأخْبر الله على ألسن رسله بمصير السُّعَدَاء والأشقياء وَأمر بِمَا يُوصل إِلَى السَّعَادَة وَنهى عَمَّا يُوصل إِلَى الشقاوة وَأما خلقه وَتَقْدِيره فَيتَعَلَّق بِهِ وبجملة الْمَخْلُوقَات فيفعل مَا لَهُ فِيهِ حِكْمَة مُتَعَلقَة بِعُمُوم خلقه وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك مضرَّة للْبَعْض كَمَا أَنه ينزل الْغَيْث رَحْمَة وَحِكْمَة وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك ضَرَر للْبَعْض بِسُقُوط منزله أَو إنقطاعه عَن سَفَره أَو تَعْطِيل معيشته وَيُرْسل الرُّسُل رَحْمَة وَحِكْمَة وَإِن كَانَ فِي ضمن ذَلِك أَذَى قوم وَسُقُوط رياستهم فَإِذا قدر على الْكَافِر كفره قدره لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة والمصلحة الْعَامَّة وعاقبه لإستحقاقه ذَلِك بِفِعْلِهِ الإختياري وَلما فِي عُقُوبَته من الْحِكْمَة والمصلحة الْعَامَّة
وَقِيَاس أَفعاله تَعَالَى على أفعالنا خطأ ظَاهر لِأَن السَّيِّد يَأْمر عَبده بِأَمْر لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ ولغرضه فَإِذا أثابه على ذَلِك كَانَ من بَاب الْمُعَاوضَة وَلَيْسَ هُوَ الْخَالِق لفعل الْمَأْمُور وَالله غَنِي عَن الْعباد إِنَّمَا أَمرهم بِمَا يَنْفَعهُمْ ونهاهم عَمَّا يضرهم أَمر إرشاد وَتَعْلِيم فَإِن أعانهم على فعل الْمَأْمُور فقد تمت نعْمَته وَإِن خذل وَلم يعن العَبْد حَتَّى فعل الذَّنب كَانَ لَهُ فِي ذَلِك حِكْمَة أُخْرَى وَإِن كَانَت مستلزمة تألم هَذَا فَإِنَّمَا يألم بأفعاله الَّتِي من شَأْنهَا أَن تورثه نعيما أَو عذَابا وَإِن ذَلِك الإيراث بِقَضَاء الله وَقدره فَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا وَهَذَا بَقِي الْكَلَام فِي نفس تِلْكَ الْحِكْمَة الْكُلية فَهَذِهِ لَيْسَ على النَّاس مَعْرفَتهَا ويكفيهم التَّسْلِيم لمن قد عرفُوا حكمته وَرَحمته وَقدرته فَمن الْمَعْلُوم مَا لَو علمه كثير من النَّاس لضرهم علمه فحكمته أكبر من الْعُقُول قَالَ تَعَالَى ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ وَهَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة غايات أَفعَال الله تَعَالَى وَنِهَايَة حكمته ولعلها أجل الْمسَائِل الإلهية وَمَا ضلت الْقَدَرِيَّة إِلَّا من جِهَة قِيَاس الله بخلقه فِي عدلهم وظلمهم كَمَا ضلت الجبرية الَّذين لَا يجْعَلُونَ لأفعال الله حِكْمَة وَلَا ينزهونه عَن ظلم وَدين الله بَين الغالي فِيهِ والجافي عَنهُ وقولك عَنْهُم وَلم يخلق فِيهِ قدرَة على الْإِيمَان فَهَذَا قَالَه من يَقُول إِن الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل فَمن لم يفعل شَيْئا لم يكن قَادِرًا عَلَيْهِ وَلَكِن لَا يكون عَاجِزا عَنهُ وَلَيْسَ ذَا قَول جُمْهُور السّنة بل يثبتون للْعَبد قدرَة هِيَ منَاط الْأَمر وَالنَّهْي غير الْقُدْرَة الْمُقَارنَة للْفِعْل وَتلك الْقُدْرَة تكون مُتَقَدّمَة على الْفِعْل بِحَيْثُ تكون لمن لم يطع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من إستطاع إِلَيْهِ سَبِيلا) فَأوجب الْحَج على المستطيع فَلَو لم يسْتَطع إِلَّا من حج لم يكن الْحَج إِلَّا على من
حج وَلَا عُوقِبَ أحد على ترك الْحَج وَقَالَ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ فَأوجب التَّقْوَى بِحَسب الإستطاعة فَلَو كَانَ من لم يتق الله لم يسْتَطع التَّقْوَى لم يكن قد أوجب التَّقْوَى إِلَّا على من اتَّقى وَأهل السّنة متفقون على أَن لله على عَبده الْمُطِيع نعْمَة دينية خصّه بهَا دون الْكَافِر وَأَنه أَعَانَهُ على الطَّاعَة قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾ وَعند الْقَدَرِيَّة هَذَا التحبب والتزين عَام فِي كل الْخلق وَالْآيَة تَقْتَضِي أَنه خَاص بِالْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس﴾ وَقَالَ ﴿بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان﴾ وَقد أمرنَا الله أَن نقُول ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ وَالدُّعَاء إِنَّمَا يكون لمستقبل غير حَاصِل وَهَذِه الْهِدَايَة غير الْهدى الَّذِي هُوَ بَيَان الرَّسُول وتبليغه قَالَ الله ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا﴾ وَقَالَ ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ وَهَذَا كثير جدا وَمِمَّا ورد فِي الإستطاعة قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات﴾ وَقَالَ ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمران ابْن حُصَيْن صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا فَإِن لم تستطع فعلى جنب فَإِنَّمَا نفى إستطاعة لَا فعل مَعهَا فالإستطاعة الْمَشْرُوطَة فِي الشَّرْع أخص من الإستطاعة الْمَعْلُومَة بِالْعقلِ فَإِن الشَّارِع ييسر على عباده وَيُرِيد بهم الْيُسْر فالمريض يَسْتَطِيع الْقيام مَعَ تَأَخّر برئه فَهَذَا فِي الشَّرْع غير مستطيع لأجل حُصُول الضَّرَر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ قد تسمى مستطيعا
فالشارع لَا ينظر فِي الإستطاعة الشَّرْعِيَّة إِلَى مُجَرّد الْإِمْكَان بل يُرَاعِي لَوَازِم ذَلِك فَإِذا كَانَ الشَّارِع قد اعْتبر فِي المكنة عدم الْمفْسدَة الراجحة فَكيف يُكَلف مَعَ الْعَجز وَلَكِن هَذِه الإستطاعة مَعَ بَقَائِهَا إِلَى حِين الْفِعْل لَا تَكْفِي فِي وجود الْفِعْل إِذْ لَو كفت لَكَانَ التارك كالفاعل بل لَا بُد من إِحْدَاث إِعَانَة أُخْرَى تقارن هَذِه مثل جعل الْفَاعِل مرِيدا فَإِن الْفِعْل لَا يتم إِلَّا بقدرة وَإِرَادَة والإستطاعة الْمُقَارنَة للْفِعْل تدخل فِيهَا الْإِرَادَة الجازمة بِخِلَاف الْمَشْرُوطَة فِي التَّكْلِيف فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهَا الْإِرَادَة فَالله يَأْمر بِالْفِعْلِ من لَا يُريدهُ لَكِن لَا يَأْمر بِهِ من يعجز عَنهُ كَمَا أَن السَّيِّد يَأْمر عَبده بِمَا لَا يُريدهُ وَلَا يَأْمُرهُ بِمَا يعجز عَنهُ وَإِذا اجْتمعت الْإِرَادَة الجازمة وَالْقُوَّة التَّامَّة لزم وجود الْفِعْل وَمن قَالَ الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل يَقُول كل كَافِر وفاسق قد كلف مَا لَا يُطَاق وَلَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاق قَول جُمْهُور أَئِمَّة السّنة بل يَقُولُونَ أوجب الله الْحَج على المستطيع حج أَو لم يحجّ وَأوجب صِيَام الشَّهْرَيْنِ فِي الْكفَّار كفر أَو لم يكفر وَأوجب الْعِبَادَة على الْقَادِر دون الْعَاجِز فعل أَو لم يفعل وَمَا لَا يُطَاق يُفَسر بشيئين بِمَا لَا يُطَاق للعجز عَنهُ فَهَذَا مَا كلفه أحد أَو بِمَا لَا يُطَاق للإشتغال بضده فَهَذَا الَّذِي وَقع بِهِ التَّكْلِيف كَمَا فِي أَمر الْعباد بَعضهم لبَعض فَإِنَّهُم يفرقون بَين هَذَا وَهَذَا فَلَا يَأْمر السَّيِّد عَبده الْأَعْمَى بنقط الْمَصَاحِف ويأمره عَبده الْقَاعِد أَن يقوم وَالْفرق بَينهمَا ضَرُورِيّ قَالَ الرافضي وَمِنْهَا إفحام الْأَنْبِيَاء وإنقطاع حجتهم لِأَن النَّبِي إِذا قَالَ للْكَافِرِ آمن بِي وصدقني يَقُول لَهُ قل لِرَبِّك يخلق فِي الْإِيمَان وَالْقُدْرَة المؤثرة حَتَّى أفعل وَإِلَّا فَكيف تكلفني الْإِيمَان وَلَا قدرَة لي عَلَيْهِ بل خلق فِي الْكفْر وَأَنا
لَا أتمكن من مقاهرته فَيَنْقَطِع النَّبِي وَلَا يتَمَكَّن من جَوَابه فَيُقَال هَذَا مقَام يكثر الْخَوْض فِيهِ وَكثير من البطالين إِذا أَمر بِمَا يجب عَلَيْهِ تعلل بِالْقدرِ وَقَالَ حَتَّى يقدرني الله على ذَلِك وَكَذَا إِذا نهي قَالَ قد قضي عَليّ بذلك أَي جبلة فِي والإحتجاج بِالْقدرِ حجَّة داحضة لَا يعْذر بهَا العَبْد وَلِهَذَا لما قَالَ الْمُشْركُونَ ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ فَإِن هَؤُلَاءِ علمُوا بفطرهم أَن حجتهم داحضة فَإِن أحدهم لَو ظلم الآخر فِي مَاله أَو فجر بامرأته أَو قتل وَلَده أَو كَانَ مصرا على الظُّلم فَنَهَاهُ النَّاس فَقَالَ لَو شَاءَ الله لم أفعل لم يقبلُوا مِنْهُ هَذِه الْحجَّة وَلَا هُوَ يقبلهَا من غَيره ولوجبت عُقُوبَته وَإِنَّمَا يحْتَج بهَا المحتج دفعا للوم بِلَا وَجه وَلَو كَانَ الإحتجاج بِالْقدرِ عذرا لما حصل فرق بَين الطائع والعاصي فَأثْبت الله عَلَيْهِم الْحجَّة بقوله ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾ ثمَّ أثبت الْقدر بقوله ﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ وَكِلَاهُمَا حق قَالَ وَمِنْهَا تَجْوِيز أَن يعذب الله سيد الْمُرْسلين على طَاعَته ويثيب إِبْلِيس على مَعْصِيَته لِأَنَّهُ يفعل لَا لغَرَض فَيكون فَاعل الطَّاعَة سَفِيها لِأَنَّهُ يتعجل بالتعب فِي الإجتهاد فِي الْعِبَادَة وَإِخْرَاج مَاله فِي عمَارَة الْمَسَاجِد والربط وَالصَّدقَات من غير نفع يحصل لَهُ لِأَنَّهُ قد يُعَاقِبهُ على ذَلِك وَلَو فعل عوض ذَلِك مَا يتلذذ بِهِ من الْمعاصِي قد يثيبه وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى خراب الْعَالم وإضطراب الدّين فَيُقَال هَذَا بَاطِل لم ينْقل أحد مِنْهُم أَن الله يعذب أنبياءه وَلَا أَنه قد يعذبهم بل اتَّفقُوا على أَنه يثيبهم لَا محَالة لِأَنَّهُ وعد بذلك وَهُوَ لَا يخلف الميعاد بل من النَّاس من يَقُول علمت إثابتهم بِالسَّمْعِ وَمِنْهُم
من قَالَ بِالْعقلِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وَهَذَا إستفهام إِنْكَار على من يظنّ ذَلِك فَعلم أَن التَّسْوِيَة بَين أهل الطَّاعَة وَأهل الْكفْر مِمَّا يعلم بُطْلَانه وَإِن ذَلِك من الحكم السيء الَّذِي تنزه الله عَنهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ ﴿أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين مَا لكم كَيفَ تحكمون﴾ وقولك مِنْهَا تَجْوِيز تَعْذِيب الْأَنْبِيَاء إِن أردْت أَنهم يَقُولُونَ إِنَّه قَادر على ذَلِك فَأَنت لَا تنَازع فِي الْقُدْرَة وَإِن أردْت أَنا نشك هَل يَفْعَله أَو لَا يَفْعَله فمعلوم أَنا لَا نشك بل نقطع بِدُخُول أَنْبيَاء الله وأوليائه جنته وبدخول إِبْلِيس وَحزبه النَّار وَإِن أردْت أَن من قَالَ يفعل لَا لحكمة يلْزمه تَجْوِيز هَذَا فَهَذَا قَول لبَعض الْمُتَكَلِّمين لَكِن أَكثر أهل السّنة لَا يَقُولُونَ ذَلِك ثمَّ الْكل متفقون على أَن وجود الطَّاعَة نَافِع وَعدمهَا مُضر قَالَ وَمِنْهَا أَنه لَا يتَمَكَّن أحد من تَصْدِيق نَبِي لِأَن التَّوَصُّل إِلَى ذَلِك إِنَّمَا يتم بمقدمتين إِحْدَاهمَا أَن الله فعل المعجز على يَد النَّبِي لأجل التَّصْدِيق وَالثَّانيَِة أَن كل من صدقه الله فَهُوَ صَادِق فكلا المقدمتين لَا تتمّ على قَوْلهم لِأَنَّهُ إِذا إستحال أَن يفعل لغَرَض إستحال أَن تظهر المعجزات لأجل التَّصْدِيق وَإِذا كَانَ فَاعِلا للقبيح ولأنواع الضلال والمعاصي وَالْكذب جَازَ أَن يصدق الْكذَّاب فَلَا يَصح الإستدلال على صدق نَبِي وَلَا نَذِير قُلْنَا قد تقدم أَن أَكثر أهل السّنة المثبتين للقدر وَغَيرهم يَقُولُونَ إِن الله يفعل لحكمة فَهَذَا القَوْل وضده لَا يخرج عَن أَقْوَال السّنة وَأَيْضًا فَلَا نسلم أَن تَصْدِيق النَّبِي لَا يُمكن إِلَّا بطرِيق الإستدلال بالمعجزات بل الطّرق الدَّالَّة على صدقه مُتعَدِّدَة غير المعجزات وَمن قَالَ لَا طَرِيق إِلَّا ذَلِك فعلى النَّافِي الدَّلِيل ثمَّ إِن دلَالَة المعجزة على الصدْق دلَالَة ضَرُورِيَّة
لَا تحْتَاج إِلَى نظر فَإِن إقتران المعجزة بِدَعْوَى النُّبُوَّة يُوجب علما ضَرُورِيًّا أَن الله أظهرها لصدقه كَمَا أَن من قَالَ لملك من الْمُلُوك إِن كنت أرسلتني إِلَى هَؤُلَاءِ فانقض عادتك وقم واقعد ثَلَاث مَرَّات فَفعل ذَلِك الْملك علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَنه فعل ذَلِك لأجل تَصْدِيقه وقولك إِذا كَانَ فَاعِلا للقبيح جَازَ أَن يصدق الْكذَّاب قُلْنَا مَا فِي الْمُسلمين من يَقُول إِن الله يفعل قبيحا وَمن قَالَ أَنه خَالق أَفعَال الْعباد يَقُول ذَلِك الْفِعْل قَبِيح مِنْهُم لَا مِنْهُ كَمَا أَنه ضار لَهُم لَا لَهُ ثمَّ الْآخرُونَ يَقُولُونَ إِن ذَلِك الْفِعْل مفعول لَهُ وَهُوَ فعل للْعَبد وَأما نفس خرق الْعَادة فَلَيْسَتْ فعلا للعباد حَتَّى يُقَال إِنَّهَا قبيحة مِنْهُم وتصديق الْكذَّاب إِنَّمَا يكون بإخباره أَنه صَادِق سَوَاء كَانَ ذَلِك بقول أَو فعل يجْرِي مجْرى القَوْل وَذَلِكَ مُمْتَنع مِنْهُ لِأَنَّهُ صفة نقص وَالله منزه عَن النَّاقِص قَالَ وَمِنْهَا أَنه لَا يَصح أَن يُوصف الله أَنه غَفُور حَلِيم عَفْو لِأَن وَصفه بِهَذَا إِنَّمَا يثبت لَو كَانَ مُسْتَحقّا لعقاب الْفُسَّاق بِحَيْثُ إِذا أسْقطه عَنْهُم كَانَ غَفُورًا عفوا وَإِنَّمَا يسْتَحق الْعقَاب إِذا كَانَ الْعِصْيَان من العَبْد لَا من الله فَنَقُول الْجَواب من وُجُوه أَحدهَا أَن كثيرا من أهل السّنة يَقُول لَا نسلم أَن وَصفه بِهَذِهِ إِنَّمَا يثبت لَو كَانَ مُسْتَحقّا بل الْوَصْف بهَا يثبت إِذا كَانَ قَادِرًا على الْعقَاب مَعَ قطع النّظر عَن الإستحقاق فيفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد الثَّانِي أَن قَول الْقَائِل يسْتَحق الْعقَاب يَعْنِي بِهِ أَن عِقَابه للعصاة عدل مِنْهُ أَو يَعْنِي بِهِ أَنه مُحْتَاج إِلَى ذَلِك أما الأول فمتفق عَلَيْهِ فعفوه ومغفرته بِفضل وإحسان مِنْهُ وَهَذَا يَقُول بِهِ من يَقُول إِنَّه خَالق أفعالهم والقائلون بِأَنَّهَا أَفعَال لَهُ كسب لَهُم متفقون على أَن الْعقَاب عدل مِنْهُ الثَّالِث أَن يُقَال الْمَغْفِرَة وَالْعَفو وَالرَّحْمَة إِمَّا أَن يُوصف بهَا مَعَ كَون الْعقَاب قبيحا
على قَول من يَقُول بذلك وَإِمَّا أَن لَا يُوصف بهَا إِلَّا إِذا كَانَ الْعقَاب سائغا فَإِن كَانَ الأول لزم أَن لَا يكون غفارًا لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى لِأَن عِقَاب هَؤُلَاءِ قَبِيح وَالْمَغْفِرَة لَهُم وَاجِبَة عِنْد أهل هَذَا القَوْل وَيلْزم أَن لَا يكون رحِيما وَلَا غَفُورًا للأنبياء وَيلْزم أَن لَا يكون رحِيما غَفُورًا لمن ظلم ثمَّ بدل حسنا بعد سوء وَقد ثَبت أَنه غفار للتوابين رَحِيم بِالْمُؤْمِنِينَ فَعلم أَنه مَوْصُوف بالمغفرة وَالرَّحْمَة مُطلقًا الرَّابِع أَن الْعِصْيَان من العَبْد بِمَعْنى أَنه فَاعله عِنْد الْأَكْثَر وَبِمَعْنى أَنه كاسبه عِنْد الْبَعْض وَبِهَذَا القَوْل يسْتَحق الْآدَمِيّ أَن يُعَاقب الظَّالِم فإستحقاق الله عِقَاب الظَّالِم أولى بذلك وَأما كَونه خَالِقًا لذَلِك فَذَاك أَمر يعود إِلَيْهِ وَله فِيهِ حِكْمَة عِنْد الْجُمْهُور الْقَائِلين بالحكمة أَو لمحض الْمَشِيئَة عِنْد من لَا يُعلل بالحكمة قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ تَكْلِيف الْكَافِر بِالْإِيمَان وَلَا قدرَة لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَبِيح عقلا وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ فَالْجَوَاب أَن المثبتين للقدر لَهُم فِي قدرَة العَبْد قَولَانِ أَحدهمَا أَن قدرته لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل وعَلى هَذَا فالكافر الَّذِي قد سبق فِي علم الله أَنه لَا يُؤمن لَا يقدر على الْإِيمَان أبدا الثَّانِي أَن الْقُدْرَة الْمَشْرُوطَة فِي التَّكْلِيف تكون قبل الْفِعْل وبدونه وَإِلَى حِين وُقُوعه وَالْقُدْرَة المستلزمة للْفِعْل فَلَا بُد أَن تكون مَعَه وأصل قَوْلهم أَن الله خص الْمُؤمن بِنِعْمَة يَهْتَدِي بهَا لم يُعْطهَا الْكَافِر وَأَن العَبْد لَا بُد أَن يكون قَادِرًا حِين الْفِعْل خلافًا لمن زعم أَنه لَا يكون قَادِرًا إِلَّا قبل الْفِعْل وَأَن النِّعْمَة على الْكَافِر وَالْمُؤمن سَوَاء إِلَى أَن قَالَ وعَلى قَول جُمْهُور السّنة الْقَائِلين بِأَن الْكَافِر يقدر على الْإِيمَان يبطل
هَذَا الْإِيرَاد وعَلى قَول الآخرين فيلتزمونه وَأي الْقَوْلَيْنِ كَانَ الصَّوَاب فَهُوَ غير خَارج عَن أَقْوَال أهل السّنة وَأَيْضًا فتكليف مَا لَا يُطَاق كتكليف الزَّمن الْمَشْي وتكليف الْآدَمِيّ الطيران فَغير وَاقع فِي الشَّرِيعَة عِنْد جَمَاهِير أهل السّنة المثبتين للقدر وَلَيْسَ فِيمَا ذكره مَا يَقْتَضِي لُزُوم وُقُوع هَذَا وَأما مَا لَا يُطَاق للإشتغال بضده كإشتغال الْكَافِر بالْكفْر الصَّاد عَن الْإِيمَان وكالقاعد فِي حَال قعوده فَإِن إشتغاله بالقعود يمْنَع أَن يكون قَائِما والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنَافِي إِرَادَة الآخر وتكليف الْكَافِر الْإِيمَان من هَذَا الْبَاب وَمثل هَذَا لَا نسلم أَنه قَبِيح عقلا بل الْعُقَلَاء متفقون على أَن أَمر الْإِنْسَان وَنَهْيه بِمَا لَا يقدر عَلَيْهِ حَال الْأَمر وَالنَّهْي لإشتغاله بضده إِذا أمكن أَن يتْرك ذَلِك الضِّدّ وَيفْعل الْمَأْمُور بِهِ مُمكن سَائِغ الْخَامِس أَن تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إِذا فسر بِأَنَّهُ الْفِعْل الَّذِي لَيْسَ لَهُ قدرَة عَلَيْهِ تقارن مقدورها كَانَ دَعْوَى إمتناعه بِهَذَا التَّفْسِير مورد نزاع فَيحْتَاج نَفْيه إِلَى دَلِيل قَالَ وَمِنْهَا أَن تكون أفعالنا الإختيارية الْوَاقِعَة بِحَسب قصودنا ودواعينا مثل حركتنا يمنة ويسرة كالأفعال الإضطرارية مثل حَرَكَة النبض وحركة الْوَاقِع من شَاهِق وَالْفرق بَينهمَا ضَرُورِيّ قُلْنَا هَذَا يلْزم من يَقُول العَبْد لَا قدرَة لَهُ على أَفعاله الإختيارية وَلَيْسَ هَذَا قَول إِمَام مَعْرُوف وَلَا طَائِفَة من السّنة والمثبتة للقدر إِلَّا مَا يحْكى عَن الجهم بن صَفْوَان وغلاة المثبتة أَنهم سلبوا العَبْد قدرته وَقَالُوا حركته كحركة الْأَشْجَار وَأَشد الطوائف قربا من هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ مَعَ هَذَا يثبت للْعَبد قدرَة محدثة وَيَقُول الْفِعْل كسب العَبْد لكنه يَقُول لَا تَأْثِير لقدرته فِي إِيجَاد الْمَقْدُور
فَمَا أثْبته من الْكسْب لَا يعقل وَنحن لَا ننكر أَن بعض أهل السّنة قد يخطيء لَكِن لَا يتفقون على الْخَطَأ كَمَا تتفق الإمامية على الْخَطَأ بل كل مَسْأَلَة خَالَفت فِيهَا الإمامية أهل السّنة فَالصَّوَاب فِيهَا مَعَ أهل السّنة فالجمهور على أَن العَبْد لَهُ قدرَة حَقِيقَة وَهُوَ فَاعل حَقِيقَة وَالله خَالق فعله لقَوْله تَعَالَى ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن إِبْرَاهِيم ﴿رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك﴾ وَقَالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا﴾ وَقَالَ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت﴾ وَقَالَ ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ أثبت مَشِيئَة العَبْد وَأخْبر أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا بِمَشِيئَة الرب تَعَالَى وَقد أخبر أَن الْعباد يَفْعَلُونَ ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويصدقون ويكذبون فِي مَوَاضِع جمة وَأَن لَهُم قُوَّة واستطاعة وشناعاته تلْزم من لَا يفرق بَين فعل الرب ومفعوله أَو يَقُول إِن أَفعَال الْعباد فعل الله أَو يَقُول لَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات قوى وَلَا طبائع وَقد دلّت النُّصُوص على ذَلِك والعقول قَالَ تَعَالَى ﴿سقناه لبلد ميت فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات﴾ وَقَالَ ﴿فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه﴾ وَقَالَ ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا﴾ وَقَالَ ﴿أولم يرَوا أَن الله الَّذِي خلقهمْ هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة﴾ وَقَالَ ﴿خَلقكُم من ضعف ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة﴾ وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأشج عبد الْقَيْس إِن فِيك لخصلتين يحبهما الله الْحلم والأناة إِلَى أَن قَالَ شَيخنَا فأفعال الْعباد حَادِثَة بعد أَن لم تكن فَحكمهَا حكم سَائِر الْحَوَادِث وَهِي مُمكنَة من الممكنات فَحكمهَا حكم سَائِر الممكنات فَمَا من دَلِيل اسْتدلَّ بِهِ على أَن بعض
الْحَوَادِث الممكنات مخلوقة لله تَعَالَى إِلَّا وَهُوَ يدل على أَن أفعالنا مخلوقة لله تَعَالَى فَإِنَّهُ قد علم أَن الْمُحدث لَا بُد لَهُ من مُحدث وَهَذِه مُقَدّمَة ضَرُورِيَّة عِنْد الْجُمْهُور وَكَذَلِكَ الْمُمكن لَا بُد لَهُ من مُرَجّح تَامّ فَإِذا كَانَ فعل العَبْد حَادِثا فَلَا بُد لَهُ من مُحدث وَإِذا قيل الْمُحدث هُوَ العَبْد يكون العَبْد صَار مُحدثا لَهُ بعد أَن أم لم يكن فَهُوَ أَيْضا أَمر حَادث فَلَا بُد لَهُ من مُحدث إِذْ لَو كَانَ العَبْد لم يزل مُحدثا لَهُ لزم دوَام ذَلِك الْفِعْل الْحَادِث وَإِذا كَانَ إحداثه لَهُ حَادِثا من فَلَا بُد لَهُ من مُحدث وَإِذا قيل الْمُحدث إِرَادَة العَبْد قيل فإرادته أَيْضا حَادِثَة لَا بُد لَهَا من مُحدث وَإِن قيل حدثت بِإِرَادَة من العَبْد قيل وَتلك الْإِرَادَة لَا بُد لَهَا أَيْضا من مُحدث فَأَي مُحدث فرضته فِي العَبْد فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْحَادِث الأول وَإِن جعلته قَدِيما أزليا كَانَ هَذَا مُمْتَنعا لِأَن مَا يقوم بِالْعَبدِ لَا يكون قَدِيما وَإِن قلت هُوَ وصف العَبْد وَهِي قدرته المخلوقة فِيهِ وَالْقَوْل فِيهَا كالقول فِي الْإِرَادَة فَلَا بُد أَن يكون الْمُرَجح التَّام من الله تَعَالَى ودقق الْعَلامَة شَيخنَا النّظر هُنَا واستوعب وسَاق تسلسل الْحَوَادِث قَالَ المُصَنّف وَمِنْهَا أَنه لَا يبْقى فرق بَين من أحسن غَايَة الْإِحْسَان عمره وَبَين من أَسَاءَ غَايَة الْإِسَاءَة عمره وَلم يحسن منا شكر الأول وذم الثَّانِي لِأَن الْفِعْلَيْنِ صادران من الله تَعَالَى فَيُقَال هَذَا بَاطِل فَإِن إشتراك الْفِعْلَيْنِ فِي كَون الرب خلقهما لَا يسْتَلْزم إشتراكهما فِي الحكم فَإِن جَمِيع مَا سوى الله مُشْتَرك فِي كَون الله خلقه قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور﴾ الْآيَة وَالله خَالق الْجنَّة وَالنَّار وخالق الْعَالم وَالْجَاهِل وخالق الْعَسَل والسم واللذة والألم وخالق آدم وإبليس وَإِذا كَانَ الشَّرْع وَالْعقل متطابقين على أَن مَا جعل الله فِيهِ مَنْفَعَة ومصلحة يجب مدحه وَإِن كَانَ جمادا فَكيف لَا يكون من جعله محسنا غَايَة الْإِحْسَان إِلَى الْخلق
أَحَق بالمدح وَكَذَلِكَ فِي جَانب الشَّرّ والقدري يَقُول لَا يكون العَبْد مَحْمُودًا على إحسانه وَلَا مذموما على إساءته إِلَّا بِشَرْط أَلا يكون الله جعله محسنا إِلَيْنَا وَلَا من بِهِ علينا إِذا فعل الْخَيْر وَلَا ابتلانا بِهِ إِذا فعل الشَّرّ وَحَقِيقَة قَوْلهم إِنَّه حَيْثُ يشْكر العَبْد لَا يشْكر الرب وَحَيْثُ يشْكر الرب لَا يشْكر العَبْد وَأَنه لَا منَّة لله علينا فِي تَعْلِيم الرَّسُول وتبليغه إِلَيْنَا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم﴾ الْآيَة وَيَقُول لَا تكون لله نعْمَة على عباده بإستغفار الْمَلَائِكَة لَهُم وَتَعْلِيم الْعلمَاء وَعدل الْوُلَاة عَلَيْهِم وَيَقُولُونَ لَا يقدر الله أَن يَجْعَل الْمُلُوك عادلين وَلَا جائرين وَلَا يقدر أَن يصير أحدا محسنا إِلَى أحد وَلَا مسيئا إِلَى أحد وعَلى لَازم قَوْلهم لَا يسْتَحق الله أَن يشْكر بِحَال لِأَن الشُّكْر إِنَّمَا يكون على النعم الدِّينِيَّة أَو الدُّنْيَوِيَّة أَو الأخروية فالدنيوية عِنْدهم وَاجِبَة على الله والدينية فَمَا فعلهَا بِنَا وَلَا يقدر أَن يَجْعَل أحدا مُؤمنا وَلَا يهدي أحدا وَلَا يَجْعَل برا وَلَا تقيا وَلَا يقدره على خير أصلا وَأما النعم الأخروية فالجزاء وَاجِب عَلَيْهِ فَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا للحق وجنبنا هَذِه الضلالات فالمقرون بِالْقدرِ يمدحون المحسن ويذمون الْمُسِيء مَعَ إتفاقهم على أَن الله خَالق الْفِعْلَيْنِ فَقَوله يلْزمهُم أَن لَا يفرقُوا بَين هَذِه وَهَذَا لُزُوم مَالا يلْزم وَغَايَة الْأَمر أَن يكون الله جعل هَذَا مُسْتَحقّا للمدح وَالثَّوَاب وَهَذَا مُسْتَحقّا للذم وَالْعِقَاب فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يمْتَنع أَن يمدح ذَا ويذم ذَا قَالَ وَمِنْهَا التَّقْسِيم الَّذِي ذكره مولَايَ الإِمَام مُوسَى الكاظم وَقد سَأَلَهُ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى ومُوسَى صبي فَقَالَ الْمعْصِيَة مِمَّن فَقَالَ إِمَّا من العَبْد اَوْ من الله أَو مِنْهُمَا فَإِن كَانَت من الله قالله أنصف من أَن يظلم عَبده ويؤاخذه بِمَا لَا يفعل وَإِن كَانَت مِنْهُمَا فَهُوَ شَرِيكه وَالْقَوِي أولى بإنصاف عَبده الضَّعِيف وَإِن كَانَت من العَبْد
وَحده فَعَلَيهِ وَقع الْأَمر وإلبه يتَوَجَّه الذَّم فَقَالَ أَبُو حنيفَة ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض فَيُقَال مَا ذكرت بسندها فنعلم صِحَّتهَا ولعلها كذب فَإِن أَبَا حنيفَة مقرّ بِالْقدرِ وَقد رد على الْقَدَرِيَّة فِي الفقة الْأَكْبَر فَكيف يستصوب قَول من يَقُول إِن الله لم يخلق أَفعَال الْعباد ثمَّ مُوسَى بن جَعْفَر وَسَائِر عُلَمَاء أهل الْبَيْت مثبتون الْقدر وَكَذَلِكَ قدماء الشِّيعَة وَإِنَّمَا قَالُوا بِالْقدرِ فِي دولة بني بويه حِين خالطوا الْمُعْتَزلَة وَأَيْضًا فَهَذَا الْكَلَام المحكي عَن مُوسَى بن جَعْفَر يَقُوله أصاغر الْقَدَرِيَّة وصبيانهم وَهُوَ مَعْرُوف من حِين حدثت الْقَدَرِيَّة قبل أَن يُولد مُوسَى بن جَعْفَر والقدرية حدثوا زمن ابْن الزبير وَعبد الْملك وَقَول الْقَائِل الْمعْصِيَة مِمَّن لفظ مُجمل فَإِن الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة عمل وَعرض قَائِم بِغَيْر فَلَا بُد لَهُ من مَحل يقوم بِهِ وَهِي قَائِمَة بِالْعَبدِ لَا محَالة وَلَيْسَت قَائِمَة بِاللَّه تبَارك وَتَعَالَى بِلَا ريب وَمَعْلُوم أَن كل مَخْلُوق يُقَال هُوَ من الله بِمَعْنى أَنه خلقه بَائِنا عَنهُ لَا بِمَعْنى أَنه قَامَ بِهِ واتصف بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم أَن يكون الْكَافِر مُطيعًا بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ فعل مَا هُوَ مُرَاد الله فَهَذَا مَبْنِيّ على أَن الطَّاعَة هَل هِيَ مُوَافقَة لِلْأَمْرِ أَو مُوَافقَة للإرادة وَهِي مَبْنِيَّة على أَن الْأَمر هَل يسْتَلْزم الْإِرَادَة أم لَا وَقد قدمنَا أَن الله خَالق أَفعَال الْعباد بإرادته وَقد يخلق مالم يَأْمر بِهِ وَأجْمع الْعلمَاء أَن الرجل لَو حلف ليقضينه حَقه فِي غَد إِن شَاءَ الله فَخرج الْغَد وَلم يقضه مَعَ قدرته على الْقَضَاء لم يَحْنَث وَلَو كَانَت مَشِيئَة الله بِمَعْنى أمره لحنث لِأَنَّهُ مَأْمُور
بذلك وَكَذَلِكَ سَائِر الْحلف على فعل مَأْمُور إِذا علقه بِالْمَشِيئَةِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ مَعَ أَنه قدر أَمرهم بِالْإِيمَان فَعلم أَن الْأَمر غير الْمَشِيئَة كَذَلِك قَوْله ﴿وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا﴾ دَلِيل على أَنه أَرَادَ إضلاله وَهُوَ لم يَأْمُرهُ بالضلالة وَقد ذكرنَا أَن الْإِرَادَة وَردت بمعنيين إِرَادَة قدرية وَإِرَادَة شَرْعِيَّة فَهَذِهِ متضمنة للمحبة وَالرِّضَا لَا الأولى قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم نِسْبَة السَّفه إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَأْمر الْكَافِر بِالْإِيمَان وَلَا يُريدهُ مِنْهُ قُلْنَا قد قَررنَا أَن الْإِرَادَة نَوْعَانِ إِرَادَة الْخلق وَإِرَادَة الْأَمر قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم أَن نستعيذ بإبليس من الله وَلَا يحسن قَوْله تَعَالَى ﴿فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان﴾ لأنههم نزهوا إِبْلِيس وَالْكَافِر عَن الْمعاصِي وأضافوها إِلَى الله فَيكون شرا على عَبده من إِبْلِيس تَعَالَى الله عَن ذَلِك فَيُقَال هَذَا كَلَام سَاقِط فإمَّا أَن يكون لأبليس فعل أَو لَا فَإِن لم يكن لَهُ فعل امْتنع أَن يستعاذ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يفعل شَيْئا فَلَا يعيذ حِينَئِذٍ أحدا وَإِن كَانَ لَهُ فعل بَطل تنزيهه عَن الْمعاصِي فَسقط الإعتراض بِهِ على قَول من أثبت الْقدر أَو نَفَاهُ وَيُقَال إِنَّمَا تحسن الإستعاذة بإبليس لَو كَانَ يُمكنهُ أَن يعيذهم من الله سَوَاء كَانَ الله خَالِقًا لأفعال الْعباد أَو لَا وَهَؤُلَاء الْقَدَرِيَّة كالمصنف وَأَمْثَاله مَعَ قَوْلهم إِن إِبْلِيس يفعل مَا لَا يقدره الله وَيفْعل بِغَيْر إِرَادَة الله وَأَن الله لَا يقدر على أَن يُغير أحدا من عمل إِلَى عمل لَا من خير إِلَى شَرّ وَلَا من شَرّ إِلَى خير وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يَقُول أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك وبل وَبِك مِنْك فاستعاذ بِبَعْض صِفَاته
وأفعاله من بعض حَتَّى استعاذ بِهِ مِنْهُ فَكيف يمْتَنع أَن يستعاذ بِهِ من بعض مخلوقاته ثمَّ أهل السّنة لَا يُنكرُونَ أَن يكون دُعَاء العَبْد لرَبه وإستعاذته بِهِ سَببا لنيل الْمَطْلُوب وَدفع المرهوب وَالله أرْحم لِعِبَادِهِ من الوالدة بِوَلَدِهَا فيستعاذ بِهِ من شَرّ أَسبَاب الشَّرّ الَّتِي قَضَاهَا بِحِكْمَتِهِ فَمن قَالَ بالحكمة وَالْعلَّة يَقُولُونَ خلق إِبْلِيس كَمَا خلق الْحَيَّات والعقارب وَالنَّار لما فِي خلقه ذَلِك من الْحِكْمَة وامرنا أَن ندفع الضَّرَر عَنَّا بِكُل مَا نقدر عَلَيْهِ وَمن أعظم الْأَسْبَاب إستعاذتنا بِهِ حِكْمَة وَرَحْمَة وَمن لَا يَقُول بِالْعِلَّةِ وَالْحكمَة فَإِنَّهُ يَقُول خلق إِبْلِيس الضار لِعِبَادِهِ وَجعل إستعاذتنا طَرِيقا إِلَى دفع ضَرَره كَمَا جعل إطفاء النَّار طَرِيقا إِلَى دفع حريقها والترياق طَرِيقا إِلَى دفع السم فَهُوَ خَالق النافع والضار وأمرنا بِمَا ينفعنا ثمَّ إِن أعاننا كَانَ محسنا وَإِلَّا فَلهُ أَن يفعل مَا شَاءَ وَقَوله نزهوا إِبْلِيس وَالْكَافِر من الْمعاصِي فَهَذَا فِرْيَة فَإِنَّهُم متفقون على أَن العَاصِي هُوَ المتصف بالمعصية والمذموم عَلَيْهَا وَأَن الْأَفْعَال يُوصف بهَا من قَامَت بِهِ لَا من خلقهَا وَأَن إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا الَّذِي قَامَت بِهِ من إِضَافَة الْمَخْلُوق إِلَى خالقه ثمَّ أَخذ القدري يسهب فِي هذيانه وغيه فَقَالَ وَمِنْهَا أَنه لَا يبقي وثوق بوعد الله ووعيده لأَنهم جوزوا إِسْنَاد الْكَذِب فِي الْعَالم إِلَيْهِ فَجَاز أَن يكذب فِي إخباراته كلهَا فتنتفي فَائِدَة بعثة الرُّسُل قلت الْفرق بَين الْخَالِق وَبني الْفَاعِل مَعْلُوم بَين الْعُقَلَاء فَإِذا خلق الله لغيره حَرَكَة لم يكن هُوَ المتحرك وَإِذا خلق للرعد صَوتا لم يكن هُوَ المصوت وَإِذا خلق الألوان فِي النَّبَات وَالْحَيَوَان لم يكن هُوَ المتصف بِتِلْكَ الألوان وَإِذا خلق فِي غَيره علما وحياة وقدرة لم تكن تِلْكَ الْمَخْلُوقَات فِي غَيره صِفَات لَهُ وَإِذا خلق فِي غَيره عمى وصمما لم يكن هُوَ الْمَوْصُوف بالعمى والصمم وَإِذا خلق فِي غَيره صوما وطوافا وخشوعا لم يكن هُوَ الصَّائِم وَلَا الطَّائِف وَلَا الخاشع أما قَوْله تَعَالَى (وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى) مَعْنَاهُ مَا أصبت إِذْ حذفت وَلَكِن
الله هُوَ الَّذِي أصَاب فَمِنْهُ الْحَذف بِالْيَدِ وَمن من الله الإيصال إِلَى الْعَدو كلهم وَلَيْسَ المُرَاد بذلك مَا يَظُنّهُ بعض النَّاس أَنه لما خلق الرَّامِي وَالرَّمْي كَانَ هُوَ الرَّامِي فِي الْحَقِيقَة فَإِن ذَلِك لَو صَار فِي كل فعل لَكُنْت تَقول مَا مشيت إِذْ مشيت وَلَكِن الله مَشى وَمَا ركبت إِذْ ركبت وَلَكِن الله ركب وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ وَبطلَان ذَلِك مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَلِهَذَا يرْوى أَن عُثْمَان كَانُوا يرمونه بِالْحِجَارَةِ لما حصر فَقَالَ علام ترمونني فَقَالُوا مَا رميناك وَلَكِن الله رماك فَقَالَ إِن الله لَو رماني لأصابني وَلَكِن أَنْتُم ترمونني فتخطئونني الْوَجْه الآخر أَنهم يجوزون أَنه تَعَالَى يخلق الْقُدْرَة على الْكَذِب مَعَ علمه بِأَن صَاحبهَا يكذب وَكَذَا الْقُدْرَة على الظُّلم وَالْفُحْش وَمَعْلُوم أَن الْوَاحِد منا يجْرِي تَمْكِينه من القبائح وإعانته عَلَيْهَا مجْرى فعله لَهَا فَمن أعَان غَيره على الْكَذِب وَالظُّلم كَانَ الْفَاعِل قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أعطَاهُ الْقُدْرَة ليطيع لَا ليعصي قيل إِذا كَانَ عَالما بِأَنَّهُ يَعْصِي كَانَ بِمَنْزِلَة من أعْطى آخر سَيْفا لِيُقَاتل بِهِ الْكفَّار مَعَ علمه بِأَنَّهُ يقتل نَبيا وَهَذَا لَا يجوز فِي حَقنا فتعالى الله عَن ذَلِك الثَّالِث أَن يُقَال لَيْسَ كل مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُمكن نشك فِي وُقُوعه بل نعلم أَنه لَا يفعل أَشْيَاء مَعَ أَنه قَادر عَلَيْهَا وَهِي مُمكنَة فَلَا يقلب الْبَحْر زئبقا وَالْجِبَال ياقوتا وَعلمنَا بِأَنَّهُ تَعَالَى منزه عَن الْكَذِب وَأَنه مُمْتَنع عَلَيْهِ قطعا الرَّابِع نَحن نعلم بِأَنَّهُ مَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال وَأَن كل كَمَال ثَبت لموجود فَهُوَ أَحَق بِهِ وكل نقص منزه عَنهُ ونعلم أَن الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة صِفَات كَمَال فَهُوَ أَحَق بهَا وَكَذَلِكَ الصدْق كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أصدق من الله حَدِيثا﴾ وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أصدق الْكَلَام كَلَام الله الْخَامِس أَن كَلَامه قَائِم بِذَاتِهِ غيرمخلوق عِنْد أهل السّنة فَإِن الْكَلَام صفة
كَمَال فَلَا بُد أَن يَتَّصِف بهَا سَوَاء قَالُوا إِنَّه لَا يتَعَلَّق بمشيئته وَقدرته وَهُوَ معنى قَائِم بِالنَّفسِ أَو حُرُوف اَوْ أصوات قديمَة أَو قَالُوا إِنَّه مُتَعَلق بمشيئته وَأَنه تكلم بعد أَن لم يكن متكلما أَو أَنه لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وَالْكذب صفة نقص كالصمم والبكم والعمى وَمَعَ أَنه يخلق خلقه متصفين بذلك وَلَا يقوم بِهِ فَكَذَلِك يخلق الْكَذِب فِي الْكَاذِب وَلَا يقوم بِهِ السَّادِس أَن هَذَا السُّؤَال وَارِد عَلَيْكُم فَإِنَّكُم تَقولُونَ يخلق فِي غَيره كلَاما يكون كَلَامه مَعَ كَونه قَائِما بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَخْلُوق وَأَن الْكَلَام الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ الْعباد لَيْسَ هُوَ كَلَامه وَلَا مخلوقا لَهُ فَإِذا كَانَ هَذَا صدقا وَهَذَا صدقا فَلَا بُد أَن يعترفوا أَن هَذَا كَلَامه وَهَذَا لَيْسَ بِكَلَامِهِ وقولك وَجَاز إرْسَال الْكذَّاب فَنَقُول لَا ريب أَن الله يُرْسل الْكذَّاب كَقَوْلِه ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ وَكَقَوْلِه ﴿بعثنَا عَلَيْكُم عبادا لنا﴾ لَكِن لَا يكون ذَا إِلَّا مَقْرُونا بِمَا يبين كذبهمْ كَمَا فِي مثل مُسَيْلمَة وَالْأسود الْعَنسِي وَلَيْسَ فِي إرسالهم مَا يمْنَع التَّمْيِيز بَين الصَّادِق والكاذب وَإِذا خلق من يَدعِي النُّبُوَّة وَهُوَ كَاذِب فَإِن قَالُوا يجوز إِظْهَار أَعْلَام الصدْق عَلَيْهِ كَانَ هَذَا مَمْنُوعًا وَهُوَ بَاطِل بالإتفاق وَإِن قَالُوا لَا لم يكن مُجَرّد إدعاء النُّبُوَّة بِلَا علم على الصدْق ضارا فَإِن مدعي الطِّبّ أَو أَنه صانع بِلَا علم يدل على صدقه لم يلْتَفت إِلَيْهِ فَكيف مدعي النُّبُوَّة وَإِن قَالُوا إِذا جوزتم عَلَيْهِ أَن يخلق الْكَذِب فِي الْكذَّاب فجوزوا عَلَيْهِ أَن يظْهر على يَدَيْهِ أَعْلَام الصدْق قيل هَذَا مُمْتَنع لِأَن أَدِلَّة الصدْق تَسْتَلْزِم الصدْق إِذْ الدَّلِيل مُسْتَلْزم للمدلول وَإِظْهَار أَعْلَام الصدْق على الْكذَّاب مُمْتَنع لذاته وَإِن قَالُوا جوزوا أَن يظْهر على يَدَيْهِ خارق قُلْنَا نعم فَنحْن نجوز ذَلِك لمُدعِي الإلهية كالدجال وَيجوز الخارق لمُدعِي النُّبُوَّة لَكِن على وَجه لَا يدل على صدقه كالساحر والكاهن
السَّابِع أَن دَلَائِل النُّبُوَّة وَمَا بِهِ يعرف صدق النَّبِي لم يتخصص فِي الخوارق بل يتنوع كَمَا تتنوع معرفَة الْكَذِب قَالَ وَمِنْهَا أَنه يلْزم تَعْطِيل الْحُدُود والزواجر عَن الْمعاصِي فَإِن الزِّنَا إِذا كَانَ وَاقعا بِإِرَادَة الله وَالسَّرِقَة إِذا صدرت عَن الله وإرادته هِيَ المؤثرة لم يجز للسُّلْطَان الْمُؤَاخَذَة عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يصد السَّارِق عَن مُرَاد الله فَلَو صد أَحَدنَا عَن مُرَاده لتألم وَيلْزم أَن يكون الرب مرِيدا للنقيضين لِأَن الْمعْصِيَة مُرَادة لَهُ والزجر عَنْهَا مُرَاد لَهُ قُلْنَا قد مر مَا يبين هَذَا ونقول مَا قدره وقضاه من ذَلِك هُوَ مَا وَقع دون مَا لم يكن وَمَا وَقع لم يقدر أحد أَن يردهُ وَإِنَّمَا يرد بالحدود والزواجر مَا لم يَقع بعد فَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فقولك يصد السَّارِق عَن مُرَاد الله كذب لِأَنَّهُ إِنَّمَا يصده عَمَّا لم يَقع وَمَا لم يَقع يردهُ الله وَلِهَذَا لَو حلف ليسرقن هَذَا المَال إِن شَاءَ الله وَلم يسرقه لم يَحْنَث بِالْإِجْمَاع لِأَن الله لم يَشَأْ سَرقته وَلَكِن الْقَدَرِيَّة لَا تكون عِنْدهم الْإِرَادَة إِلَّا بِمَعْنى الْأَمر فيزعمون أَن السّرقَة إِذا كَانَت مُرَادة كَانَت مَأْمُورا بهَا وَقد تَيَقنا أَن الله لم يَأْمر بِالسَّرقَةِ وَمن قَالَ أَمر بهَا فقد كفر وَأَيْضًا فَإِن من الْمَقْدُور بالإتفاق مَا يحسن رده وزواله كالمرض فَإِنَّهُ من فعل الله وَيحسن بِنَا دَفعه بالدتاوي والإجتناب لأسبابه فَفِي هَذَا إِزَالَة لمراد الله وَكَذَا إطفاء النَّار الَّتِي تُرِيدُ أَن تحرق وَإِقَامَة الْجِدَار الَّذِي يُرِيد أَن يَقع وَكَذَا رد الْبرد بالدفء وَالْحر بالظل فَيدْفَع مُرَاد بِمُرَاد وَالْكل من قدر الله وَقد قيل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَأَيْت أدوية نتداوى بهَا ورقي نسترقي بهَا وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا قَالَ هِيَ من قدر الله وَقَالَ تَعَالَى (لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله)