المنتقى من منهاج الاعتدالصفحات 381-420

الْفَصْل الثَّالِث فِي إِمَامَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ

صفحات 381-420

أَن لَا يحد الْوَلِيد على الْخمر حَتَّى حَده عَليّ وَقَالَ لَا يبطل حد الله وَأَنا حَاضر وَزَاد الْأَذَان يَوْم الْجُمُعَة وَهِي بِدعَة وَخَالفهُ الْمُسلمُونَ حَتَّى قتل وعابوا أَفعاله وَقَالُوا لَهُ غبت عَن بدر وهربت يَوْم أحد وَلم تشهد بيعَة الرضْوَان وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك أَكثر من أَن تحصى

وَالْجَوَاب أَن نواب عَليّ قد خانوه وعصوه أَكثر مِمَّا خَان عُمَّال عُثْمَان لَهُ وعصوه وَذهب بَعضهم إِلَى مُعَاوِيَة وَقد ولي عَليّ رَضِي الله عَنهُ زِيَاد بن أبي سُفْيَان أَبَا عبيد الله بن زِيَاد قَاتل الْحُسَيْن وَولي الأشتر وَولي مُحَمَّد بن أبي بكر وَمُعَاوِيَة خير من هَؤُلَاءِ كلهم وَمن الْعجب أَن الشِّيعَة يُنكرُونَ على عُثْمَان مَا يدعونَ أَن عليا كَانَ أبلغ فِيهِ من عُثْمَان فَيَقُولُونَ إِن عُثْمَان ولي أَقَاربه من بني أُميَّة وَعلي ولي أَقَاربه من قبل أَبِيه وَأمه كَعبد الله وَعبيد الله ابْني عَمه الْعَبَّاس وَقثم بن الْعَبَّاس وثمامة ابْن الْعَبَّاس وَولي على مصر ربيبه مُحَمَّد بن أبي بكر الَّذِي رباه فِي حجره وَولد أُخْته أم هَانِيء ثمَّ إِن الإمامية تَدعِي أَن عليا نَص على أَوْلَاده فِي الْخلَافَة وَمن الْمَعْلُوم أَنه إِن كَانَ تَوْلِيَة الْأَقْرَبين مُنْكرا فتولية الْخلَافَة الْعُظْمَى أعظم من إِمَارَة بعض الْأَعْمَال وتولية الْأَوْلَاد أقرب إِلَى الْإِنْكَار من تَوْلِيَة بني الْعم وَإِذا دعى لعَلي الْعِصْمَة وَنَحْوهَا مِمَّا يقطع عَنهُ أَلْسِنَة الطاعنين كَانَ مَا يَدعِي لعُثْمَان من الإجتهاد الَّذِي يقطع أَلْسِنَة الطاعنين أقرب إِلَى الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَأما عُثْمَان فَلهُ أُسْوَة فِي إستعمال بني أُميَّة بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد اسْتعْمل عتاب بن أسيد الْأمَوِي على مَكَّة وَأَبا سُفْيَان على نَجْرَان وَاسْتعْمل خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ حَتَّى إِنَّه اسْتعْمل الْوَلِيد بن عقبَة حَتَّى نزلت (إِن

جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ) الْآيَة فَيَقُول عُثْمَان أَنا لم أسْتَعْمل إِلَّا من اسْتَعْملهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن جنسهم وَمن قبيلتهم وَكَذَلِكَ أَبُو بكر وَعمر بعده فقد ولى أَبُو بكر يزِيد بن أبي سُفْيَان بن حَرْب فِي فتوح الشَّام وَأقرهُ عمر ثمَّ ولي عمر بعده أَخَاهُ مُعَاوِيَة وَهَذَا النَّقْل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي إستعمال هَؤُلَاءِ ثَابت مَشْهُور عَنهُ بل متواتر عِنْد أهل الْعلم فَكَانَ الإحتجاج على جَوَاز الإستعمال من بني أُميَّة بِالنَّصِّ الثَّابِت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أظهر عِنْد كل عَاقل من دَعْوَى كَون الْخلَافَة فِي وَاحِد معِين من بني هَاشم بِالنَّصِّ لِأَن هَذَا كذب بإتفاق أهل الْعلم بِالنَّقْلِ وَذَاكَ صدق بإتفاق أهل الْعلم بِالنَّقْلِ وَأما بَنو هَاشم فَلم يسْتَعْمل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُم إِلَّا عليا على الْيمن وجعفر على غَزْوَة مُؤْتَة مَعَ مَوْلَاهُ زيد وَابْن رَوَاحَة ثمَّ نَحن لَا ندعي أَن عُثْمَان مَعْصُوم بل لَهُ ذنُوب وخطايا يغفرها الله لَهُ وَقد بشره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجنَّةِ على بلوى تصيبه والرافضة يغلو فِي الشَّخْص حَتَّى يَجْعَل ذنُوبه حَسَنَات ويعمد إِلَى الشَّخْص فينسى سوابقه الَّتِي وَجَبت لَهُ بهَا الْجنَّة ويعدد ذنُوبه وَهَذَا عين الظُّلم وَقد اتّفقت الْأمة على أَن الذُّنُوب تمحى بِالتَّوْبَةِ وَمَا يُمكن أحدا أَن يَقُول إِن عُثْمَان مَا تَابَ من ذنُوبه وَهنا آيَات وَأَحَادِيث دَالَّة على أَن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا وَأَن الصَّلَوَات تكفر وَغير ذَلِك فَإِن قيل إِذا كفرت الصَّلَوَات مَا بَينهَا فَأَي شَيْء تكفر الْجُمُعَة أَو رَمَضَان أَو صَوْم عَرَفَة أَو عَاشُورَاء وَبَعض النَّاس يُجيب عَن هَذَا بِأَنَّهُ يكْتب لَهُم دَرَجَات إِذا لم تَجِد مَا تكفره من السَّيِّئَات فَيُقَال أَولا الْعَمَل الَّذِي يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا هُوَ المتقبل وَالله يَقُول (إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ) وَالنَّاس لَهُم فِي الْآيَة ثَلَاثَة أَقْوَال فالخوارج والمعتزلة يَقُولُونَ لَا يتَقَبَّل الله إِلَّا من اتَّقى الْكَبَائِر وَيَقُولُونَ صَاحب الْكَبَائِر لَا تقبل لَهُ حَسَنَة بِحَال والمرجئة يَقُولُونَ من

اتقِي الشّرك فَهُوَ من الْمُتَّقِينَ وَإِن عمل الْكَبَائِر وَترك الصَّلَاة وَالسَّلَف وَالْأَئِمَّة يَقُولُونَ لَا يتَقَبَّل الله إِلَّا مِمَّن اتَّقَاهُ فِي ذَلِك الْعَمَل فَفعله كَمَا أَمر بِهِ مخلصا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله (ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا) قَالَ أخلصه وأصوبه قَالَ فَإِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يتَقَبَّل وَإِذا كَانَ صَوَابا لم يكن خَالِصا لم يتَقَبَّل والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة وَفِي السّنَن عَن عمار عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الرجل لينصرف من صلَاته وَلم يكْتب لَهُ إِلَّا نصفهَا إِلَّا ثلثهَا إِلَّا ربعهَا حَتَّى قَالَ إِلَّا عشرهَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَيْسَ لَك من صَلَاتك إِلَّا مَا عقلت مِنْهَا وَكَذَلِكَ الْحَج وَالْجهَاد وَالصَّوْم فالمحو والتكفير يَقع بِمَا يتَقَبَّل والسعيد من أَكثر النَّاس من يكْتب لَهُ نصف صلَاته فيكفر بِمَا يقبل مِنْهَا وَمَا يقبل من الْجُمُعَة ورمضان والمحو يكون للصغائر تَارَة وَتارَة للكبائر بإعتبار الموازنة وَفِي حَدِيث صَاحب البطاقة أَنَّهَا ترجح بِكُل ذنُوبه فَهَذِهِ حَال من قَالَهَا بإخلاص وَصدق وعبودية وذل كَمَا قَالَهَا هَذَا الرجل وَإِلَّا فَأهل الْكَبَائِر الَّذين دخلُوا النَّار كلهم كَانُوا يَقُولُونَهَا وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة الْبَغي الَّتِي سقت الْكَلْب بموقها بِإِيمَان خَالص فغفر لَهَا وَمَا كل بغي سقت كَلْبا يغْفر لَهَا بذلك وَإِن الرجلَيْن ليكونان فِي الصَّلَاة وَبَين صلاتهما كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَصْحَابه لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش مَا سبقهمْ

الصّديق بِكَثْرَة صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَكِن بِشَيْء وقر فِي قلبه وَفِي مُسلم عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ النُّجُوم أَمَنَة للسماء فَإِذا ذهبت النُّجُوم أَتَى السَّمَاء مَا توعد وَأَنا أَمَنَة لِأَصْحَابِي فَإِذا ذهبت أَتَى أَصْحَابِي مَا يوعدون وأصحابي أَمَنَة لأمتي فَإِذا ذهب أَصْحَابِي أَتَى أمتِي مَا يوعدون وَفِي الصَّحِيح قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان يَغْزُو فِيهِ فِئَام من النَّاس فَيُقَال هَل فِيكُم من صحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَال نعم فَيفتح لَهُم ثمَّ يَأْتِي على النَّاس زمَان يَغْزُو فِيهِ فِئَام من النَّاس فَيُقَال هَل فِيكُم من رأى أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَقُولُونَ نعم فَيفتح لَهُم وَالثَّلَاث الطَّبَقَات مُتَّفق عَلَيْهَا فِي جَمِيع الطّرق وَأما الطَّبَقَة الرَّابِعَة فمذكورة فِي بعض طرق الصَّحِيح وَقد ثَبت ثَنَاؤُهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْقُرُون الثَّلَاثَة فِي عدَّة أَحَادِيث وَالْمَقْصُود أَن فضل الْأَعْمَال لَيْسَ بِمُجَرَّد صورها بل بحقائقها فِي الْقُلُوب وَالنَّاس يتفاضلون فِي ذَلِك تفاضلا عَظِيما وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ من رجح كل وَاحِد من الصَّحَابَة على كل وَاحِد مِمَّن بعدهمْ فَإِن الْعلمَاء متفقون على أَن جملَة الصَّحَابَة أفضل من جملَة التَّابِعين لَكِن هَل يفضل كل وَاحِد من الصَّحَابَة على كل وَاحِد مِمَّن بعدهمْ ويفضل مُعَاوِيَة على عمر بن عبد الْعَزِيز ذكر القَاضِي عِيَاض وَغَيره فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ وَأَن الْأَكْثَر يفضلون كل وَاحِد من الصَّحَابَة وَهَذَا مأثور عَن ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا وَمن حجَّة هَؤُلَاءِ أَن أَعمال التَّابِعين وَإِن كَانَت أَكثر وَعدل عمر بن عبد الْعَزِيز أظهر من عدل مُعَاوِيَة وَهُوَ أزهد من مُعَاوِيَة لَكِن الْفَضَائِل عِنْد الله بحقائق الْإِيمَان الَّذِي فِي الْقُلُوب وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه قَالُوا فَنحْن قد نعلم أَن أَعمال بعض من بعدهمْ أَكثر من أَعمال بَعضهم لَكِن من أَيْن نعلم أَن مَا فِي قلبه من الْإِيمَان أعظم مِمَّا فِي قلب ذَلِك وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخبر أَن جبل ذهب من التَّابِعين الَّذين أَسْلمُوا بعد الْحُدَيْبِيَة لَا يُسَاوِي نصف مدمن السَّابِقين وَمَعْلُوم فضل النَّفْع

المتعدى بعمر بن عبد الْعَزِيز أعْطى النَّاس حُقُوقهم وَعدل فيهم فَلَو قدر أَن الَّذِي أَعْطَاهُم ملكه وَقد تصدق بِهِ عَلَيْهِم لم يعدل ذَلِك مِمَّا أنفقهُ السَّابِقُونَ إِلَّا شَيْئا يَسِيرا وَأَيْنَ مثل جبل أحد ذَهَبا حَتَّى يُنْفِقهُ الْإِنْسَان وَهُوَ لَا يصير مثل نصف مد وَلِهَذَا يَقُول من يَقُول من السّلف غُبَار دخل فِي أنف مُعَاوِيَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل من عمل عمر بن عبد الْعَزِيز وَهَذِه الْمَسْأَلَة تحْتَاج إِلَى بسط وَتَحْقِيق لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه إِذْ الْمَقْصُود هُنَا أَن الله سُبْحَانَهُ مِمَّا يمحو بِهِ السَّيِّئَات الْحَسَنَات وأنة الْحَسَنَات تتفاضل بِحَسب مَا فِي قلب صَاحبهَا من الْإِيمَان وَالتَّقوى وَحِينَئِذٍ فَيعرف أَن من هُوَ دون الصَّحَابَة قد تكون لَهُ حَسَنَات تمحو مثل مَا يذم من أحدهم فَكيف الصَّحَابَة وَمن أَسبَاب التَّكْفِير الدُّعَاء لِلْمُؤمنِ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ بعد مَوته والإستغفار لَهُ أَو إستغفار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمُعين وَمن ذَلِك مَا يفعل بعد موت الْمُؤمن من إهداء عمل صَالح لَهُ كصدقة وَحج وَصَوْم فقد ثَبت فِي الحَدِيث وُصُول ذَلِك إِلَيْهِ وَهَذَا غير دُعَاء وَلَده فَإِن ذَلِك من عمله وَمن كَسبه وَمن ذَلِك مصائب الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تكفر كَمَا تَوَاتَرَتْ بذلك النُّصُوص وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ سَأَلت رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي إثنتين وَمَنَعَنِي وَاحِدَة سَأَلته أَن لَا يهْلك أمتِي بِسنة عَامَّة فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَن لَا يُسَلط عَلَيْهِم عدوا من غَيرهم فيجتاحهم فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلته أَن لَا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمَنَعَنِيهَا وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى (قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم) قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعوذ بِوَجْهِك (أَو من تَحت أَرْجُلكُم) قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعوذ بِوَجْهِك (أويلبسكم شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض) قَالَ هَذَا أَهْون وأيسر فَهَذَا أَمر لَا بُد مِنْهُ للْأمة عُمُوما الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانُوا أقل فتنا من سَائِر من بعدهمْ فَإِنَّهُ كلما تاخر الْعَصْر عَن

النُّبُوَّة كثر التَّفَرُّق وَالْخلاف وَلِهَذَا لم يحدث فِي خلَافَة عُثْمَان بِدعَة ظاعرة فَلَمَّا قتل وتفرق النَّاس حدثت بدعتان متقابلتان بِدعَة الْخَوَارِج المكفرين لعَلي وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته أَو نبوته أَو إلاهيته ثمَّ لما كَانَ فِي آخر عصر الصَّحَابَة فِي إِمَارَة ابْن الزبير وَعبد الْملك حدثت بِدعَة المرجئة والقدرية ثمَّ لما كَانَ فِي أول عصر التَّابِعين فِي أَوَاخِر الْخلَافَة الأموية حدثت بِدعَة الْجَهْمِية والمشبهة الممثلة وَلم يكن عَليّ عهد الصَّحَابَة شَيْء من ذَلِك وَكَذَلِكَ فتن السَّيْف فَإِن النَّاس كَانُوا فِي ولَايَة مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ متفقين يغزون الْعَدو فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة قتل الْحُسَيْن وحوصر ابْن الزبير بِمَكَّة ثمَّ جرت فتْنَة الْحرَّة بِالْمَدِينَةِ ثمَّ لما مَاتَ يزِيد جرت فتْنَة بِالشَّام بَين مَرْوَان وَالضَّحَّاك بمرج راهط ثمَّ وثب الْمُخْتَار على ابْن زِيَاد فَقتله وَجَرت فتْنَة ثمَّ جَاءَ مُصعب بن الزبير فَقتل الْمُخْتَار وَجَرت فتْنَة ثمَّ ذهب عبد الْملك إِلَى مُصعب فَقتله وَجَرت فتْنَة وَأرْسل الْحجَّاج إِلَى ابْن الزبير فحاصره مُدَّة ثمَّ قَتله وَجَرت فتْنَة ثمَّ لما تولى الْحجَّاج الْعرَاق خرج عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث مَعَ خلق عَظِيم من الْعرَاق وَكَانَت فتْنَة كَبِيرَة فَهَذَا كُله بعد موت مُعَاوِيَة ثمَّ جرت فتْنَة ابْن الْمُهلب بخراسان وَقتل زيد بن عَليّ بِالْكُوفَةِ وَقتل خلق كثير آخَرُونَ ثمَّ قَامَ أَبُو مُسلم وَغَيره بخراسان وَجَرت حروب وَفتن يطول وصفهَا فَلم يكن من مُلُوك الْمُسلمين ملك خيرا من مُعَاوِيَة وَلَا كَانَ النَّاس فِي زمَان ملك من الْمُلُوك خيرا مِنْهُم فِي زمن مُعَاوِيَة إِذا نسبت أَيَّامه إِلَى أَيَّام من بعده وَأما إِذا نسبت إِلَى أَيَّام أبي بكر وَعمر ظهر التَّفَاضُل وَمُعَاوِيَة على ذنُوبه لم يَأْتِ بعده مثله ملك فَعَن قَتَادَة قَالَ لَو أَصْبَحْتُم

فِي مثل عمل مُعَاوِيَة لقَالَ أَكْثَرَكُم هَذَا الْمهْدي وَقَالَ أَحْمد بن جواس حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة الْمكتب قَالَ كُنَّا عِنْد الْأَعْمَش فَذكرُوا عمر بن عبد الْعَزِيز وعدله فَقَالَ الْأَعْمَش فَكيف لَو أدركتم مُعَاوِيَة قَالُوا فِي حلمه قَالَ لَا وَالله بل فِي عدله وَقَالَ أَبُو أُسَامَة الثَّقَفِيّ حَدثنَا ثِقَة عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي أَنه ذكر مُعَاوِيَة فَقَالَ لَو أدركتموه لقلتم كَانَ الْمهْدي وروى أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن أبي إِسْحَاق قَالَ مَا رَأَيْت بعده مثله يَعْنِي مُعَاوِيَة وَقَالَ الْبَغَوِيّ حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا ضمام بن إِسْمَاعِيل عَن أبي قيس قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة قد جعل فِي كل قبيل رجلا وَكَانَ رجل منا يكنى أَبَا يحيى يصبح كل يَوْم فيدور على الْمجَالِس هَل ولد فِيكُم اللَّيْلَة ولد هَل حدث اللَّيْلَة حَادث هَل نزل بكم الْيَوْم نَازل قَالَ فَيَقُولُونَ نعم نزل رجل من أهل الْيمن بعياله يسمونه وَعِيَاله فَإِذا فرغ من الْقَبِيل كُله أَتَى الدِّيوَان فأوقع أَسْمَاءَهُم فِي الدِّيوَان وروى مُحَمَّد بن عَوْف الطَّائِي حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم عَن عَطِيَّة بن قيس قَالَ سَمِعت مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان يَخْطُبنَا يَقُول إِن فِي بَيت مالكم فضلا بعد أعطياتكم وَإِنِّي قاسمه بَيْنكُم فَإِن كَانَ يأتيكم فضل عَاما قَابلا قسمناه عَلَيْكُم وَإِلَّا فَلَا عتبَة عَليّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالي وَإِنَّمَا هُوَ مَال الله الَّذِي أَفَاء عَلَيْكُم وفضائل مُعَاوِيَة فِي حسن السِّيرَة وَالْعدْل وَالْإِحْسَان كَثِيرَة وَفِي الصَّحِيح أَن رجلا قَالَ لإبن عَبَّاس هَل لَك فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة إِنَّه أوتر بِرَكْعَة قَالَ ابْن عَبَّاس أصَاب إِنَّه فَقِيه حَدثنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر عَن قيس بن الْحَارِث الصنَابحِي عَن أبي

الدَّرْدَاء قَالَ مَا رَأَيْت أحدا أشبه صَلَاة برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من إمامكم هَذَا يَعْنِي مُعَاوِيَة فَهَذِهِ شَهَادَة الصَّحَابَة بفقهه وَدينه وَالشَّاهِد بالفقه ابْن عَبَّاس وَبِحسن الصَّلَاة أَبُو الدَّرْدَاء وهما هما والْآثَار الْمُوَافقَة لهَذَا كَثِيرَة هَذَا وَمُعَاوِيَة لَيْسَ من السَّابِقين الْأَوَّلين بل قد قيل إِنَّه من مسلمة الْفَتْح وَقيل بل أسلم قبل ذَلِك وَكَانَ يعْتَرف أَنه لَيْسَ من فضلا الصَّحَابَة وَهَذَا سيرته فِي عُمُوم ولَايَته فَإِنَّهُ كَانَ فِي ولَايَته من خُرَاسَان إِلَى بِلَاد أفريقية بالمغرب وَمن قبرص إِلَى الْيمن وَمَعْلُوم بِإِجْمَاع الْمُسلمين أَنه لَيْسَ قَرِيبا من عُثْمَان وعَلى فضلا عَن أبي بكر وَعمر فَكيف يشبه غير الصَّحَابَة بهم وَهل تُوجد سيرة أحد من الْمُلُوك مثل سيرة مُعَاوِيَة وَجُمْهُور الصَّحَابَة وساداتهم تَأَخَّرُوا عَن الْفِتْنَة قَالَ أَيُّوب السجسْتانِي عَن ابْن سِيرِين قَالَ هَاجَتْ الْفِتْنَة وَأَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عشرَة آلَاف فَمَا خف لَهَا مِنْهُم مائَة بل لم يبلغُوا ثَلَاثِينَ فَهَذَا يَقُوله مُحَمَّد بن سِيرِين مَعَ ورعه الباهر فِي مَنْطِقه وَقَالَ مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن قَالَ الشّعبِيّ لم يشْهد الْجمل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عَليّ وعمار وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فَإِن جَاءُوا بخامس فَأَنا كَذَّاب كَأَنَّهُ عني من الْمُهَاجِرين السَّابِقين وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا أُميَّة بن خَالِد قَالَ قيل لشعبة إِن أَبَا شيبَة روى عَن الحكم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ شهد صفّين من أهل بدر سَبْعُونَ رجلا قَالَ شُعْبَة كذب وَالله ذاكرنا الحكم مَا وجدنَا شهد صفّين من أهل بدر غير خُزَيْمَة بن ثَابت قلت هَذَا النَّفْي يدل على قلَّة من حضرها وَمن أَسبَاب النجَاة من النَّار مَا يبتلى بِهِ العَبْد فِي قَبره من الضغطة وسؤال مُنكر وَنَكِير وَمن أهوال الْموقف وكربه وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن الْمُؤمنِينَ إِذا

عبروا الصِّرَاط وقفُوا على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار فيقتص بَعضهم من بعض فَإِذا هذبوا ونقوا أذن لَهُم فِي دُخُول الْجنَّة فَهَذِهِ الْأُمُور لَا تفوت كلهَا من الْمُسلمين إِلَّا الْأَقَل فَمَا الظَّن بالصحابة الَّذين هم خير الْقُرُون وَصَحَّ أَن رجلا نَالَ من عُثْمَان عِنْد ابْن عمر وَقَالَ إِنَّه فر يَوْم أحد فَقَالَ ابْن عمر فقد عَفا الله عَنهُ قَالَ وَلم يشْهد بَدْرًا قَالَ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَخْلَفَهُ على بنته وَضرب لَهُ بِسَهْم قَالَ فَمَا شهد بيعَة الرضْوَان فَقَالَ إِنَّمَا كَانَت الْبيعَة بِسَبَب عُثْمَان وَقد بَايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ بِيَدِهِ وَيَد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير من يَد عُثْمَان فعامة مَا يعاب بِهِ الصَّحَابَة إِمَّا تعنت كَهَذا وَهُوَ مَعْفُو عَنهُ وَكثير من ذَلِك مَكْذُوب عَلَيْهِم وَقَوْلهمْ اسْتعْمل من لَا يصلح قُلْنَا كَانَ مُجْتَهدا فَأَخْطَأَ ظَنّه وَالله يغْفر لَهُ وَقد كَانَ عبد الله بن سعد ارْتَدَّ ثمَّ جَاءَ مُسلما فَقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك مِنْهُ بعد أَن كَانَ أهْدر دَمه وَعلي تبين لَهُ من عماله مَا لم يَظُنّهُ فيهم ثمَّ إِن عُثْمَان لما علم أَن الْوَلِيد سكر طلبه وَحده وَقَوْلهمْ قسم المَال فِي أَقَاربه قُلْنَا هَذَا غَايَته أَن يكون ذَنبا لَا يُعَاقب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة فَكيف إِذا كَانَ من موارد الإجتهاد لَعَلَّه اجْتهد فَإِن النَّاس تنازعوا فِيمَا

كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَيَاته هَل يسْتَحقّهُ ولي الْأَمر بعده على قَوْلَيْنِ وَكَذَلِكَ تنازعوا فِي ولي الْيَتِيم هَل لَهُ أَن يَأْخُذ من مَال الْيَتِيم إِذا كَانَ غَنِيا أجرته مَعَ غناهُ وَالتّرْك أفضل أَو التّرْك وَاجِب على قَوْلَيْنِ وَمن جوز الْأَخْذ من مَال الْيَتِيم مَعَ الْغنى جوزه لِلْعَامِلِ على بَيت مَال الْمُسلمين وَجوزهُ للْقَاضِي وَغَيره من الْوُلَاة وَمن قَالَ لَا يجوز ذَلِك من مَال الْيَتِيم فَمنهمْ من يجوزه من مَال بَيت المَال كَمَا يجوز لِلْعَامِلِ على الزَّكَاة الْأَخْذ مَعَ الْغنى فَإِن الْعَامِل على الزَّكَاة يجوز لَهُ أَخذ جعالته مَعَ غناهُ وَولي الْيَتِيم قد قَالَ تَعَالَى فِيهِ (وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) وَأَيْضًا فقد ذهب بعض الْفُقَهَاء إِلَى أَن سهم ذَوي الْقُرْبَى هُوَ لقرابة الإِمَام كَمَا قَالَه الْحسن وَأَبُو ثَوْر وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُعْطي أَقَاربه بِحكم الْولَايَة وَسقط حق ذَوي قرباه بِمَوْتِهِ كَمَا يَقُول ذَلِك كثير من الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَغَيره ثمَّ لما سقط حَقه بِمَوْتِهِ فحقه السَّاقِط قيل إِنَّه يصرف فِي الكراع وَالسِّلَاح والمصالح كَمَا كَانَ يفعل أَبُو بكر وَعمر وَقيل إِن هَذَا مِمَّا تَأَوَّلَه عُثْمَان وَنقل عَن عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ نَفسه أَنه ذكر هَذَا وَأَنه يَأْخُذ بِعَمَلِهِ وَأَن ذَلِك جَائِز وَإِن كَانَ مَا فعله أَبُو بكر وَعمر أفضل فَكَانَ لَهُ الْأَخْذ بِهَذَا وَهَذَا وَكَانَ يُعْطي أقرباءه مِمَّا يخْتَص بِهِ فَكَانَ يعطيهم لكَوْنهم ذَوي قربى الإِمَام على قَول من

يَقُول ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فعامة من تولى الْأَمر بعد عمر كَانَ يخص بعض أَقَاربه إِمَّا بِولَايَة وَإِمَّا بِمَال وَعلي ولي أَقَاربه أَيْضا وَأما قيام أهل الْكُوفَة على سعيد بن الْعَاصِ حَتَّى أَخْرجُوهُ مِنْهَا فَلَا يدل على ذَنْب وَلَا بُد فَإِن الْقَوْم كَانُوا أعنت شَيْء لأمرائهم حَتَّى قَامُوا على سعيد ونقلوه وَأَيْنَ مثله وَأما قَوْلك كَاتب ابْن أبي سرح سرا أَن يسْتَمر على ولَايَته خلاف مَا كتب بِهِ من عَزله فَيُقَال هَذَا كذب فقد حلف عُثْمَان أَنه لم يكْتب ذَلِك وَهُوَ الصَّادِق بل قيل إِن مَرْوَان كتب بِغَيْر علمه وَأَنَّهُمْ طلبُوا مَرْوَان ليقتلوه فَامْتنعَ فَإِن كَانَ قتل مَرْوَان لَا يجوز فقد أصَاب وَإِن كَانَ يجوز وَلَا يجب فقد فعل الْجَائِز وَإِن كَانَ قَتله وَاجِبا فقد اجْتهد وَلم يثبت مَا يجب بِهِ قتل مَرْوَان وهب أَن هَذَا من ذنُوب عُثْمَان فَمَا ادعينا عصمته وَله سوابق وَهُوَ من الْبَدْرِيِّينَ المغفور لَهُم وَأما قَوْلك أَمر بقتل مُحَمَّد بن أبي بكر فَهَذَا إفتراء وَمن عرف سيرته وأحواله عرف بطلَان هَذَا فقد سعوا فِي قَتله وَهُوَ كَاف عَنْهُم بِكُل حَال فَكيف يبتديء بقتل مَعْصُوم وَإِن ثَبت أَنه أَمر بقتْله فلمصلحة رَآهَا من دفع شَره

وَأما مُعَاوِيَة فَإِنَّمَا ولاه الشَّام وَاسْتمرّ عَلَيْهَا إِلَى أَن سلم إِلَيْهِ الْحسن الْخلَافَة وَكَانَ محببا فِي رَعيته لحلمه وَكَرمه وخبرته بالأمور وَهُوَ خير من الأشتر النَّخعِيّ وَمن مُحَمَّد ابْن أبي بكر وَمن عبيد الله بن عمر وَمن أبي الْأَعْوَر السّلمِيّ وَمن بشر بن أَرْطَاة وَأما ابْن مَسْعُود فَإِنَّهُ بَقِي فِي نَفسه عَلَيْهِ لأجل الْمَصَاحِف إِذْ فوض كتَابَتهَا إِلَى زيد ابْن ثَابت دونه وَجُمْهُور الصَّحَابَة كَانُوا مَعَ عُثْمَان وَكَانَ زيد أحفظ للعرضة الْأَخِيرَة

من غَيره وَقد انتدبه قبل عُثْمَان أَبُو بكر وَعمر لجمع الْمُصحف فِي الصُّحُف وَأَيْضًا فَكَانَ ابْن مَسْعُود أنكر على الْوَلِيد بن عقبَة لما شرب الْخمر ثمَّ قدم ابْن مَسْعُود الْمَدِينَة بعد وحادثة عُثْمَان لم تتفق وَعرض عَلَيْهِ عُثْمَان التَّزْوِيج ثمَّ نقُول بِتَقْدِير أَن يكون ابْن مَسْعُود طعن على عُثْمَان فَلَيْسَ جعل ذَلِك قدحا فِي عُثْمَان بِأولى من جعله قدحا فِي ابْن مَسْعُود بل كل مِنْهُمَا مُجْتَهد وهما بدريان كبيران مغْفُور لَهما والكف عَمَّا شجر بَين السَّابِقين أولى كَمَا قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز تِلْكَ دِمَاء طهر الله يَدي مِنْهَا فأكره أَن أخضب بهَا لساني وَنقل عَن عمار قَالَ لقد كفر عُثْمَان كفرة صلعاء وَأَن الْحسن بن عَليّ أنكر ذَلِك على عمار وَكَذَلِكَ نقل عَن عَليّ أَنه قَالَ يَا عمار أتكفر بِرَبّ آمن بِهِ عُثْمَان وَقد علمنَا أَن الرجل الْمُؤمن الْوَلِيّ قد يكفر الرجل الْمُؤمن الْوَلِيّ فيخطيء بذلك وَلَا يقْدَح هَذَا فِي إِيمَان وَاحِد مِنْهُمَا فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن أسيد بن حضير قَالَ لسعد بن عبَادَة بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين وَثَبت أَن عمر قَالَ لحاطب دَعْنِي يَا رَسُول الله أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق فَقَالَ إِنَّه شهد بَدْرًا وَأما قَوْلك ضرب ابْن مَسْعُود حَتَّى مَاتَ فَهَذَا من أسمج الْكَذِب الْمَعْلُوم وَقيل إِن عُثْمَان ضرب عمارا وَابْن مَسْعُود فَإِن صَحَّ فَهُوَ إِمَام لَهُ أَن يعزز بإجتهاده أصَاب أَو أَخطَأ وَقد ضرب عمر أَبَيَا بِالدرةِ لما رأى النَّاس يَمْشُونَ خَلفه وَقَالَ فتْنَة للمتبوع ومذلة للتابع وَقد شهد عمار أَن عَائِشَة زَوْجَة نَبِي الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ وَلَكِن الله ابتلاكم بهَا لينْظر إِيَّاه تطيعون أم إِيَّاهَا فَمَعَ حض عمار النَّاس على قتالها لمصْلحَة شهد

لَهَا بِالْجنَّةِ وَأما عمار فصح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ تقتلك الفئة الباغية وَبَاقِي ذَلِك كذب مزِيد فِي الحَدِيث وَأما قَوْلك وطرد رَسُول الله الحكم وَابْنه من الْمَدِينَة فَنَقُول كَانَ لمروان سبع سِنِين أَو أقل فَكَمَا كَانَ لَهُ ذَنْب يطرد عَلَيْهِ ثمَّ لم نَعْرِف أَن أَبَاهُ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى يطرد مِنْهَا فَإِن الطُّلَقَاء لَيْسَ فيهم من هَاجر فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلما قدم صَفْوَان بن أُميَّة مُهَاجرا أمره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالرُّجُوعِ إِلَى مَكَّة وقصة طرد الحكم لَيْسَ لَهَا إِسْنَاد نَعْرِف بِهِ صِحَّتهَا فَإِن كَانَ قد طرده فَإِنَّمَا طرده من مَكَّة لَا من الْمَدِينَة وَلَو طرده من الْمَدِينَة لَكَانَ يُرْسِلهُ إِلَى مَكَّة وَقَالَ طعن كثير من أهل الْعلم فِي نَفْيه وَقَالُوا هُوَ ذهب بإختياره والطرد هُوَ النَّفْي وَالنَّفْي قد جَاءَت بِهِ السّنة فِي الزَّانِي وَفِي المخنثين وَكَانُوا يعزرون بِالنَّفْيِ وَإِذا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد عزّر رجلا بِالنَّفْيِ لم يلْزم أَن يبْقى منفيا طول الزَّمَان فَإِن هَذَا لَا يعرف فِي شَيْء من الذُّنُوب وَلم تأت الشَّرِيعَة بذنب يبْقى صَاحبه منفيا دَائِما بل غَايَة النَّفْي الْمُقدر سنة وَالزَّانِي وَلَو كَانَ صحابيا مُجَاهدًا فيعزر بِالنَّفْيِ سنة وَيعلم قطعا أَن عُثْمَان مَا أذن للْحكم فِي إتْيَان الْمَدِينَة مَعْصِيّة للرسول وَلَا مراغمة لِلْإِسْلَامِ بل رأى أَنه قد صلح حَاله فَلَعَلَّ هَذَا خطأ من الإجتهاد أَو صَوَاب

وَكَانَ مَرْوَان على هناته مُسلما ظَاهرا وَبَاطنا يقْرَأ الْقُرْآن ويتفقه فَلَا ذَنْب لعُثْمَان فِي إتخاذه كَاتبا ثمَّ بَدَت مِنْهُ أُمُور وَأما أَبُو ذَر فَثَبت عَن عبد الله بن الصَّامِت قَالَ قَالَت أم ذَر وَالله مَا سير عُثْمَان أَبَا ذَر إِلَى الربذَة وَلَكِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ إِذا بلغ الْبناء سلعا فَأخْرج مِنْهَا وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ معَاذ الله أَن يكون أخرجه عُثْمَان وَلَا ريب أَن أَبَا ذَر كَانَ صَالحا زاهدا وَكَانَ مذْهبه بذل مَا فضل عَن الْحَاجة وَأَن إِمْسَاكه كنز يكوى بِهِ صَاحبه وَيَتْلُو (وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون) وَيذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا ذَر مَا أحب أم أحدا ذَهَبا يمْضِي عَليّ ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار وَقَوله الْأَكْثَرُونَ هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَلما توفّي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف

وَحلف مَالا عد ذَلِك أَبُو ذَر من الْكَنْز الَّذِي يُعَاقب عَلَيْهِ وَعُثْمَان يناظره فِي ذَلِك حَتَّى دخل كَعْب فَوَافَقَ عُثْمَان فَضَربهُ أَبُو ذَر وَكَانَ قد وَقع بَينه وَبَين مُعَاوِيَة بِالشَّام أَيْضا بِهَذَا السَّبَب وَأما سَائِر الْأمة فعلى خلاف رأى أبي ذَر وَقَالُوا الْكَنْز مَا لم يزك وَقد قسم الله الْمَوَارِيث فِي كِتَابه وَلَا يكون الْمِيرَاث إِلَّا لمن خلف مَالا وَقد كَانَ خلق من الصَّحَابَة لَهُم مَال على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا أنكر عَلَيْهِم وَكَانَ جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء لَهُم المَال وَتوسع أَبُو ذَر فِي الْإِنْكَار حَتَّى نَهَاهُم عَن الْمُبَاح ثمَّ اعتزلهم وَكَانَ مُؤمنا فِيهِ ضعف كَمَا قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أَرَاك ضَعِيفا وَإِنِّي أحب لَك مَا أحب لنَفْسي لَا تأمرن على إثنين وَلَا تولين على مَال يَتِيم وَقَالَ أَيْضا الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير فَأهل الشورى أقوياء بِالنِّسْبَةِ إِلَى أبي ذَر وهم أفضل مِنْهُ وَأما قَوْلك ضيع الْحُدُود فَلم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان مولى عَليّ قُلْنَا هَذَا كذب لم يكن مولى عَليّ وَإِنَّمَا أسره الْمُسلمُونَ فَمن عَلَيْهِ عمر وَأعْتقهُ وَأسلم وَلَا سعى لعَلي فِي رقّه وَلَا فِي عتقه وَذكر لِعبيد الله بن عمر أَنه رؤى عِنْد الهرمزان حِين قتل وَكَانَ الهرمزان مِمَّن اتهمَ بالمعاونة على قتل عمر وَهَذَا ابْن عَبَّاس يَقُول لعمر

إِذْ قَالَ لَهُ كنت أَنْت وَأَبُوك تحبان أَن تكتر العلوج بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ أنقتلهم قَالَ كذبت أبعد أَن تكلمُوا بلسانكم وصلوا إِلَى قبلتكم فَهَذَا ابْن عَبَّاس مَعَ فقهه يسْتَأْذن عمر فِي قتل العلوج لما اتهموهم بِالْفَسَادِ فَكيف لَا يعْتَقد عبيد الله جَوَاز قتل الهرمزان فَلَمَّا قَتله وبويع عُثْمَان اسْتَشَارَ النَّاس فِي قَتله فَأَشَارَ عَلَيْهِ عدَّة فِي أَن لَا يقْتله وَقَالُوا قتل أَبوهُ بالْأَمْس وَيقتل هُوَ الْيَوْم فَيكون فِي هَذَا فَسَاد وَكَأَنَّهُم وَقعت لَهُم شُبْهَة فِي عصمَة الهرمزان وَلَو قدر أَنه مَعْصُوم الدَّم وَلَكِن الْقَاتِل اعْتقد حل قَتله لشُبْهَة صَارَت تدرأ الْقَتْل عَن الْقَاتِل كَمَا أَن أُسَامَة لما قتل ذَلِك الرجل بعد مَا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله عزره الرَّسُول بالْقَوْل وَلم يقْتله بِهِ وَأَيْضًا فَإِن هَذَا والهرمزان لم يكن لَهما من يُطَالب بِالدَّمِ وَلَكِن الإِمَام ولي الدَّم فَلهُ الْقَتْل أَو الْعَفو وَالدية فَعَفَا عُثْمَان وَترك الدِّيَة لآل عمر وَإِذا حقن عُثْمَان دَمه فَلَا يُبَاح بِحَال

وَمن الْعجب أَن دم الهرمزان الْمُتَّهم تُقَام فِيهِ الْقِيَامَة وَدم عُثْمَان وَهُوَ إِمَام الْمُسلمين الْمَقْتُول صبرا لَا حُرْمَة لَهُ وَقد جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث من نجا مِنْهُنَّ فقد نجا موتى وَقتل خَليفَة مضطهد بِغَيْر حق والدجال رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأما الْوَلِيد فَإِنَّمَا حَده عَليّ بِأَمْر عُثْمَان كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح وَقَول الْقَائِل أَن عليا قَالَ لَا يبطل حد الله وَأَنا حَاضر فَمن الْكَذِب ثمَّ أَنْتُم تدعون أَن الْحُدُود مَا زَالَت تبطل وَعلي حَاضر وَهُوَ يسكت تقية وخوفا حَتَّى فِي ولَايَته تدعون أَنه يدع الْحُدُود تقية وَيتْرك القَوْل بِالْحَقِّ تقية فَإِن كَانَ قَالَ هَذَا بِحَضْرَة عُثْمَان فَمَا قَالَه إِلَّا لعلمه بِأَن عُثْمَان وأعوانه يوافقونه على إِقَامَة الْحُدُود وَلَو كَانَ يتقيهم لما قَالَ هَذَا وقولك زَاد الْأَذَان وَهُوَ بِدعَة قُلْنَا فعلي مِمَّن وَافق على ذَلِك فِي خِلَافَته وَلم يزله وَإِبْطَال هَذَا كَانَ أَهْون عَلَيْهِ من عزل مُعَاوِيَة وَغَيره وَمن قِتَالهمْ فَإِن قيل إِن النَّاس لَا يوافقونه على إِزَالَة الْأَذَان قُلْنَا فَهَذَا دَلِيل على أَن النَّاس وافقوا عُثْمَان على الإستحباب حَتَّى مثل عمار وَسَهل بن حنيف والسابقين وَإِن اخْتلفُوا فَهِيَ من مسَائِل الإجتهاد وَإِن قيل هِيَ بِدعَة قيل وقتال أهل الْقبْلَة بِدعَة لم تكن قبل وَأَنْتُم فقد زدتم فِي الْأَذَان بِدعَة لم يَأْذَن بهَا الرَّسُول وَهِي حَيّ على خير الْعَمَل غَايَة مَا يُقَال إِن صَحَّ النَّقْل إِن ابْن عمر رُبمَا قَالَ ذَلِك أَحْيَانًا كَمَا كَانَ بَعضهم يَقُول بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة حَيّ على خير الْعَمَل الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح وَهَذَا يُسمى نِدَاء الْأُمَرَاء وَكَرِهَهُ أَكثر الْعلمَاء وَأما قَوْلك وَخَالفهُ الْمُسلمُونَ كلهم حَتَّى قتل فَإِن أردْت أَنهم خالفوه خلافًا يُبِيح دَمه فَهَذَا كذب وزور فَإِنَّهُ مَا قَتله إِلَّا شرذمة ظالمة باغية وَلم يرض بِهِ السَّابِقُونَ

قَالَ ابْن الزبير لعنت قتلة عُثْمَان خَرجُوا عَلَيْهِ كاللصوص من وَرَاء الْقرْيَة فَقَتلهُمْ الله كل قتلة وَنَجَا من نجا مِنْهُم تَحت بطُون الْكَوَاكِب يَعْنِي هُوَ هربوا لَيْلًا وَأكْثر الْمُسلمين كَانُوا غائبين وَأكْثر أهل الْمَدِينَة الْحَاضِرين لم يَكُونُوا يعلمُونَ أَنهم يُرِيدُونَ قَتله حَتَّى قَتَلُوهُ وَأَيْضًا فَمَا خَالفه كل الْمُسلمين بل كثير مِنْهُم وَافقه فَمَا من شَيْء أنكر عَلَيْهِ إِلَّا وَقد وَافقه عَلَيْهِ كثير من الْمُسلمين بل من عُلَمَائهمْ الَّذين لَا يتهمون بمداهنة وَالَّذين وافقوا عُثْمَان على مَا أنكر عَلَيْهِ أَكثر وَأفضل ن المسملين الَّذين وافقوا عليا على مَا أنكر عَلَيْهِ إِمَّا فِي كل الْأُمُور أَو فِي غالبها وقولك وَقَالُوا لَهُ غبت عَن بدر وهربت يَوْم أحد وَلم تشهد بيعَة الرضْوَان قُلْنَا هَذَا مَا قَالَه إِلَّا جهلة الرافضة مِمَّن قَاتله وَقد أجابهم عُثْمَان وَابْن عمر بِأَنَّهُ غَابَ يَوْم بدر بِأَمْر الرَّسُول ليمرض بنته وَيَوْم الْحُدَيْبِيَة فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعثه رَسُولا إِلَى مَكَّة فَبَلغهُ أَنهم قَتَلُوهُ فَبَايع أَصْحَابه على الْمَوْت وَقَالَ تَعَالَى فِي الَّذين توَلّوا يَوْم أحد (ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ) (وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِنَّه غَفُور حَلِيم) وَأما قَوْلك إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ جهزوا جيس أُسَامَة لعن الله من تخلف عَنهُ فَهَذَا كذب وَسُبْحَان من جعل الرافضة أقبل شَيْء للكذب وأرد شَيْء للصدق بل أُسَامَة الَّذِي توقف وَقَالَ كَيفَ أذهب وَأَنت هَكَذَا أسأَل عَنْك الركْبَان فَأذن لَهُ فِي التَّخَلُّف ثمَّ ذهب جَمِيعهم مَعَه بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَو عزم على أُسَامَة فِي الْمسير لبادر هُوَ والجيش مَعَه وقولك أول خلاف كَانَ فِي الْإِسْلَام الْإِمَامَة قُلْنَا لم يَخْتَلِفُوا وَللَّه الْحَمد وَأَجْمعُوا

على خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان إِجْمَاعًا لم يتهيأ مثله لعَلي فَإِنَّهُ اسْتشْهد وَأهل الشَّام لم يبايعوه قطّ وَمَعَ هَذَا فقد سبّ بعض شيعته أهل الشَّام بِحَضْرَتِهِ فَنَهَاهُ عَليّ وَقَالَ لَا تسبوهم فَإِن فيهم الأبدال وَقَالَ مرّة أُخْرَى إِخْوَاننَا بغوا علينا وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم﴾ وَبِالْجُمْلَةِ خلَافَة عَليّ حق وَهُوَ إِمَام رَاشد وَإِن تَأَخّر عَن بيعَته طَائِفَة كَبِيرَة فَإِنَّمَا الإعتبار بجمهور أهل الْحل وَالْعقد قَالَ وَالْخلاف الْخَامِس فِي فدك والتوارث وَرووا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة قُلْنَا هَذَا إختلاف أَيْضا فِي مَسْأَلَة شَرْعِيَّة وَقد زَالَ الإختلاف فِيهَا وَالْخلاف فِيهَا دون الْخلاف فِي مِيرَاث الْإِخْوَة مَعَ الْجد وَالْعم والحمارية وميراث الْجدّة مَعَ ابْنهَا وحجب الْأُم الْأَخَوَيْنِ وَجعل الْجد مَعَ الْأُم كَالْأَبِ وَنَحْو ذَلِك فاختلافهم فِي هَذِه الْمسَائِل أعظم لوجوه أَحدهَا أَنهم تنازعوا فِي ذَلِك ثمَّ لم يتفقوا لأَنهم مَا روى لَهُم فِيهَا من النُّصُوص مثل مَا روى لَهُم فِي أَن النَّبِي لَا يُورث وَأَيْضًا فَإِن الْخلاف فِي هَذَا لَا يتَكَرَّر بل هِيَ قَضِيَّة وَاحِدَة وَفِي مَال قَلِيل وَقد أَعْطَاهُم أَبُو بكر وَعمر من مَال الله بِقدر الْمِيرَاث مَرَّات وَإِنَّمَا يهول هَذِه الْقَضِيَّة أهل الْجَهْل وَالشَّر فقد اسْتخْلف عَليّ بعد ذَلِك وَصَارَت فدك وَغَيرهَا تَحت حكمه وَمَا أَعْطَاهَا أَوْلَاد فَاطِمَة وَلَا قسم تَركه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين الْوَرَثَة فَهَلا أَزَال هَذِه الْمظْلمَة على رَأْيكُمْ قَالَ وَالْخلاف السَّادِس فِي قتال مانعي الزَّكَاة قَاتلهم أَبُو بكر واجتهد عمر فِي خِلَافَته فَرد السبايا وَالْأَمْوَال إِلَيْهِم واطلق المحبوسين قُلْنَا هَذَا من الْكَذِب الْبَين فَإِن أَبَا بكر وَعمر اتفقَا على قِتَالهمْ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ واحتجا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمرت أَن

أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله وَقَالَ أَبُو بكر من حَقّهَا الزَّكَاة فَقَاتلهُمْ بموافقة سَائِر الصَّحَابَة لَهُ ثمَّ أقرّ أُولَئِكَ بِالزَّكَاةِ بعد وَمَا سبي لَهُم ذُرِّيَّة وَلَا حبس مِنْهُم أحدا وَلَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ حبس فِي عهد أبي بكر فَكيف يَمُوت وهم فِي حَبسه ثمَّ قَالَ فِي الْخلاف السَّابِع فِي تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة فَمن النَّاس من قَالَ وليت علينا فظا غليظا فَيُقَال إِن جعل مثل هَذَا خلافًا من أبرد الْأَشْيَاء وأدلها على جهل الْمُتَكَلّم وهواه فقد طعن بعض الصَّحَابَة فِي تأمير أُسَامَة وَأَبِيهِ فَكَانَ مَاذَا ثمَّ إِن الْمُنكر كَانَ طَلْحَة وَقد رَجَعَ فَكَانَ من أَشد النَّاس تَعْظِيمًا لعمر وَقَوله الْخلاف الثَّامِن الشورى وَاتَّفَقُوا بعد الإختلاف على عُثْمَان قُلْنَا وَهَذَا من الْكَذِب الَّذِي هُوَ هجيراكم فَمَا اخْتلف أحد فِي بيعَة عُثْمَان وَقد بَقِي عبد الرَّحْمَن يشاور النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام وَأخْبر أَن النَّاس لَا يعدلُونَ بعثمان وَلَو اخْتلفُوا لنقل كَمَا نقل قَول الْأَنْصَار منا أَمِير ومنكم أَمِير يَوْم السَّقِيفَة قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى لم يتَّفق النَّاس على بيعَة كَمَا اتَّفقُوا على بيعَة عُثْمَان قَالَ وَوَقعت إختلافات كَثِيرَة مِنْهَا رد عُثْمَان الحكم إِلَى الْمَدِينَة قُلْنَا مثل هَذَا إِن جعلته خلافًا فَاجْعَلْ كل حكم حكم بِهِ خليفه وَخَالفهُ غَيره خلافًا فَهُوَ شَيْء لَا ينْحَصر قَالَ وَمِنْهَا تَزْوِيجه مَرْوَان بإبنته وإعطاؤه خمس غَنَائِم إفريقيه وَهِي مِائَتَا ألف دِينَار قُلْنَا وَأي شَيْء من الإختلاف فِي تَزْوِيجه بابنته وَمن الَّذِي نقل أَنه أعطَاهُ

هَذَا المَال وَنحن لَا ننكر أَن عُثْمَان كَانَ يحب أَقَاربه ويصلهم ويعطيهم وَقد ولي عَليّ أَقَاربه وشيعته وَأَعْطَاهُمْ وَقَاتل بإجتهاده وَجَرت أُمُور صعبة وَكِلَاهُمَا من أهل الْجنَّة وليسا بمعصومين وَمَا فعلاه فَمن مسَائِل الإجتهاد وَالْخلاف وَقَالَ وَمِنْهَا إيواؤه ابْن أبي سرح بعد أَن أهْدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَمه قُلْنَا الَّذِي أهْدر دَمه هُوَ الَّذِي حقن دَمه وَعَفا عَنهُ بشفاعة عُثْمَان فَلَا ملام إِذن وَقد كَانَ هَاجر وَكتب الْوَحْي للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ارْتَدَّ وَلحق بالمشركين وافترى على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأهدر دَمه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَتَى بِهِ عُثْمَان فَأَعْرض عَنهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله بَايع عبد الله فَأَعْرض عَنهُ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ثمَّ بَايعه ثمَّ قَالَ أما كَانَ مِنْكُم رجل رشيد ينظر إِلَيّ وَقد أَعرَضت عَن هَذَا فَيضْرب عُنُقه فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار هلا أَوْمَضْت إِلَيّ فَقَالَ مَا يَنْبَغِي للنَّبِي أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين ثمَّ إِنَّه حسن إِسْلَامه وَلم يُؤثر عَنهُ بعْدهَا إِلَّا الْخَيْر وَكَانَ مَحْمُود النقيبة فِي مغازيه وَقد كَانَ غَيره أَشد عَدَاوَة كصفوان وَأبي سُفْيَان وَقَالَ تَعَالَى (عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة وَالله قدير) على تطييب الْقُلُوب (وَالله غَفُور رَحِيم) قَالَ الْخلاف التَّاسِع فِي زمن عَليّ بعد الإتفاق عَلَيْهِ فَخرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر ثمَّ الْخلاف بَينه وَبَين مُعَاوِيَة وَحرب صفّين وغدر عَمْرو بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ثمَّ خلاف المارقين وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ عَليّ على الْحق وَالْحق مَعَه وَظهر فِي زَمَانه الْخَوَارِج عَلَيْهِ مثل

الْأَشْعَث بن قيس ومسعر بن فدكي التَّمِيمِي وَزيد بن حصن الطَّائِي السنبسي وَظهر فِي زَمَانه الغلاة كَعبد الله بن سبأ وَمن الْفرْقَتَيْنِ ابتدأت الْبدع والضلال فَنَقُول أَيْضا وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ الثَّلَاثَة قبله على الْحق وَالْحق مَعَهم وَألا فتخصيص عَليّ بذلك دَعْوَى بِلَا برهَان وقولك وَقع الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ بعد الِاتِّفَاق فَمن الْمَعْلُوم أَن كثيرا من الْمُسلمين مَا بَايعُوهُ كالشاميين برمتهم وَطَائِفَة من أهل الْمَدِينَة وَكثير من المصريين وَأهل الْمغرب وَغير ذَلِك ثمَّ تعرض بالطعن على طَلْحَة وَذَوِيهِ من غير أَن يذكر لَهُم عذرا وَلَا رُجُوعا وَأهل الْعلم يعلمُونَ أَنهم لم يقصدوا حَرْب عَليّ وَلَا عَليّ قصد حربهم لَكِن وَقع الْقِتَال بَغْتَة فَإِنَّهُم تعاتبوا وَاتَّفَقُوا هم وَعلي على الْمصلحَة وَإِقَامَة الْحَد على قتلة عُثْمَان فَتَوَاطَأت القتلة على إِقَامَة الْفِتْنَة إِذن كَمَا أقاموها أَولا فحملوا على طَلْحَة وَالزُّبَيْر وعسكرهما فحملوا دفعا للصائل فأشعر القتلة عليا أَنَّهُمَا حملا عَلَيْهِ فَحمل عَليّ دفعا عَن نَفسه فَكَانَ كل مِنْهُم قَصده دفع الصيال لَا الإبتداء بِالْقِتَالِ وَلَكِن الرافضة بهائم فَلَا فِي النَّقْل يصدقون وَلَا للصدق يقبلُونَ أَتبَاع كل ناعق يعادون سادة الصَّحَابَة ويوالون أَعدَاء الْإِسْلَام والتتار ويستعينون بهم على أذية أهل السّنة وعامتهم وَلَهُم الْيَد الطُّولى فِي خراب الْعرَاق وَغَيرهَا كَمَا فعل

ابْن العلقمي الْوَزير وَكَاتب هلاكو وَقَوي عزمه حَتَّى وطيء الْبِلَاد وأباد الْعباد وأجرى السُّيُول من الدِّمَاء وسبى الْحَرِيم والعلويات والعباسيات وَنَشَأ فِي الْكفْر والشرك أَطْفَال الْمُسلمين فهم خبيئة سوء لِلْإِسْلَامِ وَأَهله يعظمون الْمَلَاحِدَة وغلاة الرافضة ويبغضون أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فهم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا) فَكيف الْحِيلَة فِيمَن يحْتَج علينا بِالْكَذِبِ الْمَحْض وَلَا يقبل من المنقولات إِلَّا مَا وَافق هَوَاهُ جهلا بِمَعْرِِفَة الْأَسَانِيد وصناعة الحَدِيث فَإِذا قَالَ قَائِلهمْ قولا من الصدْق أَو الْكَذِب لَا يطالبونه بحجته من الْكتاب وَالسّنة وَلَا يلتفتون إِلَى مَا يُعَارضهُ أصلا وَإِذا خاطبهم الْمُخَالف وَاحْتج عَلَيْهِم بالسنن الثَّابِتَة كذبوها هوى وعنادا أَو بِالْآيَاتِ حرفوها فَإِن قوى نَفسه وخافوا مِنْهُ أدنى خوف قَالُوا صدقت وَالْحق مَا قلت وَبِهَذَا ندين لله تَعَالَى وتبرأوا من الإمامية فِي الْحَال فَمن الَّذِي ينتصف من هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين فِي المناظرة وهم الَّذين قد أصلوا لَهُم ثَلَاثَة أصُول أَحدهَا أَن أئمتهم معصومون الثَّانِي أَن كل مَا ينقلونه فَإِنَّهُ نقل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالثَّالِث أَن إِجْمَاع العترة حجَّة وَهَؤُلَاء هم العترة فصاروا بِهَذَا لَا يخرجُون إِلَى دَلِيل وَلَا تَعْلِيل فسلبوا خاصية التفقه وَالتَّحْقِيق وعدموا الْعلم والتوفيق فَلَا تجدهم ينفردون بِمَسْأَلَة فِي دينهم إِلَّا وعمدتهم فِيهَا على هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة الْمَرْدُودَة بِالْكتاب وَالسّنة وَالْعقل وَإِجْمَاع الطوائف سواهُم قَالَ الرافضي الْفَصْل الثَّالِث فِي الْأَدِلَّة على إِمَامَة عَليّ فَنَقُول يجب أَن يكون الإِمَام مَعْصُوما وَمَتى كَانَ ذَلِك كَانَ الإِمَام هُوَ عَليّ لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكن أَن يعِيش مُفردا لإفتقاره فِي بَقَائِهِ إِلَى مأكل وملبس ومسكن فيضطر إِلَى مساعد ليتم قيام النَّوْع

وَلما كَانَ الإجتماع فِي مظنه التغالب والتغابن بِأَن كل وَاحِد قد يحْتَاج إِلَى مَا فِي يَد غَيره فتدعوه الْقُوَّة الشهوانية إِلَى أَخذه قهرا فَيُؤَدِّي إِلَى الْهَرج والفتن فَلَا بُد من نصب إِمَام مَعْصُوم يصدهم وينصف ويوصل الْحق إِلَى ذويه لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَلَا السَّهْو وَإِلَّا لأفتقر إِلَى إِمَام آخر لِأَن الْعلَّة المحوجة إِلَى نَصبه هِيَ جَوَاز الْخَطَأ على الْأمة فَلَو جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأ لأحتاج إِلَى إِمَام فَإِن كَانَ مَعْصُوما فَهُوَ الإِمَام وَإِلَّا لزم التسلسل وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان مَا كَانُوا معصومين اتِّفَاقًا وَعلي مَعْصُوم فَيكون هُوَ الإِمَام فَالْجَوَاب نقُول الرَّسُول هُوَ الْمَعْصُوم وطاعته هِيَ الْوَاجِبَة فِي كل وَقت على الْخلق وَعلم الْأمة بأوامره أتم من علم الْبَعْض بأوامر المنتظر فَهَذَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم وأوامره مَعْلُومَة فاستغنت الْأمة بِهِ وبأوامره وبعلمه عَن كل أحد وأولو الْأَمر منفذون لدينِهِ لَيْسَ إِلَّا وَمَعْلُوم قطعا أَنه كَانَ نوابه فِي الْيمن وَغَيرهَا يتصرفون فِي الرّعية بإجتهادهم وَلَيْسوا بمعصومين وَلم يتول على الْأمة من ادعيت لَهُ سوى عَليّ وَكَانَ من نوابه على رَعيته بالبلاد النائية من لَا يدْرِي بِمَا أَمر وَلَا بِمَا نهى بل كَانُوا يتصرفون بِمَا لَا يعرفهُ هُوَ ثمَّ الإِمَام الَّذِي وَصفته لَا يُوجد فِي زَمَاننَا مَفْقُود غَائِب عنْدكُمْ ومعدوم لَا حَقِيقَة لَهُ عِنْد سواكم وَمثله لَا يحصل بِهِ شَيْء من مَقَاصِد الْإِمَامَة بل الإِمَام الَّذِي يقوم وَفِيه جهل وظلم أَنْفَع لمصَالح الْأمة مِمَّن لَا يَنْفَعهُمْ بِوَجْه وَالْإِمَام يحْتَاج إِلَيْهِ للْعلم ليبلغه وللعمل ليطاع فِي سُلْطَانه وقولك لَا بُد من نصب إِمَام مَعْصُوم أَتُرِيدُ أَن لَا بُد أنن يخلق الله وَيُقِيم مَعْصُوما أم يجب على النَّاس أَن يبايعوا من يكون كَذَلِك وَغَايَة مَا عنْدكُمْ أَن تدعوا عصمَة عَليّ لَكِن الله مَا مكنه فِي زمن الثَّلَاثَة بل وَلَا فِي خِلَافَته فَيكون الله عنْدكُمْ قد أيد الثَّلَاثَة الظلمَة بزعمكم حَتَّى فعلوا مَا فَعَلُوهُ من الْمصَالح وَلم يُؤَيّدهُ حَتَّى يفعل ذَلِك وَحِينَئِذٍ فَمَا خلق الله هَذَا الْمَعْصُوم الْمُؤَيد الَّذِي اقترحتموه على الله وَإِن قُلْتُمْ إِن

النَّاس يجب عَلَيْهِم إعانته وإقامته قُلْنَا فَمَا فعلوا ذَلِك عصوا أَو أطاعوا فَمَا حصل بِهِ مَقْصُود بل نقُول إِذا كَانَ مَا حصل مَجْمُوع مَا بِهِ تحصل الْمَقَاصِد بل فَاتَ كثير من شُرُوطهَا فَلم لَا يجوز أَن يكون الْفَائِت هُوَ الْعِصْمَة وَإِذا كَانَ الْمَقْصُود فائتا بِعَدَمِ الْعِصْمَة أَو بعجز الْمَعْصُوم فَلَا فرق بَين عدمهَا بِهَذَا أَو بِهَذَا فَمن أَيْن يعلم بِدَلِيل الْعقل كَمَا ادعيت أَنه يجب على الله أَن يخلق إِمَامًا مَعْصُوما وَإِن كَانَ خلقه فَأَيْنَ الْمصلحَة واللطف بِهِ وَقد أنكرهُ الْجُمْهُور ومقتوا شيعته وَوَقع بِهِ من الشَّرّ أَشْيَاء فدع عَنْك خدعة الْمُعْتَزلَة الَّذين يوجبون على الله ذَلِك بعقولهم الصَّغِيرَة وغلطوا من حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الْمصلحَة الْعَامَّة الْكُلية وَبَين الْمصلحَة الْجُزْئِيَّة وَقَول الرافضة من جنس النَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا إِن الْإِلَه تجسد وَنزل أَو أنزل ابْنه ليصلب وَيكون الصلب مغْفرَة لذنب آدم ليدفع الشَّيْطَان بذلك فَقيل لَهُم إِذا كَانَ قَتله وصلبه وتكذيبه من أعظم الشَّرّ والضلال يكون قد أَرَادَ أَن يزِيل ذَنبا صَغِيرا بذنب هُوَ أكبر مِنْهُ بِكَثِير وَهُوَ مَعَ ذَلِك لم يُغير الشَّرّ بل زَاده فَكيف يفعل ذَلِك لمقصود فَوَقع ضد الْمَقْصُود وقولك إِذا كَانَ الْإِنْسَان مدنيا بالطبع وَجب نصب الْمَعْصُوم ليزول الشَّرّ عَن أهل الْمَدِينَة فَنَقُول هَل تَقولُونَ إِنَّه لم يزل فِي كل مَدِينَة خلقهَا الله مَعْصُوم يدْفع ظلم النَّاس أم لَا فَإِن قُلْتُمْ بِالْأولِ كَانَ هَذَا مُكَابَرَة ظَاهِرَة فَهَل فِي بِلَاد الْكفَّار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب مَعْصُوم وَهل كَانَ فِي الشَّام عِنْد مُعَاوِيَة مَعْصُوم وَإِن قلت لَهُ نواب فِي الْمَدَائِن كلهَا كابرت الْحس وَإِن قلت فِي الْبَعْض قيل فَمَا الْفرق إِذا كَانَ وَاجِبا على الله وَالْحَاجة سَوَاء وَلَو سلمنَا أفتقول بعصمتهم أم لَا فَإِن كَانُوا غير معصومين فَأَيْنَ نفع أهل الْمَدَائِن بِالْإِمَامِ وهم يصلونَ خلف غير مَعْصُوم ويطيعونه فَإِن قيل

ترجع الْأُمُور إِلَى الْمَعْصُوم قُلْنَا لَو كَانَ قَادِرًا كَأبي بكر وَعمر وَغَيرهمَا لم يتَمَكَّن من إِيصَال الْعدْل إِلَى الْكل وَقد لَا يجد لكل بلد عادلا قَوِيا فَإِذا لم يجد سقط عَنهُ فَكيف يجب على الله ذَلِك كَيفَ والمعصوم عنْدكُمْ عَاجز وَعِنْدنَا مَعْدُوم وَوجه آخر أَن يُقَال صده غَيره عَن الظُّلم وإنصافه الرّعية فرع على منع ظلمه وَاسْتِيفَاء حَقه فَإِذا كَانَ عَاجِزا مقهورا عَن دفع الظُّلم عَن نَفسه فَمَا الظَّن برعيته كَيفَ وَهُوَ عنْدكُمْ خَائِف لَا يُمكنهُ الظُّهُور من أَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة خوفًا من الْقَتْل وَالله لَا يَقع مِنْهُ ظلم وَلَا يخل بِوَاجِب فقد فعل الْوَاجِب وَمَعَ هَذَا فَمَا خلق مَا تحصل بِهِ هَذِه الْمصَالح الْمَقْصُودَة من الْمَعْصُوم فَإِن كَانَت هَذِه الْمصَالح تحصل بِمُجَرَّد خلقه وَهِي لم تحصل لزم أَن لَا يكون خلقه وَاجِبا وَإِن كَانَت لَا تحصل إِلَّا بخلقه وَخلق أُمُور أُخْرَى حَتَّى يحصل بالمجموع الْمَطْلُوب فَمَا خلق ذَلِك الْمَجْمُوع والإخلال بِالْوَاجِبِ مُمْتَنع عَلَيْهِ فِي الْقَلِيل وَالْكثير فَلَزِمَ على التَّقْدِيرَيْنِ أَنه لَا يجب عَلَيْهِ خلق الْمُوجب لهَذِهِ المطالب وَإِذا لم يجب عَلَيْهِ ذَلِك فَلَا فرق بَين أَن يخلق مَعْصُوما لَا يحصل بِهِ ذَلِك وَبَين أَن لَا يخلقه فَلَا يكون ذَلِك وَاجِبا عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم وجوده فَالْقَوْل بِوُجُوب وجوده بَاطِل على كل تَقْدِير وَإِن قيل الله فعل ر مَا يجب عَلَيْهِ من خلق الْمَعْصُوم لَكِن النَّاس فوتوا الْمصلحَة بمعصيتهم لَهُ قيل أَولا إِذا كَانَ

يعلم أَن النَّاس لَا يعاونونه حَتَّى تحصل الْمصلحَة بل يعصونه فيعذبون لم يكن خلقه وَاجِبا بل وَلَا حِكْمَة على قَوْلهم وَيُقَال ثَانِيًا لَيْسَ كل النَّاس عصاة بل بَعضهم عصوه ومنعوه وَبَعْضهمْ يُؤثر طَاعَته وَمَعْرِفَة مَا يَقُوله فَكيف لَا يُمكن هَؤُلَاءِ من طَاعَته فَإِن قيل أُولَئِكَ الظلمَة منعُوا هَؤُلَاءِ قيل فَإِن كَانَ الرب قَادِرًا على منع الظلمَة فَهَلا مَنعهم على قَوْلهم وَإِن لم يكن ذَلِك مَقْدُورًا فَهُوَ يعلم أَن حُصُول الْمصلحَة غير مقدورة فَلَا يَفْعَله فَلم قُلْتُمْ على هَذَا التَّقْدِير إِنَّه يُمكن خلق مَعْصُوم غير نَبِي فَهَذَا لَازم لكم فَإِن قُلْتُمْ إِن الله خَالق أَفعَال الْعباد أمكنه صرف دواعي الظلمَة حَتَّى يطاع وَإِن قُلْتُمْ لَيْسَ هُوَ خَالق أَفعَال الْعباد قيل فالعصمة إِنَّمَا تكون بِأَن يُرِيد الْفَاعِل الْحَسَنَات وَلَا يُرِيد السَّيِّئَات وَهُوَ عنْدكُمْ لَا يقدر أَن يُغير إِرَادَة عَبده فَلَا يقدر على جعله مَعْصُوما فَبَطل الْمَعْصُوم على أصل الْقَدَرِيَّة إِذْ الْعِصْمَة أَن يُرِيد العَبْد الْحَسَنَات فَقَط فَإِذا كَانَ هُوَ الْمُحدث لإِرَادَة نَفسه فَالله عِنْدهم لَا يقدر على إِحْدَاث إِرَادَة أحد امْتنع مِنْهُ أَن يَجْعَل أحدا مَعْصُوما وَإِذا قَالُوا بِخلق مَا تميل بِهِ إِرَادَته إِلَى الْخَيْر قيل إِن كَانَ ذَلِك ملجئا زَالَ التَّكْلِيف وَإِلَّا لم ينفع وَإِن كَانَ ذَلِك مَقْدُورًا عنْدكُمْ فَهَلا فعل ذَلِك بِجَمِيعِ الْعباد فَإِنَّهُ أصلح لَهُم إِذا أوجبتم عَلَيْهِ فعل الْأَصْلَح بِكُل عبد وَذَلِكَ لَا يمْنَع الثَّوَاب عنْدكُمْ كَمَا لَا يمنعهُ فِي حق الْمَعْصُوم وَجه ثامن أَن يُقَال حَاجَة الْمَرْء إِلَى تَدْبِير بدنه بِنَفسِهِ أعظم من حَاجَة الْمَدِينَة إِلَى تَدْبِير رئيسها وَإِذا كَانَ الله لم يخلق نفس الْإِنْسَان معصومة فَكيف يجب عَلَيْهِ أَن يخلق رَئِيسا مَعْصُوما مَعَ أَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ أَن يكفر بباطنه ويعصي بباطنه وَجه تَاسِع أَن يُقَال هَل الْمَطْلُوب من الْمَعْصُوم إعدام الْفساد أم تقليله فَالْأول مَا وَقع فِي الْعَالم وَالثَّانِي يحصل بِلَا مَعْصُوم كزمن أبي بكر وَعمر أَكثر مِمَّا حصل بعلي أَو مثله وَحصل بِسَائِر الْخُلَفَاء مَا حصل بِسَائِر الْأَئِمَّة الإثني عشر كَمَا قيل سِتُّونَ سنة

من إِمَام جَائِر خير من لَيْلَة بِلَا إِمَام وقولك وَلَو لم يكن الإِمَام مَعْصُوما لأفتقر إِلَى إِمَام مَعْصُوم فَنَقُول لم لَا يجوز أَن يكون إِذا أَخطَأ الإِمَام كَانَ فِي الْأمة من ينبهه بِحَيْثُ لَا يحصل إتفاق الْكل على الْخَطَأ كَمَا إِذا أَخطَأ أحد الرّعية نبهه إِمَامه أَو نَائِبه وَتَكون الْعِصْمَة ثَابِتَة للمجموع بِحَيْثُ لَا يحصل اتِّفَاقهم على الْخَطَأ كَمَا يَقُوله أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَنَظِيره أَن كل وَاحِد من أهل خبر التَّوَاتُر يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالْكذب وَلَا يجب ذَلِك على الْمَجْمُوع فِي الْعَادة فإثبات الْعِصْمَة للمجموع أولى من إِثْبَاتهَا للْوَاحِد وَبِذَلِك يحصل الْمَقْصُود من عصمَة الإِمَام فَلَا تتَعَيَّن عصمَة الإِمَام وَمن جهل الرافضة أَنهم يوجبون عصمَة وَاحِد من الْمُسلمين ويجوزون على مَجْمُوع الْمُسلمين إِذا لم يكن فيهم مَعْصُوم الْخَطَأ وَقد ذكر غير وَاحِد أَن أول من ابتدع الرَّفْض وَالْقَوْل بِالنَّصِّ على عَليّ وعصمته كَانَ زنديقا أَرَادَ إِفْسَاد الدّين وَأَرَادَ أَن يصنع بِالْمُسْلِمين كَمَا صنع بولص بالنصارى فَلم يتأت لَهُ مَا تأتى لبولص لضعف عقول النَّصَارَى كلهم فَإِن الْمَسِيح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رفع وَلم يتبعهُ خلق كثير يعلمُونَ دينه ويقومون بِهِ علما وَعَملا فَلَمَّا ابتدع بولص الغلو فِي الْمَسِيح اتبعهُ خلق وَدخلت مَعَهم مُلُوك فَأنْكر عَلَيْهِم طَائِفَة فَقَتلهُمْ الْمُلُوك وَبَعْضهمْ داهن الْمُلُوك واعتزلوا فِي الصوامع وأمتنا هَذِه وَللَّه الْحَمد لَا تزَال مِنْهَا طَائِفَة ظَاهِرَة على الْحق فَلَا يتَمَكَّن ملحد وَلَا مُبْتَدع من إفساده بغلو أَو إنتصار على الْحق وَلَكِن يضل من يتبعهُ على ضلاله وَأَيْضًا فنوابه غير معصومين فِي الجزئيات وهم الَّذين يفصلون فِي غَالب أُمُور

النَّاس فِي الدُّنْيَا بل بسائرها بقيت الْعِصْمَة فِي الكليات وَالله قَادر على أَن ينص على الكليات بِحَيْثُ لَا يحْتَاج فِي مَعْرفَتهَا إِلَى الإِمَام وقادر أَن يَجْعَل نَص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكمل من نَص الإِمَام فاستغنينا عَن عصمَة الإِمَام فِي الكليات والجزئيات ثمَّ خبرنَا مَا عصمَة الإِمَام أَهِي فعله للطاعات بإختياره وَتَركه للمعاصي بإختياره مَعَ أَن الله عنْدكُمْ لَا يخلق إختياره أم هِيَ خلق الْإِرَادَة لَهُ أَو سلبه الْقُدْرَة على الْمعْصِيَة وعندك أَن الله لَا يخلق إختيارنا فلزمك أَن الله لَا يقدر على خلق مَعْصُوم وَإِن نقضت قَوْلك فِي الْقدر لزمك أَن يكون الْمَعْصُوم لَا يُثَاب على طَاعَة وقولك لَيْسَ بمعصوم غير عَليّ إتفاقا مَمْنُوع بل كثير من الْعباد والعامة يَعْتَقِدُونَ عصمَة شيوخهم مثلكُمْ مَعَ إعتقادهم أَن الصَّحَابَة أفضل مِنْهُم فاعتقادهم ذَلِك فِي الْخُلَفَاء من الصَّحَابَة أولى والإسماعيلية يَعْتَقِدُونَ عصمَة أئمتهم وهم غير الإثني عشر وَأَتْبَاع بني أُميَّة كَانُوا يَقُولُونَ إِن الْخَلِيفَة لَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب وَمن كَانَ إعتقاده أَن كل مَا يَأْمر بِهِ الإِمَام فَإِنَّهُ يجب طَاعَته فِيهِ لم يحْتَج إِلَى مَعْصُوم وَيَقُول يَكْفِينِي عصمَة الإِمَام الَّذِي افتديت بِهِ أَو شَيْخي أَو أَمِيري ويقرأون قَوْله تَعَالَى (أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَأولى الْأَمر مِنْكُم) فَإِن قلت هَؤُلَاءِ لَا يعْتد بخلافهم لم يسمع مِنْك فَإِنَّهُم اقتدوا بموجود منتظركم الْمَعْدُوم الَّذِي مَا انتفعتم بِهِ بِحَال وَأَيْضًا فَمَا فِي أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَالَ بعصمة عَليّ وَلَا فِي التَّابِعين وَلَا أَئِمَّة الْعلم وَإِنَّمَا انْفَرد بِهَذَا جهلة الإمامية كَمَا انْفَرد بتكفيره ضلال الْخَوَارِج وبتفسيقه خلق من النواصب وَيُقَال لكم إِمَّا أَن يجب وجود الْمَعْصُوم أَولا فَإِن لم يجب بَطل قَوْلكُم وَإِن وَجب لم نسلم أَنه عَليّ دون الثَّلَاثَة قبله بل إِن كَانَ هَذَا القَوْل حَقًا لزم أَن يكون

الْمَعْصُوم أَبَا بكر وَعمر فَإِن أهل السّنة متفقون على تفضيلهما عَلَيْهِ وَإِن كَانَت الْعِصْمَة منتفية عَنْهُمَا فَهِيَ عَنهُ أبعد وَهَذَا كنبوة مُوسَى وَعِيسَى فَإِن الْمُسلمين لَا يسلمُونَ بنبوتهما إِلَّا مَعَ نبوة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ لَا نسلم إِيمَان عَليّ إِلَّا مَقْرُونا بِإِيمَان الثَّلَاثَة وَلَا ننفي الْعِصْمَة عَنْهُم إِلَّا مقرونة بنفيها عَن عَليّ فَمَا قَوْلك إِمَامَة عَليّ ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع بِخِلَاف الثَّلَاثَة إِلَّا كَقَوْل الْيَهُود نبوة مُوسَى ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع بِخِلَاف نبوة مُحَمَّد وَإِلَّا كَقَوْل النَّصَارَى الإلهية منتفية عَن مُوسَى وَمُحَمّد بِالْإِجْمَاع وتنازعنا فِي عِيسَى وإلاهيته فَنحْن نعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه لَيْسَ لعيسى مزية يسْتَحق بهَا الإلهية دون مُوسَى وَمُحَمّد كَمَا نقطع أَن عليا رَضِي الله عَنهُ لَيْسَ لَهُ مزية يسْتَحق بهَا الْعِصْمَة دون الثَّلَاثَة ونسألك من أَيْن علمت عصمَة عَليّ دون الثَّلَاثَة فَإِن قلت بِالْإِجْمَاع على إنتفاء عصمَة سواهُ قُلْنَا إِن لم يكن الْإِجْمَاع حجَّة أبطلت قَوْلك وَإِن كَانَ حجَّة فِي إِثْبَات عصمَة على الَّتِي هِيَ الأَصْل أمكن أَن يكون حجَّة فِي الْمَقْصُود بعصمته من حفظ الشَّرْع وَنَقله فَأَنت تحتج بِالْإِجْمَاع وَلَا تقبل كَون الْإِجْمَاع حجَّة وَإِن ادعيت التَّوَاتُر عنْدكُمْ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عصمته فَهُوَ كدعواك تَوَاتر النَّص على إِمَامَته وَأَيْضًا فالإجماع عنْدكُمْ لَيْسَ حجَّة إِلَّا أَن يكون قَول الْمَعْصُوم فِيهِ فَإِن لم يعرفوا ثُبُوت الْمَعْصُوم إِلَّا بِهِ لزم الدّور فَإِنَّهُ لَا يعرف أَنه مَعْصُوم إِلَّا بقوله وَلَا يعرف أَن قَوْله حجَّة إِلَّا إِذا عرف أَنه مَعْصُوم فَلَا يثبت وَاحِد مِنْهُمَا وَترجع حَقِيقَة قَوْلكُم فلَان مَعْصُوم لِأَنَّهُ قَالَ أَنا مَعْصُوم وغيري لَيْسَ بمعصوم وَهَذَا كل أحد يُمكن أَن بقوله وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل أَنا صَادِق فِي كل مَا أقوله فَإِن لم يعلم صدقه بِغَيْر قَوْله لم يعلم صَدَقَة فِيمَا يَقُوله وَادعت الإسماعيلية مثل هَذَا فَادعوا أَن الإِمَام الْمعلم الْمَعْصُوم وَقَالُوا إِن طرق الْعلم بِالسَّمْعِ وَالْعقل لَا يعرف صِحَّتهَا إِلَّا الْمَعْصُوم وبتعليمه فَإِذا طولبوا بِتَعْيِين مَعْصُوم وبالدليل على أَنه مَعْصُوم دون غَيره لم يَأْتُوا بِحجَّة أصلا وتناقضت أَقْوَالهم وَلَو تنازلنا ورضينا بقول عَليّ إِنِّي مَعْصُوم فَمن الَّذِي نقل عَنهُ أَنه قَالَ إِنِّي

مَعْصُوم بل الْمُتَوَاتر عَنهُ خلاف ذَلِك وَأَنه أقرّ قُضَاته على أَن يحكموا بِخِلَاف رَأْيه وَصَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد أَن لَا يبعن وَقد رَأَيْت الْآن أَن يبعن فَقَالَ لَهُ قاضيه عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ عمر فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك فِي الْفرْقَة وَكَانَ شُرَيْح يقْضِي بإجتهاده وَلَا يُرَاجِعهُ وَهُوَ يقره على ذَلِك وَكَانَ يُفْتِي وَيحكم بِاجْتِهَادِهِ ثمَّ يرجع عَن ذَلِك بإجتهاده وَهَذِه أَقْوَاله فِي ذَلِك ثَابِتَة عَنهُ بأصح الْأَسَانِيد قَالَ الرافضي وَيجب أَن يكون الإِمَام مَنْصُوصا عَلَيْهِ لما بَينا من بطلَان الإختيار فَإِنَّهُ لَيْسَ بعض المختارين لبَعض الْأَئِمَّة أولى من الْبَعْض الْمُخْتَار لآخر وَإِلَّا أدّى إِلَى التَّنَازُع والتشاجر وَغير عَليّ من أئمتهم لم يكن مَنْصُوصا عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع فَتعين أَن يكون هُوَ الإِمَام قُلْنَا الْجَواب بِمَنْع المقدمتين فقد ذهب خلق من السّلف وَالْخلف إِلَى النَّص على أبي بكر وَذَهَبت طَائِفَة قَليلَة إِلَى النَّص على الْعَبَّاس فَأَيْنَ الْإِجْمَاع ثمَّ نقُول لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعْتَبر النَّص فِي الْإِمَامَة أَو لَا فَإِن اعْتبر منعنَا الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَقُلْنَا النَّص لأبي بكر وَإِن لم يعْتَبر بطلت الْمُقدمَة الأولى ثمَّ الْإِجْمَاع عنْدكُمْ لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا الْحجَّة قَول الْمَعْصُوم فَيَعُود الْأَمر إِلَى إِثْبَات النَّص بقول الَّذِي تدعى لَهُ الْعِصْمَة فَلَا يثبت نَص وَلَا عصمَة بل بقول قَائِل أَنا مَعْصُوم وَأَنا الَّذِي نَص عَليّ وَيُقَال مَا تَعْنِي بِقَوْلِك يجب أَن يكون مَعْصُوما مَنْصُوصا عَلَيْهِ أتعني أَنه لَا بُد من أَن يَقُول هَذَا الْخَلِيفَة من بعدِي أم لَا يصير إِمَام حَتَّى تعقد لَهُ الْإِمَامَة مَعَ ذَلِك فَإِن قلت بِالْأولِ قيل لَا نسلم وجوب النَّص بِهَذَا الإعتبار والزيدية مَعَ الْجَمَاعَة تنكر هَذَا النَّص وَمَا هم بل وَلَا نَحن بمتهمين على عَليّ

وقولك إِذا لم يكن كَذَلِك أدّى إِلَى التَّنَازُع والتشاجر فَيُقَال النُّصُوص الَّتِي تدل على أولويته مَعَ النّظر والإستدلال يحصل بهَا الْمَقْصُود ثمَّ إِذا كَانَت الْأَدِلَّة وَاضِحَة فِي أولويته كفت وَكَذَلِكَ كَانَ الصّديق وَمن نَازع من آحَاد الْأَنْصَار فَمَا نَازع فِي أَن أَبَا بكر أفضل وَإِنَّمَا رام التَّقَدُّم مَعَ وجود الْأَفْضَل فَإِن قيل إِذا كَانَ لَهُم هوى مَنعه دلَالَة النُّصُوص قيل وَإِذا كَانَ لَهُم هوى عصوا النُّصُوص كَمَا ادعيتم عَلَيْهِم فَمَعَ قصدهم الْحق يحصل الْمَقْصُود وَمَعَ العناد لَا ينفع النَّص ثمَّ إِن كَانَ الإِمَام مَعْصُوما فنوابه خلق وَلَا عصمَة لَهُم فالحاجة بَاقِيَة وَأَيْضًا فنص الرَّسُول على إِمَام بعده كتوليته وَاحِدًا فِي حَيَاته وَنحن لَا نشترط الْعِصْمَة لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا ثمَّ إِنَّكُم أوجبتم النَّص قطعا للتشاجر المفضي إِلَى الْفساد الْكَبِير فَوَقع الْأَمر بِالْعَكْسِ فَإِن أَبَا بكر تولى ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان مَعَ إنتفاء الْفساد والتشاجر وَوَقع بعضه فِي آخر أَيَّام عُثْمَان وَإِنَّمَا اشْتَدَّ وَعظم فِي أَيَّام من ادعيتم لَهُ النَّص والعصمة فَمَا أصلتموه حصل مَعَه نقيض الْمَقْصُود وَحصل الْمَقْصُود بِدُونِ وسيلتكم ونقول النَّص يزِيل الْفساد وَيكون على وُجُوه أَحدهَا إِخْبَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِولَايَة شخص ويثني عَلَيْهِ فِي ولَايَته فتعلم الْأمة أَنه إِن تولى كَانَ مَحْمُودًا فيرتفع النزاع وَإِن لم يقل ولوه وَهَذَا الْخَبَر وَقع لأبي بكر وَعمر الثَّانِي أَن يخبر بِأُمُور تَسْتَلْزِم صَلَاح الْولَايَة وَهَذِه النُّصُوص وَقعت فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر بِفَتْح فَارس وَالروم وَغير ذَلِك الثَّالِث أَن يَأْمر من يَأْتِيهِ بعد مَوته بِأَن يَأْتِي شخصا فَيدل ذَلِك على أَنه الْخَلِيفَة من بعده وَهَذَا وَقع لأبي بكر الرَّابِع أَن يهم بِكِتَابَة عهد بالخلافة ثمَّ يَقُول يَأْبَى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر فَوَقع كَمَا أخبر الْخَامِس أَن يَأْمر بالإقتداء من بعده بشخص فَيكون هُوَ الْخَلِيفَة ن بعده السَّادِس أَن يَأْمر بإتباع سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعده وَيجْعَل خلافتهم إِلَى مُدَّة مُعينَة فَيدل على أَن المتولين فِي تِلْكَ الْمدَّة هم الْخُلَفَاء الراشدون والمهديون السَّابِع أَن يخص

شخصا بِأُمُور تَقْتَضِي أَنه هُوَ الْمُقدم وَهَذَا مَوْجُود فِي أبي بكر الثَّامِن أَن ترك النَّص أولى بالرسول لِأَنَّهُ إِن كَانَ النَّص ليَكُون مَعْصُوما فَلَا مَعْصُوم بعده وَإِن كَانَ بِدُونِ الْعِصْمَة فقد يحْتَج بِالنَّصِّ على وجوب اتِّبَاعه فِي كل مَا يَقُول وَلَا يُمكن أحدا بعد موت الرَّسُول مُرَاجعَة الرَّسُول ليَرُدهُ أَو يعزله بِخِلَاف من ولاه فِي حَيَاته فَإِنَّهُ إِذا أَخطَأ أَو أذْنب أمكن الرَّسُول بَيَان خطأه وعزله وَلَو نَص الرَّسُول بعده أَيْضا على معِين لنأخذ عَنهُ الدّين كَمَا تَقول الرافضة بطلت حجَّة الله إِذْ ذَاك وَلَا يقوم بِهِ غير الرَّسُول لِأَنَّهُ لَا مَعْصُوم إِلَّا هُوَ الْجَواب التَّاسِع أَن النَّص على الجزئيات لَا يُمكن والكليات قد نَص عَلَيْهَا فَلَو نَص على معِين وَأمر بِطَاعَتِهِ فِي تعْيين الكليات كَانَ هَذَا بَاطِلا وَإِن أَمر بِطَاعَتِهِ فِي الجزئيات سَوَاء وَافَقت الكليات أَو خالفتها كَانَ بَاطِلا وَإِن أَمر بِطَاعَتِهِ فِي الجزئيات إِذا طابقت الكليات فَهَذَا حكم كل متول وَلَو نَص على رجل لَكَانَ من يتَوَلَّى من بعده قد لَا يطاع كطاعة الأول لعدم النَّص فِي الثَّانِي وَإِن قلت كل وَاحِد ينص على من بعده فَهَذَا إِنَّمَا يُمكن إِذا كَانَ الثَّانِي مَعْصُوما وَلَا عصمَة بعد الرَّسُول لأحد فَالْقَوْل بِالنَّصِّ فرع على القَوْل بالعصمة وَذَاكَ من أفسد الْأَقْوَال فكذاك النَّص الَّذِي تدعيه الرافضة وَهُوَ الْأَمر بِطَاعَة الْمُتَوَلِي فِي كل مَا يَقُوله من غير رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة إِذا نوزع اما إِذا رددنا قَوْلنَا إِلَى الْكتاب وَالسّنة كَمَا أمرنَا عِنْد التَّنَازُع فَلَا حَاجَة إِلَى النَّص فَإِن الدّين مَحْفُوظ وَلَا يُمكن أَن بشرا يعلم كل علم الرَّسُول أَو يَأْتِيهِ وَحي فَلَا سَبِيل إِلَى معرفَة مَا جَاءَ بِهِ إِلَّا من جِهَته قَالَ الثَّالِث أَن الإِمَام يجب أَن يكون حَافِظًا للشَّرْع لانْقِطَاع الْوَحْي وقصور الْكتاب وَالسّنة عَن تفاصيل الجزئيات فَلَا بُد من إِمَام مَنْصُوص من الله تَعَالَى مَعْصُوم لِئَلَّا يتْرك أَو يزِيد عمدا أَو سَهوا وَغير عَليّ لم يكن كَذَلِك بِالْإِجْمَاع قُلْنَا لَا نسلم أَنه

يجب أَن يكون حَافِظًا للشَّرْع بل يجب أَن تكون الْأمة حافظة للشَّرْع وَذَلِكَ يحصل بالمجموع كَمَا يحصل بِالْوَاحِدِ بل الشَّرْع إِذا نَقله أهل التَّوَاتُر كَانَ خيرا من نقل وَاحِد وَلَا نسلم أَن عليا كَانَ أحفظهم للشَّرْع بل كَانَ أَبُو بكر وَعمر أعلم مِنْهُ فَبَطل إجماعك وَإِن زعمت أَنه مَعْصُوم فَلَا تعلم صِحَة شَيْء من الشَّرْع إِلَّا بنقله لزم من ذَلِك أَن الْحجَّة لَا تقوم على أهل الأَرْض إِلَّا بنقله وَلَا نعلم صِحَة نَقله حَتَّى نعلم أَنه مَعْصُوم وَلَا نعلم أَنه مَعْصُوم إِلَّا بِالْإِجْمَاع على نفي عصمَة من سواهُ فَإِن كَانَ الْإِجْمَاع مَعْصُوما أمكن حفظ الشَّرْع بِهِ وَإِن لم يكن مَعْصُوما لم نعلم عصمته ثمَّ أخبرنَا هَل يُمكن الإِمَام تَبْلِيغ الشَّرْع إِلَى من يَنْقُلهُ عَنهُ بالتواتر أم لَا يزَال مَنْقُولًا نقل آحَاد من مَعْصُوم إِلَى مَعْصُوم فَإِن كَانَ الإِمَام يُمكنهُ ذَلِك فالرسول يُمكنهُ بطرِيق الأولى فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة إِلَى نقل الإِمَام وَإِن قلت لَا يُمكنهُ ذَلِك لزم دين الْإِسْلَام أَنه لَا يَنْقُلهُ إِلَّا وَاحِد بعد وَاحِد من أقرباء الرَّسُول الَّذين يُمكن القادح فِي نبوته أَن يَقُول إِنَّهُم يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا شَاءُوا وَإنَّهُ كَانَ طَالب ملك أَقَامَهُ أَقَاربه وعهد إِلَيْهِم بِمَا يُقِيمُونَ بِهِ دولته ونقول الْحَاجة ماسة إِلَى الْعِصْمَة فِي حفظ الدّين وَنَقله فلماذا لَا يجوز أَن يكون الصَّحَابَة هم المعصومين الَّذين حصل بهم مَقْصُود الدّين وبلغوه ولماذا لَا تكون الْعِصْمَة فِي الْحِفْظ والبلاغ لكل طَائِفَة بِحَسب مَا حملوه فالقراء معصومون فِي حفظ الْقُرْآن وتبليغه والمحدثون معصومون فِي حفظ الصِّحَاح وتبليغها وَالْفُقَهَاء معصومون فِي فهم الْكَلَام والإستدلال وَهَذَا هُوَ الْوَاقِع الْمَعْلُوم الَّذِي أغْنى الله بِهِ عَن وَاحِد مَعْدُوم ثمَّ إِنَّه إِذا كَانَ لَا يحفظ الشَّرْع ويبلغه إِلَّا مَعْصُوم عَن مَعْصُوم والمنتظر لَهُ أَرْبَعمِائَة

وَسِتُّونَ سنة لم يَأْخُذ أحد عَنهُ مَسْأَلَة فَمن أَيْن علمْتُم الْقُرْآن وَالشَّرْع فِي طول هَذِه الْمدَّة وَلم لَا يجوز أَن يكون هَذَا الْقُرْآن الَّذِي تقرأونه لَيْسَ الَّذِي أنزل وَأَيْضًا من أَيْن لكم الْعلم بِشَيْء من أَحْوَال الرَّسُول وَابْن عَمه وَأَنْتُم لم تسمعوا شَيْئا من ذَلِك من مَعْصُوم فَإِن قُلْتُمْ تَوَاتر ذَلِك عندنَا قيل فَإِذا كَانَ تَوَاتر ذَلِك عَن أئمتكم يُوجب حفظ الشَّرْع فلماذا لَا يجوز أَن يكون تَوَاتر الْأمة كلهَا عَن نبيها أولى وَأَحْرَى من غير إحتياج إِلَى نقل وَاحِد عَن وَاحِد وقولك لقُصُور النُّصُوص عَن تفاصيل الْأَحْكَام قُلْنَا وكل إِمَام بِهَذِهِ الْمنزلَة فَإِن الْأَمِير إِذا خَاطب النَّاس فَلَا بُد أَن يخاطبهم بِمَا يعم الْأَعْيَان وَالْأَفْعَال إِذْ من الْمُمْتَنع أَن يعين كل فعل من فَاعل فِي كل وَقت فَمَا بَقِي إِلَّا الْخطاب الْكُلِّي وَذَلِكَ مُمكن من الرَّسُول وَإِن زعمت أَن نُصُوص الرَّسُول لَيست عَامَّة كُلية قيل لَك هَذَا مَمْنُوع وَبِتَقْدِير أَن يمْنَع هَذَا من نُصُوص الرَّسُول فَأَنت مُضْطَر فِي خطاب الإِمَام إِلَى إِثْبَات عُمُوم الْأَلْفَاظ أَو عُمُوم الْمعَانِي بالإعتبار فَأَيّهمَا كَانَ أمكن إثْبَاته من خطاب الرَّسُول فَلَا حَاجَة إِلَى الإِمَام وَالْحجّة قد قَامَت على الْخلق بالرسول قَالَ تَعَالَى (لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم) وَالله قد ضمن حفظ مَا أنزلهُ من الذّكر فَصَارَ ذَلِك مَأْمُونا من التبديل والتغيير ثمَّ قد علم بالإضطرار من الدّين أَن أَكثر الْمُسلمين بَلغهُمْ الْقُرْآن وَالسّنَن بِدُونِ نقل عَليّ فَإِن عمر لما فتح الْأَمْصَار بعث إِلَيْهَا من علمهمْ وفقههم ثمَّ اتَّصل الْعلم من أُولَئِكَ إِلَى الْمُسلمين وَعلي بلغ جملَة من ذَلِك كَمَا بلغ ابْن مَسْعُود ومعاذ ابْن جبل وَأبي وخلائق فَتَبَارَكَ الله مَا أَجْهَل الرافضة قَالَ وَالله قَادر على نصب مَعْصُوم وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَيْهِ وَلَا مفْسدَة فِيهِ فَيجب نَصبه وَغير عَليّ لم يكن كَذَلِك فَتعين هُوَ قُلْنَا هَذَا تكْرَار مِنْك وَقد مر أَن الْإِجْمَاع إِن كَانَ مَعْصُوما أغْنى عَن عصمَة عَليّ وَإِن لم يكن مَعْصُوما بطلت دلَالَته على عصمَة عَليّ وَإِن زعمت أَن حَال الْأمة مَعَ وجود الْمَعْصُوم أكمل فَلَا ريب أَن حَالهم مَعَ

عصمَة نوابه أكمل وحالهم مَعَ عصمَة أنفسهم أكمل وأكمل وَلَا يجب على الله ذَلِك وَإِذا ادعيت أَن مَعَ عَدمه يدْخلُونَ النَّار وَلَا يعيشون فِي الدُّنْيَا أَو يشْتَد الْبلَاء فَيُقَال هَب أَن الْأَمر كَذَلِك فَلم قلت إِن إِزَالَة هَذَا وَاجِب وَمَعْلُوم أَن الْأَمْرَاض والهموم مَوْجُودَة والغلاء والجوائح والمصائب كَثِيرَة وَلَيْسَ مَا يُصِيب الْمَظْلُوم من الضَّرَر بأعظم مِمَّا يُصِيبهُ من هَذِه الْأُمُور وَالله لم يزل ذَلِك وحوائج الْبشر دَاعِيَة إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الصِّحَّة وَالْقُوَّة وَالْمَال وَالسُّرُور وعَلى أصلك الْفَاسِد إِن الله لَا يقدر على خلق مُؤمن وَلَا كَافِر فَكيف يقدر على خلق مَعْصُوم وَقد تقدم هَذَا وَبَان تناقضكم حَيْثُ جمعتم بَين إِيجَاب خلق مَعْصُوم على الله وَبَين قَوْلكُم إِن الله لَا يقدر على جعل أحد مَعْصُوما بإختياره بِحَيْثُ يُثَاب على فعله للطاعات وَتَركه للمعاصي ثمَّ يُقَال الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة أهوَ الْقَادِر على تَحْصِيل الْمصَالح وَإِزَالَة الْمَفَاسِد أم هُوَ الْمَعْصُوم وَإِن كَانَ عَاجِزا عَن ذَلِك الثَّانِي مَمْنُوع فَإِن الْعَاجِز لَا تحصل بِهِ فَائِدَة بل الْقُدْرَة شَرط فِي ذَلِك وَالْأول لم يُوجد وَإِن وجد لم يفعل ذَلِك فَهُوَ عَاص أَو عَاجز قطعا قَالَ وَالْإِمَام يجب أَن يكون أفضل من رَعيته وَعلي فَاضل أهل زَمَانه فَهُوَ الإِمَام لقبح تقدم الْمَفْضُول على الْفَاضِل عقلا ونقلا قُلْنَا لَا نسلم أَنه أفضل أهل زَمَانه فَإِنَّهُ قَالَ على مِنْبَر الْكُوفَة خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ وَعمر ثمَّ كثير من الْعلمَاء لَا يوجبون تَوْلِيَة الْأَفْضَل وَمِنْهُم من يَقُول بِولَايَة الْمَفْضُول إِذا كَانَ فِيهَا مصلحَة راجحة كَمَا تَقوله الزيدية قَالَ الْمنْهَج الثَّانِي فِي الْأَدِلَّة من الْقُرْآن على إِمَامَة عَليّ قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ) وَقد أَجمعُوا أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ روى الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي ذَر رَضِي الله عَنهُ

قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَاتَيْنِ وَإِلَّا صمتا يَقُول عَليّ قَائِد البررة وَقَاتل الْكَفَرَة مَنْصُور من نَصره مخذول من خذله أما إِنِّي صليت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا الظّهْر فَسَأَلَ سَائل فِي الْمَسْجِد فَلم يُعْطه أحد شَيْئا فَرفع يَده إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنِّي سَأَلت فِي مَسْجِد نبيك فَلم أعْط شَيْئا وَكَانَ عَليّ رَاكِعا فَأَوْمأ إِلَيْهِ بِخِنْصرِهِ فَأقبل فَأخذ الْخَاتم وَذَلِكَ بِعَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا فرغ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن مُوسَى سَأَلَك (وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي اشْدُد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي) فأنزلت عَلَيْهِ قُرْآنًا ناطقا (سنشد عضدك بأخيك) اللَّهُمَّ وَأَنا نبيك وصفيك اللَّهُمَّ فاشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي عليا اشْدُد بِهِ ظَهْري فَمَا استتم كَلَامه حَتَّى نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة (إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ) وَنقل الْفَقِيه ابْن المغازلي عَن ابْن عَبَّاس أَن الْآيَة نزلت فِي عَليّ وَالْوَلِيّ الْمُتَصَرف وَقد أثبت لَهُ الْولَايَة فِي الْأمة كَمَا أثبتها الله لنَفسِهِ وَلِرَسُولِهِ وَالْجَوَاب إِن قَوْلك أَجمعُوا أَنَّهَا نزلت فِي عَليّ من أعظم الدعاوي الكاذبة بل أَجمعُوا على أَنَّهَا لم تنزل فِي عَليّ بِخُصُوصِهِ وَإِن الْخَبَر كَاذِب وَفِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ من الموضوعات مَا لَا يخفى وَكَانَ حَاطِب ليل وَكَذَا تِلْمِيذه الواحدي ثمَّ سَائِر مَا سقته من الْبَرَاهِين بَاطِل لَا يروج إِلَّا على من أعمى الله قلبه من الصم الْبكم أولى الْهوى وَالْجهل وَلِهَذَا دخلت عَامَّة الزَّنَادِقَة من بَاب الرَّفْض وتسلطوا بِتِلْكَ الأكاذيب على الطعْن فِي الْإِسْلَام وَصَارَت شبها عِنْد الجهلة وَبهَا ضلت النصيرية والإسماعيلية وَكَانَ منشأ ضلالهم تصديقهم الرافضة بَيت الْكَذِب فِيمَا ينقلونه من التَّفْسِير والفضائل والمثالب فيشرعون فِي التوجع لآل مُحَمَّد ثمَّ ينتقلون إِلَى سبّ الصَّحَابَة والقدح فيهم ثمَّ ينتقلون إِلَى الْقدح فِي عَليّ لِأَنَّهُ سكت ثمَّ إِلَى الْقدح فِي الرَّسُول ثمَّ فِي الْإِلَه كَمَا رتبه لَهُم صَاحب الْبَلَاغ الْأَكْبَر والناموس الْأَعْظَم ثمَّ هبك اعتضدت بالثعلبي

فقد نقل الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِنَّهَا نزلت فِي أبي بكر وَنقل عَن عبد الْملك قَالَ سَأَلت أَبَا جَعْفَر الباقر عَن الْآيَة فَقَالَ هم الْمُؤْمِنُونَ قلت فَإِن نَاسا يَقُولُونَ هُوَ عَليّ فَقَالَ عَليّ من الَّذين آمنُوا وَعَن الضَّحَّاك مثله وروى عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة قَالَ كل من أسلم فقد تولى الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا ثمَّ نعفيك من ادعائك الْإِجْمَاع ونطالبك بِسَنَد وَاحِد صَحِيح وَمَا أوردته عَن الثَّعْلَبِيّ واه فِيهِ رجال متهمون وَأما ابْن المغازلي الوَاسِطِيّ فقد جمع فِي كِتَابه من الْكَذِب مَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى معرفَة بِالْحَدِيثِ وَلَو كَانَ المُرَاد بِالْآيَةِ أَن يُؤْتِي الزَّكَاة فِي حَالَة الرُّكُوع لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك شرطا فِي الْمُوَالَاة وَلَا يتَوَلَّى الْمُسلم إِلَّا عليا فَقَط فَلَا يتَوَلَّى الْحسن وَلَا الْحُسَيْن ثمَّ قَوْله (الَّذين يُقِيمُونَ) صِيغَة جمع فَلَا تصدق على وَاحِد فَرد وَأَيْضًا فَلَا يثنى على الْمَرْء إِلَّا بمحمود وَفعل ذَلِك فِي الصَّلَاة لَيْسَ بمستحب وَلَو كَانَ مُسْتَحبا لفعله الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولحض عَلَيْهِ ولكرر عَليّ فعله وَإِن فِي الصَّلَاة لشغلا فَكيف يُقَال لَا ولي لكم إِلَّا الَّذين يتصدقون فِي حَال الرُّكُوع ثمَّ قَوْله (وَيُؤْتونَ الزَّكَاة) يدل على وجود زَكَاة وَعلي مَا وَجَبت عَلَيْهِ زَكَاة قطّ فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ كَانَ فَقِيرا وَزَكَاة الْفضة إِنَّمَا تجب على من ملك النّصاب حولا وَعلي لم يكن من هَؤُلَاءِ ثمَّ إِعْطَاء الْخَاتم فِي الزَّكَاة لَا يجزى عِنْد الْأَكْثَر ثمَّ إِن الْآيَة بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى (وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة واركعوا مَعَ الراكعين) وَكَقَوْلِه تَعَالَى (اقنتي لِرَبِّك واسجدي واركعي مَعَ الراكعين) ثمَّ من الْمَعْلُوم المستفيض عِنْد الْمُفَسّرين أَنَّهَا نزلت فِي النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار وَوُجُوب مُوالَاة الْمُؤمنِينَ وَسِيَاق الْكَلَام يدل على ذَلِك لمن تدبر فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين) فَهَذَا نهي عَن مُوالَاة الْيَهُود وَالنَّصَارَى ثمَّ قَالَ (فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشى أَن تصينا دَائِرَة فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح

جارٍ التحميل