المنتقى من منهاج الاعتدالصفحات 340-380

الْفَصْل الثَّالِث فِي إِمَامَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ

صفحات 340-380

قَالَ وَلم يول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا بكر عملا قطّ بل ولي عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ مرّة وَأُسَامَة أُخْرَى وَلما أنفذه بِسُورَة بَرَاءَة رده بِوَحْي من الله قُلْنَا هَذَا من أبين الْكَذِب فَمن الْمَعْلُوم قطعا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتعْمل أَبَا بكر على الْحَج عَام تسع فَكَانَ هَذَا من خَصَائِصه كَمَا أَن إستخلافه على الصَّلَاة من خَصَائِصه وَكَانَ عَليّ من رَعيته فِي الْحَج الْمَذْكُور فَإِنَّهُ لحقه فَقَالَ أَمِير أَو مَأْمُور قَالَ عَليّ بل مَأْمُور وَكَانَ عَليّ يُصَلِّي خلف أبي بكر مَعَ سَائِر الْمُسلمين فِي هَذِه الْحجَّة بل خص بتبليغ سُورَة بَرَاءَة وَأما قصَّة عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْسلهُ فِي سَرِيَّة وَهِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل وَكَانَت إِلَى بني عذرة أخوال عَمْرو فَأمره رَجَاء أَن يطيعوه ويسلموا ثمَّ أردفه بِأبي عُبَيْدَة وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَقَالَ لأبي عُبَيْدَة تطاوعا وَلَا تختلفا ثمَّ كَانُوا يصلونَ خلف عَمْرو مَعَ علم كل أحد أَن هَؤُلَاءِ خير من عَمْرو وتولية الْمَفْضُول لمصْلحَة تجوز كَمَا أَمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُسَامَة ليَأْخُذ بثأر أَبِيه

قَالَ وَقطع سَارِقا وَلم يعلم أَن الْقطع لليد الْيُمْنَى قُلْنَا من اظهر الْكَذِب أَن يجهل هَذَا أَبُو بكر ثمَّ لَو قدر أَن أَبَا بكر كَانَ يُجِيز ذَلِك لَكَانَ سائغا لِأَن الْقُرْآن لَيْسَ فِي ظَاهره مَا يعين الْيَمين لَكِن تعْيين الْيَمين فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فَاقْطَعُوا أيمانهما وَبِذَلِك مَضَت السّنة وَلَكِن أَيْن النَّقْل بذلك عَن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَنه قطع الْيُسْرَى وَأَيْنَ الْإِسْنَاد الثَّابِت بذلك وَهَذِه كتب أهل الْعلم بالآثار مَوْجُودَة فَلَيْسَ فِيهَا ذَلِك وَلَا نقل أهل الْعلم بالإختلاف ذَلِك قولا مَعَ تعظيمهم لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ قَالَ وأحرق الْفُجَاءَة السّلمِيّ بالنَّار مَعَ النَّهْي عَن ذَلِك قُلْنَا إحراق عَليّ الزَّنَادِقَة بالنَّار أشهر فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن عليا أُتِي بِقوم زنادقة فحرقهم فَبلغ ذَلِك ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَو كنت أَنا لم أحرقهم لنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يعذب بِعَذَاب الله ولضربت أَعْنَاقهم لقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ قَالَ وخفي عَلَيْهِ أَكثر أَحْكَام الشَّرِيعَة فَلم يعرف حكم الْكَلَالَة وَقَالَ أَقُول فِيهَا برأيي فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله وَإِن كَانَ خطأ فمنى وَمن الشَّيْطَان وَقضى فِي الْجد بسبعين قَضِيَّة وَهَذَا يدل على قصوره قُلْنَا هَذَا بهتان عَظِيم كَيفَ يخفي عَلَيْهِ أَكثر الْأَحْكَام وَلم يكن من يقْضِي ويفتي بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا هُوَ وَلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر مُشَاورَة لأحد مِنْهُ لَهُ ولعمر وَقد تقدم النَّقْل عَن مَنْصُور بن عبد الْجَبَّار السَّمْعَانِيّ وَذكر عَن غير وَاحِد الْإِجْمَاع على أَنه أعلم الْأمة وَهَذَا بَين فَإِن الْأمة لم تخْتَلف فِي ولَايَته فِي مَسْأَلَة إِلَّا فصلها بِعلم يُبينهُ لَهُم من الْكتاب وَالسّنة كَمَا بَين لَهُم موت النَّبِي

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَوْضِع دَفنه وثبتهم على الْإِيمَان وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْآيَة وَبَين لَهُم قتال مانعي الزَّكَاة وَأَن الْخلَافَة فِي قُرَيْش وَلَوْلَا علمه بالمناسك وَالصَّلَاة لما اسْتَعْملهُ عَلَيْهِمَا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلم الْمَنَاسِك أدق مَا فِي الْعِبَادَات وَلم يسْتَخْلف غَيره لَا فِي حج وَلَا فِي صَلَاة وَكتابه فِي الصَّدَقَة أَخذه أنس من أبي بكر وَهُوَ أصح مَا روى فِيهَا وَعَلِيهِ اعْتمد الْفُقَهَاء وَفِي الْجُمْلَة لَا تعرف مَسْأَلَة من الشَّرِيعَة غلط فِيهَا بِخِلَاف غَيره وَأما قَوْله لم يعرف حكم الْكَلَالَة فَيُقَال هَذَا من أعظم علمه فَإِن الرَّأْي الَّذِي رَآهُ عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء وَأخذُوا بقوله وَهُوَ أَنه من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد وَأما الْجد فَإِنَّمَا هَذَا قَضَاء عمر وَأما أَبُو بكر فَإِنَّهُ لم يخْتَلف قَوْله أَن جعله أَبَا وَهُوَ قَول بضعَة عشر صحابيا وَمذهب أبي حنيفَة وَبَعض الشَّافِعِيَّة والحنابلة وَهُوَ الْأَظْهر فِي الدَّلِيل وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بقول زيد بن ثَابت وَأما قَول عَليّ فِي الْجد فَلم يذهب إِلَيْهِ الْأَئِمَّة فَلَمَّا أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْجد الْأَعْلَى أولى من الْأَعْمَام كَانَ الْجد الْأَدْنَى أولى من الْإِخْوَة ثمَّ الْقَائِلُونَ بمشاركة الْإِخْوَة للْجدّ لَهُم أَقْوَال متناقضة قَالَ فَأَي نِسْبَة لَهُ بِمن قَالَ سلوني قبل أَن تفقدوني سلوني عَن طرق السَّمَاء فَإِنِّي أعرف بهَا من طرق الأَرْض قُلْنَا إِنَّمَا قَالَ عَليّ سلوني لأهل الْكُوفَة ليعلمهم الدّين فَإِن غالبهم كَانُوا جهلة وَأما أَبُو بكر فَكَانَ الَّذين حول منبره أكَابِر الصَّحَابَة فَكَانَت رَعيته أعلم الْأمة وأدينها وَأما الدّين كَانَ عَليّ يخاطبهم فهم من جملَة عوام النَّاس التَّابِعين وَكَانَ كثير مِنْهُم من شرار التَّابِعين وَلِهَذَا كَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ

يذمهم وَيَدْعُو عَلَيْهِم وَكَانَ التابعون بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالشَّام وَالْبَصْرَة خيرا مِنْهُم وَقد جمعت الْفَتَاوَى المنقولة عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة فوجدوا أصوبها وأدلها على علم صَاحبهَا أُمُور أبي بكر ثمَّ عمر والأمور الَّتِي وجد نَص يُخَالِفهَا عَن عمر أقل مِمَّا وجد عَن عَليّ وَأما أَبُو بكر فَلَا يكَاد يُوجد نَص يُخَالِفهُ وَكَانَ هُوَ الَّذِي يفصل الْأُمُور المشتبهة عَلَيْهِم وَلم يكن يعرف مِنْهُم إختلاف على عَهده قَالَ قَالَ أَبُو البحتري رَأَيْت عليا صعد مِنْبَر الْكُوفَة وَعَلِيهِ مدرعة كَانَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُتَقَلِّدًا سيف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معتما بعمامته وَفِي إصبعه خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فكشف عَن بَطْنه فَقَالَ سلوني من قبل أَن تفقدوني فَإِنَّمَا بَين الجوانح مني علم جم هَذَا سفط الْعلم هَذَا لعاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا مَا زقني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زقا من غير وَحي إِلَيّ فوَاللَّه لَو ثنيت وسَادَة فَجَلَست عَلَيْهَا لأفتيت أهل التَّوْرَاة بتوراتهم وَأهل الْإِنْجِيل بإنجيلهم حَتَّى تنطق التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَتَقول صدق عَليّ قد أفتاكم بِمَا أنزل الله فِي قلت هَذَا كذب فَاحش وَعلي أعلم بِاللَّه من أَن يحكم بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَإِذا تحاكم إِلَيْهِ أهل الْكِتَابَيْنِ لم يجز لَهُ أَن يحكم بِغَيْر الْقُرْآن وَمن نسب عليا إِلَى أَن يحكم بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَو يفتيهم بذلك ويمدحه بذلك

إِمَّا أَن يكون من أَجْهَل النَّاس بِالدّينِ وَبِمَا يمدح بِهِ صَاحبه وَإِمَّا أَن يكون زنديقا ملحدا أَرَادَ الْقدح فِي عَليّ بِمثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي يسْتَحق صَاحبه الذَّم وَالْعِقَاب دون الْمَدْح وَالثَّوَاب قَالَ وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى آدم فِي علمه وَإِلَى نوح فِي تقواه وَإِلَى إِبْرَاهِيم فِي حلمه وَإِلَى مُوسَى فِي هيبته وَإِلَى عِيسَى فِي عِبَادَته فَلْينْظر إِلَى عَليّ قُلْنَا وَهَذَا خبر مُنكر فهاتوا إِسْنَاده إِن كُنْتُم صَادِقين وَيُقَال ثَانِيًا هَذَا الحَدِيث كذب مَوْضُوع على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَا ريب عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَلِهَذَا لَا يذكرهُ أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَإِن كَانُوا حراصا على جمع فَضَائِل على كَالنَّسَائِيِّ فَإِنَّهُ قصد أَن يجمع فَضَائِل عَليّ فِي كتاب سَمَّاهُ الخصائص وَالتِّرْمِذِيّ قد ذكر أَحَادِيث مُتعَدِّدَة فِي فضائله وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيف بل مَوْضُوع وَمَعَ هَذَا لم يذكرُوا هَذَا وَنَحْوه قَالَ وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس لَا نعلم أحدا قَالَ بعد نبيه سلوني من شِيث إِلَى مُحَمَّد إِلَّا عليا فَسَأَلَهُ الأكابر أَبُو بكر وَعمر وأشباههما حَتَّى انْقَطع السُّؤَال ثمَّ قَالَ بعد هَذَا يَا كميل بن زِيَاد إِن هَا هُنَا علما جما لَو أصبت لَهُ حَملَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا النَّقْل إِن صَحَّ عَن ثَعْلَب فثعلب لم يذكر لَهُ إِسْنَادًا حَتَّى يحْتَج بِهِ وَلَيْسَ ثَعْلَب من أَئِمَّة الحَدِيث الَّذين يعْرفُونَ صَحِيحه من سقيمه حَتَّى يُقَال صَحَّ عِنْده بل من هُوَ أعلم من ثَعْلَب من الْفُقَهَاء يذكرُونَ أَحَادِيث كَثِيرَة لَا أصل لَهَا فَكيف ثَعْلَب وَهُوَ قد سمع هَذَا من بعض النَّاس الَّذين لَا يذكرُونَ مَا يَقُولُونَ عَن أحد وَعلي لم يَقُول هَذَا فِي

خلَافَة أبي بكر وَعمر وَلَا عُثْمَان بل قَالَ نَحوه بِالْكُوفَةِ فَكَانَ يَأْمُرهُم بِطَلَب الْعلم وَالسُّؤَال كَمَا فِي حَدِيث كميل بن زِيَاد وَلم يَصْحَبهُ إِلَّا بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ قَالَ يَا كميل إِن هَاهُنَا لعلما لَو أصبت لَهُ حَملَة وَأما أَبُو بكر فَلم يكن يسْأَله عليا عَن شَيْء وَأما عمر فَكَانَ يشاوره كَمَا يشاور غَيره قَالَ وأهمل أَبُو بكر حُدُود الله فَلم يقْتَصّ من خَالِد بن الْوَلِيد حَيْثُ قتل مَالك بن نُوَيْرَة وَأَشَارَ عمر بقتْله فَلم يقبل فَنَقُول إِن كَانَ ترك قتل قَاتل الْمَعْصُوم مِمَّا يُنكر على الْأَئِمَّة كَانَ هَذَا من أكبر حجج شيعَة عُثْمَان على عَليّ فَإِن عُثْمَان خير من أَمْثَال مَالك بن نُوَيْرَة وَقد قتل مَظْلُوما شَهِيدا وَعلي لم يقْتَصّ من قتلته وَلذَا امْتنع الشاميون من مبايعته فَإِن عذرتموه فاعذروا أَبَا بكر فَإنَّا نعذرهما وَكَذَلِكَ إنكاركم على عُثْمَان حَيْثُ لم يقْتَصّ من عبيد الله بن عمر بالهرمزان ثمَّ إِن عمر أَشَارَ عَلَيْهِ بإجتهاد مِنْهُ قَالَ وَخَالف أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَوْرِيث بنته ومنعها فدك قُلْنَا جَمِيع الْمُسلمين مَعَ أبي بكر فِيمَا فعل خلا جهلة الشِّيعَة وَذَلِكَ لرِوَايَة جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا نورث قَالَ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عَن عمر وَهُوَ فِي كتاب الْحِلْية أَنه لما احْتضرَ قَالَ يَا لَيْتَني كنت كَبْشًا لقومي فذبحوني فَهَل هَذَا إِلَّا مثل قَول الْكَافِر (يَا لَيْتَني كنت تُرَابا) وَقَالَ ابْن عَبَّاس لما احْتضرَ عمر قَالَ لَو أَن لي ملْء الأَرْض ذَهَبا لأفتديت بِهِ من هول

المطلع وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى (وَلَو أَن للَّذين ظلمُوا مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لأفتدوا بِهِ) فَلْينْظر الْمنصف قَول الرجلَيْن عِنْد احتضارهما وَقَول على مَتى ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه مَتى أَلْقَاهَا مَتى ينبعث أشقاها وَقَوله حِين قَتله فزت وَرب الْكَعْبَة وَالْجَوَاب أَن فِي هَذَا الْكَلَام من الْجَهَالَة مَا يدل على فرط جهل قَائِله فَمَا نَقله عَن عَليّ قد نقل مثله عَمَّن هُوَ دونه بل قَالَه أَيْضا بعض الْخَوَارِج وَقَالَ بِلَال عَتيق أبي بكر عِنْد الإحتضار وَامْرَأَته تَقول واحزناه وَهُوَ يَقُول واطرباه غَدا ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّد وَحزبه وَفِي البُخَارِيّ عَن الْمسور بن مخرمَة قَالَ لما طعن عمر جعل يألم فَقَالَ ابْن عَبَّاس وَكَأَنَّهُ يجزعه أَي يزِيل جزعه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَئِن كَانَ ذَلِك لقد صَحِبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأحسنت صحبته ثمَّ فارقته وَهُوَ عَنْك رَاض ثمَّ صَحِبت أَبَا بكر فأحسنت صحبته ثمَّ فارقته وَهُوَ عَنْك رَاض ثمَّ صَحِبت الْمُسلمين فأحسنت صحبتهم وَلَئِن فَارَقْتهمْ لتفارقنهم وهم عَنْك راضون فَقَالَ أما مَا ذكرت من صُحْبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرضَاهُ فَإِن ذَلِك من من الله من بِهِ عَليّ وَأما مَا ذكرت من صُحْبَة أبي بكر وَرضَاهُ فَإِن ذَلِك من من الله من بِهِ عَليّ وَأما مَا ترى من جزعي فَهُوَ من أَجلك وَأجل أَصْحَابك وَالله لَو أَن لي طلاع الأَرْض لأفتديت بِهِ من عَذَاب الله قبل أَن أرَاهُ فقد مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنهُ رَاض وَمَات هُوَ ورعيته عَنهُ راضون مقرون بعدله وَالله عَنهُ رَاض وخشيته من الله وخوفه مِنْهُ لكَمَال علمه فَإِن الله تَعَالَى يَقُول (إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء) وَقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي ولصدره أزيز كأزيز أرجل من الْبكاء وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه لما قتل عُثْمَان بن مَظْعُون قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي وَلَا بكم وَقَالَ لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا وَعَن أبي ذَر قَالَ وددت أَنِّي شَجَرَة تعضد وَأما

الْكَافِر فَإِنَّهُ يَقُول (يَا لَيْتَني كنت تُرَابا) فِي الْقِيَامَة وَكَذَلِكَ (لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض لأفتدوا بِهِ) يَوْم الْقِيَامَة وَأما الدُّنْيَا فَمن جعل خوف الْمُؤمن من ربه كخوف الْكَافِر فِي الْآخِرَة فَهُوَ كمن جعل الظُّلُمَات كالنور والظل كالحرور وَمن ولي الْأمة فَعدل عدلا يشْهد بِهِ عامتهم وَهُوَ فِي ذَلِك خَائِف وَجل من أَن يكون ظلم أفضل مِمَّن يَقُول كثير من رَعيته إِنَّه ظلم وَهُوَ فِي نَفسه مدل بِعَمَلِهِ وبعدل عمر يضْرب الْمثل قلت وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة عَن جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه عَن جَابر أَن عليا دخل على عمر وَهُوَ مسجي فَقَالَ صلى الله عَلَيْك وَهَذَا من أصح الْأَخْبَار وَقَالَ ابْن الْمُبَارك وَغَيره عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وضع عمر على سَرِيره فتكنفه جمَاعَة يدعونَ ويثنون فَلم يرعني إِلَّا رجل أَخذ بمنكبي فَإِذا عَليّ فترحم على عمر وَقَالَ مَا خلفت أحدا أحب إِلَى أَن ألْقى الله بِمثل عمله مِنْك وَهَذَا أَيْضا صَحِيح قَالَ وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي مَرضه ائْتُونِي بدواه وبيضاء لأكتب لكم كتابا لَا تضلون من بعدِي فَقَالَ عمر إِن الرجل ليهجر حَسبنَا كتاب الله فَكثر اللَّغط فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجُوا عني لَا يَنْبَغِي التَّنَازُع لدي قَالَ ابْن عَبَّاس إِن الرزية كل الرزية مَا حَال بَيْننَا وَبَين كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ عمر لما مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا مَاتَ مُحَمَّد وَلَا يَمُوت حَتَّى يقطع أَيدي رجال وأرجلهم فَلَمَّا نَهَاهُ أَبُو بكر وتلا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون) وَقَوله تَعَالَى (أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم) قَالَ كَأَنِّي مَا سَمِعت هَذِه الْآيَة فَيُقَال أما عمر فقد ثَبت من علمه وفضله مَا لم يثبت لأحد غير أبي بكر قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد كَانَ فِي الْأُمَم قبلكُمْ محدثون فَإِن يكن فِي أمتِي أحد فعمر قَالَ ابْن وهب مَعْنَاهُ ملهمون أخرجه مُسلم عَن عَائِشَة

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ من بني إِسْرَائِيل رجال يكلمون فان يكن فِي أمتِي مِنْهُم أحد فعمر أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَمَا أَنا نَائِم أتيت بقدح من لبن فَشَرِبت مِنْهُ حَتَّى أَنِّي لأرى الرّيّ يخرج من أظفاري ثمَّ أَعْطَيْت فضلى عمر قَالُوا فَمَا أولته يَا رَسُول الله قَالَ الْعلم أخرجه البُخَارِيّ وَفِي الصَّحِيح عَن أبي سعيد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينا أَنا نَائِم رَأَيْت النَّاس يعرضون على وَعَلَيْهِم قمص مِنْهَا مَا يبلغ الثدي وَمِنْهَا مَا يبلغ دون ذَلِك وَمر عمر بن الْخطاب وَعَلِيهِ قَمِيص يجره قَالُوا مَا أولت ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ الدّين وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر قَالَ وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث فِي مقَام إِبْرَاهِيم وَفِي الْحجاب وَفِي أسَارِي بدر فَأَما قصَّة الْكتاب فقد جَاءَ مُبينًا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَرضه ادّعى لي أَبَاك وأخاك حَتَّى أكتب كتابا فَإِنِّي أَخَاف أَن يتَمَنَّى متمن وَيَقُول قَائِل أَنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ قَالَت عَائِشَة وارأساه فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَاك لَو كَانَ وَأَنا حَيّ فأستغفر لَك وادعو لَك فَقلت واثكلاه وَالله إِنِّي لأظنك تحب موتِي فَلَو كَانَ ذَلِك لظللت آخر يَوْمك معرسا بِبَعْض أَزوَاجك فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل أَنا وارأساه لقد هَمَمْت أَن أرسل إِلَى أبي بكر وَابْنه فأعهد أَن يَقُول الْقَائِلُونَ أَو يتَمَنَّى المتمنون ويأبى الله والمؤمنون وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن أبي مليكَة سُئِلت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا من كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستخلفا لَو اسْتخْلف قَالَت أَبُو بكر قيل لَهَا فَمن بعده قَالَت عمر

قيل لَهَا من بعد عمر قَالَت أَبُو عُبَيْدَة وَأما عمر فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَل كَانَ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من شدَّة الْمَرَض أَو كَانَ من أَقْوَاله الْمَعْرُوفَة وَالْمَرَض جَائِز على الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا قَالَ مَا لَهُ أَهجر فَشك فِي ذَلِك وَمَا جزم وَالشَّكّ يجوز على عمر إِذْ لَا مَعْصُوم بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجوز أَن يكون كَلَامه من وجع الْحمى وَلذَلِك ظن أَنه لم يمت حَتَّى تبين أَنه قد مَاتَ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قد عزم على أَن يكْتب الْكتاب الَّذِي ذكره لعَائِشَة فَلَمَّا رأى أَن الشَّك قد وَقع علم أَن الْكتاب لَا يرفع الشَّك فَلم يبْق فِيهِ فَائِدَة وَعلم أَن الله يجمعهُمْ على مَا أَرَادَ كَمَا قَالَ ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَقَول ابْن عَبَّاس إِن الرزية كل الرزية مَا حَال بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين أَن يكْتب الْكتاب يَقْتَضِي أَن الْحَائِل كَانَ رزية وَهِي فِي حق من شكّ فِي خلَافَة أبي بكر أَو اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر فَإِنَّهُ لَو كتب كتابا لزال الشَّك فَأَما من علم أَن خِلَافَته حق فَلَا رزية فِي حَقه وَللَّه الْحَمد وَمن توهم أَن هَذَا الْكتاب كَانَ بخلافة عَليّ فَهُوَ ضال بإتفاق عَامَّة النَّاس من عُلَمَاء السّنة والشيعة أما أهل السّنة فمتفقون على تَفْضِيل أبي بكر وتقديمه وَأما الشِّيعَة الْقَائِلُونَ بِأَن عليا كَانَ هُوَ الْمُسْتَحق للْإِمَامَة فَيَقُولُونَ إِنَّه قد نَص على إِمَامَته قبل ذَلِك نصا جليا ظَاهرا مَعْرُوفا وَحِينَئِذٍ فَلم يكن يحْتَاج إِلَى كتاب وَإِن قيل إِن الْأمة جحدت النَّص الْمَعْلُوم الْمَشْهُور فَلِأَن تكْتم كتابا حَضَره طَائِفَة قَليلَة أولى وَأَحْرَى وَأَيْضًا فَلم يكن يجوز عِنْدهم تَأْخِير الْبَيَان إِلَى مرض مَوته وَلَا يجوز لَهُ ترك الْكتاب لشك من شكّ فَلَو كَانَ مَا يَكْتُبهُ فِي الْكتاب مِمَّا يجب بَيَانه وكتابته لَكَانَ

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبينهُ ويكتبه وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول أحد فَإِنَّهُ أطوع الْخلق لَهُ فَعلم أَنه لما ترك الْكتاب لم يكن الْكتاب وَاجِبا وَلَا كَانَ فِيهِ من الدّين مَا تجب كِتَابَته حِينَئِذٍ إِذْ لَو وَجب لفعله وَمَا مثل عمر بأعظم مِمَّن يُفْتِي وَيَقْضِي مُجْتَهدا بِأُمُور يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد حكم بِخِلَافِهَا إِذْ الشَّك فِي الْحق أخف من الْجَزْم بنقيضه وَالْكل من الْخَطَأ المغفور فقد قضي عَليّ فِي الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا أَنَّهَا تَعْتَد أبعد الْأَجَليْنِ مَعَ صِحَة خبر سبيعة وَلكنه لم يبلغهُ وَقضى فِي المفوضة أَن مهرهَا يسْقط بِالْمَوْتِ مَعَ قَضَاء الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بروع بِأَن لَهَا مهر نسائها وَأَرَادَ أَن ينْكح ابْنة أبي جهل حَتَّى غضب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرجع عَن ذَلِك وأمثال هَذَا مِمَّا لم يقْدَح فِي عَليّ وَلَا غَيره من أولي الْعلم إِذا اجتهدوا وَقَالَ إِذا اخْتَارَتْ الْمَرْأَة زَوجهَا فَهِيَ طَلْقَة مَعَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير نِسَاءَهُ وَلم يكن ذَلِك طَلَاقا والأمور الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي لعَلي أَن يرجع عَنْهَا أعظم بِكَثِير من الْأُمُور الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي لعمر أَن يرجع عَنْهَا مَعَ أَن عمر قد رَجَعَ عَن عَامَّة تِلْكَ الْأُمُور وَعلي عرف رُجُوعه عَن بَعْضهَا فَقَط كرجوعه عَن خطْبَة بنت أبي جهل وَأما بَعْضهَا كفتياه بِأَن الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا تَعْتَد أبعد الْأَجَليْنِ وَأَن المفوضة لَا مهر لَهَا إِذا مَاتَ الزَّوْج وَقَوله إِن المخيرة إِذا اخْتَارَتْ زَوجهَا فَهِيَ وَاحِدَة فَهَذِهِ لم يعرف إِلَّا بَقَاؤُهُ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ وَكَذَلِكَ مسَائِل كَثِيرَة ذكرهَا الشَّافِعِي فِي كتاب اخْتِلَاف عَليّ وَعبد الله وَذكرهَا مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة وأكثرها مَوْجُودَة فِي الْكتب الَّتِي تذكر فِيهَا أَقْوَال الصَّحَابَة إِمَّا بِإِسْنَاد أَو بِغَيْر إِسْنَاد مثل مُصَنف عبد الرَّزَّاق وَسنَن سعيد بن مَنْصُور ومصنف وَكِيع ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة

وَسنَن الْأَثْرَم ومسائل حَرْب وَعبد الله بن أَحْمد وَصَالح وأمثالهم مثل كتاب ابْن الْمُنْذر وَابْن جرير الطَّبَرِيّ وَابْن حزم وَغير هَؤُلَاءِ قَالَ وَلما وعظت فَاطِمَة أَبَا بكر فِي فدك كتب لَهَا كتابا بهَا وردهَا عَلَيْهَا فَخرجت من عِنْده فلقيها عمر فَحرق الْكتاب فدعَتْ عَلَيْهِ بِمَا فعله بِهِ أَبُو لؤلؤة قُلْنَا هَذَا وَالله من أقبح الْكَذِب الَّذِي اختلقته الرافضة أفيعير عمر بِأَن أكْرمه الله بِالشَّهَادَةِ على يَد أبي لؤلؤة الْكَافِر بعد ثَلَاث عشرَة سنة من وَفَاة فَاطِمَة كَمَا أكْرم عليا بِالشَّهَادَةِ رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ قَالَ وعطل عمر الْحُدُود فَلم يحد الْمُغيرَة بن شُعْبَة قُلْنَا إِن جَمَاهِير الْعلمَاء على مَا فعله عمر فِي قصَّة الْمُغيرَة وَإِن الْبَيِّنَة إِذا لم تكمل حد الشُّهُود وَفعل ذَلِك بِحَضْرَة الصَّحَابَة عَليّ وَغَيره فأقروه عَلَيْهِ بِدَلِيل أَنه لما جلد الثَّلَاثَة أعَاد أَبُو بكرَة الْقَذْف وَقَالَ وَالله لقد زنا فهم عمر بجلده ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ عَليّ إِن كنت جالده فارجم الْمُغيرَة يَعْنِي يكون تكراره لِلْقَوْلِ بِمَنْزِلَة شَاهد آخر فَيتم النّصاب وَيجب الرَّجْم وَهَذَا دَلِيل على رضَا عَليّ بحدهم لِأَنَّهُ مَا أنكرهُ وَعمر قد أَقَامَ الْحَد على ابْنه فِي الْخمر لما شرب بِمصْر بعد أَن كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ ضربه الْحَد لَكِن كَانَ ضربه سرا فِي الْبَيْت وَكَانَ النَّاس يضْربُونَ عَلَانيَة فَبعث عمر إِلَى عَمْرو يزجره ويتهدده لِأَنَّهُ حابي ابْنه ثمَّ طلبه فَضَربهُ

مرّة ثَانِيَة وَكَانَ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وعدله متواتر لَا يُنكره إِلَى رَافِضِي وَكَذَلِكَ لَا يُنكر على عَليّ فِي تَركه إِقَامَة الْحَد على قَتله عُثْمَان لِأَنَّهُ مُجْتَهد كعمر قَالَ وَكَانَ يُعْطي أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بَيت المَال أَكثر مِمَّا يَنْبَغِي وَيُعْطِي عَائِشَة وَحَفْصَة فِي السّنة عشرَة آلَاف قُلْنَا كَانَ مذْهبه التَّفْضِيل فِي الْعَطاء كَمَا كَانَ يُعْطي بني هَاشم أَكثر من غَيرهم وَيبدأ بهم وَيَقُول لَيْسَ أحد أَحَق بِهَذَا المَال من أحد وَإِنَّمَا هُوَ الرجل وعناؤه وَالرجل وبلاؤه وَالرجل وسابقته وَالرجل وَحَاجته وَكَانَ يُعْطي ابْنه عبد الله أنقص مِمَّا يُعْطي أُسَامَة بن زيد فوَاللَّه مَا كَانَ عمر يتهم فِي تفضيله لمحاباة وَلَا صداقة قَالَ وَغير حكم الله فِي المنفيين قُلْنَا النَّفْي فِي الْخمر تعزيز يسوغ للْإِمَام فعله بإجتهاد وَقد ضرب الصَّحَابَة فِي الْخمر أَرْبَعِينَ وضربوا ثَمَانِينَ وَصَحَّ أَن عليا قَالَ وكل سنة وَقد قَالَ الْعلمَاء الزِّيَادَة على أَرْبَعِينَ حد وَاجِب وَبِه يَقُول أَبُو حنيفَة وَمَالك وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَقَالَ الشَّافِعِي الزَّائِد تَعْزِير وَللْإِمَام أَن يَفْعَله وَكَانَ عمر يحلق فِي الْخمر وينفي وَصَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَمر بقتل الشَّارِب فِي الرَّابِعَة وَاخْتلف فِي نسخه وَكَانَ عَليّ يحد أَكثر من الْأَرْبَعين وَقَالَ مَا أحد أقيم عَلَيْهِ الْحَد فَيَمُوت فأجد فِي نَفسِي إِلَّا شَارِب الْخمر فَإِنَّهُ لَو مَاتَ لوديته فَإِنَّهُ شَيْء فَعَلْنَاهُ بآرائنا رَوَاهُ الشَّافِعِي وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن الزِّيَادَة من بَاب التَّعْزِير الَّذِي يفعل بالإجتهاد قَالَ وَكَانَ قَلِيل الْمعرفَة بِالْأَحْكَامِ أَمر برجم حَامِل حَتَّى نَهَاهُ عَليّ قُلْنَا إِن كَانَت هَذِه الْقَضِيَّة وَقعت فَلَعَلَّ عمر لم يعلم يحملهَا وَالْأَصْل عدم الْحمل أَو غَابَ عَنهُ الحكم حَتَّى ذكره عَليّ فَكَانَ مَاذَا بِمثل هَذَا فيقدح فِي أَئِمَّة الْهدى وَعلي قد خَفِي عَلَيْهِ من السّنة أَضْعَاف هَذَا وَأدّى إجتهاده إِلَى أَن قتل يَوْم الْجمل وصفين نَحْو من تسعين ألفا فَهَذَا أعظم مرَارًا من خطأ عمر فِي قتل ولد زنا وَلم يقْتله وَللَّه الْحَمد

قَالَ وَأمر برجم مَجْنُونَة فَقَالَ لَهُ عَليّ إِن الْقَلَم رفع عَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق فَأمْسك وَقَالَ لَوْلَا عَليّ لهلك عمر قُلْنَا هَذِه الزِّيَادَة لَيست مَعْرُوفَة فَإِن كَانَ عمر لَا يعلم بخبرها فَلَا ضير أَو علم وَذهل أَو اجْتهد فَلهُ أُسْوَة بِغَيْرِهِ وَمَا هُوَ بمعصوم قَالَ وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ من غالي بِمهْر امْرَأَة جعلته فِي بَيت المَال فَقَالَت لَهُ امْرَأَة كَيفَ تَمْنَعنَا مَا أَعْطَانَا الله فِي كِتَابه حِين قَالَ (وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) فَقَالَ كل أحد أفقه من عمر قُلْنَا هَذَا من كَمَال فَضله وتقواه حَيْثُ رَجَعَ إِلَى كتاب الله إِذْ تبين لَهُ وَأَنه يقبل الْحق حَتَّى من امْرَأَة ويتواضع ويعترف وَمَا من شَرط الْأَفْضَل أَن لَا ينبهه الْمَفْضُول فقد قَالَ هدهد لِسُلَيْمَان (أحطت بِمَا لم تحط بِهِ) ورحل مُوسَى إِلَى الْخضر وَهُوَ دونه ليتعلم مِنْهُ وَمَا كَانَ قد رَآهُ عمر فَهُوَ مِمَّا يَقع مثله للمجتهد الْفَاضِل فَإِن الصَدَاق فِيهِ حق لله لَيْسَ من جنس الثّمن وَالْأَجْر قَالَ وَلم يحد قدامَة فِي الْخمر لِأَنَّهُ تَلا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا) فَقَالَ لَهُ عَليّ لَيْسَ قدامَة من أهل هَذِه الْآيَة فَلم يدركم يحده فَقَالَ لَهُ عَليّ حَده ثَمَانِينَ وَالْجَوَاب علم عمر فِي هَذَا أبين من أَن يحْتَاج إِلَى دَلِيل فقد جلد فِي الْخمر مَرَّات وَالَّذِي نعرفه من الْقِصَّة مَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْجوزجَاني عَن ابْن عَبَّاس أَن قدامَة بن مَظْعُون شرب الْخمر فَقَالَ لَهُ عمر مَا حملك على ذَلِك قَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول (لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا) وَأَنا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين فَقَالَ عمر أَجِيبُوهُ

فَسَكَتُوا فَقَالَ لإبن عَبَّاس أجبه فَقَالَ إِنَّمَا أنزلهَا الله عذرا للماضين لمن شربهَا قبل التَّحْرِيم ثمَّ سَأَلَ عمر عَن الْحَد فِيهَا فَقَالَ عَليّ إِذا شرب هذي وَإِذا هذي افترى فاجلده ثَمَانِينَ فجلده عمر ثَمَانِينَ فَإِن كَانَ عَليّ أَشَارَ بالثمانين فَإِن الَّذِي ثَبت فِي الصَّحِيح أَن عليا جلد أَرْبَعِينَ عِنْد عُثْمَان لما جلد الْوَلِيد بن عقبَة وَأَنه أضَاف الثَّمَانِينَ إِلَى عمر وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن ابْن عَوْف أَشَارَ بالثمانين فَلم يكن جلد عمر مستفادا من عَليّ وَقد ذكرنَا أَن عليا قَالَ لَو مَاتَ فِي جلد الْخمر أحد لوديته لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يسنه لنا قَالَ وَأرْسل إِلَى حَامِل يستدعيها فَأسْقطت خوفًا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَة نرَاك مؤدبا وَلَا شَيْء عَلَيْك ثمَّ سَأَلَ عليا فَأوجب الدِّيَة على عَاقِلَته قُلْنَا هَذِه من مسَائِل الْخلاف والإجتهاد وَمَا زَالَ عمر يشاور مثل عُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَزيد وَابْن عَبَّاس وَهَذَا من كَمَاله وَقد أَتَى بِامْرَأَة أقرَّت بِالزِّنَا فاتفقوا على رَجمهَا فَقَالَ عُثْمَان أَرَاهَا تستهل بِهِ إستهلال من لَا يعلم أَن الزِّنَا محرم فَلم يحدها لكَونهَا جهلت التَّحْرِيم وَكَذَا لم يُعَاقب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُسَامَة لما قتل الَّذِي قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله لإعتقاده جَوَاز قَتله وَمن ذَلِك قتل خَالِد بني جذيمة وَقَتله مَالك بن نُوَيْرَة قَالَ وتنازعت امْرَأَتَانِ فِي طِفْل وَلم يعلم الحكم وفزع فِيهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فاستد على الْمَرْأَتَيْنِ ووعظهما فَلم ترجعا فَقَالَ ائْتُونِي بِالْمِنْشَارِ أقده بَيْنكُمَا نِصْفَيْنِ فَقَالَت وَاحِدَة الله الله يَا أَبَا الْحسن قد سمحت لَهَا بِهِ فَقَالَ على الله أكبر هُوَ ابْنك وَلَو كَانَ ابْنهَا لرقت عَلَيْهِ قُلْنَا هَذِه قَضِيَّة لَا تعرف لعمر بل هِيَ مَعْرُوفَة لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وفيهَا

أَن الله فهم سُلَيْمَان من الحكم مَا لم يفهمهُ دَاوُد كَمَا قَالَ تَعَالَى (ففهمناها سُلَيْمَان) وَكَانَ سُلَيْمَان قد سَأَلَ الله حكما يُوَافق حكمه فَأعْطَاهُ وَمَا نعلم أَن سُلَيْمَان أفضل من دَاوُد وَقد جَاءَ أَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أعبد الْبشر قَالَ وَأمر برجم امْرَأَة ولدت لسِتَّة أشهر فَقَالَ لَهُ على إِن خاصمتك بِكِتَاب الله خصمتك إِن الله يَقُول (وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا) وَقَالَ تَعَالَى (والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ) قُلْنَا كَانَ عمر يستشير الصَّحَابَة وَبِهَذَا مدح الله الْمُؤمنِينَ بقوله (وَأمرهمْ شُورَى بَينهم) وَالنَّاس متنازعون فِي الْمَرْأَة إِذا ظهر بهَا حمل وَلم يكن لَهَا زوج وَلَا سيد وَلَا ادَّعَت شُبْهَة فمذهب مَالك أَنَّهَا ترْجم وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لَا ترْجم فلعلها مستكرهة أَو حملت بِلَا وَطْء وَالْأول هُوَ الثَّابِت عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر خطب فِي آخر عمره وَقَالَ الرَّجْم حق على من زنى إِذا قَامَت الْبَيِّنَة أَو كَانَ الْحَبل أَو الإعتراف وَكَذَا اخْتلفُوا فِي الشَّارِب إِذا تقيأها وَلَعَلَّ عمر جوز أَن تَلد امْرَأَة لدوّنَ سِتَّة أشهر وَرَآهُ من النَّادِر كَمَا وجد فِي النَّادِر من حملت أَربع سِنِين وَمن حملت سبع سِنِين وَفِي حد ذَلِك نزاع بَين الْعلمَاء قَالَ وَكَانَ يضطرب فِي الْأَحْكَام فَقضى فِي الْجد بِمِائَة قَضِيَّة وَالْجَوَاب أَن عمر أسعد الصَّحَابَة الْمُخْتَلِفين فِي الْجد بِالْحَقِّ فَإِن الصَّحَابَة فِي الْجد مَعَ الْإِخْوَة على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَن يسْقط الْإِخْوَة وَهَذَا قَول أبي بكر وَأبي مُوسَى وَأبي عَبَّاس وَطَائِفَة وَمذهب أبي حنيفَة وَابْن سُرَيج من الشَّافِعِيَّة وَأبي حَفْص الْبَرْمَكِي من الْحَنَابِلَة وَهُوَ الْحق فَإِن نِسْبَة بني الْإِخْوَة من الْأَب إِلَى الْجد كنسبة الْأَعْمَام بني الْجد إِلَى الْجد وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن الْجد هُنَا أَب وَالْأَب أولى من الْأَعْمَام فَيجب أَن يكون أَبُو الْأَب أولى

من الْإِخْوَة وَأَيْضًا فَإِن الْإِخْوَة لَو كَانُوا لكَوْنهم يدلون ببنوة الْأَب بِمَنْزِلَة الْجد لَكَانَ أَوْلَادهم وهم بَنو الْأُخوة كَذَلِك أَلا ترى أَن ابْن الإبن أولى من الْجد فَكَانَ ابْنه بِمَنْزِلَتِهِ وَأَيْضًا فَإِن الْجدّة كالأم فَيجب أَن يكون الْجد كَالْأَبِ وَلِأَن الْجد يُسمى أَبَا وَهَذَا القَوْل هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن عمر القَوْل الثَّانِي أَن الْجد يقاسم الْإِخْوَة وَهَذَا قَول عُثْمَان وَعلي وَزيد وَابْن مَسْعُود وَلَكِن اخْتلفُوا فِي التَّفْصِيل إختلافا متباينا وَالْجُمْهُور على مَذْهَب زيد كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأما قَول عَليّ فِي الْجد فَلم يذهب إِلَيْهِ أحد من أَئِمَّة الْفُقَهَاء إِنَّمَا يذكر عَن ابْن أبي ليلى وَإِن صَحَّ أَن عمر قضى فِيهَا بِمِائَة قَضِيَّة لم يرد الرَّاوِي أَنه قضى فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة بِمِائَة قَول إِذْ لَيْسَ ذَلِك بممكن وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَة الْجد نزاع أَكثر مِمَّا فِي مَسْأَلَة الخرقاء أم وَأُخْت وجد وكل الْأَقْوَال فِيهَا سِتَّة فَعلم أَنه أَرَادَ مائَة حَادِثَة من حوادث الْجد لَكِن لم يخرج قَوْله عَن قَوْلَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَقَول عَليّ فِي الْجد مُخْتَلف أَيْضا والمسائل الَّتِي لعَلي فِيهَا أَقْوَال كَثِيرَة وَأهل الْفَرَائِض يعلمُونَ هَذَا مَعَ أَن الْأَشْبَه أَن هَذَا كذب فَإِن وجود جد وإخوة فِي الْفَرِيضَة قَلِيل جدا فِي النَّاس وَعمر إِنَّمَا تولى عشر سِنِين وَكَانَ قد أمسك عَن الْكَلَام فِي الْجد وَثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ ثَلَاث وددت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بَينهُنَّ لنا الْجد والكلالة وأبواب من أَبْوَاب الرِّبَا وَمن كَانَ متوقفا لم يحكم فِيهَا بِشَيْء قَالَ وَكَانَ يفضل فِي الْغَنِيمَة وَالعطَاء وَأوجب الله التَّسْوِيَة قُلْنَا أما الْغَنِيمَة فَلم يكن هُوَ يقسمها بل أُمَرَاء جيوشه القائمون بعد الْخمس ثمَّ يُرْسل إِلَيْهِ الْخمس وَقد تنَازع الْعلمَاء هَل يفضل بعض الْغَانِمين لمصْلحَة وَذَلِكَ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَإِلَى الْجَوَاز ذهب أَبُو حنيفَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نفل فِي بدايته الرّبع بعد الْخمس وَفِي رجعته

الثُّلُث بعد أَن خمس وَفِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْطى سَلمَة بن الْأَكْوَع سهم فَارس وراجل فِي غَزْوَة الغابة وَكَانَ رَاجِلا لِأَنَّهُ أَتَى من الْقَتْل وَالْغنيمَة وإرهاب الْعَدو بِمَا لم يَأْتِ بِهِ غَيره وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يكون إِلَّا من خمس الْخمس وَأَيْنَ مثل عمر الَّذِي ضرب الله الْحق على لِسَانه وَقَلبه وَكَانَ يَجْعَل النَّاس مَرَاتِب فِي الْعَطاء وَأَبُو بكر كَانَ يُسَوِّي وَهِي مَسْأَلَة إجتهاد وَقَوله أوجب الله التَّسْوِيَة مُجَرّد دَعْوَى فَهُوَ لم يذكر على ذَلِك دَلِيلا وَلَو ذكر دَلِيلا لتكلمنا عَلَيْهِ كَمَا نتكلم فِي مسَائِل الإجتهاد قَالَ وَقَالَ بِالرَّأْيِ والحدس وَالظَّن قُلْنَا هَذَا لم يخْتَص بِهِ وَقد كَانَ عَليّ من أقولهم بِالرَّأْيِ فَمن ذَلِك سيره إِلَى صفّين فَقَالَ لم يعْهَد إِلَيّ فِيهِ نَبِي الله بِشَيْء وَلكنه رَأْي رَأَيْته وَأما قِتَاله الْخَوَارِج فَكَانَ مَعَه فِيهِ حَدِيث وَأما قتال الْجمل وصفين فَلم يرو أحد مِنْهُم فِيهِ نصا إِلَّا الْقَاعِدُونَ فَإِنَّهُم رووا الْأَحَادِيث فِي ترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة وَمَعْلُوم أَن الرَّأْي إِن لم يكن مذموما فَلَا لوم على من قَالَ بِهِ وَإِن كَانَ مذموما فَلَا رأى أعظم ذما من رأى أريق بِهِ دم أُلُوف مؤلفة من الْمُسلمين وَلم يحصل بِقَتْلِهِم مصلحَة للْمُسلمين لَا فِي دينهم وَلَا فِي دنياهم بل نقص الْخَيْر عَمَّا كَانَ وَزَاد الشَّرّ على مَا كَانَ فَإِذا كَانَ مثل هَذَا الرَّأْي لَا يعاب بِهِ فرأي عمر وَغَيره فِي مسَائِل الْفَرَائِض وَالطَّلَاق أولى أَن لَا يعاب مَعَ أَن عليا شركهم فِي هَذَا الرَّأْي وامتاز بِرَأْيهِ فِي الدِّمَاء وَقد كَانَ ابْنه الْحسن وَأكْثر السَّابِقين الْأَوَّلين لَا يرَوْنَ الْقِتَال مصلحَة وَكَانَ هَذَا الرَّأْي أصلح من رَأْي الْقِتَال بالدلائل الْكَثِيرَة وَمن الْمَعْلُوم أَن قَول على فِي الْجد وَغَيره من الْمسَائِل كَانَ بِالرَّأْيِ وَقد قَالَ اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر على الْمَنْع من بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد

والآن فقد رَأَيْت أَن يبعن فَقَالَ لَهُ قاضيه عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ رَأْي عمر فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك فِي الْفرْقَة وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عُبَيْدَة عَن عَليّ قَالَ اقضوا كَمَا كُنْتُم تقضون فَإِنِّي أكره الإختلاف حَتَّى يكون للنَّاس جمَاعَة أَو أَمُوت كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي رَوَاهُ ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة فَكَانَ ابْن سِيرِين يرى أَن عَامَّة مَا يرْوى عَن عَليّ الْكَذِب واما حَدِيث تقتيل النَّاكِثِينَ والقاسطين والمارقين فموضوع على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد قَالَ ابْن عمر مَا رَأَيْت عمر يَقُول لشَيْء إِنِّي لأراه كَذَا وَكَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَقُول فالنصوص وَالْإِجْمَاع والإعتبار يدل على أَن رَأْي عمر أَجود من رَأْي عُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَلِهَذَا كَانَت آثَار رَأْيه محمودة وَمَا يتمارى فِي كَمَال سيرته وَعلمه من لَهُ أدنى مسكة من إنصاف وَلَا يطعن على أبي بكر وَعمر إِلَّا جَاهِل غر اَوْ ملحد مُنَافِق توسل بالطعن فيهمَا إِلَى الطعْن فِي الرَّسُول وَدين الْإِسْلَام وَهَذَا حَال من ابتدع الرَّفْض وَحَال الباطنية وَإِذا قَالَ الرافضي عَليّ مَعْصُوم لَا يَقُول بِرَأْيهِ بل كل مَا قَالَه فَهُوَ مثل النَّص قيل لَهُ نظيرك فِي الطّرف الآخر الْخَوَارِج الَّذين كفروه قَالَ وَجعل بعده الْأَمر شُورَى وَخَالف فِيهِ من تقدمه وتأسف على سَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَقَالَ لَو كَانَ حَيا لم يختلجني فِيهِ شكّ وأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ حَاضر وَذكر فصلا طَويلا وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام كُله لَا يخرج عَن قسمَيْنِ إِمَّا كذب فِي النَّقْل وَإِمَّا قدح فِي الْحق فَإِن مِنْهُ مَا هُوَ كذب مَعْلُوم الْكَذِب أَو غير مَعْلُوم الصدْق وَمَا علم أَنه صدق فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الطعْن على عمر رَضِي الله عَنهُ بل ذَلِك مَعْدُود من فضائله ومحاسنه الَّتِي ختم الله لَهُ بهَا عمله وَلَكِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الْحَقَائِق فِي الْمَنْقُول والمعقول فَيَأْتُونَ إِلَى الْأُمُور الَّتِي وَقعت وَعلم أَنَّهَا

وَقعت فَيَقُولُونَ مَا وَقعت وَإِلَى أُمُور مَا كَانَت وَيعلم أَنَّهَا مَا كَانَت فَيَقُولُونَ كَانَت ويأتون إِلَى الْأُمُور الَّتِي هِيَ خير وَصَلَاح فَيَقُولُونَ هِيَ فَسَاد وَإِلَى الْأُمُور الَّتِي هِيَ فَسَاد فَيَقُولُونَ هِيَ خير وَصَلَاح فَلَيْسَ لَهُم عقل وَلَا نقل بل لَهُم نصيب من قَوْله تَعَالَى (وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا من أَصْحَاب السعير) وَأما قَول الرافضي وَجعل الْأَمر شُورَى بعده وَخَالف فِيهِ من تقدمه فَالْجَوَاب أَن الْخلاف نَوْعَانِ خلاف تضَاد وَخلاف تنوع فَالْأول مثل أَن يُوجب هَذَا شَيْئا ويحرمه الآخر وَالنَّوْع الثَّانِي مثل الْقرَاءَات الَّتِي يجوز كل مِنْهَا وَإِن كَانَ هَذَا يخْتَار قِرَاءَة وَهَذَا يخْتَار قِرَاءَة كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح بل استفاض عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف كلهَا شاف كَاف وَثَبت أَن عمر وَهِشَام بن حَكِيم بن حزَام اخْتلفَا فِي سُورَة الْفرْقَان فقرأها هَذَا على وَجه وَهَذَا على وَجه فَقَالَ لكليهما هَكَذَا أنزلت وَمن هَذَا الْبَاب تصرف ولي الْأَمر للْمُسلمين وَلِهَذَا اسْتَشَارَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه يَوْم بدر فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ بِأخذ الْفِدَاء وَشبهه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإبراهيم وَعِيسَى وَأَشَارَ إِلَيْهِ عمر رَضِي الله عَنهُ بِالْقَتْلِ وَشبهه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِنوح ومُوسَى وَلم يعب وَاحِدًا مِنْهُمَا بِمَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ بل مدحه وَشبهه بالأنبياء وَلَو كَانَ مَأْمُورا بِأحد الْأَمريْنِ حتما لما استشارهم فِيمَا يفعل ثمَّ إِن الإجتهاد يخْتَلف وَيكون جَمِيعه صَوَابا كَمَا أَن أَبَا بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ كَانَ رَأْيه أَن يُولى خَالِد بن الْوَلِيد فِي حروبه وَكَانَ عمر يُشِير عَلَيْهِ بِأَن يعزله فَلَا يعزله وَيَقُول إِنَّه سيف سَله الله على الْمُشْركين ثمَّ إِن عمر لما تولى عَزله وَولى أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح وَمَا فعله كل مِنْهُمَا كَانَ أصلح فِي وقته فَإِن أَبَا بكر كَانَ فِيهِ لين وَعمر كَانَ فِيهِ شدَّة وَكَانَا على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستشيرهما وروى عَنهُ أَنه قَالَ إِذا اتفقتما على شَيْء لم أخالفكما وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي بعض مغازيه إِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح

كَيفَ ترَوْنَ الْقَوْم صَنَعُوا حِين فقدوا نَبِيّهم وأرهقتهم صلَاتهم قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ أَلَيْسَ فيهم أَبُو بكر وَعمر إِن يطيعوهما فقد رشدوا ورشدت أمتهم وَإِن يعصوهما فقد غووا وغوت أمتهم قَالَهَا ثَلَاثًا وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عمر قَالَ لما كَانَ يَوْم بدر نظر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمُشْركين وهم ألف وَأَصْحَابه وهم ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر رجلا فَاسْتقْبل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقبْلَة ثمَّ مد يَدَيْهِ فَجعل يَهْتِف بربه اللَّهُمَّ انجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ آتني مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ إِنَّك إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الْإِسْلَام لَا تعبد فِي الأَرْض فَمَا زَالَ يَهْتِف بربه مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبلا الْقبْلَة حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبَيْه فَأَتَاهُ أَبُو بكر فَأخذ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْه ثمَّ الْتَزمهُ من وَرَائه وَقَالَ يَا نَبِي الله كَفاك مُنَاشَدَتك رَبك فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ فأمده الله بِالْمَلَائِكَةِ وَكَانَ السّلف متفقين على تَقْدِيم أبي بكر وَعمر حَتَّى شيعَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ وروى ابْن بطة عَن شَيْخه الْمَعْرُوف بِأبي الْعَبَّاس بن مَسْرُوق حَدثنَا مُحَمَّد بن حميد حَدثنَا جرير عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن زِيَاد بن حدير قَالَ قدم أَبُو إِسْحَاق السبيعِي الْكُوفَة قَالَ لنا شمر بن عَطِيَّة قومُوا إِلَيْهِ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فتحدثوا فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق خرجت من الْكُوفَة وَلَيْسَ أحد يشك فِي فضل أبي بكر وَعمر وتقديمهما وقدمت الْآن وهم يَقُولُونَ وَيَقُولُونَ وَلَا وَالله مَا أَدْرِي مَا يَقُولُونَ وَعَن ضَمرَة عَن سعيد بن حسن قَالَ

سَمِعت لَيْث بن أبي سليم يَقُول أدْركْت الشِّيعَة الأولى وَمَا يفضلون على أبي بكر وَعمر أحدا وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن خَالِد بن سَلمَة عَن مَسْرُوق قَالَ حب أبي بكر وَعمر وَمَعْرِفَة فضلهما من السّنة ومسروق من أجل تَابِعِيّ الْكُوفَة وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوس وَقد روى ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَكَيف لَا تقدم الشِّيعَة الأولى أَبَا بكر وَعمر وَقد تَوَاتر عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ وَعمر وَقد روى هَذَا عَنهُ من طرق كَثِيرَة قيل إِنَّهَا تبلغ ثَمَانِينَ طَرِيقا وَقد روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي صَحِيحه من حَدِيث الهمدانيين الَّذين هم أخص النَّاس بعلي حَتَّى كَانَ يَقُول (وَلَو كنت بوابا على بَاب جنَّة... لَقلت لهمدان ادخلي بِسَلام) فقد رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ وَهُوَ همداني عَن مُنْذر وَهُوَ همداني عَن مُحَمَّد بن الحنيفة قَالَ قلت لأبي يَا أَبَت من خير النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا بني أَو مَا تعرف فَقلت لَا قَالَ أَبُو بكر فَقلت ثمَّ من قَالَ عمر وَهَذَا يَقُوله لإبنه بَينه وَبَينه لَيْسَ هُوَ مِمَّا يجوز أَن يَقُوله تقية وَيَرْوِيه عَن أَبِيه خَاصَّة وَقَالَهُ على الْمِنْبَر وَعنهُ أَنه كَانَ يَقُول لَا أُوتِيَ بِأحد يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد

المفترى وَفِي السّنَن عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَلِهَذَا كَانَ أحد قولي الْعلمَاء وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن قَوْلهمَا إِذا اتفقَا حجَّة لَا يجوز الْعُدُول عَنْهَا وَهَذَا أظهر الْقَوْلَيْنِ كَمَا أَن الْأَظْهر أَن اتِّفَاق الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة أَيْضا حجَّة لَا يجوز خلَافهَا لأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإتباع سنتهمْ وَكَانَ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَبْعُوثًا بأعدل الْأُمُور وأكملها فَهُوَ الضحوك الْقِتَال وَهُوَ نَبِي الرَّحْمَة وَنَبِي الملحمة بل أمته موصوفون بذلك فِي مثل قَوْله تَعَالَى (أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم) وَقَوله تَعَالَى (أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين) فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجمع بَين شدَّة هَذَا ولين هَذَا فيأمر بِمَا هُوَ الْعدْل وهما يطيعانه فَتكون أفعالهما على كَمَال الإستقامة فَلَمَّا قبض الله نبيه وَصَارَ كل مِنْهُمَا خَليفَة على الْمُسلمين خلَافَة نبوة كَانَ من كَمَال أبي بكر رَضِي الله عَنهُ أَن يُولى الشَّديد ويستعين بِهِ ليعتدل أمره ويخلط الشدَّة باللين فَإِن مُجَرّد اللين يفْسد ومجرة الشدَّة تفْسد وَيكون قد قَامَ مقَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَانَ يَسْتَعِين بإستشارة عمر وبإستنانة خَالِد وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا من كَمَاله الَّذِي صَار بِهِ خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلِهَذَا اشْتَدَّ فِي قتال أهل الرِّدَّة شدَّة برز بهَا على عمر وَغَيره حَتَّى روى أَن عمر قَالَ لَهُ يَا خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تألف النَّاس فَقَالَ علام أتألفهم أَعلَى حَدِيث مفتري أم على شعر مفتعل وَقَالَ أنس خَطَبنَا أَبُو بكر عقيب وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّا لكالثعلب فَمَا زَالَ يشجعنا حَتَّى صرنا كالأسود وَأما عمر رَضِي الله عَنهُ فَكَانَ شَدِيدا فِي نَفسه فَكَانَ من كَمَاله إستعانته باللين ليعتدل أمره فَكَانَ يَسْتَعِين بِأبي عُبَيْدَة بن الْجراح وَسعد بن أبي وَقاص وَأبي عُبَيْدَة الثَّقَفِيّ والنعمان بن مقرن وَسَعِيد بن عَامر وأمثال هَؤُلَاءِ من أهل الصّلاح والزهد الَّذين هم أعظم زهدا وَعبادَة من مثل خَالِد بن الْوَلِيد وَأَمْثَاله وَمن هَذَا الْبَاب أَمر الشورى فَإِن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ كَانَ كثير الْمُشَاورَة للصحابة فِيمَا لم يتَبَيَّن لَهُ فِيهِ أَمر الله وَرَسُوله فَإِن الشَّارِع نصوصه كَلِمَات جَوَامِع وقضايا كُلية وقواعد عَامَّة يمْتَنع أَن ينص على كل فَرد من جزئيات الْعَالم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَلَا بُد

من الإجتهاد فِي المعينات هَل تدخل فِي كَلِمَاته الجامعة أم لَا وَهَذَا الإجتهاد يُسمى تَحْقِيق المناط وَهُوَ مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ النَّاس كلهم نفاة الْقيَاس ومثبتته فَإِن الله إِذا أَمر أَن يستشهد ذَوا عدل فكون الشَّخْص الْمعِين من ذَوي الْعدْل لَا يعلم بِالنَّصِّ الْعَام بل بإجتهاد خَاص وَكَذَلِكَ إِذا أَمر أَن تُؤَدّى الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا وَأَن تولى الْأُمُور من يصلح لَهَا فكون هَذَا الشَّخْص الْمعِين صَالحا لذَلِك أَو راجحا على غَيره لَا يُمكن أَن تدل عَلَيْهِ النُّصُوص بل لَا يعلم إِلَّا بإجتهاد خَاص والرافضي إِن زعم أَن الإِمَام يكون مَنْصُوصا عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْصُوم فَلَيْسَ هُوَ أعظم من الرَّسُول ونوابه وعماله لَيْسُوا معصومين وَلَا يُمكن أَن ينص الشَّارِع على كل مُعينَة وَلَا يُمكن النَّبِي وَلَا الإِمَام أَن يعلم الْبَاطِن فِي كل مُعينَة واما عَليّ رَضِي الله عَنهُ فظهور الْأَمر فِي الجزئيات بِخِلَاف مَا ظَنّه كثير جدا فَعلم أَنه لَا بُد من الإجتهاد فِي الجزئيات من المعصومين وَغير المعصومين وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِنَّكُم تختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض وَإِنَّمَا أقضى بِنَحْوِ مِمَّا أسمع فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه شَيْئا فَلَا يَأْخُذهُ فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار فَحكمه فِي الْقَضِيَّة الْمعينَة إِنَّمَا هُوَ بِاجْتِهَادِهِ وَلِهَذَا نهى الْمَحْكُوم لَهُ أَن يَأْخُذ مَا حكم لَهُ بِهِ إِذا كَانَ الْبَاطِن بِخِلَاف مَا ظهر وَعمر رَضِي الله عَنهُ إِمَام وَعَلِيهِ أَن يسْتَخْلف الْأَصْلَح للْمُسلمين فاجتهد فِي ذَلِك وَرَأى أَن هَؤُلَاءِ السِّتَّة أَحَق من غَيرهم وَهُوَ كَمَا رأى فَإِنَّهُ لم يقل أحد إِن غَيرهم أَحَق مِنْهُم وَجعل التَّعْيِين إِلَيْهِم خوفًا أَن يعين وَاحِدًا مِنْهُم وَيكون غَيره أصلح لَهُم فَإِنَّهُ ظهر لَهُ رُجْحَان السِّتَّة دون رُجْحَان التَّعْيِين وَقَالَ الْأَمر فِي التَّعْيِين إِلَى السِّتَّة يعينون وَاحِدًا مِنْهُم وَهَذَا أحسن إجتهاد إِمَام عَادل نَاصح لَا هوى لَهُ رَضِي الله عَنهُ وَأَيْضًا فقد قَالَ تَعَالَى (وَأمرهمْ شُورَى بَينهم) وَقَالَ (وشاورهم فِي الْأَمر) فَكَانَ مَا فعله من الشورى مصلحَة وَمَا كَانَ فعله أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ من تعْيين عمر هُوَ الْمصلحَة أَيْضا فَإِن أَبَا بكر تبين لَهُ من كَمَال عمر وفضله وإستحقاقه لِلْأَمْرِ

مَا لم يحْتَج مَعَه إِلَى الشورى وَظهر أثر هَذَا الرَّأْي الْمُبَارك الميمون على الْمُسلمين فَإِن كل عَاقل منصف يعلم أَن عُثْمَان اَوْ عليا أَو طَلْحَة أَو الزبير أَو سَعْدا أَو عبد الرحمن بن عَوْف لَا يقوم مقَام عمر فَكَانَ تعْيين عمر فِي الإستحقاق كتعيين أبي بكر فِي مُبَايَعَتهمْ لَهُ وَلِهَذَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود أَفرس النَّاس ثَلَاثَة بنت صَاحب مَدين حَيْثُ قَالَت (يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين) وَامْرَأَة الْعَزِيز حَيْثُ قَالَت (عَسى أَن ينفعنا أَو نتخذه ولدا) وَأَبُو بكر حَيْثُ اسْتخْلف عمر وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فِي خطبتها أبي وَمَا أبي وَالله لَا تعطوه الْأَيْدِي ذَاك طود منيف وَفرع مديد هَيْهَات كذبت الظنون أنجح إِذْ أكديتم وَسبق إِذْ ونيتم سبق الْجواد إِذا استولى على الأمد فَتى قُرَيْش ناشئا وكهفها كهلا يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعبها حَتَّى جلبته قلوبها ثمَّ استشرى فِي دينه فَمَا بَرحت شَكِيمَته فِي ذَات الله تَعَالَى

تشتد حَتَّى اتخذ بفنائه مَسْجِدا يحيى فِيهِ مَا أمات المبطلون وَكَانَ رَحمَه الله غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجي النشيج فتتقصف عَلَيْهِ نسوان مَكَّة وولدانها يسخرون مِنْهُ ويستهزئون بِهِ (الله يستهزيء بهم ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون) فأكبرت ذَلِك رجالات قُرَيْش فحنت لَهُ قسيها وفوقت لَهُ سهامها وانتبلوه غَرضا فَمَا فلوا لَهُ صفاة وَلَا قصفوا لَهُ قناة وَمر على سيسائه حَتَّى إِذا ضرب الدّين بجرانه

وَألقى بركه ورست أوتاده وَدخل النَّاس فِيهِ أَفْوَاجًا وَمن كل فرقة أَرْسَالًا وأشتاتا اخْتَار الله لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا عِنْده فَلَمَّا قبض الله نبيه ضرب الشَّيْطَان روقه وَمد طنبه وَنصب حبائله فَظن رجال أَن قد تحققت أطماعهم ولات حِين الَّذِي يرجون وأنى وَالصديق بَين أظهرهم فَقَامَ حاسرا مشمرا فَجمع حَاشِيَته وَضم قطريه فَرد نشر الْإِسْلَام على غره وَلم شعثه بطبه وَأقَام أوده بثقافه فوقذ النِّفَاق بوطأته وانتاش الدّين بنعشه فَلَمَّا أراح الْحق على أَهله وَقرر الرُّءُوس على كواهلها وحقن الدِّمَاء فِي أهبها أَتَتْهُ منيته فسد ثلمه بنظيره

فِي الرَّحْمَة وشقيقه فِي السِّيرَة والمعدلة ذَاك ابْن الْخطاب لله أم حفلت لَهُ وَدرت عَلَيْهِ لقد أوحدت بِهِ فقبح الْكفْر وشرد الشّرك شذر مذر وبعج الأَرْض وبخعها فقاءت أكلهَا ولفظت خبيئها ترأمه ويصد عَنْهَا وتصدى لَهُ ويأباها ثمَّ ورع فِيهَا وودعها كَمَا صحبها فأروني مَا تريبون وَأي يومي أبي تَنْقِمُونَ أيوم إِقَامَته إِذْ عدل فِيكُم أَو يَوْم ظعنه وَقد نظر لكم أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم روى هَذِه الْخطْبَة جَعْفَر بن عون عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَهَؤُلَاء رُوَاة الصَّحِيحَيْنِ وَأما عمر رَضِي الله عَنهُ فَرَأى الْأَمر فِي السِّتَّة متقاربا صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ إِن اسْتخْلف فقد اسْتخْلف من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير مني يَعْنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْخلاف مَا زَالَ فِي الْقرَاءَات وَالْفِقْه وَغير ذَلِك حَتَّى إِن الْعَالم الْوَاحِد يَقُول قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين وَمَا زَالَت آراء الْكِبَار تخْتَلف وَثَبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي بعض الْمَغَازِي إِن يطع الْقَوْم أَبَا بكر وَعمر يرشدوا وروى عَنهُ أَنه قَالَ لَهما لواتفقتما على شَيْء لم أخالفكما وَقَالَ اقتدوا باللذين من بعدِي أَبُو بكر وَعمر فَمَا فعله أَبُو بكر من إستخلافه عمر كَانَ الْمصلحَة لكَمَال عمر وشفوفه وإستحقاقه وَظهر أثر ذَلِك عِنْد كل عَاقل منصف وَكَانَ مَا فعله عمر هُوَ الْمصلحَة فَإِنَّهُ لم يتَرَجَّح عِنْده أحد من السِّتَّة على البَاقِينَ ورآهم متقاربين وَفِي كل فَضِيلَة لَيست فِي الآخر وَترك التَّعْيِين خوفًا وورعا وَفعل من الْمصلحَة بِحَسب الْإِمْكَان ثمَّ إِن الصَّحَابَة اجْتَمعُوا على عُثْمَان وَكَانَت ولَايَته أرجح مصلحَة وَأَقل مفْسدَة من غَيره وَالْوَاجِب أَن يقدم أَكثر الْأَمريْنِ مصلحَة وأقلهما مفْسدَة وَلَا يجب على الْخَلِيفَة أَن يسْتَخْلف بعد مَوته فَقَالَ الْأَمر شُورَى بَين هَؤُلَاءِ السِّتَّة الَّذين توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنْهُم رَاض

وَأما مَا زعمت من ذكر سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فمعلوم أَن الصَّحَابَة يعلمُونَ الْإِمَامَة فِي قُرَيْش كَمَا استفاضت بذلك السّنَن وَذَلِكَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ على الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة فَكيف يظنّ بعمر أَنه يُولى مولى فأبين يذهب عقلك بل من الْمُمكن أَنه كَانَ يوليه ولَايَة جزئية أَو يستشيره فَمن يُولى وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي يصلح لَهَا سَالم مولى أبي حُذَيْفَة فَإِن سالما كَانَ من خِيَار الصَّحَابَة وقولك جمع بَين الْفَاضِل والمفضول فَهَذَا عنْدك وَأما عِنْدهم فَكَانُوا متقاربين وَلِهَذَا كَانُوا فِي الشورى مترددين فَإِن قلت عَليّ هُوَ الْفَاضِل وَعُثْمَان الْمَفْضُول قيل لَك فَكيف أجمع الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار على تَقْدِيم مفضول وَقَالَ بعض الْعلمَاء من قدم عليا على عُثْمَان فقد أزرى بالمهاجرين وَالْأَنْصَار وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر قَالَ كُنَّا نفاضل على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَقُول أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان وَفِي لفظ ثمَّ نَدع أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا نفاضل بَينهم فَهَذَا ينْقل مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة على عهد نَبِيّهم وَظهر أثر ذَلِك فَإِنَّهُم بَايعُوا عُثْمَان من غير رَغْبَة وَلَا رهبة وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا وَكَانُوا كَمَا نعتهم الله (يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم) حَتَّى قَالَ ابْن مَسْعُود ولينا أعلانا ذَا فَوق وَلم نأل وَفِيهِمْ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَفِيهِمْ من النُّقَبَاء عبَادَة بن الصَّامِت وَأَمْثَاله وَفِيهِمْ مثل أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وكل من هَؤُلَاءِ وَمن غَيرهم لَو تكلم بِالْحَقِّ لم يكن هُنَاكَ عذر يسْقطهُ عَنهُ فقد كَانَ يتَكَلَّم من يتَكَلَّم مِنْهُم على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ولَايَة من يُولى وَهُوَ مُسْتَحقّ للولاية وَلَا يحصل لَهُم ضَرَر وَتكلم طَلْحَة وَغَيره فِي ولَايَة عمر لما اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر وَتكلم أسيد بن حضير فِي ولَايَة أُسَامَة بن زيد على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد كَانُوا يكلمون عمر فِيمَن يوليه ويعزله وَعُثْمَان بعد ولَايَته وَقُوَّة شوكته وَكَثْرَة أنصاره وَظُهُور بني أُميَّة كَانُوا يكلمونه فِيمَن يوليه وَيُعْطِيه مِنْهُم وَمن غَيرهم ثمَّ فِي آخر الْأَمر لما

اشتكوا من بَعضهم عَزله وَلما اشتكوا من بعض من يَأْخُذ بعض المَال مَنعه فأجابهم إِلَى مَا طلبوه من عزل وَمنع من المَال وهم أَطْرَاف من النَّاس وَهُوَ فِي عزة ولَايَته فَكيف لَا يسمع كَلَام الصَّحَابَة أئمتهم وكبرائهم مَعَ عزتهم وقوتهم لَو تكلمُوا فِي ولَايَة عُثْمَان وَكَانَ فِي ولَايَته من الفتوحات والخيرات مَا لَا يُوصف وَمَا حصل مِنْهُ من تأمير أَقَاربه وإكثار جوائزهم فقد حصل بعده من غَيره من إِيثَار بَعْص النَّاس بِولَايَة أَو مَال مُضَافا إِلَى مَا جرى من الْفِتْنَة وَالصَّحَابَة مَا كَانُوا يسكتون كلهم على مضض أَلا تراهم تكلمُوا فِي عمر إِذْ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر وَتَكَلَّمُوا مَعَ الصّديق وَقَالُوا مَاذَا تَقول لِرَبِّك إِذا وقدمت عَلَيْهِ وَقد وليت علينا عمر فظا غليظا فَقَالَ أبالله ترهبونني أَقُول وليت عَلَيْهِم خير أهلك قَالُوا هَذَا وَمن شَأْن النَّاس أَن يراعوا من ترشح للولاية فيحابونه خوفًا من أَن ينْتَقم بعد مِنْهُم فَكيف يحابون عُثْمَان وَهُوَ بعد مَا بِيَدِهِ أَمر فَدلَّ على أَنهم إِنَّمَا قدموه بإستحقاق وَهَذَا شَيْء إِذا تدبره الْخَبِير إزداد بِهِ بَصِيرَة وعلما فَأَما الْجَاهِل وَصَاحب الْهوى فقد أعمى الله قلبه واما من كَانَ عَالما بِمَا وَقع وَهُوَ مستحضر للأدلة عَالم بطريقة النّظر فَإِنَّهُ يقطع بِمَا بَيناهُ

ثمَّ قَالَ وَطعن فِي كل وَاحِد مِمَّن إختاره للشورى وَأظْهر أَنه يكره أَن يتقلد أَمر الْمُسلمين بعد مَوته ثمَّ تقلده بِأَن جعل الْإِمَامَة فِي سِتَّة فَيُقَال لم يطعن فيهم طعن من يرى غَيرهم أَحَق بِالْأَمر وَإِنَّمَا بَين عذره فِي عدم التَّعْيِين ثمَّ قَالَ فناقض وَجعلهَا فِي أَرْبَعَة ثمَّ فِي ثَلَاثَة ثمَّ فِي وَاحِد فَجعل إِلَى ابْن عَوْف الإختيار بعد أَن وَصفه بالضعف فَيُقَال يَنْبَغِي لمن احْتج بالمنقول أَن يُثبتهُ أَولا وَالثَّابِت فِي البُخَارِيّ لَيْسَ فِيهِ من هَذَا شَيْء بل فِيهِ مَا يدل على نقيض هَذَا وَأَن السِّتَّة هم الَّذين ردوا الْأَمر إِلَى الثَّلَاثَة ثمَّ الثَّلَاثَة جعلُوا الإختيار إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بلَى قَالَ عمر فَإِن أَصَابَت سَعْدا الْخلَافَة وَإِلَّا فليستعن بِهِ من ولى فَإِنِّي لم أعزله عَن عجز وَلَا خِيَانَة ثمَّ قَالَ أوصى الْخَلِيفَة من بعدِي بتقوى الله وأوصيه بالمهاجرين الْأَوَّلين

الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ أَن يعرف لَهُم حَقهم وَأَن يحفظ لَهُم حرمتهم وَذكر الحَدِيث وَكَانَ عمر فِي حَيَاته لَا يخَاف أحدا والرافضة تسميه فِرْعَوْن هَذِه الْأمة قَاتلهم الله فَإِذا كَانَ فِي حَيَاته لَا يخَاف أحدا فَكيف يخَاف من تَقْدِيم عُثْمَان لَو أَرَادَ أَن يقدمهُ عِنْد مَوته وَالنَّاس كلهم مطيعوه وَأي غَرَض يكون لعمر فِي عُثْمَان دون عَليّ فقد أخرج من الْأَمر ابْنه وَلم يدْخل سعيد بن زيد فِي أهل الشورى وَهُوَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ فلأي شَيْء يحابي كَمَا افتريتم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال وَفِي آخر سَاعَة من الدُّنْيَا وَقت يسلم فِيهِ الْكَافِر ويخشع فِيهِ الْفَاجِر فَلَو علم أَن لعَلي حَقًا دون غَيره بِنَصّ أَو بأولوية لقدمه تَوْبَة إِلَى الله أَو ابْتِغَاء رضوَان الله وَلَيْسَ فِي الْعَادة أَن الرجل يفعل عِنْد لِقَاء الله مَا يعلم أَنه يُعَاقب عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْفَعهُ فِي دين وَلَا دنيا وَلَو قدر أَنه كَانَ عدوا مبغضا للرسول فَلَا ريب أَنه بِسَبَب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَالَ من السَّعَادَة مَا نَالَ ثمَّ إِن عمر كَانَ من أذكى خلق الله تَعَالَى ودلايل النُّبُوَّة من اظهر الْأُمُور فَهُوَ يعلم أَنه إِن اسْتمرّ على معاداته يعذب فِي الْآخِرَة وَلَيْسَ لَهُ وَقت الْمَوْت غَرَض فِي ولَايَة عُثْمَان وَنَحْوه فَكيف استفرغ وَسعه فِي عَدَاوَة بَيت نَبِي الله وَابْن عَمه وَهُوَ الَّذِي لزم الْعَيْش الخشن وَالثَّوْب القطني وَالصَّبْر على الْعدْل وَعَن جمع الْأَمْوَال وعَلى مجافاة الْأَشْرَاف بِحَيْثُ أَنه قد تَركه الْحق وَمَا لَهُ من صديق ثمَّ نقُول على مَا زعمت لَوْلَا عَليّ لهلك عمر قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ مَا دَار الْفلك على شكل عمر وَصدق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ يَقُول لعمر مَا لقيك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك غير فجك وَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر أبين من الشَّمْس

وَمَا زَالَ بَنو هَاشم وَبَنُو أُميَّة متفقين فِي أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي إمرة الشَّيْخَيْنِ حَتَّى إِن أَبَا سُفْيَان لما خرج من مَكَّة عَام الْفَتْح يكْشف الْخَبَر وَرَآهُ الْعَبَّاس أَخذه وأركبه خَلفه وأتى بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَطلب من النَّبِي أَن يشرفه بِشَيْء لما قَالَ لَهُ إِن أَبَا سُفْيَان يحب الشّرف وكل هَذَا من محبَّة الْعَبَّاس لأبي سُفْيَان وَبني أُميَّة إِذْ القبيلان من بني عبد منَاف وَحَتَّى إِنَّه كَانَ بَين عَليّ وَبَين رجل من الْمُسلمين مُنَازعَة فِي حد فَخرج عُثْمَان فِي موكب فيهم مُعَاوِيَة ليقفوا على الْحَد فابتدر مُعَاوِيَة وَسَأَلَ عَن معلم من معالم الْحَد هَل كَانَ هَذَا على عهد عمر فَقَالُوا نعم فَقَالَ لَو كَانَ هَذَا ظلما لغيره عمر فانتصر مُعَاوِيَة لعَلي فِي تِلْكَ الْحُكُومَة وَلم يكن عَليّ حَاضرا بل كَانَ وَقد وكل ابْن جَعْفَر وَكَانَ عَليّ يَقُول إِن للخصومات قحما وَإِن الشَّيْطَان يحضرها وَكَانَ قد وكل عَنهُ عبد الله بن جَعْفَر فِي المحاكمة وَبِهَذَا احْتج الشَّافِعِي وَغير وَاحِد من الْفُقَهَاء على جَوَاز التَّوْكِيل فِي الْخُصُومَة بِدُونِ إختيار الْخصم كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأَصْحَاب أَحْمد وَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أبي حنيفَة فَلَمَّا رجعُوا ذكرُوا ذَلِك لعَلي فَقَالَ أَتَدْرِي لم فعل ذَلِك مُعَاوِيَة فعل لأجل المنافية أَي لأجل أَنا جَمِيعًا من بني عبد منَاف وَكَانَت قد وَقعت حُكُومَة شاورني فِيهَا بعض قُضَاة الْقُضَاة وأحضر لي كتابا فِيهِ هَذِه الْحُكُومَة وَلم يعرفوا هَذِه اللَّفْظَة لَفْظَة المنافية فبينتها لَهُم وفسرت لَهُم مَعْنَاهَا وَالْمَقْصُود أَن بني عبد منَاف كَانُوا متفقين فِي أول الْأَمر على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر ثمَّ إِن عليا وَعُثْمَان إتفقا على رد الإختيار إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف من غير أَن يكره أَحدهمَا الآخر وقولك إِن عمر علم أَن عبد الرَّحْمَن لَا يعدل عَن أَخِيه وَابْن

عَمه فَهَذَا كذب بَارِد وَجَهل بِالنّسَبِ إِذْ عبد الرَّحْمَن لَيْسَ أَخا لعُثْمَان وَلَا ابْن عَم وَلَا هُوَ من قبيلته أصلا وَبَنُو زهرَة إِلَى بني هَاشم أميل فَإِنَّهُم أخوال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد جَاءَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي سعد هَذَا خَالِي بلَى سعد زهري من قَبيلَة ابْن عَوْف فَهَلا آثره بهَا ثمَّ قلت إِنَّه أَمر بِضَرْب أَعْنَاقهم إِن تَأَخَّرُوا عَن الْبيعَة ثَلَاثَة أَيَّام قُلْنَا أَيْن النَّقْل الثَّابِت بِهَذَا إِنَّمَا الْمَعْرُوف أَنه أَمر الْأَنْصَار أَن لَا يفارقوهم حَتَّى يبايعوا وَاحِدًا مِنْهُم أَو كَانَ عمر يَأْمر بقتل سِتَّة هم عِنْده أفضل أهل الأَرْض ثمَّ كَيفَ يطيعه أنصار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد مَوته فِي قَتلهمْ وَلَو أَمر بِقَتْلِهِم لذكر بعد مَوْتهمْ من يصلح لَهَا غَيرهم ثمَّ أَيْضا من الَّذِي يتَمَكَّن من قتل هَؤُلَاءِ الَّذين كل وَاحِد مِنْهُم سيد عشيرته فَأَنت قد رَأَيْت مَا جرى فِي الْوُجُود بقتل وَاحِد مِنْهُم وَهُوَ عُثْمَان ثمَّ لَو فَرضنَا أَن السِّتَّة لم يَقُول أحد مِنْهُم فَلم يجز قَتلهمْ بل وَلَا جَازَ قتل وَاحِد مِنْهُم وَإِنَّمَا يُولى غَيرهم وَلَا سمعنَا فِي الْعَالم أَن أحدا امْتنع من الْخلَافَة فَقتل فَتبين أَن هَذَا كذب ثمَّ الْعجب من الرافصة يَزْعمُونَ أَن السِّتَّة مستحقو الْقَتْل سوى عَليّ ثمَّ الْعجب أَنه يجابيهم بِالْولَايَةِ ثمَّ يَأْمر بِقَتْلِهِم وَكَذَا فَلْيَكُن الْجمع بَين الضدين ثمَّ قد تخلف سعد بن عبَادَة عَن بيعَة أبي بكر وَلم يضربوه وَلَا حبسوه فضلا عَن الْقَتْل وتربص عَليّ عَن الْبيعَة مُدَّة وَلم يقل لَهُ أَبُو بكر شَيْئا حَتَّى جَاءَ وَبَايَعَهُ وَلم يكرههُ أحد وَمَا زَالَ أَبُو بكر يُكرمهُ ويجله وَكَذَلِكَ عَامله عمر وَيَقُول أَبُو بكر أَيهَا النَّاس ارقبوا مُحَمَّدًا فِي أهل بَيته وَيذْهب أَبُو بكر وَحده إِلَى بَيت عَليّ وَعِنْده بَنو هَاشم فيذكر فَضلهمْ ويعترفون بإستحقاقه الْخلَافَة وَلَو أَرَادَ هُوَ أَو عمر إِيذَاء عَليّ فِي خِلَافَتهمَا لكانا أقدر على ذَلِك من صرف الْأَمر عَنهُ بعد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولكنهما أتقى لله من ذَلِك فَهَؤُلَاءِ

الجهلة يَزْعمُونَ أَنَّهُمَا ظلماه فِي حَال كَانَ فِيهَا أقدر على دفع الظُّلم عَن نَفسه وَكَانَا أعجز عَن ظلمه لَو شاءاه فَهَلا ظلماه فِي قوتهما وَطَاعَة الْخلق لَهما كَمَا جرت عَادَة الْمُلُوك من الْفِعْل بِمن يخَافُونَ مِنْهُ وَلَو أَرَادَا ذَلِك لما عَجزا ولكان أسهل عَلَيْهِمَا من مَنعه إبتداء مَعَ وجود النَّص بزعمكم بل مَا زَالا يعاملانه بالجميل بِكُل طَرِيق وَلم يحفظ عَنهُ كلمة سوء فِي حَقّهمَا وَلَا تظلم مِنْهُمَا أبدا بل تَوَاتر عَنهُ محبتهما وإجلالهما ظَاهرا وَبَاطنا وَهَذَا أَمر مَعْرُوف عِنْد من يدْرِي الْأَمر وَيعرف الْأَخْبَار أما من رَجَعَ إِلَى الأكاذيب وبهتان الرافضة الَّذين هم أَجْهَل الْأمة بالمنقولات وَأبْعد النَّاس عَن معرفَة الْأَثر وأنقلهم للكذب المستحيل المتناقض الَّذِي لَا يروج إِلَّا على الْبَهَائِم كترويج قصاص الطرقية على الْعَوام وَأهل الْقرى والجبل وَأهل الْبَادِيَة فَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ وَأما عُثْمَان فَإِنَّهُ ولي من لَا يصلح حَتَّى ظهر من بَعضهم الْفسق والخيانة وَقسم الولايات بَين أَقَاربه وَعُوتِبَ فَلم يرجع وَاسْتعْمل الْوَلِيد بن عقبَة فصلى بِالنَّاسِ سَكرَان وَاسْتعْمل سعيد بن الْعَاصِ على الْكُوفَة فَظهر مِنْهُ مَا أدّى إِلَى إِخْرَاجه

مِنْهَا وَولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر فظلم وتشكوا

مِنْهُ فكاتبه سرا أَن يسْتَمر على ولَايَته وَأَن يقتل مُحَمَّد بن أبي

بكر وَولي مُعَاوِيَة الشَّام فأحدث من الْفِتَن مَا أحدث

وَولي عبد الله بن عَامر بن كريز الْبَصْرَة فَفعل من المناكر مَا فعل وَولي مَرْوَان وَدفع إِلَيْهِ خَاتمه فَحدث من ذَلِك قَتله وَكَانَ يُؤثر أَهله بالأموال الْكَثِيرَة حَتَّى دفع

إِلَى أَرْبَعَة زوجهم بَنَاته أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار وَكَانَ ابْن مَسْعُود يطعن عَلَيْهِ وَيكفر وَلما حكم ضربه حَتَّى مَاتَ وَضرب عمارا حَتَّى صَار بِهِ فتق وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عمار جلدَة بَين عَيْني تقتله الفئة الباغية لَا أنالهم الله شَفَاعَتِي وَكَانَ عمار يطعن عَلَيْهِ وطرد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحكم عَم عُثْمَان فآواه عُثْمَان إِلَى الْمَدِينَة وَنفي أَبَا ذَر إِلَى الربذَة وضربه مَعَ قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء على ذِي لهجة أصدق من أبي ذَر وضيع الْحُدُود فَلم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَرَادَ

جارٍ التحميل