المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازنيصفحات 307-331

باب ما لحقته الزوائد 1 من هذه الأفعال من بنات الثلاثة:

صفحات 307-331
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
دار إحياء التراث القديم
الطبعة
الأولى في ذي الحجة سنة 1373هـ - أغسطس سنة 1954م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قال أبو الفتح: وجه شَبَه "مقام، ومباع" بـ "يفعَل"؛ أن أصلهما "مَقْوَم، ومَبْيَع" فجريا مجرى "يخاف ويهاب" اللذين أصلهما "يخوَف، ويهيَب" فأعلوهما؛ لأنهما جاربان على الفعل وهما بوزنه, وقد تقدم شرح هذا.
وقوله: فلما جمعوه ذهب شبهه من الفعل، يريد أن الفعل لا يجمع, فلما جُمع "مقام" ونحوه بعُد عن الفعل وزال البناء الذي1 ضارع به الفعل فصح، وصحته أن تظهر ياؤه وواوه, وذلك قولهم: "مقاوم، ومبايع".
همز "مَعَايِش, ومَصَاوِب" خطأ: قال أبو عثمان: فأما قراءة2 من قرأ من2 أهل المدينة: "معائش" بالهمز فهي خطأ, فلا يلتفت إليها، وإنما2 أخذت عن نافع بن أبي نعيم، ولم يكن يدري ما العربية, وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا3.
وقد قالت العرب: "مصائب" فهمزوا وهو غلط, كما قالوا: "حلّأت السويق" وكأنهم5 توهموا أن "مصيبة5: فَعِيلة"6, فهمزوها حين جمعوها كما همزوا جمع "سفينة: سفائن", وإنما "مصيبة: مفعِلة"6 من "أصاب يصيب", وأصلها: "مُصْوِبة", فألقوا حركة الواو على الصاد فانكسرت الصاد وبعدها واو ساكنة, فأبدلت ياء للكسرة4 قبلها -وقد

كتبنا تفسير هذا فيما مضى- وأكثر العرب يقول: "مَصَاوِب", فيجيء بها على القياس، وما ينبغي.
قال أبو الفتح: قد اختلفت1 الرواية عن نافع، فأكثر أصحابه يروي عنه: "مَعَايِش" بلا همز، والذي روى عنه بالهمز خارجة بن مصعب.
وإنما كان همزها خطأ عنده؛ لأنها لا تخلو من أن تكون جمع "معاش، أو معيشة, أو معيش" فقد قال رؤبة: إليك أشكو شدة المَعِيش يريد "المعاش".
وكل واحد من هذه, فعينه متحركة في الأصل.
فأصل "معاش: مَعْيَش".
وأصل "مَعِيشة: مَعْيِشة، أو مَعْيُشة" على مذهب الخليل.
وأصل "مَعِيش: مَعْيِش" مكسور العين ليس2 غير؛ لأنه ليس في الآحاد اسم على "مفعل" بضم العين.
فأما قول الشاعر: بثين الزمي "لا", إن "لا" إن لزمته ... على كثرة الواشين أي مَعُون فجمع "معونة" وليس بواحد.
وكذلك قول الآخر: ليوم روع أو فعال مَكْرُم إنما هو جمع "مكرُمة".

وكذلك قول الآخر: أبلغ النعمان عني مَأْلُكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري فقد يجوز أيضا أن يكون جمع "مَأْلُكة" وهي الرسالة، أو يكون حذف الهاء ضرورة وهو يريدها.
وإن كان "مَعِيش" جمع "مَعِيشة" فجائز فيه "مفعُل، ومفعِل" جميعا، وإذا كان الأمر كذلك فحق "معاش, ومعيش1، ومعيشة" ألا تهمز2 في الجمع؛ لأنه قد كانت عينه متحركة في الأصل، فإذا احتاج إلى حركتها2 في الجمع حرَّكها2 ولم يقلبها واحتملت الحركة؛ لأنها قوية وهي من الأصل، وقد كانت متحركة في الواحد، وإنما يهمز في الجمع حروف المد واللين التي لا حظ لها في الحركة في الواحد نحو ألف: "رسالة"، وياء: "صحيفة", وواو: "عجوز" إذا قلت: "رسائل، وصحائف، وعجائز".
فأما قول العرب: "مصائب" فغلط؛ لأن الياء في "مصيبة" عين الفعل وهي منقلبة عن واو وأصلها "مُصْوِبة" وأصلها الحركة وقياسها "مصاوب".
وقد كان أبو إسحاق ذهب إلى أن الهمزة في "مصائب" إنما هي بدل من الواو في "مصاوب" كما قالوا: "إسادة" في "وسادة" وأنكر ذلك عليه أبو علي، وقال: إن الواو لا تقلب همزة وسطا إذا كانت مكسورة، وقد بينت هذا.
وذكر أبو الحسن أن الذي شجعهم على أن شبهوا "مصيبة" بـ "صحيفة" حتى همزوها في الجمع، أنها قد اعتلت في الواحد بأن قلبت الواو ياء, فتوهنت العين بالقلب, فأشبهت الياء الزائدة؛ لأنها في الحقيقة ليست من الأصل، وإنما هي بدل

من العين، فلما لم تكن الأصل بعينه أشبهت الزائد فقلبت في الجمع همزة.
وأنكر ذلك عليه أبو إسحاق وقال: يلزمه في "مقام: مقائم", يريد أبو إسحاق أن أصل "مَقَام: مَقْوَم" كما أن أصل "مُصِيبة: مُصْوِبة" وكلاهما قد قلب، يقول: فلو جاز لذلك1 أن يهمز جمع "مصيبة" لجاز أيضا أن يهمز جمع "مقام" وهذا يلزم أبا الحسن لو2 كان يقطع بهذه الحجة، وإنما تعلل بهذا القول وتأنس به، وليس عنده بعلة قاطعة, فيلزمه أن يقول في جمع "مقام: مقائم", ولكنه لما سمع "مصائب" احتال بعد السماع بما3 يكون فيه بعض العذر، ولا يقطع بأن هذا خطأ من العرب ما وجد له وجيها ما.
ألا ترى أن سيبويه قال في باب ما يضطر إليه الشاعر: وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها.
وكذلك قولهم4: "حَلَّأتْ السويق، ورَثَّأتْ زوجي بأبيات" إنما هو مشبه في اللفظ بغيره وإن لم يكن من معناه، فكأن "حلأت" من قولهم5: "حلأته": إذا طردته عن الماء.
وقولهم: "رَثّأته: فَعّلته، من الرثيئة" وليس من معناه.
وقالوا: "اسْتَلأمت الحجر": يريدون استلمت, فهمزوا.
وقالوا: "لبّأت بالحج": يريدون "لبّيت".
وقالوا: "الذئب يستنشئ الريح" يريدون "يستنشي".
قال6 أبو عبيدة: وكان7 رؤبة يهمز "سِيَة8 القوس" وسائر العرب

لا يهمزها، وإنما يجوز مثل هذا الغلط عندهم1 لما يستهويهم من الشبه؛ لأنهم2 ليست لهم قياسات يستعصمون بها2.
وإنما يخلدون إلى طبائعهم، فمن أجل ذلك قرأ الحسن البصري3 رحمة الله عليه3: "وما تنزلت به الشَّيَاطون"2؛ لأنه5 توهم أنه جمع التصحيح5 نحو "الزيدون" وليس منه.
وكذلك قراءته: "ولا أَدْرَأْتُكُم به"3 جاء به كأنه من "درأته" أي: دفعته وليس منه7, وإنما هو من "دريت بالشيء" أي: علمت به7, وكذلك قراءة من قرأ "عادَ للُّؤلى4", فهمز وهو خطأ منه.
وهو بمنزلة قول الشاعر: لحب5 المؤقدان إلى مُؤْسَى فهمز الواو الساكنة؛ لأنه توهم الضمة قبلها فيها.
ومن ذهب إلى أن "أَوّل من وَألَ" فهو عندنا مخطئ؛ لأنه لا حجة له عليه -وقد ذكرته قبل- ولهذا الغلط نظائر في كلامهم، فإذا جاءك6 فاعرفه لتسلمه كما سمعته ولا تقس عليه.
اختلاف العرب والعلماء في "مدائن": قال أبو عثمان: وأما "مدائن7" فقد اختلفت العرب فيها والعلماء، فجعلها بعضهم "فعائل" فهمز، وقال بعضهم: هي "مَفَاعِل" فلم يهمزوا.

فالذين جعلوها "فعائل" احتجوا بـ "مُدن" فقالوا: "مُدْن" يدل على أن الميم من الأصل وليست بزائدة.
وقال غير هؤلاء: هي "مفاعل"1 والميم زائدة؛ لأنه1 من "دان يدين", وهؤلاء الذين لم يهمزوا، وكلا الاشتقاقين مذهب.
قال أبو الفتح: أما من قال: "مُدن" فاشتقاقه واضح و"مَدِينة" عندهم كسفينة, و"مدائن" كـ "سفائن".
وأما من أخذها من "دان يدين" فمعناه أنها أطاعت صاحبها وتذللت له والدين: الطاعة، وهكذا أخذت عن أبي علي وقت القراءة.
فأما قول الأخطل: ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... يظل على مسحاته يتركل فالمدينة فيه: أمة، يصف الأكَّار الذي يعمل في الكرم يقول: هو ابن أمة.
وقال لها "مدينة"؛ لأنها1 من "دنت" أي: جزيت، كأن مولاها يجزيها بعملها2، فهذا مثل المذهب الثاني في "مدينة" كما3 حكاه أبو عثمان.
وقوله: إن العرب قد اختلفت فيها والعلماء, معناه أن العرب منهم من يهمز، ومنهم من لا يهمز, فهذا وجه اختلاف العرب.
1، 1 ساقط من ظ، ش.

وأما اختلاف العلماء فيها، فكأن بعضهم سمعها مهموزة, وبعضهم سمعها غير مهموزة1, وبعضهم سمعها مهموزة وغير مهموزة1.
فالذين سمعوها مهموزة خالفوا تأول من سمعها غير مهموزة.
والذين سمعوها مهموزة وغير مهموزة -وأبو1 عثمان واحد منهم- قد أخذوا فيها بالقولين.
ولو كان كلهم سمعوها مهموزة وغير مهموزة، كما سمعها أبو عثمان المازني بالوجهين؛ لزال الخلاف ولم يقع أصلا.
واختلاف العلماء إنما كان من أجل اختلاف العرب فيها2, فهذا معنى قوله: "إن العرب قد اختلفت3 هي والعلماء فيها".
رواية "مداين" بلا همز عن بعض العرب: قال أبو عثمان: وقد روي ترك الهمز في "مداين" عن بعض العرب.
قال أبو الفتح: إنما كرر هذا القول بعد ذكره في أول الفصل الذي قبله اختلاف العرب, وأن بعضهم يهمز، وبعضهم لا يهمز, فكرره هنا توكيدا، وليريك أن من يهمز أكثر ممن لا يهمز، ولو اقتصر على الفصل الأول لتُوُهم أن من لا يهمز في الكثرة كمن يهمز, فأراد أن يريك أن الهمز فيها أشهر وأنه عن اختلاف العرب فيها قد4 اختلفت العلماء.
1، 1 ساقط من ظ، ش.

ما صح لسكون ما قبله، أو لسكون ما بعده، أو لسكون ما قبله وما بعده معا: قال أبو عثمان: فقد1 فسرت لك موضع الفاء في الواو والياء، وموضع العين فيما2 لامه صحيحة، وسأبين لك موضع العين إذا اعتلت اللام، أو كانت همزة في موضعه -إن شاء الله3- وأذكر الأسماء التي جاءت تامة من هذا مما لامه صحيحة.
فمما4 أُتم فيه الاسم لسكون ما قبله وما بعده: "فُعَّل، وفُعَّال" نحو: "حول، وحوال5". و"فَعَّال" نحو: "صوام، وقوام".
و"مِفْعال" نحو: "مشوار، ومقوال".
وكذلك "التَّفْعال" نحو: "التجوال6، والتطراب7، والتقوال، والتزيار".
و"أفْعال" نحو: "أقوال، وأميال، وأعيان، وأفواج".
و"إِفْعال" نحو: "إرواء8". و"فَعُول" نحو: "قوول، وكيول9، وبيوع".
و"فُعُول" نحو: "شيوخ، وحوول، وسووق".
و"فَعَال" نحو: "نوار، وجواب، وهيام".

و"فَعِيل" نحو: "طويل".
و"فُعَال" نحو: "طوال، وهيام".
و"فِعَال" نحو: "خوان، وعيان، وخيار".
و"فَاعُول" نحو: "طاووس، وناووس، وسايور".
و"أفْعِلاء" نحو: "أهوناء، وأغيلاء، وأبيناء".
قال أبو الفتح: اعلم أن هذه الأمثلة1 تنقسم على ثلاثة أضرب: منها ما صح لسكون ما قبله2 نحو: "حُوَّل، وأهْوِناء".
ومنها ما صح لسكون ما بعده نحو: "قُوُول، وشيوخ، ونَوَار، وطويل، وطِوَال، وخوان".
ومنها ما صح لسكون ما قبله وما بعده, وهو أبلغ في معناه نحو: "صُوّام، وقوام، وأمْيال، وأقْوال" وما أشبه ذلك.
فلو أسكنت هذه الحروف لالتقى ساكنان, فوجب الحذف أو الحركة وزال3 المثال, فترك ذلك لذلك.
فعل التعجب بصيغتيه مشبه بالأسماء فيما تقدم: قال أبو عثمان: وفعل التعجب مشبه بالأسماء نحو: ما أقولَه للحق، وما أبيعه، وما أصونه لنفسه، وكذلك "أَبْيِع به، وأطول به، وأجود به، وأسير به"،

لأن هذا في معنى: ما أفعله؛ وهو مشبه بقولهم: "هذا1 أقول منه، وأبيع منه، وأسير منه" لقرب معناه منه.
ويدلك على إلحاقهم فعل التعجب بالأسماء قولهم: "ما أُمَيْلحه، وما أحيسنه" حقروه كما تحقر الأسماء, والأفعال لا تحقر.
قال أبو الفتح: إنما أشبه فعل التعجب الأسماء؛ لأنه لا يتصرف كما أن الأسماء كذلك2؛ فلذلك صحح، فقيل: "ما أقومه" وأنت لا تقول: "أقْوَمَ زيد عمرا" في معنى "أقامه", ومن هنا لحقه التحقير كما يلحق الأسماء في قولهم: "ما أميلحه, وما أحيسنه" والأسماء إذا كانت في أوائلها3 الزوائد التي تكون في أوائل الأفعال, صححت ولم تعل.
وقد مضى ذكر هذا وستراه أيضا.
وإنما صح "أَفْعِلْ به" نحو: "أَسْيِرْ به، وأقوم به"؛ لأنك مخبر لا آمر, ومعناه "ما أفْعَلَه" نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ 4 إنما معناه: ما أسمعهم، وما أبصرهم، وهو لفظ الأمر في معنى الخبر.
ويدل على أنه ليس أمرا كونه للواحد والواحدة، والاثنين والاثنتين, والجماعة، بلفظ واحد.
وذلك قولهم: "يا زيد أكرِمْ بعمرو، ويا هند أكرم بعمرو5، 6 ويا رجلان أكرم بزيد6, ويا امرأتان أكرم به, ويا رجال أكرم بزيد، ويا نساء أكرم بزيد"

ولا تقول: "يا امرأة أكرمي بزيد" ولا: "يا رجلان أكرما بزيد" ولا: "يا رجال أكرموا بزيد" ولا: "يا نساء أكرمن بزيد".
لأنك لست تأمر أحدا بإيقاع فعل، وإنما تخبر عن إفراط كرم زيد1, كما تقول: "يا امرأة ما أكْرَمَ زيدا، ويا2 رجال3 ما أكرم زيدا3".
وذهب بعض متأخري أصحابنا3 إلى أن هذا لفظ الأمر ومعناه, وأن المأمور هنا هو المحدث عنه في قولهم: "ما أكرم زيدا" يعني "ما"4, فكأنه قال: "يا امرأة أكرم يا شيء بزيد" وهذا تعسف وتخليط وعدول عن الصواب؛ لأن معنى قولك: "أكرم بزيد" إنما هو إخبار عن زيد بالكرم, فكأنك قلت: "لكرُم زيد" كما تقول: "لقَضُو الرجل" إذا بالغت في الخبر عنه بجودة القضاء, ولست تأمر أحدا بإيقاع فعل عليه، وإنما حمله على هذا التعسف لفظ الأمر في هذه5 المواضع.
وقد جاءت ألفاظ الأمر ويراد بها الخبر، كما جاءت ألفاظ الخبر ويراد بها الأمر.
فمن ألفاظ الأمر المراد بها الخبر قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ 6 إنما معناه: فسيمد له الرحمن مدا، أو فليمدن الرحمن مدا.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ 7.

ومن ألفاظ الخبر المراد بها الأمر قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 1 فهذا في معنى قوله2: "آمنوا", ألا تراه أجابه بقوله عز وجل: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ﴾ 3 فهذا معناه: "آمنوا يغفر لكم ذنوبكم"4, كما تقول: "إن تؤمنوا يغفر لكم ذنوبكم"5, ولا يكون قوله: "يغفر لكم" جواب4: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ 5, وإن كان أبو العباس -رحمه الله6- قد ذهب إليه.
قال أبو علي: لأن المغفرة لا تجب بالدلالة إنما تجب بالإيمان.
ألا ترى أنه ليس كل من دُل غُفر له، إنما يُغفر لمن آمن, فمعنى: "أكرِمْ به: ما أكرَمَه" قال أبو علي: والباء7 وما عملت فيه في قولك: "أكرم به" في موضع رفع؛ لأنها مع ما عملت فيه الفاعل، كما تقول "كفى بالله" أي: كفى الله.
قال أبو علي: فكأنه قال: "أكرم زيد" أي: صار ذا كرم، كما تقول: "أجرب زيد" أي: صار ذا إبل جربى, و"أنحز" أي: صار ذا إبل بها نُحاز, و"ألهج" أي: صار ذا فصال قد لهجت بالرضاع.
قال الشماخ: رعى بأرض الوسمي حتى كأنما ... يرى بسفى البهمى أخلة ملهج فلما كان "أفعل به" في معنى "ما أفعله" صح صحته.

وقوله: وهو1 مشبه بقولهم: "هو أقول منه، وأبيع منه", وجه الشبه بينهما أن "أفْعَل" إذا وصلت بها "من", فإنها للمبالغة والتفاضل نحو قولهم: "أنت كريم، وأنا أكرم منك, وأنت ظريف, وأنا أظرف منك" فمعناه: أنهما قد اشتركا في الصفة وزاد أحدهما على الآخر فيها، وعلى هذا لا يجوز أن تقول: "العسل أحلى من الخل"؛ لأنهما لم يشتركا في الحلاوة، وإنما ينبغي أن يقال: "العسل أحلى من التمر"2 لاشتراكهما في الحلاوة وزيادة العسل على التمر3 فيها، وإذا كان "أفعل منك" إنما هو للتفاضل والمبالغة كان قولهم: "أفعل به" قريبا منه؛ لأن معنى "أفعل به" المبالغة أيضا4 إلا أن4 "أفعِل به" فعل, و"أفعَل منك" اسم5 بدلالة دخول5 علامات الأسماء عليه نحو قولهم2: "مررت بأفضل منك, وبأعلم منك" ونحو ذلك، فصح "أفعل منك" لأنه اسم، وصح "أفعِل به" لأنه في معناه، ولولا إلحاق فعل التعجب بالأسماء ومشابهته لها، لقلت في التعجب: "ما أقام زيدا، وما أطاله، وأقم به, وأطل به".
فإن قال قائل: فهلا قالوا: "ما أشدد زيدا, وما أقلل مالك", فأظهروا هنا كما صححوا في قولهم: "ما أطوله، وما أقوله"؟ قيل: لأن "ما أفعله" محمول على "هو أفعل منك", وأنت قد تدغم: "هو أشدّ منك" لأنه على مثال الفعل، يدل على ذلك3: أن المدغم إذا جاء

مخالفا لبناء الفعل أُظهر تضعيفه نحو قولهم: "سُرُر، وجدد، ومِرَر, وخطط" لأنه ليس في الأفعال "فُعُل، ولا فِعَل، ولا فُعَل".
ثم إنهم قالوا: "رجل صَبّ، ويوم قَرّ" فأصلهما: "صَبِب، وقَرِر"؛ لأنك تقول: "صَبِبت يا رجل, وقررت يا يومنا" فهذا كقولك: "حَذِر فهو حذر، وبطر فهو بطر" فأدغم هذا؛ لأنه على بناء الفعل نحو: "علم، وشرب" فقد علمنا من هذا أن مجيء المضاعف على مثال الفعل يوجب إدغامه، فمن هنا وجب إدغام "هو أشد منك", فكان إدغام "ما أشده" أوجب؛ لأن ما فيه من مشابهة الاسم لا تخرجه من أن يكون فعلا، بل أقصى أحواله أن يكون اسما، ولو كان اسما لوجب إدغامه؛ لأنه على وزن الفعل, فكيف وهو "فعل"! ألا ترى إلى إدغامهم "الأظَلّ، والأمَرّ" وهما اسمان لا فعلان، ولا صفتان أيضا.
وإنما وجب تصحيح الاسم الذي في أوله الزيادة التي تكون في أول الفعل؛ للفرق بينهما نحو "هو أطول منك" ثم أشبهه "ما أطوله، وأطول به", فأجريا في الصحة مجرى "هو أطول منك".
فأما قولهم: "أشدِدْ به" فإنما ظهر تضعيفه لسكون لامه, فجرى ذلك مجرى "شددت، ومددت".
1 فإن قال قائل1: فهلا أظهروا "هو أشد منك" ثم ألحقوه "ما أشده"؟ قيل: لأنه على وزن الفعل فيجب1 إدغامه, وليس ما جاء من المضاعف بوزن الفعل بواجب إظهاره, كما يجب تصحيح ما في أوله زيادة الأفعال من الأسماء 1، 1 ظ، ش: فإن قيل.

ألا ترى إلى إدغامهم "رجل صَبّ، ويوم1 قَرّ" وهما بوزن الفعل, فقد علمت أن مجيء المضاعف على وزن الفعل يوجب إدغامه, فمن هنا أدغم "هو أشد منك" ولم2 يكن لـ "ما أشده" ما يشبه به فيُظهَر, فبقي مدغما كما يجب فيه.
وقوله: "والأفعال لا تحقّر" إنما لم تحقر الأفعال؛ لأن التحقير في معنى الوصف، ألا ترى أن قولك: "هذا رُجَيل" معناه: هذا رجل صغير، والأفعال لا توصف3؛ فلذلك لم يجز تحقيرها، وإنما لم توصف3 لأن الصفة ذكر حال الموصوف، والأفعال لا أحوال لها، وكذلك الحروف؛ فلذلك لم يوصفا، ولم يصغرا, ولذلك أيضا لم تصغر الأسماء المبنية نحو "كم، وأين، وكيف" لمضارعتها الحروف.
ما لا يعل, وما يعل من الأسماء التي تبنيها على أمثلة الأفعال: قال أبو عثمان: وكل اسم بنيته3 من هذا في أوله زوائد الفعل المضارع، وهو بها على مثال المضارع فصححه ولا تعلله -وقد بيَّنت لك هذا فيما مضى- وإن كان فيه أحد حروف المضارع، ولم يكن على مثال المضارع، فأعلله.
ولو بنيت مثل "تِحْلِئ" من "بعت" لقلت: "تِبِيع", فأسكنت4 الياء وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها، وكذلك هو من "قلت" تقول

فيه: "تِقِيل"، وكذلك "تُفْعُل" تقول1 فيه2: "تُقُول" تسكن3 الواو, وتلقي حركتها على ما قبلها.
قال أبو الفتح: إنما وجب إعلال هذه الأبنية وإن كانت في أولها التاء وهي من زوائد المضارع؛ لأنه قد أُمن الشبه بينهما، ألا ترى أنه ليس في المضارع "تِفْعِل" ولا "تُفْعُل" فقد وقع الفصل بالضم والكسر, ولكنك لو بنيت مثل "تِفْعِل" لصححت؛ لأنهم يقولون: "أنت تِرْكَب، وتِذْهَب".
وكنت تقول فيها من "بعت: تِبْيَع" ومن "قلت: تقول", فتصحح لئلا يلتبسا بالفعل نحو قولهم: "تِخال، وتِخاف" في مضارع "خِلت، وخِفت".
قال أبو ذؤيب: فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع وأنشدني عقيلي فصيح لنفسه: فقومي هم تميم يا مماري ... وجوثة ما إِخَاف لهم كثارا بكسر الهمزة من "أخاف".
فأما قولهم: "الأسود بن يعفر" فإنما ضموا الياء لضمة الفاء إتباعا, كما قالوا: "يُسْرُوع " فضموا الياء لضمة الباء.
و"التحلئ" إنما صار "تِفْعِلا"؛ لأنه من "حلأت" الأديم: إذا قشرته، وما سقط منه فاسمه: "التحلئ".

يصحح "مِفْعَل"؛ لأنه منقوص من "مِفْعَال": قال أبو عثمان: ويتم "مفعل" منهما، قال الخليل: إنما تم؛ لأنه منقوص من "مفعال", قالوا: "مِفْتَح ومِفْتَاح، ومخيط ومخياط، ومنسج ومنساج".
قال أبو الفتح: يقول: لما وجب تصحيح "مخياط" لسكون ما بعد الياء, وكان "مخيط" منقوصا منه صحح؛ لأن بناء "مفعال" هو المقصود هنا، وجعل التصحيح في "مخيط" دلالة على أنه منقوص من مخياط, وأنه بمعناه كما جعل تصحيح "عَوِر، وحول" دلالة على أن معناهما معنى "اعورّ، واحولّ" وقد مضى ذكر هذا.
ولم يعتل الخليل في تصحيح "مِخْيَط" بسكون ما قبل الياء, كما صح نحو "حول" لسكون ما قبله؛ لأن "مِفْعلا" بوزن "تِفْعَل" و"حول" ليس على وزن الفعل, فكان يجب إعلال "مِفْعَل" كما أعلوا "مَفْعَلا" لولا ما ذكره الخليل.
إعلال "مَفْعِل، ومَفْعُل" من "قال، وباع": قال أبو عثمان: ويعتل "مفعل, ومفعل" منهما, فتقول في "مفعِل" من الواو: "مَقِيل", و"مفعُل" "مَقُول", ومثل ذلك "المَشُورة، والمثوبة، والمعونة".
قال أبو الفتح: إنما اعتل هذان البناءان ولم يفرق بينهما وبين الفعل

بالتصحيح1؛ لأن الميم في أوائلهما تختص2 بالأسماء, فوقع الفصل بذلك، وقد تقدم ذكر هذا.
رأي الخليل في أن "مَفْعُلة، ومَفْعِلة" من الياء سواء: قال أبو عثمان: وزعم الخليل أن "مفعلة" من الياء من هذا و"مفعلة" سواء، وقد بينا هذا فيما مضى.
قال أبو الفتح: قوله: "من هذا" يعني مما اعتلت عينه وهي ياء، يريد به باب "معيشة"، وأنها تصلح أن تكون "مفعِلة، ومفعُلة" وقد شرحت هذا.
تصحيح "أَفْعِلة" نحو "أَسْوِرة وأَعْيِنة": قال أبو عثمان: ويتم "أفعلة" نحو: "أسورة، وأخونة، وأحورة، وأعينة".
قال أبو الفتح: إنما صح هذا؛ لأن الزيادة في أوله همزة وهي من زوائد الأفعال، فأرادوا الفرق بين القبيلين فصححوا3، وقد مضى ذكر مثله.
مجيء "تَدْوِرَة" على أصلها: قال أبو عثمان: ومما جاء على أصله مما قد ذكرنا علته, قول الشاعر: بتنا بتَدْوِرَة يضيء وجوهنا ... دسم السليط على فتيل ذبال

وقالوا: "التَّتْوبة" يريدون "التَّوْبة"1.
قال أبو الفتح: قوله: "قد ذكرنا علته، فيما مضى2" يعني: أنه صحت الواو في "تَتْوِبة، وتدورة3" لأن في أول الكلمة التاء وهي من زوائد المضارع، فلو قال: "تَدِيرة، وتتيبة" فأعلوا لالتبس بـ "تبيع وتعيش", فصححوا الواو للفصل بين الاسم والفعل.
فإن قلت: إن الهاء في آخر الكلمة تفصل بينها وبين الفعل؛ لأن الهاء من زوائد الأسماء خاصة, فهلا أعلت "التتوبة، وتدورة4" كما أعل "مقام، ومعاش" لاجتماعهما في أن الزوائد فيهما مما يختص بالأسماء دون الأفعال؟ قيل: إن الهاء في تقدير الانفصال, فكأنك قلت: "تَدْوِر، وتتوب".
فإن قلت: إن "تَدْوِرة" اسم عَلَم والهاء فيها ليست مثلها في "قائمة، وقاعدة" فتقدر انفصالها، كما5 لا يمكنك تقدير هاء "طلحة" كهاء "قائمة"؛ لأنه5 لا يمكنك نزع هاء "طلحة" وهي معرفة؟ قيل: إن التعريف ثانٍ، فلم يعتد به؛ لأن التنكير هو الأصل، والهاء على كل حال -لانفتاح ما قبلها- تشبه "موت" من "حضرموت", فهي على تصرف الأمر في تقدير الانفصال.

قلب ألف "رسالة", وياء "صحيفة", وواو "عجوز" في الجمع همزة: قال أبو عثمان: وقال الخليل في واو "عجوز" وألف "رسالة" وياء "صحيفة": إنما هُمزن في الجمع ولم يكن بمنزلة "معاون" و"معايش" إذا قلت: "صحائف" و"رسائل" و"عجائز"؛ لأن حروف اللين فيهن ليس1 أصلهن الحركة, وإنما هي حروف مَيْتَة لا تدخلها الحركات, ووقعن بعد ألف فهمزن ولم يظهرن, إذ كن لا أصل لهن في الحركات, ولو ظهرن في الجمع متحركات كانت الحركة ستدخلهن في غير الجمع في بعض المواضع.
قال أبو الفتح: اعلم أن الهمز في باب "فعائل" إنما أصله لباب "رسالة، وكنانة" وذلك أنك لما جمعت "رسالة" على "فعائل", جاءت ألف الجمع ثالثة ووقعت بعدها ألف "رسالة"؛ فالتقت ألفان, فلم يكن بد من حذف إحداهما أو تحريكها2، فلو حذفت3 الألف الأولى لبطلت دلالة الجمع، ولو حذفت4 الثانية لتغير بناء الجمع؛ لأن هذا الجمع لا بد له من أن يكون بعد ألفه3 الثانية حرف مكسور بينها وبين حرف الإعراب فيكون4 "كمفاعل".
ولم يجز أيضا تحريك5 الألف الأولى مخافة أن تزول دلالتها على الجمع؛ لأنها إنما تدل عليه ما دامت ساكنة على لفظها، ولو حُرّكت أيضا لانقلبت

همزة وزالت دلالة الجمع، فلم يبق إلا تحريك1 الألف الثانية بالكسر؛ ليكون كعين "مَفَاعِل", فلما حُرِّكت انقلبت همزة فصارت "رسائل وكنائن" كما ترى.
ثم شُبِّهت الياء في "صحيفة" والواو في "عجوز" بألف "رسالة"؛ لأن قبل كل واحدة2 منهما بعضها وهي ساكنة, فجرتا من هذا مجرى الألف, وأصل الباب في هذا الهمز إنما هو للألف؛ لأنها أقعد في المد منهما3 وقد مضى شرح هذا.
ولم تكن "الألف، والياء، والواو" في هذه المواضع مثلها في "مَقَام, ومَعِيشة, ومَعُونة" فتُرَد في الجمع إلى أصلها في احتمال الحركة؛ لأنهن في "رسالة, وصحيفة, وعجوز" زوائد لم يتحركن قط, فاجتنبت فيهن الحركة فهمزن.
وقوله: "ولو ظهرن في الجمع متحركات كانت الحركة ستدخلهن في غير الجمع في بعض المواضع" يريد أنك لو لم تهمز في الجمع فقلت "عجاوز, وصحايف" بلا همز؛ لوجب أن تقول إذا خفّفت4 مثل "خطيئة، ومقروءة" أن تلقي الحركة على الواو والياء, وتحذف5 الهمزة كما تفعل في الصحيح, فكنت تقول: "خَطِيَة، ومَقْرُوَة" كما تقول في "مَنْ أبوك: مَن بُوك", وهذا لا يجوز في شيء من هذه الحروف؛ لأنها زِيدت للمد، فلو حركت لبطل

الغرض فيها؛ لأن الحركة تخرجها عن المد، وقد قرأ بعض القراء: "خَطِيَة"1 2 فحرك الياء2 للتخفيف وهذا خطأ.
فإن قلت: فقد تقول في تخفيف "خطيئة, ومقروءة: خَطِيَّة، ومَقْرُوَّة" فتدغم2 الياء والواو, والإدغام يبطل المد, فهلا جاز طرح الحركة عليها كما جاز إدغامها؟ قيل: إن إدغام الواو, والياء لا يخرجهما من المد كل الإخراج كما تخرجهما الحركة.
ويدلك3 على أن الحركة في الياء, والواو أشد إخراجا لهما من إدغامهما أنهما إذا وقعتا مدغمتين في حرف الروي لم يحز موضع كل واحد منهما غيرهما نحو: "وليّ، وعدوّ" لا يجوز مع "ولي ظبي"5 ولا مع "عدو علو" ولو كان إدغامهما يخرجهما من المد أصلا لجاز "ظبي"6 مع "ولي" و"عدو" مع "عدو" كما أن الحركة لما كانت تخرجهما من المد أصلا7 جاز مع7 كل واحدة منهما إذا وقعت قبل حرف الروي غيرها4 من سائر الحروف الصحاح.
ألا ترى أنه يجوز مع "الغِيَر: الخبر، والسمر" ويجوز مع "الطِّوَل: العمل, والسَّمَل5، والشمل".
فلهذا جاز أن تدغم إذا أردت تخفيف "خطيئة, ومقروءة" فتقول: "خطية، ومقروة"

ولم يجز أن تلقي حركة الهمزة عليهما فتقول: "خَطِيَة, ومَقْرُوَة".
فإن قلت: فهلا قالوا في تخفيف "خطيئة، ومقروءة: خطييـ/ـئة ومقروو/ءة", فجعلوا الهمزة بعد1 الواو، والياء بين بين، كما يقولون في تخفيف "هباءة، وألاءة: هباا/ءة وألاا/ءة" فيجعلون الهمزة بعد الألف بين بين؛ لأن الواو والياء تجريان في هذا الموضع مجرى الألف كما قدمت؟ قيل: إن الياء، والواو وإن كانتا مضارعتين للألف بسكونهما, وكان بعض كل واحدة منهما قبلها2, فليس لهما3 تمكن الألف في المد وإنما هما مشبهتان بها4, وليس يلزم إذا أشبه الشيءُ الشيءَ من وجه أو وجهين أن يشبهه من جميع وجوهه؛ لأنه لو أشبهه من جميع وجوهه لم تكن بأن تجعل أحدهما داخلا على الآخر أولى من أن تجعل الآخر داخلا عليه، ولكن لما5 أشبهت الياء والواو الألف اجتنبوا تحريكهما في تخفيف "خطيئة، ومقروءة" ونحوهما لما بينهما وبينها6 من الشبه وأدغموها7 لما بينهما من الخلاف.
فإن قيل: فهلا عكسوا هذا الذي فعلوه, فأجازوا تحريكهما في "خطيئة، ومقروءة" ولم يجيزوا إدغامهما بضد ما فعلوا؟ قيل: الذي فعلوه هو القياس؛ لأنهم لو حركوهما لخرجتا من المد أصلا6

وهم إذا أدغموهما1 في "خطية، ومقروة2" فالياء ساكنة وقبلها كسرة والواو ساكنة وقبلها ضمة, وهذا هو شرطهما إذا كانتا مدا, فليس ههنا ما3 ينقص4 المد أكثر من الإدغام، فلما لم يبلغ الواو والياء في "خطيئة، ومقروءة" منزلة الألف بكمالها لم يجعلوا الهمزة بعدهما بين بين، ولما كانت الحركة فيهما تخرجهما من المد أصلا وهم قد اعتزموا فيهما5 على المد لم يحركوهما, ولكن طلبوا لهما حالا وسطا بين جعل الهمزة بعدهما بين بين، وبين تحريكهما وهو الإدغام فأدغموهما.
فهذا الذي فعلوه أحوط وأقيس مما عدلوا عنه من جعل الهمزة بعدهما بين بين أو تحريكهما، فلما كان تركهم في "عجائز، وصحائف، ورسائل" يُلزمهم أو يسوّغ لهم تحريكهن في غير ذلك, همزوهن ولم يحملوهن الحركة.
فأما الألف, فمعلوم أنها لا تتحرك أبدا لئلا تصير همزة، فقد كُفينا بهذا القول فيها.
تصحيح اسم الفاعل من "حَوِر، وصِيدَ"؛ لتصحيح الفعل عند الخليل: قال أبو عثمان: وقال الخليل: من قال: "عَوِر وحول" قال: "هو عَاوِر غدا6 وحاول" فأجراهن مجرى الفعل.
وكذلك "فاعل" من "صَيِدت" لا يهمز7.

قال أبو الفتح: إنما صح اسم الفاعل في هذا عند الخليل؛ لصحة الفعل بظهور الواو والياء فيه, ولما اعتلت العين في "قام، وباع" اعتلتا في "قائم وبائع" بالهمز، وقد مر ذكر هذا.
وقوله: "فأجراهن مجرى الفعل" يريد: في الصحة.
"بقاء الواو والياء متحركتين في "تقاول، وتبايع" جمعين لتقول و"تبيع" اسمين منقولين عن الفعل بعد إعلاله": قال أبو عثمان: ولو سميت رجلا "بتَقُول, وتَبِيع" منقولا من الفعل "كيزيد" ثم كسرته؛ لأظهرت الواو والياء متحركتين وكنت تقول: "تقاوِل، وتبايِع" خلافا لباب "رسالة، وصحيفة، وعجوز".
قال أبو الفتح: قوله1: منقولا من الفعل "كيزيد" يريد به2: أنك3 تنقله بعد أن لزمه الاعتلال؛ لأنه فعل كما أن "يزيد" كذلك, ولو بنيته اسما غير منقول لصححته فكنت تقول: "تَقْوُل, وتَبْيِع" وقد مضى ذكر هذا.
وإنما ظهرت الواو، والياء متحركتين في الجمع؛ لأن "تَقُول" أصله "تَقْوُل"، و"تبيع" أصله "تبيِع" فالحركة جارية على العين في الأصل، فلما احتجتَ إليها في الجمع حمّلتها العين فجرى "تقول، وتبيع" مجرى "معونة، ومعيشة", فكما لم تهمز في قولك: "مَعَاوِن، ومَعَايِش" كذلك لا تهمز في "تَقَاوِل، وتبايِع" لا فصل بينهما.

قال أبو عثمان:

جارٍ التحميل