باب ما لحقته الزوائد 1 من هذه الأفعال من بنات الثلاثة:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- دار إحياء التراث القديم
- الطبعة
- الأولى في ذي الحجة سنة 1373هـ - أغسطس سنة 1954م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
"إذا وقع حرف معتل متحرك بعد صحيح ساكن, حرك الصحيح وسكن المعتل وأعل":
فإذا كان الحرف الذي قبل الحرف المعتل من بنات الثلاثة2, ساكنا في الأصل ولم يكن ألفا ولا واوا ولا ياء، فإنك تسكن المعتل وتحول حركته على الساكن الذي قبله, وذلك مطرد في كلامهم، وسأبينه إن شاء الله، وذلك نحو "أجاد, وأقال3، وأبان, وأخاف3، واسْتَراثَ, واستعاذ" وأصله: "أجْوَدَ، وأقول3, وأبين، وأخوف، واسْتَرْيَث، واستعوذ", ولكنهم ألقوا حركة الواو والياء على الساكن الذي قبلهما؛ فانفتح ثم أبدلت الواو والياء ألفين لذلك.
قال أبو الفتح: الدلالة على صحة دعواه في أن أصل "أجاد وأخاف: أجْوَد وأخْوَف، واستراث واستعاد: استَرْيَث واستَعْوَد" ما ظهر من هذه الأمثلة المعتلة على أصله, وهو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ 4.
وقولهم:
صددت فأطْوَلْتِ الصدود1
وقولهم: "استَنْوَق الجمل", ولكنهم أرادوا إعلال هذه الأمثلة؛ لأنها كانت معتلة في الثلاثي، فنقلوا حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما, فقلبوهما ألفا لتحركهما1 في الأصل وانفتاح ما قبلهما.
ولولا اعتلالهما في الثلاثي2 لما وجب إعلالهما الآن؛ لأن الواو والياء إذا سكن ما قبلهما جريا مجرى الصحيح.
المضارع مما تقدم يجري مجراه إلا أن الساكن يكسر:
قال أبو عثمان:
فإذا قلت: "هو يفعَل" من هذا أجريته ذلك المجرى, إلا أنك تحول على الساكن كسرة؛ لأن المعتل كان مكسورا في الأصل وذلك قولك: "هو يُخِيف" وأصله: "يُخْوِف", وكذلك "يسترِيث" وأصله: "يستَرْيِث", فأُلقيت3 حركتها على ما قبلها3 ثم قلبت الواو ياء؛ لأنها ساكنة قبلها كسرة.
وما كان من الياء من هذا, فعلى هذا اللفظ مجراه نحو "هو يُبِين" وأصلها3: "يُبْيِن", ففعلت بها ما فعلت بأختها.
قال أبو الفتح: يقول من حيث وجب نقل الحركة من عين الفعل إلى فائه في "أقام، واستعاذ", وجب أيضا نقل الحركة من العين إلى الفاء في المضارع, إلا أن الذي تنقله في المضارع كسرة؛ لأن العين كانت مكسورة.
وقوله أخيرا: ففعلت بها ما فعلت بأختها، وهو يعني "يُبِين", يقول: نقلت الكسرة من الياء إلى ما قبلها, كما نقلتها من الواو في "يُخْيِف"4 إلى
ما قبلها وبقيت الياء بحالها؛ لأن الياء لا تبدل للكسرة قبلها, فهذا الذي صح ما قبل عينه.
فأما ما اعتلت فاؤه, فإنك لا تنقل إليها حركة العين, وذلك قولك في "أفعَلْتُ" من "آم، وآل: آيَمْتُ، وآوَلْتُ"؛ لأنه لما اعتلت الفاء وهي همزة فقلبت ألفا صحت العين.
وعلى ذلك قول الشاعر:
يُنْبِي تجاليدي وأقتادها ... ناوٍ كرأس الفَدَن المُؤْيَد
فهذا "مُفْعَل" من الأيْد وهو القوة, ولم يقل: المُؤَاد.
وقال1 طرفة:
يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمُؤيد
وهي الداهية, وهي من الأيد أيضا ولم يقل: المُئِيد.
وقالوا: "آيدته" في "أفعلته" من الأيد، و"أيّدته" فعّلته, و"آيَدْتُه" قليلة مكروهة؛ لأنك إن صححت فهو ثقيل، وإن أعللت جمعت بين إعلالين.
فعُدِل عن "أفْعَلته" إلى "فعَّلته" في غالب الأمر.
جميع الأسماء المبدوءة بميم، الجارية على الأفعال المعتلة العينات، يجب إعلالها:
قال أبو عثمان:
والأسماء من هذه الأفعال إذا كانت في أوائلها الميم, فُعل بها ما فُعل بالمضارع من إلقاء الحركة على الساكن وقلب الساكن2 المعتل إلى ما قبله, وذلك قولهم: "مُقِيم، ومخيف، ومبين" وأصله: "مُقْوِم، ومخوف، ومبين"
فأُلقيت الحركة على الساكن وقُلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها والياء تركتها ياء؛ لأنها ساكنة وقبلها كسرة.
قال أبو الفتح: اعلم أن جميع الأسماء الجارية على الأفعال المعتلة العينات يجب إعلالها, بتسكين الواو والياء منها, ونقل حركتهما إلى ما قبلهما, لا فصل بين الأسماء في هذا والأفعال.
وأسماء الفاعلين في هذا والمفعولين1 والظروف والمصادر سواء؛ لأنها كلها جارية على الأفعال، فيجب إعلالها؛ لاعتلال أفعالها، فاسم الفاعل "مُخِيف, ومبين" قد جريا مجرى "يُخِيف، ويقيل" والظروف قولك: "هذا مُقَام شأْز", إذا أخذته من "أقام" فجرى "مُقام" مجرى "يُقام".
ومن قال: "هذا مَقَام شأز" ففتح الميم, أخذه من "قام يقوم", وأصله "مَقْوَم", فجرى مجرى "يخاف" لأن أصله "يَخْوَف" كما أن أصل "مُقام: مُقْوَم" فجرى مجرى قولك: "هذا رجل مُقام عن موضعه".
وكذلك المصادر؛ لأنه إذا كان هذا الاعتلال سائغا في الظرف, فالمصدر أحق به, وذلك قولك: "عجبت من مَقامك على زيد، وقمت مَقاما" كما تقول: "قمت قياما".
اسم المفعول من هذا الباب يعل كالمضارع المبني للمفعول:
قال أبو عثمان:
وإذا كان الاسم مفعولا وفي أوله الميم, كان على مثل "يُفْعَل" إذا قلت: "هو يُخَاف، ويقال في بيعه، ويقام للناس" وذلك قولك: "هو مُخَاف،
ومُقال في بيعه، ومُقام للناس".
والعلة في هذا وفي "يُفْعَل" واحدة؛ لأن "يُخاف "ويقام ويقال""1 أصله: "يُخْوَف2, ويقوم للناس، ويقيل في بيعه"2, فألقيت حركة المعتل على الساكن الذي قبله وقلبت المعتل ألفا لانفتاح ما قبله.
وكذلك "مُقال، ومُخاف" أصله: "مُخْوَف، ومقيل في بيعه" ففعلوا به ما فعلوا بالفعل الذي هو في مثاله ولم يفرقوا ههنا2 بين الأسماء والأفعال؛ لأن الزيادة التي في أوائل3 الأسماء الميم, والميم ليست من زوائد الأفعال, فلم يخافوا التباسا4 فأجريا مجرى واحدا.
قال أبو الفتح: قوله5: وإذا كان الاسم مفعولا وفي أوله الميم, كلام فيه تسامح؛ لأن اسم المفعول لا يكون أبدا من جميع الأفعال إلا وفي أوله الميم، وإنما مخرج هذا الكلام منه على ضرب من التوكيد, وفيه من التسامح ما ذكرته.
وكان أجود من هذه6 العبارة أن يقول: واعلم أن اسم المفعول من هذا الباب يجري مجرى8 الفعل المضارع الذي لم يسم فاعله من هذا الباب؛ لأن "مُخافا" جرى مجرى8 "يُخاف" في الإعلال، وقد تقدم القول في مشاركة الأسماء -من هذه الأفعال- الأفعال التي جرت عليها.
وقوله: ولم يفرقوا بين الأسماء والأفعال؛ لأن الزيادة في أولها ليست من زوائد الأفعال.
يقول: فقد أمنوا الالتباس لمجيء الميم في أول الاسم, فالميم من خواصّ الزيادة في الأسماء, وحروف المضارعة نظيرة الميم في الأسماء، وإنما بابها الأفعال.
مجيء حروف المضارعة في أوائل الأسماء:
فإن قلت: فهلا قُصِرت حروف المضارعة على الأفعال, كما قصرت الميم على الأسماء, وقد سمعناهم يقولون: "أفْكَل, وأيْدَع, وتَنْضُب، وتَتْفُل", وغير ذلك مما في أوله الهمزة والنون والتاء والياء؟
قيل: إنما زيدت هذه الحروف التي بابها الأفعال في أوائل الأسماء؛ لقوة1 الأسماء وتمكنها وغلبتها للأفعال, فشاركت الأسماء في هذا الموضع الأفعال لقوتها2 ولم تشارك الأفعالُ الأسماءَ في زيادة الميم أولا في الأفعال؛ لضعف الأفعال عن الأسماء، وأكثر زيادة حروف المضارعة إنما هي في الأفعال.
ويدلك على أن أصل3 هذه الزيادات -أعني: حروف المضارعة- أن4 تكون في أول الأفعال, أن الأسماء التي جاءت على "أفْعَل" أكثرها صفات نحو "أحمر, وأصفر، وأخضر، وأسود5, وأبيض" والأسماء التي في أولها الهمزة على هذا البناء من غير الصفات قليلة.
ألا ترى أن باب "أحمر، وأصفر، وأسود، وأبيض6" أكثر من
باب "أيْدَع، وأزْمَل، وأفْكَل", فلما أرادوا أن يكثر هذا المثال الذي في أوله الهمزة, جعلوه صفات لقرب ما بين الصفة والفعل.
ألا ترى أن كل واحد منهما ثانٍ للاسم, وأن الصفة تحتاج إلى الموصوف، كما أن الفعل لا بد له من الفاعل.
لو بني اسم على وزن الفعل صح, ولم يعل:
قال أبو عثمان:
فإذا كانت الزوائد التي في أوائل الأسماء هي الزوائد1 التي تكون في الفعل, وكان الاسم على زنة الفعل بالزوائد, فإن الأسماء تصحح2 ولا تعل.
وذلك أنك لو بنيت من "قال: يقول" اسما على مثال "يفعَل، أو يفعُل, أو يفعِل" أو من باب "باع يبِيع", كنت قائلا: "يَقْوَل, ويَقْوِل, ويَقْوُل, ويبيِع, ويبيُع، ويبيَع", وإنما فعلت هذا لتفرق بين الأسماء والأفعال وكانت الأسماء أخف من الأفعال ولم يكن فيها "أفعَلُ، ونفعَلٌ، وتفعَلٌ، ويفعَلٌ" على معنى ما يكون في الأفعال, فصححوها لذلك حيث كانت الزيادة التي في أوائلها هي الزيادة التي تكون للأفعال, ولم يفعلوا ذلك بالأسماء التي في أوائلها الميم حين قالوا: "مَقَام، ومَبَاع، ومَقَاد3" وما أشبه ذلك؛ لأن الميم لا تكون من زوائد الأفعال.
قال أبو الفتح: سألت أبا علي وقت القراءة عن هذا الموضع, فقلت له: هلا أعللت هذه الأسماء التي في أوائلها زوائد الأفعال فأجريتها4
مجرى1 الأفعال كما أعللت الثلاثي من الأسماء, فأجريته مجرى1 الأفعال الثلاثية, وذلك قولك: "باب، ودار، وناب1" كما قلت في الأفعال: "قام، وباع"؟
فقال: إنما أُعل "باب، ودار" ولم يصح فيفرق بينه وبين الفعل؛ لأنه ثلاثي فهو أصل، ولأن التنوين يدخله؛ فيفرق بينه وبين الفعل.
وأما2 غيره من ذوات الأربعة, فقد3 يشبه الفعل إذا سمي به4 بالزوائد التي في أوله, فيفارقه التنوين فيشبه الفعل, فصحح للفرق.
يقول: "باب ودار" ثلاثي مثل "قام، وباع", فليس الفعل أحق في هذا الموضع بالإعلال5 من الاسم.
ألا ترى أن أصل "باب: بَوَب" كما أن أصل "قام: قَوَمَ" فالعلة فيهما واحدة، وباب ما في أوله زيادة الفعل وهو بها على أربعة أحرف، إنما هو للفعل دون الاسم, والاسم داخل عليه, فأعل الفعل كما يجب فيه, ثم دخل عليه الاسم, فأريد الفرق بينهما فصحح الاسم، ولأنك لو بنيت من "قام" اسما على "يَفْعُلٍ" فأعللته فقلت: "يَقومٌ" لالتبس بالفعل.
فإن قلت: إن التنوين يفصل بينهما، فالتنوين ليس بلازم.
ألا ترى أنك لو بنيت من "قام" اسما على "يفعُلٍ" فأعللته فقلت: "يقوم", ثم سميت به رجلا أو امرأة, فجعلته عَلَما لزال التنوين والجر, فأشبه الفعل بالإعلال6 وسقوط التنوين والجر, و"باب، ودار" إذا جعلته عَلَما 1، 1 ساقط من ظ، ش.
فالتنوين لازم له, فجرت إبانة التنوين أن الكلمة اسم لا فعل، مجرى إبانة الميم المزيدة في أول الاسم الجاري على الفعل, أن الكلمة اسم لا فعل، فمن هنا وجب تصحيح "يَفْعُل" اسما من "قام" ونحوه، ووجب إعلال "باب، ودار".
مجيء "مَزْيَد، ومحبب، وبنات ألببه" من الأسماء شواذ:
قال أبو عثمان:
فإن قلت: فقد1 جاء "مزيد", فإنما هذا شاذ كما شذ "محبب, وبنات ألببه" فإنما يحفظ هذا.
قال أبو الفتح: هذه زيادة زادها على نفسه, يقول: فإذا كان الأمر كما ذكرت, فهلا قالوا في "مَزْيَد: مَزَاد"؛ لأن في أوله الميم كما قالوا: "مَقام، ومَباع" وأصلهما: "مَقْوَم، ومَبْيَع"؟
قال: فالجواب: أن هذا اسم شذ عن القياس كما شذ "محبب", وكان قياسهما عنده "مزادا، ومحبا" وقد ذكرت هذا فيما تقدم, وأريت من أين كثر التغيير في الأعلام.
فأما "بنات ألببه" فذكر أبو عثمان2 عن أبي العباس أن الهاء عائدة فيه على الحي، أي: بنات ألبب الحي، وإذا كان كذلك فليس "ألبب" عَلَما، ولو كان علما لكان أقرب قليلا.
وأخبرني أبو علي أن الكوفيين يروُونه "بنات ألببه" يريدون: جميع "لب", ومعناه: بنات ألب الحي، كما يقال1: بنات أعلمه.
وذهب أبو العباس إلى أن نحو "مَقام، ومَباع" إنما اعتل؛ لأنه مصدر للفعل، أو مكان، دون أن يكون فُعِل ذلك به؛ لأنه على وزن الفعل.
وأنكر ذلك أبو علي, وقال: ألا ترى إلى2 إعلالهم نحو "باب، ودار" ولا نسبة بينه وبين الفعل أكثر من الوزن.
فأما اعتلاله "بمَزْيَد, ومَرْيَم" فاسمان عَلَمان, والأعلام تغير كثيرا عن القياس.
وأما اعتلاله بمَقْوَدَة فعليه لا له؛ لأنها مصدر، وإنما هي شاذة.
وحكى أبو زيد: "وقع الصيد في مَصْيَدتنا" بفتح الميم, فهذا شاذ مثل "مَقْوَدة".
وحكى: "هذا شيء مَطْيَبَة للنفس" و"هذا شراب مَبْوَلَة" وهذا كله شاذ.
مجيء "استحوذ، وأغيلت المرأة" من الأفعال شواذ:
قال أبو عثمان:
ونظير هذا من الفعل ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ 3, و"أَغْيَلَت المرأة، وأجْوَد، وأطْيَب" إلا أن هذا يكون فيه الاعتلال، ويجري على قياس الباب المطرد, إلا في "استحوذ, وأغيلت", فإنا لم نسمعهما معتلين4 في اللغة، ورُبّ حرف هكذا، فاحفظ ما جاء من هذا ولا تقسه، فإن مجرى بابه على خلاف ذلك.
قال أبو الفتح: يقول: نظير "مزيد, ومحبب" في أنهما خرجا1 عن القياس, قولهم في الفعل: "استحوَذ، وأغْيَلت، وأجود، وأطيب"2 وقياسه: "استحاذ، وأغالت, وأجاد، وأطاب".
وقد ذكرت العلة في أن خرج بعض المعتل على أصله, وأنه إنما جعل تنبيها على باقي المعتل.
واقتصارهم على تصحيح "استحوذ، وأغيلت" دون الإعلال مما يؤكد اهتمامهم بإخراج ضرب من المعتل على أصله, وأنه إنما جعل3 تنبيها على الباقي ومحافظة على إبانة الأصول المغيرة.
وفي هذا ضرب من الحكمة في هذه اللغة العربية.
وقوله: فاحفظ هذا ولا تقسه، أي: لا تقل في "استقام: استَقْوَم" ولا في "استعان: استعون", فإن هذا خارج عن القياس والاستعمال جميعا.
وأخبرنا ابن مقسم عن ثعلب قال: يقال: "استَصْوَبت4 الشيء" ولم يقل: "استَصَبْتُ5"، و"استنوق الجمل، واستتيست الشاة" ولو يقولوا: "استناق" ولا "استتاست6" وقد كرر ذكر7 المطرد والشاذ في غير موضع من هذا الكتاب، وأنا أشرح أحوالهما.
اعلم أن المطرد والشاذ عند أهل العربية على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال جميعا.
فالمطرد في القياس والاستعمال جميعا, هو الذي لا نهاية وراءه, نحو رفع الفاعل ونصب المفعول.
والمطرد في القياس الشاذّ في الاستعمال, نحو الماضي من "يَذَر، ويَدَع" لا يقال فيهما: "وَذَرَ، ولا وَدَعَ" وليس هنا شيء يدفعهما من طريق القياس.
قال سيبويه: استغني عنهما بترك, وهذه ليست حجة قاطعة ولكن فيها ضربا من التعلل.
والمطرد في الاستعمال الشاذ في القياس، قولهم: "استحْوَذ، وأغيلت المرأة" القياس يوجب إعلالهما؛ لأنهما بمنزلة "استقام، وأبانت", ولكن السماع أبطل فيهما القياس.
وحكى ابن السكيت: "أغالت المرأة, وأغيلت" إذا سقت ولدها الغَيْل، ولا يعرف أصحابنا الاعتلال.
قال أبو علي: والشاذ في القياس والاستعمال جميعا, ما أجازه أبو العباس من تَتْميم "مفعول" من ذوات الواو التي هي عين؛ لأنه أجاز في "مَقُول: مَقْوُول", وفي "مصوغ: مصووغ" قال: لأن ذلك ليس بأثقل من "سُرْت سُوورا, وغارت عينه غوورا" قال أبو علي: فسبيله في هذا سبيل من قال "قام زيدا"؛ لأنه خارج عن القياس والاستعمال.
وكذلك قول الآخر:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
إن تقضيا حاجة لي خف محملها ... تستوجبا نعمة عندي بها ويدا
أن تقرأان علي أسماء ويحكما ... مني السلام وألا تعلما أحدا
فسألت أبا علي عن ثبات النون في "تقرأان" بعد "أن"؟
فقال: "أن" مخففة من الثقيلة, وأولاها الفعل بلا فصل للضرورة،
فهذا أيضا من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعا، إلا أن الاستعمال إذا ورد بشيء أُخذ به وتُرك القياس؛ لأن السماع يبطل القياس.
قال أبو علي: لأن الغرض فيما ندونه من هذه الدواوين, ونثبته من هذه القوانين, إنما هو ليلحق من ليس من أهل اللغة بأهلها، ويستوي من ليس بفصيح ومن هو فصيح.
فإذا ورد السماع بشيء لم يبق غرض مطلوب, وعُدل عن القياس إلى السماع.
إذا سميت بالفعل "يَزِيد" بعد إعلاله, بقي على إعلاله:
قال أبو عثمان:
فأما "يزيد" اسم رجل، فإنما اعتل من قِبَل أنه كان فعلا لزمه الاعتلال، ثم نُقِل من الفعل فسمي به, فهو المعتل نظير "يَشْكُرُ" في الصحيح, فأجرِ الباب1 على ما ذكرت لك.
قال أبو الفتح: يقول: إن "يزيد" هذا منقول من الفعل، وإنما هو مضارع "زاد", فصار كـ "باع، يبيع", ثم نقل بعد أن لزمه الاعتلال، فكذلك لو نقلت "يبيع" لتركته معتلا كـ "يزيد".
فأما لو ارتجلت اسما على "يفعِل" من "باع، وزاد" لقلت: "يَبْيِع، ويَزْيِد" فصححتهما ولم تعلهما.
ونظير "يزيد" في النقل: "يشكر، وتغلب".
وقد سموا أيضا "تَزِيد" بالتاء، قال أبو ذؤيب:
يعثرن في حد الظبات كأنما ... كُسيت برود بني "تزيد" الأذرع
والقول في "تزيد، ويزيد" واحد.
إذا بنيت من "يخاف" ونحوه اسما على "يفعل" صححته:
قال أبو عثمان:
فإن قلت: ابن "يُفْعِل" من "يخاف" اسما؟
قلت: "يُخْوِف", وكذلك أخواته لا تعل إذا صغته اسما.
قال أبو الفتح: قد تقدم مثل هذا وشرحه, ومن أين وجب تصحيح هذه الأمثلة إذا بنيت أسماء1.
إعلال اسم الفاعل من "قام، وباع" ونحوهما:
قال أبو عثمان:
وأما فاعلٌ من "قام، وباع", فإنه يعتل ويهمز موضع العين منه، فتقول: "بائع، وقائم"2, وجميع ما أعل فعله, ففاعل منه3 معتل4.
قال أبو الفتح: إنما وجب همز عين اسم الفاعل إذا كان على وزن فاعل نحو "قائم، وبائع"؛ لأن العين كانت قد5 اعتلت فانقلبت في "قام6، وباع" ألفا، فلما جئت إلى اسم الفاعل وهو على فاعل, صارت قبل عينه ألف فاعل, والعين قد كانت انقلبت ألفا في الماضي، فالتقت في اسم الفاعل ألفان، وهذه صورتهما "قَاْاْم" فلم يجز حذف إحداهما، فيعود إلى لفظ "قام"
فحرّكت الثانية التي هي عين, كما حرّكت راء "ضارِب", فانقلبت همزة؛ لأن الألف إذا حركت صارت همزة، فصارت1 "قائم، وبائع" كما ترى؛ ويدل على أن الألف إذا تحركت انقلبت همزة, قراءة أيوب السختياني: "غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّألِّين"2 لما حرك الألف لسكونها وسكون اللام الأولى3 بعدها انقلبت همزة.
وحكى أبو العباس, عن أبي عثمان, عن أبي زيد أنه قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ4: "فيومئذ لا يْسأل عن ذنبه إنس ولا جان"5, فظننته قد لحن, إلى أن سمعت العرب تقول6: "شَأَبَّة، ودَأَبَّة"!
قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس هذا؟ قال: لا، ولا أقبله.
وقال الراجز:
خاطمها زَأَمَّها أن تذهبا
وجاءت في شعر كثير: "احْمَأَرّت" يريد "احمارّت".
كما أراد الأول "زَأَمَّها".
فهذه الهمزات في هذه7 المواضع، إنما وجبت عن تحريك الألف؛ لسكونها وسكون ما بعدها.
فكذلك قُلبت الألف المنقلبة عن عين الفعل في اسم الفاعل من "قام" همزة، وذلك قولهم: "قائم" وكذلك "خائف، وبائع، ونائم".
إعلال اسم الفاعل من "أَفْعَلَ واسْتَفْعَلَ":
قال أبو عثمان:
و"فاعِلٌ" من "أَفْعَلَ" مُعَلّ, وإعلاله إسكان عينه وطرح حركتها على الساكن، وأما الفاعل من "استقام، واستفاد", فإنه "مستقيم، ومستفيد", وقد ذكرت لك أصل هذا, وإلقاء الحركة على ما قبل المعتل, وإسكان المعتل في هذا1 في صدر هذا2 الباب.
قال أبو الفتح: يريد: اسم الفاعل من أفعل "مقيم، ومريد".
وقد تقدم ذكر هذا كله وشرحه, ومن أين وجب إعلاله؟
إعلال اسم المفعول من نحو "قيل، وبيع":
قال أبو عثمان:
و"مفعول" من هذا معتل3 كما اعتل "فاعل"4 إلا أن اعتلاله بحذف حرف منه، فإن كان "مفعول" من "فُعِل" وكان5 من الواو, ظهرت فيه الواو نحو "مَقُول، ومَصُوغ"؛ لأنه من "القول، والصوغ" وإن كان من "فُعِل" وكان من الياء, ظهرت فيه الياء نحو "مَعِيب، ومبيع، ومسير به".
قال أبو الفتح: إنما وجب إعلال "مفعول" من حيث وجب إعلال "فاعل", وكلاهما من قبل الفعل وجب إعلاله؛ لأنهما جاريان عليه وهو معتل
فأرادوا1 أن يكون العمل من وجه واحد, فألزموا تصريف الفعل الاعتلال2, وعلى أن "فاعلا" أجري على الفعل من "مفعول"؛ لأنه بوزنه3 وليس "مفعول" كذلك.
وقوله: فإن4 كان "مفعول" من "فُعِلَ" إنما قال هذا؛ لأنه قد يكون من "فُعل" ومن "أُفعل" ومن "استُفعل" وغير ذلك، وإنما قصد هنا ذكر بناء "مفعول", و"مفعول" إنما يجيء من "فُعل" نحو "ضُرب فهو مضروب, وقتل فهو مقتول" ولهذا5 ذكر "فعل" ولم يهمل البيان.
وسيذكر أبو عثمان ما عرض في "مقول, ومبيع" من التغيير والحذف, ويذكر الخلاف بين الخليل وأبي الحسن, وأُتبعه ما عندي فيه، إن شاء الله.
إتمام بني تميم "مفعولا" من نحو "بيع، وعيب":
قال أبو عثمان:
وبنو تميم -فيما زعم علماؤنا- يتمون مفعولا من الياء, فيقولون: "مبيوع، ومعيوب6, ومسيور به" فإذا7 كان من الواو لم يتموه، لا يقولون في "مَقُول: مَقْوُول" ولا في "مصوغ8: مصووغ" البتة.
وإنما أتموا في9 الياء؛ لأن الياء وفيها الضمة, أخف من الواو وفيها الضمة,
ألا ترى أن الواو إذا انضمّت فروا منها إلى الهمزة, فقالوا: "أَدْؤُر، وأَثْؤُب، وأنؤر1". قال الراجز:
لكل دهر قد لبست أثؤبا
فالهمز في الواو إذا انضمت مطرد، فأما إذا كانت كذلك وبعدها واو, كان ذلك أثقل لها؛ فلذلك ألزموها الحذف في "مفعول"، والياء إذا انضمت لم تهمز ولم تغير، فهذا يدلك ويبصرك أن الياء أخف.
قال أبو الفتح: قد ذكر أبو عثمان العلة في جواز تتميم بني2 تميم لـ "مفعول" من الياء, وأن الياء خفيفة ليست في ثقل الواو، فاحتملت الضمة لذلك.
ووجه حذف من حذف الياء فقال: "مَعِيب"؛ أنها لما اعتلت في "عِيبَ" أراد أن يعلها في اسم المفعول.
ومن أتم فقال: "مَعْيُوب" شجّعه على ذلك سكون ما قبل الياء، فجرت لذلك مجرى الصحيح.
ولا تنكر أن يصححوا اسم المفعول وإن كان الفعل معتلا، ألا ترى أنهم قالو: "غُزِيَ" فقلبوا اللام, وقالوا: "مَغْزُوّ" فصححوها.
وإنما جاز التصحيح في اسم المفعول؛ لأنه وإن كان جاريا على الفعل فإنه ليس على وزن المضارع، ألا ترى أن قائما3 لما كان على وزن المضارع في الأصل بالحركة والسكون والعدة, لم يكن إلا معتلا، وقد تحجّر أنه لا يتم مفعول من ذوات الواو، وهذا هو الأشهر.
وقد حكى غيره أنهم يقولون: "ثوب1 مَصْوُون" والأكثر "مَصُون".
وأنشدوا قول الراجز:
والمسك في عنبره المَدْوُوف
والأشهر "مَدُوف", وقالوا: "رجل مَعْوُود، وفرس مقْوُود، وقول مقْوُول".
وأجاز أبو العباس إتمام "مفعول" من الواو خلافا لأصحابنا كلهم, وقال: ليس بأثقل2 من "سُرت سُوورا, وغرت3 غوورا"؛ لأن في "سوور, وغوور" واوين وضمتين وليس في4 "مصوون" مع الواوين إلا ضمة واحدة.
قال أبو علي: وهذا خطأ5؛ لأنه يجيز5 شيئا ينفيه القياس وهو6 غير مسموع.
فقياسه6 قياس من قال: "ضربت زيد", فأما "سرت سوورا"7 فلو لم7 يسمع لما قيل.
وأيضا: فلو أعلّوا في "سوور" لأسكنوا الواو الأولى وبعدها واو ساكنة, فيجب حذف إحداهما, فيصير8 على وزن "فُعْل"، فكرهوا التباس مثال: فعول بفُعْل، واسم المفعول من فُعِل8 وزنه "مفعول" أبدا نحو "ضرب فهو مضروب", فأُمن الالتباس في "مصوغ، ومقول", فجرى على ما يجب فيه من الإعلال.
وإنما لم يتم "مفعول" من الواو إلا في الحروف الشاذّة التي ذكرنا1؛ لأنه اجتمع فيه مع اعتلال فعله أنه من الواو, وأنه تجب ضمة واوه وبعدها واو "مفعول", فتجتمع واوان وضمة.
و"معيوب"2 إنما اجتمع فيه ياء وواو وضمة، وإذا كان القياس في "معيوب"3 الإعلال مع أن الياء دون الواو في الثقل, فمفعول من الواو لثقله أحرى ألا يجوز فيه التصحيح.
وهذا طريق مستمر2 في العربية لا ينكسر أن يُحتمَل أمر واحد, فإذا انضمّ إليه سبب آخر لم يحتملا، وعليه باب ما لا ينصرف أجمع.
وسيأتي في هذا الكتاب منه3 ما أنبه عليه بمشيئة الله.
ما ورد عن العرب من نحو "مغيوم، ومطيوبة":
قال أبو عثمان:
وسمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سمعت في شعر العرب:
وكأنها تفاحة مَطْيوبة
وقال علقمة بن عبدة:
يوم رَذَاذ عليه الدجن مغيومُ
أخبرني أبو زيد أن تميما تقول ذلك، ورواه الخليل وسيبويه عن العرب.
قال أبو الفتح: هذه شواهد لجواز إتمام "مفعول" من ذوات الياء، وقد
قالوا: "طعام مَزِيت ومَزْيُوت, ورجل مدين ومديون" وهو واسع فاشٍ.
اختلاف الأئمة في المحذوف من "مفعول" من نحو "بيع، وقيل":
قال أبو عثمان:
وزعم الخليل، وسيبويه أنك إذا قلت: "مَقُول ومَبِيع", فالذاهب لالتقاء الساكنين واو "مفعول".
وقال الخليل: إذا قلت: "مبيوع" فألقيت حركة الياء على الباء, سكنت1 الياء التي هي2 عين الفعل وبعدها واو "مفعول", فاجتمع ساكنان, فحُذفت واو "مفعول" وكانت أولى بالحذف؛ لأنها زائدة، وكان حذفها أولى ولم تحذف الياء؛ لأنها عين الفعل.
وكذلك "مَقُول" الواو الباقية عين الفعل والواو3 المحذوفة واو "مفعول".
وكان أبو الحسن يزعم أن المحذوفة عين الفعل والباقية، واو "مفعول" فسألته عن "مبيع".
فقلت: ألا ترى أن الباقي في "مبيع" الياء، ولو كانت واو "مفعول" لكانت: "مَبُوع"؟
فقال: إنهم لما أسكنوا ياء "مبيوع" وألقوا حركتها على الباء, انضمت الباء, وصارت بعدها ياء ساكنة فأبدلت مكان الضمة كسرة للياء التي بعدها، ثم حذفت الياء بعد أن ألزمت الباء كسرة للياء التي حذفتها، فوافقت واو "مفعول" الباء مكسورة، فانقلبت ياء للكسرة التي قبلها، كما انقلبت واو
"ميزان، وميعاد" ياء للكسرة التي قبلها، وكلا الوجهين حسن جميل، وقول الأخفش أقيس.
قال أبو الفتح: إنما وجب إسكان عين الفعل من "مبيوع, ومقوول" عندهم جميعا؛ لأن "قيل، وبيع" عندهم1 معتلان, فأرادوا إعلال اسم المفعول منهما.
ولأن الضمة مستثقلة في الياء والواو، كما ذكر أبو عثمان قبل, ثم حدث2 من التغيير ما ذكره أبو عثمان عن الخليل, وسيبويه، والأخفش.
ولكل واحد من الاعتلال لصحة مذهبه، وما يمكن أن يحتج به عنه, ما3 أذكره.
فأما الخليل, فيقوي مذهبه في أن المحذوف واو مفعول -فيما ذكره أبو علي- قول الشاعر:
سيكفيك صَرْب القوم لحم معرض ... وماء قدور في القصاع مشيب
فقال: قوله: "مَشِيب" أصله "مَشُوب"؛ لأنه من "شُبْتُ الشيء أشوبه" إذا خلطته بغيره.
فلو كانت الواو في "مشوب" واو "مفعول" لما جاز أن تقول فيها "مَشِيب"؛ لأن واو "مفعول" لا يجوز قلبها إلا أن تكون لام الفعل معتلة نحو قولهم: "رُمي فهو مرمِيّ، وقضي فهو مقضي" ولكن الواو في "مشوب" عين الفعل فقلبها4 ياء, كما قلبها الآخر في قوله:
أزمان عيناء سرور المسرور
عيناء حوراء من العين "الحير"
وأصله "الحُور"؛ لأنه جمع حَوْراء.
فالواو في "مَشُوب" عين الفعل بمنزلتها في "الحُور"؛ ألا ترى أنه قلبها في "مشوب" كما قلبها في "الحور".
وقد جاء مثل "مَشِيب" مما قلبت فيه عين الفعل, وهو قولهم: "أرض مَمِيت عليها" يريدون: مَمُوت عليها, و"غار مَنِيل" وهو من الواو وأصله1: "مَنُول".
قال أبو علي: معناه: ينال ما2 فيه.
وقال الراجز:
دار لأسماء يعفِّيها المور ... والدجن يوما والسحاب المهمور
قد درست غير رماد مكفور ... مكتئب اللون مريح ممطور
يريد بـ "مريح: مَرُوحا" لأنه3 من الروح.
فهذا كله يشهد بصحة قول الخليل: إن المحذوف من "مقول، ومبيع" واو "مفعول".
وأما4 ما ذهب إليه أبو الحسن وزيادة أبي عثمان عليه, وانفصاله من الزيادة فعجب من العجب, وقوله في هذا يكاد يرجح عندي على مذهب الخليل وسيبويه؛ وذلك أن له أن يقول: إن واو "مفعول" جاءت لمعنى وهو المد5, والعين لم تأت لمعنى6, فحذف العين6 التي لم تأت لمعنى, وتبقية6 ما جاء لمعنى وهو الواو الزائدة أولى، كما تقول: "مررت بقاضٍ" فتحذف الياء؛ لأنها لم تأت لمعنى, وتبقي التنوين الذي جاء لمعنى الصرف.
وشيء آخر يدل على صحة مذهب أبي الحسن، وهو أن هذه العين قد اعتلت في "قال، وباع، وقيل، وبيع" وفي أصل: "مَبِيع، ومَقُول", فكما أُعلت بالإسكان والقلب، كذلك أعلت أيضا بالحذف, وواو "مفعول" لم تنقلب من شيء ولم تعتل في الفعل1, فكان تركها وحذف المعتل أوجب.
ألا ترى إلى قولهم: "اتقّى" وأصله: "اوْتَقَى", فلما أعلت الفاء بقلبها تاء, أعلت بالحذف فيما أنشدناه أبو علي, وقرأته عليه في النوادر عن أبي زيد:
تَقُوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا
وأنشدنا أيضا عنه:
قصرت له القبيلة إذ تجهنا ... وما ضاقت بشدته ذراعي
وأصل هذين: "اتّقوه, واتّجهنا".
قال أبو علي: ولكنه لما أعل الفاء بالقلب، أعلها بالحذف, فكذلك لما أعلت عين "مفعول" بالإسكان والقلب، أعلت أيضا2 بالحذف.
وأيضا فإن العين في "مقول, ومبيع" قد حذفت في قولهم: "قل, وبع" ونحو ذلك، فكما3 حذفت في غير هذا الموضع، كذلك حذفت هنا.
وللخليل أن يقول: إن الساكنين إذا التقيا في كلمة واحدة4, حرك الآخر منهما، فكذا يحذف الآخر منهما.
ولأبي الحسن أن يرد هذا ويقول: إنهما إذا التقيا في كلمة واحدة4، حذف الأول نحو "خَفْ، وقُلْ، وبِعْ", لا سيما إذا كان الثاني منهما جاء لمعنى,
نحو التنوين "غازٍ" ونحوه، وكما أعلت العين بالقلب مع ألف "فاعل" نحو "قائم", كذلك أعلت بالحذف مع واو "مفعول".
وللخليل أن يقول: إن الميم في أوله يدل على أنه اسم المفعول, فتحذف الواو؛ لأنها زائدة.
ولأبي الحسن أن يقول: إن "مَبِيعا" يشبه" مَقِيلا، ومسيرا" وهما مصدران.
فلهذه العلل المتكافئة, قال أبو عثمان: "وكلا الوجهين حسن جميل", ولقوة قول أبي الحسن قال: "وقول الأخفش أقيس".
وقوله في هذا عجيب، وإن كان قد ناقض فيه فيما1 يجيء، وستراه بُعَيد إن شاء الله.
اختلاف الأئمة في المحذوف من مصدر "أقام، وأخاف" ونحوهما:
قال أبو عثمان:
فإذا قلت من "أفعَلْت" مصدرا نحو "أقام إقامة، وأخاف إخافة", فقد حذفتَ من "إقامة، وإخافة" ألفا؛ لالتقاء الساكنين.
فالخليل وسيبويه يزعمان أن المحذوفة هي الألف التي تلي آخر الحرف، وهي نظيرة واو "مفعول" في "مقول, ومخوف".
وأبو الحسن يرى أن موضع العين هو المحذوف، وقياسه على2 ما ذكرت لك.
قال أبو الفتح: أصل "إقامة، وإخافة، وإبانة: إِقْوَامة، وإِخْوَافة،
وإِبْيَانة", فأرادوا أن يعلوا المصدر؛ لاعتلال "أقام، وأبان", فنقلوا الفتحة من الواو، والياء، إلى ما قبلهما، ثم قلبوهما ألفين, وبعدهما ألف "إفعالة"، فصار كما ترى: "إقاامة، وإباانة"1.
فذهب أبو الحسن إلى أن المحذوفة هي2 الألف الأولى، وذهب الخليل إلى أن المحذوفة هي3 الألف الثانية, وهي الزائدة -على ما تقدم من مذهبهما- والكلام ثم، والاحتجاج وهو الكلام، والاحتجاج هنا.
ما لا يعتل من محول إليه وهو "اختار، وانقاد" ومضارعهما، وما كان نحوهما:
قال أبو عثمان:
وإذا كان الحرف الذي قبل المعتل متحركا في الأصل لم يغيروه, ولم يعتل الحرف من محول إليه4 كما اعتلت "قُلت, وبِعت" من محول إليه4؛ كراهية أن يحول إلى ما ليس من كلامهم، وذلك قولهم: "اختاروا, واعتادوا، وانقادوا" وكذلك المضارعة2 من هذا تجري هذا المجرى نحو "يختارون، ويعتادون، وينقادون".
قال أبو الفتح: أصل "اختار، واعتاد، وانقاد: اختَيَر، واعتَوَد، وانقَوَد".
يقول: فلم يحول "افتَعَل، وانفَعَل"6 من الياء إلى "افتَعِل، وانفَعِل" ولا حُوِّل "افتَعَل، وانفَعَل"6 من الواو إلى "افتعُل، وانفعُل"
كما حُوِّل "قُلت، وبِعت" من "فعَلت" إلى "فعُلت, وفعِلت"؛ لأن في كلامهم "فعِلت، وفعُلت" وليس في كلامهم "افتعُل، وانفعُل" ولا "افتعِل، وانفعِل".
فهذا معنى قوله: "كراهية أن يخرج إلى ما ليس في كلامهم" وقد كان القياس إذ غيروا "فعَلت" أن يغيروا "افتعلت، وانفعلت" ولكن امتنعوا من ذلك كراهية أن يخرجوا إلى ما لا نظير له، ولو فعلوا ذلك لكان قياسه أن يقولوا: "اخْتِرْت، واعْتُدْت، وانقُدْت" ولكن هذا لا يقال لما ذكرنا.
وقوله: وكذلك المضارعة من هذا تجري هذا المجرى.
يقول: إنما يقولون: يختارون، وينقادون, ولا يقولون1: "يختَيِرون، وينقَوِدون" كما قالوا: "يبيع، ويقوم" لأن هذا لم يحول كما يحول2 "قُمت، وبِعت".
وأصل "يختارون، وينقادون: يختَيِرون، وينقَوِدون" فأسكنت الياء والواو ثم قلبتا3 لانفتاح ما قبلهما وتحركهما في الأصل كما فعل في الماضي.
المبني للمجهول من "اختار، وانقاد" ونحوهما:
قال أبو عثمان:
وإذا4 قلت: "فُعِل من هذا" قلت: "اُخْتِير, واُنْقِيد", فتحول الكسرة على التاء والقاف، كما فعل ذلك بـ "بيع، وقيل".
فأما1 "اعتاد" فتُركت حركة الأصل وتَبِعت العين ما قبلها، كما كان ذلك في "قال، وباع".
ومن يقول من العرب: "قُِيل" فيُشم الفاء الضمة2 تحقيقا لـ "فُعِل", فإنه يقول ههنا: "اُخْتُِير وانقُِيد" فيشم لأن قولك: "تُِير" من "اختير" و"قُِيد" من "انقيد" كـ "قُِيل، وبُِيع" ومن أبدل الياء واوا قال3 هنا: "اُخْتُور، وانْقُود" ولم يؤخذ هذا إلا عن العرب.
قال أبو الفتح: اعلم أن "تَادَ" من "اعتاد", و"تار" من "اختار", و"قاد" من "انقاد" كـ "قام، وباع", واشتبها من حيث كان ما قبل العين مفتوحا وهي محركة, كما كان ذلك في "فعَل" فاشتركا في العلة الموجبة للقلب، فجميع ما يجوز في "قال، وباع" جائز "اختار، وانقاد" إلا التحويل إلى الضم والكسر, وقد مضى ذكره.
فـ "تار" من "اختار" و"قاد" من "انقاد" بمنزلة "قال، وباع" و"تير" من "اختير" و"قيد" من "انقيد" كـ "قيل، وبيع"4 و"تُِير" من "اُختُِير" و"قُِيد" من "انقيد" كـ "قُِيل, وبُِيع"4, و"تُور" من "اختُور" و"قُود" من "انقُود" كـ "قُول، وبُوع".
وقوله: ومن أبدل الياء واوا معناه: من4 كان من لغته أن يقول: "خَوِف
وقَوِل"1, فيجعل مكان الياء في "قيل، وخيف" واوا, فإنه يقول هنا "اختور"؛ لأن من قال "قُول، وخُوف"1 فليس أصل هذه الواو عنده ياء ثم قلبها1 واوا؛ لأنهما عنده2 من "القول، والخوف" ولا تقل3: إنه قلب الياء في "قيل، وخيف" واوا؛ لأنه لو كان ممن يقول: "قِيل، وخِيف" لما قال: "قُول، وخُوف"؛ لأن هذه لغات لقوم شتى.
أو يكون أراد: من قال "بُوع" فأبدل الياء واوا4, فإنه يقول "اختُور, وانقُود" والمذهب الأول أعم؛ لأنه يدخل فيه" قيل, وبيع" جميعا.
وقوله: "ولم يؤخذ هذا إلا عن5 العرب" يقول: لم يقدم على6 هذه الأقوال بالقياس، بل هي7 مسموعة عن العرب.
مجيء "مَقْوَدَة، ومَكْوَزَة، ومَزْيَد" على الأصل:
قال أبو عثمان:
ومثل من الأمثال: "إن8 الفكاهة مقودة إلى الأذى" جاءوا بها على الأصل، كما قالوا: "مكوزة, ومزيد" فجاءوا بهن على الأصل.
وليس هذا بالمطرد في الكلام، وقد قرأ بعض القراء: "لَمَثْوَبَة من عند الله خير9", لا تقول على هذا: "مَقْوَلة، ولا مَبْيَعة".
1، 1 ساقط من ظ، ش.
قال أبو الفتح: قد1 كان القياس في هذه كله أن يعل؛ لأن "مزيدا، ومكوزة، ومقودة، ومثوبة" على وزن "يخاف، ويهاب" وأصلهما "يَخْوَف، ويَهْيَب" وهذه الأسماء جارية على أفعال معتلة، وقد كان2 قياسها3 "مقادة ومكازة ومزادة ومثابة" كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ 4 ولكنها شذت.
يقول: لا ينبغي أن يقاس على هذا، ولكن يقال: "مَقالة، ومَباعة" وقد جاءت مثل "مَكْوَزة، ومَزْيد, ومريم, ومصيدة, ومطيبة، ومبولة" وهذه شواذ كلها.
""مَفْعُلة" بضم العين من "عشت، وبعت" كـ "مَفْعِلة" بكسرها فيهما عند الخليل":
قال أبو عثمان: وكان الخليل يقول في "مَفْعُلة" من "عشت، وبعت" لفظها5 كلفظ "مَفْعِلة" كما كان "فُعْل" من الياء في هذا الباب على لفظ "فِعْل" من الواو، فيقول: "مَعِيشة" تصلح أن تكون "مَفْعُلة" وتصلح أن تكون "مَفْعِلة".
قال أبو الفتح: أصل "مَعِيشة" إذا كانت "مفعُلة" عند الخليل: "مَعْيُشَة" فنقل الضمة إلى العين فانضمت وبعدها ياء ساكنة، فأبدل الضمة كسرة؛ لتسلم بعدها6 الياء, فصارت "مَعِيشة" وإذا كانت
"مفعِلة" فإنما نقل الكسرة إلى العين حسب.
وكذلك "عِيش" يصلح أن يكون عند الخليل "فِعْلا، وفُعْلا" جميعا، فإذا كان أصله "فُعْلا" فكأنه كان "عُيْشا", فأبدل الضمة كسرة لتسلم الياء فصارت "عِيشا" كما ترى.
كما1 قالوا: "بِيض" وأصله "بُيْض", فأبدلوا من الضمة كسرة، لا يفصل الخليل بين الواحد والجمع.
وكذلك كان يجيز في "ديك، وفيل" أن يكونا "فِعْلا, وفُعْلا" جميعا؛ لأنهما من الياء لقولهم: "فيول, وديوك" وكان أبو الحسن يخالفه، وها هو ذا عقيب هذا:
"مفعلة" من العيش، و"فعل" من البيع عند الأخفش:
قال أبو عثمان:
وكان أبو الحسن الأخفش يخالفه ويقول في "مَفْعُلة" من "العيش: مَعُوشة" وفي "فُعْل" من "البيع: بُوع" ويقول في "بِيض: هو فِعْل", ولكنه2 جمع والواحد ليس على مذهب الجمع.
وقوله في "مَعِيشة: مَعُوشة" ترك لقوله في "مبيع، ومكيل"3, وقياسه على "مبيع، ومكيل: مَعِيشة" لأنه يزعم أنه حين ألقى حركة عين "مفعول" على الفاء, انضمت الفاء ثم أبدل مكان الضمة4 كسرة؛ لأن
بعدها ياء ساكنة, وكذلك يلزمه في "معيشة" هذا, وإلا رجع إلى قول الخليل في "مَبِيع".
قال أبو الفتح: إنما كان قياسه عند أبي عثمان "مَعِيشة"؛ لأن أصلها: "مَعْيُشة", فيجب نقل الضمة إلى العين, ثم تبدل كسرة لتسلم الياء بعدها، كما قال أبو الحسن في "مبيع": إن أصله "مبيوع" ثم نقل الضمة من الياء إلى الباء، ثم أبدل الضمة كسرة لتسلم الياء بعدها.
وكذلك كان يجب على قياسه في "معيشة" أن يبدل الضمة المنقولة من الياء إلى العين كسرة فيقول: "مَعِيشة" كما قال الخليل قياسا على "مَبِيع".
وكذلك1 قياسه على "مبيع" في "فُعْل" من "البيع" أن يقول: "بِيع" كقول الخليل، فيبدل من الضمة كسرة, كما أبدلها في "مبيع"؛ لأن "مبيعا، ومعيشة، وبيعا" كل واحد منها2 واحد ليس بجمع، فإن كان يقول: "معوشة, وبوع" فيلزمه أن يقول في "مبيع: مَبُوع" فيخالف العرب أجمعين.
وإذا قال: "مَبِيع" فقياسه "مَعِيشة, وبِيع" في "مَفْعُلَة وفُعْل" لا فصل بينهما؛ لأن "مفعولا" واحد، كما أن "مفعُلة، وفُعْلا" كل3 واحد لا جمع4, وهذه هي4 المناقضة التى قدمت ذكرها.
ولو قال في "مَفْعُلة، وفُعْل: مَعِيشة، وبِيع" كقول الخليل،
لكان مذهبه لا نهاية وراءه، ووافق قوله في "مَبِيع" واستمرّ مذهبه على الاطراد.
وحكى الأصمعي أن الريح الحارة يقال لها: "هَيْف، وهُوف" وليس في "هوف" حجة لأبي الحسن في أن يقول في "فُعْل" من البيع: "بُوع"1؛ لأنه يجوز أن يكونا لغتين، فيكون "هيف" من الياء و"هوف" من الواو1, ويجوز أن يكون "هيف" محذوفا من "فَيْعِل" كأنه كان هيوفا مثل "مَيْوِت" ثم قلبت الواو وحذفت, كما فعل ذلك بـ "مَيْت", فعلى هذا يكونان جميعا من الواو، فتأمل هذا.
وقوله: وكذلك يلزمه2 في "معيشة" هذا, وإلا رجع إلى قول الخليل في "مَبِيع".
يقول: يلزمه2 أن تكون "معيشة: مفعُلة، ومفعِلة" عنده جميعا، كما قال الخليل، وإنما يجب عليه من هذا, الرجوع إلى مذهب الخليل في "مبيع"؛ لأنه كان يجب على قياسه في "بوع، ومعوشة" أن يقول في "مفعول: مَبُوع", وهذا لم يقله أحد من العرب، فلو كان الياء في "مبيع" هو الزائد كما يقول أبو الحسن؛ لوجب أن يقول: "مَبوع" كما يقول "مَعُوشة".
وأما فصله بين الواحد والجمع في "فُعْل" مما عينه ياء، وأنه يقول في الواحد: "بوع" ويقول في جمع "أبيض: بِيض" فهو قول.
قال أبو علي: ويقويه أن الجمع أثقل من الواحد, والواو أثقل من الياء, 1، 1 ساقط من ظ، ش.
2، 2 ساقط من ظ، ش.
فهرب من الواو1 في الجمع وأقرها في الواحد؛ فلذلك2 قالوا: "بِيض" ولم يقولوا: "بُوض".
3 ألا ترى أنهم3 يقولون في الواحد: "عَتَا، عُتُوًّا، وعُتِيًّا" و"عسا العود, عسوا، وعسيا", فإذا صاروا إلى الجمع, فكلهم يقلب.
ألا تراهم يقولون: "عُِصِيّ، ودلي", ولا يجيزون التصحيح كما أجازوا في الواحد!
ويدل على صحة ما ذهبوا إليه في "بيض" وأنهم لم يقولوا: "بُوض"؛ أنهم قد قالوا في "الحُور: الحِير" وأصله الواو، فإذا كانوا قد هربوا مما أصله الواو إلى الياء, فألا تقلب الياء واوا في الجمع، وأن يصححوها ياء أجدر!
ووجه آخر: وهو أنهم قد قلبوا الواو ياء في الواحد فقالوا "مَشِيب" في "مَشُوب" و"غار منيل" في "منول" و"أرض مميت عليها" في "مموت" و"غصن مريح" في "مروح"؛ فإذا كانوا قد قلبوا الواو ياء في الواحد مع أنه أخف من الجمع، فهم بألا يقلبوا الياء -التي هي أخف إلى الواو, التي هي أثقل في الجمع، الذي3 هو أثقل من الواحد- أجدر!
ولولا قول4 العرب: "مَبِيع" بالياء دون "مَبُوع"؛ لكان قول أبي الحسن في "فُعْل، ومَفْعُلة: بُوع، ومَعُوشة" قولا حسنا.
ولكن قولهم: "مبيع" هو الذي أفسد هذا المذهب على أبي الحسن.
فأما قول الشاعر:
وكنت إذا جاري دعا لمَضُوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مِئْزري
ففيه تعلق لأبي الحسن في قوله في "مفعُلة" من "عشت: معوشة1"؛ لأن "مَضُوفة: مَفْعُلة" من "ضفت الرجل: إذا نزلت به"؛ لأن معناها ما ينزل بالإنسان ويضيفه من نوائب الدهر، وأصلها "مَضْيُفة" ثم نقلت الضمة إلى الضاد, وانقلبت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها.
فيشبه أن يكون أبو الحسن بهذا تعلق وعليه عقد هذا الخلاف، إلا أن هذا حرف شاذ لا نعلم له نظيرا، فينبغي ألا يقاس عليه، وقول الخليل في "معيشة، ومبيع2" أقوى؛ لقولهم كلهم3: "مبيع" ولم يقولوا: "مبوع" كما قالوا: "مضوفة", ومن "مبيع" يشبه أن يكون الخليل أخذ قوله في "مَعِيشة"؛ لأن عين "مفعول" مضمومة.
فأما "مئُونة" فلا حجة فيها لأبي الحسن؛ لأنه يجوز أن يكون من "الأون" وهو "العِدْل"؛ لأنها ثقيلة على متكلفها كما أن "العدل" ثقيل على حامله، وقالوا: إنها "فَعُولة" من "مُنْتُ".
وأجاز الفراء أن تكون "مفعلة" من "الأين" وهو "التعب", وهذا كقول4 أبي الحسن في5 "معوشة" والاحتجاج عليه مثله على أبي الحسن، لا فرق بينهما.
وقد شرحت هذا الخلاف في موضع آخر في مسألة سُئلتُ عنها مجردة!
تصحيح "فَاعَلْت, وتَفَاعَلْنا، وفَعَّلت، وتَفَعَّلنا" ومصادرهن وعدم إعلالهن:
قال أبو عثمان:
واعلم أن "فاعلت، وتفاعلنا، وفعلت, وتفعلنا" يصححن ولا يعللن, وذلك قولك1: "قاولت زيدا وبايعته, وتقاولنا, وتبايعنا" وتصح المصادر كما صحت الأفعال, وذلك "التقاول, والتبايع, والقِوال, والبِياع" و"فعّلت" مثل "حوّلته، وحولت عليه, وشوهته2, وزينت له3 الأمر, وتحولته، وتشوّقته, وتزيّنت".
وإنما صحت في "تفاعلت"؛ لأن التاء دخلت على "فاعلت".
وكذلك "تفعّلت" دخلت على "فعّلت" فلم تغير عن حالها.
قال أبو الفتح: إنما صحت هذه الأفعال كلها لسكون ما قبل الواو والياء المتحركتين, فلو قلبت الياء والواو في "قاولت، وبايعت" كما قلبتهما4 في "قام، وباع" وقبلهما ألف ساكنة؛ لوجب حذف إحداهما ولزال البناء.
وكذلك لو قلبت الياء والواو الأخيرتين في "زينت، وشوقت" ألفين؛ لتحرك ما قبلهما وزال بناء "فعّلت" كما كان يزول في الأول بناء "فاعلت", فتجنبوا ذلك لما يدخل الكلام من كثرة التغيير.
وكذلك "تفعّلت, وتفاعلنا"؛ لأن التاء إنما دخلت على "فعّلت,
وفاعلت" بعدما وجب فيهما1 التصحيح.
فلما صحت هذه الأفعال صحت مصادرها؛ فلذلك قالوا: "قاولته قِوَالا" فصحّحوا الواو ولم يقولوا: "قيالا" كما قالوا: "قمت قِياما" فقلبوها ياء لما انقلبت في2 "قام" ولما صحت في "قاومت, وقاولت" صحت في "القِوَام والقِوَال"3, وقال الله تعالى3: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ 3؛ لأنه مصدر "لاوذت", قالوا في اللغة: "لذت به لياذا".
فأما قول الراجز:
يخلطن بالتأنُّس النِّوَارا
وهو من نار يَنُور: إذا نفر, فيمكن أن يكون اسما لا مصدرا فصح لذلك.
وأما قولهم في القطعة من المسك: "صِوَار, وصِيار" فيمكن أن يكونا لغتين, ويمكن أن يكون قلب الواو ياء للتخفيف والشبه بالمصدر أو الجمع، وهذا القول كأنه أمثل لقولهم في جمعه: "أَصْوِرَة" ولم نسمعهم يقولون: "أصيرة4". قال الأعشى:
إذا تقوم يضوع المسك أصْوِرَة ... والعنبر الورد من أردانها شمل
وكذلك "التقاول, والتبايع" صحتا فيه5؛ لصحتهما في الفعل.
وقد قدمت القول في أن صحة المصدر لصحة الفعل واعتلاله لاعتلاله؛ لا يدل على أن المصدر مشتق من الفعل.
ومما جاء على أصله "افعَلَلْت، وافعَالَلْت":
قال أبو عثمان:
ومما يجيء على أصله "افعللت, وافعاللت" وذلك1 "ابْيَضَضْت واسوددت2, واحوللت, وابياضَضْت، واسواددت2".
وإنما جاء هذا على أصله من قِبَل أنهم لو أسكنوا المعتل هنا, ذهب المعنى وصرت إلى حذف بعد الإسكان, وعلة بعد علة، فتجنبوا هذا الحمل على الفعل كله, فأقروه2 على أصله.
قال أبو الفتح: يقول: لو أسكنوا الياء والواو في "ابْيضضت، واسْوددت" وقبل الياء الباء, وقبل الواو السين، وهما ساكنتان؛ لوجب3 حذف الياء والواو, ولزال البناء, وهذا مثل ما تقدم.
وقوله: "لو أسكنوا المعتل هنا4" معناه: لو أسكنوا هنا الحرف الذي من شأنه أن يعتل, لكان كيت وكيت؛ "فهنا" ظرف لأسكنوا، وهو5 منصوب به لا بالمعتل؛ لأنه ليس ههنا بمعتل, ولكنه أطلق عليه لفظ الاعتلال وإن كان صحيحا؛ لأن من شأن الواو والياء أن يعتلا فسمى الحرف معتلا بما هو في أكثر أحواله جارٍ عليه، أو بما يصير إليه من الاعتلال.
كما تقول: "هذه حَلُوبتنا, وركوبتنا", فتطلق عليها اسم "الحلب,
والركوب", وإن لم يكن في الوقت "حلب, ولا ركوب" لأن من عادتهما أن يكون هذا جاريا عليهما، وكما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ 1, ولم يكن في الوقت سقيما، ولكن السقم للموت جارٍ عليه لا محالة.
وكما قال الشاعر:
إذا ما مات مَيْت من تميم ... فسرّك أن يعيش فجئ بزاد
فسماه "ميتا"، وإن كان حيا قبل موته؛ لأنه سيموت لا محالة، وهذا مطرد في كلامهم فاشٍ.
ومما جاء على أصله "اجتوروا، وازدوجوا، واعتوروا، واهتوشوا":
قال أبو عثمان:
ومما يجيء على أصله -لأن معناه معنى ما لا يعتل كما جاء "عَوِر، وحَوِل"2؛ لأنه في معنى "اعورّ، واحولّ"- "اجتوروا، وازدوجوا, واعتوروا2, واهتوشوا"؛ لأن معناها3 "تجاوروا، وتزاوجوا، وتهاوشوا2"، ولولا ذلك لاعتل.
ألا تراهم قالوا: "اختاروا، وابتاعوا" حين لم يكن في معنى "تفاعلوا".
قال أبو الفتح: يقول: لما وجب4 تصحيح "تجاوروا، وتزاوجوا" لسكون ما قبل
الواو -كما قدمنا شرحه- وكان "ازدوجوا, واجتوروا" بمعناهما صححوهما ليكون التصحيح أمارة لكون كل واحد منهما بمعنى الآخر, وكذلك ما أشبه هذا.
وإنما أعلوا "اختاروا، وابتاعوا" لأنهما ليسا بمعنى "تخايروا, وتبايعوا", فجاءا على ما ينبغي لهما من الإعلال الذي تقدم شرحه في فصل "اعتاد وانقاد".
لو بنيت افتعلوا من "ازدوجوا" على غير معنى "تفاعلوا" لأعللت:
قال أبو عثمان:
وقال الخليل: لو بنيت "افتعلوا" من قولك: "ازدوجوا" على غير معنى "تفاعلوا"؛ لأعللت فقلت: "ازداجوا" كما قلت: "اختاروا, وابتاعوا".
قال أبو الفتح: يقول: لما زال معنى "تفاعلوا" الذي يوجب التصحيح, خرج إلى باب "اختار, وابتاع"1, فلم يجز إلا إعلاله كما لم يجز إلا إعلال "اختار، وابتاع"1.
جمع "مقال، ومباع, ومعاش" على "مَفَاعِل" لا يعل:
قال أبو عثمان:
واعلم أن "مقالا، ومباعا، ومعاشا" إذا جمعته على "مفاعل" لم تعلل الياء ولا الواو في الجمع، وذلك قولك: "مَقَاوِل، ومبايع، ومعايش".
وإنما أعلّوا الواحد؛ لأنهم شبّهوه بـ "يفعَل", فلما جمعوه ذهب شبهه من "يفعَل" فردوه1 إلى أصله.
قال الشاعر:
وإني لقوّام مَقَاوِم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
فقال: "مقاوم".
1، 1 ساقط من ظ، ش.