المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازنيصفحات 48-87

باب الأسماء والأفعال

صفحات 48-87
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
دار إحياء التراث القديم
الطبعة
الأولى في ذي الحجة سنة 1373هـ - أغسطس سنة 1954م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الدال, لكانت الكلمة رباعية وذلك نحو "قَرْدَسَ وقَرْدَحَ" لو كان هذا مما1 ينطق به.
وكذلك لو كان في موضع الباء الأخيرة غير الباء، لكانت الكلمة رباعية نحو: "حَلْبَسَ وجَلْبَحَ" لاختلاف الحروف، ولو قالوا: "قَرَّدَ وجَلَّبَ" لكان ثلاثيا أيضا؛ لأن العين قد تكررت كما تكررت اللام، ومثله قطّع وكسّر، ولكن لو وجدت بعد الراء من قَرْدَدٍ، واللام من جَلْبَبَ، لفظ الفاء لكانت الكلمة رباعية؛ لأن الفاء لم تكرر في كلام العرب إلا في حرف واحد وهو: "مَرْمَرِيس" فلو قالوا: "قَرْقَر وجَلْجَب" لكان رباعيا, ولم تكن الفاء مكررة.
ونظيره من كلامهم في الأسماء "قَرْقَل، وفَرْفَخ"، وفي الأفعال: "زَهْزَق، ودردب" ونظيرهما من ذوات الخمسة "صَهْصَلق، ودَرْدَبيس".
وإذا كان الأمر على ما ذكرنا, فلا محالة أن إحدى الجيمين في عَفَنْجَج2 زائدة؛ لأنها لام قد تكررت بعد حرفين أصليين لا محالة، وهما: العين والفاء.
والنون أيضا زائدة؛ لأنها ثالثة ساكنة، والكلمة على خمسة أحرف، ومتى جاءت النون هكذا, فاقض عليها بأنها زائدة، وإن جهلت الاشتقاق؛ لأنها لم توجد فيما عرف اشتقاقه على هذا3 السبيل إلا زائدة.
ويريد أبو عثمان بقوله: إن إحدى الجيمين زائدة، أنها مكررة, لا أنها من حروف الزيادة العشرة؛ فقد صح من طريق القياس أن الكلمة ثلاثية، وأما من

طريق الاشتقاق فهي أيضا كذلك؛ لأن "العَفَنْجَج" هو الجافي، وقد قالوا: عَفَجَهُ بالعصا؛ إذا ضربه، والضرب بالعصا من الجفا.
قال الراجز: فاحذر فلا تكتر كريا أعوجا ... علجا إذا ساق بنا عَفَنْجَجَا زيادة النون والألف: قال أبو عثمان: ومثل ذلك1 حَبَنْطى ودلنظى وسرندى, النون والألف زائدتان؛ لأنك تقول: حبط بطنه، ودلظه بيده وسرده، فهذا من الثلاثة, وقد ألحق بالخمسة كما ألحقت الأربعة بها، وهذا كثير، ولكن هذا موضع اختصار.
قال أبو الفتح: قد أبان عن هذه الأمثلة بالاشتقاق الذي أورده؛ لأن معنى حبط بطنه: انتفخ، "والحبنطى" هو الكبير البطن.
وقالوا: دلظه بمنكبه؛ إذا دفعه، "والدلنظى" هو الشديد الدفع، "والسرندى" الجريء من النمور.
وقال: سرده؛ إذا مضى قدما، وجميع هذه الأمثلة2 مفسر في فصل في آخر الكتاب على حدته إن شاء الله.
قال أبو عثمان: وأكثر ما3 يبلغ بنات3 الثلاثة من الأفعال بالزيادات سبعة أحرف نحو مصدر اشهابّ واحمارّ، إذا قلت فيه3: اشْهِيباب واحْمِيرار، وقد تبلغه مصادر الأربعة في "احْرِنْجُام" وما كان على وزنه من المصادر, ولا يجيء هذا العدد إلا في مصادر4 الثلاثة والأربعة المزيدة5 على ما ذكرت لك.

قال أبو الفتح: اعلم أن مصادر بنات الثلاثة إنما احتملت أن تبلغ سبعة أحرف لما أذكره لك، وذلك أنها أقل الأصول وأعدلها.
فاحتملت كثرة الزيادات لتصرفها وتمكنها، وأيضا فإن الهمزة في أوائلها قد تسقط في الوصل, فكأنها إنما بلغت لذلك ستة أحرف.
وإذا جاز أن يُبْلَغ بالفعل على ثقله ستة أحرف, فالمصدر الذي هو اسم جدير لخفته وتمكنه أن يزاد عليه حرف واحد.
وأيضا فإن الزوائد وإن أطالت الكلمة, فعلى كل حال هي زوائد، والتقدير فيها الانفصال والانفكاك من الكلمة، وقد يحذف كثير منها في التحقير والتكسير, ولا سيما تحقير الترخيم، فكانت لذلك بمنزلة المنفصل من الكلمة, فاحتمل كثرتها في بنات الثلاثة لما ذكرت لك.
ثم حُملتْ بنات الأربعة على بنات الثلاثة؛ لأنه قد جاء الفعل رباعيا كما جاء ثلاثيا, فلذلك بلغ بمصادر الرباعية سبعة أحرف، ولما كان جميع ما بلغ السبعة إنما هو مصادر ولم يكن لبنات الخمسة فعل لم يبلغ سبعة أحرف, على أنهم قد بلغوا السبعة بغير المصادر, قالوا: "مَتْيُوساء, ومَبْغُولاء، ومعيوراء، ومأتوناء, ومشيوخاء، ومكبوراء، ومصغوراء، ومعلوجاء، ومشيوحاء, وهَزَنْبَران، وعُرَيْقُصَان، ومَعْكُوكاء، وبَعْكُوكاء, وقَرَعْبَلانة, وعُقْرُبان".
وهذا مما لا يُعَرَّج عليه لقلته ونزارته؛ ولذلك لم يذكره أبوعثمان وجميعه1 في آخره2 زائدان زيدا معا2 فجرتا لذلك مجرى الزائد الواحد, ألا ترى أنهما يحذفان في الترخيم جميعا كما تحذف الهاء من طلحة, والألف من حبلى.

قال أبو عثمان: وقد تزاد في بنات الخمسة حتى يكون عددها ستة بالزيادة ولا يبلغون بها1 السبعة مع الزيادة؛ لأن الخمسة عندهم غاية الأصول فلا تحتمل غاية الزيادات، فمما زِيدَ عليه2 من الخمسة: "عَضْرَفُوط وعَنْدَلِيب وحَنْدَقُوق، ومثل قَبَعْثَرى"، زيدت الألف في آخره لغير التأنيث؛ لأنها منونة، ولو كانت غير منونة لكانت للتأنيث, فعلى هذا تجري بنات الخمسة بأصولها وزوائدها3.
قال أبو الفتح: اعلم أنهم إنما اجتنبوا تبليغ بنات الخمسة سبعة أحرف بالزيادة؛ لأن بنات الخمسة وإن كانت كلها أصولا, فقد تباعدت عن أعدل الأصول وأخفها وهو الثلاثي, فثقُلت لذلك.
والزيادة4 في الكلمة تزيدها ثقلا, فلم يجمعوا عليها ثقل الأصل وثقل الزيادة ولم يكن منها فعل فيبلغ بمصدره سبعة أحرف كما فُعل في اشْهِيباب5 واحرنجام، فرُفض ذلك لذلك.
فأما6 قبعثرى: فتنوين ألفه يدل على أنها ليست للتأنيث، ألا ترى أن مثل حبلى، وسكرى, لما كانت ألفه للتأنيث لم تنون على وجه.
فإن قلت: أتقول: إن ألفه للإلحاق؟ فالجواب: أنها ليست للإلحاق؛ لأن بنات الخمسة ليس وراءها شيء من الأصل فيلحق به، ولكنها زيادة لغير التأنيث بل لضرب من التوسع، ولا تكاد تجد بنات الخمسة قد لحقتها الزيادة من

آخرها غير هذا الحرف، وما لا حكم له لقلته, وقد قالوا: "ضَبَغْطَرى".
فأما قولهم: "قَرَعْبَلانة" فكأن الذي شجعهم على إلحاق الألف والنون في آخرها وهي خماسية, أن الألف والنون في أنحاء كثيرة من كلامهم في تقدير الانفصال عندهم، حتى إنهم يُسقطون كثيرا من أحكامهما.
ألا ترى أنهم يصغرون "زَعْفَرَانا زُعَيْفِرانا" كما يقولون: "عَقْرَب وعُقَيْرِب" ولو اعتدوا بالألف والنون لم يجز هذا.
وقد أجروا الألف والنون الزائدتين أيضا مجرى الزيادة الواحدة، ألا تراهم1 قالوا في ترخيم "عثمان: يا عُثْمَ" كما قالوا في ترخيم "طلحة: يا طَلْحَ" فلما كانت الألف والنون عندهم في كثير من المواضع بمنزلة المنفصل من الكلمة، وبمنزلة الحرف الواحد المنفصل من الكلمة، اجترءوا على زيادتهما في آخر ذوات الخمسة في هذا الحرف الذي لا نظير له، وكذلك ما جاء نحو "مَعْيُورَاء" وبابه؛ لأنهم أجروا الألف والهمزة مجرى الحرف الواحد لما لم يفترقا, فأشبها الهاء.
وإنما قلت: الزوائد في آخر ذوات الخمسة عندي؛ لأنها قد طالت وأفرط طولها فلا ينتهى إلى آخرها إلا وقد مُلَّتْ.
ألا ترى أنهم يقولون في تحقير "سفرجل وتكسيره2: سفيرج وسفارج" فيقفون دون الخامس لتراخيه وبعده، فلما كان الأمر كذلك لم يزيدوها طولا من آخرها.
ألا ترى أن باب "عندليب، وعضرفوط" مما كانت الزيادة فيه قبل لامه الآخرة3 أكثر من باب "قبعثرى، وضبغطرى" وكانت الزيادة في باب4 "عندليب وعضرفوط" قبل الخامس أسوغ منها في قبعثرى"

بعد استيفاء حروف الكلمة والملال بطولها، فهذا ما أدى إليه النظر والله الموفق، ولم يكن سبيله أن يذكر حندقوقا مع بنات الخمسة؛ لأنه من ذوات الأربعة، وكذا قرأته على أبي علي ورأيته في غير نسخة.
"الأفعال المبدوءة بهمزة وصل": قال أبو عثمان: واعلم أن الأفعال قد تسكن أوائلها ويلحقونها ألف الوصل، ولتلك الأفعال أبنية كثيرة سأخبرك عنها إن شاء الله.
قال أبو الفتح: اعلم أن ألف الوصل همزة تلحق في أول الكلمة؛ توصلا إلى النطق بالساكن, وهربا من الابتداء به, إذ كان ذلك غير ممكن في الطاقة فضلا عن القياس.
وليس لقول من جوّز الابتداء بالساكن من القدر ما يُتشاغل بإفساده، وإنما سبيله في هذا1 سبيل من شك في المشاهدات من السوفسطية2 ومن ليس بكامل العقل.
وهذه الهمزة إنما حركت لسكونها وسكون ما بعدها، وهي في الأصل زائدة3 ساكنة.
فإن قيل: أنت هربت من سكون النون في "انفعل", فكيف زدت عليها ساكنا آخر وهو الهمزة؟ قيل: هذه الهمزة وإن كانت ساكنة, فإنها إنما جيء بها قبل الساكن؛ لأنه4 قد عُلم أنه إذا اجتمعت معه فلا بد من حذف أحدهما أو حركته, فالحركة والحذف لم يصلح واحد منهما في الحرف الساكن من الفعل لئلا تزول بنيته التي قد أريدت له من سكون أوله، فلم يبق إلا حذف الهمزة أو

حركتها فلم يجز حذفها؛ لأن ذلك كان يؤدي إلى ما منه هُرِب وهو الابتداء بالساكن, فلم يبق إلا حركة الهمزة فحركت, فانكسرت على ما يجب في الساكنين1 إذا التقيا.
فإن كان2 الحرف الذي بعد الساكن مفتوحا أو مكسورا فالهمزة مكسورة نحو "انطَلق" ألا ترى أن الطاء مفتوحة، وكذلك "اضرِبْ" ألا ترى أن الراء مكسورة, وكذلك اذهَب واركَب وما أشبه ذلك, فإن كان2 الحرف الذي بعد الساكن مضموما ضُمّت همزة الوصل كراهية الخروج من الكسر إلى الضم اللازم, وليس بينهما حاجز إلا حرف ساكن، والساكن ضعيف فكأن لا حاجز بينهما، وذلك قولهم: "اقْتُل, استُخرج, انطُلق به".
فإن قلت: فقد قالوا: "فَخِذ وكَبِد" وهو "يضرِب ويجلِس" فخرجوا من الكسر إلى الضم؟ فليس ذلك بشيء؛ لأن الضمة في حرف الإعراب غير لازمة والنصب والجر يزيلانها، وإنما يكره من هذا ما كان لازما.
فأما حكاية بعضهم "زِئْبُر وضِئْبُل" -بضم الباء- فلا أصل لها ولا هي معروفة.
فكذلك2 حكاية بعضهم "إِصْبُع" -بكسر الهمزة وضم الباء- غير معرج عليها؛ لأنها لم يصح بها ثبت، ولو صحت لكانت من الشذوذ بحيث لا يقاس عليها.
وحكى بعضهم: ما رأيته منذُ ستٌّ ومذُ يومانِ، وهذا كله إذا صحت به الرواية شاذ.
وحكى بعضهم "اقتل" -بكسر الهمزة- فجاء به على الأصل واعتد الساكن حاجزا؛ لأنه وإن كان لا حركة فيه، فهو حرف على كل حال وهذا من الشاذ3.

وإن كان له وُجَيه في القياس, فهو من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعا.
فإن قلت: فقد قالوا: "اغْزِي يا امرأةُ" فضموا الهمزة وإن كانت1 الزاي مكسورة.
وقالوا: "امشُوا" فكسروا2 الهمزة3 والشين مضمومة.
وهذان مطردان في بابهما، فإنه إنما جاز ذلك؛ لأن أصل الزاي أن تكون مضمومة وأصل الشين أن تكون مكسورة.
ألا ترى أن أصل "اغْزِي: اغْزُوِي" بوزن "اقتُلي" وأصل "امشوا: امشِيُوا" بوزن اضربوا، فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى الزاي, واستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الشين فسكنتا4, وبعد كل واحدة منهما حرف ساكن فحذفتا لالتقاء الساكنين.
فالكسرة في الزاي من اغزي عارضة كما أن الضمة في الشين من امشوا عارضة, فجاءت الهمزتان في أولهما على أصل بنائهما الذي كان يجب لهما.
تسكين أوائل الأفعال: فإن قلت: ولِمَ سكنوا أوائل الأفعال حتى احتاجوا إلى همزة الوصل؟ قيل: إنما كان ذلك؛ لأن الأفعال موضوعة للتوهين والإعلال لتصرفها، وأنها لا تتقارّ على حال واحد؛ فلذلك كثر فيها الاعتلال، ألا تراهم أمالوا مثل "صار، وطاب" مع أن فيهما5 حرفا مستعليا؛ لأنهما فعلان, ولم يجيزوا ذلك في "صالح، وخالد" لأنهما اسمان.
فإن قلت: ما تنكر أن تكون الإمالة إنما حسنت في مثل صار وطاب؛

لأن ألفهما منقلبة1 عن ياء، وألف "صالح وخالد" ليست منقلبة عن ياء؟ قيل: يدل على أن الإمالة لم تجب من أجل2 انقلاب الألف عن الياء، أنهم قد أمالوا "خَاِفَ" وأصل ألفه من الواو؛ لأنه من الخوف.
فإن قيل: فما تُنكر أن تكون الإمالة في "خاف" إنما حدثت؛ لأن الواو كانت مكسورة في الأصل لأنها خَوِفَ؟ قيل: يدل على أنه لم تُمَلْ؛ لأن أصل حركة الواو الكسرة، أنهم قد أمالوا "طَاِبَ" وأصله "طَيَبَ" بالفتح3, فأمالوا ولا كسر فيه.
انكسار الحرف لا يجيز إمالته: وأيضا, فإن انكسار الحرف لا يجيز إمالته, وليس هذا مذكورا في الأسباب الستة الحادثة عنها الإمالة، وإنما تحدث الإمالة عن الكسرة إذا كانت قبل الحرف الممال أو بعده لا فيه، نحو "عماد، وهذا حاتم".
فلما كانت الأفعال غير لازمة لموضع واحد ولا متقارة على سنن، تسلط عليهاالإعلال والتوهين فشجعهم ذلك على أن سكنوا أوائلها حتى احتاجوا إلى همزة الوصل، وهذا من أغلظ ما جرى على الأفعال.
دخول همزة الوصل على فعل الأمر: فأما دخول هذه الهمزة في نحو "اضرب واقتل" وجميع ما كانت حروف المضارعة منه مفتوحة وما بعدها ساكن، فإنما وجب؛ لأن حرف المضارعة حُذف لئلا يلتبس الأمر بالخبر، فلما حذف الحرف لم يجز الابتداء بالساكن، فجيء بالهمزة فقالوا: "اقتل، واستخرج، وانطلق" ونحو ذلك.

ما بين الأسماء والأفعال من تقارب: فإن قلت: فإن الأسماء أيضا لا تتقارّ على حالة واحدة، وقد يدخلها الحذف والتحقير والتكسير والترخيم والنسب، وهذا كله مما يغير فيه الاسم عما1 كان عليه؟ قيل: إن الأسماء وإن كانت كما ذكرت، فهي -لقوتها وتمكنها, وأنها الأول وهي مستغنية عن الأفعال- أثبت من الأفعال، وهي في الصحة أقعد، والاعتلال منها أبعد، إلا أنه لما كان في الأسماء ما ذكرته من الحذف والتحقير والتكسير ونحوها، كان2 بين الأسماء والأفعال تناسب وتقارب، ألا ترى أن الفعل ثانٍ للاسم، وهو وإن كان أضعف منه، فإنه أقوى من الحرف، وقد يكون الاسم خبرا كما يكون الفعل خبرا نحو قولك: "زيد أبوك" و"زيد قام"3 وكل واحد منهما يلحقه الاشتقاق والتصريف.
الأسماء العشرة المبدوءة بهمزة الوصل: فلما كان بين الاسم والفعل هذا التقارب، ولحق الاسم ذلك الاعتلال، اجترءوا على أسماء محصورة فأسكنوا أوائلها وألحقوها همزة الوصل، ولم يستنكر ذلك فيها مع ما ذكرنا4، كما لم تستنكر إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ 5 و ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ 6, ونحو قول الشاعر:

على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما تصح والشيب وازع وكما وصفوا بالفعل في قولهم: "مررت برجل يأكل", والإضافة والوصف إنما أصلهما للأسماء.
وتلك الأسماء: "ابن وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان واسم واست وايم، وقالوا: ابْنُم" يعنون الابن.
قال الشاعر: وهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما وقال الآخر: فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريق لا يمن الله ما اندري وهذه الأسماء كلها معتلة، أما ابن وابنة وابنم واثنان واثنتان واسم وايم واست, فمحذوفات اللامات1 يدل على ذلك2 أن "ابنا" من البنوة واللام فيه واو؛ لأن مؤنثه بنت، والتاء إنما تبدل من الواو دون الياء في غالب الأمر، وكذلك "ابنة وابنم" مثله والميم زائدة وليست بدلا من لام الفعل على حد ما كانت الميم في "فم" بدلا من عين الفعل؛ لأنها لو كانت بدلا، لجرت مجرى اللام.
فكانت اللام من أجل ذلك كأنها ثابتة؛ لأن الشيء إذا أبدل منه لم3 يحذف وإنما جيء بشيء فوضع موضعه فجرى مجراه.
ولو كانت الميم في "ابنم" بدلا من اللام، لكانت اللام في حكم الثابت، وبطل جواز دخول همزة الوصل في أول "ابنم"؛ لأن هذه الهمزة تعاقب اللام ولا تدخل من الأسماء إلا على المحذوفات ما خلا "امرأ" وسنذكره, ألا ترى أنك

تقول في النسب إلى ابن: ابْنِيّ، فتقر الهمزة ما دامت اللام محذوفة، فإن رددت اللام حذفت الهمزة؛ لأنها لا تجتمع مع اللام، وذلك قولهم: "بنوِيّ" واثنان واثنتان من ثنيت الشيء، فالمحذوف1 اللام وهي ياء لظهورها في ثَنَيْتُ, فأما من قال: "بِنْت وثِنْتان" فليست اللام عنده محذوفة، على حد قول من قال: "ابنة واثنتان", بل التاء في بنت وثنتان للإلحاق بمثل "حِلْس وضِرْس" والتاء فيهما بدل من لام الفعل وليست علامة للتأنيث كما تكون في "ابنة2 واثنتان" لكون ما قبلها3 في "بنت وثنتان" وعلامة التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وقال سيبويه: لو سميت رجلا "ببنت وأخت لصرفته"، ولو كانت التاء علامة للتأنيث لما استجازوا4 صرفه، كما أنه لو سماه بثُبَة لما صرفه, قال سيبويه: لأنها بمنزلة التاء في عفريت, وسَنْبَتَة، ولكن هذه الصيغة والبدل لما لم يقع إلا في المؤنث، جرى مجرى علامة التأنيث، وقد بينت هذا في موضع آخر.
والقول في "أخت وهَنْت" كالقول في "بنت" لا فصل بينهما5, ومن ذهب إلى أن المحذوف من بنت "ياء" لانكسار الباء، وجب عليه أن يقول: إن المحذوف من "عِضَة" ياء، ولكان يجب أن تكون السين من سَنَة مضمومة؛ لأنه من الواو، وهذا تخليط فاحش، وقد حكي عن بعض متقدمي أهل العلم.
أفلم ير إلى قول الراجز: هذا طريق يأزم المآزما ... وعِضَوَات تقطع اللهازما

فالساقط واو, وإن كان أولها مكسورا.
وقال الآخر: قد حال دون دريسيه مُؤَوِّبة ... نسع لها بعضاه الأرض تهزيز فالساقط على هذا القول من عِضَة هاء، وعلى هذا قالوا: "بعير عاضه" إذا أكل العضاه، وليس هنا للياء1 مدخل, وقالوا في جميع "سنة: سنوات"، فالساقط واو كما ترى، وإن كانت السين مفتوحة.
واسم: محذوف اللام لقولهم: "سميت وأسماء"، فهذا2 بمنزلة "دميت ودماء", والمحذوف منه واو؛ لأنه من السمو والرفعة، وفيه لغات: "اسْم وسِم وسُم". وحدثنا أبو علي عن أحمد بن يحيى, عن ابن الأعرابي أنه يقال: "سمى" بوزن "هدى". وقال الراجز: وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سِمُهْ وقال الآخر: باسم الذي في كل سورة سُمُهْ بكسر السين وضمها. فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: فدع عنك ذكر اللهو واعمد لمدحة ... لخير معد كلها حيثما انتمى لأعظمها قدرا وأكرمها أبا ... وأحسنها وجها وأعلنها سُما ويروى سِما بكسر السين3.
فمن كسر السين فالألف عنده للوصل بمنزلة الألف في قول الراجز: يا دار عمرة من محتلها الجرعا

ولا يجوز أن تكون لام الفعل؛ لأنَّا لم نعلمهم قالوا: هذا "سِما" بوزن "رضا", وأما من ضم السين فقوله عندي يحتمل أمرين: أحدهما ما عليه الناس وهو أن تكون الألف للوصل1 بمنزلتها في قول من كسر السين، والوجه الآخر أن تكون2 لام الفعل بمنزلة الألف في القافية التي قبلها وهي "انتمى" ويكون هذا التأويل على قول من قال: "هذا سما" بوزن "هدى", إلا أنه حذف اللام3 لالتقاء الساكنين، "وايْم" محذوفة من "أيْمُن"؛ لأنها كثرت في القَسَم وعُرف موضعها وحذفت همزتها، وهي جمع يمين.
وقال أبو النجم: يبري لها من أيمن وأشمل ويقولون: "أيمن الله، وايم الله، ومُ الله، ومِ الله" يريدون: "أيمن4 الله5", وقال قوم: "إن مُ الله، ومِ الله " محذوفة من قولهم: "مُنُ اللهِ" والأول هو الوجه. وكان أبو العباس ينكر أن يكون جمع يمين، قال: لوصلهم الألف، ولا يمتنع أن تحذف الهمزة لكثرة الاستعمال ومعرفة الموضع، وليس ذلك فيها بأكثر من قولهم: "مُ اللهِ ومِ اللهِ"6.
وأما است فمحذوفة اللام وهي هاء7, ومما8 يدل على ذلك قولهم في تحقيرها: سُتَيْهَة, وفي جمعها: أستاه, وقالوا: "رجل أسته وسُتْهُم"، وقد قالوا: "سَهٌ" في معناها فحذفوا العين، وهذا من الشاذ، ولم يأت من الأسماء ما حُذفت عينه إلا هذا الحرف.

وقولهم: "مذ"؛ لأنها محذوفة من منذ، جاء في الحديث: "العينان وكاء السَّهِ".
قال الراجز1: ادع أحيحا باسمها لا تنسه ... إن أحيحا هي صئبان السه وأنشد أبو زيد: رقاب كالمواجن خاظيات ... وأستاه على الأكوار كوم 2فأما قولهم: "امرؤ وامرأة" فإنما أسكنوا أولهما وإن كانا تامين غير محذوفين؛ لأنك أدخلت الألف واللام فقلت: "المرء والمرأة" ثم خففت الهمزة بأن حذفتها وألقيت حركتها على الراء فقلت: "جاءني المَرُ، ورأيت المَرَ, ومررت بالمَرِ2".
فلما كانت الراء التي هي عين الفعل قد تحرك بحركة الإعراب وكثرت هذه الكلمة في كلامهم حتى صارت عبارة عن كل ذكر وأنثى من الناس أعلوها؛ لكثرة استعمالهم إياها، فشبهوا الراء3 في قولهم4: "المَرُ، والمَرَ، والمَرِ، بالخاء في الأخِ والأخُ والأخَ" فأتبعوا عينها حركة لامها فقالوا: هذا5 "امرُؤٌ، ورأيت امرَأً، ومررت بامرِئٍ" كما قالوا: "هذا أخوك، ورأيت أخاك، ومررت بأخيك".وألفه6 وألف ابنم مكسورة على كل حال؛ لأن الضمة فيه عارضة للرفع غير لازمة، وليس كذلك "اقتُلْ" فلما اعتل هذا الاسم بإتباع

حركة عينه حركة لامه وكثر استعماله أسكنوا1 أوله وألحقوه همزة الوصل، وليس كذلك "ابْنُم"؛ لأنه لم يكثر كثرة امرئ، ولأنه لا همزة يُذهبها التخفيف فيه، فلامه محذوفة لا محالة.
قال أبو العباس: ولم يلحقوها في "أب"، ولا2 "أخ"؛ لأن في أولهما3 همزة, فكرهوا اجتماع همزتين فتنقلب الثانية ياء، وهذا قولٌ كما تراه؛ لأنا قد رأيناهم قالوا: "دَمٌ, وغد، ويد، وهَنٌ" ونحو ذلك, فلم يلحقوه همزة الوصل مع أنه ليس في أوله همزة.
ولكن القول عندي في ذلك: أن همزة الوصل قد عاقبت الأصل في قولهم: "ابْنِيّ وبَنَوِيّ" فكأنها4 من الأصل، فمن ألحقها في هذه المحذوفات, فأشبهها بالفعل من قبل الاعتلال، ومن لم يلحقها فله أن يقول: إنها لو جاءت لكانت كالعوض من المحذوف فكأني عند إتياني بها أردت الحذف ثم أتيت بما يقوم مقام المحذوف فكأن لم أحذف، وهذا نقض ما قصدت له من الحذف.
ألا ترى أنهم قالوا في النسب إلى يد: يَدَوِيّ؟ فتركوا عين الفعل محركة بعد الرد؛ لأنهم لو حذفوا الحركة عند رد اللام لكانت اللام كأنها لم ترد؛ لأنها قد عاقبت الحركة، فإذا حذفت الحركة بعد الرد كنت لحذفك5 إياها كمن لم يرد, وصار ردك كلا رد.
وهذا قول أبي علي فيما أخذته عنه وهو يشهد بصحة ما ذهب6 إليه سيبويه في تبقية الحركة التي حدثت بعد الحذف إذا رد إلى الكلمة ما حُذف منها، وأبو الحسن يذهب إلى حذف ما وجب بالحذف عند

رد المحذوف، فيقول في النسب إلى يد: "يَدْيِيّ" وفي غد: "غَدْوِيّ" والقول قول سيبويه، ألا ترى أن الشاعر لما رد الحرف المحذوف بقّى الحركة التي أحدثها الحذف بحالها قبل الرد1 في قوله: يَدَيانِ بيضاوان عند محلم ... قد يمنعانك أن تضام وتضهدا فتحريكه2 الدال بعد رد الياء دلالة على صحة ما ذهب إليه سيبويه من تبقية الحركة بعد الرد.
قال أبو علي: فإن قيل: فما تصنع بقول الراجز: لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا ويقول الآخر: وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغَدْوا بلاقع؟ ألا ترى أنه قد3 رد اللام في غد, وحذف حركة العين؟ فهذا يشهد بصحة قول الأخفش: فالجواب: أن الذي قال: "غدوا" ليس من لغته أن يقول: "غد" فيحذف، بل الذي يقول: "غد" غير الذي يقول4: "غدوا".
وإنما شرحت لك5 أحكام هذه الأسماء؛ لأن أبا عثمان لم يذكرها في الكتاب، فأردت أن أبينها لما اتصلت بهذا الموضع.
"إسكان أوائل الأسماء وإدخال همزة الوصل عليها": ثم نرجع فنقول: إن هذه الأسماء لما أشبهت الأفعال بهذا الحذف6 والتغيير, أُسكنت أوائلها ودخلتها همزة الوصل.

دخول همزة الوصل على مصادر الأفعال التي في أوائلها همزة الوصل: فأما إخادلهم الهمزة في مصادر الأفعال التي في أوائلها همزة الوصل نحو: "انطلق انطلاقا، واستخرج استخراجا" فإنه مطرد فيها؛ لأنها ثابتة في الأفعال، فجاءت في المصادر، وهذا نظير قولهم: "لذت لياذا" فأعلوا المصدر لاعتلال لذت.
ويقولون: "لاوذت لِوَاذا" فيصححون1 المصدر لصحة الفعل، وهذا لا يدل على أن المصدر مشتق من الفعل وإن كان في الاعتلال محمولا عليه؛ لأنهم قد أعلوا "يقوم" لاعتلال "قام" وليس أحد يقول: إن "يقوم" مشتق من "قام" ولكن -لما كانت هذه الأمثلة كالشيء الواحد، ويقع بعضها موقع بعض فيغني غناءه ويسد مسده ووجب في بعضها اعتلال- أجروه على الجميع2؛ لئلا يختلف الباب.
قال أبو علي: ألا ترى أنهم لما حذفوا الهمزة من "يُكرم" أثبتوها في "إكرام", فكان ذلك كالعوض من حذفها؛ لأنها إذا ثبتت في بعض هذه الأمثلة كانت لذلك كالثابتة في الباقي.
دخول همزة الوصل على الحروف: فهذا وجه دخول همزة الوصل في الأفعال والأسماء.
فأما الحروف فلم تدخل هذه الهمزة3 في شيء منها إلا في حرف واحد وهو لام التعريف, ولكنها فتحت للفرق بينها وبين هذه الداخلة على الأفعال والأسماء.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الألف واللام جميعا للتعريف بمنزلة "قد" في الأفعال, ولكن هذه الهمزة لما كثرت في الكلام وعرف موضعها -والهمزة مستثقلة-

حذفت في الوصل؛ لضرب من التخفيف, قالوا: والدليل على ذلك أن الشاعر إذا اضطُرّ فصلها من الكلمة كما يفصل "قد", من ذلك قوله: عجل لنا هذا وألحقنا بذل ... الشحم إنا قد مللناه بجل ففصلها1 في البيت الأول، ثم ردها في أول الكلمة بعد؛ لأنها مرت في البيت الأول، فكأنها لما تباعدت أُنسيها أو لم يعتد بها، وهذا أحد ما يدل عندي على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء فهو بيت كامل, وليس بنصف بيت على ما ذهب إليه أبو الحسن.
ألا ترى أنه رد "ال" في أول البيت الثاني؛ لأن الأول بيت كامل.
وقد قام بنفسه وتمت أجزاؤه، فاحتاج في ابتداء البيت الثاني إلى أن يعرف الكلمة التي في أوله, فلم يعتد بالحرف الذي قد كان فصله؛ لأنهما ليسا في بيت واحد.
ولو كان هذان البيتان بيتًا واحدًا كما يقول من يخالف، لما احتاج إلى رد حرف التعريف، ألا ترى أن عبيدا لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات وجعل آخر المصراع الأول "أل", لم يُعِد الحرف في أول المصراع الثاني لما كانا مصراعين, ولم يكن كل واحد منهما بيتًا قائمًا برأسه؟ وذلك قوله: يا خليليّ اربعا واستخبرا الـ ... ـمنزل الدارس من أهل الحلال مثل سحق البرد عفَّى بعدك الـ ... ـقطر مغناه وتأويب الشمال ولقد يغنى به جيرانك الـ ... ـممسكو منك بأسباب الوصال تطرد هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتا على هذا الطراز إلا بيتا واحدا، وهو قوله: فانتجعنا الحارث الأعرج في ... جحفل كالليل خَطَّار العَوال2

فهذا ما عندي في هذا، وقد كان أبو علي يحتج أيضا على أبي الحسن بشيء غير هذا, وليس هذا موضع ذكره؛ لئلا يعظم تشعب هذا الكتاب, وقوله: "الممسكو" أراد: "الممسكون" ولكن حذف النون لطول الاسم لا للإضافة، وعلى هذا ما أنشدوه من قول الشاعر: الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم مِنْ ورائهم نَطَف وقرأ بعضهم: "والمقيمي الصلاةَ"1 بالنصب، وإنما2 شُبِّهت الألف واللام في أوائل هذه الأسماء "بالذي" فحذفت النون منها, كما حذفت لطول الاسم من قول الشاعر: أبني كليب إن عميّ اللذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا وقال الأشهب بن رميلة: فإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد هم ساعد الدهر الذي يقتدى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حَرْد دماء الأساود يريد "الذين" كما أراد الأخطل "اللذان", وفي3 قوله: "الممسكو" عندي شيء ليس في3 قوله: الحافظو عورة العشيرة.... وذلك أن حرف التعريف في أول "الممسكو" في المصراع الأول، وبقية الكلمة في المصراع الثاني, والمصراع كثيرا ما يقوم بنفسه حتى يكاد يكون بيتا كاملا، وكثيرا ما تُقطع همزة الوصل في أول المصراع الثاني نحو قول الشاعر:

لتسمعن وشيكا في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا وقد أجاز أبو الحسن الخَرْم في أول المصراع الثاني بخلاف قول الخليل، وجاء ذلك في الشعر.
قال الراعي: وعاشرة وهو قد خافها ... فهو يبسبس أو ينقر وقال امرؤ القيس: وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من أخر فلما كانت هذه الأشياء التي من شأنها أن تأتي في أول البيت جائزة في أول المصراع، دل ذلك على أن المصراع يكاد يقوم بنفسه.
وإذا كان كذلك أشبه البيت التام وتنزّل المصراعان لذلك منزلة البيتين، فلما كان أول "الممسكو" في المصراع1 الأول، وباقيه في المصراع الثاني، وهما كالبيتين المنفصلين، ازدادت الكلمة طولا، فازداد حذف النون جوازا، وليس "الحافظو" كذلك؛ لأن الكلمة بكمالها في المصراع الأول، فلم تطل طول "الممسكو"2 وهذا فصل فيه طول2، وكلا الاسمين إنما وجب فيه الحذف لطوله.
وأقول: إن اتصال2 الألف واللام بالاسم أشد من اتصال "قد وسوف" بالفعل.
والدليل على ذلك أنهم يقولون: "مررت بالرجل" فيُوصلون عمل الباء إلى الاسم ولا يعتدون الألف واللام فاصلا.
ولو كانتا فاصلا لم يجز فصلهما بين الجار والمجرور، "وقد، وسوف" ليسا كذلك؛ لأن "قد, وسوف" يجوز أن يفصل بينهما وبين الفعل للضرورة نحو قولهم: "قد زيدًا رأيتُ" و"سوف زيدًا أضربُ" والألف واللام لا يجوز أن يفصل بينهما وبين الاسم4 [المعرف بهما] وإنما اشتد اتصال حرف التعريف بالاسم4؛ لأنه في الأصل على حرف واحد وهو اللام،

ثم دخلت الألف لسكونها، والحرف إذا كان على حرف واحد لم يجز فصله.
أداة التعريف والتنوين: ويدل أيضا عندي على شدة اتصال حرف1 التعريف أنه معاقب للتنوين، فكما أن التنوين لا يجوز فصله، كذلك لم يجز2 فصل اللام.
ويدل أيضا عندي على أن حرف3 التعريف قياسه أن يكون على حرف واحد أنه نقيض التنوين، وذلك أن التنوين يدل على التنكير, واللام تدل على التعريف.
فلما كان التنوين حرفا واحدا4 كان قياس حرف التعريف أن يكون حرفا واحدا4 وهم مما يُجرون الشيء مجرى نقيضه، كما يجرونه مجرى نظيره، ألا تراهم قالوا: "طويل" فجاءوا به على وزن "قصير", وكذلك "قائم وقاعد، ونهض وجلس, وخفيف وثقيل" وجروا بـ "ـكم" في الخبر؛ لأنها نقيضة "رُبَّ" ألا ترى أن "رب" للتقليل و"كم" للتكثير.
وقالوا: "كثر ما تقولن", فألحقوا النون؛ لأنه نقيض "قَلَّما تقولن" وهذا ونحوه مطرد كثير في كلامهم.
فمن هنا4 اقتضى القياس أن يكون حرف التعريف5 حرفا واحدا؛ لأنه نقيض التنوين الذي هو على6 حرف واحد.
فإن قلت: فقد قالوا في التخفيف "الَحْمَرُ" فجاءوا بالهمزة مع تحرك7

اللام، فما تنكر أن تكون الهمزة لم تدخل لسكون اللام؟ قيل: إنما جاز هذا لاجتماع أشياء؛ منها: أن اللام أصلها السكون، وإنما تحركت لفتحة1 الهمزة في التخفيف, والأصل التحقيق والسكون, وإنما الحركة عارضة.
ومنها أن هذه الهمزة قبل اللام قد اضطُروا إلى2 إثباتها في بعض المواضع2 في قولهم: آلرجل قال ذاك؟ إذا استفهمتَ؛ لئلا يلتبس الخبر بالاستفهام.
ومنها: أنهم قالوا: "يا ألله اغفر لي" بقطع الهمزة؛ لأن باب النداء باب تغيير عن الأصول.
ومنها: أنها مفتوحة وسائر همزات الوصل غيرها مكسورة أو مضمومة، فأشبهت من هنا همزة القطع نحو: "أَحْمَد، وأَفْكَل".
فلما اجتمعت فيها هذه الأشياء, شابهت الأصل, فأقرت مع تحرك ما بعدها في قولهم: "الَحْمَرُ".
وإذا كان أبو الحسن قد أجاز: "اسَلْ زيدَا" فأقر الهمزة مع تحرك السين للتخفيف؛ لأن الحركة عنده غير لازمة وإن كانت الهمزة لم تثبت في أوله في غير هذا الموضع ثبات همزة حرف التعريف، فقولهم: "الحمر" أسوغ لما ذكرنا، فهذا قول.
وقد قالوا: "لَحْمَر" أيضا بلا همزة قبل اللام.
فإن جاز لمحتج أن يحتج على ثبات الهمزة وأنها من الأصل؛ لقولهم: "الحمر" وإقرارهم الهمزة عند تحرك اللام, جاز لآخر أيضا أن يحتج على أنها إنما دخلت لسكون ما بعدها بقولهم: "لحمر" وحذفهم الهمزة لتحرك ما بعدها.
فقد ثبت أن حرف التعريف إنما هو اللام, وأن الهمزة إنما دخلت لسكون

اللام.
ولولا أنني أكره الإطالة وكثرة التشعب لما اقتصرت على ما أوردته1, ولوصلت بعض الكلام ببعض، فكان يكون أضعاف هذا, وفي بعض ما أذكره مقنع إن شاء الله.
فهذه أحكام همزة الوصل ومواقعها من الأفعال والأسماء والحروف, وقد أتى أبو عثمان على تمثيل ما تدخل فيه من الماضي، وأنا أذكره مثالا فمثالا وأُتبع كل واحد منها ما عندي.
انْفَعَلَ وزيادة همزة الوصل والنون في أوله: قال أبو عثمان: أما النون فتلحق أولا فتلزمها ألف الوصل في الابتداء, ويكون الحرف على انفعل نحو: "انطلق، وانمحى الكتاب, وانصرح الحق2, وما أشبه ذلك مما هو على انفعل.
قال أبو الفتح: اعلم أن مثال انفعل لا يكون متعديا البتة3، وإنما جاء في كلام العرب للمطاوعة.
ومعنى المطاوعة أن تريد من الشيء أمرا ما4 فتبلغه إما بأن يفعل ما تريده إذا5 كان مما6 يصح منه الفعل، وإما أن يصير إلى مثل7 حال الفاعل الذي يصح منه الفعل, وإن كان مما لا يصح منه الفعل.
فأما ما يُطاوِع بأن يفعل هو فعلا بنفسه فنحو قولك: "أطلقته فانطلق، وصرفته فانصرف"، ألا ترى أنه هو الذي فعل الانطلاق، والانصراف بنفسه

عند إرادتك إياهما منه، أو بعثك إياه عليهما.
فأما ما تبلغ منه مرادك بأن يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل فنحو قولك: "قطعتُ الحبلَ فانقطع، وكسرتُ الحبَّ فانكسر"؛ ألا ترى أن الحب والحبل لا يصح منهما الفعل؛ لأنه لا قدرة لهما، وإنما أردت ذلك منهما فبلغته بما أحدثته أنت فيهما، لا أنهما توليا الفعل؛ لأن الفعل لا يصح من مثلهما، إلا أنهما قد صارا إلى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل، وذلك أن الفعل1 صار حادثا فيهما كما كان حادثا في الفاعلين على الحقيقة، فأما قول الشاعر: ولا يَدِي في حميت السمن تندخل فهو من أدخلته، ونظيره أطلقته فانطلق، وهو من باب القطع الحبل؛ لأن اليد لا تكون فاعلة، إنما هي آلة يفعل بها، كما يقال: "سمعت بأذني، ونظرت بعيني" وإنما الفاعل هو الجملة, لا العضو وحده.
واعلم أن انفعل إنما أصله من الثلاثة ثم تلحقه الزيادتان2 من أوله نحو: "قطعته فانقطع، وسرحته فانسرح", ولا يكاد يكون فَعَلَ منه إلا متعديا حتى يمكن المطاوعة والانفعال، ألا ترى أن قطعت متعد وكذلك كسرت وقلعت، وقد جاء فَعَلَ منه غير متعد، أنشدني أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش3 أُراه قال قرأته عليه: وكم منزل لولاي طحت كما هَوَى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي4 وإنما هو5 مطاوع هَوَى: إذا سقط، وهَوَى غير متعد كما ترى، وقد

جاء في هذه القصيدة مُنْغَوٍ، قال أبو علي: إنما بنى من هَوَى وغَوَى مُنْفَعِلًا لضرورة الشعر، وعلى هذا قالوا: "شويت اللحم فانشوى", وقد قالوا: "اشتوى" وليس في كثرة انشوى.
القلب والإدغام في بعض الكلام دون بعض: فإن قال قائل: ولِمَ جاز الإدغام في امَّحى الكتاب1؟ وهلا بينت النون فقيل: "انمحى" كما قالوا: "شاة2 زَنْماء وزُنْم" وكما قالوا: "أنملة وأنمار" ونحو ذلك؟ قيل: قد كان القياس في زنماء وزنم وأنملة3 وأنمار ونحوها أن تدغم النون في الميم؛ لأنها ساكنة قبل الميم ولكن لم يجز ذلك لئلا يلتبس الأصول بعضها ببعض.
فلو قالوا: "زَمَّاء وزُمّ" لالتبس بباب زممت الناقة، ولو قالوا: "أُمَّلَة" لالتبس بباب أملت4 و5 لو قالوا: "أمّار" لالتبس بباب أمرت5 كما بينوا في نحو "منية وأنْوَك وقَنْوَاء وقَنو" لئلا يلتبس مُنْيَة بباب مَيّ، وأنوك بفوْعل, أو فعْول من باب ما فاؤه همزة وعينه واو، وقنواء وقنو6 بباب قَوّ وقُوّة, فرُفض الإدغام في هذا ونحوه مخافة الالتباس ولم يخافوا في "امحى الكتاب" أن يلتبس بشيء؛ لأنه ليس في كلام العرب شيء على افّعل بتشديد الفاء؛ ولهذا ما5 قال الخليل في انفعل من وجلت: اوّجَلَ، وقالوا من "رأيتُ: ارَّأى" ومن "لَحِزَ: الَّحَزَ"؛ لأنه ليس في الكلام افَّعَل، ولم يأت في6 كلامهم نون

ساكنة قبل راء ولا لام نحو: "قِنْر وعِنْل"؛ لأنه إن أظهره1 ثقل جدا وإن ادّغمه التبس بغيره، ومن أجل ذلك امتنعوا أن يبنوا مثل عَنْسَل وعَنْبَس من شرب وعلم و2 ما كان مثلهما2 مما عينه راء أو لام؛ لأنه إن بيّن فقال: "شَنْرَب, وعنلم" ثقُل جدا، وإن ادّغم فقال: "شرّب وعلم" التبس بفَعّل.
فسألت أبا علي عن هذا، فقلت: ألا ترى أنّا لو بنينا من باع "فَيْعَلا، أو فَوْعَلا, أو فَعْوَلا، أو فَعَّلَ" لقلنا: "بَيَّعَ", فهلا لم يجز أن تبني مثل هذا لئلا يلتبس مثال بمثال كما3 امتنعنا أن نقول3 في مثل عَنْسَل من ضرب "ضَرَّبَ" مخافة الالتباس؟ فقال: إن للياء والواو من التصرف وانقلاب إحداهما إلى الأخرى ما ليس للنون، فاحتمل ذلك لذلك, والقول عندي كما ذكر.
افْتَعَلَ وزيادة همزة الوصل والتاء فيه: قال أبو عثمان: وتلحق التاء ثانية ويكون الفعل على افتعل ويُسكَّن أول4 حرف منه4, فتلزمه ألف الوصل في الابتداء وذلك نحو: "اجْتَرَحَ، واكتسب، واستبق القوم" ولا تلحق التاء ثانية والتي2 قبلها من نفس الحرف إلا في3 هذا المثال وحده في الأفعال.

قال أبو الفتح: اعلم أن افْتَعَلْتُ قد تأتي في معنى انْفَعَلْتُ للمطاوعة وذلك قولهم: "شويته فانشوى" وقالوا في معناه: "اشتوى", وقالوا: "غممته فاغتم وانغم" وتأتي بمعنى تفاعل نحو: "اجتور القوم" أي: تجاوروا، واعتونوا، أي: تعاونوا.
وتأتي بمعنى فعلتُ نحو1: قرأت وتقرأت2 واقترأت، وقروت الأرض واقتريتها, وتكون "افتعلتُ" متعدية وغير متعدية.
فأما المتعدي فنحو "اقتطعت الأرض واكتسبت المال" وغير المتعدي نحو قولهم: "اصطلح القوم، واختصموا"، ولا يكون انفعل متعديا أبدا.
حكم بناء انفعل وافتعل: قال أبو على: حكم افتعل، وانفعل ألا يبنيا إلا مما كان فَعَلَ منه متعديا, هذا في الأمر العام.
يريد أن اقتطع من قطع وكذلك "حويت، واحتويت"، وقد جاء في الشعر، قال الراجز: حتى إذا اشتال سهيل في السحر كشعلة القابس ترمي بالشرر فهذا من شال يشول، وهو غير متعد بدلالة قول الراجز: تراه تحت الفنن الوريق يشول بالمحجن كالمحروق ولو كان متعديا لقال: "يشول المحجن", وأنشدنا أبو علي قال: أنشد أبو عبيدة:

بدا منك غش طالما قد كتمته ... كما اكتتمت داء1 ابنها أم مُدَّوِي2 فمُدَّوٍ مُفْتَعِل، وأصله3 من الدَّوّ، والأصل3: مُدْتَوٍ، وهذا يفسر في موضعه، فأجاز أبو علي في مفتعل هذا3 ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون من قول المرأة التي قال لها ابنها: "أأدَّوِي" أي: أآكل الدواية، وهو ما خثُر من الدسم على اللبن، فقالت4 مجيبة: اللجام بمكان كذا وكذا، فكتمت قول ابنها وأخفته عمن جاء يخطبه إليها، وكأن الشاعر جاء بهذا على استعارة هذا المَثَل الذي للمرأة، وخبر هذه المرأة مشهور عندهم.
وأجاز أيضًا أن يكون "مُدَّوٍ" هذا مما حكاه أبو زيد من قولهم: "أَدْوَأْتَ يا فلان" ومن قولهم: "داء الرجل يداء من الداء"، فبنى مفتعلًا منه للحاجة إلى القافية وقلب الهمزة ياء ضرورة كما قال الآخر: وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهرواج وهو من وَجَأْتُ، وكان قياسه ألا يجعلها كياء "قاضي".
وأجاز فيه أيضًا أن يكون مما حكاه أبو زيد من قولهم: "رجل دَوًى, ورجلان دَوَيَانِ، ورجال أدْواء" وهو بمعنى السقيم.
قال أبو علي: ويكون بناؤه مفتعلًا منه، مثل قوله: "اشتال ومنغوي"5، وقوله: ولا تلحق التاء ثانية والتي قبلها من نفس الحرف إلا هذا المثال وحده من6 الأفعال، قد قيد به جزءا من كلامهم وأمِنتَ معه أن ترى التاء ثانية زائدة بعد فاء الفعل أبدا إلا في هذا المثال وما تصرف منه.

اسْتَفْعَلَ وزيادة الهمزة والسين والتاء في أوله: قال أبو عثمان: وتلحق السين أولا والتاء ثانية وتكون السين ساكنة فتلزمها ألف الوصل ويكون الفعل على استفعل، ولا تلحق السين أولا إلا في استفعل، ولا التاء ثانية وقبلها زائد إلا في هذا.
قال1 أبو الفتح1: اعلم أن استفعلت يجيء على ضربين: متعد وغير متعد.
فالمتعدي نحو "استحسنت الشيء واستقبحته", وغير المتعدي نحو "استقدمت واستأخرت".
ويكون فَعل منهما متعديا وغير متعد؛ فالمتعدي نحو "عَلِمَ واستعلم، وعَصَمَ واستعصم", وغير المتعدي نحو "حسُن واستحسن، وقبُح واستقبح".
ويقع "استفعل" في الكلام لمعانٍ: منها الطلب نحو "استعتبته" أي: طلبت2 إليه العتبى2 3, واستعفيته أي: طلبت منه الإعفاء3.
ويكون استفعلت للشيء تصيبه على هيئة ما، نحو "استعظمته" أي: أصبته عظيما، و"استكرمته" أي: أصبته كريما.
وقد تأتي استفعلت بمعنى فَعَلْتُ منها1 نحو "مر واستمر، وقر واستقر".
1, 1 ظ: الشيخ.
2، 2 في ظ: منه الإعفاء.
وفي ش: منه الإعتاب.
3، 3 ساقط من ظ، ش.

وقد تأتي للتنقل من حال إلى حال نحو "استنوق الجمل، واستتيست الشاة".
وقوله: ولا تلحق السين أولا إلا في استفعل1, ولا التاء ثانية وقبلها زائد2 إلا في هذا.
قد حصر به أيضا قطعة من الأمثلة كنحو ما فعل في المثال الذي قبله.
افْعَالَلْتُ وزيادة الهمزة والألف واللام فيه: قال أبو عثمان: وتلحق الألف ثالثة وتلحق اللام الزيادة من موضعها ويسكن أول حرف فيلزمه ألف الوصل في الابتداء, ويكون الحرف على "افعاللت" ويجري على مثال "استفعلت" إلا أن الإدغام يدركه فتسكن اللام الأولى للإدغام, ولا تضاعف اللام والألف ثالثة إلا في هذا المثال، وذلك نحو "احْمارَرْتُ, واصفاررت، وابياضضت, واسواددت".
قال أبو الفتح: اعلم أن مثال "افعاللت" أكثر ما صِيغَ للألوان، وذلك قولهم: "اشْهَابَبْتُ، واسواددت، وادهاممت, وابياضضت", وقد قالوا: "امْلاسّ واضْرابّ" وليسا من اللون, وغير ذلك.
قال سيبويه: ولا يكون متعديا, ليس في الكلام "افعاللْتُهُ".
وقوله: وتلحق اللام الزيادة من موضعها, يريد به3: أنك إذا قلت: "ابياضضت" فإنما كررت الضاد بعينها, ولم تأت بلفظ آخر.
ويريد بموضعها: من لفظها.

وقوله: ويجري على مثال استفعلتُ1 يريد به أن حركاته وسكونه على مثال حركات استفعلت1 وسكونه.
ألا ترى أنك تقول: "ابياضضت ابيضاضا", فيكون بوزن1 استخرجت استخراجا, وإن كان ليس على بنائه, كما أن انفعل بوزن افتعل في الحركة والسكون, وإن لم يكن على بنائه.
وقوله: إلا أن الإدغام يدركه فتسكن اللام الأولى للإدغام, يريد به: أن اللامين في ابياضضت من موضع واحد, فيكره اجتماع مِثْلَين متحركين3, فيُسكَّن الأول منهما ويدغم في الذي بعده كما فعلوه في شدّ وردّ, وذلك ابياضّ واشهابّ، وإنما يلحقه هذا الإدغام إذا تحرك الآخر، فإن سكن زال المستكره من اجتماع مثلين متحركين3، فرجعت اللام الأولى إلى الحركة نحو "ابياضصت" وليس كذلك "استخرجت"؛ لأن في آخر "استخرجت" حرفين مختلفين وهما الراء والجيم فلم يجب لذلك ادغام.
فأما قولهم: "اقْعَنْسَسَ" وتحريكهم المثلين، فإنه إنما جاز ذلك؛ لأنه ملحق باحرنجم، وستراه في موضعه إن شاء الله.
وقد ضَبَطَ أيضا بقوله: ولا تضاعف اللام، والألف ثالثة إلا في هذا المثال, جزءا من الكلام.
فإن قال قائل: فقد قالوا: "اسحارّ" لضرب من النبت فكرروا اللام, وهذا ينقض ما جاء به؟ فالجواب: أن أبا عثمان إنما أراد: أنه لا تضاعف اللام، والأولى متحركة وفي أول الكلمة همزة الوصل لتكون الألف لذلك ثالثة، وليس كذلك "اسحارّ"؛ لأن الراء الأولى لا أصل لها في الحركة وإنما هي ساكنة، ألا ترى أن سيبويه قال في ترخيم اسحارّ؛ اسم رجل على قول من قال: يا حارِ: 1، 1 ساقط من ظ، ش.

يا اسحارّ بفتح الراء1، قال: لأنه لا يعرف لها حركة في الأصل ففتحها؛ لمجاورتها الألف كما قالوا2: الآن ففتحوا لمجاورة الألف، ولم يجزها مجرى مُشْهاب؛ لأن الباء الأولى عنده متحركة في الأصل، ونظير اسحارّ "حَمارَّة3، وزعارَّة، وعبالة، وزرافة، وصبارة".
افْعَلَلْتُ وزيادة الهمزة واللام فيه: قال أبو عثمان: وتلحق اللام زائدة فيسكن أول حرف, فتلزمه ألف الوصل4 في الابتداء ويكون الفعل5 على افعللت, فيجري مجرى افتعلتُ إلا في الإدغام، فإنه يدركه كما أدرك "اشْهابَبْتُ" حين قلت: "اشْهابّ الفرس" وذلك نحو "احمرَرْتُ، واصفررت، وابيضضت".
قال أبو الفتح: اعلم أن "افعللت" إنما هي مقصورة من "افعالَلْتُ" لطول الكلمة، ومعناها كمعناها.
قال سيبويه: وليس شيء يقال فيه: "افعاللتُ" إلا يقال فيه: "افعللتُ" ولا6 شيء يقال فيه: "افعللت" إلا يقال فيه: "افعاللت", إلا أنه قد تَقِلّ إحدى اللغتين في الشيء وتكثر في الأخرى، إلا أن طرح الألف من "اخْضَرَّ, واحمر، واصفر، وابيض, واسود" أكثر، وإثبات الألف في "اشْهَابّ،

وادْهامّ، واكْمَاتَّ" أكثر، وقد قالوا: ارْقَدَّ في العدْو، وارْعَوَى، واقْتَوَى إذا خدم، وكله افْعَلَّ، ولم أسمعهم قالوا في شيء من هذا: "افْعَالَلْتُ".
وقوله: فيجري مجرى افتعلتُ, يريد به أيضا: الحركة والسكون، ولو قال: فيجري مجرى انفعلتُ لكان صوابا، كما أنه لو قال في "افعاللتُ"1: إنه يجري مجرى "افْعَوْعَلْتُ" لكان صوابا؛ لأن الوزن واحد وإن اختلفت الأمثلة.
"وافْعَلَّ" أيضا لا يتعدى، كما أن "افْعَالَّ" كذلك، والإدغام واجب فيه، كما أن "افعال" كذلك2, لا فرق2 بينهما في هذه المواضع.
تضعيف العين وزيادة واو بين العينين: قال أبو عثمان: وتضاعف العين وتزاد واو بين العينين، ويسكن أول حرف، فيكون الفعل2 على مثال "افعَوْعَلْتُ" وتلزمه ألف الوصل في الابتداء، وذلك نحو: "اغْدَوْدَنَ".
قال أبو الفتح: اعلم أن "افعوعل" معناها المبالغة نحو خشُن "واخشوشن, وأعشب واعشوشب" ويجيء على ضربين: متعد، وغير متعد.
فالمتعدي نحو "احْلَوْلَيْتُ الشيء".
قال الشاعر: فلما أتى عامان بعد انفصاله ... عن الضرع واحْلَوْلَى دماثا يرودها وقال الآخر:

واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العرضي تركضه ... أم الفوارس بالديداء والربعه وقرأت, أو سمعت يقرأ على ابن مقسم, عن ثعلب: فلو كنت تعطي حين تسأل سامحت ... لك النفس واحْلَوْلَاك كل خليل أجل لا ولكن أنت ألأم من مشى ... وأسأل من صماء ذات صليل وغير المتعدي نحو "اغْدَوْدَنَ النبت" إذا طال، "واغرورقت عيناه بالدمع".
وهذه الواو في "افعوعلت" زائدة في موضع الإلف المزيدة1 من "افعاللتُ", إلا أن التكرير في "افعاللتُ"2 من موضع اللام وهو في "افعوعلت"2 من موضع العين، وحجزت الواو بين العينين، فلم يلزم إدغام، واجتمعت2 اللامان في "افعاللت وافعللت" فلزم3 الإدغام.
افْعَوَّل وزيادة الواو ثالثة مضاعفة: قال أبو عثمان: وتلحق الواو ثالثة مضاعفة فيكون الحرف على مثال: "افْعَوَّلْتُ" وتلزم ألف الوصل في الابتداء، وذلك نحو: "اعْلَوَّطَ المهر".
قال أبو الفتح: اعلم أن "افعولتُ" يكون أيضا على ضربين: "متعد، وغير متعد", فالمتعدي نحو "اعلوطت المهر"، وغير المتعدي قولهم: "اخرَوَّطَ السفر" إذا امتد، و"اجلوذ" مثله، قال الشاعر: ألا حبذا حبذا حبذا ... حبيب تحملت فيه الأذى ويا حبذا برد أنيابه ... إذا أظلم الليل واجلَوَّذَا

ما أُلحق بالأربعة من الفعل: قال أبو عثمان: ومما1 لحقته الزوائد1 من بنات الثلاثة من الفعل وأُلحق ببنات الأربعة حتى جرى مجراها، وحتى صار بمنزلة ما هو من نفس الحرف: "جَلْبَبْتُ وشَمْلَلْتُ".
قال أبو الفتح: اعلم أن هذا الضرب يجيء متعديا نحو: "جلببتُهُ جَلْبَبَة، وصعررته صعررة".
قال الراجز: سودا كحب الفُلْفُلِ المُصَعْرَرِ ولم أسمع هذا النحو غير متعد.
ويريد بقوله: "جرى مجراها" أنك تقول: "جلبب يجلبب جلببة فهو مُجلبِب، وشملل يشملل شمللة فهو مُشملَل", فيجري ذلك مجرى "دحرج يدحرج دحرجة فهو مدحرج", وتُظهر الباء واللام الأوليين ولا تدغمهما؛ لأن الحرف ملحق بدحرج.
فلو قلت: "شَمَلّ أو جَلَبّ" فأدغمت وحولت الحركة, لكنت قد نقضت ما له قصدت من الإلحاق، ولم تأت بالبناء المقصود، وصارت الباء واللام الأخيرتان بمنزلة الجيم من "دَحْرَجَ"2 وهذا يعني بقوله: وصار بمنزلة ما هو من نفس الحرف، والذي هو من نفس الحرف الجيم من "دحرج"2, وهذا الإلحاق هو المطرد الذي ذكره1 في أول الكتاب.
1, 1 عن ص وش ويقابله في ظ: "لحقه الزوائد", وفي هامشها: "لحقته الزيادة صح نسخه".
2, 2 ساقط من ظ، ش.

ما ألحق بالأربعة بالواو والياء: قال أبو عثمان: ومثل ذلك مما أُلحق بالأربعة بالواو والياء: "حَوْقَلْتُ حَوْقَلَةً, وصومعت صومعة، وبيطرت بيطرة".
قال أبو الفتح: اعلم أن "فَوْعَلْتُ" أيضا: متعد وغير متعد.
فالمتعدي "صومعته صومعة" وغير المتعدي "حوقلت حوقلة" و"فَيْعلتُ" مثله.
فالمتعدي "بيطر الدابة بيطرة", وغير المتعدي "بيقر بيقرة فهو مبيقر": إذا خرج من الشأم إلى العراق، قال امرؤ القيس: ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا وبيعر أيضا: إذا عدا منكسا رأسه.
وجاءت أحرف على "مُفَيْعِل" وهو "مُبَيْقِر، ومبيطر، ومسيطر، ومهينم، ومهيمن", وكل هذه جارية1 على الفعل؛ يقال: "بيقر، وبيطر، وسيطر، وهينم، وهيمن".
وقوله1: ومثل ذلك, يريد: أن "فَوْعلت، وفَيْعلت" ملحق بدحرجت؛ لأنك تقول فيه: "صَوْمَعَ صَوْمَعَةً فهو مُصَوْمِع، وبيطر بيطرة فهو مبيطر", فجرى ذلك مجرى "دحرج دحرجة فهو مدحرج".
قال أبو عثمان: ومثله "فَعْوَلْتُ" نحو: "جَهْوَرْتُ جهورةً، وهرولت هرولة".
1, 1 ظ، ش: هذا جارٍ.

قال أبو الفتح1: قوله: ومثله، يريد به: أن مثل: "بيطرت وحرقلت: جهورت"2 في أن2 هذا إلحاق غير مطرد، كما أن ذلك كذلك، ويجوز2 أن تكون الهاء في "مثله" راجعة إلى باب "جلببت وشمللت"؛ لأنه على وزنه، والأشبه في هذا أن تكون راجعة إلى باب فَوْعلت وفَيْعلت؛ لأنه أوقع.
وفَعْوَلت هذه متعد وغير متعد، فالمتعدي "دَهْوَرْتُ المتاع دَهْوَرَةً", وغير المتعدي "هرولت هرولة".
قال أبو عثمان: ومثله: "قَلْسَيْتُهُ قَلْساةً، وجعبيته جعباة3، وسلقيته سلقاة".
قال أبو الفتح4: قوله: ومثله، نظير قوله: ومثله في الفصل قبله، تحتمل "الهاء" وجهين من التأويل، وهو على ضربين: متعد، وغير متعد.
فالمتعدي نحو: "قلسيته قلساة"، وغير المتعدي نحو: "عنظيت، وحنظيت، وخنظيت، وخنذيت".
قال أبو عثمان: وتلحق النون ثالثة في هذا، وتكون الزيادة من موضع اللام6, ويكون آخره أيضا ياء زائدة6 ويسكن أوله, فتلزمه ألف الوصل

ويكون الحرف على "افْعَنْلَلْتُ، وافْعَنْلَيْتُ" نحو: "اقْعَنْسس، واسْلَنْقيت".
قال أبو الفتح: إنما سوّى بين "اقعنسس, واسلنقيت"؛ لأجل النون الثالثة فيهما، ولأن في آخر كل واحد منهما زيادة وإن كانت في "اقعنسس" لامًا مكررة, وفي "اسلنقيت" ياء مزيدة, وأنهما قد اشتركا في زيادتهما, وأنهما ملحقان.
ولا يكون "افْعَنْللت" متعديا أبدا؛ لأنه نظير "انْفَعَلت", ألا ترى أن فيه نونا وهمزة وصل, كما أن "انفعلت" كذلك.
و"افعَنْليت" على ضربين: متعد، وغير متعد.
فالمتعدي نحو قول الراجز: قد جعل النعاس يَغْرَنْدِينِي أدفعه عني ويَسْرَنْدِينِي وغير المتعدي نحو قولهم: "احْرَنْبى الديك، وابرنتى الرجل".
قال أبو عثمان: وهذا فُعِل به كما فُعِل ببنات الأربعة نحو: "احرنجم واخرنطم" ولم يزيدوا هذه النون إلا فيما كانت الزيادة منه في موضع اللام, أو كانت الياء1 في آخره1 زائدة؛ لأن النون هنا تقع بين حرفين من نفس الحرف, كما تقع في "احرنجم" كذلك، فكذلك جميع ما ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة.
1، 1 ظ، ش: أخيرة.

قال أبو الفتح: قوله: وهذا فعل به كما فعل ببنات الأربعة نحو: "احرنجم" يريد به: أنهم أرادوا أن يبلغوا ببنات الثلاثة بناء بنات الأربعة, بزيادة هذه النون في هذا الموضع.
فلما كانت النون في "احْرَنْجَمَ"1 ثالثة ساكنة, كانت في "اقعنسس" كذلك، ولما كان بعدها في احرنجم1 حرفان, جعلوا بعدها في اقعنسس سينين؛ إحداهما زائدة ليُلحَق البناء بالبناء، وكذلك زادوا في اسْلَنْقيت ياء مكان السين الأخيرة؛ لأنهما كلتاهما زائدتان.
فهذا1 معنى قوله: ولم يزيدوا هذه النون إلا فيما كانت الزيادة منه في موضع اللام, أو كانت الياء أخيرة2 زائدة.
وهذا أحد ما يدل على أن إلحاق بنات الثلاثة ببنات الأربعة من موضع اللام فيما لا زيادة فيه، نحو: "جلببت، وصعررت" هو القياس.
ألا ترى أن "اقعنسس" كذلك؟ وكأن الياء في باب "افعَنْليتُ" داخلة على اللام المكررة وأن الموضع للام دون الياء، كما أن "سلقيت" داخل على "جلببت".
وقوله: لأن النون هنا تقع بين حرفين من نفس الحرف, كما تقع في "احرنجم" كذلك، يريد به أن يريك: لِمَ صارت الزيادة في "اقعنسس" من موضع اللام؟ وتفسير هذا: أنه لما كانت النون في "احرنجم" واقعة بين الراء 1، 1 ساقط من ظ وش.

جارٍ التحميل