المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازنيصفحات 7-47

باب الأسماء والأفعال

صفحات 7-47
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
دار إحياء التراث القديم
الطبعة
الأولى في ذي الحجة سنة 1373هـ - أغسطس سنة 1954م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: كم يكون عدد1 حروفه في الأصل, وما يزاد فيهما عن الأصل؟ قال أبو الفتح2: أول ما في هذا أن يسأل فيقال: لِمَ لَمْ يذكر الحروف في هذا الموضع مع الأسماء والأفعال؟ وما السبب في ذلك؟ والجواب3: أنه إنما قصد أن يمثل الأسماء والأفعال؛ ليُرِي أصلها من زائدها؛ لأنها مما يصرف ويشتق بعضها من بعض، والحروف لا يصح فيها التصريف ولا الاشتقاق؛ لأنها مجهولة الأصول، وإنما هي كالأصوات نحو صَهْ ومَهْ ونحوهما، فالحروف لا تمثل بالفعل؛ لأنها لا يعرف لها اشتقاق، فلو قال لك قائل: ما مثال: هل أوقد أو حتى أو هلا ونحو4 ذلك من الفعل لكانت مسألته محالا، وكنت تقول له: إن هذا ونحوه لا يمثل؛ لأنه ليس بمشتق، إلا أن تنقلها إلى التسمية بها, فحينئذ يجوز وزنها بالفعل، فأما وهي على ما هي عليه من الحرفية فلا تصرف.
الألفات في أواخر حروف المعاني أصول: ولهذا المعنى ما كانت الألفات في أواخر الحروف أصولا غير زوائد، ولا منقلبة من واو ولا ياء وذلك نحو: "ما " و"لا"5 وما أشبههما5, لا تقل: إن الألف فيهما منقلبة كألف عصا ورحى وغزا ورمى؛ لأنها لو كان أصلها واوا أو ياء لظهرتا لسكونهما, كما ظهرتا في نحو "كي وأي ولو وأو".

فلو1 كان أصل ألف " " من الواو لقلت: "مَوْ" كما قلت: "لو" وكذلك لو كانت من الياء2 لوجب أن تقول2: "مَيْ" كما قلت: "كي"3 ولم تقلب ياء "كي" وواو "أو" ألفا3؛ لأنها إنما تقلب إذا كانت متحركة وما قبلها مفتوح، وهي في الحروف ساكنة كلام "هل وبل"2, ودال "قد"؛ فلهذا بطل أن تكون منقلبة، ولو قال قائل: إن الألفات في أواخر الحروف زوائد لكان مبطلا؛ لأنه إنما تعرف الزيادة من غيرها بالاشتقاق، والحروف لا تشتق, فلا يعرف ذلك فيها؛ فلذلك لم يذكر الحروف في هذا الموضع3.
ما في حكم الحروف من الأسماء المبنية: وقول أبي عثمان: الأسماء: يعني الأسماء المتمكنة، والتي يمكن تصريفها واشتقاقها نحو "رجل وفرس"، ولا يريد الأسماء المبنية الموغلة في شبه الحروف4؛ لأن تلك الأسماء في حكم الحروف، ألا ترى أن "كم ومن وإذ " سواكن الأواخر "كهل وبل وقد".
وإنما كان ذلك فيها لمضارعتها الحروف، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الألف في "متى وإذا وأنى وإياك" ونحوها غير منقلبة من ياء ولا واو، كما أن الألف "في حتى وكلا" كذلك.
وكما كانت "مَنْ وكم كهل وبل"، فهذه الأسماء المبنية التي5 في حكم الحروف لا تشتق ولا تمثل من الفعل, كما أن الحروف كذلك.

ما جاء مشتقا من الأسماء المبنية: وقد جاء بعض هذه المبنية مشتقا نحو "لبيك"؛ لأنهم يقولون: أَلَبَّ بالمكان، ونحو "قط"؛ لأنها من قططت أي: قطعت؛ لأن قولك: ما فعلته قط معناه: فيما انقطع ومضى من عمرك.
وكذلك "ذا وذي والذي" ونحو ذلك مما يدخله التحقير، أو يستعمل استعمال المتصرف، وليس ذلك بالكثير، وكلما كان الاسم في شبه الحروف1 أقعد، كان من الاشتقاق والتصريف أبعد.
الألف في "أنا" في الوقف، والهاء التي تلحق في الوقف لبيان الحركة: فأما الألف في "أنا" في الوقف فزائدة, وليست بأصل، ولم نقض بذلك فيها من قِبَل الاشتقاق، هذا محال في الأسماء المضمرة؛ لأنها مبنية كالحروف، ولكن قضينا بزيادتها من حيث كان الوصل يزيلها ويذهبها, كما يُذهِب الهاء التي تلحق لبيان الحركة في الوقف، ألا ترى أنك تقول في الوصل: أنا2 زيد، كما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ 3 يكتب في الوقف4 بألف بعد النون، وليست الألف في اللفظ، وإنما كتبت على الوقف، فصار سقوط الألف في الوصل كسقوط الهاء التي تلحق في الوقف لبيان الحركة في الوصل, ألا ترى أنك تقول: "ارمِهْ" إذا وقفت وأنت تريد "ارْمِ", فإذا وصلت قلت: "ارمِ يا رجل"، فالألف في "أنا" كالهاء في "ارمِهْ" زائدة مثلها، وبُيِّنت الفتحة بالألف كما بُيِّنت الكسرة5 بالهاء؛ لأن الهاء مجاورة للألف، ومثل ذلك

ما حكاه سيبويه أن من العرب من يقول في الوقف: "قالا" وهو يريد "قال", فيبين الحركة بالألف، وقد قالوا1 في الوقف: "أَنَهْ" فبينوا الفتحة بالهاء كما بينوها بالألف، وكلتاهما ساقطة في الوصل.
"إجراء العرب كثيرا من ألفاظها في الوصل مجراها في الوقف": فأما قول الشاعر: أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذريت السناما فإنه أجراه في الوصل على حد ما كان عليه في الوقف، وعلى هذا قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: وشعري الذي سمعت به، وقد أجرت العرب كثيرا من ألفاظها في الوصل على حد ما تكون عليه في الوقف، وأكثر ما يجيء ذلك في ضرورة الشعر، حكى سيبويه عن العرب "ثلاثهَ رْبَعه" بفتح الهاء من ثلاثة وحذف الهمزة من أربعة وإلقاء حركتها على الهاء، وكان قياسه إذا حركها أن يردها تاء، إلا أنها لما كانت هاء في الوقف تركها في الوصل على ذلك، وأنشد سيبويه أيضا: ضخما يحب الخلق الأضخما يريد الأضخم خفيف الميم، وهذا التثقيل إنما يكون في الوقف ليعلم باجتماع الساكنين في الوقف أنه متحرك في الوصل، حرصا على البيان؛ لأنه معلوم أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان، وعلى هذا قالوا: "خالد, وهو يجعل", فإذا وصلوا قالوا: "خالدٌ يا فتى" فكان سبيله إذا أطلق الميم في "الأضخم" بالنصب أن يزيل التثقيل، إلا أنه أجراه في الوصل مجراه في الوقف للضرورة، ومثله:

ببازل وجناء أو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل يريد العيهل والكلكل، وهذا أكثر من أن أضبطه لك لسعته وكثرته، والذي أذكر منه ومن أشباهه فوق ما يحتاج إليه استظهارا وتأنيسا بالأمثال والنظائر، فإن سيبويه كثيرا ما كان يعتمد في كتابه على إيراد النظائر ليؤنس بها، فكذلك أجرى الشاعر قوله: أنا سيف العشيرة فاعرفوني في الوصل مجراه في الوقف.
الأصلي والزائد: وقول أبي عثمان: كم يكون عددهما في الأصل، وما يزاد فيهما على الأصل؟ قال أبو الفتح1: اعلم أنه إنما يريد بقوله الأصل: الفاء والعين واللام، والزائد: ما لم يكن فاء ولا عينا ولا لاما، مثال ذلك قولك: ضرب، فالضاد من ضرب فاء الفعل، والراء عينه، والباء لامه، فصار مثال ضرب: فعل، فالفاء الأصل الأول، والعين الأصل الثاني، واللام الأصل الثالث، فإذا ثبت ذلك، فكل ما زاد على الضاد والراء والباء من أول الكلمة أو وسطها أو آخرها، فهو زائد، ومعنى زائد أنه ليس بفاء ولا عين ولا لام، وليس يعنون بقولهم: زائد أنه لو حُذف من الكلمة لدلت بعد حذفه على ما كانت تدل عليه وهو فيها، ألا ترى أن الألف من ضارب زائدة، فلو2 حذفتها فقلت: ضَرِب لم يدل على اسم الفاعل بعد الحذف، كما كان يدل عليه قبل الحذف، وكذلك قولهم: مضروب، لو حذفت الميم والواو لم يكن ما بقي من الكلمة

دالا على اسم المفعول، كما يدل عليه "مضروب" بكماله، بل لم يكن يمكن النطق بهذه الكلمة وما أشبهها بعد حذف الميم؛ لأن الضاد بعدها ساكنة، والابتداء بالساكن ممتنع كما تعلم.
فمما زيد1 في "ضرب" من أوله قولهم: "استضرب" فالهمزة والسين والتاء زوائد؛ لأنه ليس في ضرب شيء من ذلك، ومثاله: استفعل، وكذلك يضرب الياء زائدة، ومثاله يَفْعِل، والزيادة في وسطه قولك: "ضَرُوب" الواو زائدة، ومثاله: فَعُول، والزيادة في آخره, قولك: "ضَرَبان" فالألف والنون زائدتان، ومثاله: فَعَلان, فالأصول يقابل بها في المثال: الفاء، والعين، واللام.
ويُلفَظ بالزائد بعينه لفظا في المثال، ولا يقابل به فاء ولا عين ولا لام؛ لأنه لو كان أحد الثلاثة2 لكان أصلا لا زائدا، ألا ترى أنك تقول في "ضروب: فعول"، فتأتي في "فعول" بالواو التي كانت في "ضروب" بعينها؛ لأنها زائدة، فإن تكرر الثاني من الأصول وهو العين كررت في المثال العين بإزائه، فتقول في "ضرّب: فعّل" فتثقل العين من "فعّل"؛ لأنها بإزاء الراء من "ضرّب", فإن تكرر الأصل الثالث وهو اللام، كررت في المثال اللام بإزائه، فتقول في "ضربب: فعلل" جئت في المثال بلامين، لما كان في ضربب باءان، فإن تكرر الأصلان كلاهما, كررت في المثال العين واللام كلتيهما، تقول في "ضَرَبْرَب: فَعَلْعَل" زدت عينا ولاما لما زدت في "ضربرب" راء وباء، والفاء لم تكرر في كلام العرب إلا في حرف واحد، وهو "مرمريس" وهي3 الداهية والشدة، قال الراجز:

داهية حدباء مَرْمَرِيس ومَرْمَرِيت: في معناه, فمثاله من الفعل1 "فَعْفَعيل"؛ لأنه من المراسة وهي الشدة، فتكررت الفاء والعين، ولا نظير لهذه الكلمة، وإنما بسطت هذا الموضع؛ لأن أكثر من يتعرض للنظر في هذا العلم يسمع الأصل والزائد ولا2 يعرف الغرض فيهما, ولا حقيقة ما يراد بهما، فكشفت هذا المعنى؛ ليشترك في معرفته المبتدئ والمتمكن فيه.
الزيادة للإلحاق ولغيره: قال أبو عثمان: فمما يزاد ما يلحق بناء ببناء، ومنه ما يكون للمد، ومنه ما يلحق للمعنى، وفيه ما يلحق في الكلام ولا يتكلم به إلا بزائد؛ لأنه وُضع على المعنى الذي أرادوا بهذه الهيئة.
قال أبو الفتح: فصّل في هذه الجمل أنواع الزيادات، وعرّف الغرض في أن زِيدت, وما الذي دعا إلى ذلك.
الزيادة للإلحاق: فما زِيد فيه للإلحاق كثير، منه "كَوْثَر وصَيْرَف" فالواو والياء فيهما زائدتان؛ لأنهما من الكثرة والصرف، وهما ملحقان "بجعفر وسلهب"، وكذلك "جَدْوَل" الواو فيه زائدة ملحقة "بجعفر" وقد قيل: "جدول" بكسر الجيم، فالواو في هذا ملحقة له ببناء "درهم وهجرع وهبلع"

ومن ذلك "سَمَيْدَع" الياء فيه زائدة ملحقة بفرزدق ومثاله فَعَيْلَل، وكذلك "فَدَوْكس".
وهذا1 أكثر من أن أضبطه لك، وإنما أذكر منه ومن نظائره ما يدعو إليه القياس.
الزيادة للمد: وقوله: ومنه ما يكون للمد، يعني الواو في "عجوز وعمود", والياء في "جَرِيب وقَضِيب", والألف في "كتاب وسراج" لم يرد بهذه وما أشبهها إلا امتداد الصوت والتكثير بها، ولأنهم كثيرا ما يحتاجون إلى المد في كلامهم؛ ليكون المد عوضا من شيء قد حذفوه، أو للين الصوت فيه2، ألا ترى أن الضرب الثالث من الطويل قد أُلزم حرف المد نحو قول الشاعر: أقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرءوسا ونحو قول الآخر, أنشدناه أبو علي لقطري بن الفجاءة: لعمرك إني في الحياة لزاهد ... وفي العيش ما لم ألق أم حكيم ونحو قول الآخر, قرأته على أبي علي في نوادر أبي زيد: جزوني بما ربيتهم وحملتهم ... كذلك ما إن الخطوب دوال فهذه الألف في "دوال", والياء في "حكيم", والواو في3 "الرءوس"، تسمى الردف.
وإنما لزمت هذا الضرب لتكون عوضا من لام مفاعيلن، وهذا مبين في علم القوافي، وإنما يعرفه أهل العروض، فلهذا ونحوه ما زِيدت

هذه1 المدات، وللحاجة1 إلى الاتساع في كلامهم؛ لأنهم قد1 يعبرون عن المعنى الواحد بالألفاظ الكثيرة، وهذا يضطر إلى الاتساع، فمن ها2 هنا احتِيج إلى الزوائد المكثرة للكلام.
الزيادة للمعنى: وقوله: ومنه ما يلحق للمعنى, يريد به نحو التنوين الذي دخل الكلام علامة للخفة والتمكن في الأسماء في نحو "زيدٌ وزيدًا وزيدٍ".
ومن ذلك: حروف المضارعة إنما جاءت لتجعل الفعل يصلح لزمانين نحو قولك: زيد يقرأ، ألا ترى أنه يصلح أن يكون إخبارا عنه بأنه في حال قراءة، ويصلح أن يكون يراد به أنه3 سيقرأ فيما يستقبل، ومن ذلك: ألف "أنا"، إنما زيدت لبيان حركة النون، وقد مضى ذكرها، ومن ذلك: ألف الندبة، إنما زيدت لمد الصوت وإظهار التفجع على المندوب، فهذه الأشياء ونحوها مما زيد للمعنى، ألا ترى أن الدلالة على ذلك4 المعنى تزول بزوال ذلك الزائد، إلا أن الندبة قد تكون بغير ألف تقول: وا زيدُ5.
الزيادة من أصل الوضع: وقوله: "ومنه ما يلحق في الكلام ولا يتكلم به إلا بزائد؛ لأنه وُضع على المعنى الذي أرادوا بهذه الهيئة" فإنما يعنى به: افتقر ونحوه، ألا ترى أن الماضي من هذا اللفظ لم ينطق به إلا على مثال: افتعل، والزيادة لازمة له، وهي 1, 1 بدل ما بينهما في ظ، ش: لامتداد الصوت للحاجة.

الهمزة والتاء في أوله.
وقولهم: "فقير" يشهد بأنهم كأنهم1 قد قالوا فيه: "فَقُرَ" مثل "ظَرُفَ فهو ظريف"، هذا أخص به من فَعِلَ وفَعَلَ، وإن كانوا قد قالوا: "شَقِيَ فهو شَقِيّ وقدَر فهو قدير"، فإن باب "فَعِيل" أن يكون "لفعُل" وإذا2 كانوا قد3 قالوا: "يَذَرُ ويَدَعُ" ولم يقولوا: "وَذَرَ ولا وَدَعَ" استغناء عنهما "بترك" على ما قال سيبويه، مع أن بين الماضي والمضارع نسبا قريبا، فأن يقولوا: "فقير" ولا يقولوا: "فقر" -وإن كان عليه جاء- أجدر؛ لبعد ما بين الاسم والفعل4، وإن كان في هذه الأسماء كثير من أحكام الأفعال، فإن الفعل بالفعل أشبه منه بالاسم، وكذلك "اشتد" لم ينطق به بلا زيادة، لم يقولوا: شَدَّ في هذا المعنى، على أن أبا زيد قد حكاها في كتاب5 مصادره، وقولهم: "شديد" كأنهم قد قالوا فيه: "شدُدت" وإن لم يجيئوا به.
قال سيبويه: استغنوا "بافتقر واشتد" عن "فقُرتُ وشددتُ"، كما استغنوا "باحمارّ عن حَمِرَ"، يريد أن "احمارّ" أيضا لم ينطق بالماضي منه إلا بزائد نحو "احمرّ واحمارّ", قال سيبويه أيضا: كما استغنوا "بارتفع" عن "رفُع" وعليه جاء "رفيع"، يريد أن قولهم: "رَفِيع: فَعِيل" و"فعيل" إنما يأتي من "فعُل" نحو كرم فهو كريم.
وكذلك قولهم: "ارْعَوَى الرجل" وزنه افعلَّ ولم أسمعهم استعملوا الماضي منه بلا زيادة، وليس من لفظ رعيت؛ لأن لام "رعيت" ياء، ولام "ارعوى" واو؛ لظهورها6 كما ترى.
وليس "الرعوى من "ارعوى" إنما هي "فَعْلَى" من "رعيت" قُلبت ياؤها واوا، بمنزلة

"تَقْوَى", وكذلك قولهم: "اقطارّ النَّبْتُ واقطَرَّ واشمأززتُ" لم يستعملوها1 إلا بتكرير اللام، فهذا ونحوه مما لم ينطق به إلا بزيادة؛ لأنهم قد يستغنون بالشيء عن الشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطا من كلامهم، ألا ترى أن قولهم: "مَلَامح" إنما هو في القياس جمع "مَلْمَحة", لا جمع "لمحة"، و"سُمَحاء" إنما هو جمع "سَمِيح" في القياس لا "سَمْح", و"مَشَابِه" إنما هو جمع "مَشْبَه" لا "شِبْه"، فكأنهم قد نطقوا "بملمحة وسميح ومشبه" لما جاء الجمع عليها، إلا أنهم استغنوا بسمح عن سميح، وبلمحة عن ملمحة، وبشبه عن مشبه حتى صار المستغنى عنه مسقطا, وقد قال بعضهم: "سميح" وهو شاذ في الاستعمال.
وإذا2 كانوا قد نطقوا بالمضارع ولم ينطقوا بالماضي في "وذر وودع" على قرب ما بين الماضي والمضارع، فالجمع على بعده من الواحد أجدر ألا يلزم أن يجيئوا بواحده من أجل مجيئهم به، فهذا شرح هذا.
أبنية الأسماء والأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها: قال أبو عثمان3: "فأقل الأصول في الأسماء عددا الثلاثة، نحو زيد وعمرو وبكر وعِدْل وبُرْد وجبل وفَخِذ وعَضُد وزُفَر ومِعًى، والأفعال نحو ضَرَب وعلم وضُرِب وظرُف"3.

قال أبو الفتح: اعلم أن الأسماء التي لا زيادة فيها تكون على ثلاثة أصول: أصل ثلاثي, وأصل رباعي, وأصل خماسي، والأفعال التي لا زيادة فيها تكون على أصلين: أصل ثلاثي, وأصل رباعي.
ولا يكون فعل1 على خمسة أحرف لا زيادة فيه2، وأنا أذكر كل أصل في موضعه مستقصى3 بحول الله وقوته3.
فالأسماء الثلاثية تكون على عشرة أمثلة: "فَعْل, وفَعَل، وفَعِل, وفَعُل، وفِعْل3، وفِعِل, وفِعَل, وفُعْل, وفُعُل, وفُعَل" وجميع هذه الأمثلة تكون اسما وصفة، فمثال: فَعْل ويكون اسما صفة. فالاسم كلب وكعب، والصفة ضخم وخدل. وفَعَل يكون يكون اسما وصفة. فالاسم رسن وطلل، والصفة بطل وحسن. وفَعِلٌ يكون اسما وصفة. فالاسم كبد وفخذ، والصفة حذر وفطن. وفَعُل يكون اسما وصفة. فالاسم رجل وعضد، والصفة يقظ وندس. وفِعْل يكون اسما وصفة. فالاسم جذع وعدل، والصفة نضو، ونقض. وفِعِل يكون اسما وصفة. فالاسم إبل وإطل، والصفة قالوا: امرأة بلز، وهي الضخمة4.
وقد قالوا: أتان إبد5, فأما قول الشاعر: أرتني حِجْلا على ساقها ... فهش الفواد لذاك الحِجِل فقلت ولم أخف عن صاحبي ... ألا بأبي أصل تلك الرِّجِل

ويروى بِيبَا1, فإنما أراد به الإتباع لإقامة الوزن وأصل بنائها2 على "فِعْل" ساكنة العين.
ألا ترى أن هذا الشعر من الضرب الثالث من المتقارب ووزنه في العروض فَعَل.
وبيته: وأبني3 من الشعر شعرا عويصا ... ينسي الرواة الذي قد رووا فلو أسكن الجيم لفسد البيت كله؛ لأنه كان يصير ضربه على فِعْل, وهذا فاسد ممتنع.
وأما قولهم: "رجل جِئِز، ومِحِك، ونِفِر" ونحوه, فإنما أصل بنائه على4 فَعِل كحَذِر.
ولكنهم كسروا فاء الفعل إتباعا من أجل حرف الحلق، كما قالوا: شِعِير وبِعِير، فكسروا فاء الفعل لكسرة عينه وعلى هذا تقول: "في رَغِيف رِغِيف" بكسر الراء.
وحكى أبو زيد عن العرب: "الجنة لمن خاف وِعِيدَ اللهِ" ولا تقول: "في جَرِيب وقَفِيز: جِرِيب ولا5 قِفِيز"؛ لأنه ليس ثاني حروفهما حرفا من حروف الحلق، فهذا تشعب, ثم نعود لما كنا فيه: وفِعَل: يكون اسما وصفة.
فالاسم نحو6 ضلع وعنب، والصفة: قوم عدى ومكان سوى.
وقال النابغة: باتت ثلاث ليالٍ ثم واحدة ... بذي المجاز تراعي منزلا زيما وفُعْل: يكون اسما وصفة.
فالاسم: قفل وبرد، والصفة: حلو ومر.
وفُعُل: يكون اسما وصفة.
فالاسم عنق وطنب، والصفة: سرح وطلق.
وفُعَل: يكون اسما وصفة.
فالاسم ربع وخزز، والصفة: ختع وسكع, وقال7 الراجز:

قد لفها الليل بسواق حُطَم ولا يوجد في الكلام: فِعُل -بكسر الفاء وضم العين- وإنما لم يجئ ذلك كراهية خروجهم من الكسر إلى الضم بناء لازما، وإذا كانوا قد قالوا: اقتُلْ فضموا الهمزة لضمة1 التاء ولم يكسروها على ما كان يجب فيها مع أن بين الهمزة والتاء حاجزا وهو القاف، فألا يخرجوا من كسر إلى ضم بلا حاجز أجدر، فأما قولهم: هو يَضْرِبك.
وخروجهم من كسرة الراء إلى ضمة الباء فليس يكسر ما قدمناه؛ لأن هذه الضمة ليست بلازمة، ألا ترى أن النصب والجزم يزيلانها، وإنما يكره من ذلك أن تكون الحركة لازمة، وليس في الكلام اسم على فُعِل -بضم الفاء وكسر العين- إنما هذا بناء يختص به الفعل المبني للمفعول نحو: ضُرِب وقُتِل إلا في اسم واحد وهو دُئِل, وهي2 دُوَيْبَّة وبها سُميت قبيلة أبي الأسود الدؤلي وإنما فُتحت الهمزة في النسب لتوالي الكسرتين مع ياءي الإضافة، فهربوا إلى الفتح، كما قالوا في شَقِرة شَقَريّ، وفي الصَّعِق صَعَقيّ.
قال الشاعر3: جاءوا بجيش لو قيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدُّئِل فهذه الأسماء.
وأما الأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها, فعلى ضربين: فِعْل مبني للفاعل، وفعل مبني للمفعول.
فالمبني للفاعل على ثلاثة أضرب: "فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ".
فمثال فَعَل يكون متعديا وغير متعد؛ فالمتعدي نحو: "ضرب وقتل", وغير المتعدي نحو "جلس ونهض".
وفَعِلَ يكون متعديا وغير متعد، فالمتعدي نحو "شرب وركب"، وغير المتعدي نحو "سلم وقدم".

وفَعُلَ لا يكون أبدا إلا غير متعد؛ لأنه إنما جاء في كلامهم للهيئة التي يكون عليها الفاعل لا لشيء يفعله قصدا لغيره نحو "شرف وظرف"، فأما ما جاء في كلامهم نحو قوله: وإن أهجه يضجر كما ضَجْرَ بازلٌ ... من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه فإنما أراد به الشاعر ضَجِرَ ودَبِرَتْ، ولكنه أسكن الحرف استثقالا للكسرة، وعلى هذا قالوا: "قد كَرْمَ الرجلُ" يريدون: كرُم، وقالوا: "لَقَضْوَ الرجلُ" يريدون: لَقَضُو الرجلُ، فأسكنوا المضموم كما أسكنوا المكسور، ولم يجئ من هذا شيء في المفتوح لخفة الفتحة, ألا ترى أن من قال: فَخْذ ورَجْل وهو يريد: فَخِذًا ورَجُلًا، لم يقل في جَمَل: جَمْل لخفة الفتحة، إلا أنهم قد أنشدوا للأخطل: وما كل مبتاع ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ... براجع ما قد فاته بِرِداد قالوا: أراد سَلَفَ, ولكنه اضطُر فخفّف المفتوح، وهذا عندهم من الشاذ، فهذا ما قال1 أصحابنا فيه، ويحتمل عندي وجها آخر، وهو أن يكون مخففا من فَعِل مكسور العين، ولكنه فِعْل غير مستعمل إلا أنه في تقدير الاستعمال وإن لم ينطق به، كما أن قولهم: "تفرقوا عبادِيدَ وشماطِيطَ"، كأنهم قد نطقوا فيه بالواحد من هذين الجمعين وإن لم يكن مستعملا في اللفظ، فكأنهم2 استغنوا بسَلَفَ هذا المفتوح عن ذلك المكسور أن ينطقوا به غير مسكن.
وإذا كانوا قد جاءوا بجموع لم ينطقوا لها بآحاد، مع أن الجمع لا يكون إلا عن واحد، فأن يستغنى بفَعَل عن فَعِل من لفظه ومعناه -وليس بينهما إلا فتحة عين هذا وكسرة عين ذاك- أجدر.

وأرى أنهم استغنوا بالمفتوح عن المكسور لخفة الفتحة، فهذا ما يحتمله القياس وهو أحسن من أن تحمل الكلمة على الشذوذ ما1 وجدتَ لها2 ضربا من القياس.
فإن قلت: فإنَّا لم3 نسمعهم يقولون: يَسْلَف -بفتح اللام- فما تنكر أن يكون هذا يدل على أنهم لا يريدون: سَلِفَ على وجه، إذ لو كان مرادا عندهم لقالوا في مضارعه: يَسْلَفُ، كا أن من يقول: قد عَلْمَ فيُسكن عين الفعل، لا يقول في مضارعه إلا: يَعْلَمُ، فالجواب أنهم لما4 لم ينطقوا بالمكسور على وجه واستغنوا عنه بالمفتوح، صار عندهم كالمرفوض الذي لا أصل له واجتمعوا على مضارع المفتوح.
وهذا ينبغي أن يكون مما ذكره سيبويه: أنهم يستغنون فيه بالشيء عن الشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطا لا سيما إذا دلت عليه دلالة وهي تسكينهم عين الفعل، وهذا التسكين لم نره في المفتوح البتة.
فإن قلت: إنا5 قد رأيناه في هذا الحرف، فإن نفس الشيء6 المتنازع فيه لا يكون حجة على7 الخصم، إنما يكون حجة ما قد ثبت بلا خلاف، فأما ما الخلاف واقع فيه فلا يكون حجة، ونظير هذا الذي ذهبت إليه في هذه الكلمة من أنهم أسكنوا عينها من مكسور لم ينطقوا به وكأنهم قد نطقوا به, ما ذهب إليه أبو علي في قول الكميت: وبالعذوات منبتنا نضار ... ونبع لا فصافص في كبينا

يكون فُعِلَ منقولا من فَعُلَ أبدا؛ لأن فَعُلَ لا يتعدى، والفعل لا ينقل إلى فُعِلَ حتى يكون متعديا قبل النقل.
ألا ترى أن "ضَرَبَ" متعد؛ فلذلك جاز أن تبنيه للمفعول فتقول: "ضُرب" وكذلك "ركب" ثم تقول: "رُكب"، و"فَعُل" لا يتعدى أبدا, فلا يجوز أن تبنيه للمفعول؛ لأنك إذا لم تذكر الفاعل ولم يكن ثم مفعول يقوم مقامه في أن يجعل الفعل حديثا عنه، بقي الفعل حديثا عن غير محدث عنه، وهذا محال.
فإن أقمت الظرف مقام الفاعل جاز أن تبني فُعِل من فَعُل نحو ظُرِف في هذا المكان، فأما قول القطامي: ونُفْخُوا عن مدائنهم فطاروا وقول أبي النجم: لو عُصْرَ منه البان والمسك انعصر فإنما أريد به: "نُفِخُوا، وعُصِرَ" ولكنه خفف الكلمة بحذف الكسرة، فأما1 قولهم: "قد قيل، وخيف" ونحوهما، فأصلهما: "قُوِل، وخُوِف"، ثم غُيِّرا بعد ذلك، وهذا مبين مشروح في موضعه بحول الله.
فهذه أبنية الأسماء والأفعال الثلاثية التي لا زيادة فيها.
أبنية الأسماء والأفعال الرباعية لا زيادة فيها: قال أبو عثمان: وتكون الأسماء والأفعال على أربعة أحرف ليس فيها زائد، فالأسماء نحو "جعفر وقِمَطْر وسِبَطْر ودِرَفْس، ومثل جعفر سَلْهَب"،

وهذه الأشياء في الأربعة تكون أسماء وصفات، وأما1 الأفعال التي على أربعة أحرف2 ليس فيها زائد فنحو "دَحْرَجَ وسَرْهَفَ" وما أشبه ذلك، فالثلاثة والأربعة تشترك فيها الأسماء والأفعال على ما ذكرت لك.
قال أبو الفتح: اعلم أن الأسماء الرباعية التي لا زيادة فيها تجيء على ستة أمثلة: خمسة وقع عليها إجماع أهل العربية، وواحد تجاذبه الخلاف وهي: "فَعْلَل, وفِعْلِل, وفُعْلُل, وفِعْلَل, وفِعِلّ, وفُعْلَل".
ففَعْلَل يكون اسما وصفة.
فالاسم "جعفر وصعتر"، والصفة "سلهب وصقعب".
وفِعْلِل: يكون اسما وصفة.
فالاسم "قرطم وعظلم"، والصفة "صمرد وهرمل وخرمل وخضرم وضمرز ولطلط ودردح" وإنما أكثرت من هذا؛ لأن أبا العباس ذكر أن فِعْلِلا في الصفة قليل.
وفُعْلُل يكون اسما وصفة.
فالاسم "برثن وترتم"، والصفة "كلكل وقلقل".
وفِعْلَل يكون اسما وصفة.
فالاسم "قلفع وقرطع"، والصفة "هجرع وهبلع"، وقد قيل: إن الهاء في "هجرع وهبلع" زائدة, وإنهما من "البلع والجرع"، ومثالهما على هذا القول "هِفْعَل".
وقد حكي عن الخليل أنه كان يقول: إن الهاء في "هِرْكَوْلَة" زائدة؛ لأنها تَرْكُل3 في مشيها وهي في هذا القول "هِفْعَوْلَة".
هذا قولهم كما ترى، وإنما ارتكبوه على شذوذه عن النظائر؛ لأن الاشتقاق

قادهم إليه، والصواب في ذلك ألا تكون هذه الهاءات مزيدة وهو المذهب الذي عليه أكثر أهل العلم، وإن كان في "هِجْرَع وهِبْلَع وهِرْكَوْلَة" من معنى ما لا هاء فيه، ولكن على أن يكون لفظه قريبا من لفظه، ومعناه كمعناه.
ولهذا الذي ذهبت إليه نظائر في كلام العرب1, من ذلك قولهم للمكان اللين: "دَمِث"، وقالوا: "دِمَثْر" أيضا, وقالوا للطويل المنبسط: "سَبِط" وقالوا فيه أيضا: "سِبَطْر"، فسبط ودمث لفظهما قريب من لفظ سبطر ودمثر ومعناهما واحد1, ولا يمكن أحد أن يقول: إن الراء من حروف الزيادة.
ومثل ذلك قولهم: "ثَعْلَب وثُعَالة، فثعلب رباعي وثعالة" ثلاثي والمعنى فيهما واحد، وسآتي على أكثر من هذا في مواضعه2, فكذلك3 يجوز أيضا أن تحمل "هجرعا وهبلعا وهركولة" على أنها من معنى "الجرع والبلع والركل"4 وقريبة من لفظه هربا من أن تجعل الهاء زائدة في أول الكلمة، وليس موضع زيادتها أول الكلمة, إنما موضعها أن تقع آخِرا، فهذا ما يحتمله القياس عندي5، والقول الأول له وجه أيضا، ألا ترى أنهم حكموا بزيادة الهاء في أمهات، وإن كانت في حشو الكلمة إلا أن الهاء في أمهات تلي الطرف, فهي من6 موضع الزيادة أقرب.

وفِعَلّ يكون اسما وصفة.
فالاسم "صقعل، وفطحل", والصفة "حبجر وسبطر".
فهذه الأمثلة الخمسة وقع الإجماع عليها.
وأما السادس الذي يتنازع فيه الناس: "فجُخْدَب" ومثاله "فُعْلَل" -بفتح اللام- حكاه أبو الحسن وحده بالفتح وخالفه فيه1 جميع البصريين إلا من قال بقوله، والذي رواه الناس غيره: "جُخْدُب" -بضم الدال- وهو اسم لا صفة، وقد حكى غيره "بُرْقُع وبُرْقَع، وطُحْلُب وطُحْلَب، وجؤذر وجؤذر", إلا أن جُؤْذَرا ذكر أبو علي أنه أعجمي، قال2: فلا حجة فيه2.
والضم في برقع وطحلب هو المعروف الشائع.
فأما قولهم: "عُلَبِط, وعُكَمِس, وهُدَبِد, وخزخز, وجَنَدِل, وذَلَذِل, وزلزل, وعَرَتُن" فهذه كلها محذوفات، وأصلها: "عُلابِط, وعُكامِس، وهُدابِد، وخزاخز، وجَنادِل، وذَلاذِل, وزَلازِل، وعَرَنْتُن" ولكن الألف والنون حُذفتا تخفيفا، ودل على أنه قد حذف منها شيء، أنهم قد نطقوا بها تامة نحو: "علابط وعكامس وجنادل".
قال الراجز: ما راعني إلا جناح هابطا ... على البيوت قوطه العُلابِطا جناح: قالوا: اسم الراعي، ونصب القوط بهابط؛ لأنه يقال: هبط الشيء وهبطته، وقال الآخر: أعددت للورد إذا الورد حضر ... غربا جرورا وجلالا خُزَخِزْ وقال الآخر: وزعموا وكذبوا بأنه ... لقيهم عُلابِط فشربوا

ولولا تقدير المحذوف من هذه الأسماء ونحوها، لكانت خارجة عما عليه كلامهم، ألا ترى أنه ليس في كلامهم كلمة يجتمع فيها1 أربعة متحركات, فهذه الأسماء الرباعية.
وأما الأفعال: فعلى ضربين أيضا: فعل مبني للفاعل، وفعل مبني للمفعول.
فالمبني للفاعل لا يكون إلا على مثال فَعْلَلَ وهو على ضربين: متعد وغير متعد.
فالمتعدي نحو: "دحرج وخرفج" وغير المتعدي نحو: "خندف وهملج", والمبني للمفعول لا يكون إلا على "فُعْلِلَ" نحو: "قلقل وزلزل"، فهذا ما في الفصل.
الأسماء على خمسة أحرف لا زيادة فيها: قال أبو عثمان: وتكون الأسماء على خمسة أحرف لا زيادة فيها، ولا يكون ذلك في الأفعال؛ لأن الأسماء أقوى من الأفعال، فجعلوا لها على الأفعال فضيلة2 لقوتها، واستغناء الأسماء عن الأفعال، وحاجة الأفعال إليها، ولا يكون فعل من بنات3 الخمسة البتة.
قال أبو الفتح: اعلم أنه قد عرّف العلة في أن لم يكن فعل من ذوات الخمسة، وأبان عن مذهبه، وقد قال سيبويه في هذا المعنى قولا, أنا أذكره ليضاف إلى هذا القول.
وذلك أن الأفعال لم تكن على خمسة أحرف كلها أصول؛ لأن الزوائد تلزمها

للمعاني، نحو حروف المضارعة، وتاء المطاوعة في تَدَحْرَجَ، وألف الوصل والنون في نحو1 احْرَنْجَمَ، فكرهوا أن يلزمها ذلك على طولها.
فإن قلت: إنهم قد قالوا: عَنْدَلِيب, وعَضْرَفُوط, وقَبَعْثَرى ونحوها, فألحقوها الزوائد وهي2 خماسية, فإن الأفعال أقعد في الزوائد من الأسماء؛ لأنها تنقلها من حال إلى حال.
الدليل على أن الزيادة بابها الأفعال: ويدل3 على أن الزوائد بابها الأفعال، أن أبا عثمان ذهب إلى أن الألف والنون الزائدتين4 في آخر فَعْلان5 بابها أن تكون5 في آخر6 غضبان وعطشان ونحوهما من الصفات التي تشبههما.
قال: قالوا7: لأن غضبان صفة، والصفة قريبة من الفعل، والزيادة بالفعل وما شابهه أحق.
ومن ذلك أيضا أنك لا تجد اسما اجتمع في أوله زيادتان، إلا أن يكون جاريا على الفعل نحو: مُنْطَلق، ومُستَخْرج، فلولا أنهما جاريان على الفعل الذي هو أحق بالزيادة، لما جاز وقوع زائدين8 في أولهما، وكذلك ما أشبههما من أسماء الفاعلين والمفعولين والمصادر والأمكنة.
فقد علمت أن الفعل في الزوائد أقعد، وقد حمل هذا قوما على أن قالوا:

إن انْقَحْلا في1 معنى قَحَلَ وليس من لفظه، وإنه لا زيادة في أوله.
كذا حكى2 أبو علي عن بعضهم, فاحتُملت الزوائد في الأسماء الخماسية3؛ لقوة الأسماء, ولأن الزوائد لا تتمكن وتكثر في الأسماء تمكنها وكثرتها في الأفعال، فكأن4 الزيادة إذا جاءت في الأسماء لا5 يعبأ بها لذلك.
أمثلة الأسماء من بنات الخمسة لا زيادة فيها: قال أبو عثمان: فالأسماء من بنات الخمسة نحو: "سَفَرْجَل وهَمَرْجَل وجِرْدَحْل وحِنْزَقر وجَحْمَرِش وقُذَعْمِلَة"، وتكون هذه الخمسة أسماء وصفات.
قال أبو الفتح: اعلم أن الأسماء الخماسية تجيء على أربعة أمثلة, وخامس لم يذكره سيبويه, وهي6: "فَعَلَّل وفِعْلَلّ وفَعْلَلِل وفُعَلِّل".
فمثال فَعَلَّل يكون اسم وصفة, فالاسم "فَرَزْدَق، وخدرنق"، والصفة "هَمَرْجَل وشمردل".
وفِعْلَلّ يكون اسما وصفة، فالاسم "قِرْطَعْب" والصفة "جِرْدَحْل وحنزقر".
وفَعْلَلِل: ذكر أبو عثمان أنه يكون اسما وصفة؛ لأنه قال قُبَيْلُ: وتكون هذه الخمسة أسماء وصفات, وذكر أبو العباس أنه إنما جاء هذا المثال في النعت

نحو: "جَحْمَرِش ونخورش" ونخورش1 ليس عندي من بنات الخمسة؛ لأن فيه واوا، والواو لا تكون أصلا في ذوات الخمسة, ومثل "جحمرش" عندي "صَهْصَلِق وقهبلس وقنفرش".
وفُعَلِّل يكون اسما وصفة، فالاسم "الخُزَعْبِلَة"، والصفة "الخُبَعْثِن، والقُذَعْمِل" وقيل: قذعملة اسم.
والخامس الذي لم يذكره سيبويه: فُعْلَلِل، وهو "هندلع".
وقالوا2: هو اسم بقلة، ومن ادعى ذلك احتاج أن يدل على أن النون من الأصل.
فهذه أبنية الأسماء والأفعال التي لا زيادة فيها, ويجمعها ثلاثة وعشرون مثالا: أحد عشر ثلاثيا، وسبعة رباعيات، وخمسة خماسيات.
فمن الثلاثي ثلاثة أمثلة يشترك فيها الأسماء والأفعال, وهي: فَعَل، وفَعِل، وفعل, وواحد تختص به الأفعال وهو: فُعِل إلا في حرف واحد وهو دُئِل وقد ذكرته، والباقي يختص به الاسم.
وأما الرباعي: فالأسماء والأفعال تشترك في مثال واحد منه3 وهو فَعْلَل.
ويختص الفعل ببناء واحد وهو فُعْلِلَ لأنه نظير فُعِلَ في الثلاثي، والباقي يختص به الاسم، والخماسي خمسة أمثلة يختص بها كلها الاسم.
فإن قال قائل: فلِمَ كانت الثلاثية أكثر أبنية؟ فالجواب: أنه إنما كثر تصرف ذوات الثلاثة في كلامهم؛ لأنها أعدل الأصول، وهي أقل ما يكون

عليه الكَلِم المتمكنة1: حرف يُبتدَأ به وحرف يُحشَى به وحرف2 يُوقَف عليه.
ويدلك على تمكنها أنهم يصرفون منها ما كان معرفة مؤنثا إذا سكن وسطه نحو: هنْد وجمْل.
فصرفهم إياه مع أن فيه علتين ثقيلتين وهما التعريف والتأنيث دلالة على خفته، ألا ترى أن الخفة فيه عادلت أحد السببين, فانصرف الاسم؛ فلذلك كثرت أمثلة الثلاثي.
ومن هنا أيضا صارت ذوات الثلاثة أحق بالزيادة؛ لأن الزيادة في الكلمة ضرب من تصريفها، ولست أعني بالتصريف ها هنا التنقل في الأزمنة نحو: ضرب ويضرب3 وسيضرب، وإنما أريد تنقل أحوال الكلمة وتعاور4 الزيادة إياها.
ألا ترى أنهم إنما5 حكموا بزيادة النون في "سِنْدَأو، وقندأو، وحنطأو، وكنتأو"؛ لأنهم لما رأوا الواو زائدة فيها6؛ لأنها لا تكون أصلا في ذوات الخمسة, قضوا بزيادة النون، قالوا: لتكون الكلمة ثلاثية؛ لأن الزيادة بذوات الثلاثة أشبه, فلخفة ذوات الثلاثة ما كثر تصرفها واعتورتها الزيادات.
ولما كانت ذوات الأربعة وسيطة بين الثلاثة والخمسة، لم تمنع الفعل أصلا، بل جاء فيها؛ لأنها -وإن كانت فوق الثلاثة- فهي7 دون الخمسة.
فمن هنا جاء فيها8 دحرج ونحوه؛ ولذلك لم يُزَدْ على فَعْلَلَ وفُعْلِلَ،

وكأن ذوات الخمسة, وإن لم يكن فيها فعل، فإن دخول التحقير والتكسير فيها كالعوض من منع الفعلية فيها، ألا ترى أنك تقول في تحقير سَفَرْجَل: "سُفَيْرِج" وفي تكسيره "سَفَارِج", فجرى هذان مجرى قولك: "سَفْرَجَ يُسَفْرِجُ سَفْرَجَةً، فهو مُسَفْرِج" وإن كان هذا لا يقال, فإنه لو اشتُق منه فعل لكانت هذه طريقته.
وسألت أبا علي فقلت له: هلا حقّروا سفرجلًا وكسّروه1 ولم يحذفوا من آخره شيئًا؟ فقال: لم يجز ذلك؛ لأن التحقير والتكسير ضرب من التصرف2، وأصل التصرف3 للأفعال؛ لأنها بالزوائد أحق، فلما لم يكن لهم فعل خماسي لم يكسر نحو سفرجل, ولا حقر إلا بحذف حرف ليصير إلى باب دحرج, فيمكن فيه التصريف، فهذا قول حسن سديد، وهو تلخيص قول سيبويه.
ولهذا ما قلّت الزوائد في بنات الخمسة.
ومن ها2 هنا أيضًا لم تلحق بنات الخمسة الزيادة من أولها؛ لأن الزيادة في الكلمة ضرب من توهينها؛ لأنك قد أدخلت فيها ما ليس منها، فلما كانت الخماسية قليلا ما تدخلها الزوائد، كرهوا أن يبدءوا فيها بما هو زائد على أصلها وكان آخر الكلمة ووسطها أشبه بالتوهين3 من أولها؛ لقوة الأول وضعف الآخر.
ألا ترى أن الزيادة إنما تجيء في مثل "عَضْرَفُوط وعندليب ويَسْتَعُور وقبعثرى" حشوا وآخرا، ولا يقع شيء من ذلك في أول الكلمة، على أن الزيادة فيها حشوا أكثر منها آخرا، وكل قليل.

وإذا كانت ذوات الأربعة التي هي أمكن من ذوات الخمسة وأخف, لا تقع الزوائد في أولها إلا في ضرب واحد منها وهو الاسم الجاري على فعله نحو: "مُدحرِج, ومسرهف" كراهية الابتداء بالزوائد فيها، فذوات الخمسة -على طولها وقلة تصرفها وكثرة حروفها- أولى بذلك.
ويدل على أن الزيادة في أول الكلمة بابها الفعل، أنه لم يأت في ذوات الأربعة إلا فيما كان جاريا على فعل نحو مدحرج وبابه1، والخماسية لا فعل منها2؛ فلذلك لم يزد في أولها.
"الإلحاق غير المطرد بزيادة الواو والياء والألف في الأسماء والأفعال": "في الأسماء" قال أبو عثمان: فقد3 ذكرت لك الأصول في الأسماء والأفعال فاعرفها، وسأبين لك ما يكون من الزوائد في الثلاثة وفي الأربعة وفي الخمسة إن شاء الله.
فمما زِيدَ في الثلاثة ليلحقها ببناء الأربعة من الأسماء بالواو والياء: "كَوْثَر وجدول وجيئل"4, فهذا كله4 ملحق ببناء جعفر, والواو والياء فيه زائدتان.
قال أبو الفتح: اعلم أن الإلحاق إنما هو بزيادة في الكلمة تبلغ بها زنة الملحق به لضرب من التوسع في اللغة، فذوات الثلاثة يبلغ بها الأربعة والخمسة, وذوات الأربعة يبلغ بها الخمسة.
ولا يبقى بعد ذلك غرض مطلوب؛ لأن ذوات

الخمسة غاية الأصول، فليس وراءها شيء يلحق به شيء، وقد ذكر أبو عثمان تفصيل هذه الجملة, وأنا أوضح كل حرف فيها: فكوثر: الواو فيه زائدة؛ لأنه من الكثرة.
قال الشاعر: وأنت كثير يابن مروان طيب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا فكوثر من معنى كثير، وجدول: الواو فيه زائدة؛ لأنه النهر، وهم كثيرا ما يصفونه بالتلوي ويشبهونه بالحية، وقد قال بعض المحدثين في وصفه: ينساب مثل الحية المذعور والجدل: طَيّ الخَلْق وشدة الفَتْل، والحية أشبه شيء بالجديل1, فالجدول راجع في المعنى إلى الجَدْل والتلوِّي1.
قال الشاعر: زماما كثعبان الحماطة أزنما وقال ذو الرمة: رجيعة أسفار كأن زمامها ... شجاع لدى يسرى الذراعين مطرق وأنشد الأصمعي: تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... حباب نقا يتلوه مرتجل يرمي وجَيْئَل, وإن لم نعلم2 وجه الاشتقاق فيها, فالياء لا بد من أن تكون زائدة؛ لأنها لا تكون أصلا، لا هي ولا الواو في ذوات الأربعة إلا في التضعيف، وسيمر بك ذلك في موضعه إن شاء الله3.
قال أبو عثمان: والألف تلحق ببنات الثلاثة آخرا, فتلحقها بالأربعة من الأسماء نحو مِعْزى وأَرْطى، فمعزى ملحق بهجرع، وأرطى ملحق

بجعفر.
وذا أكثر من أن أعده لك1, ولكن أضع لك رسمًا تستدل به إن شاء الله.
قال أبو الفتح: يدل على زيادة الألف في مِعْزى أنهم يقولون في معناه: مَعَز ومَعْز ومَعِيز, فتذهب الألف في الاشتقاق2، ويدل على أن الألف في آخر أرطى زائدة أنهم يقولون2: أديم مأروط؛ إذا دُبِغ بالأرطى، فقد ذهبت الألف في الاشتقاق، فمِعْزى فعلى، وأرْطى فعلى2 والألف في آخرهما للإلحاق؛ لأنهما بوزن "هِجْرَع وجَعْفر".
ويدل على أنهما ليستا للتأنيث، أنهما منونتان، ولو كانتا للتأنيث لما نونتا على وجه.
ألا ترى أن مثل "حُبْلى وسَكْرى وجُمادى" لا ينون أبدًا، وأيضًا فقد قالوا: أرْطاة، فألحقوا الألف علامة التأنيث، ولو كانت للتأنيث لم تلحقها الهاء؛ لئلا تجتمع في الاسم علامتا تأنيث، ألا ترى أنك لا تقول في حبلى: حبلاة, ولا في سكرى: سكراة، وأيضًا فإن معزى مذكر.
قال الشاعر: ومِعْزًى هدبا يعلو ... قران الأرض سودانا فليست الألف فيه للتأنيث؛ لأنه مذكر، وكذلك قولهم: "سِعْلاة، وعِزْهاة, وجَلَعْباة, وصَلَخْداة"، الألف في أواخرها للإلحاق بمثل "هجرع وفرزدق" يدل على ذلك لحاق علامة التأنيث فيها, وحكى سيبويه: "بُهْمَاة"، وهذا حرف شاذ؛ لأنه أدخل الهاء على ألف فُعْلَى وألف فعلى لا تكون إلا للتأنيث.

والقول1 عندي في ذلك أن الذي أدخل الهاء في "بهماة" اعتقد في الألف أنها ليست للتأنيث، فإما أن يكون جعلها بمنزلة ألف قَبَعْثَرى زائدة لغير إلحاق ولا تأنيث، وإما أن يكون جعلها ملحقة للكلمة ببناء جُخْدَب على مذهب الأخفش.
فإن قلت: فإنه يلزم على هذا أن تنون "بُهْمَى" بعد حذف الهاء أو قبل دخولها على قول من أدخل الهاء عليها؟ قيل: قد يجوز أن يكون الذي أدخل الهاء عليها فخالف الجمهور إذا حذفها، وافق الجميع على أن تكون للتأنيث، فيخالف إذا ألحق2 الهاء، ويوافق إذا حذفها، أو يكون الذي قال: "بهماة" بناها في أول أحوالها على التأنيث كما قالوا: "عَرْقُوَة وقَمَحْدُوة والنهاية ومِذْرَوَان وثِنايان" فبنوا هذه الأشياء في أول أحوالها على التأنيث والتثنية، فكذلك بهماة تكون مبنية على التأنيث لا مذكر لها.
وحكى أبو الحسن "شُكاعاة"، وحكى أبو زيد أنهم يقولون: "قَصْباءَة، وحلفاءة، وطرفاة" بالهاء والهمزة، وهذا من النادر الغريب، وحدثني أبو علي أن أبا الحسن حكى عنهم "أديم مَرْطِيّ" وليس في كثرة مَأْرُوط، فينبغي أن يكون أرطى على هذا القول أَفْعَلا وتُنَوَّن؛ لأنها نكرة بمنزلة "أفْكَل وأيْدَع" وتكون أرطاة على هذا أفْعَلَة مثل أرملة وإن لم تكن وصفا، وحكى بعضهم: أديم مُؤَرْطى، فهذا يحتمل عندي أمرين، أجودهما أن يكون مُفْعَلى بمنزلة مسلقى ومجعبى.
ويحتمل أيضا أن يكون مُؤَفْعلا بمنزلة قول الراجز: فإنه أهل لأن يؤكرما

وإنما كان الوجه الأول أقيس؛ لأنك تجعل الهمزة فيه فاء وذلك أقيس؛ لأن مأروطا أفشى في اللغة من مرطي, وكلاهما جائز والأول الاختيار.
في الأفعال: قال أبو عثمان: وقد تلحق الأفعال من الثلاثة بالأفعال من الأربعة كما فُعل ذلك في الأسماء1 من الثلاثة حين ألحقت بالأربعة، وسأذكر بعض ذلك إن شاء الله.
فمن ذلك "قد حَوْقَلَ الرجل حوقلة، وجهور في كلامه جهورة, وبيطر الدابة بيطرة".
قال أبو الفتح: اعلم أنهم أرادوا أن يتسعوا في الأفعال كما اتسعوا في الأسماء, فألحقوا الثلاثية بالرباعية، فالواو والياء في هذه الأفعال ونحوها لا تكون إلا زوائد؛ لأنهما لا يكونان أصولا في ذوات الأربعة إلا في التضعيف، وسيأتي في موضعه.
"فحوقل نظير كوثر وجهور نظير جدول" وقد سمي بهما جميعا2 قالوا: فلان بن حوقل وفلان بن جهور وكلاهما مصروف؛ لأن هذا بناء لا يختص بالفعل دون الاسم كما تصرف رجلا يسمى كَعْسبا, ذكر ذلك سيبويه, واحتج به على عيسى بن عمر؛ لأنه كان لا يصرف ضرب اسم رجل.
قال سيبويه: وكَعْسَبَ فَعْلَلَ3 من الكَعْسَبَة وهو ضرب من العدْو, ويجوز عندي أن يكون اشتقاق حوقل من الحَقْلَة, وهي ما بقي من نُفَايات التمر؛ لأن قولهم: قد حوقل الرجل معناه كَبِر وضَعُف, فصار كأنه لم يبق منه إلا نفايته، وقال الراجز4:

يا قوم قد حوقلت أو دنوت ... وبعض حيقال الرجال الموت وهو قريب في المعنى من قولهم: شيخ قاحل؛ إذا كبر ويبس1, وليس على نظمه لأجل التقديم والتأخير في الحروف، ولكنه قريب2 من لفظه, وقريب من معناه3 وليس على نظمه3، ولهذا نظائر في كلام العرب.
ولو قلت: إن أكثر لغاتها على هذا المنهاج, لكان قولا.
ونظير هذا قولهم: جبرت الشيء إذا قويته ومكنته.
ثم قالوا: "بُرْج، والبروج: الحصون"، وهي تمنع من فيها وتُعِزه.
وقالوا: "المُرَجَّب" للمعظم، وتعظيمك الشيء ومنعك منه وجبرك إياه قريب بعضه من بعض في المعنى، وليس جبرت على تأليف برج, ولا على تأليف المرجب؛ لأجل التقديم والتأخير.
فالحروف واحدة، واللفظ متفق، والنظم مختلف، وهذا باب واسع يعم أكثر اللغة ويحتاج الناظر فيه، والباحث عنه إلى أن يكون لطيف النظر.
ثم نعود لما كنا فيه.
وقولهم3: جَهْوَر في كلامه، هو من الجهارة وهو ارتفاع الصوت وظهوره، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ 4 أي: عِيانًا, ومنه قولهم: "جهرت البئر" إذا أخرجت ما فيها من الحمأة, فأظهرته لمرآة العين، فالواو فيه زائدة.
وقولهم: بَيْطَر الدابة: أصله من البَطْر وهو الشق في جلد أو غيره، ويقال5: بطرتُ الجُرْح أبطُره وأبطِره بطْرا، ومنه سمي البَيْطار؛ لأنهم كثيرا ما يصفونه بالشق والنقب، ألا ترى إلى قول الشاعر:

اعص العواذل وارم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا أقب لم ينقب البيطار سرته ... ولم يدجه ولم يقطع له عصبا حتى تصادف مالا أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا فمن هنا قيل: بيطر الدابة، وقالوا في هذا المعنى: "رجل1 بَيْطَر وبِيَطْر ومُبَيْطِر وبَيْطَار" فقد صح أن الياء في بيطر زائدة، وإنما أذكر في هذه المواضع مثل هذا الاشتقاق؛ لأن الحاجة تدعو إليه لتقوم الدلالة على زيادة الحروف المزيدة؛ لأنه موضع تبيين ذلك.
قال أبو عثمان: فإذا أرادوا أن يلحقوا الثلاثة بالأربعة بزائدة في آخره, زادوا ياء في آخره, فأجروها مجرى الياء التي من نفس الحرف2, وذلك قولهم: سلقيته وجعبيته، فهذا الذي ذكرت لك من الإلحاق في الثلاثة من الأسماء والأفعال ببنات الأربعة.
قال3 أبو الفتح3: اعلم أن الياء في "سَلْقَيْتُ وجعبيت" هي أصل للألف في "سَلْقَى وجعبى".
فإن قيل: وما الدليل على أن الياء الأصل دون الألف؟ قيل: ظهور الياء عند سكون لام الفعل، وذلك نحو: "سلقيت وجعبيت" فجرى ذلك مجرى "رميت وسعيت"؛ لأن السكون بعد3 الحركة؛ ولذلك4 قال أبو عثمان: زادوا في آخره ياء ولم يقل: زادوا ألفا.
ولهذا أيضا مَثَّل بسلقيت ولم يُمَثِّل بسَلْقَى.

وقوله: وأجروها مجرى الياء التي من نفس الحرف: يريد به أن الياء التي في سلقيت -على أنها زائدة- تجري مجرى الياء التي في أمضيت, وكلاهما1 أصل غير زائد، ألا ترى أنك تقول: "سَلْقَى يُسَلْقِي سِلْقَاء فهو مُسَلْقٍ، كما تقول: أجرى يجري إجراء فهو مجرٍ".
وأما قولهم في المصدر أيضا: "سَلْقاة وجعباة" فهو نظير "الضَّوْضاة والقَوْقاة" مصدر: "ضوضيت وقوقيت" ونظيرهما من الصحيح "الدحرجة والقلقلة والزلزلة"؛ لأن "سلقى" ملحق "بدحرج"، فلذلك جاء مصدره بمنزلة الدحرجة.
وقالوا: "سلقيتُ سِلْقاء" كما قالوا: "دحرجتُ دِحْراجا" وقال الراجز: سَرْهَفْتُهُ ما شئت من سِرْهاف ولم يقولوا: أكرمته أَكرمة بوزن دَحرجة؛ لأن أكرمت ليس ملحقا بدحرجت.
الإلحاق المطرد في الأسماء والأفعال: قال أبو عثمان: وهذا الإلحاق بالواو والياء والألف لا يقدم عليه إلا أن يُسمَع, فإذا سُمع قيل: أُلحق ذا بكذا بالواو والياء وليس بمطرد، فأما المطرد الذي لا ينكسر، فأن يكون موضع اللام من الثلاثة مكررا للإلحاق، مثل "مَهْدَد وقَرْدَد وسُؤْدُد وعُنْدُد"، والأفعال "جلبب يُجلبب جلببة".
قال أبو الفتح: اعلم أن قوله: وهذا الإلحاق بالواو والياء والألف لا يقدم

عليه: يريد به الأسماء والأفعال جميعا لا أحد القبيلين، وإنما لم يطرد عنده؛ لأنه لم يكثر كثرة ما يكون إلحاقه بتكرير لامه نحو مَهْدَدٍ وجَلْبَبَ، فلما لم يكثر كثرته لم يقسه وسلم ما سمع منه, وهذا الذي عملوه هو القياس عندي؛ لأنك إذا أردت أن تلحق شيئا بشيء أكثر حروفا منه, فلا بد من زيادة تبلغه ذلك الغرض المطلوب.
وينبغي أن تكون الزيادة عند انقضاء حروف1 الكلمة الأصول، ولا تجيء بالزوائد2 قبل أن نستوفي ما له3 من الأصول؛ لأنه كان يكون حكمك لو فعلت ذلك, حُكم من له دراهم فاحتاج إلى إنفاقها فتركها بحالها لم يعرض لها, وذهب يَدَّان غيرها فينفقه.
فلما فني ما ادَّانه عاد على4 ماله بالنفقة، فهذا ليس في حزامة من بدأ بإنفاق ماله.
فلما فني ونفد دعته الضرورة إلى أن يدّان ويسأل الناس فهو حينئذ أعذر من الأول.
وإنما مثلت هذا لينكشف القياس، ولم أتعد في هذا التمثيل ما جرت به عادة النحويين, ألا ترى أنهم يقولون: إن الإمالة إنما دخلت الكلام ليتجانس الصوتان.
قالوا: ولو قلنا: عالم فلم نُمِل، لكان النطق بكسرة اللام بعد إشباع الفتحة بالألف كالنزول في حُدور من موضع عالٍ، فأملنا فتحة العين لتصير الألف بين الياء والألف، فتقرب بذلك من كسرة اللام, فيكون ذلك كالنزول من موضع غير مفرط العلو، وهذا أخف من الانكسار بعد إشباع الفتحة.
فإن قلت: فهلّا قاسوا الإلحاق في مثل سلقى وجعبى؛ لأن الزيادة بعد

انقضاء الحروف الأصلية؟ فالجواب في ذلك أنهم إنما أرادوا أن يبلغوا بالثلاثة الأربعة، والأربعة كلها أصول، فلما لم يكن بد من الزيادة، كرروا الأصل فقالوا: جلبب، فكان تكرير الأصل إذا أريد الإلحاق بالأصل أشبه.
ألا ترى أن جَلْبَبْتُ بوزن دَحْرَجْتُ, والجيم من الأصل، فكرروا الباء في جلببت؛ لأنها وإن كانت زيادة، فإنها تكرير أصلي والأصل أشبه بالأصل وإن كان مكررا، والياء في سلقيت -مع أنها زائدة- ليست من أصل1 القاف في شيء، فهذا الذي عندي في هذا.
ومعنى قوله: إن باب "مهدد وجلبب" مطرد، وباب "كوثر وجهور" غير مطرد, يريد: أنك لو احتجت في شعر أو سجع أن تشتق2 من ضَرَبَ اسما أو فعلا أو غير ذلك, لجاز3 وكنت تقول: ضَرْبَبَ زيد عمرا وأنت تريد ضَرَبَ3, وكنت تقول: هذا ضرببٌ قد4 أقبل, إذا جعلته اسما، وكذلك ما5 أشبه هذا ولم يكن يجوز لك5 أن تقول: ضَوْرَبَ زيد عمرا، ولا: هذا رجلٌ ضوربٌ؛ لأن هذا الإلحاق لم يطرد اطراد الأول, فلا تقسه6.
وسألت أبا علي عن هذا الموضع في وقت القراءة بالشام والعراق جميعا، وأنا أثبت ما تحصّل من قوله فيه, فقال7: لو اضطر شاعر الآن، لجاز أن

يبني من ضَرَبَ اسما وفعلا وصفة وما شاء من ذلك، فيقول: "ضَرْبَبَ زيدٌ عمرًا، ومررتُ برجل ضرببٍ، وضرببٌ أفضل من خَرْجَجٍ"؛ لأنه إلحاق مطرد، وكذلك كل مطرد من الإلحاق نحو: هذا "رجل ضَرَنْبًى"؛ لأن هذا الإلحاق مطرد، وليس لك أن تقول: هذا رجل "ضَيْرَبٌ، ولا: ضَوْرَبٌ"؛ لأن هذا لم يطرد في الإلحاق.
فقلت له: أترتجل اللغة ارتجالا؟ فقال: نعم؛ لأن هذا الإلحاق لما اطرد صار كاطراد رفع الفاعل، ألا ترى أنك تقول: طاب الخُشْكَنانُ, فترفعه وإن لم تكن العرب لفظت بهذه الكلمة؛ لأنها أعجمية؟ قال: وإدخالهم الأعجمي في كلامهم كبنائك ما تبنيه من ضَرَبَ وغيره في1 القياس, وهذا من طريف ما علقته من أبي علي، وهذا لفظه أو معنى لفظه.
الزيادة للإلحاق المطرد وغير المسموع للتدريب: قال أبو عثمان: فإذا سُئِلتَ: كيف تبني من ضَرَبَ مثل جَعْفَرٍ؟ قلت: ضَرْبَب، ومن علم قلت: عَلْمَم، ومن ظرُف قلت: ظَرْفَفٌ، وإن كان فعلا فكذلك, وتجريه مجرى دحرج في جميع أحواله.
قال أبو الفتح: اعلم أن معنى2 قول أهل التصريف: ابن لي من كذا مثل كذا, إنما معناه: فُكّ3 صيغة هذه الكلمة3 وصُغْ من حروفها مثل هذا الذي قد سئلت أن تبني مثله, بأن تضع الأصل بحذاء الأصل، والزائد بإزاء3 الزائد، والمتحرك

بإزاء المتحرك، والساكن بإزاء الساكن، وتضم ما سألك أن تضمه، وتفتح ما سألك أن تفتحه، وتكسر ما سألك أن تكسره، فتحتذي المثال المطلوب.
وذلك نحو قولك: ابنِ من خرج مثل هِجْرَع؟ فجوابه "خِرْجَج" ومثله1 من دخل: "دِخْلَل"، وإن كان في المثال المطلوب زائد جعلته فيما تبنيه أنت.
وذلك قوله: ابن لي من ضرب مثل خَيْفَق؟ فجوابه: "ضَيْرَب"؛ لأنه في هذه المسألة كأنه قال لك: اجعل ثاني الحروف ياء زائدة فلم تعد ما سألك، وكأنه في المسألة الأولى قال لك: كرر اللام من خرج؟ فجوابه: خَرْجَجَ.
فإن كان المبني منه معتل الحروف فأوجب عليك احتذاؤك المثال المقصود إعلالا بحركة أو سكون أو قلب أو حذف, ارتكبت ما أداك إليه السؤال, وسيمر بك تفصيل هذه الجملة في مواضعه.
وإنما قدمت هذا لتجعله قاعدة تبني عليها، وإذا عرف الأصل قرب الفرع والله المعين.
وقوله: وتجريه مجرى دحرج في جميع أحواله, يريد به: أنك تقول: ظَرْفَفَ يُظَرْفِفُ ظَرْفَفَةً فهو مُظَرْفِف وذلك مُظرفَف وتظهر ولا تدغم؛ لأنه ملحق, فلو أدغمت لزال البناء.
قال أبو عثمان: فهذا الذي ذكرت لك أنه يطرد في الإلحاق والذي تقدم قبله من الملحق بالواو والياء ليس بمطرد إلا أن يسمع، ولكنك إن سئلت عن مثاله جعلتَ في جوابك زائدا بإزاء الزائد, وجعلتَ البناء كالبناء الذي سئلت عنه.
قال أبو الفتح: قد تقدم قولنا في الفصل بين المطرد وغيره.
وقوله: إن

سُئلتَ عن مثاله جعلتَ في جوابك زائدا بإزاء الزائد, يريد: أنك إذا مثّلته إما للرياضة وإما لتبيين الأصل من1 الزائد؛ لزمك أن تنطق بالزائد في المثال ليمتاز الأصل من غيره.
وقوله: وجعلت البناء كالبناء الذي سئلت عنه, يريد به الآن: الصيغة ونظم الحروف في التقديم والتأخير والحركة والسكون، ولهذا2 قلت في "كَوْثَر: إنه فَوْعَل, وفي صَيْرَف: إنه فَيْعَل, وفي جَهْوَر: إنه فَعْوَل".
قال أبو عثمان3: فإن قيل لك: ابن3 من ضرب مثل جَدْوَل؟ قلت: ضَرْوَب, ومثل كَوْثَر: ضَوْرَب, ومثل جَيْئَل: ضَيْرَب، وإن كان فعلًا فكذلك.
قال أبو الفتح: اعلم أنه ليس يريد أنك تقيس في الإلحاق على "جدول وكوثر وجيئل" قياسًا مطردًا؛ لأنه قد ذكر بديئًا أنه غير مطرد في بابه، وإنما يريد أنك لو مثلته من الضرب لقلت: "ضَوْرَبٌ وضَرْوَبٌ وضَيْرَبٌ"، كما أنك لو مثلته من الفعل لقلت: "فَوْعَلٌ وفَعْوَلٌ وفَيْعَلٌ"، فكأنه قال لك: ما مثال "كوثر وجدول وجيئل" من الضرب، كما يقول لك: ما مثال هذه الأشياء من الفعل.
وقوله: وإن كان فعلًا فكذلك, يريد به: أنك لو مثلت "حوقل وجهْور وبيطر" من ضرب، لقلت: "ضَوْرَبَ وضَرْوَبَ وضَيْرَبَ" كما فعلت في الاسم؛ لأن التمثيل في القبيلين واحد.

إلحاق الرباعي بالخماسي من الأسماء: قال أبو عثمان: وقد يُبْلَغُ ببنات الأربعة الخمسة من الأسماء كما بُلغ بالثلاثة الأربعة كما ذكرت لك1, وسنبين كل شيء في موضعه إن شاء الله2.
فمما أُلحق من الأربعة بالخمسة: قَفَعْدَد ملحق بسفرجل وهَمَرْجل.
قال أبو الفتح: اعلم أن القياس المطرد في إلحاق بنات الأربعة بالخمسة أن تكرر اللام كما فعلتَ ذلك في الثلاثة نحو: "مَهْدَد وقَرْدَد"؛ لأن محل الخمسة من الأربعة محل الأربعة من الثلاثة؛ فلذلك استويا في هذا المعنى.
ولهذا بدأ أبو عثمان "بقفعدد" وترك "فَدَوْكَسا وسَمَيْدَعا" ونحوهما مما ليس إلحاقه بتكرير اللام، وسيأتيك إن شاء الله، ومثل3 قَفَعْدَد سَبَهْلَل وصَمَعْدَد4.
قال أبو عثمان: وقد تلحق الثلاثة بالخمسة نحو: عَفَنْجَج وهو من الثلاثة، فالنون5 وإحدى الجيمين زائدتان.
قال أبو الفتح: اعلم أنك إذا استوفيت ثلاثة أحرف من الأصول ثم تكررت اللام؛ قضيت بزيادتها6 وذلك نحو: "قَرْدَد وجَلْبَبَ" فالدال والباء الأخيرتان زائدتان6؛ لأنهما6 قد تكررتا.
ولو كان في موضع الدال الأخيرة حرف غير

جارٍ التحميل